Полный текст (1 453 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لغات الشام
اللغة الآرامية والسريانيية والعبرانية والفينيقية
والعربية:
اللغات التي انتشرت في الشام قبل الإسلام كثيرة أهمها اللغات السامية أخوات اللغة العربية وهي السريانية والعبرانية والفينيقية. وقد قسم جويدي أهل اللغات السامية إلى قسمين أكبرين شرقي وهم أهل أثور أي أهل بابل وأشور، وغربي وهو إما شمالي وإما جنوبي، فأما الشمالي منهما فينقسم قسمين كبيرين أحدهما الكنعاني ويشمل العبراني والفينيقي وغيرهما والآخر آرامي. وأما الجنوبي فهو نوعان النوع الأول العربية المعهودة أي لغة القبائل التي سكنت النواحي الشمالية من جزيرة العرب، والنوع الثاني عربية القبائل الجنوبية كسبإ وحمير ويشبه هذا النوع لغة الحبش القديمة. وقد يسمى النوع الأول لسان العرب المستعربة ويسمى النوع الثاني لسان العرب العاربة. فالعبرانية من لغات كنعان ومن اللغات الكنعانية لغة موآب ومن لغات الكنعانيين لغة الفينيقيين وقال: إن اللسان الآرامي هو النوع الثاني من القسم الشمالي في اللغات السامية، وفي هذا اللسان قسمان أحدهما غربي وهو لسان اليهود المتخلفين في فلسطين وفي مصر وهو لسان عدة أمم كالسامرة
стр. 37
والنبط وأهل تدمر، والقسم الثاني شرقي وهو لسان اليهود في بابل ولسان السريان وغيرهم.
قال: ومن اللغات الآرامية الغربية لغة الكتابات النبطية وكان الأنباط أُمة عربية الأصل ولغتهم المأنوسة العربية في التكلم والمحاورة بين الناس. والأحرف الهجائية لم تكن معروفة عند العرب.
-
البابلية والكنعانية والكلدانية:
كان أهل الشام منذ الزمن الأطول قبائل سامية من البابليين ولم يزل يهاجر إليها أجيال من الناس سموا الكنعانيين فغلب الكنعانيون البابليين، وباللغة البابلية كتبت رسائل تل العمارنة التي وجدت في مصر سنة ١٨٨٨م وهي رسائل صدرت عن عمال الشام إلى ملوك مصر قبل موسى وهارون فاستدل علماء الإفرنج أن اللغة البابلية كانت في ذلك العهد لغة الحكومة بين الدول الراقية، وارتأى بعضهم أن الشام كانت تتكلم إذ ذاك بالبابلية، وكان اللسان الكنعاني أخذ يمتزج بلغة بابل، فتغلب بفرعيه العبراني والفينيقي على لغة أشور وبابل. وكان الكلدانيون يتكلمون بالآرامية على رأي بوست وفقا لعادة ديوان الحكومة ولكنها لم تكن لغتهم الخاصة ولا العلمية، أما لغة الكلدانيين الأصلية فالكلدانية القديمة وهي لغة أكد، وقد استعملها سكان بابل الأصليون إلا أنها كانت على وشك الاضمحلال في زمن يُخْت نصر وقد هجرتها الألسنة لذلك الحين، وكان ظهور اللغة المسماة الآن بالسريانية في القرن الثاني بعد المسيح وهجر أهلها استعمالها نحو القرن الثاني عشر.
الحثية والآرية واليونانية واللاتينية:
أما اللغة الحثية فكانت على قول كروفرد في القرن الرابع عشر والثالث عشر قبل التاريخ المسيحي لغة مستعملة من اللغات الهندية الأوروبية أي اللغات الأوروبية المشابهة للاتينية والآرية الإيرانية والأرمنية، وأن الحثيين أنفسهم من سلالة آرية أُوروبية، ولكن امتزج بهم مع الزمن دمٌ من
стр. 38
غير الدم الآري الأوربي أي إن الحثيين من أصل غير سامي ولم تنتشر لغتهم كما قال حتى بين العامة ولم يتوفق البحاثون إلى حل رموزها حتى الآن. فاللغة البابلية كانت منتشرة في الشام منذ زهاء ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح، ثم تغلبت الكنعانية التي تشمل العبرانية
والفينيقية، ثم تغلبت الآرامية على الكنعانية وهما متشابهتان. ولما صار الأمر إلى الفرس بعد البابليين في الشام بقيت اللغة الآرامية اللغة الرسمية.
وفي دولة الروم السلوقية بث خلفاء الإسكندر المدنية اليونانية في سكان سواحل البحر المتوسط، وكانت مع هذا إلى ضعف ولا سيما في لبنان إذ دام أهله على استعمال الآرامية ممزوجة باللغة الفينيقية، وكانت اليونانية اللغة الرسمية ولغة العلماء على عهد الروم والرومان أيضا منتشرة في كثير من الأرجاء. وكانت مدرسة الفقه في بيروت تدرس باللاتينية مدة أربعة قرون. ولكن اليونانية على تأصلها بالنسبة للاتينية لم تشع في العامة. ولما استولى الإيطوريون على لبنان لم يغيروا شيئا من لغته ولا شك في أن لغتهم كانت العربية الآرامية. أما النبط وهم من أقارب الإيطوريين وجيرتهم فإن لغتهم لم تكن سوى لهجة آرامية.
وذكر أحد الباحثين أن الرومان لما جاءوا الشام واستعمروه انتشرت اللغة اليونانية في المراكز الكبرى حتى نسي كثيرون اللغة الفينيقية واللغة الآرامية ولا سيما في طبقة الأشراف وأصحاب الثروة، وبقيت اللغة اللاتينية لغة الحكومة، وحافظ العامة على اللغة الفينيقية والسريانية، وكان الفقهاء يكتبون باللاتينية لغة الفقه والقضاء، والأدباء والفلاسفة باليونانية، وهي اللهجة العامة في الشرق، واللغة الآرامية هي اللغة الرسمية في دولة تدمر. وظل الشاميون يتكلمون اليونانية على عهد انتشار النصرانية وكذلك عمال الحكومة ورجال القضاء، وكان الآراميون أو الأنباط، كما كان يسميهم العرب، في كل محل ما عدا المدن التي كانت مزيجا من عناصر مختلفة.
تنازع السريانية مع العربية:
كانت السريانية لغة عامة في الشام لم تدثر إلا بتملك الرومان على
стр. 39
الشرق ونشرهم لغتهم فيه، فدثر مجد السريانية ولم يبق إلا القليل حتى جاء الإسلام وأدخل
العربية. وكانت السريانية على عهد المسيح اللغة العامة في سورية وفلسطين ممزوجة بقليل من العبرية. ورأى دي فوكويه أن جميع الكتابات التي وفق العلماء إلى اكتشافها لا تتجاوز القرن الأول قبل الميلاد واللغة التي كان شعوب سورية يتكلمون بها إلا ما ندر هي اللغة الآرامية وجميع الكتابات التي عثروا عليها في تدمر وحوران وأرض النبطيين كتبت بهذا الفرع من اللغة السريانية. واللغة التدمرية واللغة اليونانية هما الغالبتان على الكتابات المكتشفة في تدمر. وكانت اللغة اليونانية بمنزلة اللغة الرسمية في جميع الأقاليم الشرقية الخاضعة لدولة الرومان. وأما لسان أهل تدمر فهو لهجة آرامية على غاية الشبه بالسريانية. وقال بعضهم: إن التدمرية من اللغات الآرية الغربية تشبه النبطية وفي بعض هذه الكتابات اسم ملكهم أذينة. ومن اللغات الكنعانية لغة موآب في شرقي فلسطين. وفي متحف باريز كتابة قديمة في هذه اللغة وضعها ملك اسمه ميشع يذكر فيها حروبه مع عمري ملك الأسباط أسباط بني إسرائيل ويقال لهم في كتب العرب ملوك الأسباط.
رأي رنان:
وذكر رنان أن الفينيقيين كانوا الواسطة الوحيدة بين العنصر السامي وسائر العالم، وكثيرا ما عرفوا بأنهم اخترعوا أمورا ما كانوا فيها إلا نقلة. وما الفينيقيون سوى سماسرة مدنية كانت بابل مقرها، وظاهر الحال يدعو إلى الاعتقاد بأن بابل التي علّمت العالم أصول المقاييس والموازين قد اخترعت حروف ألف باء مركبة من اثنين وعشرين حرفا. قال: وكانت اللغة العبرية لغة الشعوب في فلسطين عندما دخل بنو إسرائيل إلى الشام وقد ذكرت أسماء الشعوب المذكورة في الإصحاح العاشر من سفر التكوين بجلاء ووضوح الأمم المجاورة لفلسطين، وجعلت اسم كنعان رابطة من روابط القربى بين جميع شعوب الساحل ولبنان، من مدينة حماة
وأرواد في الشمال إلى جرار في فلسطين والبحيرة المنتنة في الجنوب،
стр. 40
وهم مجموعة الشعوب التي كان اليونان يطلقون عليهم اسم الفينيقيين.
آراء أخرى:
وذكر يوسف داود أن لسان أهل فلسطين ولا سيما أورشليم في عصر المسيح الآرامي أي السريانية، فكانت اليونانية لغة أجنبية يتكلم بها كثير من الغرباء النازلين في الشام وهي لغة الحكام والحكومة في عهد تلك الدولة. وكثيرا ما كانوا يكتبون بعض المقدسات على ذاك الدور بالعبراني أو السرياني اللاتيني واليوناني، وكان يحرم على اليهود في فلسطين ولا سيما الرجال أن يتعلموا اللغة اليونانية ويباح للنساء تعلمها من باب التزين الجائز لهن. قلت: وهذا من التحكمات الباردة مثل الأمر الصادر عن أحد خلفاء بني العباس من أخذ أهل الذمة بتعلم اللغة السريانية والعبرانية وترك العربية ولكن أمره لم ينفذ لأنه غير معقول.
وقيل: إن الآرامية كانت لغة العامة في عهد المملكة الآشورية وأن الآشورية اللغة الرسمية، وكان الموظفون في العهد البيزنطي القادمون إلى الشام يعتمدون على التراجمة مع الأهليين المتكلمين بالآرامية. ولما انقضى العصر البابلي الآشوري حلت اللغة الآرامية محل البابلية في السياسة والتجارة، وأصبحت اللغة الرسمية لملوك فارس وآرام وتدمر والبتراء. وكانت اللغة الفينيقية تختلف عن السريانية في القرن الأول قبل الميلاد ثم تمازجتا حتى أصبحتا شيئا واحدا، وكانت اللهجة العامة عند يهود فلسطين وهي أقرب إلى الآرامية منها إلى العبرية، يطلق عليها بين اليهود أنفسهم اسم اللغة العبرية وهي تختلف عن لغتهم المقدسة. وذكر رنان أن اللغة السريانية الكلدانية كانت أكثر اللغات انتشارا في أرض الجليل وأن المسيح كان يتحدث بها إلى الناس، وأن الأناجيل كتبت لأول أمرها باليونانية وأصبحت هذه في الشام لغة عامة ولغة علم، وكان من نتائج ذلك دخول الألفاظ اليونانية في
اللغة السريانية بكثرة زائدة حتى إن اللغة اللاتينية لم يكن لها تأثير البتة بين الشعوب السامية، فمن القواعد العامة أن الفتح الروماني لم يستطع أن يقضي على استعمال اللغة اليونانية في القطر وقد رآها متأصلة فيه،
стр. 41
على حين كانت اللغة اللاتينية تنتشر في أرجاء الغرب انتشارا هائلا.
