← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المقتلة ألف نفس وكانت بقرب السويداء. وفي سنة ٧١٠ أقام السلطان ملكاً على حماة إسماعيل بن علي الملقب بأبي الفداء وهو آخر من بقي من سلالة الملوك الأقدمين في الشام. ولولا حسن سياسة أبي الفداء ما وصل إلى هذا المنصب لأن الدور أصبح دور المماليك والدخلاء وجميع مواطن النيابة أصبح فيها مماليك السلطان أو مماليك والده أو مماليك مماليك والده، وجميعهم مرتبون من الأبواب الشريفة. ولم يكن كل ملك أو قيل من هؤلاء الملوك والأقيال حراً بمملكته كما زعم بعضهم، بل كانوا حتى من تسلسل فيهم الملك في بلدان صغيرة من الشام أشبه بأصحاب إقطاعات لا يزالون في حربهم وسلمت تحت أمر السلطان. وإذا شذ في الأحايين بعضهم وعدوا على سلطانهم فإنهم لم يخرجوا عن كونهم ولاة أو عمالاً خرجوا على السلطان ليس إلا. الغزوات في الشمال وظهور دعوة جديدة: وفي سنة ٧١١ قصد قراسنقر كبير الأمراء في حلب أمير العرب مهنا بن عيسى وكان على مسيرة يومين من حلب يستنصره، وكان في ثمانمائة مملوك على الملك وكان يريد أن يبطش به. فركب مهنا فيمن أطاعه من أهله، واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفاً، وقصدوا حلب وأحرقوا باب قلعتها وتغلبوا عليها، واستخلصوا منها مال قراسنقر ومن بقي من أهله ولم يتعدوا إلى سوى ذلك ودخلت سنة ٧١٥ فأرسل السلطان محمد بن قلاوون عساكر الشام ومصر إلى ملطية ففتحوها، وسبب ذلك أن حكومتها كانت تعتدي على أبناء السبيل ومن جاورها من سكان القلاع، وأن المسلمين كانوا بها يختلطون بالنصارى حتى إنهم زوجوا النصراني بالمسلمة، وثبت أنهم كانوا يطلعون التتر والأرمن على أخبار المسلمين، ثم رجع الجيش إلى مرج دابق قرب حلب، وترددت الرسل إلى صاحب سيس الأرمني في إعادة ما في جنوبي جيحان من البلدان وزيادة القطيعة أي الإتاوة، فجعلها نحو ألف ألف درهم. وصدر أمر السلطان بأن لا تكون بحماة حماية لدعوة الإسماعيلية أهل مصياف، بل يتساوون مع رعية حماة في أداء الحقوق والضرائب الديوانية وغير ذلك. وأغار سليمان بن مهنا بن عيسى بجماعة من التتر والعرب على التراكمين

стр. 422

والعرب النازلين قريب تدمر ونهبهم ووصل في إغارته إلى قرب البيضاء بين القريتين وتدمر وعاد بما غنمه إلى الشرق. وجهز نائب السلطنة ٧١٧ بحلب عدة كثيرة من عسكر حلب وغيرهم من التركمان والعربان والطماعة ما يزيد على عشرة آلاف فارس فساروا إلى آمد ونهبوا أهلها المسلمين والنصارى وبالغوا في النهب الحرام فخلت آمد من أهلها. وظهر في جبال بلاطنس من عمل اللاذقية رجل من النصيرية وادعى أنه محمد بن الحسن العسكري ثاني عشر الأئمة عند الإمامية، وقيل: زعم تارة أنه المهدي المنتظر، وأخرى أنه علي بن أبي طالب، وطوراً أنه محمد المصطفى وأن الأمة كفرة. فتبعه خلق من النصيرية نحو ثلاثة آلاف، وهجم مدينة جبلة والناس في صلاة الجمعة فنهب أموال أهل جبلة، وجرد إليه عسكر من طرابلس فلما قاربوه تفرق جمعه وهرب واختفى في تلك الجبال فتتبع وقتل وباد جمعه ولم يعد لهم ذكر، بعد أن قتل مائة وعشرون رجلاً من رجاله. وفي سنة ٧٢٠ تقدمت مراسيم السلطان بإغارة العساكر على سيس فسار الجند الشامي من الساحل ودمشق وحماة وحلب فنازلوا قلعتها حتى بلغوا السور، وغنموا منها وأتلفوا الزراعات وساقوا المواشي ونهبوا وخربوا. وسار جمع عظيم من العساكر الشامية والعرب في أثر آل عيسى، وكانت منازلهم في سليمة، حتى وصلوا إلى الرحبة فعانة فهرب آل عيسى إلى ما وراء الكبيسات، وأقام السلطان موضع مهنا محمد بن أبي بكر، ثم رضي السلطان ٧٢٢ على الأمير فضل بن عيسى وأقره على إمرة العرب موضع محمد بن أبي بكر أمير آل عيسى. وجردت بعض العساكر المصرية والشامية والساحلية إلى سيس ونازلوا اياس فهربت الأرمن منها وأخلوها وألقوا النار فيها فملكها المسلمون، وخربوا ما قدروا على هدمه وعاد كل عسكر إلى بلده. وهدأت الأحوال في هذه الحقبة ولم يحدث سوى أمور طفيفة مثل قدوم مراكب فرنج جنوية ٧٣٤ إلى بيروت، قاتلوا أهلها يومين ودخلوا البرج وأخذوا الأعلام السلطانية والمراكب. وكان السلطان يعتقل بعض الخوارج عليه أو من يرى في سيرهم ما يدعو إلى الشبهة ثم يطلقهم وينعم عليهم، وربما أخر

стр. 423

إهلاك من يخافهم على السلطنة مثل تنكز نائب الشام عشر سنين ثم قتله، وكان قتل خلقاً فارتاحت الناس، وما كانت أفكار السلطنة موجهة إلا إلى قتال الأرمن، فكانوا يغزون كل مرة وآخر ما نالهم من غزوة المسلمين غزوة عسكر حلب ٧٣٥، وكان الأرمن ملكوا مدينة سيس وطردوا من كان بها من المسلمين فخربوا في أذنة وطرسوس وأحرقوا الزروع واستاقوا المواشي وغنموا وأسروا وما عدم سوى شخص واحد غرق في النهر، وكان العسكر عشرة آلاف سوى من تبعهم، فلما علم أهل اياس بذلك أحاطوا بمن عندهم من المسلمين التجار وغيرهم وحبسوهم في خان ثم أحرقوه وقلّ من نجا، فعلوا ذلك بنحو ألفي رجل من التجار والبغاددة وغيرهم. وبعد مدة سار العسكر من مصر والشام بقيادة ملك الأمراء بحلب علاء الدين ألطنبغا إلى بلاد الأرمن ٧٣٧ ونزلوا على مينا أياس وحاصروها ثلاثة أيام، ثم قدم رسول الأرمن من دمشق ومعه كتاب نائب الشام بالكف عنهم على أن يسلموا المدن والقلاع التي شرقي نهر جيحان، فتسلموا ذلك منهم وهو ملك كبير ومدن كثيرة كالمصيصة وكوبرا والهارونية وسرفندكار واياس وباناس ونجيمة والنقير وغير ذلك، فخرب المسلمون برج اياس الذي في البحر. قال ابن الوردي: وهذا فتح اشتمل على فتوح، وترك ملك الأرمن جسداً بلا روح. وفي سنة ٧٤٠ وقع حريق بقيسارية القواسين والكفتين وسوق الخيل من دمشق دام يومين بلياليها فعدم فيها نحو خمسة وثلاثين ألف قوس وعدم الناس أموالاً عظيمة منها للتجارة ما مبلغه ألف ألف وستمائة ألف دينار وخربت أماكن كثيرة فوقعت التهمة على بعض كتاب النصارى وأقروا أن اثنين قدما من القسطنطينية ليجاهدا في الملة الإسلامية ومعابدها وقدما نفسيهما على ذلك وأنهما يعلمان صناعة النفط فقتل أحد عشر رجلاً وأنكر صاحب مصر على نائب دمشق تنكز قتل النصارى قائلاً إن ذلك إغراء لأهل القسطنطينية. سياسة المماليك مع أكبر عمالهم ووفاة الناصر وتولي المنصور: كانت حكومة المماليك تكثر من نصب الولاة وعزلهم ولا سيما في دمشق فتولي في كل وقت نائباً جديداً وربما في كل شهر، ولم تطل مدة واحد من

стр. 424

الولاة كما طالت نيابة تنكز فإن ولايته دامت من سنة ٧١٢ إلى ٧٤٠ قال الكتبي: وهابه الأمراء بدمشق ونواب الشام وأمن الرعايا، ولم يكن أحد من الأمراء ولا أرباب الجاه يقدر أن يظلم أحداً آدمياً أو غيره خوفاً من بطشه وشدة إيقاعه. قال: وكان الناس في أيامه آمنين على أموالهم ووظائفهم. وهو صاحب الأبنية العظيمة في دمشق وغيرها من الشام وكان ممن ينشط الزراعة ولما أخذه ملك مصر وقتله في الإسكندرية تأسف عليه أهل دمشق. وتوفي الناصر محمد بن قلاوون سنة ٧٤١ بعد أن خطب له ببغداد والعراق وديار بكر والموصل والروم، وضرب الدينار والدرهم هناك باسمه كما يضرب له بالشام ومصر، وتألم الناس لفقده لأنه أبطل المكوس وأنشأ جوامع ومدارس وكانت أيامه أيام أمن وسكينة، فتولى الملك بعده ابنه المنصور أبو بكر وكان تسلطن قبل موت والده. وملك الناصر محمد بن قلاوون ثلاث مرات مدتها ثلاث وأربعون سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوماً، تملك المرة الأولى بعد وفاة أخيه الأشرف سنة كاملة، والمرة الثانية بعد قتل لاجين، ومدة ملكه ثانيةً عشر سنين وستة أشهر واثنا عشر يوماً، والدولة الثالثة أقام بها ثنتين وثلاثين سنة وثلاثة شهور وخمسة أيام، وكان في الثالثة حاكماً متصرفاً ليس له منازع يخالف أمره بخلاف المدتين الأوليين. وشأن ابن قلاوون قليل في الملوك، لأنه ندر من يتخلى عن الملك أو يخلع من الملوك أن يعود إلى دست السلطنة مرة ثانية فكيف بثلاث مرات. ومن غريب ما وقع له أيضاً أنه تسلطن ثمانية من أولاده لصلبه، وهذا مما يعد في باب سعادة آل قلاوون. وفي سنة ٧٤١ فتح علاء الدين أيدغدي الزراق ومعه عسكر حلب قلعة خندروس من الروم، وكانت عاصية وبها أرمن وتتر يقطعون الطرقات، وفي السنة التالية ٧٤٢ بايع المنصور أبو بكر الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان وكان قد عهد إليه والده بالخلافة فلم يبايع في حياة الناصر فلما ولي المنصور بايعه بمصر وجلس معه على كرسي الملك وبايعه القضاة وغيرهم، وكان الخليفة من أولاد العباس يقيم في مصر كعامل كبير محترم من عمال السلطنة ويبايع السلطان عند جلوسه

стр. 425

خلع الملك المنصور ومقتل غير واحد من اخوته الذين خلفوه: خلع المنصور أبو بكر فاحتج عليه قوصون الناصري ولي نعمة أبيه بحجج ونسب إليه أموراً، فأخرجه إلى قوص فقتله واليها، وأقام الملك أخاه الأشرف كجك وهو ابن ثمان سنين. أي إن الخوارج على السلطنة بعد أن سكنوا بحسن سياسة الناصر محمد بن قلاوون مدة بعد خلعه نفسه ومكثه في الكرك حتى رجع إلى السلطنة وقد أطاعه عسكر الشام ومصر، ثم عادوا يبدون نواجذ الشر ويقتلون ملكهم، فقتل الملك الجديد ونصب أخوه الصبي ليكون الحكم لقوصون الناصري كما وقع ذلك في أدوار مختلفة، ثم أرسل قوصون مع قطلبغا الفخري الناصري عسكراً لحصار أحمد بن الملك الناصر بالكرك، وسار الطنبغا نائب دمشق والحاج أرقطاي نائب طرابلس بإشارة قوصون إلى قتال طشتمر بحلب، لأن هذا أنكر على قوصون ما اعتمده في حق أخيه المنصور أبي بكر، ونهب الطنبغا بحلب مال طشتمر وهرب هذا إلى الروم، واستمال الناصر في الكرك قطلبغا الفخري، وكان ذهب لقتاله وحاصره أياماً فبايعه وبايع للناصر من بقي من عسكر دمشق المتأخرين عن المضي إلى حلب صحبة الطنبغا، ثم سار الفخري إلى ثنية العقاب وأخذ من مخزن الأيتام بدمشق مالاً ولما بلغ الطنبغا ما جرى بدمشق رجع على عقبه فأرسل إليه الفخري لما قرب من دمشق القضاة، وطلب الكف عن القتال، فقويت نفس الطنبغا وأبى ذلك، وطال الأمر على العسكر فلما تقاربوا بعضهم من بعض لحقت ميسرة الطنبغا بالفخري ثم الميمنة، وبقي الطنبغا وجماعته في قليل من العسكر، فهرب الطنبغا ومن معه من القواد إلى جهة مصر، فجهز الفخري وأعلم الناصر بالكرك وقد خطب له بدمشق وغزة والقدس، فلما وصل ألطنبغا إلى مصر وهو قوي النفس بقوصون تغير أمر قوصون. وكان قد غلب على الأمر لصغر الملك الأشرف، ثم قبض جماعة الأمراء على قوصون وأرسلوه إلى الإسكندرية وأهلك بها، وقبضوا على الطنبغا وحبسوه، وسافر الناصر أحمد من الكرك وعمل أعزيه لوالده وأخيه، وأمر بتسمير والي قوص لقتله المنصور وخلع الأشرف الصغير، وجلس الناصر على الكرسي هو والخليفة ثم أعدم الطنبغا وغيره، وتواتر عزل الولاة والنواب بحلب، جرى كل هذا في مدة يسيرة. وجرى

