← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وزحفوا إلى السويقة ومعهم العملة والبناءون فحرقوا الدور والقصور وأطلقوا المدافع على الأشقياء فولوا الأدبار، فأمر المتسلم عسكره أن يقعوا في نهب الدور والدكاكين. وروي أنه أخرج فتوى وحجة وأمراً قاضياً بأن ينهب الجند من حد السويقة ويقتلوا ويهدموا ولا يعفوا عن إنسان فسلبوا الأموال وسبوا الحريم. ولما هرب الدروز نودي في البلد بالأمان وأن تفتح الأسواق ويكف عن النهب قال ابن بدير: وقد سرت مع من سار فرأيت فضائح الميدان، والقتلى مجدلة، والأبواب محطمة، والدكاكين مقفرة، ثم اضطرب أهل القبيبات والميدان والسويقة وباب المصلى وأخذوا ينقلون أثاثهم إلى داخل المدينة مثل باب السريجة والقنوات وغيرهما من الحارات. وخاف الأكابر والحكام والعامة فجعلوا يعزلون الدكاكين ويخبأون ما حوته في البيوت وبلغ عدد الدور المنهوبة في هذه الوقعة كما قيل ألفاً وتسعمائة دار وأما الحوانيت فكثيرة جداً. هذا وقد أخذ القبوقول يمسكون الناس ويأتون بهم إلى الحكام ويقولون: هذا كان يقاتل مع الأشقياء فيقتلهم المتسلم من غير حجة ولا إثبات، ولا قصد للقبوقول إلا أخذ ثارات لهم مضت مع الإنكشارية، إلى آخر ما أصاب دمشق في ذاك العام من حرق ونهب وغلاء وفضائح وفظائع. وكان من العادة أن تغلق أرتجة الفيحاء وحوانيتها جملة عند اندلاع لسان الفتن بين القبوقول والإنكشارية وبينهم وبين الدالاتية والأشراف والأكراد والدروز، حتى ينادي منادٍ من قبل الحاكم يأمر بفتح الدكاكين ويطمن الناس. وجاء دمشق ١١٦١ أحد موالي أسعد باشا العظم وكان نقل بعد ولايته دمشق إلى حلب، فذكر الإنكشارية والعامة ظلمه أيام كان سيده حاكماً في دمشق فقاموا قومة رجل واحد فالتجأ إلى القلعة وحماه القبوقول، ولما أُريد على الخروج من دمشق أبى فأغلقت البلدة دكاكينها ومحالها وتجمع الإنكشارية وتبعهم الناس وتعصب العناتبة والأكراد والدالاتية مع القبوقول وأهل حارة العمارة وحدثت غارة في سوق الدرويشية وأُطلقت النيران على الإنكشارية ثم قاموا على أهل حي العمارة فانهزم أهلها منها وأحرقوها حتى صارت بلقعاً وراح أهلها إلى الجامع الأموي، ودامت الفتنة أياماً حتى قر رأي الأكابر والأمراء على إخراج مولى ابن العظم من دمشق فأخرج ولم تطفأ جذوة الفتنة، لأن