وبعد انقراض دولة الحثيين في القرن الثامن قبل الميلاد عم اسم آرام بلاد الشام، فأصبح القسم الأكبر منها يسمى آرام، وسكانها يدعون بالآراميين وهم الذين اختطوا حلب أو حلبون وعادت اللغة الآرامية إلى شيوعها في جهات حلب تمازجها اللهجة البابلية بدليل ما يشاهد في أرجائها من أعلام الأمكنة التي ما زالت تلفظ على أصلها بالفتح إلى اليوم، وسادت اللغة اليونانية بظهور الدولة السلوقية وكانت لغة الخاصة والعلماء ورجال الدولة. ولما تقلص ظلها عادت السريانية إلى ازدهارها يخالطها فرعها التدمري الذي انتشر إذ ذاك في سورية الشمالية على عهد سيادة تدمر في صدر النصرانية. ومن الأقلام التي بقيت في لبنان الكتابة الكرشونية وهي عربية بأحرف سريانية وقد كتب كثير من كتب الموارنة بالكرشوني.
انتشار العربية:
هذا ما كان من أمر اللغات السامية واللاتينية واليونانية في الشام. أما اللغة العربية فكان يتكلم بها قبل الفتح الإسلامي بزمان طويل لما ثبت من انتشار الغسانيين والتنوخيين والنبطيين والسبأيين وغيرهم في الشمال والجنوب وكانت حوران والبلقاء والشراة من الأصقاع التي سبقت غيرها في هذه السبيل. بدليل ما يشاهد من أسماء بعض قراءها العربية مثل جرش، جاسم، تبنة، أذرعات، أذرع، محجة، السويداء، البتراء، نجران، القسطل، القناطر، الحفير، الخ وذلك لأن هذه الأقاليم الثلاثة كانت أقرب إلى الاتصال بالعرب من الجنوب. وكان السابقين إلى نشر
العربية في ديارنا الوثنيون من العرب أولا ثم نصارى العرب ويرجع إليهم الفضل في نشرها بادئ الأمر، فلم تلبث اللغة ستين أو سبعين سنة للفتح الإسلامي أن عم انتشارها في الشام ونقلت الدواوين زمن عبد الملك من اليونانية إلى العربية ونازعت اللغة العربية السريانية فبذتها على صورة مدهشة، وإن كان الضعف قد دب في هذه قبل الإسلام. وتغلبت العربية لغناها وسلاستها وضبط قواعدها وشدة احتياج الناس إليها في مصالحهم. قال ابن خلدون: ولما
стр. 42
هجر الدين اللغات الأعجمية وكان لسان القائمين بالدولة الإسلامية عربيا هجرت كلها في جميع ممالكها، لأن الناس تبع للسلطان وعلى دينه فصار استعمال اللسان العربي من شعائر الإسلام وطاعة العرب. وهجر الأمم لغاتهم وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك وصار اللسان العربي لسانهم حتى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم وصارت الألسنة الأعجمية دخيلة فيها وغريبة اه.
العربية لغة كاملة وفصاحة الشام:
يقول رنان: من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره، انتشار اللغة العربية. فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ بدء فبدت فجأة على غاية الكمال، سلسة غنية وأي غنى، متقنة بحيث أنها من ذلك العهد إلى يومنا هذا لم يدخل عليها أدنى تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ظهرت لأول أمرها تامة، ولا أدري إذا كان وقع مثل ذلك للغة من لغات الأرض دون أن تدخل في أطوار وأدوار مختلفة. قال: وما عهدت فتوح قط أعظم من انبساط ظل العربية ولا أشد سرعة منها، فإن العربية ولا جدال قد عمت أجزاء كبرى من العالم، لم ينازعها الشرف في كونها لغة عامة أو لسان فكر ديني أو سياسي أسمى من اختلافات العناصر إلا لغتان اللاتينية واليونانية، ولكن أين مجال هاتين اللغتين في السعة من الأقطار التي عم انتشار اللغة العربية فيها.
قلنا: وربما ذهب الشام بفضل هذا الشرف الأعظم، ولعله سبق العراق ومصر في الأخذ بمذاهب العرب. لقرب أهلها من خطط العرب ولا سيما أهل الحجاز وبعدهم عن بلاد العجم، حتى إن كتّاب الدولة الأموية استعملوا من الألفاظ العربية الفحلة والمتينة الجزلة ما لم تستعمل مثله الدولة العباسية، لأن كتّاب الدولة الأموية قصدوا ما شاكل زمانهم الذي استفاضت فيه علوم العرب ولغاتها حتى عدت في جملة الفضائل التي يثابر على اقتنائها. وليست استفاضة لغة العرب في العراق كاستفاضتها في أرض الحجاز والشام. وقال اليزه ركلو: إن أهل دمشق أكثر السوريين عراقة في
стр. 43
العربية وذلك لعلاقتهم المتصلة بالتجارة مع مكة واللهجة العربية فيها أجمل من سائر لهجات الشام. وكان محمد عبده يقول: إن الفصح في لغة الشام أوفر مما هي في لهجة مصر.
كيف انتشرت العربية:
وإذا أردنا استقراء الطرق في نشر العربية في الشام لم نرها حاربت لغة القطر الأصلية على رسوخها فيها، بل سارت في نشرها سير تعقل، وراعى دعاتها سنن الطبيعة والنشوء، وعملت قاعدة الانتخاب الطبيعي عملها في اللغة كما عملت في العناصر، فبقي ما هو مفيد للناس في مصالحهم على اختلاف نحلهم ومللهم. ومنذ عدل في القرن الأول عن اللغة الرومية في الدواوين لم تبرح جميع الحكومات التي تعاقبت على هذه الديار تستعمل اللغة العربية في مفاوضاتها وسجلاتها، على أن منها الكردي والتركي والشركسي إلا الدولة العثمانية في آخر عهدها فإنها ألغت الديوان العربي من مراكز الحكومات السورية والفلسطينية واكتفت بالدواوين التركية، وعلى كثرة عنايتها بلغتها في الثمانين سنة الأخيرة لم توفق إلى نشرها إلا بين الموظفين فقط، فكان شأنها هنا شأنها في رومانيا وصربيا وبلغاريا ويونان وألبانيا، امتد سلطانها عليها قرونا ومع هذا لم تستطع نشر لغتها بين سكانها اللهم
إلا بعض ألفاظ شاعت في المصطلحات اليومية. والعرب أجدر من غيرهم بأن يحرصوا على لسانهم وهو لسان مدنية ودين معا، وأن لا يتخذوا عنه بديلا وهو متأصل في هذه الديار قبل الإسلام.
اللغة الصفوية:
إلى الجنوب الشرقي من دمشق في مدخل بادية الشام حول الصقع البركاني المسمى بالصفا، يعثر الباحث على كتابات كثيرة زُبرت على الصخر البركاني والشعب الذي خط هذه الكتابات في القرون الأولى للميلاد هو من أصل عربي، ولغته من اللهجات العربية، وخطه من فصيلة خطوط ديار العرب الجنوبية. وبفضل هذه الكتابات تعرف إحدى اللغات التي كان
стр. 44
يتكلم بها في بادية الشام قبل الإسلام، ونقف على مقام رحالة من العرب كانوا على وشك أن ينتقلوا إلى اتخاذ البيوت وعيش الحضارة في الشام. أما الصفويون فلم يكونوا أول من قصد إلى أرض الميعاد ولا آخرهم، بل هم وحدهم الذين عرفناهم قبل أن يتحولوا تحولا كليا أي عندما كان لهم لسانهم وخطهم وأربابهم وعاداتهم. فمن الخطأ الاعتقاد بأن دخول العناصر العربية إلى الشام يرجع فقط إلى الفتح الإسلامي واختراق المسلمين صفوف الروم في وقعة اليرموك ومهاجمتهم الشام، ثم انتشارهم في الشرق حتى أواسط آسيا، وفي الغرب حتى أقاضي شمالي إفريقية ثم إلى أسبانيا. هذا الهجوم قد دل على بلوغ دولة العرب غاية مجدها، فإذا ظهر أن الفتح الإسلامي قد كان من الحوادث الشاذة فهو في الحقيقة نتيجة حركة عادية طبيعية نشأت من اختلاط العرب على الدوام بسكان الحضر ودخولهم أصقاعهم، هذا رأي دوسو وقال: لا ينبغي أن يفهم من لفظة العرب سكان جزيرة العرب فقط بل إنه يتناول أهل الظعن الذين يطوفون أواسط جزيرة العرب وشمالها وجميع بادية الشام.
الصليبيون ولغاتهم والعربية ولبنان:
وما برحت العربية تتأصل القرن بعد القرن في هذا القطر، حتى كانت الحروب الصليبية فخشي عليها أن تنازعها الأولية لغات الصليبيين، خصوصا بعد أن طال مقامهم في إنطاكية والساحل نحو قرنين يتكلمون بلهجات مختلفة أهمها الطليانية والفرنسية. بيد أن اللغة الفرنسية كانت لغة جميع الغربيين النازلين في الشرق، وكان معظم فرسان الصليبيين من الفرنسيين ومنهم جميع الأسر الحاكمة في الشام، على أن بعض أمراء الإفرنج من الصليبيين كانوا تعلموا اللغة العربية ومنهم صاحب قلعة الشقيف، وجاء منهم من ضرب النقود بالعربية مثل أصحاب عكا وصور وبيروت وطرابلس ورسموا عليها حروفا كوفية على شبه النقود الإسلامية، مع رموز نصرانية كالصليب وآيات من الكتاب المقدس. وأصبح نساؤهم ينتقبن كالمسلمات ويلبسن ثياب المسلمات مثلما كان رجالهن يلبسون ثياب الوطنيين.
стр. 45
ثم إن بعض أنحاء لبنان قد تأخرت في التعرب بجملتها حتى القرن الرابع عشر للميلاد فيما قيل، وقلَّ انتشار العربية في أعالي لبنان وظل السكان في عدة قرى يتكلمون بالسريانية وذلك لقلة المخطوطات العربية ولا سيما بين الموارنة. وكان أهل بشرّي وحصرون والقرى المجاورة لهما إلى قبيل مائة سنة يتكلمون بالسريانية، كما بقيت إلى اليوم ثلاث قرى في جبل قلمون أي سنير وهي جيعدين ومعلولا وبخعة يتكلم المسلمون من أهلها والمسيحيون مع العربية باللغة السريانية، وسريانيتهم أفصح من السريانية العامة اليوم في آثور والجزيرة والعراق على ما قاله العارفون.
اللغة التركية:
وبينا كان جبل لبنان الشرقي والغربي يحفظان في مغاورهما بقايا اللغة السريانية التي انحصرت في الأديار والبيع، بعد أن انهزمت أمام العربية، كانت بعض أرجاء جبال اللكام وما إليها تؤوي من اللغات اللغة التركية أو التركمانية. وعندما رحل الأشرف قايتباي سنة ٨٨٢ هـ من مصر إلى أقصى الشام كان الأهلون من اللاذقية إلى البيرة بيره جك يتكلمون بالتركية. قال مؤلف رحلته: وأهل البيرة يتحدثون بالعربي اللطيف أكثر من التركي بخلاف ما تقدم من البلاد، فإنه من حين توجهنا من اللاذقية والى البيرة لم يكن كلامهم إلا التركي.