стр. 426

في هذه السنة ٧٤٢ من تقلبات والنواب واضطرابهم ما لم يجر في مئات من السنين على رأي ابن الوردي. ولم يصف جو السلطنة للناصر أحمد في مصر، وسافر إلى الكرك وحصنها واتخذها مقاماً له، ولما حصل بها وقتل بها طشتمر والفخري قتلة شنيعة ٧٤٣ أنقلب عليه عسكر الشام وهو بالكرك وكاتبوا مصر فخلع الناصر، وأجلس أخوه الملك الصالح إسماعيل، واستناب آل ملك وحصر الملك الناصر بالكرك، واجتمع عليه أخوه الصالح بما أخذه من أموال بيت المال، وخرج بيبرس الأحمدي من مصر بعسكر لحصار الكرك وكذلك من دمشق، فحاصروا الناصر بالكرك ووردت المراسيم إلى الأعمال الشامية بتجريد العشران وغيرهم إلى الكرك، فذهبوا إليها سنة ٧٤٣ ووجدوا في القلعة مع السلطان أحمد خلقاً كثيراً، وقد نصبوا على القلعة في أعلاها خمسة مجانيق ومدافع كثيرة، وأغار التركمان مرات على سيس فقتلوا ونهبوا وأسروا وشفوا الغليل بما فتكت الأرمن ببلاد قرمان، وعاد العسكر ٧٤٤ المجهز إلى سيس وما ظفروا بطائل، وكانوا قد أشرفوا على أخذ أذنة وفيها خلق عظيم وأموال عظيمة وجفال من الأرمن، فارتشى أقسنقر مقدم عسكر حلب من الأرمن، وثبط الجيش عن فتحها واحتج بأن السلطان ما رسم بأخذها. وحاصر يلبغا النائب بحلب قراجا بن دلغادر التركماني بجبل عسر إلى جانب جيحان فاعتصم منه بالجبل، وقتل في العسكر وأسر وجرح، وما نالوا منه طائلاً فكبر قدره بذلك واشتهر اسمه وكانت هذه حركة رديئة من يلبغا ثم أوقع دلغادر بالأرمن وفتح قلعة كابان ٧٤٦ وبعد فتحها قصد النائب بحلب أن يستنيب فيها من جهة السلطان فعتا ابن دلغادر عن ذلك، فجهزوا عسكراً لهدمها ثم أخذتها الأرمن. وفي سنة ٧٤٥ حوصرت الكرك ونقبت، وأخذ الناصر أحمد وحمل إلى أخيه الصالح بمصر فكان آخر العهد به، وفي هذه السنة كانت الوقعة بين أهل البقاع ووادي التيم وقتل من الفريقين خلق كثير، وأحرق ابن صبح قرية من وادي التيم، وانقطعت السبل. وتوفي الصالح إسماعيل بن الناصر محمد ابن قلاوون ٧٤٦ وجلس مكانه أخوه الكامل شعبان. وفي سنة ٧٤٧ خرج نائب الشام يلبغا إلى ظاهر دمشق وشق عصا الطاعة وعاضد أمراء مصر حتى

стр. 427

خلع الكامل شعبان وأجلسوا مكانه أخاه المظفر أمير حاج، وسلموا إليه أخاه الكامل فكان آخر العهد به، وكان هذا الكامل شعبان سيىء التصرف يولي المناصب غير أهلها بالبذل، ويعزلهم عن قريب ببذل غيرهم، وكان يقول عن نفسه أنا ثعبان لا شعبان. وفي سنة ٧٤٨ سافر ناصر الدين بن المحسني بعسكر من حلب لتسكين فتنة ببلد شيزر بين العرب والأكراد قتل فيها من الأكراد نحو خمسمائة نفس. وفيها عزمت الأرمن على نكبة اياس، فأوقع بهم أمير اياس محمد بن داود الشيباني، وقتل من الأرمن خلقاً وأسر خلقاً، وأحضرت الرؤوس والأسرى إلى حلب واقتتل سيف الدين بن فضل أمير العرب وأتباعه مع أحمد فياض من الأمراء في جمع عظيم قرب سلمية فانكسر سيف الدين ونهبت أمواله، وجرى على المعرة وحماة وغيرهما من العرب أصحاب سيف وأحمد فياض من النهب وقطع الطرق ما لا يوصف، وكانت هذه الحرب ضربة قاضية على بادية حماة فطفق البدو ينهبون القرى، ويغيرون على حماة والمعرة ففر الفلاحون ودرست القرى. وفي هذه السنة قتل السلطان الملك المظفر أمير حاج بمصر وأقيم مكانه أخوه الناصر حسن، وكان الملك المظفر قد أهلك أخاه الأشرف كجك وفتك بالأمراء وقتل من أعيانهم نحو أربعين أميراً. أحداث وكوائن وعصيان ومخامرات: ومن الأحداث أن نائب الشام يلبغا اليحياوي هرب فتبعه جماعة من عسكر دمشق فتقاتل معهم فقتل. وفي مصر سنة ٧٥٠ دخل جبغا نائب طرابلس مدينة دمشق في جماعة كثيرة، وكان أرغون شاه نائب الشام مقيماً بالقصر الأبلق فدخل عليه الأمير جبغا وهو نائم بين عياله وقبضه، فلما أصبح الصباح طلب جبغا القضاة والأمراء بدمشق وأخرج لهم مرسوم السلطان بالقبض على أرغون شاه فسكن ما كان بين الناس من الاضطراب، وظنوا أن ذلك صحيح فسجنه واحتاط على موجوده، ثم وجدوا أرغون شاه مذبوحاً في السجن فشاع بأن ذلك من فعل جبغا فوثب عليه عسكر دمشق وحاربوه فهرب فلم يتبعه أحد من العسكر وخافوا عقبى ذلك، وكاتب أمراء دمشق

стр. 428

السلطان بما وقع من جبغا فأنكر ما وقع لأرغون شاه، ورسم لأمراء دمشق أن يحاربوا جبغا فخرج عليه عسكر دمشق قاطبة، وحاربوه وهو في طرابلس فانكسر وقبضوا عليه وشنقوه. وفي سنة ٧٥٤ قدمت على رواية ابن سباط مراكب الفرنج إلى صيدا فقتلوا طائفة من أهلها وأسروا جماعة وقتل منهم خلق كثير وكسر مركب من مراكبهم، فوصل الصريخ إلى دمشق، فاجتمعت العساكر من صفد ودمشق وأسرعوا إلى فك الأسرى، وأخذوا من ديوان الأسرى ثلاثين ألفاً وأعطوا عن كل رأس خمسمائة درهم. وإن الخلل الذي طرأ على السلطنة بمصر بعد ذهاب عظماء السلاطين من أولاد قلاوون وسرعة قتلهم واستخلاف غيرهم من المماليك، قد سرى من شرارته شيء كثير في هذه الحقبة من الزمن، ومسألة اليحياوي مع أرغون شاه مثال منها. ومن أمثلة الخلل في تلك الدولة خروج بيبغا أروس نائب حلب عن الطاعة، وكذلك بكلمش نائب طرابلس، وأحمد نائب حماة، الطنبغا برقاق نائب صفد، ولم يبق على الطاعة إلا نائب دمشق أرغون الكاملي، فأرسل يخبر السلطان في مصر بما جرى من النواب، ثم اضطر نائب الشام إلى الهرب تحت الليل هو ومماليكه وتوجه إلى غزة، ليعلم السلطان والأمراء بما جرى، والتف على بيبغا أروس العربان والعشائر مع العساكر الحلبية والشامية وكان معه نحو ستين أميراً لما فتح دمشق واستعرض العساكر بها ثم أرسل إلى نائب قلعة دمشق يطلب منه إطلاق أمير كان مسجوناً فيها فاعتذر عن ذلك إلا بمرسوم السلطان، وحصن القلعة تحصيناً عظيماً، وركب عليها المكاحل بالمدافع، وأرسل يقول لأهل المدينة: لا تفتحوا دكاناً ولا سوقاً ولا تبيعوا عسكر حلب شيئاً، فلما بلغ بيبغا ذلك اشتد به الغضب، وأمر عسكره بأن ينهبوا ضياع دمشق والبساتين ويقطعوا الأشجار، فلما سمعوا هذه المناداة ما أبقوا مكناً من الأذى والفساد، فنهبوا حتى النساء والبنات والقماش، وجرى على أهل دمشق من بيبغا ما لم يجر عليهم من عسكر غازان لما دخل دمشق. ثم إن سلطان مصر جهز عسكراً عظيماً وجعل عليهم من أمراء الطبلخانات

стр. 429

والعشراوات نحو ثمانين أميراً وكان صحبته القضاة الأربعة والخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله فأمر بقتال جماعة بيبغا فانهزم هذا ولحق ببلاد التراكمة، وجيء بجماعته في القيود يرسفون. وهذا السلطان هو الصالح صلاح الدين صالح وهو العشرون من ملوك الترك وأولادهم، والثامن من أولاد الناصر محمد بن قلاوون. ثم قتل نائب حلب بيبغا ونائب طرابلس بكلمش ونائب حماة أحمد وكانوا هربوا إلى التركمان. وخلع السلطان على أرغون الكاملي واستقر به نائب حلب وجرد أرغون إلى قراجا بن ذي القدر أمير التركمان في مرعش وحواليها، وذنبه أنه وافق بيبغا أروس على العصيان، فلما وصل إليه أرغون هرب منه فتبعه إلى أطراف الروم فقبض عليه وأرسله إلى السلطان بمصر فسمره على جمل. وفي سنة ٧٦٠ توجه بيدمر الخوارزمي نائب حلب إلى سيس وحاصر أهلها فطلبوا منه الأمان فتسلمها وكذلك المصيصة، وفتح في تلك السنة عدة قلاع ثم رجع إلى حلب. وفي سنة ٧٦٢ أظهر بيدمر الخوارزمي نائب الشام العصيان وملك قلعة دمشق وقتل نائب القلعة وقد وافقه على ذلك جماعة من النواب فاضطرب السلطان بمصر لهذه الأخبار وخرج قاصداً الشام، ولما بلغ دمشق أرسل له أماناً فقبض عليه وقيده. وفي سنة ٧٦٥ جاء الفرنج إلى قلعة اياس وحاصروها فخرج إليهم نائب حلب فلما سمعوا به رحلوا عنها ثم قصدوا نحو طرابلس وكانوا ثلاثة ملوك وهم صاحب قبرس وصاحب رودس وصاحب الاسبتار فجاءوا في مائتي مركب حربي إلى طرابلس، وكان النائب غائباً عنها فطمعوا في أخذها ثم خرج إليهم بعض عسكرها فانكسر عسكر طرابلس ودخل الفرنج المدينة ونهبوا أسواقها وقتلوا بها من المسلمين نحو ألفي إنسان فقاتل الأهلون الفرنج وكسروهم فرحلوا عن طرابلس.

