← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

صلح دومة الجندل وغزوة ذات السلاس ومؤتة والجرباء وأذرح ومقنا وجيش أسامة: لما انتشر الإسلام في جزيرة العرب حجازها ويمنها ونجدها أخذ الرسول يغزو الروم في الشام غزوات قليلة ويرسل سرايا ضئيلة تزيد بحسب الحاجة حتى يتعرف المسلمون طرق الشام وأمصاره ويسبروا غور الروم واستعدادهم. وكانت أول غزواته على رأس تسعة وأربعين شهراً من مهاجره. بلغه أن بدومة الجندل جمعاً كثيراً وأنهم يظلمون من مرّ بهم من الضافطة وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة وهي طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. فندب رسول الله الناس واستخلف على المدينة وخرج في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة فأخذ نعمهم وشاءهم ورجع لم يلق كيداً. وفي سنة ست ندب الرسول عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل وقال له: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم، فدعاهم إلى الإسلام فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً وكان رأسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن بتماضر بنت الأصبغ. وكان صاحب دومة أكيدر بن عبد الملك في طاعة هرقل ملك الروم يعترض سفر المدينة وتجارهم، فصالحه الرسول على الجزية على كل حالم في أرضه ديناراً وكتب له ولأهل دومة كتاباً وهو: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله لأكيدر دومة حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها أن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل

стр. 72

والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تعدّ فاردتكم، ولا يحظر النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة لحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء، شهد الله ومن حضر من المسلمين. وأرسل الرسول كتباً إلى هرقل والحارث بن أبي شمر يدعوهما إلى الإسلام وهذا نص الكتاب الذي بعث به مع دحية الكلبي على يد عظيم بصرى ليدفعه إلى هرقل وهو بالشام على ما جاء في الصحاح: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسْلم تَسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين. ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون اه. وكتب الرسول إلى الحارث بن أبي شمر الغساني أمير دمشق وبعث إليه بشجاع بن وهب. وكان فروة بن عمرو الجُذامي عاملاً لقيصر على عمَّان من أرض البلقاء قد أسلم وأنفله إلى الرسول رجلاً يقال له مسعود بن سعد من قومه، وأهدى الرسول بغلة يقال لها فضة وحماره يعفور وفرساً يقال له الظرب وأثواباً من كتان وقباء من سندس مخرَّصاً بالذهب، فقبل رسول الله كتابه وهديته وكتب إليه جواب كتابه

стр. 73

وأجاز رسوله مسعوداً بأثنتي عشرة أوقية ونش وبلغ قيصر إسلام فروة ابن عمرو فحبسه حتى مات فلما مات صلبوه - قاله ابن سعد. وفي السنة الثامنة للهجرة بعث الرسول سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح من ناحية الشام وهي وراء وادي القرى بين تبوك وأذرعات وكان ينزلها قوم من قضاعة، ورأسهم رجل يقال له سدوس، فخرج في خمسة عشر رجلاً فوجد جمعاً، كثيراً فدعاهم إلى الإسلام فأبوا أن يجيبوا وقتلوا أصحاب كعب جميعا، وتحامل رجل منهم حتى بلغ المدينة. وفي هذه السنة استنفر الرسول الناس إلى الشام فكانت غزوة ذات السلاسل، والسلاسل ماءٌ بأرض جذام - فوجه عمرو بن العاص في ثلاثمائة مقاتل ثم استمده فأمده بأبي عبيدة بن الجراح على المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر في مائتين فكان جميعهم خمسمائة، والغالب أنهم رجعوا من هذه الغزاة على غير جدوى. ومن السرايا التي أُرسلت إلى الشام سرية زيد بن حارثة إلى جذام بحسمي وراء وادي القرى مما يلي فلسطين من أرض الشام. وسببها أن دِحْيَة بن خليفة الكلبي كان أقبل من عند قيصر وقد أجاره وكساه فسلبه أهل حسمي، فغزاهم زيد بن حارثة ثم ردَّ الرسول عليهم أسلابهم. وفي تلك السنة بعث الرسول جيشاً مؤلفاً من ثلاثة آلاف مقاتل بلغوا تخوم البلقاء فلقيتهم جموع هرقل ومعهم العرب المنتصرة بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، فانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة وجعلوا على ميمنتهم رجلاً من عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، فلقيتهم الروم في جمع عظيم فقتل من الأمراء زيد ابن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة، فلما فجع المسلمون بثلاثة قواد عظام منهم، وكان خالد بن الوليد من القواد في ذاك الجيش،

стр. 74

رأى المصلحة أن يعود إلى المدينة بمن معه. وكان سبب هذه الغزوة أن النبي بعث الحارث بن عمير رسولاً إلى ملك بُصرى عاصمة حوران بكتاب كما بعث إلى سائر الملوك، فلما نزل بمؤتة عرض له عمرو بن شرحبيل الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول الله رسول غيره. وقيل: إن هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت إليه المستعربة من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبَلي في مائة ألف منهم. كانت أخبار الشام عند أهل المدينة كل يوم لكثرة من يرد عليهم من الأنباط فقدمت عليهم قادمة فذكروا أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وأن هرقل صاحب الروم قد رزق أصحابه لسنة، واستنفر العرب المتنصرة فأجلبت معه لخم وجذام وغسان وعاملة وبهراء وكلب وسليح وتنوخ من عرب الشام وزحفوا وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء وعسكروا بها، وتخلف هرقل بحمص وضرب الروم على العرب الضاحية البعوث. فرأى الرسول إن لم يبدأ الروم القتال بدءوه به، فأعلم في سنة تسع بالتجهيز لغزو الروم والطلب بدم جعفر بن أبي طالب الذي استشهد في مؤتة في السنة الفائتة. وكان الرسول إذا أراد غزوة وَرّى بغيرها إلا في هذه، لقوة العدو وبعد الطريق والجدب والحر والناس في عسرة. وكان معه ثلاثون ألفاً، والخيل عشرة آلاف، والجمال اثنا عشر ألفاً، ولقي الجيش حراً وعطشاً. وقد أنفق أبو بكر الصديق في تجهيز هذا الجيش جميع ماله، وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة. خرج المسلمون في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد فأصابهم يوماً عطش شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها، فكان ذلك عسرة من الماء وعسرة من الظهر وعسرة من النفقة ولذلك سمي جيش العسرة.

стр. 75

وبلغ الجيش الحِجْر أرض ثمود فنهاهم الرسول عن مائه، ووصلوا تبوك فأقام بها عشرين ليلة، وسميت هذه الغزوة غزوة تبوك، ولم يلق المسلمون في هذه المعركة كيدا. وأتى يحنة بن رؤبة أُسقف أيلة على البحر الأحمر فصالحه الرسول على الجزية. وكتب له كتابا صورته: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا أمنة من الله ومحمد النبي ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة أساقفهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيب لمن أخذه من الناس. وإنه لا يحل أن يمنعوا ما يريدونه ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر. هذا كتاب جهنم بن الصلت وشرحبيل بن حَسَنة بإذن رسول الله ﷺ وكان ذلك في سنة تسع من الهجرة. وصالح الرسول أهل جرباء وأذْرُح من أرض الشراة، صالح أهل أذْرُح على مائة دينار، وصالح أهل مَقْنا على مقربة من أيلة على ثلاثمائة دينار على ربع عروكهم وغزولهم وربع كُراعهم وحَلْقتهم وعلى ربع ثمارهم وكانوا يهوداً، وكتب إليهم هذا الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى بني حبيبة وأهل مقنا سلم أنتم فإنه أنزل عليَّ أنكم راجعون إلى قريتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا فإنكم آمنون ولكم ذمة الله وذمة رسوله، وإن رسول الله قد غفر لكم ذنوبكم وكل دم اتبعتم به لا شريك لكم في قريتكم إلا رسول الله أو رسول رسول الله. وإنه لا ظلم عليكم ولا عدوان، وإن رسول الله يجيركم مما يجير به نفسه فإن لرسول الله بزتكم ورقيقكم والكراع والحلقة إلا ما عفا عنه رسول الله أو رسول رسول الله، وأن عليكم بعد ذلك ربعَ ما أخرجت نخيلكم وربع ما صادت عروككم وربع ما اغتزلت نساؤكم وأنكم قد ثريتم بعد ذلكم ورفعكم رسول الله عن كل جزية وسخرة، فإن سمعتم وأطعتم فعلى رسول الله أن يكرم

стр. 76

كريمكم ويعفو عن مسيئكم، ومن ائتمر في بني حبيبة وأهل مقنا من المسلمين خيراً فهو خير لكم، ومن أطلعهم بشر فهو شر له، وليس عليكم أمير إلا من أنفسكم أو من أهل بيت رسول الله وكتب علي بن أبي طالب في سنة ٩. وفي السنة الحادية عشرة ضرب الرسول على الناس بعثاً إلى الشام أيضاً وأمر عليه أسامة بن زيد ندبه إلى البلقاء وأذرعات ومؤتة ثائراً بأبيه ولأسامة يومئذ ثماني عشرة سنة. وفي رواية أن الرسول أمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم، وأن يبلغ يًبنى وأشدود من أرض فلسطين، وقيل: أمر أن يوطئ من آبل الزيت بالأردن من مشارف الشام، ودعا الرسول ﵇ أسامة بن زيد فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحاً على أهل يُبنى وحرّق عليهم، وأسرع السير تسبق الأخبار، فإن ظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقدم العيون والطلائع أمامك. وبينا الناس يتأهبون للغزاة ابتدأ الرسول شكواه التي قبضه الله فيها. وكان يقول في علته: جهزوا جيش أسامة. ثم سار أسامة إلى يُبنى فشنَّ عليها الغارة وقتل قاتل أبيه ولم يصب أحد من المسلمين. وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطة يكونون بالبلقاء، فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر. فأول غزوات الشام دومة الجندل والثانية مؤتة والثالثة ذات السلاسل والرابعة تبوك والخامسة آبل الزيت وجملة غزواتهم سبع غزوات. وكلها مقدمات لفتح هذا القطر وأمر قطعي من صاحب الرسالة إلى أصحابه بأن يكملوا العمل الذي وضع أساسه بنفسه الشريفة. عن سلمة بن نُفَيل الحضرمي قال: فتح الله على رسول الله فتحاً فأتيته فدنوت منه حتى كادت ثيابي تحس ثيابه فقلت: يا رسول الله سيبت الخيل وعطلوا السلاح وقال: قد نُفَيل وضعت الحرب أوزارها فقال رسول الله: كذبوا الآن جاء القتال الآن جاء القتال، لا يزال الله يزيغ قلوب أقوام تقاتلونهم ويرزقكم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وعُقر دار الإسلام بالشام.