ولم نعرف العهد الذي انتشرت فيه التركية في الحدود الشمالية من الشام معرفة أكيدة، والمتكلمون بالعربية في بعض الجهات أكثر من المتكلمين بالتركية. ومن شأن أقاليم التخوم على الأغلب أن تتكلم بلغتين ومنهم من يتكلم بثلاث. ونزول الأتراك في جزء صغير من شمالي الشام أقدم من زمن العثمانيين وربما كانوا من زمن السلجوقيين والأتابكيين. ومدينة حلب برزخ بين الديار العربية والديار التركية. وعلى نحو أربعين كيلومترا من شمالي حلب يقل المتكلمون بالعربية وتصبح الأقاليم إلى التركية أقرب وتتكلم بعض قرى كليس بالعربية والتركية والكردية، وجميع السكان عرب من شرق حلب وغربها، ما عدا بعض قرى من عمل حارم فسكانها من
стр. 46
الشركس. وسكان العمق أكراد. وفي قضاء الباب قليل من التركمان والأتراك والأكراد والشركس. وأهل قضاء منبج شركس وفيهم عرب، وتغلب التركية على أهل عمل الإسكندرونة. ومن أهل إنطاكية من يتكلم بالتركية ومنهم من يتكلم بالعربية. فيصح أن يقال فيهم: إن تركيهم تعرب وعربيهم تترك. وبعض أهالي قضاء بيلان بغراس يتكلمون بالتركية وكذلك ناحية أردو، والعربية غالبة عليهم، يتكلم نحو نصف سكان مدينة إنطاكية بالتركية ولكن أصولهم عربية على الأكثر وثمانون في المائة من أهل عملها هم عرب لسانا وجنسا، وهكذا يقال
في بيلان وكليس وأردو، ولا يمكن أن نثبت بإحصاء صحيح أن الأتراك يؤلفون في الشام كتلة واحدة ووسطا واحدا كما أن التركمان والشراكسة والطاغستان والششن والبشناق والأكراد والمغاربة لم يؤلفوا شيئا من ذلك، وتراهم يتمازجون كلهم بالبوتقة العربية ويندمجون في العرب. شأن سكان فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الممالك التي كانت جامعتها لسانها، ولا يزالون في الحدود وأواسط القطر يتكلمون بغير لغة الدولة التي يظلهم علمها.
السواد الأعظم والعربية:
ليست العبرة ببقعة مخصوصة وإنما هي بمجموع القطر الذي يراد أن تعزى إليه جنسية أو قومية معروفة وإلا فقد لزم من ذلك أن تعد ولاية أذنة اليوم أو جزء عظيم منها عربية لأن نحو مائة ألف من سكانها عرب بأصولهم، ولسانهم عربي على تأصل الدول التركية والتركمانية في صقعهم، وهم في بعض الأنحاء المتاخمة للشام من جبال اللكام يؤلفون أكثرية السكان. وإذا كان يغلب على بعض سكان الجهة الشمالية من الشام التكلم بلغات متعددة فإن ذلك نتيجة طوارئ تاريخية ودولية، بل نتيجة حكم الغالب على المغلوب وميل هذا إلى التشبه بغالبه. ومن الثابت أن سكان الحدود آخذون أنفسهم بحكم الضرورة بتعلم لغات السكان المجاورين ليتمكنوا من التفاهم وإياهم في المصالح المشتركة المتبادلة ولا سيما الاقتصادي منها كما هو المشاهد في كل مملكة من الممالك. وما الترك في إنطاكية وإسكندرونة إلا مهاجرون
стр. 47
مثل مهاجرة السوريين في نيويورك وسان باولو ومن يحاول أن يلبس إنطاكية والإسكندرونة ثوبا تركيا هو كالواقف أمام البداهة، والأولى أن ينظر إذ ذاك إلى عرب مرسين وطرسوس ويردوهما إلى الشام. وما هما من حيث الجغرافية واللسان إلا شاميتان. وبعد فإذا أردنا أن نحصي المتكلمين فقط بغير اللغة العربية في الشام بحدوده الطبيعية لا نراهم
يزيدون على ستمائة ألف من عناصر مختلفة وسط سكان يربي عددهم على سبعة ملايين. والعربية مع هذا تأخذهم فتعربهم وأكثريتهم يهود ثم أرمن وسريان والباقون مسلمون يرون تعلم العربية فرض عين عليهم أو نصارى من أصول عربية يحرصون على لغتهم كما يحرص المسلمون عليها.
رسوخ اللغة:
إذا عرفت هذا فقد ساغ لك أن تقول: إن اللغة العربية دخلت واسعة النطاق إلى الشام من الجنوب منذ خمسة وعشرين إلى ثلاثين قرنا وزادت بالإسلام رسوخا وانتشارا. ولم يمض القرن الأول حتى استعربت وامتزج العرب الفاتحون والمهاجرون بالسكان من السريان فأصبحوا أكثرية مع الزمن وغلبت على الكافة الصبغة العربية غلبة الإنكليزية على أهل كندا والولايات المتحدة الأميركية في القرون الأخيرة. وما أهل كندا وأميركا الشمالية إلا مهاجرة من إنكلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وأسبانيا والمجر وروسيا وغيرهم من الأمم غدوا أمريكاناً بقوميتهم إنكليزا بلغتهم ومناحيهم. وليس في الأرض فيما نعلم صقع تكوّن أهله من عنصر واحد وخلا من عناصر دخيلة امتزجت فيه، بل إن الأمم الكبرى في الغرب وهي خمس أمم أو ست مؤلفة من بضعة أجناس من الناس جمعتها لغة واحدة، وليس عمر أقدم لسان من ألسنة العالم المتمدن اليوم أكثر من عشرة إلى اثني عشر قرنا، على حين أن عمر العربية في الشام أكثر من ذلك بضعفين على أقل تقدير. وكلما دخل هذا الجسم جسم جديد تلقح به وأدغم في مجموعه فزاده قوة ومضاء.
لم ترسخ اللغتان اليونانية واللاتينية في هذه الديار رسوخ السريانية أولاً
стр. 48
والعربية ثانياً، وذلك لأن اليونان والرومان كانوا فيها مستعمرين ولم يكونوا من أهلها كما كان السريان. ومن أجل هذا لم يؤثر حكم الروم والرومان هنا على طول عهدهما
في قلب لغة السكان، بل تعلمها بعض أفراد كما يتعلم بعضنا التركية والفرنسية والإنكليزية وغيرها من اللغات التي حكم أهلها الشام أو كانت لنا بأربابها علاقة تجارية أو سياسية أو علمية، بل كما كان بعضهم يتعلم في القرن الماضي اللغة الطليانية لقلة مدارسنا ومدارس الأمم الأخرى يومئذ.
الشاميون أمة واحدة لسانهم العربية فقط:
قلنا من محاضرة في سكان الشام ولغاته: مهما قيل في كثرة عدد المتكلمين بالفرنسية في بيروت وبالعبرية في القدس وبالتركية في حلب، ومهما اختلفت درجة العواطف من حيث حب العربية، فالبلاد عربية صرفة والسكان عرب مهما ضعفوا وضعفت مشخصاتهم. ولا ينسبون إلى غير أُمهم ولا يدعون إلا لآبائهم. يقولون: إن من تعلم لغة قوم أحبهم فما أحرى أن يحب المرء أولاً أرضاً أنبتته، وأهلاً تجمعه وإياهم جامعة الوطن والجنس واللسان. نحن في الشام أمة واحدة مهما حاول المحاولون أن يجعلوا بيننا فروقا. والمذاهب ما كانت ولن تكون معيارا في هذا الباب. الماروني والكاثوليكي والأرثوذكسي والإنجيلي والعلوي والإسماعيلي والعبري وغيرهم تربطنا بهم رابطة أجمع من كل الروابط، رابطة المصلحة الواحدة والوطن المشترك، وقرابة الجنس وأواصر اللغة.
إن كنت أحب بيتي فما أولاني أن أحب سكانه. إن كنت لا أرى عُدتي في شدتي، غير أُمتي، فما أحراني أن أرعى ذمامها، وأحمي مشخصاتها، وأول المشخصات في شعب هو لغته. ومعظم الأمم الحديثة تكونت تحت رايتها، وسادت وشادت بتأثيرها. من اللغات يا قوم ما لا ينطق به أكثر من بضعة ملايين كالدانمركية والسويدية والفنلندية، مع هذا تجد بين أبنائها - من الصلات على اختلاف في المذهب - ومن التناغي بحب قوميتهم ما لا يقلُّ عن تغالي الإنكليزي والألماني والفرنسي والطلياني
стр. 49
والسلافي بحب لغته وقوميته وهو ابن أُمة عظيمة.
ليست العربية من اللغات الميتة حتى يزهد بعض أبنائها فيها. بل هي لغة سبعين مليونا من البشر نازلين في أجمل أقطار الأرض في إفريقية وآسيا، ولسان ديني لثلاثمائة وخمسين مليونا من المسلمين. ولسنا معاشر أهلها دون أرقى أُمم الحضارة الحديثة بعقولنا وذكائنا فتاريخنا موضع الدهشة على توالي الأحقاب، وإنا إذا عرانا بعض الضعف فقصرنا عن اللحاق بالسابقين، لا نلبث بتماسكنا وتفانينا بحب قوميتنا ولغتنا أن نساوي غيرنا قريبا. وكم من أمم عراها أكثر مما عرانا من ضعف الملكات، وضياع المقدسات والمشخصات، فنفضت عنها غبار الخمول يوم صحت إرادتها على أن لا تموت بصنعها، وقامت تجادل وتجالد في معترك المدنية فأتت بالعجب العجاب.
نحن أهل الشام أُمة واحدة، ولا خير لأبناء الوطن الواحد إلا من أنفسهم. فقد نزح عنا منذ سبعين سنة إلى أميركا وغيرها نحو مليون من أبنائنا وما زلنا معاشر السواد الأعظم هنا نهتم لهم أكثر من اهتمامنا لأمة لا تربطنا بها جامعة اللسان والجنس. وهم على شاكلتنا يهتمون ببلادهم ولغتهم وما يقوّمها. وما ننس لا ننس يوم كانت اللغة العربية يحفظ تراثها في الأعصر الأخيرة في بيع لبنان وأدياره، أكثر من حفظه في جوامع دمشق وحلب ومدارسهما، ويوم كان في اللبنانيين الغيورون على مجدها العالمون بما يصلحها الساعون إلى نشرها.
لا يفلح قوم لا يتساندون. وكل شعب وضع قوميته في الذروة العليا من الكرامة يوقَّر ويبجَّل. ومن لي يوم الكريهة غير حمى أخي وجاري ألجأ إليه. المرءُ كثير بأخيه. ولن تضام أُمة عرفت نفسها. نحن عرب قبل أن نكون مسيحيين ومسلمين، نحن شاميون قبل أن نكون أُمويين وعباسيين وسلجوقيين وعثمانيين.
سعادتنا مناط الاحتفاظ بأصولنا، ولا تمثلنا إلا قوميتنا، وأعظم قوة لها لغتنا، والسلام.
стр. 50
تاريخ الشام قبل الإسلام
أول شعب غزا الشام والحثيون والكنعانيون:
ذكر أهل الأخبار والسير أن الشام كانت يوم عرف تاريخها مغشاة بالأشجار. ولا سيما في اللبنانين الغربي والشرقي، فجاءها من بلاد أشور رعاة نزلوا القسم الشمالي منها وما زالوا يتقدمون في فتوحهم حتى بلغوا معظم سواحل الشام واستولوا على عكا. وانقسم هؤلاء الرعاة واسمهم عمو أي الشعب إلى قسمين: قسم أقام على تربية الماشية في السهول، واحترف القسم الآخر بالاحتطاب في الجبال، أو بالصيد على شواطئ البحر وضفاف الأنهار. وقيل: إن ذلك كان في القرن السادس عشر قبل الميلاد ولعله يرد إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، ولم يعرف من كان سكان القطر يومئذ. والغالب أن من أقدم الشعوب التي استولت على الشام الحثيين في الشمال والكنعانيين في الجنوب. والحثيون لم يعرف عنهم إلا أنهم كانوا وراء جبال طوروس بادئ بدء يسكنون الحوض الأعلى من نهري الفرات وقزل ايرمق خضعوا أولا للكلدانيين، ثم توسعوا في ملكهم، واستولوا بقيادة ملكهم سابا لولو على الشمال، وامتدوا إلى وادي العاصي فاستصفوه برمته، وبنوا مدنا مثل كركميش جرابلس على الفرات وقادس على العاصي، وربما كانت مدينة حلب أيضا من بنائهم. وفي رسائل تل العمارنة التي وجدت في صعيد مصر بيان وافٍ في الجملة لحالة هذه الدولة الحثية
стр. 51
التي حاربت فراعنة مصر أربع عشرة سنة فلم يظفر بهم الفراعنة حتى جاء سّي الثاني فحاربهم وقهرهم.