стр. 430

وفي سنة ٧٦٧ عصا على السلطان نائب دمشق بيدمر واجتمع إليه مقدموا البلدان فأرسل السلطان إليه جيشاً وبعد حصار شهرين تسلم دمشق وقبض على النائب وقتله. وفي سنة ٧٧١ تشاجر الأمير جبار من آل الفضل ونائب حلب طشتمر المنصوري فخرج هذا بالعساكر الحلبية وقاتل الأمير جبار فقويت العربان على نائب حلب فقتل في المعركة. قتل الأشرف شعبان والأحداث بعده: وفي سنة ٧٧٨ قتل في القاهرة الأشرف شعبان، قال ابن إياس: وكان من محاسن الزمان في العدل والحلم وكان ملكاً هيناً ليناً محباً للناس منقاداً للشريعة محسناً وكانت الدنيا في أيامه هادئة من الفتن والتجاريد إلى الديار الشامية فساد العرب وساس الناس أحسن سياسة. وتولى الملك بعده ابنه الصالح أمير حاج وله من العمر نحو إحدى عشرة سنة وهذا آخر من تولى السلطنة من ذرية بني قلاوون وبه زال الملك عنهم وقد أقامت السلطنة في قلاوون وذريته مائة سنة وثلاث سنين وأشهراً. وفي سنة ٧٧٦ خرج نائب حلب إلى سيس وفتحها وكانت في أيدي الأرمن. وفي سنة ٧٧٩ خامر جميع نواب الشام وخرجوا عن الطاعة فساقت مصر تجريدة عليهم. وفي سنة ٧٨٠ خرج نائب الشام بيدمر الخوارزمي عن الطاعة وقصد الهرب إلى التركمان ببركه ورجاله فقبضه عسكر دمشق وسجنوه فأرسل سلطان مصر وأخذه منها وسجنه ثم أطلقه بعد ثلاث سنين وأُعيد إلى منصبه. وفي سنة ٧٨٠ نازل الفرنج طرابلس في عدة مراكب فالتقاهم يلبغا الناصري فهزمهم، ثم أمر العسكر أن يتأخروا فطمع فيهم الفرنج وتبعوهم إلى أن أبعدوا عن البحر فرجع عليهم بالعسكر فهزمهم وقتل منهم جمع كبير وقبض على أكثرهم وأقلع من بقي في المراكب. وثار أقبغا عبد الله ٧٨١ وجماعة معه على نائب دمشق وكان قد تجرد مع نائب حلب في عسكر البلدين بسبب التركمان فوقعت بينهم وبين أقبغا ومن معه وقعة فكسرهم نائب الشام وهرب أقبغا إلى نعير أمير عرب الفضل. وفي سنة ٧٨٣ نهبت طائفة من التركسان بعد ضياع حلب وعاثوا وأفسدوا وعَين لهم الأتابك برقوق في مصر تجريدة

стр. 431

وخرج إليهم ثلاثة من الأمراء المقدمين وخمسمائة مملوك فالتقوا مع التركمان وكسروهم وقتلوا منهم جماعة كثيرة ونهبوا أموالهم وطردوهم إلى ملطية. وفي سنة ٧٨٤ حضر إلى القاهرة رسول صاحب سيس ومعه كتاب يخبر فيه أن الأرمن مات كبيرهم فأمروا عليهم زوجته فحكمت فيهم مدة ثم عزلت نفسها، فاتفق رأيهم أن يفوضوا أمرهم لصاحب مصر فيختار لهم من يوليه عليهم، فانتقى لهم ملك مصر أحد الأسارى الأرمن ممن يسكنون ظاهر القاهرة ويبيعون الخمور فأخذوه معهم فملكوه عليهم، وفي السنة التالية جاءت رسل أصحاب سنجار وقيسارية وتكريت يسألون صاحب مصر أن يكونوا تحت حكمه ويطبوا باسمه فأجيب سؤلهم وكتب لهم بذلك تقاليد وخلع عليهم. وفي هاتين الواقعتين دليل على أن صاحب مصر والشام في تلك الفترة كان أقوى من جاوره من الملوك خطب وده الأتراك والأكراد والأرمن من مجاوريه. وفي سنة ٧٨٥ وقعت بين قبلاي نائب الكرك وخاطر أمير العرب بها مقتلة عظيمة فانكسر قبلاي. وفيها نازل الفرنج بيروت في عشرين مركباً فراسلوا نائب الشام فتقاعد عنهم واعتلّ باحتياجه إلى مرسوم السلطان فقام إينال اليوسفي فنادى الغزاة في سبيل الله فنفر معه جماعة فحال بين الفرنج وبين البحر وقتل بعضهم ونزل إليه بقية الفرنج فكسرهم وقبض من مراكبهم ستة عشر مركباً. وكان الفرند دخلوا صيدا فوجدوا المسلمين قد بدءوا بهم فخبئوا أموالهم وأولادهم بقرية خلف الجبل فوجد الفرنج بعض أمتعتهم فنهبوها وأخذوا ما وجدوا من زيت وصابون وأحرقوا السوق وقصدوا بيروت فتداركهم المسلمون وانكسر الفرنج ثم عادوا إلى مباهلة بيروت فتيقظ لهم أهلها فحاربوهم. وفي سنة ٧٨٥ وقعت فتنة بين نعير بن مهنا أمير العرب وابن عمه عثمان ابن قارا، فساعد يلبغا الناصري عثمان فكسر نعير ونهبت أمواله. وفيها سار يلبغا الناصري بالعساكر الحلبية وبعض الشامية إلى جهة التركمان، فنازلوا أحمد بن رمضان التركماني عند الجسر على الفرات فكسر التركمان وأُسر إبراهيم

стр. 432

ابن رمضان وابنه وأبوه، فوسطهم يلبغا الناصري، ثم تجمع التركمان وواقعوا الناصري عند أذنة فانكسر العسكر وقلعت عين الناصري وجرح ثم تراجع العسكر ولم يفقد منه إلا العدد اليسير، فطردوا التركمان إلى أن كسروهم فغدر التركمان بنائب حماة وبيتوه فانهزم ثم ركب يلبغا الناصري فهزمهم. وفي سنة ٧٨٧ توجه نواب الشام إلى قتال التركمان فانكسر العسكر وفتك فيهم التركمان وقتلوا سودون العلائينائب حماة وغيره. وكان السلطان أمر نواب الشام بالتوجه إلى قتال سولى بن دلغادر ومن معه من التركمان فوصلوا إلى طيون بين مرعش وابلستين فالتقى بهم سولى فقتل سودون نائب حماة في المعركة وكذا سودون نائب بهسنى فشق ذلك على السلطان ولم يزل يعمل الحيلة حتى دس على سولي من قتله وقتل أخاه. سلطنة برقوق وحالة المماليك البحرية والشراكسة: دخل الهرم في دولة الأتراك المصرية وزاد فساد العربان في البلاد، وخامر غالب النواب في الشام وخرجوا عن الطاعة، فاجتمع الأتابك برقوق متولي الأمر والقضاة مع الخليفة وسائر الأمراء في مصر فرأوا الحاجة ماسة إلى سلطان كبير تجتمع عليه الكلمة ويسكن الاضطراب فتكلم القضاة الأربعة مع الخليفة في سلطنة الأتابكي برقوق فخلعوا الملك الصالح أمير السلطنة وسلطنوا الأتابك برقوق ٧٨٤ وهو أول ملوك الشراكسة بمصر والشام. وكانت هذه الدولة التركية الشركسية عجباً في ضعف الإدارة وقيام الخوارج لأن الملك على الأكثر كان ضعيفاً يُنزله عن عرشه كل من عصا عليه، واستكثر من المماليك وقد أن يتسلط على عقول السذج من العربان وأرباب الدعارة والطمع من الناس والمماليك السلطانية الذين جرت العادة على أنهم يفعلون الأمور المشهورة عنهم من أخذ أموال الناس وهتك حريمها. والقاهرة لا شأن لها بعد أن يتقاتل المتقاتلون على الملك أو يقاتل القواد العصاة ويظفر أحد المتنازعين على السلطنة، أو الأمير الذي وسد إليه اجتثاث دابر العاصي، إلا أن تزين أسواقها سبعة أيام أو ثلاث أيام على الأقل. تفعل ذلك لأقل حادث يحدث حتى ولو قبض جماعة السلطان على أحد صعاليك المماليك ممن خامر

стр. 433

عليه واستتبع أُناساً من الغاغة. وكانت دمشق في أيام الأتراك ثم في أيام الشراكسة أخلافهم تزين سبعة أيام لأقل ظفر يقع، فيفرح السلطان وتدق البشائر. وكان من سلاطين المماليك أهل خير تغلب عليهم الرحمة وحسن السياسة، وكان ضعفهم آتياً من جماعتهم المماليك لأن لكل أمير منهم جوقة يتفانون في حبه إذا تغلب عليه خصمه سجنهم أو أقصاهم أو نكبهم، فلا يزالون يعملون على إثارة الخواطر حتى يطلق سراحهم ثم يعودون إلى ما نهوا عنه وهكذا دواليك. والأمة من أجل هذا تخرب ديارها، وتهلك أبناؤها وتذهب أموالها وعروضها، حتى يسعد الطالع أحد المتخاصمين فيتغلب على من يريد التغلب عليه. وهناك خليفة في مصر يعتضد به السلاطين يوم الشدائد، ويبايعهم يوم تنصيبهم، وربما سجنوه وأقصوه عن أنظار الأمة إذا شعروا بأن هواه مع غيرهم أو يمكن أن يكون كذلك: اتخذوه آلة كما كان خلفاء العباسيين مع المتغلبة من سلاطين السلجوقيين والبويهيين وغيرهم في بغداد.

стр. 434

وقائع تيمورلنك من سنة ٧٩٠ إلى ٨٠٣ بداءة تيمورلنك ومناوشة جيشه: بينا كانت أمور الدولة في الشام ومصر مختلة معتلة، لا تستقر على حال، والمتوثبون على السلطنة يكثرون ويقلون بضعف الملك وقوته، جاء تيمورلنك من الشرق، بجيوش جرارة لا قبل للمالكين زمام الأمر بدفعها فأصبح الشام بين عدوين داخلي وخارجي، كما أصبحت في أواسط القرن السابع بين عدوين أحدهما من الشرق وهم التتر والآخر من الغرب وهم الصليبيون. وتيمور هو ابن ترغاي بن أبغاي مؤسس مملكة المغول الثانية، ومعنى تيمور الحديد واللنك الأعرج أو الكسيح بلغتهم. سمي بذلك لأن راعياً ضربه فيما قيل بسهم في فخذه أدخله به في زمرة العرجان، وفي رواية أنه أصيب بسهم في الحرب في صباه. ولد تيمورلنك في قرية خواجه أيلغار من أعمال كش من مدن ما وراء النهر سنة ٧٣٧هـ ١٣٣٦م ومات في اوترار سنة ٨٠٧ - ١٤٠٥ بينا كان ذاهباً لفتح بلاد الخطا في الصين وجيء به إلى سمر قند فدفن فيها. وكان تيمورلنك يمتُّ بقرابة بعيدة إلى آل البيت الملوكي من المغول ذرية جنكيز خان، وذلك من جهات الأمهات لا الآباء، ورأس أبوه قبيلة برلاس التركية وحكم ولاية كش وقد تيتم صغيراً وسلبه جيرانه إمارته، فتوسل تيمور إلى أمير كشغر ملك الجغتاي فأنعم عليه بولاية ما وراء نهر جيحون، ثم نزع يده من يد أمير كشغر وانضم إلى عمه حسين، ولما ماتت زوجته، وقيل إنه هو الذي قتلها بيده، أصبح تيمور في حل من أمره وداهم حسيناً وتغلب عليه واستولى على بلخ فاصبح ملكاً على بلاد الجغتاي كلها،

стр. 435

ولما استولى على ما وراء النهر وفاق الأقران تزوج بنات الملوك فزادوه في ألقابه كوركان وهو بلغة المغول الختن وكان عهد تيمور كله عهد حروب وفظائع يقتل الناس بالألوف وعشرات الألوف، إذا لم يخضعوا لسلطانه في الحال قال السخاوي: وكان يقرب العلماء والسمراء والشجعان والأشراف وينزلهم منازلهم ولكن من خالف أمره أدنى مخالفة استباح دمه، فكانت هيبته لا تدانى بهذا السبب، وما أخرب البلاد إلا بذلك، فإنه كان من أطاعه من أول وهلة أمن، ومن خالفه أدنى مخالفة وهى، أنجد تيمور أحد الخانات على اوروس خان ملك قسم من روسيا الجنوبية الشرقية ثم فتح خراسان وهرات وطوريس وقارص وتفليس وشيراز وأصفهان وكشغر ومازندران والعراق بأسره، وخرب حفيده محمد بولونيا وروسيا ودخل الهند فنازل مملكة المسلمين حتى غلب عليها وفتح أفغانستان وجلب من الهند إلى مملكته المهندسين والنقاشين. ثم حارب السلطان بايزيد العثماني ٨٠٥ وغلبه. وباستيلائه على إزمير اضطر إمبراطور القسطنطينية أن يؤدي إليه الجزية. هذا الفاتح خرب عاصمتي الشام حلب ودمشق، وكم خرب من مدن عامرة في آسيا، وكان ملوك أوربا يخافونه وكثيراً ما أرسلوا الوفود لتهنئته بانتصاراته. هذا الرجل الجبار لم يحمل على الشام حملته المشئومة إلا بأسباب أوجدها النواب والأمراء والملوك على الأرجح، فقد كان ذكر ابن حجر في حوادث سنة ٧٩٨: أن اطلمش قريب تيمورلنك قبض عليه قرا يوسف التركماني صاحب تبريز وأرسله إلى الظاهر فاعتقله، فكانت هذه الفعلة أعظم الأسباب في حركة تيمورلنك إلى الديار الشامية. وقال في حوادث سنة ٧٩٩ وصلت كتب من تيمورلنك فعوقت رسله بالشام وأرسلت الكتب التي معهم إلى القاهرة ومضمونها التحريض على إرسال قريبه اطلمش الذي أسره قرا يوسف، فأمر السلطان اطلمش المذكور أن يكتب إلى قريبه كتاباً يعرفه فيه ما هو عليه من الخير والإحسان بالديار المصرية، وأرسل ذلك السلطان مع أجوبته ومضمونها إذا أطلقت من عندك من جهتي أطلقت من عندي من جهتك والسلام. فالقائمون بالأمر هم الذين فتحوا لتيمورلنك السبل للغزو فيما بعد،