стр. 562

الثائرين ما زالوا يتلمظون بطعم الغنائم ويزدردون حلوى الغارة. وجاء الخبر بأن الجالين عن دمشق نهبوا الضياع في طريقهم وقتلوا الأنفس وهتكوا الأعراض وصادفوا جماعة من طائفة الحكام فسلبوهم وقتلوا منهم فريقاً. وأخذ القبوقول يطلقون النار على الرعية وظلت الفتنة قائمة في البلد بين القبوقول والإنكشارية والأشراف فقتل من هؤلاء نحو ثلاثين وبضعة أولاد وشبت الحرب في شوارع المدينة أياماً ثم عتا الإنكشارية على حاكم دمشق فصاح في جنده وركب إلى الميدان فهربوا أمامه فأعمل هو وجنوده السيف فيهم فقتلوا منهم خلقاً كثيراً ومن لم يمت بالسيف قادوه بالسلاسل والأغلال، وعم نهب العسكر الكبير والصغير والناس بين قتيل وأسير، ونهبت الدور والدكاكين وانتكبت نكبة عظيمة فعريت النساء وخطفت الجواري والعذارى، وتمنى العقلاء الموت، ثم نهض جماعة الحاكم إلى النهب فمنعهم وأمر بجمع ما نهبوه فما وصل إلا القليل أودعه بعض الجوامع وأمر منادياً ينادي لتأخذ الأسباب أصحابها، فأخذ بعضها وذهب الأكثر، وأما أتباع الوالي فطفقوا يقتلون كل من يصادفونه ويقطعون رأسه أو يحبسونه، وتناول أذاهم من في الدور وتعست الحال. ووصف ابن النجار هذه الفتنة فقال: إن السلطان أرسل والياً آخر غير الذي كان وجرت هذه الوقعة في عهده، فقتل الأشقياء من المسلمين والدروز والنصارى وخربوا وحرقوا الدور ونهبوا الأماكن قال: وتعطلت الأسواق والمعاملات بسببهم في دمشق قريباً من سنة لا تقام جمعة ولا يسمع آذان ولا يفتح جامع ولا يتمكن أحد من الخروج من منزله لحاجة ولا لغيرها، لفسادهم وإفسادهم وتعديهم على الخاص والعام. وإنما كان بسبب تمكنهم من ذلك عدم وجود وال بدمشق فإن واليها كان خرج منها إلى الحج أميراً فجاء الوالي الثاني وقتل منهم من قدر عليه وفر منهم من فر وسلب دورهم ومتاعهم وأثاثهم، ولحق دمشق وأهلها من ذلك الوالي وحاشيته وجنده كل بؤس، وذلك بسبب قيامهم على أولئك الأشقياء، وانتهبت غالب المنازل في دمشق وقتل خلق كثير من الأبرياء، نزل هذا الجند الكثير من دور الناس، وأخرجوا أهلها منها بالعنف وظهر من أتباع هذا الوالي ما أنسى أهل دمشق ما كانوا

стр. 563

فيه من الضنك والشدة قبل قدوم هذا الجند إليهم وقال: إن هذه الفتن وقعت سنة ١١٧٠ وأرسل عبد الله باشا الشجي والياً ليرفع الحيف عن الدمشقيين ويعيد الأمن إلى طريق الحج، واشتبك القتال كما تقدم بين القبوقول والإنكشارية ثم فرّ الإنكشارية طالبين البراري والقفار فتبعهم نفر من الجند وقتلوا منهم عدداً، ثم إن الجند أخذ في قتل من يراه كائناً من كان وشرعوا في النهب والسلب فانتهبوا معظم المنازل والحوانيت من الحقلة إلى باب الجابية، والجند يأتون بالرؤوس إلى الوزير، فقتل من الرعايا على هذه الحال عدد كثير وانتهب المال والمتاع، وظلم رئيسهم وحواشيه واختطفت النساء والغلمان جهاراً من غير مدافع، والجند يقولون إن جميع الدمشقيين كفرة وإنهم قوم يزيد. قال الشهابي في دخول والي دمشق الجديد إلى المدينة: إنه كان مع الشتجي ثلاثة عشر ألف رجل فاجتمعت أهالي دمشق إلى الميدان ليمنعوه من الدخول فدهمهم ليلاً وقتل منهم مقتلة عظيمة. وفي سنة ١١٦٣ حصل بين سعد الدين باشا العظم وبين أهل حلب وحشة فرحل عنها جرداوياً وكان عرض عليه منصب حوران فاستعفى من ذلك لأنه لم يتول هذه الإيالة في الدولة العثمانية أحد استقلالاً لقلة دخلها ووفرة خرجها فولوه طرابلس جرداوياً لأخيه أسعد باشا الوزير فأقام جرداوياً فيها وفي صيدا وحلب اثنتي عشرة سنة روى الشهابي في حوادث سنة ١١٧١ أنه وقعت شرور كثيرة بين إنكشارية دمشق والقبوقول وكانت دروز الجبل تعين الإنكشارية في القتال فانتصروا وحاصرت القبوقول في القلعة وجرى بينهم أربع وقائع، والإنكشارية تنتصر بإمداد الدروز، ثم وقعت الفتنة بين عسكر الباشا وعسكر الإنكشارية فانكسر عسكر الوزير وخرج الإنكشارية من دمشق نحو ألف فارس ووقع القتال بين أهل البلد وعسكر الوزير فقتل من أهل البلد نحو مائة قتيل ثم نادى الباشا بالأمان. وعدد ابن بدير كثيراً من مظالم الدفتردار فتحي أفندي ومما قال: إن الأهلين لما ضاقوا به ذرعاً استعدوا الباب العالي فأعداهم فأحضر إلى العاصمة ليمثل بين يدي السلطان، فأخذ يمنح المنائح لأرباب المظاهر حتى أدخلوا على السلطان شخصاً آخر بدلاً منه وأوهموه أنه هو المشتكى منه فأمر