كان الكنعانيون ينزلون في جنوب الشام وفي وسطه. ونسبتهم لكنعان جد القبائل التي سكنت غربي الأردن، قتل الإسرائيليون أكثرهم واستعبدوا معظم من لم يقتل منهم. وكانت حدود أرض كنعان الأصلية من مدخل حماة شمالي لبنان إلى البادية، ولم تمتد إلى ساحل البحر لأن الفلسطينيين ما زالوا إلى أن انقرضوا يسكنون ذلك
الساحل، وقد سكن أرض كنعان عدة أسباط ورد ذكرهم في التوراة كالحثيين واليبوسيين والأموريين والجرجاشيين والحويين والفرزيين والعرقيين والسينيين والارواديين والصماريين والحماثيين. وكان في أرض كنعان ١١٨ أو ١١٩ مدينة ورد ذكرها في جدول عثر عليه في هيكل الكرنك من صعيد مصر يظن أنها المدن التي افتتحها تحوتمس الثالث من ملوك الفراعنة قبل أيام يشوع.
وفي معجم لاروس أن أرض كنعان أو بلاد كنعان يحدها من الغرب البحر المتوسط، ومن الشرق نهر الأردن، ومن الشمال خط آخذ من الأردن إلى البحر، ومن الجنوب خط يسير من البحر الميت إلى البحر المتوسط. وفي التوراة أن المولى تعالى وعد بني إسرائيل بهذه الأرض ومن ذلك جاء اسمها أرض الموعد. وفي أسفار موسى وسفر يشوع أن بني إسرائيل استولوا دفعة واحدة على هذه الأرض بقيادة يشوع، ولكن تبين من الوثائق التي عثر عليها أن الأمر لم يكن كذلك وأن فتح أرض كنعان لم يكن بهذه السرعة تاما كاملا على ما جاء في التوراة، فقد تمكن بنو إسرائيل من الاستقرار بصورة دائمة بالحرب والحيلة على هذه الأرض التي كان يسكنها قبائل مستضعفة من اليبوسيين والجرجاشيين والفرزيين وغيرهم من أصل كنعاني أو أموري حتى خراب مملكة يهوذا على أيدي الكنعانيين في سنة ٥٨٨ ق. م.
تعدد الحكام والحكومات:
وعلى كثرة عناية علماء النصرانية بتاريخ الأرض المقدسة أو فلسطين أو
стр. 52
أرض إسرائيل أو أرض الموعد لم يبرح تاريخها غامضا بعض الشيء لقلة المصادر التي يركن إليها وأكثرها أشبه بتقاليد وأساطير منها بتاريخ. وهكذا يقال فيما عرف من تاريخ وسط هذا القطر وشماله في العهد القديم. وكان أكثر إماراته مستقلا متعاديا شأن الشطر الجنوبي منها. وإذا لم تكن البلاد كما قال بوست تحت حكم
القضاة والملوك حكومة واحدة كثرت فيها التغيرات وتعددت القضاة كشمشون وجدعون ويفتاح إلى أن اجتمعت كلمة شعب إسرائيل على إقامة ملك، ولما انقضى ملك سليمان وقام ابنه رحبعام انقسمت المملكة إلى مملكتين مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا، وبعد أن تقلبت الأحوال على هاتين المملكتين أخذتا بالانحطاط إلى أن سبي الآشوريون الإسرائيليين والبابليون يهوذا. وجملة الزمن الذي مضى من ملك داود إلى سبي بابل نحو خمسمائة سنة.
الفراعنة والآشوريون:
كانت الشام بين عاملين بل بين سلطانين قويين العامل، الأول دولة الآشوريين والبابليين إذا قويت إحداهما يمتد سلطانها على الشام أو تكتفي من أهله بالجزية وتجنيد بعضهم. وإذا كانت القوة لفراعنة مصر حكموا الشام أو اقتنعوا من سكانها بالجزية وبعض الجند. وقد ظلت الشام تابعة لمصر وأحيانا كانت تبعيتها اسمية نحو أربعة قرون. فقد فتحها تحوتمس الأول وتحوتمس الثالث، وفي أيام تحوتمس الأول تجلت حدود الشام على الفرات. وظل الشام في حكم الفراعنة إلى عهد رعمسيس الخامس. ولما خلص من المصريين داهمه الآشوريين فاستولوا عليه واعترف الشام كله بسلطة أشور وتجلت سلطة الشام على عهد تغلت فلاسر، وكان المصريون يحتلون بعض القلاع مثل غزة ومجدو تل المتسلم في الداخل وجبيل وصيدا في الساحل على ما ثبت ذلك بالآثار.
كان الفراعنة على الأرجح يداهمون الشام من طريق صحراء التيه والجفار لقلة سفنهم بسبب قلة الأشجار عندهم كما هي قليلة في وادي دجلة والفرات، وربما كان وجود الأشجار في الشام من جملة الأسباب التي حملت
стр. 53
أهل بابل وأشور ومصر على مد سلطانهم على الشام. قال أحد الباحثين: كانت الشام في الألف الثالثة قبل المسيح يقطنها خليط من سكان ساميين وهم العموريون والحثيون وهم
غير ساميين فهجموا على بابل. وفي أوائل الألف الثانية هجم الساميون من سكان الشام وربما كان بإيعاز الحثيين على مصر وحكموها، وهذا العهد هو عهد الرعاة الهيكسوس. وما برح ملوك الأشوريين والكلدانيين في القرون الأخيرة يحسنون صلاتهم مع الفراعنة ويرضون بسلطانهم الضئيل على الشام، حتى ثارت الفتن في مصر فاغتنم ولاة الشام من عمال الفراعنة هذه الفرصة وخرجوا عن الطاعة، وجع أحد رؤساء الحثيين قبائله وأسس دولة قوية الشكمية وقاتل المصريين، فلم يكتب لرعمسيس الأول وستي الأول من الأسرة التاسعة عشرة تقويض دعائم تلك الدولة، بل إن رعمسيس الثاني المعروف عند اليونان باسم سيزوستريس اضطر بعد حرب عشرين سنة إلى الرضا بما وقع وعامل ختساروا أمير الحثيين معاملة الأكفاء والأقران. ومن ذلك الحين زال حكم مصر عن فينيقية والشام الجنوبي وقامت في الشمال دولة مستقلة فاصلة بين مصر وأشور، وكان ذلك في حدود سنة ١٣٥٠ ق. م. .
ضعفت دولة الحثيين وعادت أشور تقوى بملوكها على الأطراف أمثال سالامنزار وتغلت فلاسر وسنحاريب يغيرون على الشام فيلقى منهم المصائب وكانوا يريدون إخضاعه ليكون لهم مجازا إلى الاستيلاء على تجارة مصر والحبشة وليبيا طرابلس وبرقة والبحر الأحمر والمتوسط. ولما سقطت نينوى سنة ٦٠٥ ق. م. وفي رواية سنة ٦١٢ باستيلاء ملوك المملكة الكنعانية الثانية خضع الشام زمنا قليلا للفراعنة ثم عاد بعد انهزام نيخو وخلفائه إلى سلطة ملوك بابل، وكان العهد الكنعاني عهد الخراب والدمار لأن بخت نصر ملك الكلدان فعل في بيت المقدس ٥٨٦ ق. م. أفعالا مدهشة من الهمجية وأجلى بني إسرائيل إلى بابل. ولما غلب بخت نصر فرعون مصر على كركميش استولى على كل ما كان لهذا الملك بين النهرين والشام وأخذ أورشليم وسبى بعض أهلها وساق الأسرى إلى بابل من
اليهودية وفينيقية وسورية ومصر. واليهودية اسم جزء من فلسطين سكنه الراجعون من
стр. 54
سبي بابل وسميت في العهد القديم يهوذا، وفي العهد الجديد قد تطلق اليهودية على جميع فلسطين وعلى بعض أرجاء شرقي الأردن، ويرى المحققون أن اليهودية كانت تشمل غربي الأردن وجنوبي السامرة.
الفينيقيون واستقلالهم التجاري:
ولم تكن مملكة إسرائيل بعمرانها وقوتها مثل مملكة فينيقية الصغيرة التي قامت في أرض الشام واشتهرت أكثر من غيرها من الدول الشامية، لأنها كانت دولة بحرية على جانب من الحضارة المقتبسة عن المصريين والآشوريين والبابليين، ومعرفة زائدة بطرق البحار والتجارة في القاصية، فكان الفينيقيون في عهد عظمتهم كالبنادقة في القرون الوسطى ببحريتهم واتساع تجارتهم، أو البريطانيين في القرنين الأخيرين بأساطيلهم وتجاراتهم، مع مراعاة النسبة بين الأقطار والعصور.
والفينيقيون من القبائل السامية التي نزلت أرض آرام أي الشام، وإقليمهم ضيق النطاق طوله خمسون فرسخا وعرضه من ثمانية إلى عشرة فراسخ بين بحر الشام وأعلى سلسلة في جبل لبنان، وتدخل فيه صور وصيدا وأرواد وجبيل وبيروت، ومنهم من أدخل فيه البترون وطرابلس. ولم تكن فينيقية مملكة قائمة برأسها بل كان لكل ناحية مدينة صغيرة تستقل بها، ولها مجالس وملك تحكم نفسها بنفسها، وتبعث بنوابها إلى أعظم مدينة فينيقية لفض المصالح المشتركة. وكانت صور محط رحال النواب منذ القرن الثالث عشر، ولما لم يكن الفينيقيون أمة حربية خضعوا لسطوة الفاتحين من المصريين والآشوريين والبابليين والفرس وأدوا إليهم الجزية عن يد وهم صاغرون.
هذا رأي سنوبوس وقال مسبيرو: إن تحوتمس الثالث تعب في إخضاع بعض
الفينيقيين وقد استكانت مدائن الوسط والجنوب وهي جبيل وبيروت وصيدون وصور من غير قتال، وأخلص أهلها الطاعة لمواليهم الأجانب إلى ما بعد رعمسيس الثاني وكان هذا عين الحكمة والصواب. فقد ترتب على رضاهم بالعبودية أن توصلوا إلى احتكار جميع تجارة مصر مع أمم آسيا والبحر المتوسط ثم نالوا استقلالهم في أواسط القرن الثاني عشر قبل
стр. 55
الميلاد لما كف فراعنة مصر عنهم. ولكن حدث في حدود سنة ١٢١٠ ق. م. أن أقلع من عسقلان أسطول فلسطيني ولقي أسطول صيدا فدمره فانتقلت العظمة إلى صور. ولما ملكها حيرام الأول من سنة ٩٨٠ - ٩٤٦ ق. م. عقد مع داود وسليمان علاقات عادت على مملكته بالثروة والرخاء.
قال: ثم ظهر الآشوريين على الفينيقيين ورضيت صور بدفع الجزية لهم، ثم قام ملكها إيلولي من سنة ٧٢٨ إلى سنة ٦٩٢ فحارب شلمناصر الثاني وسرجون وسنحاريب حروبا انتهت بهلاكه وانقراض دولته، فتبعث فينيقية الآشوريين، ولما سقطت نينوى عاد إليها استقلالها ففازت من دفاع بخت نصر بمعاونة الفراعنة الصاويين، واحتملت الحصار ثلاث عشرة سنة وحدثت في فينيقية ثورات في أوقات مختلفة فقمعت وفي سنة ٥٥٧ أعيدت للكلدانيين، ولما خربت بابل سنة ٥٣٨ دخلت صور في قبضة الفرس من غير حرب ولا قتال. ومن أهم الأسباب التي حالت دون الفينيقيين وتأسيس مملكة ضخمة مؤلفة أولا من جميع أصقاع الشام ثم من الأقطار المجاورة صعوبة التوغل في الديار الشامية لما فيها من العقاب والشعاب، وهم في قلة وغيرهم في كثرة، فصرفوا نظرهم إلى البحار وكانوا أعظم تجار وسفار.