стр. 436

غزوة أذلت العزيز وأفقرت الغني وخربت العامر. قال ابن حجر أيضاً: لما رجع تيمورلنك إلى الشرق وكان هذا دأبه إذا بلغه عن مملكة كبيرة وملك كبير لا يزال يبالغ في الاستيلاء عليها إلى أن يحصل مقصوده فيتركها بعد أن يخربها ويرجع، فعل ذلك بالمشرق كله وبالهند وبالشام وبالروم. أرسلت مصر في سنة ٧٩٠ عسكراً على تيمورلنك في سيواس فانكسر عسكر تيمورلنك وهذه الوقعة من الوقائع الأولى بين تيمورلنك وعسكر الشام. القتال على الملك: خامر يلبغا الناصري نائب حلب ٧٩١ وخرج عن الطاعة وقتل سودون المظفري نائب حلب قبله، وأمسك حاجب الحجاب بحلب وجماعة من أمرائها، وأظهر يلبغا العصيان والتف عليه جماعة كثيرة من مماليك الأشرف شعبان، وكان من جملة من التف على يلبغا تمربغا الأفضلي المدعو منطاش مملوك الظاهر برقوق، وعهد سلطان مصر إلى إينال أتابك العساكر بدمشق ليكون نائب حلب وحلّف السلطان الأمراء من الأكابر والأصاغر بأن يكونوا معه على يلبغا الناصري فحلفوا على ذلك جميعهم، وأرسل إلى يلبغا تجريدة. وانتشب القتال بين أمراء الغرب التنوخية وبين عشران البر أهل كسروان والأمراء أولاد الأعمى، وكان التنوخية ميالين إلى الملك الظاهر والكساروة مع أرغون نائب منطاش في بيروت، فاستظهر أهل كسروان على أمراء الغرب وقتلوا منهم نحو ٩٠ نفراً وأمسكوا جماعة فسمروا بعضهم ووسطوا آخرين وأحرقوا عدة قرى من الغرب وتلقبوا بعشران البر. ثم إن العساكر الظاهرية زحفت على تركمان كسروان وجرت بين الفريقين وقعة في الساحل فقتلوا منهم جماعة كثيرة، ولما استولى كمشبغا على قلعة حلب عمر أسواق هذه المدينة أحسن عمارة في أسرع وقت وكانت من وقعة غازان خراباً، فلما انتصر كمشبغا على أعدائه قتل غالب أهل محلة بانقوسا وكانوا زيادة على أربعة آلاف نفس وقتل كبيرهم أحمد بن الحرامي وخربها إلى أن جعلها دكاً. عوامل الخراب قيس ويمن: ذكر الأسدي أن السبب في خراب الشام في القرن الثامن انتشار الشرور

стр. 437

بين قيس ويمن ووقوع الحرب والقتال بينهم، والسبب في ذلك تغيير العوائد والتدليس على الملوك والحكام وولاة الأمور، بالإغراء والتسلط على الفلاحين بالظلم وطلب العاجل، والعسف في الحكم والميل مع القوي، وإنهاك الضعيف وعدم رد لهفة الملهوف، ومع تغيير العوائد وقع التحاسد بينهم فاضطر كثير من أهل الزرع والضرع إلى التمرد والتشرد وتسلطت العربان والعشران وتراكمت الأهواء ووقع التحاسد والإغراء، فنهبت الأموال وقتلت الرجال وتخلت العشائر وعظمت الفتن بين القبائل، وجلا أهل الزرع والضرع من الفلاحين عن أراضيهم فأوجب ذلك الخراب في كثير من أرجاء الشام، وصارت دمناً يشهد لذلك الديوان من أسماء القرى التي صارت مزارع وتسمى بالخراب الدائر، والموجب لهذا جميعه سوء التدبير مع نقص القوة ونقض سنة العدل، إلى أن صار الحكم لمقدمي الفلاحين ورؤساء العشران، وصار الأعيان منهم يظهرون الطاعة للسلطان ويبطنون المخالفة والعصيان، ويستخرجون الأموال بالظلم والطغيان، ويرضون ببعضها من له في الدولة سلطة، وبما يحملونه للأعوان من الهدايا والأموال، فيسعى لهم ويلبسون التشاريف الملوكية بين يدي الملك والأمير والسلطان، فيصير كل واحد منهم في بلده وإقليمه إذا عاد إليه ذا قوة وسلطان، وسطوة وأعوان، وإقطاعات ونعم وديوان. قلنا: وهذا الاختلاف الدائم بين قيس ويمن كان يقوى ويضعف بحسب الوازع، فإذا وفقت الديار إلى حاكم يسوي بينهم ويعدل فيهم تسكن نغمة القيسي واليماني، وإلا فيتقاتلون ويخربون العمران ويقتلون الإنسان. وكانت هذه النغمة شديدة في أرض دون أُخرى من أرض الشام، فقد كانت في القديم في حمص حتى ضرب المثل بها فقالوا: أذلُّ من قيسي بحمص وذلك أن حمص كلها لليمن ليس بها من قيس إلا بيت واحد. ثم كانت ترى آثارها في حوران ولبنان وربما انتقلت نغمتها من حوران منذ جلاء كثير من الأسر المسيحية إلى جبل لبنان وبقيت في هذا الجبل إلى القرن الماضي ثم اضمحلت.

стр. 438

وفي هذه الأثناء ركب عسكر طرابلس على النائب وقتلوا من أمراء طرابلس جماعة، وركب مماليك نائب حماة مع عسكر حماة وأرادوا قتله فهرب إلى دمشق، فوقعت الفتنة. ولما تحقق برقوق أن المملكة افتتنت خاف وأمر نائب القلعة بمصر بأن يضيق على الخليفة ويمنعه من الاجتماع بالناس، وكان مسجوناً بالقيد في برج القلعة، وأصدر أمره بالتضييق على السادة أولاد السلاطين في دور الحرم، ووصلت التجريدة من مصر إلى دمشق والتقى عسكر مصر مع عسكر يلبغا الناصري فأوقعوا معه بظاهر دمشق واقعة عظيمة حتى جرى الدم بينهم وقتل من الفريقين كثيرون، فانكسر عسكر السلطان وانتصر عليهم يلبغا، ثم جيش يلبغا وساق جيشه إلى مصر فالتف أكثر أمراء مصر عليه وقاتل قليلاً حتى اضطر السلطان برقوق إلى ترك سرير السلطنة وأُعيد الملك الصالح أمير حاج بن الأشرف شعبان سلطاناً على مصر والشام، وأخذ الظاهر برقوق إلى قلعة الكرك فسجن فيها ثم انتدبوا لقتله رجلاً فقتل الرجل، واستولى برقوق على القلعة بعد أن قاسى من المحن أمراً عظيماً، وأتاه مماليكه الذين كانوا بقوص وقتلوا واليها والتحقوا به، والتف عليه العربان وقصد دمشق فجاءه نائب غزة في خمسة آلاف مقاتل فأوقعوا مع الظاهر برقوق وقعة عظيمة انكسر فيها نائب غزة، فنهب عسكر برقوق عسكر غزة فتقووا بتلك الغنيمة، وكان الظاهر كلما مر بقرية يخرج إليه أهلها ويلاقونه ومعهم العلف والضيافة، ولما بلغ برقوق قرية شقحب خرج إليه عسكر دمشق فتقاتلوا فقتل من أمراء دمشق ستة عشر أميراً، ومن المماليك نحو خمسين مملوكاً، وقتل من عسكر برقوق نحو ذلك. وصادف أن خرج عن الطاعة كمشبغا الحموي نائب حلب واستولى أبناء اليوسفي على قلعة صفد وهو من جماعة الظاهر فقويت شوكته ودخل الظاهر برقوق دمشق، ونزل في الميدان فكبس عليه أهل دمشق وأخرجوه من المدينة إلى ظاهر البلد، لأن بعض مماليكه عبث ببعض السوقة وأخذ منه شيئاً من البضائع بالغصب فاستغاث ذلك السوقي فحضر إليه جماعة وتعصبوا له فاستطال ذلك المملوك وضربهم فرجمه أهل دمشق، فرمى المماليك على عوام دمشق بالنشاب، وتكاثرت على المماليك العوام بالحجارة والمقاليع،

стр. 439

فكسروا المماليك كسرة قوية فركب الظاهر برقوق ومن معه من الأمراء وخرجوا من دمشق إلى قبة يلبغا فدخل العوام إلى الميدان ونهبوا بَرَك برقوق وأُغلقت أبواب دمشق، وكان برقوق أشرف على أخذ قلعة دمشق وراج أمره فتعطل بسبب ذلك. ثم جرد المنصور أمير حاج عسكراً من مصر وجاء الشام لينزع الملك من برقوق، فلما وصل العسكر إلى غزة تسحب أكثر عسكر المنصور إلى برقوق لأن هواهم كان معه، ووقعت بين عسكر المنصور وعسكر الظاهر وقعة شقحب ٧٩٢ فانكسر برقوق كسرة قوية وهرب برقوق في نفر قليل من العسكر وتوارى خلف الجبل الذي تحته الملك المنصور والخليفة والقضاة، فأتى إليه بعض العرب وأخبره بأن الملك المنصور تحت ذلك الجبل، وكان على يوم من دمشق فكبس عليهم برقوق بمن معه من العسكر وكانوا نحو أربعين إنساناً فذُعر عسكر المنصور وغُلت أيديهم عن القتال، فنزل عليهم برقوق كالباز على الطائر واحتوى على كل ما معهم من البرك والأثقال والقماش والسلاح وخزائن المال، وتسامع بذلك الناس فجاءوا إليه أفواجاً من كل مكان، وبلغ ذلك منطاش وحضر ومعه عساكر دمشق وغيرهم فوقعت بينهم واقعة أعظم من الواقعة الأولى وقتل بها كثير فانكسر الأتابكي منطاش وعسكر دمشق فولوا هاربين وأقام برقوق بمنزلة شقحب، ثم إن شخصاً من الصالحين يقال له الشيخ شمس الدين الصوفي مشى بين الظاهر برقوق وبين المنصور حاج في أن يخلع هذا نفسه ويسلم الأمر إلى برقوق، فأجاب المنصور إلى ذلك، وأحضر الخليفة المتوكل والقضاة الأربعة وخلع نفسه من الملك وأشهدوا عليه بذلك. فبايع الخليفة الظاهر برقوق بالسلطنة وذلك بمنزلة شقحب ثم رحل إلى مصر فدخلها بلا منازع، وكان مماليكه قد وطدوا له الأمن قبل وصوله وخطبوا له على المنابر فعاد واستولى على مصر والشام. وبرقوق هو الذي قرض جيش المماليك البرجية. الخوارج على ملوك مصر: وملك منطاش ٧٩٢ مدينة بعلبك والتف عليه جماعة من عسكر دمشق

стр. 440

وصفد وطرابلس ومن عربان جبل نابلس ونهب عدة ضياع، وأرسل منطاش شخصاً يسمى تمان تمر الأشرفي إلى مدينة حلب، وكان نائب حلب كمشبغا الحموي قد ثقل أمره على أهل حلب فما صدقوا بهذه الحركة فحاصروا نائب حلب أشد المحاصرة وتعصبوا لمنطاش فنقبوا القلعة من ثلاثة مواضع، فصار كمشبغا نائب حلب يقاتلهم من داخل النقب على البرج، واستمروا على ذلك نحو ثلاثة أشهر، فانتصر كمشبغا نائب حلب على تمان تمر الأشرفي الذي ولاه منطاش على حلب فانكسر تمان تمر وولى هارباً ثم توجه منطاش إلى طرابلس فحاصرها حتى ملكها وهرب من كان بها من الأمراء والنائب وهرب أكثر أهلها إلى دمشق، ثم حاصر منطاش دمشق فاتفق عوامها على أن يسلموه المدينة ليلاً وكانوا يحبونه أكثر من برقوق. فما بلغ ذلك أمراء برقوق خرجوا إلى ظاهر دمشق وأوقعوا مع منطاش ومع عوام دمشق واقعة قتل فيها من الفريقين نحو ألف إنسان، ثم رجع عسكر دمشق إلى المدينة وتوجه منطاش إلى عينتاب فالتف عليه جماعة من التركمان، فحاصر المدينة حصراً شديداً فملكها وهرب نائبها، فلما دخل الليل جمع نائب عينتاب جماعة من التركمان وكبس منطاش فقتل من عسكره نحو مائتي إنسان وهرب منطاش نحو الفرات، ثم إن منطاش جمع قوته وخامر على السلطان أكثر التركمان والعربان والتفوا على منطاش ٧٩٣ فتوجه إلى دمشق وحاصرها فخرج إليه نائبها فهرب منطاش إلى جبل يقرب من طرابلس فتبعه نائب دمشق، فجاء منطاش من وراء ذلك الجبل وجاء إلى دمشق فلم يجد بها أحداً من الأمراء ولا النائب، ففتح له عوام دمشق باباً فدخل منه إلى المدينة ونهب الأسواق وأخذ أموال التجار والخيول، والتف عليه جماعة من عسكر دمشق فقويت شوكته. بلغ السلطان في مصر ما وقع في الشام فقوي عزمه على الخروج إلى منطاش في دمشق، ونادى فيها الأمان لأن أهلها لما خرج الظاهر برقوق من الكرك ودخل مدينتهم رجموه وأخرجوه هائماً على وجهه ونهبوا أثقاله وقماشه، فضج أهل دمشق له بالدعاء، وسكن ما كان عندهم من الاضطراب، ولما