стр. 564

بقتله فقتل. أما فتحي فسفره أعوانه من النظار تحت جنح الدجى فآب إلى دمشق يفعل الأفاعيل المنكرة، حتى إذا ضاق الخناق ورد الأمر بقطع رأسه فقطع وجرّ في شوارع المدينة وترك للكلاب تنهشه ومثل ببعض أعوانه وصودرت أمواله. عهد عثمان الثالث ومصطفى الثالث وبعض الأحداث في أيامهما: وبينا كانت دمشق تموج بالفتن وتستل فيها الأرواح بسوء إدارة الولاة وتلاعب رؤساء الجند كان لبنان وهو ربيب القوة والمقاومة لا يخلو على ذاك العهد من فتن تدك العمران، وتفني الإنسان والحيوان، فقد ذكر المؤرخون أن المشايخ المناكرة تطاولوا ١١٦٣ على إقليم جزين فعظم ذلك على الأمير ملحم الشهابي وركب لحرب جباع الحلاوة فهربت المتاولة من وجهة وأحرق أكثر ضياعهم، وكان قد أصاب منهم جماعة في جبل الشوك فوق جباع وقتل من المتاولة نحو ثلاثمائة نفس وحرق حارة جباع وقطع الأشجار، وأحرق قليمي الشقيف وبشارة، ثم حدث بين جماعة الأمير ملحم الشهابي ووالي دمشق وقائع طفيفة بسبب الظلم الواقع في البقاع على المسافرين في طريق دمشق فقتل أناس من عسكر الفريقين، ثم وقع الصلح بين أمير لبنان ووالي دمشق على أن يؤدي الأول للثاني نفقة الحملة. وفي سنة ١١٦٥ وقعت فتنة بين المشايخ بني أبي نكد فغضب الأمير ملحم الشهابي عليهم وأرسل فنفاهم من البلاد فنزحوا إلى وادي التيم وهدم منازلهم في دير القمر ثم رضي عنهم. وكانت للسيد أحمد باشا الذي كان والياً في حلب سنة ١١٦٥ الحظوة عند رجال الآستانة قال أبو الفاروق: فعينوه والياً على قونية فسبقه إليها زوربا كورد محمد، وأثار أفكار أهلها عليه لما عرف به من مظالم، فحاربوه وهلك أناس في هذا السبيل، ثم عينته الدولة والياً على حلب فسبقه إليها كورد محمد أيضاً ومثل الرواية التي مثلها في قونية فحاصرت حلب لذلك خمسة أشهر. ودامت الحرب فيها مدة وأُحرقت البيوت وخربت البساتين وقطعت المياه عن البلدة. وفي سنة ١١٦٨ توفي محمود الأول بعد سلطنة خمس وعشرين سنة وتولى السلطنة السلطان عثمان الثالث وهو الخامس والعشرون من آل عثمان ولم يعمل