حروب الفرس والإسكندر:
تخلصت الشام من عوامل كثيرة كانت تتنازعها، منها ما هو داخلي كالفتن الأهلية
والحروب الداخلية. ومنها ما هو خارجي كأن يحكمها المصريون تارة والآشوريون أو البابليون أخرى، ولما تراجعت هذه الأمم قامت دولة الفرس فاستولت على الشام وكانت دمشق وحماة وإرفاد أهم مدنها. ولما فتحها تغلت فلاسر سنة ٧٣٣ ق. م. عاد الفرس ففتحوها على عهد كسرى.
وعلى عهد دارا من ملوك الفرس جعلت صيدا عاصمة القطر وما برح في قبضة الفرس إلى سنة ٣٣٣ وقد اجتاز به الإسكندر المكدوني بعد أن قرض مملكة فارس وأباد بين الإسكندرية وجبال اللكام امانوس جيش دارا ملك الفرس وأخرب مدينة صور بعد أن حاصرها سبعة أشهر ٣٣٢. وكان بخت نصر حاصرها ثلاث عشرة سنة ٥٨٦ - ٥٧٣ ولم يستطع
стр. 56
فتحها. واستبسل الصيداويون وعرضوا أنفسهم للهلاك مرات في حصار الإسكندر صور، وعمل الإسكندر سدا وبدونه كان يتعذر الدنو من البلد لبعدها عن اليابسة، وبعث السامريون له بثمانية آلاف رجل نجدة، وأبى اليهود الخضوع له بادئ بدء. وفي سنة ٣٥١ ق. م. خربت صيدا عقيب انتقاضها على ملك فارس وقتل وحرق فيها أربعون ألف نسمة.
ولما انخذل دارا في وقعة ايسوس على خليج الإسكندرونة إلى الشمال منها، وقع الرعب في قلوب الفينيقيين والسوريين فدان أكثرهم للإسكندر طائعين، ولما وصل إلى جبيل تلقاه أهلها بالبشر والحفاوة. وكان الإسكندر قد أرسل برمنيون إلى دمشق ليستحوذ على خزائن دارا التي أرسلها إليها لما سار إلى قيليقية لحرب الإسكندر فاستولى عليها وكان فيها من الذهب والفضة والآنية والحلي والحلل الثمينة ما لا يعد ولا يوصف، فضلا عما كان لبعض أعيان الفرس في دمشق من المتاع والأموال. وخربت الديار التي استولى عليها الإسكندر بأيدي الفرس، وكان من عادتهم أن يحرقوا المدن والقرى قبل أن تسقط في أيدي عدوهم.
دولة السلاقسة وملك الأرمن:
ولما هلك الإسكندر اقتسم المملكة قواده الأربعة المعروفون بالسلاقسة فكانت الشام من حصة سلوقس. وكان من أشهر مدن مملكته إنطاكية التي جعلها عاصمته وسلوقية السويدية وأفامية قلعة المضيق واللاذقية. واستولى بطليموس والي مصر من دولة البطالسة على أرض اليهودية وفينيقية وجزيرة قبرس والمدن الساحلية من الشام. وفتح انتيغونس من خلفاء الإسكندر صور ويافا وغزة، ولم يفتح صور إلا بعد حصارها خمسة عشر شهرا. تعاصت عليه مع أنه لم يكن مضى على فتحها سوى تسع عشرة سنة، فأعادها أهلها إلى حصانتها الأولى وعادت قطب التجارة في الشرق والغرب. وجدَّ بطليموس في صنع أسطول له في جبيل وطرابلس. وجرت وقعة مهمة بين بطليموس وسلوقس وبين ديمتريوس انجلت عن خمسة آلاف قتيل وثمانية آلاف أسير من جيش ديمتريوس، ولما رأى بطليموس أن ليس
стр. 57
في قدرته محاربة انتيغونس عاد إلى مصر وهدم قلاع عكا ويافا والسامرة.
كانت الدولة السلوقية اليونانية دولة حرب ونزاع، فغدت الشام في حالة بؤس ونحس، رومية تطالبها ببسط سلطانها عليها، ومصر تحاربها لتضمها إليها، وأهل فارس يجتاحونها، حتى قررت لهم السيادة الاسمية عليها، فمنيت الشام بضعف الحال وقلة الرجال، وضاق ذرع الشاميين بالحروب المتصلة بين ملوكهم من اليونان وعسفهم وإعناتهم وانقساماتهم وقتلهم أولادهم وأبناءهم واخوتهم، فعزموا أن يختاروا ملكا عليهم من الأجانب فكتبوا إلى تغران ملك أرمينية وأرسلوا إليه وفدا يفضون إليه بما عزموا عليه ويكاشفونه في قبوله، فأجابهم إلى طلبتهم وأتى الشام سنة ٨٣ ق. م ولبس تاج ملكها واستمر ملكه فيها ثماني عشرة سنة إلى أن جاءها الرومان سنة ٦٥ ق. م واستخلصوها منه.
-
دولة الرومان:
كان بومبيوس أول قائد روماني استولى على الشام وجعله ولاية رومانية وجعل إنطاكية عاصمتها. ولم تنجح الشام لقربها من البارثيين على نحو ما كان من سائر أقطار المملكة الرومانية. ثم انفصلت مدة عن رومية أعطاها أنطونيوس إلى أحد أولاد الملكة كلوبطرا، وعادت فضمت إلى مملكة الرومان على عهد الإمبراطور أغسطس، وتنقلت بها الأحوال الإدارية على عهد الإمبراطورين فيسباسين وأدريانوس. ولم تكد تطمئن من ناحية البارثيين بفضل الوقائع التي كتب فيها النصر للقائدين تراجان وسبتيم سيفير وانتظمت حالها وانبسط ظل عمرانها وقام منها إمبراطورة شاميون قبضوا على قياد المملكة الرومانية من عهد الإمبراطور سبتيم سيفير إلى إسكندر سيفير حتى كان من عهد تأسيس مملكة الفرس الثانية على انقاض مملكة البارثيين ما جلب المصائب والنوائب لو لم يقم أمثال القواد أدريانوس وديوكلسيانوس ويوستنيانوس ويردوا تلك الغارات.
ذكر مومسن أن البدو واليهود والنبطيين كانوا على عهد بومبيوس الروماني أصحاب السلطان في الشام، فإن الصحاري الرملية الجافة التي
стр. 58
لا تسكن من حدود شبه جزيرة العرب آخذة في الغرب إلى جبال الشام والشواطئ الواقعة من الجهة الشرقية إلى البادية من الفرات الأسفل المخصبة. هذه الصحراء لم تبرح موطن أبناء إسماعيل العرب، ينصبون فيها خيامهم ويرعون أنعامهم ويطاردون على خيولهم المطهمة القبائل المعادية لهم أو يغزون التجار الآتين مع القوافل. ولما كان الملك تيغران قد أخذ بأيدي أبناء البادية لحاجته إليهم في التجارة اهتبلوا الغرة في هذا الاضطراب الذي جعل أمور الشام فوضى ليتوسعوا في الشمال، وكان للقبائل القريبة من الشام ممن كانوا على شيء من الحضارة القدح المعلى في هذا الشأن.
وكان زعماء قبائل البادية أشبه بعصابات منفردة يساوون أبناء البادية ويفوقونهم
في قطع الطرق والإضرار بالسابلة. وهكذا شأن بطليموس بن مينوس، وربما كان أقوى هؤلاء اللصوص وأغنى أهل عصره. وكان يحكم إقليم الإيطوريين، أي الجبليين، وهي كور الدروز اليوم في أودية جبل لبنان، وحكمه نافذ من الشطوط إلى بعلبك، وهكذا حال ديونيزوس وكنيراس صاحبي مدينتي طرابلس وجبيل. ومثل ذلك كان شأن اليهودي سيلاس في قلعته على مقربة من أفامية على العاصي.
مملكة يهودا وانقراض اليهود:
حاول اليهود في جنوبي الشام توطيد سلطانهم السياسي، فأنشأ المكابيون وهم يهود يحترمون عبادتهم ويقدسونها، حتى توصلوا بذلك إلى إنشاء مملكة وراثية، جمعت إلى الرئاسة الدينية الرئاسة الدنيوية، ثم فتحوا كورا في الشمال والشرق والجنوب. ولما مات الشجاع جاني الكسندر سنة ٦٧٥ كانت مملكة يهودا ممتدة نحو الجنوب إلى جميع أرض الفلسطينيين حتى التخوم المصرية، ونحو الجنوب الشرقي إلى مملكة النبطيين في البتراء، وإلى الجنوب إلى ما وراء السامرة والمدن العشر إلى بحيرة طبرية. فكانت الشواطئ بأيدي اليهود من جبل الكرمل إلى العريش وفي جملتها مملكة غزة. وكانت عسقلان مدينة حرة. وأصبحت مملكة اليهود مرافئ حرة للصوص البحار بعد أن كانت مفصولة عنها فيما غبر من الأيام.
стр. 59
ولذلك اضطهد الرومان اليهود كثيرا فنالهم في أيام هيرودس من الاضطهاد وإهراق الدماء ما نالهم، وفي أيام فلورس الوالي الروماني لحقهم في كثير من مدن فلسطين ضروب الأذى والقتل. ونكل السوريون باليهود عملا بإشارة الوالي الروماني. وأحرق الرومان أورشليم ودمروا المدن وسبوا اليهود وثار هؤلاء على الرومان سنة ١٣٢ فقتل الرومان منهم ٥٨٠ ألفا وأحرقوا ودمروا تسعمائة قرية عدا الحصون، وأسروا كثيرا منهم بعثوا بهم إلى رومية حتى انقطعت شأفتهم من
فلسطين مدة خمسة عشر قرنا.
قالوا: لما دخل المسلمون أرض اليهودية لم يجدوا يهودا لأن حروب فسباسين وتيطس وتراجان وأدريانوس واضطهادات ملوك النصرانية لم تترك حجرا على حجر من اليهودية السياسية والوثنية، أمعنوا في القضاء عليها وذروا رمادها في الرياح الأربعة، ففقدت في فلسطين جميع التقاليد اليهودية وجماع اليهود الذين تراهم هم من الطراء على فلسطين مؤخرا نزلوها بعد أن بادوا منها مدة خمسة عشر قرنا.
الإيطوريون والنبطيون:
ذكر مومسن في كلامه على الاضطرابات والمنافسات بين الرؤساء في الشام أن المدن الكبرى مثل إنطاكية والسويدية ودمشق هي التي كان ينالها الأذى من جراء ذلك، فيصاب الزراع بزراعتهم، والتجار بتجارتهم البرية والبحرية. ولا يستطيع سكان جبيل وبيروت حماية حقولهم وسفنهم من هجمات الإيطوريين وكانوا استولوا على اللبنانيين الشرقي والغربي ونزلوا فينيقية وجعلوا عين جر عنجر عاصمتهم الأولى، ثم اتخذوا طرابلس عاصمتهم الأخرى، وغدوا يطيلون أيدي التعدي على البر والبحر من حصونهم العالية. ويحاول سكان دمشق أن يدفعوا عن أنفسهم عادية الإيطوريين والبطالسة، وذلك بخضوعهم لملوك القاصية مثل النبطيين واليهود. وتدخل سامسيكراموس وازيوس في إنطاكية في الخلافات المدنية بين الوطنيين فأصبحت هذه المدينة اليونانية عاصمة أمير عربي.