стр. 77

جيوش العرب وجيوش الروم نصيحة أبي بكر الصديق لقواده: توفي الرسول ﵇ فارتدت بعض قبائل العرب فقاتلهم أبو بكر الصديق حتى جمع شملهم بالإسلام فلما أمن من ناحيتهم كتب إلى أهل مكة والطائف واليمن وجميع العرب بنجد والحجاز يستنفرهم للجهاد في الشام، ويرغبهم فيه وفي غنائم الروم، فسارع الناس إليه بين محتسب وطامع فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال، وهم يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل ابن حَسنَة وعمرو ابن العاص. وكان أبو بكر أمر عمرو بن العاص أن يسلك طريق أيلة عامداً لفلسطين. وأمر يزيد وشرحبيل أن يسلكا طريق تبوك، فقصد الجيش فلسطين في الجنوب وقسم منه قلب الشام. وكان العقد لكل أمير في بدء الأمر على ثلاثة آلاف رجل فلم يزل أبو بكر يتبعهم بالإمداد حتى صار مع كل أمير سبعة آلاف وخمسمائة ثم تتام جمعهم بعد ذلك أربعة وعشرين ألفاً. وكان جيش الروم أربعين ومائتي ألف منهم المسلسل للموت والمربوط بالعمائم والفرسان والرجالة، جمعهم هرقل من أهل الشام والجزيرة وإرمينية، وولى عليهم رجلاً من خاصته وبعث على مقدمته جبلة بن الأيهم الغساني في مستعربة الشام. وأنجد أبو بكر جيوش الشام بخالد بن الوليد من العراق في تسعة وقيل في عشرة آلاف فصار المسلمون ستة وثلاثون ألفاً وفي رواية ستة وأربعين ألفاً. ويقول سيديليو: إن جيش العرب كان على أكثر تعديل مؤلفا من عشرين ألفاً وجيش الروم من ستين ألفاً. قال سعيد بن عبد العزيز: إن المسلمين يوم اليرموك كانوا أربعة وعشرين ألفاً والروم عشرين ألفاً ومائتي ألف عليهم ماهان وصقلان سقلار. ومهما كان من تقدير الجيشين فالعرب كانوا أقل من الروم. وتقدير مؤرخي العرب للجيش الإسلامي بستة وثلاثين ألفاً ولجيش الروم بزهاء مائتي ألف أقرب إلى الصحة، وهو تقدير معقول لا سيما إذا عرف أنه كان سكان الشام إذ ذاك نحو سبعة ملايين، وأن العرب على بعد الحجاز عن الشام لا يستطيعون أن يجهزوا أكثر من ذلك لأنهم كانوا يحاربون في جهات أخرى.

стр. 78

ولما أنفذ أبو بكر الأمراء إلى الشام كان فيما أوصى به يزيد بن أبي سفيان وهو مشيع له: إذا قدمت على أهل عملك فعدهم الخير وما بعده، وإذا وعدت فأنجز، ولا تكثر عليهم الكلام، فإن بعضه ينسي بعضاً، وأصلح نفسك يصلح الناس لك، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرم مثواهم، فإنه أول خيرك إليهم، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت الذي تلي كلامهم، ولا تجعل سرَّك مع علانيتك فَيْمرجَ أمرك، وإذا استشرت فاصدق الخَبر تصدق لك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قِبلَ نفسك، وإذا بلغتك عن العدو عورة فاكتمها حتى توافيها، واستر في عسكرك الأخبار، وأذكِ حراسك، وأكثر مفاجأتهم في ليلك ونهارك، واصدق اللقاء إذا لقيت، ولا تجبن فيجبنَ من سواك. وقد شيع أبو بكر يزيد بن أبي سفيان راجلاً إلى ما بعد ربض المدينة فقال له يزيد: إما أن تركب وإما أن أنزل. فقال: ما أنت بنازل وما أنا براكب. إني احتسب خطاي هذه في سبيل الله ثم قال: إنك ستجد قوماً حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما حبسوا أنفسهم له يعني الرهبان. وستجد قوماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف. ثم قال: إني موصيك بعشر: لا تغدر، ولا تُمَثّل، ولا تقتل هرماً ولا امرأة ولا وليداً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا ما أكلتم، ولا تُحرقن نخلاً، ولا تخربن عامراً، ولا تغُلّ ولا تجبن. وصل الجيش العربي إلى مشارف الشام فنزل في آبل وزيزاء والقسطل، وكان جيش الروم من دون زيزاء بثلث. وطلع ماهان قائد الروم وقدم قدامه الشمامسة والرهبان والقسيسين يحضون جيش الروم على القتال. وكان هرقل وهو من عظام القواد أدرك الخطر ورأى لما أتاه الخبر بقرب جيش العرب أن لا يقاتلهم وأن يصالحهم. وقال لقومه: فو الله لأن تعطوهم نصف ما أخرجت الشام وتأخذوا نصفاً وتقرَّ بكم جبال الروم خير لكم من

стр. 79

أن يغلبوكم على الشام ويشاركوكم في جبال الروم، فلما رآهم يعصونه ويردون عليه بعث أخاه تيودورا وأمر الأمراء. مبدأ الحرب بين العرب والروم: وأول وقعة كانت بين العرب والروم بقرية من قرى غزة يقال لها دائن ١٢هـ كانت بينهم وبين بطريق غزة فاقتتلوا فيها قتالاً شديداً فهزم الروم، وتوجه يزيد بن أبي سفيان في طلب ذلك البطريق فبلغه أن بالعربة من أرض فلسطين جمعاً للروم فأوقع بهم وقتل عظيمهم، وانتهى إليه أن ستة من قواد الروم نزلوا العربة في ثلاثة آلاف فسار إليهم المسلمون في كًثْف منهم فهزموهم، وقتل أحد القواد فصار الروم إلى الَّبة فهزمهم المسلمون وغنموا غنماً حسناً. وأول صلح كان بالشام صلح مآب. مرّ أبو عبيدة بهم في طريقه فقاتلوه، ثم سألوه الصلح فصالحهم، وقالوا: إن أول حرب كانت بالشام بعد سرية أُسامة بالعربة ثم أتوا دائن ثم كانت مرج الصُفَّر، وأول مدينة فتحت بصرى قصبة حوران. لما سار خالد بن الوليد من العراق مدداً للمسلمين في الشام وقد ضاق المسلمون فيه لكثرة جيوش الروم فتح في طريقه ما اجتاز به من شرق الشام، مثل أرك ودومة الجندل وقُصم وتَدمر والقريتين وحَوّارين ومرج راهط، ووجه أحد رجاله إلى غوطة دمشق فأغار على قرى من قراها، وصار خالد إلى الثنية التي تعرف بثنية العقاب المشرفة على الغوطة، فوقف عليها ساعة ناشراً رايته وهي راية كانت لرسول الله تسمى العقاب علماً لها. والعرب تسمي الراية عقاباً. وأغار على بني غسان في يوم فِصحهم. ثم سار خالد حتى انتهى إلى المسلمين بقناة بصرى، ويقال: إنه أتى الجابية من حوران وبها أبو عبيدة في جماعة من المسلمين فالتقيا ومضيا جميعاً إلى بصرى. ولما فتحت بصرى توجه أبو عبيدة بن الجراح في جماعة كثيفة فأتى مآب من أرض البلقاء، وبها جمع العدو فافتتحها صلحاً على مثل صلح بصرى، ثم كانت وقعة أجنادين قرب القدس، شهدها من الروم زهاء مئة ألف سرَّب هرقل أكثرهم وتجمع باقوهم من النواحي

стр. 80

فقتل المسلمون منهم مقتلة عظيمة. وقالوا: إن خالد بن الوليد لما جاء بصرى والمسلمون نزول عليها ضايق أهلها حتى صالحهم على أن يؤدوا عن كل حالم ديناراً وجريب حنطة. وافتتح المسلمون جميع أرض حوران وغلبوا عليها وقتئذ وذلك في سنة ١٣. وقعة اليرموك: أهم وقائع العرب في الشام التي انهزم فيها الروم شر هزيمة ولحق فَلُّهم بالشمال وقعة اليرموك - واليرموك نهر - فهي الوقعة الفاصلة التي هان بها الاستيلاء بعد ذلك على القدس ودمشق وما إليها، ثم على حمص وحماة وحلب وما إليها من البلدان، وظهر فيها النبوغ العربي في الحرب بأجلى مظاهره. وتبين أن تلك الأمة الفقيرة بمالها، ليست فقيرة بعقل رجالها. وقرأ العرب على الروم يومئذ درساً من مضائهم وحسن بلائهم، وأروهم راموزاً من تضامنهم واستماتتهم، وأتوهم بمثال من طيب أخلاقهم وجودة فطرهم، خلافاً لما كان عليه أعداؤهم من الانقسام وتشتت الأهواء والخصام. لما قدم خالد بن الوليد مدداً للمسلمين في اليرموك وجد العرب يقاتلون الروم متساندين كل أمير على جيش: أبو عبيدة على جيش: ويزيد بن أبي سفيان على جيش، وشرحبيل بن حسنة على جيش، وعمرو بن العاص على جيش. فقال خالد: إن هذا اليوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، فأخلصوا لله جهادكم، وتوجهوا إلى الله بعملكم. فإن هذا يوم له ما بعده، فلا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبئة وأنتم على تساند وانتشار، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، وإن مَن وراءكم لو يعلم علْمَكُم حال بينكم وبين هذا. فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه هو الرأي من واليكم. قالوا: فما الرأي؟ قال: إن الذي أنتم عليه أشد على المسلمين مما غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم. ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم والله، فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن علينا بعضنا اليوم، وبعضنا غداً، والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم، ودعوني اليوم عليكم. قالوا: نعم. فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم، فكان الفتح على يد خالد. وجاءه البريد يومئذ بموت