стр. 565

عملاً يذكر اللهم إلا ما كان من تبديل وزرائه والإفراط في هذا التبديل، وكان يميل إلى الطرب والصفا ويعمر الأبنية في العاصمة وأسس بعض دور الكتب وفي خلال ذلك تولى دمشق وإمارة الحاج حسين باشا مكي ولم يكن شرهاً في جمع المال ويميل إلى العدل وحسن الرياسة غير أنه كما قال المرادي: كان بطيء الحركة عن شهامة الوزراء، فيسبب ذلك حصل من الجند الوطني والقبوقول الحرس وغيرهما من طوائف الأكراد والعسكر فتن وحروب وحصل للأعيان والرؤساء الضيق العظيم وقامت عليهم الناس. وفي سنة ١١٧٢ هلك السلطان عثمان بعد أن ملك ثلاث سنين وثمانية أشهر وخلفه مصطفى الثالث فافتتح بالإعلان بتبديل السياسة ولكن كان عهده كما قال مؤرخوا الفرنج عهد انهيار المملكة الانهيار التام وسيادة الاشمئزاز على الناس، ووضع ثقته في وزيره رجب باشا فأحسن وكان رجب ذكياً ومخلصاً. وفي سنة ١١٧٤ كان والياً على دمشق عثمان باشا الكرجي وكان يلقب بالصادق، وسبب هذا اللقب أنه كان من بعض مماليك أسعد باشا العظم وهذا يحبه لنباهته، ولما قتل أسعد باشا وضبطت الدولة داره وأمواله طلبوا عثمان هذا فأخبرهم بخزائن مولاه، ثم وجدت قائمة بين تلك الأموال فكانت مطابقة لكلامه فأنعمت عليه الدولة ولقبته بالصادق، وتولى ولاية دمشق إحدى عشرة سنة ١١٧٤ - ١١٨٥ ومما وقع في أيامه ركوبه لحرب محمد الجرّار إلى قلعة صانور، أرسل إلى الأمير يوسف فبعث بعسكره والتقى به عثمان باشا فعظم أمره عنده وأكرمه، وأصلح الأمير إسماعيل الشهابي حاكم حاصبيا قلعة بانياس وبنى ما كان قد هدم منها من زمان ابن معن وأقام بها فحاصره عثمان باشا الصادق مدة وجيزة ثم سلمه القلعة ونهب عثمان باشا كل ما كان فيها وأمر بهدمها. سيرة ظاهرة العمر الزيداني وسياسته: استراحت الدولة من ناحية الشام لوجود والٍ مخلص لها في دمشق عثمان باشا الكرجي الصادق، فتركته وشأنه يعمل باسمها ويقاتل أعداءها، فطالت ولايته على حين تقلبت حلب في مدة حكمه على دمشق إحدى عشرة سنة في أيدي

стр. 566

عشرة ولاية. وكانت الشام تتمخض في خلال ذلك بظهور رجلين في العقدين الأخيرين من هذا القرن كما تمخضت أواخر النصف الأول منه بظهور آل العظم، ونعني بهذين الرجلين الشيخ ظاهر العمر الزيداني وأحمد باشا الجزار. وقد اهتمت لعظم شوكتها الأمة والدولة، جاء الثاني على أثر الأول فبزه ظلماً وعدواناً. ولم يكن قيام أمر الرجل في ذاك العهد يتوقف على نباهة فيه وعلم وسياسة، بل غاية ما يحتاجه شيء من المعرفة بطبائع من يقوم فيهم، وتلطف باستمالة قلوب أفراد يعوّل عليهم، ورأس مال قليل يؤديه ثمن إقطاع أو نفقة الظهور، ومهارة في البطشة الكبرى الأولى ودهاء وحيلة، وعندها يزيد كل يوم قوة، ولا تلبث الدولة أن ترعاه، والأهلون أن يتفيأوا ظله وحماه. في أواسط القرن الحادي عشر جاء إلى جهات فلسطين الشمالية من الحجاز رجل يدعى زيدان وله ولد اسمه عمر ولعمر ولدان اسمهما ظاهر وسعد. ظعنوا عن ديارهم لخصومة وقعت بينهم وبين عدو أقوى منهم مراساً، فجاءوا وضربوا خيمتهم في الأطراف الشمالية من سهل البطوف في أرض يقال لها مسلخيت من عمل نابلس. ولما كانت قرية عرابة أقرب القرى إليهم جاء وجهاء القرية وزاروهم وحيوهم وسألوهم أن يأتوا إلى قريتهم يضربون خيامهم في أرضها لأنهم كانوا على أربعة أميال منها. وكان في قرية سلاّمة المعروفة اليوم بخربة سلامة الواقعة على منحدر الوادي المسمى بهذا الاسم شيخ درزي قوي الجانب برجاله الأشداء باسط أجنحة نفوذه على ما جاوره. مر بعرابة ذات يوم ووقع نظره على فتاة أعجبه حسنها وطمع فيها لنفسه. ونزل بيت أحد وجهاء القرية ودعا إليه الزعماء وطلب منهم الفتاة، فشق على سكان عرابة ذلك خصوصاً وهو درزي وهم سنة. وارتبك أهل القرية فسألهم زيدان عن السبب فذكروا له ما وقع فقال لهم: الخطب سهل على أن تعاهدوني أن تعملوا ما أسألكم إياه ولا تبوحوا به فقال: أجيبوا الدرزي إلى ما طلب وعينوا له وقتاً يوافيكم فيه لأخذ العروس، وإذا جاء مع جماعته رحبوا به فإذا استقر بهم المقام خذوا أسلحتهم ثم اتركوهم يهزجون ويرقصون إلى حين الرقاد، وكل واحد منكم يأخذ واحداً إلى داره ليؤويه ولما رقد الجميع هبَّ زيدان وأفنى جماعة الدروز، ثم أغار هو وجماعته على سلامة مع سكان