стр. 441

توجه إلى حلب جاء نعير بن جبار أمير آل فضل ونهب ضياع دمشق، وكان نعير عاصياً على السلطان وهو من أنصار منطاش وأخرب غالب إقليم دمشق ونهب ضياعها، فلما بلغ نائب دمشق مجيء نعير خرج إليه وأوقع معه واقعة قوية في قرية الكسوة فانكسر نائب دمشق وقتل من عسكره جماعة. أما منطاش فلما بلغه مجيء السلطان من مصر هرب إلى التركمان. ولما عاد سلطان مصر إلى عاصمته ٧٩٤ هجم نحو خمسة عشر مملوكاً وقيل خمسة أنفس على نائب قلعة دمشق وتوجهوا نحو السجن الذي بها وأخرجوا من كان به من المحابيس من عصبة منطاش وكانوا نحو مائة مملوك، فقويت شوكتهم بالسجناء وهجموا على نائب القلعة وقتلوه وملكوا القلعة، فقاتلهم عسكر دمشق وحاصروا من بالقلعة فقتل من عسكر دمشق جماعة ثم هجم العسكر على باب القلعة وأحرقوه ودخلوا إليها وقبضوا على المماليك كلهم ووسطوهم أي قطعوهم نصفين تحت باب القلعة وأمسكوا الثائرين فلم يبق منهم إلا من هرب. وعاد منطاش ٧٩٤ فحاصر حلب مع التركمان فخرج إليه عسكرها وأوقعوا معه واقعة فكسروه ورجع هارباً إلى الفرات، ثم اتفق منطاش ونعير بن جبار أمير العربان ٧٩٥ بمن معهما من العسكر وحاصروا حماة فخرج إليهم نائبها فأوقع معهم واقعة قوية فانكسر نائب حماة وهرب، فدخل منطاش ونعير إلى المدينة ونهبوا أسواقها وأخذوا أموال التجار، فلما بلغ ذلك نائب حلب ركب هو في عساكر حلب وكبس على بلاد نعير ونهب أمواله وأخذ أورده ونساءه وأحرق بيوته وقتل من عربانه كثيراً، فأرسل نعير يطلب من نائب حلب أولاده ونساءه الذين أسرهم فأرسل نائب حلب يقول له: ما أُطلق لك أولادك ونساءك حتى تسلمنا منطاش. وكان منطاش قد تزوج من بنات نعير واستنسل منهم. فلما رأى نعير أن السلطان ونائب حلب عليه وقد نهبوا أمواله ومواشيه وأسروا أولاده ونساءه، قصد أن يرضي السلطان بإمساك منطاش حتى يزول ما عنده مما جرى منه في حق السلطان، فندب نعير إلى منطاش أربعة قبضوا عليه فلما وقع في أيديهم أخرج من تكته حجراً شق به بطنه فغشي عليه فحمله العبيد وأتوا به إلى نعير فقيده وأرسله إلى نائب

стр. 442

حلب ثم حمل إلى القاهرة، وجعل الموكل بحمله يعاقبه ويعصره ويقرره على الأموال التي غصبها فلم يقر بشيء، ودخل عليه النزع فقطع رأسه ووضعه في علبة وحمله إلى السلطان في مصر ثم أرسل السلطان إلى نعير خلعة وأقره على عادته أمير آل فضل. قال ابن إياس، وعنه أخذنا هذه الحوادث: فما صدق الناس بأن فتنة منطاش قد خمدت عنهم حتى استؤنفت لهم فتنة أُخرى، فوردت الأخبار بأن تيمورلنك أخذ تبريز وشيراز، وركب برقوق إلى الشام وجاءه في حلب قاصد من عند ابن عثمان ومعه مطالعات مضمونها أن يكون هو والظاهر يداً واحدة على دفع تيمورلنك فأجابه الظاهر إلى ذلك ورد له الجواب بما يطيب به خاطره، ثم حضر إليه قاصد طقتمش خان صاحب بسطام وعلى يده مطالعات تتضمن ما قاله ابن عثمان فأجابه الظاهر كما أجاب ابن عثمان. فلما أقام الظاهر بحلب بلغه أن أعلام عسكر تيمورلنك قد وصلت إلى البيرة. ثم بلغه أن تيمورلنك رجع إلى مملكته، فلما تحقق ذلك عاد هو إلى مصر. وفي سنة ٧٩٩ أخذ عسكر تيمورلنك مدينة أرزنجان وقتل أهلها ونهب ما فيها، فلما بلغ سلطان مصر والشام ذلك أرسل إلى نوابه في الشام أن يتوجهوا إلى شاطئ الفرات فخرجوا كلهم وأقاموا هناك، وكانت أرزنجان من جملة الأصقاع التي خطب بها للملك الظاهر برقوق كما خطب له في تبريز والموصل وماردين وسنجار ودوركي، وضربت السكة باسمه في هذه الأماكن. وفي سنة ٨٠١ تحرك ابن عثمان ملك الروم على بلاد السلطان سكان مصر والشام ووصلت طلائعه إلى الابلستين، وهو قاصد حلب فوقع الاتفاق في مصر على محاربته والخروج عليه، وأن يؤخذ من أجرة الأملاك شهر واحد يتقوى بها العسكر على دفع العدو، ثم ظهر أن ابن عثمان وصل إلى ملطية وملكها ولم يشوش على أحد من أهلها وأمر عسكره بأن لا ينهبوا لأحد من الرعية شيئاً، فأقام بملطية أياماً ثم رجع إلى مملكته فبطل أمر التجريدة عليه. وفاة برقوق وسلطنة ابنه الناصر فرج والخوارج على الملك: وفي سنة ٨٠١ توفي الظاهر برقوق وتولى السلطنة بعده ابنه الناصر فرج

стр. 443

وله من العمر نحو اثنتي عشرة سنة فكانت وفاته من سوء طالع الشام، كَثُر طمع القريب والبعيد في اكتساحها. وكان من ذلك الحظ الأكبر لتيمورلنك حتى إنه لما بلغه موت الظاهر برقوق فَرِحَ وأعطى من بشره بذلك خمسة عشر ألف دينار، وتهيأ للمسير إلى الشام فجاء إلى بغداد وأخذها ثانية. وفي سنة ٨٠٢ خامر نائب الشام وأظهر العصيان وأطلق من كان مسجوناً من الأمراء بقلعة دمشق ثم جمع النائب وكان اسمه تنم عسكراً عظيماً من الشام وقصد نحو الديار المصرية ووصل أوائل عسكره غزة، فجيش الملك الناصر فرج وسار إلى الشام، فلما وصل كان أقبغا اللكاش نائب غزة خرج هو ونائب حماة ونائب صفد إلى قتال الملك فدهش النواب، فكان أول من دخل تحت طاعته نائب حماة ثم نائب صفد. فلما رأى عسكر الشام دخول النواب تحت طاعة السلطان - وكان مع تنم نائب الشام نواب طرابلس وحلب وحماة وصفد وكثير من العربان وظن نفسه أنه أصبح سلطاناً - خامر الجميع على تنم نائب الشام وتوجهوا إليه في غزة فملك السلطان غزة وبلغ ذلك نائب دمشق فخرج منها هو وبقية الأمراء وأتوا إلى الرملة فصار السلطان في غزة وهم في الرملة، فراسلهم السلطان في الصلح فأبوا فتلاقى العسكران على مكان يسمى الحبتين فكان بينهم وقعة عظيمة كُسر بها تنم وأمسك واحتاطوا على بركه ودوابه، وقبض الناصر فرج على جملة من الأمراء الذين خامروا عليه وقيدهم وحبسهم في قلعة دمشق. ودخلها في موكب عظيم وقدامه تنم نائب دمشق. وهو مقيد راكب على كديش أبلق ومعه عشرة من أمراء دمشق وهم في قيود فحبسهم في القعلة، ثم قتل وخنق عدة أمراء منهم. الحرب الأولى مع تيمورلنك: وفي هذه السنة انكسرت طليعة جيش تيمورلنك في وقعة صاحب بغداد القان أحمد بن أويس وقرا يوسف أمير التركمان، فلما انكسر التتر أتوا ملطية وكانوا نحو سبعة آلاف إنسان فأرسلوا إلى نائب حلب يقولون له عين لنا مكاناً ننزله، فلما سمع نائب حلب بذلك ركب هو ونائب حماة فتوجهوا إلى عسكر تيمورلنك فأوقعوا معهم وقعة عظيمة فانكسر نائب حماة وقتل من عسكر

стр. 444

حلب جماعة فأمر السلطان نواب دمشق وصفد وطرابلس بأن يجمعوا العساكر ويتوجهوا إلى حلب يقيمون بها، فأرسل تيمورلنك إلى دمرداش نائب حلب يعده بأن يبقيه على نيابته بشرط أن يمسك سودون نائب الشام، فأطلع دمرداش على ذلك سودون فوثب على الرسول فضرب عنقه، فلما بلغ ذلك تيمورلنك نازل حلب، ولكن تيمورلنك إذا تظاهر الشراكسة بالقوة أمامه يعرف ما تندمج عليه نفوسهم وتصل إليه قرائحهم، وإذا انكسر له فيلق صغير لم يكن إلا على أتم المعرفة بما عند من يريد فتح ديارهم، وكان له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها والتي لم يملكها، فكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بجميع ما يروم، فلا يتوجه إلى جهة إلا وهو على بصيرة من أمرها، وبلغ من دهائه أنه كان إذا أراد قصد جهة جمع أكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأي على التوجه في الوقت الفلاني إلى الجهة الفلانية، فيكاتب جواسيس تلك الجهات فتأخذ الجهة المعينة حذرها ويأمن غيرها، فإذا ضربوا النفير وأصبحوا سائرين ذات الشمال عرّج بهم ذات اليمين، فإلى أن يصل الخبر الثاني يكون دهم هو الجهة التي يريد وأهلها غافلون. وذكر ابن حجر أنه كان ابتداء حركة تيمورلنك إلى البلاد الشامية في سنة اثنتين وثمانمائة. وأصل ذلك أن أحمد بن أويس صاحب بغداد ساءت سيرته وقتل جماعة من الأمراء وعسف على الباقين، فوثبوا عليه فأخرجوه منها، وكاتبوا نائب تيمورلنك بشيراز أن يتسلمها فتسلمها، وهرب أحمد إلى قرا يوسف التركماني بالموصل فسار معه إلى بغداد فالتقى به أهل بغداد فكسروه، واستمر هو وقرا يوسف منهزمين إلى قرب حلب، وقيل بل غلب على بغداد وجلس على تخت الملك، ثم صار صحبة قرا يوسف فوصلا جميعاً إلى أطراف حلب وسألا أن يطالع السلطان بأمرهما فكاتب أحمد بن أويس يستأذن في زيارته مصر، فأجيب بتفويض الأمر إلى النائب فخشي دمرداش نائب حلب أن يقصد هو وقرا يوسف حلب فسار نائب حلب ومعه طائفة قليلة منهم نائب حماة ليكبس أحمد بن أويس بزعمه، فكانت الغلبة لأحمد فانكسر دمرداش وقتل من عسكره جماعة، ورجع منهزماً وأُسر نائب حماة وفدي بستمائة ألف درهم، ثم جمع نعير والنائب ببهنسي جماعة والتقوا مع أحمد بن أويس

стр. 445

فكسروه واستلبوا منه سيفاً يقال له سيف الخلافة وصحفاً وأثاثاً كثيرة. فوصلت الأخبار إلى القاهرة فسكن الحال بعد أن كان أمر السلطان بتجريد العساكر لما بلغه هزيمة دمرداش وأرسل بريدياً إلى الشام بالتجهيز إلى حلب. تيمورلنك على أبواب حلب: وصل تيمورلنك بعد فتح عينتاب إلى الباب وبزاعا بالقرب من حلب وأرسل إلى نائب حلب قاصداً ومعه المكاتبات من تيمورلنك فيها عبارة خشنة لنائب حلب. وذكر ابن حجر أن كتاب تيمورلنك إلى نائب حلب جاء فيه: إنا وصلنا في العام الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممن قتل رسلنا بالرحبة ثم بلغنا موته يعني الظاهر، وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد فتوجهنا إليهم فأظفرنا الله تعالى بهم، ثم رجعنا إلى الكرج فأظفرنا الله بهم، ثم بلغنا قلة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاده ما بلغكم، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها فنعلمهم أن يرسلوا قريبنا أطلمش وإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقهم والسلام. حنق نائب حلب وأمر بضرب أعناق قصاد تيمورلنك، فاضطربت عند ذلك أحوال مدينة حلب وحصنوا سورها بالمدافع والمكاحل والمقاتلين، وقد ارتكب نائب حلب خطأ فاحشاً بقتل الرسول، ظاناً وجماعته من الحلبيين أن لهم قوة تقاوم قوة تيمورلنك. قال بعض المؤرخين: لما كان أهل حلب وصاحبها يتشاورون في دفع عادية تيمور عنهم قال نائب طرابلس: إننا نطير إلى الآفاق أجنحة البطائق إلى الأعراب والأكراد والتراكمة فيتسلطون عليه من الجوانب. وفي ذلك دليل آخر على جهل أمراء الشام بقوة تيمورلنك وعجزهم عن كشف أخبار جيوشه وتقدير مبلغ قوته. وذكر بعض المؤرخين أن عسكر تيمورلنك كان لما أسر سلطان العثمانيين أربعمائة ألف فارس وستمائة ألف راجل وقيل: إن ديوان تيمور اشتمل على ثماني مائة ألف مقاتل. لما بلغ تيمورلنك ما فعله الحلبيون بقصاده زحف إلى قرية حيلان وأحاط بمدينة حلب ونهب ما حولها من الضياع فخرج عساكر حلب وسائر النواب