стр. 81

أبي بكر وخلافة عمر وتأمير أبي عبيدة على الشام كله وعزل خالد، فأخذ الكتاب منه وتركه في كنانته ووكل به من يمنعه أن يخبر الناس من الأمر لئلا يضعفوا. وهزم الروم وقتل منهم على الواقوصة ما يزيد على مائة ألف ثم دخل على أبي عبيدة وسلم عليه بالإمارة، وكانت من أعظم فتوح المسلمين وباب ما جاء بعدها من الفتوح، لأن الروم كانوا قد بلغوا في الاحتشاد فلما كُسروا ضعفوا ودخلتهم هيبة. وفي كتاب أبي حذيفة أن المسلمين أوقعوا بالروم يوماً باليرموك فشد خالد في سرعان الناس وشدّ المسلمون معه يقتلون كل قتلة، فركب بعضهم بعضاً حتى انتهى إلى أعلى مكان مشرف على أهوية فأخذوا يتساقطون فيها وهم لا يبصرون. وهو يوم ذو ضباب - وفي رواية ثارت فيه الرياح الهوج - وقيل: كان ذلك بالليل وكان آخرهم لا يعلم بما صار إليه الذي قبله حتى سقط فيها ثمانون ألفاً فما أحصوا إلا بالقضيب، وسميت هذه الأهوية بالواقوصة من يومئذ لأنهم واقصوا فيها أي اقتربوا، فلما أصبح المسلمون ولم يروا أعداءهم ظنوا أنهم قد كمنوا لهم حتى أخبروا بأمرهم. وقال سعيد بن بطريق: بلغ ماهان قائد الروم أن العرب قد خرجوا من طبرية يريدون دمشق، فجمع عسكره وخرج منها وسار يومين حتى نزل على وادٍ كبير يقال له وادي الرماد، ويقال للموضع الجولان ويعرف بالياقوصة، وصير الوادي بينه وبين العرب شبيه الخندق وأقاموا أياماً والعرب بحذائهم. وبعد أيام خرج منصور العامل من دمشق يريد عسكر ماهان ومعه مال قد جباه من دمشق بالمشاعل، فلما قربوا من العسكر ضربوا وبوّقوا وصاحوا، وكان ذلك من منصور مكيدة، فلما نظر الروم إلى المشاعل

стр. 82

خلفهم وسمعوا صوت الطبول والبوقات، توهموا أن العرب قد جاءوهم من خلفهم وكبسوهم فوقعت فيهم الهزيمة فسقطوا كلهم في ذلك الوادي أعني وادي الرماد، وهو وادٍ عظيم كبير فماتوا ولم يتخلص منهم إلا نفر قليل، ومنهم من هرب إلى مواضع شتى، ومنهم من تراجع إلى دمشق، ومنهم من هرب إلى بيت المقدس، ومنهم من هرب إلى قيسارية اه. وشهد اليرموك ألف صحابي منهم نحو من مائة من أهل بدر، وتهافت في الواقوصة من الروم عشرون ومائة ألف، ثمانون ألف مقرّن وأربعون ألف مطلق سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل. ويقول الطبري: إن قتلى اليرموك من الروم سبعون ألفاً، وزعم بعض المؤرخين أن جيش الروم تكامل يوم اليرموك أربعمائة ألف. فتح فِحل وأجْنَادين وَبيْسان: ذكروا أن أول كتاب كتبه عمر حين ولى أبا عبيدة الشام: أُصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق عليك. لا تقدم المسلمين إلى هَلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلاً قبل أن تسْتَرِيده لهم وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سريَّة إلا في كَثْف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة، وقد ابتلاك الله بي وابتلاني بك، فغمضّ بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، إياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيتَ مصارعهم اه. توفي أبو بكر الصديق قبل فتح اليرموك بعشر ليال وبعد أن أصيبت الروم بالهزيمة القاطعة على اليرموك، كانت وقعة فحل من الأردن بعد خلافة عمر بن الخطاب بخمسة أشهر، ولما انتصر المسلمون على اليرموك كان هرقل في البيت المقدس، جاءها للاحتفال بتخليص الصليب الذي استرده قبل ذلك

стр. 83

فصار إلى إنطاكية واستنفر الروم وأهل الجزيرة وبعث عليهم رجالاً من خاصته وثقاته فلقوا المسلمين بفحل فقاتلوهم أشد قتال وأبرحه حتى ظهروا عليهم، وقُتل بطريقهم وزهاء عشرة آلاف معه وتفرق الباقون في مدن الشام ولحق بعضهم بهرقل. ولما سار المسلمون بعد أن فرغوا من أجنادين إلى فحل نزلت الروم بَيْسان فبثقوا أنهارها وفي أرض سبخة فكانت وحلاً، ونزلوا فحل وَبيْسان، فلما غشيها المسلمون ولم يعلموا بما صنعت الروم وِحلَت خيولهم، ولقوا فيها عناء ثم سلموا. وسميت بيسان ذات الردغة لما لقي المسلمون فيها، ثم نهضوا إلى الروم وهم بفحل فاقتتلوا فهزمت الروم ودخل المسلمون فحل ولحقت رافضة الروم بدمشق، فكانت وقعة فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة. قال الطبري: كان الروم في فحل بعد أن رحلت حيارى لا يعرفون مأخذهم، فأسلمتهم هزيمتهم وصيرتهم إلى الوحل فركبوه ولحق أوائل المسلمين بهم وقد وحلوا فركبوهم وما يمنعون يد لامس فوخزوهم بالرماح، فكانت الهزيمة في فحل، وكان مقتلهم في الرَّداغ فأصيب الثمانون ألفاً لم يفلت منهم إلا الشريد. وكان الله يصنع للمسلمين وهم كارهون: كرهوا البثوق فكانت عوناً لهم على عدوهم، وأناة من الله ليزدادوا بصيرة وجداً. الأردن وفلسطين وجبل اللكام: افتتح شُرَحْبيل بن حَسنَة الأردن عَنوة ما خلا طبرية فإن أهلها صالحوه على أنصاف منازلهم وكنائسهم، وفتحت جميع مدن الأردن وحصونها على مثل صلح طبرية فتحاً يسيراً بغير قتال، ففتح بيسان وسوسية وأفيق وجرش وبيت رأس وقَدَس والجولان، وغلب على سواد الأردن وجميع أرضها وعلى صفورية وعكا وصور، وبفتح هذين الثغرين من الساحل

стр. 84

انقطع ما بين الروم في إيلياء وبين خط رجعتهم من البر مع إنطاكية وما وراءها من الدروب. وصالح أبو عبيدة السامرة بالأردن وكانوا عيوناً وأدلاء للمسلمين، كما صالح الجراجمة في جبل اللُّكام بين بياس وبوقا على أن يكونوا أعواناً للمسلمين وعيوناً ومسالح في جبل اللُّكام، وفتح عمرو ابن العاص غزة ثم سَبَسْطِية ونابلس ولدّ ويُبنى وعَمَواس وبيت جبرين ويافا ورفح، وظلت القدس وقيسارَية محاصرتين، ولم تفتح القدس إلا سنة خمس عشرة أي بعد فتح دمشق بسنة ونيف، وطلب أهله من أبي عبيدة أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب، فكتب إليه بذلك فسار عن المدينة وخرج صفرونيوس بطريق بيت المقدس إلى عمر بن الخطاب فأعطاه عمر أماناً وكتب لكل كورة كتاباً واحداً ما خلا أهل إيلياء. وهذا نص عهد أهل إيلياء: بِسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقض منها ولا من حيّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت اللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله، فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية. شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية ابن أبي سفيان وكتب وحضر سنة ١٥.

стр. 85

وكتب عمر إلى أهل لدّ ومن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين مثل شروط أهل إيلياء. واختلف القوم في صلح بيت المقدس فقالوا صالح اليهود وقالوا النصارى، والمجمع عليه أنه صالح النصارى. وفي كتاب عمر صراحة في ذلك. واشترط فيه إخراج الروم الذين ليسوا من أبناء القطر الأصليين. وأتاه جبلة بن الأيهم رأس بني غسان وكان هذا أسلم ثم ارتد وقاتل المسلمين مع الروم فقال له: تأخذ مني الصدقة كما تصنع العرب قال: بل الجزية وإلا فالحق بمن هو على دينك. فخرج في ثلاثين ألفاً من قومه حتى لحق بأرض الروم، وندم عمر على ما كان منه في أمره. فتح دمشق والأحكام العسكرية: كتب عمر إلى أبي عبيدة وكان كتب اليه في أمر الشام: أما بعد فابدءوا بدمشق وانهدوا لها فإنها حصن الشام وبيت ملكهم. وبعد أن تم للمسلمين ما أرادوا من هزيمة الروم على اليرموك جمعت الروم جمعاً عظيماً وأمدهم هرقل بمدد فلقيهم المسلمون بمرج الصفّر بين دمشق والجولان وهم متوجهون إلى دمشق، وذلك لهلال المحرم سنة ١٠ فاقتتلوا قتالاً شديداً وجرح من المسلمين زهاء أربعة آلاف، وولى الروم مفلولين لا يلوون على شيء حتى أتوا دمشق وبيت المقدس. ولما فرغ المسلمون من قتال من اجتمع لهم بالمرح رجعوا إلى مدينة دمشق فأخذوا الغوطة وكنائسها عنوة، ونازلوا دمشق وحاصروها من الباب الشرقي وباب توما وباب الفراديس وباب الجابية والباب الصغير وفتح نصفها عنوة والنصف الآخر صلحاً، فأجراها عمر كلها صلحاً. وكتب أهل دمشق كتاباً لأبي عبيدة هو هذا: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب لأبي عبيدة بن الجراح ممن أقام بدمشق وأرضها وأرض الشام من الأعاجم، إنك حين قدمت بلادنا سألناك الأمان على أنفسنا وأهل ملتنا، وإنا اشترطنا لك أن لا نحدث في مدينة دمشق ولا فيما حولها كنيسة ولا ديراً ولا قلاية ولا صومعة

стр. 86

راهب، ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا شيئاً منها مما كان في خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وأبناء السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوساً، ولا نكتم على من غش المسلمين، وعلى أن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفيفاً في جوف كنائسنا، ولا نظهر الصليب عليها، ولا نرفع أصواتنا في صلاتنا وقراءتنا في كنائسنا، ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا ولا نخرج باعوثاً ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا بموتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، ولا نجاورهم بالخنازير ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركاً في نادي المسلمين، ولا نرغب مسلماً في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً وعلى أن لا نتخذ شيئاً من الرقيق الذي جرت عليه سهام المسلمين، ولا نمنع أحداً من قرابتنا إن أرادوا الدخول في الإسلام، وأن نلزم ديننا حيثما كنا ولا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نتسمى بأسمائهم وأن نجز مقادم رؤوسنا ونفرق نواصينا ونشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا ننقش في خواتيمنا بالعربية ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نجعله في بيوتنا ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم ونرشدهم للطريق، ونقوم لهم من المجالس إذا أرادوها، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نشارك أحداً من المسلمين إلا أن يكون للمسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل من أوسط ما نجد، ونطعمه فيها ثلاثة أيام، وعلينا أن لا نشتم مسلماً، ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده. ضمنا ذلك على أنفسنا وذرارينا وأرواحنا ومساكننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما اشترطنا لك وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما حلّ من أهل المعاندة والشقاق. على ذلك أعطينا الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا فأقرونا في بلادكم التي ورثكم الله إياها. شهد الله على ما شرطنا لكم على أنفسنا وكفى به شهيداً. وكتب عمر بن الخطاب على النصارى كتاباً في هذا المعنى أيضاً وهذان