стр. 567

عرابة فبطشوا بمن بقي فيها وخربوها فعظم قدر زيدان وانضم إليه أُناس ممن يحبون الغزو والشقاوة، وألف منهم جيشاً يغزو بهم، فينزل بأرباب العمل الويل والخراب. ثم قتل زيدان بعض رجال المقادحة وكان منهم حاكما طبرية والناصرة، فأضحى المقادحة بلا زعماء فاحتل أهل عرابة نمرين وغيرها. ورزق ظاهر ستة أولاد ذكور وكفله سكان عرابة لدى والي صيدا فالتزم الجباية، وكان بعض السنين يتلكأ عن أداء ما تعهد به وأحياناً يؤدي للدولة حقها، حتى نمت ثروته وأقام في عكا فجعل أخاه سعداً في دير حنا، وأولاده علي في صفد، وعثمان في شفا عمرو، وسعيد في الناصرة وجهات مرج ابن عامر، وصليبي في طبرية، وأحمد في تبنة وجبل عجلون. كانت جبال بيروت وأعمالها بيد حكامها الأمراء الشهابيين يدفعون الأموال لوالي صيدا المعين من قبل الدولة، وكانت صور وعملها بيد المتاولة يضمنون أموالها من والي صيدا، وأما جبال عكا وما إليها فكانت بيد مشايخها ومن جملتهم بيت أبي زيدان كانوا يضمنونها من والي صيدا أيضاً، فما زال الأمر كذلك حتى ظهر الشيخ ظاهر العمر فصادق مشايخ المتاولة وتزوج نساء كثيرات فتكاثر بنوه وأقرباؤه حتى بلغوا مقدار خمسمائة نفس، وعمروا قلعة طبرية وقلعة صفد وغيرهما وبدءوا يسطون على عكا وصور، وأظهروا الشقاوة وقطع الطرق فضجر منهم والي صيدا واضطر أن يضمن مدينة عكا إلى الشيخ ظاهر العمر ويضمن صور للمشايخ المتاولة، وابتدأ الشيخ ظاهر العمر يبني في عكا سرايا عظيمة وسوراً وأبراجاً ويجمع إليه العسكر وانتشرت أعلامه في تلك البقعة وأطاعته مشايخ المتاولة ودخلت عرب البادية تحت حكمه وكان عادلاً في الرعية وسار معهم سيرة مرضية وساعدته المتاولة في أطراف لبنان فخافه السلطان وأوهمه أنه يجعله نائبه في القدس ويوليه عكا والناصرة وطبرية وصفد وسائر البلدان التي في تلك الأطراف وأنه أمير العرب فصدق وكف عن المحاربة. وذكر شوفيه وايزامبر: أن ظاهر العمر نشط الزراعة وقضى على غزو القبائل المجاورة له من العرب فوفق إلى توطيد الأمن في الأقاليم فكان المسيحيون والمسلمون يهرعون إلى نزول أرضه من جميع أطراف الشام لينعموا فيها بالراحة والتساهل الديني.