стр. 446

بعساكرهم، وخرج لقتال تيمور حتى النساء والصبيان من أهل حلب، وأوقعوا مع تيمور فكان بينهم ساعة تشيب منها النواصي، وقد دهمتهم عساكر تيمور كأمواج البحر المتلاطمة، فلم تثبت معهم عساكر حلب وولوا على أعقابهم مدبرين إلى المدينة، وقد داست حوافر الخيل أجساد العامة، وكان احتمى بالمزارات والمساجد الجم الغفير من النساء والأطفال، فدخل التتر إليهم وأسروهم وقرنوهم بالحبال وأسرفوا في قتل النساء والرجال، وصارت الأبكار تفتض في المساجد وآباؤهن يشاهدونهن، ولم يرعوا حرمة الجوامع وأصبحت كالمجزرة من القتلى واستمر ذلك أربعة أيام. وفي كنوز الذهب أن جيش تيمورلنك لما دخل إلى حلب نهب وأحرق وسبى وقتل وصاروا يأخذون المرأة ومعها ولدها الصغير على يدها فيلقونه من يدها ويفعلون بها ما لا يليق ذكره، فلجأ النساء عند ذلك إلى جامعها ظناً منهن أن هذا يقيهن من أيدي الكفرة وصارت المرأة تطلي وجهها بطين أو بشيء حتى لا ترى بشرتها من حسنها، فيأتي عدو الله إليها ويغسل وجهها ويجامعها في الجامع. قال: وحكى بعض من حضر الوقائع بأن تيمور عرض الأسرى من ديار الشام ونواحيها فكانوا ثلاثمائة ألف أسير وستين ألف أسير. رأى دمرداش نائب حلب عين الغلب فنزل من القلعة هو وبقية النواب، وأخذوا في رقابهم مناديل وتوجهوا إلى تيمورلنك يطلبون منه الأدمان؛ فلما مثلوا بين يديه خلع عليهم أقبية مخمل أحمر وألبسهم تيجاناً مذهبة، وقال لهم: أنتم صرتم نوابي، ثم أرسل معهم جماعة من أمراته يتسلمون القعلة، وكان فيها من الأموال والذخائر والحلي والسلاح ما تعجب الفاتح من كثرته، حتى أخبر بعض أخصائه أنه قال: ما كنت أظن أن في الدنيا قلعة فيها هذه الذخائر، فاستنزلوا ما كان بها وهم في قيود وغدر بهم بعد أن أمنهم، وأخذ جميع ما كان فيها من الأموال والمتاع ثم خرب القلعة وأحرق المدينة. واستمر مقيماً على حلب نحو شهر، وعسكره ينهبون القرى التي حول المدينة ويقطعون الأشجار التي بها ويهدمون البيوت، وقد أسرفوا في القتل ونهب الأموال، وصارت الأرجل لا تطأ إلا على جثة إنسان لكثرة القتلى، حتى قيل: إنه بنى من رؤوس القتلى عشرة مآذن، دور كل مئذنة نحو عشرين ذراعاً، وصعودها

стр. 447

في الهواء مثل ذلك، وجعلوا الوجوه فيها بارزة تسفو عليها الرياح، وتركوا أجساد القتلى في الفلاة تنهشها الكلاب والوحوش. فكان عدة من قتل في هذه الواقعة من أهل حلب من صغار وكبار ونساء ورجال نحواً من عشرين ألف إنسان، عدا من هلك من الناس تحت أرجل الخيول عند اقتحام أبواب المدينة وقت الهزيمة وهلك من الجوع والعطش أكثر من ذلك - هذا ما قاله ابن تغري بردي وابن حجر وابن إياس -. وقال ابن حجر: إن أعظم الأسباب في خذلان العسكر الإسلامي ما كان دمرداش نائب حلب اعتمده من إلقاء الفتنة بين التركمان والعرب حتى أعانه بعض التركمان على أموال نعير فنهبها فغضب نعير من ذلك وسار قبل حضور تيمورلنك فلم يحضر الوقعة أحد من العرب. وقال بعضهم: إن دمرداش كان باطن تيمور لكثرة ما كان تيمورلنك خدعه ومناه. تيمورلنك على حماة وسليمة وحمص: ووصل تيمورلنك إلى حماة وسليمة فأرسل جماعة من عسكره إلى نحو طرابلس فتاهوا عن الطريق فدخلوا في وادٍ بين جبلين فوثب عليهم جماعة من عربان جبل نابلس فقتلوا منهم جماعة كثيرة بالنشاب والحجارة فولوا مدبرين. وذكروا أن ابن رمضان أمير التركمان جمع عساكره وجاء حلب بعد رحيل تيمورلنك وطرد من بها من عساكره بحلب. وفعل تيمورلنك بأهل حماة كما فعل بأهل حلب من القتل والنهب وأحرق معظمها، ولم تطل يده إلى حمص فوهبها كما قال لخالد بن الوليد. قال ابن حجر: وذكر بعض من يوثق به أنه قرأ في الحائط القبلي بالجامع الأموي النوري بحماة منقوشاً على رخامة بالفارسي ما نصه: إن الله يسر لنا فتح البلاد والممالك حتى انتهى استخلاصنا إلى بغداد، فحاورنا سلطان مصر والشام فراسلناه لتتم المودة فقتلوا رسلنا، فظفرت طائفة من التركمان بجماعة من أصلنا فسجنوهم، فتوجهنا لاستخلاص قريبنا من أيدي مخالفينا واتفق في ذلك نزولنا بحماة في العشرين من شهر ربيع الآخرة. تيمورلنك على دمشق: وجاء تيمورلنك دمشق فنزل عند سفح جبل الثلج الشيخ في قطنا وإقليم البلان

стр. 448

ميسنون وقوي عزمه على فتح دمشق لما بلغه أن الملك فر منها إلى مصر، فأرسل تيمورلنك إلى نائب دمشق رسولاً من قبله فقتله قبل أن يسمع كلامه. جرى في ذلك على ما جرى عليه نائب حلب فزاد تيمورلنك حنقاً. ومن الغريب أن نائبي حلب ودمشق لم يقدرا قوة تيمورلنك حق قدرها وهي منهما على قيد غلوة وظنا أنهما باعتصامهما في قلعتي المدينة، وبالقليل ممن عندهما من العسكر وأحداث البلدين يستطيعان أن يتغلبا على جيوش تيمورلنك المؤلفة كما قال عربشاه: من رجال توران، وأبطال إيران، ونمور تركستان، وفهود بلخشان، وصقور الدشت والخطا، ونسور المغول وكواسر الجتا، وأفاعي خجند، وثعابين أبدكان، وهوام خوارزم، وجوارح جرجان، وعقبان صغانيان، وضواري حصار شادمان، وفوارس فارس، وأسود خراسان، وضباع الجبل، وليوث مازندران، وسباع الجبال وتماسيح رستمدار وطالقان، وأهل قبائل خوز وكرمان، وطلس أرباب طيالس أصبهان، وذئاب الري وغزنة وهمدان، وأفيال الهند والسند وملتان، وكباش ولايات اللور وتيران، وشواهق الغور، وعقارب شهرزور، وحشرات عسكر مكرم وجندي سابور. قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا مع ما أضيف إليهم من أعيار الخدم، وفواعل التراكمة والأوباش والحشم، وكلاب النهاب من رعاع العرب وهمج العجم، وحثالة عباد الإنسان، وأنجاس مجوس الأمم، ما لا يكتنفه ديوان، ولا يحيط به دفتر حسبان اه. غلطة ارتكبها نائب دمشق المغرور بقوة سلطانه ومن معه من المتعصبة والمتلصصة وأرباب الدعارة من الشطار والأحداث الأغيار، قضت على أعظم مدينة في الأرض كانت في غابر الأيام. كان بين أهل دمشق وبين عسكر تيمورلنك في أول يوم واقعة فقتل من عسكر تيمورلنك نحو ألفي إنسان، فأرسل يطلب من أعيان دمشق رجلاً من عقلائهم، يمشي بينه وبين أهل دمشق في الصلح، فلما أتى قاصد تيمورلنك بهذه الرسالة اشتور أهل دمشق فيمن يرسلونه فوقع الاختيار أن يرسلوا القاضي تقي الدين بن مفلح الحنبلي، فإنه كان إنساناً طلق اللسان يعرف بالتركي وباللسان العجمي، فأرخوه من أعلى السور بسرياق ضخم، ومعه خمسة أنفس من أعيان دمشق، فغاب عند

стр. 449

تيمورلنك ساعة ثم رجع من عنده فأخبر بأن تيمورلنك تلطف معه في القول وقال له: هذه بلد فيها الأنبياء وقد أعتقها لهم. وشرح من محاسن تيمورلنك شيئاً كثيراً وجعل يخذل أهل الشام عن قتاله ويرغبهم في طاعته، فصار أهل البلد فرقتين فرقة ترى ما رآه ابن مفلح وفرقة ترى محاربته، وكان أكثر أهل البلد يرون مخالفة ابن مفلح، ثم غلب رأيه ورأي أصحابه، فقصد أن يفتح باب النصر فمنعه من ذلك نائب قلعة دمشق وقال لهم: إن فعلتم ذلك أحرقت البلدة جميعها، ولكن نائب القلعة لما رأى عين الغلب سلم إليهم القلعة بعد ستة وعشرين يوماً قال: ثم قبض تيمورلنك على ابن مفلح وأصحابه وأودعهم في الحديد. وصف أفعال تيمورلنك في دمشق: ذكر ابن تغري بردي أنه لما قدم الخبر على أهل دمشق بأخذ حلب نودي في الناس بالرحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة والاستعداد لقتال العدو، فأخذوا في ذلك فقدم عليهم المنهزمون من حماة فعظم خوف أهلها، وهموا بالجلاء فمنعوا من ذلك، ونودي من سافر نهب فعاد إليها من كل خرج منها، وحصنت دمشق ونصبت المجانيق على قلعتها ونصبت المكاحل على أسوارها واستعدوا للقتال، ثم نزل تيمورلنك بعساكره على قطنا، فملأت الأرض كثرة، وركب طائفة منهم لكشف الخبر فوجدوا السلطان والأمراء قد تهيئوا للقتال، وصفت العساكر السلطانية فبرز إليهم التمرية وصدموهم صدمة هائلة، وثبت كل من العسكريين ساعة فكانت بينهم وقعة انكسرت فيها ميسرة السلطان، وانهزم العسكر الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران وجرح جماعة، وحمل تيمورلنك بنفسه حملة عظيمة شديدة ليأخذ دمشق، فدفعته ميمنة السلطان بأسنان الرماح حتى أعادوه إلى موقفه، ونزل كل من العسكريين بمعسكره وبعث تيمورلنك إلى السلطان في طلب الصلح وإرسال أطلمش أحد أصحابه إليه وأنه هو أيضاً يبعث من عنده من الأمراء المقبوض عليهم في واقعة حلب. ثم هرب الملك لأنه بلغه أنهم يسلطنون غيره في مصر فاراً بجماعته. وكان اجتمع في دمشق خلائق كثيرة من الحلبيين والحمويين والحمصيين وأهل القرى ممن خرج جافلاً من تيمور، ما عدا العساكر الدمشقيين الذين

стр. 450

تخلفوا في دمشق ولما أصبحوا وقد فقدوا السلطان والأمراء والنائب غلقوا أبواب المدينة، وركبوا الأسوار ونادوا بالجهاد، فتهيأ أهل دمشق للقتال وزحف عليهم تيمورلنك بعساكره فقاتل الدمشقيون من أعلى السور أشد قتال، وردوهم عن السور والخندق، وأسروا منهم جماعة ممن اقتحم باب دمشق، وأخذوا من خيولهم عدة كبيرة وقتلوا منهم نحو الألف وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة، ولما أعيا تيمور أمرهم جعل يخادعهم فأرسل يريد الصلح. وطلب تيمور الطقزات أي التسعة الأصناف من المأكول والمشروب والملبوس وغيره وهذه كانت عادته في كل بلد يفتحه صلحاً. فأجابه الدمشقيون إلى ما طلب بإقناع ابن مفلح لهم، وتقرر أن يجبي تيمور من دمشق ألف ألف دينار ففرض على الناس فقاموا به من غير مشقة لكثرة أموالهم، فلم يرض تيمور وقال: إن المطلوب بحساب له عشرة آلاف ألف دينار أو ألف تومان والتومان عشرة آلاف دينار من الذهب. قال ابن حجر: واستقر الصلح على ألف ألف دينار فتوزعت على أهل البلد ثم رجع تيمور فتسخطها وقال: إنه طلب ألف تومان فنزل بالناس باستخراج هذا منهم ثانياً بلاء عظيم، ولما أخذه ابن مفلح وحمله إلى تيمور قال هذا لابن مفلح وأصحابه: هذا المال لحسابنا إنما هو ثلاثة آلاف دينار وقد بقي عليكم سبعة آلاف دينار؟ وظهر لي أنكم عجزتم، ثم سلمت أموال المصريين وكراعهم وسلاحهم وأموال الذين هربوا من دمشق، ولما كمل ذلك ألزمهم أن يخرجوا إليه جميع ما في البلد من السلاح فأخرجوه، فلما فرغ من ذلك، قبض على ابن مفلح ورفقته وألزمهم أن يكتبوا له جميع خطط دمشق وحاراتها وسككها، فكتبوا ذلك ودفعوه إليه، ففرقه على أمرائه وقسم البلد بينهم فساروا إليها بمماليكهم وحواشيهم، ونزل كل أمير في قسمه وطلب من فيه وطالبهم بالأموال فحينئذ حلّ بأهل دمشق من البلاء ما لا يوصف، وجرى عليهم من أنواع العذاب وهتك الأعراض شيء تقشعر منه الجلود، واستمر هذا البلاء تسعة عشر يوماً فهلك في هذه المدة بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددهم، ثم أمر أمراءه فدخلوا دمشق ومعهم سيوف مسلولة مشهورة وهم مشاة، فنهبوا ما قدروا عليه من آلات الدور وغيرها، وسبوا نساء دمشق بأجمعهن، وساقوا الأولاد والرجال