стр. 87

الكتابان هما من قبيل ما يقرره الفاتحون من الأحكام العسكرية أو الإدارة العرفية كما يسمونها اليوم وهي كما لا يخفى تختلف باختلاف الأمم والحالات وليست أصلاً من أصول الدين لا يجوز تبديله. وهذا نص العهد الذي أعطاه خالد بن الوليد قبل أن يعلم بما صار إليه حال المسلمين في الشق الآخر من المدينة مدينة دمشق: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذ دخلها، أعطاهم أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسوله ﷺ والخلفاء والمؤمنين لا يعرض لهم إلا بخير إذا أعطوا الجزية. وذكر الطبري أن أبا عبيدة بن الجراح دخل دمشق في سنة ١٤ فشتى بها، فلما ضاقت الروم سار هرقل بهم حتى نزل إنطاكية ومعه من المستعربة لخم وجذام وبلقين وبلي وعاملة، ومن تلك القبائل من قضاعة وغسان بشر كثير، ومعه من أهل أرمينية مثل ذلك، وبعث الصقلار خصياً له فسار بمائة ألف مقاتل معه، من أهل أرمينية اثنا عشر ألفاً ومعه من المستعربة من غسان وتلك القبائل من قضاعة اثنا عشر ألفاً عليهم جبلة بن الأيهم الغساني وسائرهم من الروم. وسار إليهم المسلمون وهم أربعة وعشرون ألفاً عليهم أبو عبيدة بن الجراح فالتقوا باليرموك في ١٢ رجب سنة ١٥ ٢٠ آب ٦٣٦ فاقتتل الناس قتالاً شديداً. وتدل عبارة الطبري على أن فتح دمشق كان قبل فتح اليرموك والمعقول المعول عليه أن فتح اليرموك كان قبل فتح دمشق. فتح حمص وشيزر والمعرة وبعلبك وصيدا وبيروت وجبيل وعرقة: وبينا المسلمون على حصار دمشق، وقد حوصرت ستة أشهر، أقبلت خيل من عقبة السليمة مخمرة بالحرير فثار إليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا قرب دومة والعقبة التي أقبلوا منها، فهزموهم وطردوهم إلى أبواب حمص، فلما رأى أهل حمص ذلك ظنوا أنهم فتحوا دمشق فقال

стр. 88

لهم أهل حمص: إنا نصالحكم على ما صالحتم عليه أهل دمشق ففعلوا، ولما فرغ أبو عبيدة من دمشق سار إلى حمص فاستقراها وأجرى صلحها على مثل صلح بعلبك، ثم مضى نحو حماة فتلقاه أهلها مذعنين، فمضى نحو شيزر وبلغت خيله الزراعة والقسطل. ومر أبو عبيدة بمعرة النعمان فخرج أهلها يقلسون يلعبون بين يديه ثم أتى فامية قلعة المضيق ففعل أهلها مثل ذلك، وبعث خالد بن الوليد إلى البقاع ففتحه بالسيف، وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون وعلى الروم رجل يقال له سنان تحدر على المسلمين من عقبة بيروت، فقتل منهم يومئذ جماعة من الشهداء، فكانوا يسمون عين ميسنون عين الشهداء. واستخلف أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان شقيق معاوية كما وعده بها الصديق، فسار يزيد إلى صيدا وبيروت وجبيل وعرقة ففتحها فتحاً يسيراً، وبعث يزيد دحية بن خليفة إلى تدمر في سرية ليمهدوا أمرها، وبعث أبا الزهر القشيري إلى البثنية وحوران فصالح أهلهما. قنسرين وحلب وإنطاكية وكور الشمال: وسار أبو عبيدة إلى قنسرين فصالحه أهلها على مثل صلح حمص، وغلب المسلمون على أرضها وقراها، ثم سار إلى حلب وحاصرها ففتحها، وبعث أبو عبيدة بعد فتح حمص خالد بن الوليد إلى قنسرين فلما نزل بالحاضر زحف إليهم الروم وعليهم ميناس، وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل، فالتقوا بالحاضر فقتل ميناس ومن معه مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها. فأما الروم فماتوا على دمه حتى لم يبق منهم أحد، وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالد أنهم عرب، وأنهم إنما حشروا ولم يكن من رأيهم حربه فقبل منهم وتركهم. وسار أبو عبيدة إلى إنطاكية وقد لحق بها خلق من أهل جند قنسرين، فلما صار بمهروبة قريب فرسخين من إنطاكية لقيه جمع للعدو ففضهم وألجأهم إلى المدينة فحاصرها، ثم صالحه أهلها على الجزية والجلاء فجلا بعضهم وأقام بعضهم. ووجه أبو عبيدة ميسرة بن مسروق العبسي إلى

стр. 89

درب بغراس بيلان فلقي جمعاً للروم ومعهم مستعربة من غسان وتنوخ يريدون اللحاق بهرقل فأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة. وبلغ أبا عبيدة أن جمعاً للروم بين معرة مصرين وحلب فلقيهم وقتل عدة بطارقة وفض ذلك الجيش، وفتح معرة مصرين على مثل صلح حلب، وجالت خيوله فبلغت بوقا وفتحت قرى الجومة وسرمين ومرتحوان وتيزين وعزاز وصالحوا أهل دير طبايا ودير الفسيلة؟ على أن يضيفوا من مرّ بهم من المسلمين، وأتاه نصارى خناصرة في سيف البادية فصالحهم، وفتح أبو عبيدة جميع أرض قنسرين وإنطاكية واللاذقية. وورد عبادة بن الصامت السواحل ففتح مدينة تعرف ببلدة على فرسخين من جبلة وانطرطوس ومرقبة وبانياس، ثم صالح أبو عبيدة أهل قورس وبث خيله فغلب على جميع أرض قورس إلى آخر حد نقابلس، وفتح منبج ودلوك ورعبان وعراجين وبالس وقاصرين، وبلغ أبو عبيدة الفرات واشترط على أهل رعبان ودلوك أن يبحثوا عن أخبار الروم ويكاتبوا بها المسلمين. وقعة مرج الروم وقيسارية: وفي سنة خمس عشرة كانت الوقعة بمرج الروم، وكان من ذلك أن أبا عبيدة خرج بخالد بن الوليد من فحل إلى حمص، وانصرف بمن أضيف إليهم من اليرموك فنزلوا جميعا على ذي الكلاع، وقد بلغ الخبر هرقل فبعث تيودرا البطريق حتى نزل بمرج دمشق وغربها، فنزل أبو عبيدة بمرج الروم فنازله يوم نزل عليه شنس الرومي في مثل خيل تيودرا إمدادا ليتودرا وردءا لأهل حمص فنزل في عسكر على حدة، فلما كان من الليل أصبحت الأرض من تيودرا بلاقع، وكان خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء شنس، وأتى خالدا الخبر أن تيودرا قد رحل إلى دمشق فأجمع رأيه ورأي أبي عبيدة أن يتبعه خالد وهم يقتتلون، فأخذهم من خلفهم فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم، فأناموهم ولم يفلت منهم إلا الشريد، فأصاب المسلمون ما شاءوا من ظهر وأداة وثياب. وناهد أبو عبيدة بعد خروج

стр. 90

خالد في إثر تيودرا وشنس وامتلأ المرج من قتلاهم فأنتنت منهم الأرض وهرب من هرب منهم فلم يفلتهم وركب أكتافهم إلى حمص. هكذا تم فتح الشام على هذا الوجه المحكم في ثلاث سنين ولم تعص إلا قيسارية فإن معاوية فتحها سنة ١٩ بعد أن حوصرت نحو سبع سنين، وكان أهلها يزاحفون معاوية وجعلوا لا يزاحفونه مرة إلا هزمهم وردهم إلى حصنهم، ثم زاحفوه آخر ذلك وخرجوا من صياصيهم فاقتتلوا في حفيظة واستماتة فبلغت قتلاهم في المعركة ثمانين ألفا وكملها في هزيمتهم مائة ألف الطبري. وكانت قيسارية من أعيان أمهات المدن قيل كان مقاتلة الروم الذين يرزقون فيها مائة ألف، وسامرتها ثمانون ألفا، ويهودها مائة ألف ياقوت. وكان كتاب عمر إلى معاوية: أما بعد فإني قد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر عليهم وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا، نعم المولى ونعم النصير. ومن المدن التي امتنعت وحوصرت زمنا طويلا مدينة عسقلان، كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية يأمره بتتبع ما بقي من فلسطين ففتح عسقلان سنة ٢٣هـ صلحا بعد كيد. ويقال: إن عمرو بن العاص كان فتحها ثم نقض أهلها وأمدهم الروم، ففتحها معاوية وأسكنها الروابط ووكل بها الحفظة. سر نجاح المسلمين وقتال نسائهم يوم اليرموك: بمثل تلك الجيوش القليلة التي ظهرت على جيوش الروم ومن والاهم فتح العرب هذا القطر العزيز، وكانت قوتهم في معظم الوقائع على نسبة واحد إلى ثلاثة أو أربعة من قوة أعدائهم بعد أن قطعوا بوادي الحجاز والعراق والشام على جمالهم وخيولهم، قليل عتادهم، جليل جهادهم. وساروا في فلوات لا ماء فيها يستقون منه، ولا مراعي يرعون فيها أنعامهم، ولا ميرة يمتارونها، وكل ما لديهم من الماديات قليل ضئيل، ولكن معنوياتهم كانت فوق معنويات من رحلوا إليهم وكان كل فرد من