خضع سكان دمشق للنبطيين أصحاب البتراء أو سلع لأنهم أصبحوا
стр. 60
أصحاب الحول والطول في الشام ومصر لما دب فيهما من الضعف نحو سنة ١١٠ إلى ١٢٠ ق. م. بالحروب المتأصلة. وقد كان النبط يغيرون على أرض مصر والشام بعصاباتهم فحاربوا الأدوميين وأسسوا ملكا بالبتراء. ولم تبرح دمشق ملكا للنبطيين
والأولى أن يقال: إن هذه المدينة أعطاها كاليجولا الروماني إلى الحارث صاحب البتراء ٨٥ ق. م وتراجع أمر النبطيين بسرعة على عهد مالتوس الثاني نحو سنة ٤٨ إلى ٧٠ ق. م فأضاعوا دمشق. ثم فقد النبطيون استقلالهم في سنة ١٠٥ م عقيب حملة كرنيليوس بالما حاكم الشام الذي استولى على البتراء، وأصبحت جرش إلى سنة ١٦٢ خاضعة لولاية الشام ثم للبتراء، ثم ضمت فينيقية إلى الشام. وكانت لمملكة النبط القديمة بلدتان مهمتان بصرى والبتراء.
وروى بعضهم أن بومبيوس لما فتح الشام واستولى على دمشق وما جاورها أبقى لهذه العاصمة بعض استقلالها وكذلك لبصرى وجرش وعمان، وبعد فتح البتراء وجعلها ولاية رومانية غدت بصرى عاصمة حوران مقر الفيلق فعمرت الأقاليم وكانت ميدان السلب والنهب من قبل، وازدانت المدن بآثار تدهش خرائبها وأطلالها. وغزا أنطوخيوس النبطيين سنة ١٣٢ ق. م فلم ينل منهم ثم حاصرهم ديمتريوس.
كانت مملكة النبط على عهد المكابيين ممتدة بين فلسطين وخليج العقبة ووادي الحجر والبحر الرومي، وهي عبارة عن مملكة أدوم قديما ويسميها اليونان مملكة العرب الحجرية وعاصمتها مدينة سلع أو البتراء في وادي موسى، وسماها بعضهم مدينة الرقيم ظناً منه بأنها مدينة أصحاب الكهف. واسم البتراء أقرب إلى الاسم الذي عرفها به اليونان وإن كانت البتراء على ما ورد من وصفها في كتب العرب هي في أرض الحجاز. قامت هذه الدولة العربية على حين غفلة من دولة البطالسة والسلاقسة في مصر والشام وقوي سلطانها في القرن الثاني قبل الميلاد. ولقب الحارث الثالث نحو سنة ٨٥ بمحب اليونان وهو الذي فتح البقاع سنة ٨٥ واستولى الحارث الرابع على دمشق وفي أيامه حدث المصافُّ الأول بينه وبين الرومان فاضطر الحارث أن يؤدي إليهم الجزية. واضطر النبطيون على عهد
الإمبراطور بومبيوس
стр. 61
وأخلافه أن يقدموا جنداً من أبنائهم الحين بعد الآخر لمعاونة الرومان وظلت مملكتهم حرة قوية. وأصبحت مملكة النبط ولاية مستقلة برأسها نحو سنة ٣٥٨ تحت اسم مملكة فلسطين أو فلسطين المسالمة. وحمل الإمبراطور تراجان على النبطيين فبدد شملهم وقضى على مدنيتهم سنة ١٠٦م فاندمجوا في غيرهم وعدد ملوكهم أربعة عشر ملكاً منهم من اسمه الحارث ومنهم عبادة ومنهم مالك وبينهم بعض الملكات من النساء.
دولة تدمر:
ولما تراجع أمر مملكة النبط في نحو منتصف القرن الثالث للمسيح، لارتقاء مملكة تدمر ومملكة فارس اللتين نازعتاها التجارة، أخذت تدمر ترتقي بتجارتها وأصبحت زمناً هي ومملكة النبط مركزي التجارة في الشام ونقطة اتصال الشرق بالغرب. وانضمت مملكة تدمر إلى ممالك الرومان نحو السنة السادسة والثلاثين قبل الميلاد. وكان القائد مرقس أنطونيوس عائداً من حرب الملوك الأرشكيين، فحاول الاستيلاء على تدمر فقاومه أهلها على الفرات وتغلبوا عليه. وبعد ذلك توطدت العلائق الحسنة بين تدمر ومملكة الرومان ونالت حقوق مستعمرة رومانية بفضل بعض إمبراطورة الرومان.
ويرى رنزفال أن العهد الذي فيه ارتقت حاضرة زينب أي تدمر إلى أوج التمدن هو نفس الزمن الذي به تواتر على عرش رومية بعض الملوك الشرقيين كسبتيميوس ساويرس وإسكندر ساويرس وفيلبوس العربي، فلا عجب إن جرأ أُذينة الأول على خلع السلطة الرومانية وإقامة دولة مستقلة تضم البادية وديار العرب الشمالية. وكان هذا الرجل ابن خيران ابن وهبلات بن نصور من بني السميدع انتهز الفرصة وادعى الملك سنة ٢٥٠م فقتله القيصر الروماني. وحارب أُذينة وأخلافه الفرس غير مرة كانوا فيها يستظهرون عليهم ويحرزون رضا
الإمبراطورية الرومانية.
ولقد خرج على أذينة قائد روماني اسمه كياتوس فحاصره أذينة في حمص، فلما ضاقت به الحال خانه قائده كاليستوس وقتله، ففتحت أبواب حمص ثم قتل كاليستوس، فأقر إمبراطور الرومان لأذينة بحق الرئاسة ودعاه
стр. 62
إمبراطورا على جميع أنحاء المشرق أي على الشام والجزيرة وآسيا الصغرى خلا بعض نواح في الشام، ودعي ملك الروم. وأول ما سعى له القضاء على الاضطهاد الذي أصاب النصارى في بعض مدن الشام كإنطاكية وحمص ودمشق وقيسارية، فأطلق الحرية الدينية لكل الطوائف، وأوعز إلى الوثنيين ألا يتعرضوا للنصارى في قضاء فروض عبادتهم، ورخص لهم في إقامة البيع والكنائس، وأدب العصاة من بقايا جيوش كاليستوس وكانوا انتشروا في الأرجاء وعكروا صفوها باعتداءاتهم. وقاتل ملك الفرس مرة ثالثة وظفر به ثم قُتل بيد ابن أخيه مَعَنَّى مع ابنه هيروديس وبويع لمعنى. إلا أن أهالي حمص ثاروا به بعد أيام وقتلوه.
زينب أو زنوبيا أو الزباء:
وكانت زينب أو الزباء أو زنوبيا زوجة أُذينة الثاني، فولدت له ثلاثة أولاد أكبرهم وَهْبَلات ثم خَيْران ثم تيم الله، فلما قتل أُذينة أخذت زوجته بأزمة الملك بالنيابة عن وهبلات بكرها، وكان لها مجلس شيوخ ترجع إلى رأيه ولها من الحلم وحسن الإدارة والسياسة والكرم ما عدت به من أعظم الملوك والملكات. وكانت نفسها تحدثها على ما يقال بالاستيلاء على المملكة الرومانية. وعقدت مع سابور ملك الفرس معاهدة وكان يخشى بأسها. وغصت عاصمتها بأجناس الشعوب والعناصر وكان سوادهم الأعظم من العرب والنبط.
وكان بنو السميدع يسكنون بادية الشام في أوائل النصرانية ولهم دولة في تدمر ونواحيها، كما كانت دولة النبطيين في شرقي جنوب الشام. فظهر بنو غسان بعد
خراب سد مأرب وسيل العرم، واستولوا على أرجاء فلسطين ودمشق، وكانت سبقتهم قبيلة بني سليح من قضاعة وسكنت البلقاء فانتشروا في القطر أواخر القرن الثاني للمسيح. وفي خلال تلك المدة قدمت فرقة من بني لخم إلى جنوبي فلسطين وامتدوا في غربي بحيرة لوط، وبرز قوم من مضر يعرفون ببني كلب امتدوا من أنحاء الحجاز إلى جنوبي الشام
стр. 63
ونزلوا في جوار دومة الجندل الجوف فأذعنت بقايا هذه القبائل لزينب فاستأجرتهم وأدخلتهم في جملة جيشها. وخاف غاليانس قيصر عادية زينب وقد أصبحت محبوبة من الشعوب فوجه جيشاً لقتالها فغلبه جيشها وانهزم فلُّ الجيش الروماني. ثم حدثتها نفسها أن تستولي على مملكة بيثينية فقهرتها وبلغت خلقيدونة فدعا سكانها القيصر اوريليانس إلى نصرتهم ففاجأ التدمريين في بيثينية نحو ٢٧١ - ٢٧٢ فطردهم عنها، ثم واصل فتوحاته فتغلب على غلاطية وقبادوقية حتى بلغ مدينة أنقرة ففتحت له أبوابها.
وكانت زينب في سنة ٢٧١ أمدت عاملها فيرموس على مصر بالقائد زبدا لصد هجمات الرومان الذين قدموا مصر بقيادة بروبس، فنشب بين الفريقين قتال انهزم فيه التدمريون تاركين مصر إلى الأبد، وعاد زبدا مع بقايا عسكره. وكانت زينب أعدت جيوشها لمقاتلة الرومان وقسمتها ثلاثة أقسام بقيادة زبدا وزباي. وجهت القسم الأول إلى طريق حلب، والثاني إلى طريق حمص، والثالث إلى القريتين وهي تتقدمهم بنفسها. وجاءها جيش الرومان من الشمال ففتحوا مدينة طيانة ومدائن جبال طوروس حتى قربوا من إنطاكية، فأمرت زينب قوادها أن يناوشوا الرومان القتال فشتت عساكرها عسكر الرومان في الوقعة الأولى، ثم ارتد عسكر الرومان على التدمريين فكسروهم، فملك اوريليانوس إنطاكية وذهبت زينب إلى حمص فتأثرها الجيش الروماني ففتح في طريقه عدة مدن على ضفة العاصي مثل أفاميا وشيزر لاريسا والرستن وبلغ ربض حمص.
واستعدت زينب لقتال القائد الروماني في سبعين ألفاً، وكان عدد جيشه أقلَّ من جيشها إلا أنه أكثر مراناً على الحرب وأسرع في الكر والفر. فانكسر جيش زينب كسرةً عظيمة واستولى على حمص. فلم يسع زينب إلا أن تسرع إلى تدمر للدفاع عنها، وخف اوريليانس إلى حصار تدمر. وتخلى عن نصرتها حلفاؤها من الفرس والأرمن والعرب ثم وقعت زينب في قبضة القيصر الروماني، وفتح التدمريون أبواب مدينتهم للرومان في أول سنة ٢٧٣، فوضع أوريليانس حامية قليلة وأخذ معه زينب وأسرى التدمريين إلى آسيا الصغرى، فبلغه في طريقه إلى رومية أن التدمريين ثاروا
стр. 64
بالحامية التي خلفها عندهم فكرَّ راجعا عليهم وأعمل السيف فيهم أياما وقوض الأبنية والهياكل ودك الأسوار والقلاع، فخربت تدمر خرابا لم تنتعش منه.
آخر عهد الرومانيين وسياستهم:
كثرت الفتن على عهد دولة السلاقسة خلفاء الإسكندر واستقلت فلسطين في عهد المكابيين ١٤٣ ق. م لاشتغال السلاقسة بحروبهم. وامتد سلطانها من البحر المتوسط إلى الفرات. واحتفظت بحريتها حتى تدخَّل بالأمر القائد بومبيوس الروماني وبسط سلطان دولته سنة ٦٣ ق. م ولما أراد الرومان إضافة فلسطين إلى ولاية الشام الرومانية ثار اليهود فأدى ذلك إلى حصار بيت المقدس وخراب معبد سليمان على يد تيتوس سنة ٦٦ ب. م وثار اليهود في فلسطين بقيادة باركوخبا ١٣٢ - ١٣٥م فحاربهم ادريانوس الروماني وأخضعهم بعد حرب هائلة قتل فيها قائدهم، وأصبحت سورية ولاية رومانية سنة ٦٤ ولما وقعت الفتن بين اليهود والرومانيين في فلسطين سنة ٦٦ لم يبق من مملكة اغربيا وهي الجولان أحد من أهلها. لأن اغربيا مضى لزيارة غلوس والي سورية في قيسارية وأناب عنه رجلا اسمه فاروس، فأتى إليه وجهاء بعض المدن من اليهود يسألونه أن
يرسل إليهم جنودا يسهرون على راحتهم، فبدلا من أن يحسن ملتقاهم بعث قوماً قتلوهم ليلاً عن آخرهم. ثم لم يدع جورا ولا اعتسافا إلا وأقدم عليه. ولما بلغت اغربيا أخبار ظلمه عزله ولم يقتله لاتصال نسبه بأحد ملوك العرب.