стр. 451

وتركوا من الصغار من عمره خمس سنين فما دونها، وساقوا الجميع مربوطين في الحبال، ثم طرحوا النار في المنازل والدور والمساجد، وكان يوماً عاصف الريح فعم الحريق جميع البلد حتى كاد لهيب النار أن يرتفع إلى الحساب، وعملت النار في البلد ثلاثة أيام بلياليها، ثم رحل تيمور عنها بعد أن أقام ثمانين يوماً وقد احترقت كلها وسقطت سقوف جامع بني أمية من الحريق وزالت أبوابه وتقطر رخامه ولم يبق غير جدره قائمة، وذهبت مساجد دمشق ودورها وقياسرها وحماماتها وصارت أطلالاً بالية ورسوماً خالية ولم يبق بها إلا أطفال. قال ابن تغري بردي: ولقد ترك المصريون دمشق أكلة لتيمور، وكانت يوم ذاك أحسن مدن الدنيا وأعمرها. قال بهاء الدين البهائي ير في دمشق المظلومة ويصف ما حلّ بها من التتر في سنة ثلاث وثمانمائة ويذكر حلب وحماة: لهفي على تلك البروج وحسنها ... حفت بهن طوارق الحدثان لهفي على وادي دمشق ولطفه ... وتبدل الغزلان بالثيران وشكا الحريق فؤادها لما رأت ... نور المنازل أبدلت بدخان جناتها في الماء منها أضرمت ... فعجبت للجنات في النيران كانت معاصم نهرها فضية ... والآن صرن كذائب العقيان ما ذاك إلا تُركهم ولجت بها ... فتخضبت منها بأحمر قان كرهت جداولها حوافر خيلهم ... فتسابقت هرباً كخيل رهان خافت خدود الأرض من أفعالهم ... فتلثمت بعوارض الريحان لو عاينت عيناك جامع تنكز ... والبركتين بحسنها الفتان وتعطش المرجين من أورادها ... وتهدم المحراب والإيوان لأتت جفونك بالدموع ملوناً ... دمعاً حكى اللولو على المرجان قطرات جفن ترجمت عن حرقتي ... فكأنهن قلائد العقيان أبني أمية أين يُمن وليدكم ... والمغل تفتل في ذرى الأركان شربوا الخمور بصحنه حتى انتشوا ... ألقوا عرابدهم على النسوان

стр. 452

ومنها: لهفي على كتب العلوم ودرسها ... صارت معانيها بغير بيان أعروسنا لك أُسوة بحماتنا ... في ذا المصاب فأنتما أختان غابت بدور الحسن عن هالاتها ... فاستبدلت من عزها بهوان ناحت نواعير الرياض لفقدهم ... فكأنها الأفلاك في الدوران حزني على الشهباء قبل حماتنا ... هو أول وهي المحل الثاني لا تدّعي الأحزان يا شقراءنا ... السبق للشهباء في الأحزان رتعت كلاب المغل في غزلانها ... وتحكمت في الحور والولدان لهفي عليك منازلاً ومنازهاً ... ومقام فردوس وباب جنان ثم رجع ورثي دمشق فقال: لم أدر من أبكي وأندب حسرة ... للقصر للشرفين للميدان للجبهة الغراء أم خلخالها ... للمزّة الفيحا أم اللوّان - الخراب الأعظم وأخلاق تيمور ونجاة فلسطين منه: وعلى ما منيت به دمشق من قتل سكانها وسبي نسائها وأولادها، وإحراق مصانعها وبيوتها، واستخراج أموالها وطرائفها، أصابتها من تيمور مصيبة لا تقل عن تلك في إرجاعها القهقري وإضعافها إضعافاً لا يجبر كسره في قرون وإليك ما قاله ابن عربشاه في تفصيل هذا الهول العظيم: وبينا كان رجال يحاصرون قلعة دمشق أخذ هو يتطلب الأفاضل وأصحاب الحرف والصنائع، واستمر نهب عسكر تيمور لدمشق ثلاثة أيام، وارتحل وجماعته وقد أخذ من نفائس الأموال فوق طاقتهم، فجعلوا يطرحون ذلك في الدروب والمنازل، وذلك لكثرة الحمل وقلة الحوامل، وأصبحت القفار والبراري، والجبال والصحاري، من الأمتعة والأقمشة، كأنها سوق الدهشة، وكأن الأرض فتحت خزائنها، وأظهرت من المعادن والفلزات كامنها، وأخذ تيمور كل ماهر في فن من الفنون بارع من النساجين والخياطين والحجارين والنجارين والاقباعية والبياطرة والخيمية والنقاشين والقواسين والبازدارية وبالجملة أهل أي فن كان، وأخذ جملة من العلماء والأعيان والنبلاء، وكذلك كل أمير من أمرائه

стр. 453

وزعيم من زعمائه، وأخذ من الفقهاء والعلماء، وحفاظ القرآن والفضلاء، وأهل الحرف والصناعات، والعبيد والنساء والصبيان والبنات، ما لا يسعه الضبط. ولما رحل تيمور عن دمشق، وقد أصبحت أطلالاً لا مال ولا رجال ولا مساكن ولا حيوان، صار من بقي فيها من عسكر السلطان ومن أهلها يجتمعون ويترافقون، ويخرجون من دمشق إلى الديار المصرية فيخرج عليهم العربان والعشير، وينهبون ما معهم ويعرونهم ولم يتركوا لهم غير اللباس في وسطهم، فجرى عليهم من العربان والعشير ما لم يجر عليهم من عسكر تيمور، فذهبت حرمة المملكة ولم يبق للسلطان قيمة ولا للترك حرمة، فعزم السلطان الناصر على العود إلى دمشق، ثم بلغه أن تيمور رحل عن دمشق وهو مريض فعدل عن حملته، وأرسل تيمور إلى صاحب مصر سودون نقيب قلعة دمشق يعتذر له مما قد جرى، ويطلب قريبه الذي كان أسر في أيام الظاهر برقوق، وأنه إذا أطلقه يطلق ما عنده من الأسرى، فأطلقه وكساه السلطان وأحسن إليه، فلما وصلوا إلى تيمور أكرمهم وقبل مراسيم السلطان وتفارش وبكى واعتذر مما وقر منه وقال هذا كان مقدراً. رحل تيمور عن دمشق ولم يتعدها إلى فلسطين، وكان علماء القدس انتدبوا رجلاً وجهزوه بمفاتيح الصخرة إلى تيمور لما بلغهم أخذه دمشق فلما كان بالطريق بلغه رجوعه فرجع. وكانت أكثر المدن الصغرى في أواسط الشام قد خضعت وصافت بحكم الطبيعة ومنها طرابلس أحضر له منها مال وقد اجتاح بعلبك ونهبها، ولما وصل الجبول في عودته لم يدخلها وأمر بتخريبها وإحراقها، وحرق حلب مرة ثانية وهدم أبراج القلعة وأسوار المدينة والمساجد والجوامع والمدارس، وقتل وأسر كل من وجدهم في طريقه، وأخذ من كان في قلعة حلب من المعتقلين خلا القضاة فأطلق موسى الأنصاري وعمر بن العديم وجماعة معهما، وأخذ بقيتهم فمنهم من هرب من الطريق، ومنهم من وصل معه. قفل تيمور راجعاً بعد أن أذاق الشام كأس الذل والحمام، وربما إذا جمعت جملة تخريباته لا يتأتى وقوع مثلها في مئات من الأعوام عملها بجيشه الجرار في عشرات من الأيام وقال: إن ما فعله كان مقدراً فكأنه شعر بعظم تبعته على عادة الفاتحين السفاكين، بيد أنه كان مغرى

стр. 454

بغزو المسلمين والتخلي عن غيرهم، صنع ذلك في الروم والهند وغيرهما، ولكن ما فعله لم يكن كله عن غير علم بل أخذ بما يؤخذ به كل من تفانى في الوصول إلى غرض، ويستحيل بعد أن فتحت عليه الأقاليم وفتح ثلث آسيا تقريباً بالقهر والسيف وجعل جيشه مؤلفاً كالجيش العثماني من جميع العناصر التي كانت تحت حكمه أن لا يكون على شيء من العلم وبعد النظر. وكان يصحب معه في رحلاته زمرة من العلماء المحققين. ولو قدّر للدولة أن يكون فيها سلطان يحسن الانتفاع بالقوة، ويحالف ابن عثمان صاحب الروم وغيره من أمراء الشرق الذين فاوضوا ملك مصر والشام في أمر تيمور قبل انهيال جمهرة جيوشه على ديارهم ونظموا قواهم واستعملوا اللين تارة والشدة أخرى، ولم يفتحوا للفاتح العظيم باباً من أبواب الحجج التي يحجهم بها في عرف السياسة والفتح، لأمنت هذه الديار عادية تيمور أو لكان اكتفى بمعاهدة تضمن له بعض الغرامات فرحل بسلام، لأن تيمور يعرف بأن مملكته أوسع مجالاً يتيسر بقاؤها لآله لقربها من مهد عصبيته ودار ملكه. بيد أنه لم يكن في مصر ولا الشام على ذاك العهد رجل سياسي بعيد النظر والغور في السياسة كالظاهر برقوق والظاهر بيبرس مثلاً فكان ما كان لأن الديار أصبحت بلا راع يرعاها، وغدا الحكم لمماليك الطبقة الثانية من عماله، ولمن يتحمسون لأول وهلة ثم يقودون أمتهم بجهلهم إلى الخراب، والغالب أن السبب في رجوع تيمور انتشار الجراد حتى أكل الناس أولادهم فأصبح من المتعذر عليه بعد ذلك تموين جيشه العظيم، وبهذا الرأي قال ابن حجر فذكر أن رحيل تيمور إنما كان لضيق العيش على من معه فخشي أن يهلكوا جوعاً. وقيل: إن تيمور أراد أن يفتح مصر فأرسل جماعة من قواده يكشفون له الطرق فلما عادوا قصوا عليه ما رأوه وهو ساكت حتى أتوا على حديثهم فقال لهم: إن مصر لا تفتح من البر تحتاج إلى أسطول لتفتح من البحر ولذلك صرف النظر عن فتحها، وهكذا نجت مدن الجنوب في الشام من تخريبه وكذلك مصر وما إليها من بلاد إفريقية وسلمت الدولة الشركسية.

стр. 455

عهد المماليك الأخير من سنة ٨٠٣ إلى ٩٢٢ البلاد بعد الفتنة التيمورية ومخامرة العمال: خرجت حلب وحماة ودمشق خصوصاً من بين مدن الشام بعد فتنة تيمور كالهيكل من العظم لا لحم ولا دم، وأصيبت بنقص في الأنفس وخراب في العمران، يبكي لها كل من عرف ما كانت عليه من السعادة قبل تلك الحقبة المشؤومة، ولم يقيض للقطر سلطان عاقل قوي يداوي جراحاتها وينهض بها نهضة تنسيها آلامها. ولما رحل تيمور عن دمشق نصب صاحب مصر المقر السيفي تغري بردي في نيابة دمشق ورسم له أن يخرج إلى الشام من يومه ليعمر ما أفسده تيمور في دمشق، ونصب نواباً آخرين على نيابات الشام ممن كانوا في أسر تيمور فأطلقهم، مثل نواب الكرك وطرابلس وحماة وبعلبك وصفد وغيرهم، وأمرهم أن يعمروا البلاد المخربة، وهيهات أن يعمر في قرن ما خربه تيمور في ثلاثة أشهر. وبعد حين رجم أهل دمشق ٨٠٤ نائب الشام تغري بردي وأرادوا قتله فهرب إلى نائب حلب، فلما بلغ سلطان مصر ذلك أرسل تقليداً إلى أقبغا الجمالي بنيابة الشام. وخامر أمير غزة وخرج عن الطاعة واسمه صرق، فقتل في المعركة، وخرج أيضاً عن طاعة نائب طرابلس شيخ المحمودي. وخرج دمرداش نائب حلب إلى الأمير دقماق المحمدي الذي خلفه في نيابتها وأوقع معه واقعة قوية فانكسر دمرداش. وفي سنة ٨٠٦ نازل الفرنج طرابلس فأقاموا عليها ثلاثة أيام فبلغ ذلك نائب الشام فنهض إليهم مسرعاً فانهزموا فأوقع بهم وكان ذلك مبدأ سعادته.