стр. 91

أفراد جيوشهم يعتقد بأنه إن مات مات شهيدا، وإن عاش عاش سعيدا. أما الروم فكانوا على كثرة جيوشهم، ووفرة أسبابهم من المؤن والذخائر في أرض عامرة هي وما وراءها إلى أرض الروم، والنجدات تأتيهم أرسالا على أيسر سبيل، ومع هذا فقد كثرت هزائمهم وعد قتلاهم بالألوف وقتلى العرب بالمئات، وتركوا أرضا عرفوا معالمها ومجاهلها فلم تغن عنهم كثرتهم ولا وفرة أسبابهم، فقُهروا وغُلبوا على أمرهم، وهاموا على رؤوسهم لا يلويهم شيء، وذلك لأنهم كانوا متفسخين مشتة أهواؤهم، والناس هنا قد يئسوا من عدل الرومان في أواخر أيامهم حتى إنهم لما طلبوا مالا من منصور عامل هرقل بدمشق لاستئجار رجال يحاربون المسلمين نادى بأن ليس لديه مال، ليسمع الناس وييأسوا ويفتح السبيل للمسلمين. وكان هرقل كتب إلى منصور هذا أن يمسك عليه الرجال بالمال فأبى منصور وقال: إن الملك غير محتاج إلى هذا العسكر العظيم، وإن العرب قوم غزاة، وهذا العسكر يحتاج إلى مال كثير وليس بدمشق مال عظيم. قال ابن بطريق: أراد بذلك أن يسمع الرجال أن ليس بدمشق مال يعطيهم فيتفرقوا ويسلَم دمشق إلى المسلمين. ولعل لتأليف جيش الروم، وكان مؤلفا من أجناس وأخلاط دخلا في الهزيمة، وربما كان رجال الدين من الروم في دمشق يوم الفتح العربي مستائين من القواعد التي سنها هرقل ليضع حدا للمنازعات الدينية، ولعلهم عاونوا على تسليم دمشق للعرب أو تركوا المسائل تجري في أعنتها. ولكن من المحقق أن العرب المتنصرة في الشام عادوا بعد أن صاروا مع الروم فانضموا إلى العرب المسلمين وأخذتهم النّعرة الجنسية فغلّبوها على النّعرة الدينية وأصبحوا للمسلمين عيونا على الروم وأن اليهود والسامرة كانوا مع المسلمين الفاتحين. قال هوار: توصل الإمبراطور أن يجمع في حمص ثمانين ألف مقاتل نصفهم من جنده والنصف الآخر من معاونين أرمن، وكانت النجدات تتوالى عليه إلا أن الشقاق الداخلي كان يمزق أحشاء الجيش الروماني، وقد شغب الجنود من الأرمن وطلبوا أن يكون ماهان إمبراطورا قبيل وقعة اليرموك.

стр. 92

لا جرم أن سلاح الروم كان أمضى من سلاح العرب، ونظامهم الظاهري كان أجلى. قال سيديليو: كان جيش الروم يفوق جيش العرب بلباسه، وخبرة ضباطه، ونوع سلاحه، وغنى دور صناعاته ومناعة حصونه، وسهولة المواصلات والتموين عليه. والروم يعرفون الخطط ويمسكون البحر ولهم من ورائهم ولايات مأهولة مخصبة. أما العرب فكانوا جاهلين معدمين ليس لهم شيء من الأسباب المادية، ولا يحسنون من ضروب الحرب غير حروب العصابات على أصول البادية، وقد يعمدون إلى الفرار أحيانا، ويرى جيشهم لأول وهلة كأنه عصابات مجموعة كيفما اتفق: الفرسان وسط المشاة، ومن الجنود من يسترون بعض أجسامهم ومنهم العراة. وسلاح كل واحد كما يحب من قوس إلى حربة أو دبوس وسيف ورمح. قال: ووجه الغرابة أن يضيف العرب إلى المفاداة احترام النظام يضاف إليهما عظمة العواطف، وهم طالما وصموا بأنهم متوحشون ظلما وتعنتا. قلنا: وهكذا كان شأن العرب في سائر فتوحاتهم في آسيا وإفريقيا وأوروبا، كانت معنوياتهم في كل مكان أرقى من معنويات من غلبوهم على أمرهم، ودون ماديات أمم كانت راسخة القدم في أرضها، عزيزة السلطان في ربوعها، وحاجياتها منها على طرف الثُّمام تأتيها بدون تعمل كثير. وكان العرب يتبلغون ودوابهم بميسور العيش. حتى إن خالد بن الوليد لما سار في جيشه من العراق إلى الشام من طريق البرية لتخرج من وراء جموع الروم لأنه كان يرى أنه إذا استقبلها حبسته عن غياث المسلمين، سقى الجمال مرتين لقلة الماء في الطريق، فكلما نزل منزلا نحر وجعل أكراشها على النار وشرب القوم. ومن أعظم العوامل في غلبة المسلمين خوف الهزيمة من الزحف، وكانت الهزيمة أو التخلف عن الجهاد من أعظم العار، بل من الكبائر التي لا يرحم فاعلها. فقد ذكروا أن فلَّ جيش مؤتة لما رجع إلى المدينة جعل الناس يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرَّار فررتم في سبيل الله. فقال النبي ﵊: ليسوا بالفرار ولكنهم الكرّار إن شاء

стр. 93

الله. هذا وكان في جملة أولئك الفرار خالد بن الوليد سيف الله وعن رأيه رجع الجيش. وكان للنساء يد طولى في نصرة العرب. فقد تطوع أبو سفيان بن حرب في حرب الشام وكانت له تجارات وأملاك في الجاهلية، وله قرية في البلقاء اسمها نقنّس. وكان شيخ مكة بل شيخ تجار قريش ورئيسهم، ومن أعظم أهل الرأي والمكانة فيهم، وهو كابنه معاوية من المؤلفة قلوبهم ثم حسن إسلامهما، وقد حارب الرسول كثيرا وقال له الرسول يوم أسلم في فتح مكة سنة ثمان للهجرة: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. وجاء الشام في الإسلام في مشيخة من قريش يحارب تحت راية ابنه يزيد وكان له ولابنيه يزيد ومعاوية بل ولجماعة من أسرته بل للنساء منهن اليد الطولى والكعب المعلى في فتح الشام. ومما قاله أبو سفيان للنساء اللاتي مع المسلمين، وكان كثير من المهاجرات حضرن يومئذ مع أزواجهن وأبنائهن، وقد أجلسهن خلف صفوف المسلمين فأمر بالحجارة فألقيت بين أيديهن: لا يرجع إليكن أحد من المسلمين إلا رميتموه بهذه الحجارة وقلْتُن له: من يرجوكم بعد الفرار عن الإسلام وأهله وعن النساء وهم أمام العدو. ولما حمي الوطيس واستقبل النساء سرعان من انهزم من المسلمين معهن بعمد البيوت أو عمد الفساطيط وأخذن يضربن وجوههم ويرمين بالحجارة ويقلن: أين عز الإسلام والأمهات والأزواج. ولقد قاتل بعض النساء بالفعل يوم اليرموك مثل جويرية ابنة أبي سفيان وكانت مع زوجها. قال البلاذري: وقاتل يوم اليرموك نساء المسلمين قتالا شديدا وفيهن هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان. وقال الطبري: وقاتل نساء من نساء قريش يوم اليرموك بالسيوف حتى سابقن الرجال منهن أم حكيم بنت الحارث بن هشام. وصف رومي العرب، وكان أسيرا في أيديهم فأفلت، وسأله هرقل عنهم فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم، فقال: أحدثك كأنك تنظر إليهم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن،

стр. 94

ولا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربهم حتى يأتوا عليه. فقال: لئن كنت صدقتني ليرثن ما تحت قدمي هاتين. ولما انتصر المسلمون بفِحل وقدم المنهزمون من الروم على هرقل بإنطاكية دعا رجالاً منهم فأدخلهم عليه فقال: حدثوني ويحكم عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أو هم؟ قالوا: بل نحن. قال: فما بالكم؟ فسكتوا، فقام شيخ منهم وقال: ألا أُخبرك إنهم إذا حملوا صبروا ولم يكذبوا، وإذا حملنا لم نصبر ونكذب، وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويرون أن قتلاهم في الجنة وأحياءهم فائزون بالغنيمة والأجر. فقال: يا شيخ لقد صدقتني ولأخرجن من هذه القرية ومالي في صحبتكم من حاجة، ولا في قتال اليوم من أرب. فقال ذلك الشيخ: أنشدك الله أن تدع سورية جنة الدنيا للعرب وتخرج منها ولم تعذر. وما زال به حتى ثناه إلى المقام وأرسل إلى رومية وقسطنطينية وأرمينية وجمع الجيوش وقاتل العرب. وبعث أخو ملك الروم لما تراءى العسكران في اليرموك رجلاً عربياً من قضاعة وقال له: ادخل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يوماً وليلة ثم ائتني بخبرهم فدخل في الناس رجل عربي لا ينكر فأقام فيهم ثم أتاه فقال: ما وراءك قال: هم رهبان بالليل فرسان بالنهار، لو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجموه إقامة للحد. فقال صاحب جيش الروم: لئن كنت صادقاً لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها. ومما أعانهم على تأييد سلطانهم تسامحهم مع أهل الذمة وحمايتهم لهم؛ فكانوا كأنهم بين أهلهم وعشيرتهم، لا يرهبون من وراءهم كما أنهم لم يرهبوا من أمامهم. روى البلاذرى أن هرقل لما جمع للمسلمين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: قد شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغَشْم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم

стр. 95

ونهض اليهود فقالوا: والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نُغلب ونجهد. قال غستاف لبون: لما دخلت العرب الشام كانت رومانية منذ نحو سبعمائة سنة، فأبانوا عن تسامح مع كل مدن الشام ولذلك رضي السكان بسلطتهم مختارين، وانتهت بهم الحال أن اطرحوا النصرانية وقبلوا دين الفاتحين وتعلموا لسانهم. وقال دي توري: إن الخطر الذي اندفع عن الشام من جهة الفرس على يد الإمبراطور هرقل عاد فداهمها من جهة جزيرة العرب، ولكنه خطر كانت فيه سلامتها من الانحلال والاضمحلال، وذلك أن العرب هاجمتها وقد أصبح العرب أمة برسولهم فزعزعوا أركان المملكة الرومانية. وفي سنة ٦٣٦ فتحت دمشق وبعد سنتين فتحت القدس ولم تدخل سنة ٦٣٩ حتى فتح الشام كله، وساد فيه السلام بدل الخصام، فمن آمن عصم دمه وماله، ومن لم يؤمن دفع الجزية واعتصم في الجبال فتركه الفاتحون وشأنه اه. وداع صاحب الروم وآخر سهم في كنانتهم: لما دخل اليأس على هرقل من الشام سار عنه إلى القسطنطينية من الرُّها فالتفت إلى الشام عند مسيره وهو على نَشَز وقال: السلام عليك يا سُورِيَة سلام لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي بعدها إلا خائفاً حتى يولد الولد المشؤوم وليته لم يولد فما أجل نفعه وأمرَّ فتنته على الروم. ولم يفسر المؤرخون الذين نقلوا عبارة هرقل هذه معنى الولد المشؤوم وقيل: إنه قال باليونانية سوزه سورية أي كوني بسلام. وقد أخذ هرقل أهل الحصون التي بين الإسكندرونة وطرسوس معه لئلا يسير المسلمون في عمارة ما بين إنطاكية وأرض الروم، وشعث الحصون فكان المسلمون لا يجدون بها أحداً. وفي سنة ١٧ قصدت الروم أبا عبيدة بحمص فضم أبو عبيدة إليه مسالحه وعسكروا بفناء حمص، وأقبل خالد من قنسرين حتى انضم إليهم فيمن انضم من أمراء المسالح، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بخروج الروم عليه