وزحف غلوس إلى زابلون فقر أهلها إلى الجبال فانتهبها وأحرق بيوتها التي لم تكن أبنية صور وصيدا وبيروت أحسن منها، ونهب وأحرق القرى المجاورة لها وعاد إلى عكا، فنشط اليهود لعودته وطاردوا السوريين فقتلوا منهم ألفي رجل أكثرهم من بيروت، ثم سار غلوس إلى قيسارية وأرسل كتائب من جيشه إلى يافا فباغتوا أهلها وقتلوهم عن آخرهم ونهبوا المدينة وأحرقوها وكان عدد الفتلى ثمانية آلاف وأربعمائة.
وأرسل غلوس أيضاً حملة إلى السامرة قتلت كثيرين من أهلها ثم
стр. 65
أرسل فريقا آخر إلى الجليل ففتحت مدينة صفورية صافوريس أبوابها لجنود الرومانيين واقتدى بها غيرها من المدن، واعتزل المشاغبون في جبل عرقون المقابل لصفورية، فسار إليهم الجند فظهروا عليهم وقتلوا منهم أكثر من مائتي رجل، وأحدقوا بالجبل من كل جهة فقتلوا منهم نحو ألف إنسان ثم أحرق أفيق فقوعة والفولة والقرى المجاورة لها.
وتسلسلت هذه الوقائع الرومانية في هذا القطر، فسار فسبسيان الروماني إلى الكرك تاريكا فقتل منهم وانهزم كثيرون في سفنهم وأبعدوا في بحيرة لوط فكان عدد القتلى من اليهود في البحر والمدينة ستة آلاف وخمسمائة رجل. وبعد أن قهر الرومانيون كرك وجفت - وجفت غربي قانا الجليل على مقربة من جبل كوكب كاران - استسلمت باقي المدن وهلك من أهل كامالا شرقي البحيرة خمسة آلاف، ثم خضعت بعض مدن فلسطين وقتل في القدس ثمانية آلاف وخمسمائة سنة ٦٨ وجعلت القدس مستعمرة رومانية ١٣٦ باسم ايليا كابيتولينا، ثم انقضت قرون في
سلام على الجملة، ولم يدخل الشام في حرب خارجية.
كانت معاملة الرومان للشاميين باديء بدء عادلة حسنة مع ما كانت عليه مملكتهم في داخليتها من المشاغب والمتاعب. ولما شاخت دولتهم انقلبت إلى أتعس مما كانت عليه من الرق والعبودية. ولم تضف رومية بلاد الشام إليها مباشرة، ولم يصبح سكانها وطنيين رومانيين، ولا أرضهم أرضا رومانية، وظلوا غرباء ورعايا وكثيرا ما كانوا يبيعون أبناءهم ليوفوا ما عليهم من الأموال. وقد كثرت المظالم والسخرات والرقيق وبهذه الأيدي عمر الرومان ما عمروا من المعاهد والمصانع في الشام.
وفي سنة ٥٤٠ جاء ملك الفرس خسرو الأول واسمه عند العرب أنوشروان في جيوشه الضخمة ودخل الشام وظل فيه ثلاث سنين، وطرد بليزير الروماني الفرس سنة ٥٤٢ وعادوا إليها بعد وفاة يوستنيانوس بزعامة خسرو الثاني، والتحم القتال مع ملوك الساسانيين وطردهم الإمبراطور هرقل
стр. 66
إلى ما وراء عبر الفرات. وفي هذه الحقبة خربت إنطاكية بفتح الفرس لها وقتلهم أهلها. وكانت مدة ثمانية قرون من قبل مهد المدنية الشرقية.
حكم الرومان الشام سبعمائة سنة كانت فيه ميدانا للنزاع والشقاق والاستبداد والأنانية وقتل الأنفس. وحكم اليونان الشام ٢٦٩ سنة سادت في عهدهم الحروب الطاحنة والمظالم وظهرت المطامع اليونانية بأعظم مظاهرها وكان حكمهم من أشد الويلات وأشأم النكبات على الشاميين في التاريخ العام: نرى العوامل الرومانية والبيزنطية قد أثرت في عرب الشام أخلاف العمالقة القدماء، وكانوا يتقوون كل مدة بمن يهاجر إليهم من اليمن والحجاز، فكانت المملكة الرومانية محتاجة لمعاونتهم سواء كان ذلك لحرب أبناء جنسهم النازلين على ضفاف الفرات، أو لإملاء فراغ الشام وكان يتهدده البارثيون ثم الفرس. ومعلوم كيف قاومت أرملة
أذينة واسمها زينب أو زنوبيا القوى الرومانية في الشرق. ولما انحلت مملكة تدمر عهدت الإمبراطورية الرومانية إلى أسر أخرى بالحكم في تلك الأرجاء وثبتت الإمارة في الغساسنة. ودامت فيهم ثلاثة قرون. ودان رؤساء الغسانيين بالنصرانية فاشتركوا في حرب فارس من القرن الرابع إلى القرن السادس، وكان أحدهم الحارث الخامس من قوام مقام القائد بليزير في حملة آسيا.
بنو غسان والعرب في الشام:
اختلفت روايات مؤرخي العرب في بني غسان وكانوا أقيالا وعمالا لملوك البيزنطيين في هذه الديار. وقد عهد إليهم الدفاع عن تخوم الشام من اعتداء الفرس ورد غارات اللخميين أصحاب الحيرة. وكانت سلطة الغسانيين كما قال شلفير تتناول الولاية العربية أو معظم إقليم حوران والبلقاء وفينيقية ولبنان وفلسطين. وقال حمزة الأصفهاني وأبو الفداء: إن عدد ملوك الغسانيين في الشام أحد وثلاثون ملكا على حين لم يبلغ عددهم في أكثر من عشرة في رواية ابن قتيبة والمسعودي. ويقول الأصفهاني إن الحارث بن جبلة هو من أشهر ملوكهم لم يطل حكمه أكثر من عشر سنين، ويقول مؤرخو الروم: إنه حكم نحو أربعين سنة وهو المحقق. وكان
стр. 67
للغسانيين تمدن فاقوا به اللخميين لاختلاطهم بالروم البيزنطيين. ولم تكن لهم عاصمة معينة بل كانوا ينزلون الجولان والسويداء والجابية وجلق. وكان الغسانيون يؤدون الجزية عندما هاجروا من اليمن إلى الشام إلى رؤساء الأسباط من الرومان، ثم امتنعوا من أدائها عندما نالوا من الضجاعم واستولوا على الأمر دونهم، فاضطر الروم أن يقروا الغسانيين على أمرهم لحاجتهم إليهم في رد عادية اللخميين سكان الحيرة. وربما كان ذلك في أواخر القرن الخامس للميلاد.
وفي سنة ٥٢٩ عهد الإمبراطور يوستنيانوس إلى الحارث بن جبلة - وكان الحرث يدين بالنصرانية على مذهب القائلين بطبيعة واحدة في المسيح متحمسا لهذا
المعتقد ذابا عنه - بزعامة جميع القبائل العربية في الشام ونال لقب رئيس الأسباط وبطريق. وكان هذا اللقب في مملكة البيزنطيين إذ ذاك أرقى لقب بعد الإمبراطور. وفي تلك السنة اشترك مع البيزنطيين في قمع ثورة السامريين وانقضى معظم عهده في حروب المنذر الثالث ملك الحيرة، وفي سنة ٥٢٨ تغلب على المنذر، وبعد نحو عشر سنين أصبحت المنافسة بينه وبين المناذرة على أتمها بسبب أراضي التخوم الواقعة بين دمشق وتدمر إلى الرصافة وكان كل واحد منهما يدعيها. قال هوار: إن الحارث الغساني كسر المنذر ملك الحيرة سنة ٥٢٨ وإنه لما كان والي فلسطين اشترك في إعادة السامريين إلى الطاعة فوهبه يوستنيانوس لقب الملك ليقضي على العرب الذين كانوا إقطاعا لملوك الساسانيين من الفرس، وكان كثيرا ما يجتاز دجلة ويخرب المعمور ويحمي قبائل العرب النازلة في برية تدمر من اعتداء المناذرة. وكانوا يحاولون أن يأخذوا منهم الجزية وحاربهم على الطريق الحربي الذي كان ممتدا من دمشق إلى تدمر.
حارب الحارث مع الرومان في العراق، ثم حارب المنذر الحارث وأسر ابنه وقدمه ضحية للعُزَّى. وفي سنة ٥٥٤ ظفر الحارث بالمنذر في جهات قنسرين فهلك المنذر في المعركة. وخلف الحارث ابنه المنذر وتغلب على العرب الفرس الذين هاجموا منازل الغسانيين وظفر بملكهم قابوس في عين أباغ على الأغلب. وحاول ملك الروم قتل المنذر فرفع لواء العصيان ثلاث
стр. 68
سنين، ولما عصى العرب والفرس على بيزنطية اضطرت هذه أن تعقد الصلح مع المنذر، ثم حمل هذا إلى القسطنطينية أسيرا وانقطعت الأموال التي كانت تعطيها له مملكة الروم فثار أولاده الأربعة بقيادة النعمان بكر أولاد الحارث وهاجموا أراضي الروم وخربوا فيها، فأخذ النعمان أسيرا أيضا. ولكن الفوضى انتشرت في بادية الشام وأخذت كل قبيلة تختار لها زعيما خاصا وهواهم مع الفرس. ولما سقطت دمشق والقدس في يد
ملك الفرس كسرى ابرويز ٦١٣ - ٦١٤ انهارت مملكة الغسانيين. وقيل: إن جبلة بن الأيهم كان آخر ملوكهم. هذا ما يعرف عن الغسانيين في الجملة نقلا عمن حقق أمرهم من مؤلفي الغرب.
ولما حاصر كسرى مدينة القسطنطينية خلت أرض الشام من جند الروم. وكان في مدينة صور أربعة آلاف يهودي فكتبوا إلى إخوانهم ببيت المقدس وقبرس ودمشق وجبل الجليل وطبرية أن يجتمعوا كلهم في عيد فصح النصارى ليقتلوهم بصور، ويصعدوا إلى بيت المقدس فيقتلوا كل نصراني بها ويغلبوا على المدينة، فبلغ الخبر بطريق صور فأخذ اليهود وقيدهم وسجنهم وأغلق أبواب صور وصير عليها المنجنيقات والعرادات، فلما كانت ليلة الفصح اجتمع اليهود من كل بلد إلى صور وكانوا زهاء عشرين ألف رجل، فحاربوهم حربا شديدة من فوق الحصون، فهدم اليهود كل كنيسة كانت خارج صور فكانوا كلما هدموا كنيسة أخرج أهل صور من اليهود المقيدين عندهم مائة رجل وأوقفوهم على الحصن وضربوا أعناقهم ورموا برؤوسهم إلى خارج، فضربوا أعناق ألفي رجل ثم انهزم اليهود.
كنا نحب التوسع في سرد وقائع تلك الدول لولا الخوف من نقل ما لا يقره المحققون. والتعرض للمجهولات يؤدي إلى السقوط في غلطات ومتناقضات. ولعل بحث علماء العاديات يوصلهم إلى اكتشاف ما كان مجهولاً من تاريخ هذه الديار التي طالما شرقت بدماء الغالبين والمغلوبين وسارت على أديمها دول كان الناس في ظلها ظالمين ومظلومين، وقتل أهلها بالألوف والمئين في سبيل شهوات الفاتحين.