стр. 456

ثم توجه الفرنج إلى بيروت وكانوا في نحو من أربعين مركباً فواقعهم دمرداش ومن معه من الجند والمطوعة وقتل بعض الناس من الفريقين وجرح الكثير، وكان نائب الشام ببعلبك فجاءه الخبر فتوجه من وقته وأرسل إلى العسكر يستنجد به ومضى على طريق صعبة إلى أن وصل إلى طرابلس ثم توجه من فوره إلى بيروت فوجدهم قد نهبوا ما فيها وأحرقوها وكان أهلها قد هربوا إلى الجبال إلا المقاتلة منهم، فوقع بين الفريقين مقتلة عظيمة فأمر النائب بإحراق قتلى الفرنج، ثم توجه إلى صيدا ومعه العساكر فوجدهم في القتال مع أهلها ولم يتقدمه أحد بل كان معه عشرة أنفس، فحمل على الفرنج فكسرهم وفروا في مراكبهم راجعين إلى ناحية بيروت ثم نزلوا لأخذ الماء فتبعهم بعض أصحاب النائب فغلبوه على الماء وأخذوا حاجتهم وتوجهوا إلى جهة طرابلس. ودامت الفوضى في القطر حتى خامر النواب إلا قليلاً في الشام ٨٠٦ وأصبح الناس فرقتين فرقة مع الملك الناصر وفرقة عليه إلى أن خلع سنة ٨٠٨ وفي سنة ٨٠٦ أوقع نائب الشام بعرب آل فضل وكان كبيرهم علي بن فضل قد قسم الشام سنة ثلاث وثماني مائة فطمع أن يفعل ذلك هذه السنة، فقبض عليه النائب ونهب بيوته، ووقع بين نعير أمير عرب آل فضل وبين حجا بن سالم الدوكاري وقعة عظيمة قتل فيها ابن سالم وانكسر عسكره وغلب نعير وأرسل برأس ابن سالم إلى القاهرة. وكان عسكر ابن سالم طاف في أعمال حلب كعزاز وغيرها وأفسد فيها الفساد الفاحش، وكان وقع بينه وبين نعير قتال بين جعبر وابلستين واستمرا أياماً إلى أن قتل ابن سالم. وقع بين دمرداش والتركمان وقعة عظيمة فانكسر دمرداش. وفي أيام الناصر فرج نصب نوروز الحافظي على دمشق وجكم العوضي نائباً على حلب، فلما توجها إلى عملهما أظهر كل منهما العصيان والمخامرة على السلطان فتسلطن جكم العوضي بحلب وقبل الأمراء الأرض بين يديه وتلقب بالملك العادل ووضع يده على البلاد الحلبية وكتب إلى نواب الشامات فأطاعوه إلا القليل منهم، وأخرج أوقاف الناس وجعلها إقطاعات وفرقها مثالات على عسكر حلب وصار يحكم من الشام الى الفرات فانتزعت يد الناصر من الديار الشامية والحلبية وصار حكمه لا يجاوز غزة.

стр. 457

وفارق جكم حلب ٨٠٧ فثار بها عدة من أمرائها ورفعوا لواء السلطان بالقلعة فاجتمع إليهم العسكر وتحالفوا على طاعة السلطان، وقام بتدبير أمور حلب الأمير يونس الحافظي وامتدت أيدي عرب ابن نعير والتركمان إلى معاملة حلب فقسموها ولم يدعوا لأحد من الأمراء والأجناد شيئاً. ومدحه المؤرخون بأنه كان يتحرى العدل ويحب الإنصاف، ولا يتمكن أحد معه من الفساد. وفي سنة ٨٠٧ حاصر دمرداش نائب حلب إنطاكية وبها فارس ابن صاحب الباز التركماني فأقام مدة ولم يظفر بها بطائل وكان جكم مع فارس فتوجه جكم بعده إلى طرابلس فغلب عليها ثم توجه إلى حلب فنازلها وبها دمرداش فالتقيا وجرى بينهما قتال فانكسر دمرداش وخرج من حلب فركب البحر إلى القاهرة. وملكها جكم ثانية ثم خرج إلى جهة البيرة وغزا التركمان وأسر منهم جماً كبيراً. والتف نوروز الحافظي على شيخ المحمودي نائب طرابلس وأظهرا العصيان والتف عليهما جماعة من النواب وصاروا يأكلون الأقاليم الشامية والحلبية من غزة إلى الفرات وليس بيد الملك الناصر سوى مصر. وخربت صفد وأعمالها خراباً شنيعاً وذلك لأن شيخاً المحمودي ومن معه من النواب والتركمان حاصروها مدة لأن واليها بكتمر جلق لم يوافقهم على رغائبهم من جهة سلطان مصر. وخرج نعير بن مهنا الحياري البدوي ٨٠٨ على أعمال دمشق فأخرج يلبغا العساكر وتواقعوا بالقرب من قرية عذراء خارج دمشق فانهزمت عساكر الشام وأمراء غرب بيروت واستولت العرب على دمشق وزادوا في الجور والضرب. واستولى التركمان على كثير من العمالات بقيادة رأسهم اياس ووصلوا إلى حماة فغلبوا عليها ثم ردوا عنها. وقائع التركمان مع الناشزين على السلطان: وفي سنة ٨٠٨ كانت الوقعة العظمى بين جكم نائب حلب والتركمان ورئيسهم فارس ويدعى إياس بن صاحب الباز صاحب أنطاكية وغيرها، وكان قد غلب على أكثر الأصقاع الشمالية ودخل حماة وملكها، وعسكره يزيد على ثلاثة آلاف فارس غير الرجالة فواقعه جكم بمن معه فكسره كسرة فاحشة، وعظم قدر جكم بذلك وطار صيته، ووقع رعبه في قلوب التركمان

стр. 458

وغيرهم، ثم إنه واقع نعيراً ومن معه من العرب فكسره، ثم توجه جكم إلى إنطاكية وأوقع بالتركمان فسألوه الأمان وأن يمكنهم من الخروج إلى الجبال مواطنهم القديمة ويسلموا إليه جميع القلاع التي بأيديهم، فتقرر الحال على ذلك وأرسل إلى كل قلعة واحداً من جهته ودخل إلى حلب مؤيداً منصوراً، فسلم فارس بن صاحب الباز لغازي بن أوزر التركماني وكان بينهما عداوة فقتله وقتل ولده وجملة من جماعته. وكان قد استولى على معظم معاملة حلب ومعاملة طرابلس فصار في حكمه إنطاكية والقصير والشغر وبغراس وحارم وصهيون واللاذقية وجبلة وغير ذلك، فلما أحيط به تسلم جكم الكور ورجعت معاملة كل بلد على ما كانت أولاً. وبرز جكم إلى دمشق فالتقى مع ابن صاحب الباز وجمعهم من التركمان فكسرهم كسرة ثانية وضرب أعناق كثير منهم صبراً وقتل نعيراً وأرسل برأسه إلى القاهرة، واستعد نائب الشام لقتاله، ووصل دمرداش توقيع بنيابة حلب عوضاً عن جكم من القاهرة، فتجهز صحبة نائب الشام ثم وصل إليهم المعجل بن نعير طالباً ثأر أبيه وكذلك ابن صاحب الباز طالباً ثأر أبيه وأخيه، وكان معهم من العرب والتركمان خلق كثير، ووصل توقيع المعجل بن نعير بأمرة أبيه ووصل نائب الشام ومن معه إلى حمص وكاتبوا جكم في الصلح ووقعت الواقعة بينهم فانكسر عسكر دمشق، ووصل إليها شيخ ودمرداش منهزمين، وكانت الواقعة في الرستن ثم رحل نائب دمشق إلى مصر، ودخل جكم إلى عاصمة الشام وبالغ في الزجر عن الظلم، وعاقب على شرب الخمر فأفحش، حتى لم يتظاهر بها أحد، وكانت قد فشت بين الناس. ذكر هذا ابن حجر، وقال في وفيات سنة ٨٠٨: إن فارساً صاحب الباز التركماني كان أبوه من أمراء التركمان فلما وقعت الفتنة اللنكية جمع ولده هذا فاستولى على إنطاكية ثم قوي أمره فاستولى على القصير ثم وقع بينه وبين دمرداش في سنة ست وثماني مائة فانكسر دمرداش، وكان جكم مع فارس ثم رجع عنه، فاستولى فارس على البلاد كلها وعظم شأنه، واستولى على صهيون وغيرها من عمل طرابلس، وصارت نواب حلب كالمحصورين معه لما استولى على أعمالهم، فلما ولي جكم ولاية حلب تجرد له وواقعه فهزمه ونهب ما معه

стр. 459

واستمر جكم وراءه إلى أن حاصره بإنطاكية سنة ثمان وثماني مائة، ولم تزل الحروب بينهما إلى أن طلب فارس الأمان فأمنه ونزل إليه وسلمه لغازي بن أوزر، وكان عدوه فقتله وقتل معه ابنه وجماعة منهم، واستنقذ جكم الأقاليم كلها من أيدي صاحب الباز وهي إنطاكية والقصير والشغر وحارم وغيرها وانكسرت بقتل فارس شوكة التركمان. وفي سنة ٨٠٩ بعث شيخ إلى نابلس جيشاً قبضوا على عبد الرحمن ابن المهتار وأحضروه له إلى صفد فقتل بحضرته، وكان قد عصى بأخرة على الناصر، واتفق شيخ ونوروز فأرسله إلى نابلس فصادر أهلها وبالغ في ظلمهم فكانت تلك عاقبته. ووقعت وقعة بين شيخ والحمزاوي عند حلبين فقتل في المعركة أناس من الأمراء وقبض على الحمزاوي. واستولى تمربغا المشطوب على حلب وذلك أنه لما هرب من الوقعة التي كانت بين جكم وبين قرابللك جاء مع طائفة من المغل إلى جهة حلب فوجد ابن دلغادر قد جمع التركمان وحاصرها فأوقع بهم وكسرهم ودخل البلد وعصت عليه القلعة. ولما بلغهم قتل جكم سلموها فاستولى على ما بها من الحواصل وعلى ما بحلب أيضاً من الخيول والمماليك المخلفة عن جكم. ثم قدم الملك الناصر من مصر فانهزمت العرب ودخل السلطان دمشق وبنى ما كان هدم. وفي سنة ٨٠٩ ثارت طائفة من المماليك ومعهم عامة حلب على شركس المصارع. وهكذا كثرت الفتن في الشام في العقد الأول من القرن التاسع وكلما قوي أمير قتل رجال الأمير الذي كان قبله، وشأن الظلم في الرعايا عجيب، والمصادرات قائمة على ساق وقدم، وبالجملة فقد كانت الدولة التي تولت أمر مصر والشام على حالة سيئة وكثير من ملوكها لم يتم لهم في الملك أشهر معدودة، وناهيك بهذا التبدل قال ابن تغري بردي: وكثرت المصادرات بدمشق وغيرها في أيام هذه الفتن ٨١٠ وأُخرجت الأوقاف عن أربابها وخربت بلاد كثيرة بمصر والشام، لكثرة التجاريد وسرعة انتقال الأمراء من إقطاع إلى إقطاع. وقال ابن حجر: وفيها كملت عبارة قلعة دمشق وكان ابتداؤها في العام الماضي وصرف على عمارتها مال كثير جداً، وظلم بسببه أكثر الخلق من الشاميين وغيرهم. وبسط نوروز يده في المصادرات بدمشق

стр. 460

فبالغ في ذلك حتى إن بعض التجار كانوا يترحمون على تيمور وفرض على جميع الجهات مثليها، وتناول حتى الخانات والحمامات وأرباب المعايش حتى انقطعت الأسباب وتعطلت الأرزاق. ونازل التركمان حلب ٨١٠ فحصرها علي بك بن خليل بن قراجا بن دلغادر ومعه عدة من أمراء التركمان وعدة من أمراء العرب ونازلوها أياماً وقاتلهم العوام ومن بها، وكان بها يومئذ تمربغا المشطوب فدخلوا ولم يظفروا بطائل، وكان لعلي بك ولد محبوس بقلعة حلب فصانع أهل حلب أباه بإرساله مكرماً فما أفاد ذلك وجد في الحصار ونازل المعجل بن نعير حماة وحاصرها ونهب علي بك ومن معه القرى التي حول حلب وجدوا في الحصار، وبالغ أهلها بالذب عن أنفسهم واشتدوا للقتال وهان عليهم الأمر خشية على أموالهم وحريمهم بحيث أنهم كانوا كل يوم لا يرجعون إلا وقد أنكوا في التركمان نكاية كبيرة، وأوقع نوروز بالمعجل ومن معه من العرب على حماة وكسرهم. وجرت في هذه السنة وقعة في وادي عقيبة من كروم بعلبك بين أنصار السلطان وبعض أمراء المماليك الفارين من القاهرة فكاثرهم نوروز وقتل منهم وحملت رؤوسهم إلى مصر. وتصافى شيخ ونوروز بعد الخلاف وتوجها بعسكرهما إلى أقليم ابن بشارة ونهبوه وهرب ابن بشارة. وقصد تمربغا المشطوب نائب حلب النزول على التركمان فبيتوه وكسروه ورجع منهزماً، ونهب نوروز للعرب إبلاً كثيرة فكبسوا عليها واستنقذوها وحاصر شاهين دويدار شيخ صهيون فغلب عليها فضربت البشائر بدمشق. وجاء الأمير شيخ والأمير نوروز من غزة في عساكر كثيفة ٨١١ فلما سمع الناصر بذلك خرج هو والأمراء على الهجن فتلاقى العسكران على السعيدية وكان بينهما واقعة عظيمة فانكسر الناصر ورجع إلى القاهرة وهو مهزوم، فتبعه شيخ ونوروز ودخلا إلى القاهرة، ثم قوي حال الناصر على شيخ ونوروز فكسرهما فرجعا إلى الشام مهزومين، وقتل في هذه الحركة جماعة كثيرة من الأمراء والمماليك. وفيها تعين نوروز لنيابة الشام ثم تنحى عنها، وأرسل السلطان تقليداً إلى شيخ بنيابة الشام وتقليداً إلى دمرداش بنيابة حلب، ثم عين نوروز إلى القدس بطالاً، ثم كتب إلى دمرداش نائب حلب بالحضور إلى مصر ورسم
следующие страницы →