стр. 96

وشغلهم أجناد الشام عنه، وقد كان عمر اتخذ في كل مصر على قدره خيولاً من فضول أموال المسلمين عدةً لكون إن كان. فكان بالكوفة أربعة آلاف فرس، فلما وقع الخبر لعمر كتب بأن يسرح الجند منها إلى الشام مدداً لأبي عبيدة. ولما أحيط بالمسلمين جمع أبو عبيدة الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إن هذا يوم له ما بعده أما من حيي منكم فإنه يصفو له ملكه وقراره، وأما من مات منكم فإنها الشهادة. فأحسنوا بالله الظن ولا يُكرِّهن إليكم الموت أمر اقترفه أحدكم دون الشرك، توبوا إلى الله وتعرضوا للشهادة فإني أشهد، وليس أوان الكذب، أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. وكأنما كان في الناس عقل تنشطت، فخرج بهم وخالد على الميمنة وعباس على الميسرة وأبو عبيدة في القلب وعلى باب المدينة معاذ بن جبل فاجتلدوا بها، فإنهم كذلك إذ قدم القعقاع متعجلا في مائة وانهزم أهل قنسرين بالروم، فاجتمع القلب والميمنة على قلبهم، وقد انكسر أحد جناحيه وأوعبوا المدد، فما أفلت منهم مخبر، وذهبت الميسرة على وجهها، وكان آخر من أصيب منهم بمرج الديباج انتهوا إليه فكسروا سلاحهم وألقوا يلامقهم تخفيفا فأصيبوا وتغنموا. ولما ظفر المسلمون جمعهم أبو عبيدة فخطبهم وقال: لا تتكلوا ولا تزهدوا في الدرجات فلو علمت أنه يبقى منا أحد لم أحدثكم بهذا الحديث. منزلة أبي عبيدة وبعد نظر عمر: توفي أبو عبيدة في طاعون عمواس سنة ١٩ وكان من أعماله في الشام وعدله ما حببه إلى الروم حتى إنهم لما فتحوا له باب الجابية بدمشق سنة أربع عشرة للهجرة ودخل خالد بن الوليد من الباب الشرقي عنوة، قال خالد لأبي عبيدة: اسبهم فإني دخلت وشرحبيل بن حسنة عنوة، فأبى أبو عبيدة. ولذلك كان الروم يميلون إلى أبي عبيدة دون خالد

стр. 97

ابن الوليد. ولما طعن أبو عبيدة بالأردن دعا من حضره من المسلمين فقال: إني موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا وحجوا واعتمروا، وتواصوا، وانصحوا لأمرائكم، ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرأ لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله تعالى كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، وأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده والسلام عليكم ورحمة الله. يا معاذ ابن جبل صلِّ بالناس ومات ﵁. وكان عهد بولاية دمشق لسعيد العدوي وسويد الفهري وكلهم من الصحابة الكرام. وكان عياض ابن غنم مع ابن عمه أبي عبيدة بن الجراح في الشام، فلما توفي أبو عبيدة استخلفه بالشام فأقره عمر بن الخطاب وقال: لا أغير أميرا أمَّره أبو عبيدة. ولما ولى أبو عبيدة معاذا قام هذا في الناس فقال: أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحا، فإن عبدا لا يلقى الله تعالى إلا تائبا من ذنبه إلا كان حقا على الله أن يغفر له، من كان عليه دين فليقضه، فإن العبد مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مهاجرا أخاه فليلقه فليصالحه، ولا ينبغي لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، والخطب العظيم أنكم أيها المسلمون قد فجعتم برجل ما أزعم أني رأيت عبدا أبر صدرا، وأبعد من الغائلة، ولا أشد حبا للعامة، ولا أنصح للعامة منه، فترحموا عليه رحمه الله تعالى، واحضروا الصلاة عليه. وأقام معاذ على إمرته ولم تطل مدته حتى مات في طاعون عمواس في هذه السنة واستخلف معاذ عمرو بن العاص. ولما قدم عمر إلى الشام بالجابية أمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، وبقي الشام ليزيد بن أبي سفيان، ولم يطل أمد ولايته طويلا حتى هلك في طاعون عمواس أيضا. وعمواس من الرملة على أربعة أميال مما يلي بيت المقدس. والطاعون الذي عرفت به مات به خمسة وعشرون ألفا وطمع العدو في الشام بسببه. وأبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة كان عظيما بإخلاصه للإسلام،

стр. 98

عظيما بنفسه وعدله وشجاعته، والشام مدين لفضله بفتحه وتمهيد أموره. ذكر أهل الأخبار عن عائشة أنها قالت: سمعت أبا بكر يقول: لما كان يوم أحد ورمي رسول الله في وجهه حتى دخلت في وجنتيه حلقتان من المغفر فأقبلت أسعى إلى رسول الله وإنسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا فقلت: اللهم اجعله طاعة حتى توافينا إلى رسول الله، فإذا أبو عبيدة ابن الجراح قد بدرني فقال: أسألك بالله يا أبا بكر ألا تركتني فأنزعه من وجنة رسول الله قال أبو بكر: فتركته فأخذ أبو عبيدة بثنيته إحدى حلقتي المغفر فنزعها وسقط على ظهره وسقطت ثنية أبي عبيدة، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت، فكان أبو عبيدة في الناس أثرم. هذا مثال من قوة نفس أبي عبيدة وحبه لرسول الله. شهد أبو عبيدة واسمه عامر بن عبد الله بدراً وأُحداً وثبت يوم أُحد مع الرسول حين انهزم الناس وولوا، وشهد الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله وكان من علية أصحابه. طلب أهل نجران من الرسول أن يبعث معهم رجلاً أميناً. قال: لأبعثن إليكم رجلاً أمينا حقَّ أمين حقَّ أمين حقَّ أمين قالها ثلاثاً: فبعث أبا عبيدة. قال أبو عبيدة وهو أَمير على الشام: يا أَيها الناس إني امرؤ من قريش وما منكم من أحد أحمرَ ولا أسودَ يفضلني بتقوى إلا وددت أني في مسلاخه. قال عمر بن الخطاب لجلسائه: تمنوا فتمنوا فقال عمر بن الخطاب: لكني أتمنى بيتاً ممتلئا رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح قال سفيان فقال له رجل: وما ألوت الإسلام فقال: ذاك الذي أردت. وقال عمر بن الخطاب: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح لاستخلفته وما شاورت، فإن سئلت عنه قلت: استخلفت أمين الله وأمين رسوله، وفي رواية لو سألني عنه ربي لقلت سمعت نبيك يقول: هو أمين هذه الأمة، وقال عمر: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولاً، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني. أما عمالهم فلا يرفعونها وأما هم فلا يصلون إليَّ، فأسير إلى الشام فأقيم شهرين وبالجزيرة شهرين وبمصر

стр. 99

شهرين وبالبحرين شهرين وبالكوفة شهرين وبالبصرة شهرين. وكان عماله على مثاله من العدل والزهد وحب الحق. قالوا: إنه ولى سعيد بن عامر ابن حذيم حمص وكان لا يقبض رزقه وعطاءه، ولما قدم عمر حمص أمر أن يكتبوا له فقراءهم فرفع الكتاب إليه فإذا فيه سعيد بن عامر، فبكى عمر ثم عدّ ألف دينار فصرّها وبعث بها إليه فبكى سعيد وانتحب ثم اعترض جيشا من جيوش المسلمين فأعطاهم إياها، ولامته زوجته على عمله وقالت: لو كنت حبست منها شيئا نستعين به فلم يلتفت إلى قولها. بمثل هؤلاء النوابغ المخلصين فتحت الأمصار وتمهدت، ودخل الناس في الإسلام أفواجا. وبمثل هذه الأمانة والعدل والإحسان استمال العرب القلوب فأصبح أعداؤهم أولياءهم، بعد أن شاهدوا عيانا ما انطوت عليه تلك النفوس الكبيرة. قالوا: إن الأقطار الحارة ضنينة بالنوابغ العاملين فأكذب العرب في هذا المثال من فتوحهم ذاك النظر بمن أخرجوا من رجالاتهم الذين أدهشوا، على قلتهم وفقرهم، العالم المعروف إذ ذاك بشجاعتهم وصبرهم، وقناعتهم وإخلاصهم، وتوجيه قوى الصغير والكبير منهم إلى مقصد واحد، أي إنهم كانوا موحّدين في عقائدهم، موحّدين في مقاصدهم، وهذا غريب من نصف أميين ليس لهم في المدينة قدم راسخة.

стр. 100

الدولة الأموية من سنة ١٨ إلى ١٧٧ إمارة معاوية بن أبي سفيان: لما هلك يزيد بن أبي سفيان والي دمشق سنة ١٨ ولى عمر بن الخطاب أخاه معاوية بن أبي سفيان فلم يزل واليا لعمر حتى قُتل عمر، ثم ولاه عثمان بن عفان وأقرّ عمال عمر على الشام، فلما مات عبد الرحمن بن علقمة الكناني وكان على فلسطين ضم عمله إلى معاوية. وكان عمير بن سعيد الأنصاري في سنة ٢١ على دمشق والبثينة وحوران وحمص وقنسرين والجزيرة، ومعاوية على البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وإنطاكية ومعرة مصرين وقليقية، ثم جعل عمير في سنة ٢٣ على حمص ومعاوية على دمشق، ثم تولى عمير بن سعيد حمص وقنسرين، وعلقمة بن مجزّز فلسطين، وعمير بن سعيد هو الذي قال على منبر حمص: ألا إن الإسلام حائط منيع وباب وثيق، فحائط الإسلام العدل وبابه الحق، فإذا نقض الحائط وحطم الباب استفتح الإسلام، فلا يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان وليس شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذا بالعدل. اجتمع الشام على معاوية لسنتين من إمارة عثمان، أي في السنة الخامسة والعشرين للهجرة أضاف عثمان إلى معاوية حمص وحماة وقنسرين والعواصم وفلسطين مع دمشق ورزقه ألف دينار كل شهر. وبعث معاوية عمرو بن العاص إلى مصر ومعه أهل دمشق عليهم يزيد