стр. 69
الشام في الإسلام
من سنة ٥ إلى سنة ١٨ للهجرة
حالة الشام قبيل الفتح:
دعا الداعي إلى الإسلام في جزيرة العرب وكثر من دانوا به، فكان الشام من أول الأقطار المجاورة للحجاز التي فكر الرسول العربي ﵊ في فتحها لنشر كلمة التوحيد، وكانت تحت حكم الرومان منذ سبعة قرون، وملكها صاحب مملكة بيزنطية أو مملكة الروم الشرقية ويعرف عند العرب باسم هرقل. وكان سكان هذه الديار من سريان وعرب وروم وفرس أصحاب علاقات مع الحجاز بالتجارة، كما كانت علائق عرب الحجاز في الجاهلية كثيرة جداً بأهل هذا القطر، وأهم ما كان يرجى منه تيسير الفتح أن كانت قبائل عربية كثيرة تنزل الشام وتشارك دولة الروم في الأحكام، وأشهرها غسان في الجنوب وتنوخ في الشمال وتغلب في الشرق. وكانت هذه القبائل العربية دانت بالنصرانية وتركت عبادة الأصنام والأوثان. فقويت الروابط بينها وبين البيزنطيين فكانوا يؤدون لزعمائهم الرواتب ليقفوا في وجه البادية في الجنوب حتى لا يهاجموا الشام، وفي وجه الفرس في الشرق حتى لا يهددوا آسيا الصغرى.
стр. 70
وكان الفرس قبل الهجرة النبوية بثماني سنين فتحوا الشام سنة ٦١٣ - ٦١٤م فدافع هرقل عنها سنة ٦٢٦ وانتصر على كسرى ولكنه فقد بانونيا ودلماسيا من أجزاء مملكته، سقطتا في أيدي الخرواتيين والصربيين وخوى نجم المملكة وساء طالعها وظهرت عليها أعراض الانحطاط، فارتأى هرقل أن يلقي بقياده إلى البطريرك سرجيوس القائل بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة في المسيح ﵊. وكانت النصرانية تشعبت إلى مذاهب مختلفة كنحلة النساطرة واليعاقبة، ويكره جميع أرباب هذه المذاهب حكومة الروم وكانت تضطهدهم باسم المذهب
الأرثوذكسي وعداوتهم لها تزيد على الأيام تأصلاً.
كانت مصر والشام من جملة الأقطار التي تحاول الانفصال عن بيزنطية وشغل الإمبراطور وشعبه بالمسائل الدينية والخلافات المذهبية، فأخذ ينظر إلى غارات العرب نظر العاجز الضعيف، وزاده ضعفاً شيخوخته واستسلامه لرجال الدين، مع أنه كان على ضعف إرادته شجاعاً عاملاً بعيد النظر. وما حال ملك ينخر جسمه سوس الفساد في الداخل، وهل لمن ضعف جسمه واختلت قواه أن يرسل نظره إلى القاصية فيتقيها وهو على اتقاء ما لديه من المنهكات أعجز؟ فلا عجب أن أصبحت أحوال الشام من أشد ما يكون ملاءمة لفتوح العرب في تلك الحقبة من الزمن، وأسباب الظفر موفورة لهم من كل وجه.
هذا وخزائن هرقل فارغة، ومرتبات الأمير الغساني التي كانت الدولة تجريها عليه منقطعة. والنفوس في الشام مستاءة من المظالم والمغارم، سئمت الحروب والغارات وهي عرضة لمطامع الفرس أو سوء إدارة الروم، والناس يتحدثون بقرب انفراج الأزمة على أيدي الفاتحين من العرب، وكان يبلغهم من أخبار عدلهم ما تثلج له الصدور، وتود لو ترى قبل ساعة طلعة الدولة الجديدة التي أتت من الأعمال ما صعب على الفاتحين أن يأتوا مثله في باب العدل والرحمة والتسامح.
стр. 71
صلح دومة الجندل وغزوة ذات السلاس ومؤتة
والجرباء وأذرح ومقنا وجيش أسامة:
لما انتشر الإسلام في جزيرة العرب حجازها ويمنها ونجدها أخذ الرسول يغزو الروم في الشام غزوات قليلة ويرسل سرايا ضئيلة تزيد بحسب الحاجة حتى يتعرف المسلمون طرق الشام وأمصاره ويسبروا غور الروم واستعدادهم. وكانت أول غزواته على رأس تسعة وأربعين شهراً من مهاجره. بلغه أن بدومة الجندل
جمعاً كثيراً وأنهم يظلمون من مرّ بهم من الضافطة وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة وهي طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. فندب رسول الله الناس واستخلف على المدينة وخرج في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة فأخذ نعمهم وشاءهم ورجع لم يلق كيداً.
وفي سنة ست ندب الرسول عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل وقال له: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فدعاهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن بتماضر بنت الأصبغ. وكان صاحب دومة أكيدر بن عبد الملك في طاعة هرقل ملك الروم يعترض سفر المدينة وتجارهم، فصالحه الرسول على الجزية على كل حالم في أرضه ديناراً وكتب له ولأهل دومة كتاباً وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله لأكيدر دومة حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها أن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل
стр. 72
والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تعدّ فاردتكم، ولا يحظر النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر من المسلمين.
وأرسل الرسول كتباً إلى هرقل والحارث بن أبي شمر يدعوهما إلى الإسلام وهذا نص الكتاب الذي بعث به مع دحية الكلبي على يد عظيم بصرى ليدفعه إلى هرقل وهو بالشام على ما جاء في الصحاح: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول
الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسْلم تَسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين. ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون اه. وكتب الرسول إلى الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق وبعث إليه بشجاع بن وهب. وكان فروة بن عمرو الجُذامي عاملاً لقيصر على عمَّان من أرض البلقاء قد أسلم وأنفله إلى الرسول رجلاً يقال له مسعود بن سعد من قومه، وأهدى الرسول بغلة يقال لها فضة وحماره يعفور وفرساً يقال له الظرب وأثواباً من كتان وقباء من سندس مخرَّصاً بالذهب، فقبل رسول الله كتابه وهديته وكتب إليه جواب كتابه
стр. 73
وأجاز رسوله مسعوداً بأثنتي عشرة أوقية ونش وبلغ قيصر إسلام فروة ابن عمرو فحبسه حتى مات فلما مات صلبوه - قاله ابن سعد.
وفي السنة الثامنة للهجرة بعث الرسول سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح من ناحية الشام وهي وراء وادي القرى بين تبوك وأذرعات وكان ينزلها قوم من قضاعة، ورأسهم رجل يقال له سدوس، فخرج في خمسة عشر رجلاً فوجد جمعاً، كثيراً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا وقتلوا أصحاب كعب جميعا، وتحامل رجل منهم حتى بلغ المدينة. وفي هذه السنة استنفر الرسول الناس إلى الشام فكانت غزوة ذات السلاسل، والسلاسل ماءٌ بأرض جذام - فوجه عمرو بن العاص في ثلاثمائة مقاتل ثم استمده فأمده بأبي عبيدة بن الجراح على المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر في مائتين فكان جميعهم خمسمائة، والغالب أنهم رجعوا من هذه الغزاة على غير جدوى.
ومن السرايا التي أُرسلت إلى الشام سرية زيد بن حارثة إلى جذام بحسمي وراء
وادي القرى مما يلي فلسطين من أرض الشام. وسببها أن دِحْيَة بن خليفة الكلبي كان أقبل من عند قيصر وقد أجاره وكساه فسلبه أهل حسمي، فغزاهم زيد بن حارثة ثم ردَّ الرسول عليهم أسلابهم. وفي تلك السنة بعث الرسول جيشاً مؤلفاً من ثلاثة آلاف مقاتل بلغوا تخوم البلقاء فلقيتهم جموع هرقل ومعهم العرب المنتصرة بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة وجعلوا على ميمنتهم رجلاً من عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، فلقيتهم الروم في جمع عظيم فقتل من الأمراء زيد ابن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، فلما فجع المسلمون بثلاثة قواد عظام منهم، وكان خالد بن الوليد من القواد في ذاك الجيش،
стр. 74
رأى المصلحة أن يعود إلى المدينة بمن معه. وكان سبب هذه الغزوة أن النبي بعث الحارث بن عمير رسولاً إلى ملك بُصرى عاصمة حوران بكتاب كما بعث إلى سائر الملوك، فلما نزل بمؤتة عرض له عمرو بن شرحبيل الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول الله رسول غيره. وقيل: إن هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبَلي في مائة ألف منهم.
كانت أخبار الشام عند أهل المدينة كل يوم لكثرة من يرد عليهم من الأنباط فقدمت عليهم قادمة فذكروا أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وأن هرقل صاحب الروم قد رزق أصحابه لسنة، واستنفر العرب المتنصرة فأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة وبهراء وكلب وسليح وتنوخ من عرب الشام وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص وضرب الروم على العرب الضاحية البعوث. فرأى الرسول إن لم يبدأ الروم القتال بدءوه به، فأعلم في سنة تسع بالتجهيز لغزو الروم والطلب بدم جعفر بن أبي طالب الذي استشهد
في مؤتة في السنة الفائتة. وكان الرسول إذا أراد غزوة وَرّى بغيرها إلا في هذه، لقوة العدو وبعد الطريق والجدب والحر والناس في عسرة. وكان معه ثلاثون ألفاً، والخيل عشرة آلاف، والجمال اثنا عشر ألفاً، ولقي الجيش حراً وعطشاً. وقد أنفق أبو بكر الصديق في تجهيز هذا الجيش جميع ماله، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة.
خرج المسلمون في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد فأصابهم يوماً عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها، فكان ذلك عسرة من الماء وعسرة من الظهر وعسرة من النفقة ولذلك سمي جيش العسرة.
стр. 75
وبلغ الجيش الحِجْر أرض ثمود فنهاهم الرسول عن مائه، ووصلوا تبوك فأقام بها عشرين ليلة، وسميت هذه الغزوة غزوة تبوك، ولم يلق المسلمون في هذه المعركة كيدا. وأتى يحنة بن رؤبة أُسقف أيلة على البحر الأحمر فصالحه الرسول على الجزية. وكتب له كتابا صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا أمنة من الله ومحمد النبي ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيب لمن أخذه من الناس. وإنه لا يحل أن يمنعوا ما يريدونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر. هذا كتاب جهنم بن الصلت وشرحبيل بن حَسَنة بإذن رسول الله ﷺ وكان ذلك في سنة تسع من الهجرة.
وصالح الرسول أهل جرباء وأذْرُح من أرض الشراة، صالح أهل أذْرُح على مائة دينار، وصالح أهل مَقْنا على مقربة من أيلة على ثلاثمائة دينار على ربع عروكهم وغزولهم وربع كُراعهم وحَلْقتهم وعلى ربع ثمارهم وكانوا يهوداً، وكتب
إليهم هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى بني حبيبة وأهل مقنا سلم أنتم فإنه أنزل عليَّ أنكم راجعون إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون ولكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله قد غفر لكم ذنوبكم وكل دم اتبعتم به لا شريك لكم في قريتكم إلا رسول الله أو رسول رسول الله. وإنه لا ظلم عليكم ولا عدوان، وإن رسول الله يجيركم مما يجير به نفسه فإن لرسول الله بزتكم ورقيقكم والكراع والحلقة إلا ما عفا عنه رسول الله أو رسول رسول الله، وأن عليكم بعد ذلك ربعَ ما أخرجت نخيلكم وربع ما صادت عروككم وربع ما اغتزلت نساؤكم وأنكم قد ثريتم بعد ذلكم ورفعكم رسول الله عن كل جزية وسخرة، فإن سمعتم وأطعتم فعلى رسول الله أن يكرم
следующие страницы →