стр. 101

ابن أسد البجلي، وعلى أهل فلسطين رجل من خثعم، ومعاوية بن حديج على الخارجة، وأبو الأعور السُّلمى على أهل الأردن، فساروا حتى قدموا مصر فاقتتلوا بالمسناة وعلى أهل مصر محمد بن أبي بكر فهزم أهل مصر بعد قتل في الفريقين جميعا، قال عمرو: شهدت أربعة وعشرين زحفا فلم أر كيوم المسناة ولم أر الأبطال إلا يومئذ. فلما هزم أهل مصر تغيب محمد بن أبي بكر فأخبر معاوية بن حديج بمكانه فمشى إليه فقتله. ومن الأحداث مع الروم غزوة معاوية بن أبي سفيان سنة ٢١ وصلح أبي هاشم ابن عتبة على قليقية وإنطاكية ومعرة مصرين. وجاشت الروم ٢٤ حتى استمد من بالشام من جيوش المسلمين من عثمان مددا فأمدهم بثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة، فدخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم وشنوا الغارات فأصاب الناس ما شاءوا من سبي وملئوا أيديهم من المغنم وافتتحوا بها حصونا كثيرة، وغزا قبرس ٢٨ فصالحه أهلها على جزية سبعة آلاف دينار كل سنة. وخرج أهل الشام ٣١ وعليهم معاوية وعلى البحر عبد الله بن سعيد، وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب المسلمون منهم بإفريقية في جمع لم يجتمع للروم مثله قط مذ كان الإسلام فخرجوا في خمس مائة مركب، فربط المسلمون سفنهم بعضها إلى بعض حتى كان يضرب بعضهم بعضا على سفن المسلمين وسفن الروم وقاتلوهم أشد قتال، ووثبت الرجال على الرجال يضطربون بالسيوف على السفن ويتواجأون بالخناجر حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج، وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاما. ثم انتصر المسلمون وانهزم قسطنطين مدبرا فما انكشف إلا لما أصابه من القتل والجرح. وافتتح معاوية جزيرة أرواد في السنة الثالثة لعثمان وهدم سورها وأحرقها وجلا أهلها إلى الشام. ووجه ملك الروم إلى معاوية يسأله الصلح، فأجاب إليه على أن يكون عنده من أهل بيته رهائن. وفي السنة الثامنة لعثمان وجه معاوية بجيوش إلى جزيرة رودس فأخذوها ورتبوا بها المسالح وجعلوها منظرة للعرب. وفي السنة الثالثة لمعاوية كانت غزوة بسر بن أرطاة الروم دفعة ثانية وسبى بها وهزمت الروم حتى بلغت القسطنطينية، وفي سنة ٤٨

стр. 102

سير معاوية جيشا كثيفا إلى القسطنطينية مع سفيان بن عوف، وتوفي في مدة الحصار أبو أيوب الأنصاري ودفن بالقرب من سورها. وفي سنة ثلاث عشرة لمعاوية غزا بسر بن أرطاة الروم فقتل وأخرج معه سبيا كثيرا. وفي السنة الرابعة عشرة لمعاوية غزت العرب الروم في البحر وصاروا إلى لوقية فخرج إليهم ثلاثة بطارقة فقتل الروم من العرب ثلاثين ألفا ومن بقي منهم ركب البحر، فلما توسطوه لحقهم بعض الروم في سفينة فألقى النار في سفن فاحترقت كلها وفازت الروم وهم أول من أخرج النار وصارت لهم عادة. وفي السنة السابعة عشرة ركب الروم السفن وأقبلوا فيها في البحر حتى أتوا ساحل صور وصيدا ثم خرجوا من السفن واستولوا على جبل لبنان، وكان الناس يسمونهم الجراجمة وانتشروا من جبل الجليل إلى الجبل الأسود، وذلك أن قسطنطين دسهم ليشغلوا العرب عن الغزو. ولم يكد معاوية يتولى الأمر بالشام حتى أخذ بما أوتيه من عقل وحلم يضع أساس الملك ويسير في رعيته سيرة حسنة حببته إليهم، وكان يتأنى الأمور ويداري الناس على منازلهم، ويرفق بهم على طبقاتهم، فأوسع الناس من أخلاقه، وأفاض عليهم من بره وعطائه، وشملهم من إحسانه، فاجتذب القلوب واستدعى النفوس، حتى آثروه على الأهل والقرابات وعدّ مربي دول وسائس أمم وداعي ممالك. إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس ولطالما أفضل على أشراف قريش مثل عبد الله بن العباس وعبد الله ابن الزبير وعبد الله بن جعفر الطيار وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبان بن عثمان وناس من آل أبي طالب يفدون عليه بدمشق فيكرم مثواهم، ومنهم عقيل بن أبي طالب شقيق علي بن أبي طالب قدم على معاوية بالشام فأمر له معاوية بثلاثمائة ألف دينار وقال له: هذه مائة ألف تقضي بها ديونك ومائة ألف تصل بها رحمك ومائة ألف توسع بها على نفسك. وكان عقيل قدم من قبل على أخيه في الكوفة فشكا له الضائقة فوعده بأن يعطيه عطاءه إذا خرج فقال عقيل: وإنما شخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك وماذا يبلغ مني عطاؤك وما يدفع من

стр. 103

حاجتي؟ وكان معاوية مدة حكمه في الشام أميرا نحو عشرين سنة، وخليفة مثلها يعمد إلى المال فينفقه إذا رأى هناك مصلحة، وما ينحسم بالمال وحسن التدبير لا يحله بإهراق الدماء إلا بعد الإضطرار الشديد. مقتل عثمان بن عفان: وبينا كان معاوية في الشام مستقلا بعض الاستقلال بعيدا عن كل شغب أخذ الناس ينقمون في الحجاز وغيره على عثمان لست سنين من خلافته وتكلم فيه من تكلم. فاجتمع ناس من أصحاب النبي ﵊ كتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان سنة رسول الله وسنة صاحبيه، وما كان من هبته خمس إفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين، وما كان من تطاوله في البنيان حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة دارا لنائلة ودارا لعائشة وغيرهما من أهله وبناته، وبنيان مروان القصور بذي خشب وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ورسوله، وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأمور. هذه خلاصة دعواهم عليه وقد دفع عن نفسه كل ذلك فما اقتنعوا ولا كفوا عن النيل منه. وما زال عثمان على شيخوخته مغلوبا لمروان وبني أمية وأهم ما عدوا عليه توسيده الأمور لهم، حتى قتل في المدينة وتولى الخلافة علي بن أبي طالب. وكان معاوية على مثل اليقين من أن عليا لا يقره على الشام فكان كما ظن، وهنا ظهر نبوغ معاوية السياسي حتى بلغ ما أراد وقسم الأمة شطرين له وعليه وكانت كفته الراجحة. ولما بعث علي عماله على الأمصار كان من جملة من بعث سهل بن حنيف إلى الشام، فأما سهل فإنه لما انتهى إلى تبوك وهي تخوم أرض الشام استقبلته خيول لمعاوية فردوه فانصرف إلى علي فعلم علي عند ذلك أن معاوية قد خالف وأن أهل الشام بايعوه. واختلفت الآراء في تبعة معاوية من مقتل عثمان فقال فريق: إن عثمان كتب إلى معاوية: إن أهل المدينة قد كفروا وخلعوا الطاعة ونكثوا البيعة

стр. 104

فابعث إليَّ من قبلك من مقاتلة أهل الشام على كل صعب وذلول. فتربص به معاوية وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله وقد علم اجتماعهم فأبطأ أمره على عثمان حتى قتل فيما قيل. آمال علي بن أبي طالب في الخلافة: ولم يتخلف معاوية عن مبايعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقط، بل قام يطالب بدم عثمان ويتهم عليا بقتله لأن علياً كان يحتج على الصحابة منذ يوم البيعة لأبي بكر ويقول: أنا أجدر بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي حتى قال له أبو عبيدة بن الجراح: يا ابن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالاً واضطلاعاً فسلّم لأبي بكر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك. وقد وقعت لعلي تأوهات في المطالبة بالخلافة وأنه بُغي عليه في ذلك وغمط حقه في عهد الثلاثة الخلفاء، ولذلك كان في تساهله بالدفاع عن عثمان وجه عند بعضهم على حين ثبت أن علياً قًرّع عثمان على التفريط وأنذره بأن عاقبته تكون القتل بقوله: أُحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة. وذكر ابن حزم أن امتناع معاوية من بيعة عليّ كامتناع علي من بيعة أبي بكر، فما حارب أبو بكر ولا أكرهه وأبو بكرّ أقدر على عليّ من عليّ على معاوية، ومعاوية في تأخره عن بيعة عليّ أعذر وأفسح مغاراً من عليّ في تأخره عن بيعة أبي بكر، لأن عليلً لم يمتنع من بيعة أبي بكر أحد من المسلمين غيره بعد أن بايعه الأنصار والزبير، وأما بيعة علي فإن جمهور الصحابة تأخروا عنها إما عليه وإما لا له ولا عليه، وما تابعهم فيه إلا الأقل سوى أزيد من مائة ألف مسلم بالشام والعراق ومصر والحجاز كلهم امتنع من بيعته، فهل معاوية إلا كواحد من هؤلاء في ذلك؟ إلى أن

стр. 105

قال بشأن البيعة: فصح أن علياً هو صاحب الحق الإمام المفترضة طاعته ومعاوية مخطئ مأجور مجتهد قال: ولم يقاتل عليٌّ معاوية لامتناعه من بيعته لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر وغيره ولكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته، فعليّ المصيب في هذا ولم ينكر معاوية قط فضل عليّ واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أداه إلى رأي تقديم أخذ القَوَد من قتلة عثمان ﵁ على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه عن ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك. اتفاق معاوية وعمرو بن العاص على المطالبة بدم عثمان: اغتنم معاوية هذه الفرصة السانحة في مقتل عثمان ليعيد الأمر إلى بني أُمية ويصبحوا أمراء في الإسلام كما كانوا أمراء في الجاهلية. وكان النعمان ابن بشير أتاه إلى دمشق من المدينة بقميص عثمان الذي قتل فيه مخضباً بدمه وبأصابع نائلة زوجته فوضع القميص على منبر دمشق، وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة في أردانه، وتعاهد الرجال من أهل الشام على قتل قتلة عثمان ومن عرض دونهم بشيء أو تفنى أرواحهم، وكان ستون ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان. وكان عمرو بن العاص لما نشب الناس في أمر عثمان في ضيعة له بالسبع من حيز فلسطين قد اعتزل الفتنة، فاستدعاه معاوية يسترشد برأيه ووعده بملك مصر إن هو ظفر بعلي. فارتأى عمرو أن يجلب معاوية شرحبيل بن السمط الكندي رأس أهل الشام، فسار هذا يستقري مدنها مدينة مدينة يحرض الناس على الأخذ بدم عثمان، فأجابه الناس كلهم إلا نفراً من أهل حمص نساكا فإنهم قالوا: نلزم بيوتنا ومساجدنا وأنتم أعلم منا. وذكر المؤرخون أن معاوية قدم بيت المقدس وقدم عليه عمرو بن العاص فبايعه على دم عثمان وكتبا كتاباً بينهما كانت صورته: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما تعاهد عليه معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص

стр. 106

ببيت المقدس بعد قتل عثمان وحمل كل واحد منهما صاحبه الأمانة أن بيننا عهد الله على التناصر والتخالص والتناصح في أمر الله والإسلام، ولا يخذل أحدنا صاحبه بشيء ولا يتخذ من دونه وليجة ولا يحول بيننا ولد ولا والد أبداً ما حيينا فيما استطعنا. وهكذا أخذ معاوية يحرك النفوس ويطالب بثأر عثمان ومما كتب به إلى علي: ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين وخذلت عنه الأنصار فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف وقد أبى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان. فأجابه عليّ: زعمت أنه إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، ولعمري ما كنت إلا رجلاً من المهاجرين أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فيلزمني خطيئته عثمان، ولا قتلت فيلزمني قصاص القاتل. . . وأما قولك تدفع إليك قتلة عثمان، فما أنت وعثمان؟ إنما أنت رجل من بني أُمية وبنو عثمان أولى بعثمان منك. حرب صِفّين: وما برحت الحزازات تشتد بين عليّ ومعاوية يريد الأول أن يبايع له الثاني، ويطالب الثاني بدم عثمان وهو مستقل بالشام، حتى التقيا سنة ٣٧ في صِفِيّن من أرض الشام بجيشيهما وكانت بينهما وقائع سالت فيها الدماء كالأنهار، فقتل من أهل الشام جيش معاوية خمسة وأربعون ألفاً، ومن أهل العراق والحجاز جيش عليّ خمسة وعشرون ألفاً، وكان معاوية في مائة وعشرين ألفاً، وعلي في تسعين ألفاً، وجسّر عليٌّ الجنود حتى قُتل من أبطال الإسلام في تلك المعارك ألوف ولم يكترث بقتلهم وإن علياً لينغمس في القوم فيضرب بسيفه حتى ينثني ثم يخرج متخضباً بالدم حتى يسوى له سيفه ثم يرجع فينغمس فيهم. ويقول الدينوري: كان أهل الشام أيام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كل فريق منهم في الفريق الآخر فلا يعرض أحد لصاحبه، وكانوا يطلبون قتلاهم فيخرجونهم من المعركة ويدفنونهم. وروى ابن سعد قال: اقتتل الناس بصفين قتالاً

стр. 107

شديداً لم يكن في هذه الأمة مثله قط حتى كره أهل الشام وأهل العراق القتال وملوه من طول تبادلهم السيف. فقال عمرو بن العاص وهو يومئذ على القتال لمعاوية: أنت مطيعي فتأمر رجلاً بنشر المصاحف، ثم يقولون: يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن والى ما في فاتحته إلى خاتمته، فإنك إن تفعل ذلك يختلف أهل العراق ولا يزيد ذلك أمر أهل الشام إلا استجماعاً، فأطاعه معاوية ففعل، وأمر عمرو رجالاً من أهل الشام فقرىء المصحف ثم نادى يا أهل العراق ندعوكم إلى القرآن، فاختلف أهل العراق فقالت طائفة: أولسنا على كتاب الله وبيعتنا؟ وقال آخرون كرهوا القتال: أجبنا إلى كتاب الله، فلما رأى علي ﵇ وهنهم وكراهتهم للقتال قارب معاوية فيما يدعوه إليه واختلف بينهم الرسل فقال علي ﵇: قد قبلنا كتاب الله فمن يحكم بكتاب الله بيننا وبينك، قال: تأخذ رجلاً منا نختاره ونأخذ منكم رجلاً تختاره، فاختار معاوية عمرو بن العاص، واختار علي أبا موسى الأشعري. وجرت المهادنة بين علي ومعاوية على وضع الحرب بينهما ويكون لعلي العراق، ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزو، فأقام معاوية بالشام يجبيها وكان ذلك سنة ٤٠. كانت حرب صفّين من أشأم الحروب على الأمة، وهي في أول شبابها، التقى فيها المسلم بالمسلم بالسلاح، واقتتلا قتالاً شديداً، وهلكت من الفريقين نفوس زكية، فيهم الصحابة والقراء والعلماء، ولو لم يشغل بال معاوية بمقتل عثمان ثم بمدافعة عليّ لكان تفرغ للقضاء على الدولة البيزنطية آخر الدهر. خصوصاً وقد كان من أكبر همه أن يغادي الروم القتال ويراوحهم منذ استقل بإمارة الشام. يغزوهم براً وبحراً ويصيب منهم وقلما يصيبون منه، وربما توفق معاوية وآله لولا هذه الغائلة الأهلية إلى استصفاء معظم أقطار الأرض ونشر الدين واللغة فيها، واضطرت حوادث عليّ معاوية أن يهادن صاحب الروم ويرضيه بمال عظيم ريثما يتفرغ له. وقال عمرو بن العاص لمعاوية: كما بدأت الفتنة اكتب إلى قيصر الروم تعلمه أنك ترد عليه جميع من في يديك من أسارى الروم وتسأله المواءمة والمصالحة تجده سريعاً إلى ذلك راضياً بالعفو منك.

стр. 108

صلح الحسن مع معاوية: ومن أهم الأحداث في زمن معاوية قيام الحسن بن علي في العراق عقيب مقتل أبيه علي بن أبي طالب، فسار معاوية إلى الموصل والتقى العسكران، فوجه معاوية إلى قيس بن سعد أمير جيش الحسن يبذل له ألف ألف درهم على أن يصير معه أو ينصرف فأبى، ويقال: إنه أرسل إلى عبد الله بن عباس وبذل له مثل هذا المال فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه وهم من شيعة الحسن، وأقام قيس على محاربته حتى اضطر الحسن إلى صلح معاوية بعد أن رأى أصحابه تفرقوا عنه وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وقد سالمت معاوية وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. يقول الدينوري: لما رأى الحسن من أصحابه الفشل أرسل إلى عبد الله ابن عامر بشرائط اشترطها على معاوية على أن يسلم له الخلافة، وكانت الشرائط ألا يأخذ أحداً من أهل العراق بإحنة وأن يؤمن الأسود والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم، ويجعل له خراج الأهواز مسلماً في كل عام، ويحمل إلى أخيه الحسين بن علي في كل عام ألفي ألف درهم، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس، فكتب عبد الله بن عامر بذلك إلى معاوية فكتب معاوية جميع ذلك بخطه وختمه بخاتمه وبذل له العهود المركبة والأيمان المغلظة وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام، ووجه إلى عبد الله بن عامر فأوصله إلى الحسن رض فرضي به وكتب إلى قيس بن سعد بالصلح ويأمره بتسليم الأمر إلى معاوية والانصراف إلى أعدائه، فلما وصل الكتاب بذلك إلى قيس بن سعد قام في الناس فقال: أيها الناس اختاروا أحد أمرين: القتال بلا إمام أو الدخول في طاعة معاوية فاختاروا الدخول في طاعة معاوية. فسار حتى وافى المدائن وسار الحسن بالناس في المدائن حتى وافى الكوفة ووافاه معاوية بها فالتقيا فوكد عليه الحسن رض تلك الشروط والأيمان اه. قال الأحنف بن قيس وقد أتاه كتاب الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يستنصره: قد بلونا الحسن

стр. 109

وآل الحسن فلم نجد عندهم إيالة الملك ولا صيانة المال ولا مكيدة الحرب. ولم يجبه إلى ما طلبه إليه. ولما مات الحسن بعد شهرين وقيل أربعة أشهر من استيلائه على العراق صفا الجو لمعاوية وبايع له الناس فملك العراق والحجاز ومصر، وأجمعت القلوب على مبايعته طوعاً أو كرهاً. وكان ممن مالأ معاوية على تحقيق رغائبه عمرو بن العاص عامله على مصر، والمغيرة بن شعبة عامله على الكوفة. خلافة يزيد ورأي ابن خلدون: أوعز معاوية سراً إلى ولاة الأمصار أن يوفدوا الوفود إليه يزينون له إعطاء العهد لابنه يزيد، حتى استوثق له أكثر الناس وبايعوه والسيوف مسلولة فيما قيل على رقاب الصحابة في مسجد الرسول. وبذلك أخرج معاوية الخلافة عن أصولها، وكانت بالعهد لأفضل الصحابة أو بالشورى بينهم لمن يقع اختيارهم عليه، وجعلها كالملك يورثها الأب ابنه أو من يراه أهلاً لها من خاصته، أو كسروية أو قيصرية على سنة كسرى وقيصر كما قالوا. وبذلك نقم على معاوية بعض الصحابة والتابعين من الأنصار والمهاجرين. والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه - كما قال ابن خلدون - إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره مما يظن أنه أولى بها وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع، وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور الأكابر لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجلّ من ذلك وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله ابن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من

стр. 110

الأمور مباحاً كان أو محظوراً. كما هو معروف عنه، ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير. وندور المخالف معروف. ثم قال: إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية، والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس، وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين والنظر لهم، ولا يعاب عليهم إيثارهم أبناءهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك. وكان الوازع دينياً فعند كل أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط وآثروه على غيره. ووكلوا كل من يسمو ذلك إلى وازعه، وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية قد أشرفت على غايتها من الملك؛ والوازع الديني قد ضعف واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصباني، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعاً وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف. ومن جملة وصايا معاوية لابنه يزيد في أهل الشام: أنظر أهل الشام فليكونوا بطانتك ورعيتك، فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم، فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم. ولما قدم مشيخة أهل الكوفة على معاوية كان فيما سألهم عنه رأيهم في أهل الأحداث من الأمصار فقال أحدهم: وأما أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم وأعصاهم لمغويهم. غزوات معاوية وأعماله ووصيته: ومما يجب أن يذكر لمعاوية أنه مع اشتغال ذهنه بالملك لم يغفل قط عن إنشاء أسطول عظيم غزا به الروم وغزا القسطنطينية غير مرة وأغزى الروم مراراً، وكان يغزو الصوائف والشواتي أي غزوات الصيف والشتاء، وخص قوماً من رجاله بتولي هذه الغزوات وبلغه أن الروم سنة ٤١ قد زحفت
следующие страницы →