стр. 568

وقال واصفوه: إنه ما زال في ظهور حتى نشبت الحرب بين الدولة العثمانية والدولة الروسية فضعفت الدولة في الأقطار الشامية، فزاد ظاهر العمر قوة وعدا على والي صيدا وطرده منها وتملكها وأرسل لها حاكماً من عنده، واستمر يحارب الوزراء سبع سنين ولم يدفع مالاً للدولة، وله معهم وقائع انتصر فيها على عساكر الترك وعسكر الدروز والعربان. وفي هذه الأثناء صادق دولة روسيا بمشورة وكيله الخاص إبراهيم الصباغ من أهل عكا، وكان هذا صاحب عقل وتمييز إلا أنه يحب المال كثيراً، كما حالف الأمير فخر الدين المعني الثاني في القرن الماضي أمراء طسقانة. واستمر الشيخ ظاهر حاكماً على عكا نحو أربعين سنة إلى سنة ١١٨٩. والسبب في وقوع الفتن بين الشيخ ظاهر العمر وولاة الأطراف أن عثمان باشا الصادق والي دمشق لما وليها سنة ١١٧٤ وكان شديد المكر كثير الدهاء، ولى أولاده الاثنين صيدا وطرابلس، فصار يظلم رعية الشيخ ظاهر العمر ويطلب المال للسلطان، فبدأت الحرب بينهما فانكسر عثمان باشا وخلت خزائنه فأخذ يلح على الأهالي في طلب المال، فضج الناس من ظلمه، وعصاه أهل الرملة وغزة ويافا ولم يطيعوه إلا بعد حروب كثيرة، فوقعت البغضاء في قلوب إقليم القدس وتمنوا حكم علي بك صاحب مصر عليهم، وكان هذا قد قوي فأطاعته البلاد المصرية. وحاول عثمان باشا سنة ١١٨٣ أن يغزو ظاهر العمر بالاتفاق مع أمراء جبل الشوف فأرسل ظاهر يستنجد بوالي مصر علي بك، وكان هذا عزم على رفع لواء العصيان على الدولة، وفي قلبه حقد على عثمان باشا، فهش لاقتراح الشيخ ظاهر لأنه كان يريد امتلاك الأمصار من عريش مصر إلى بغداد، وكان قد راسل الملكة كاترينا المسكوبية طالباً منها أن تمده بالمراكب والرجال وهو يملكهم المدن البحرية في الشام. ولما وصلت إليه رسالة الشيخ ظاهر جهز له ستة سناجق كبار ورأس عليهم إسماعيل بك وأصحبهم بعشرة آلاف من الغز والعربان والمغاربة وأمرهم أن يكونوا في طاعة الشيخ ظاهر العمر وساروا إلى أراضي المزيريب في حوران، وكانوا نحو عشرين ألفاً، لقتال عثمان باشا فعدل إسماعيل بك عن الغزاة لما لاقى من تمرد أولاد الظاهر وعشيرته، فشكا

стр. 569

الشيخ ظاهر إلى الأمير علي بك ما لقي من إسماعيل بك فابتدأ الأمير علي يجهز العساكر والجنود على نية الخروج لتملك الشام. وفي هذه السنة قبض الأمير يوسف الشهابي على عدة من مشايخ آل حمادة فالتجئوا إلى وزير طرابلس وأتوا بعسكر إلى قرية بزيزا ووقع القتال بينهم في قرية ميون فانكسر عسكر طرابلس وحاصر بعضهم في برج في أسفل القرية ثم سلموا وساروا إلى طرابلس، وفيها بلغ الباب العالي ما فعله علي بك، فأمر والي دمشق أن يسير بخمسة وعشرين ألفاً لمنع جنود عكا من معاضدة علي بك فسار الوالي بالعساكر، فوافاه الشيخ ظاهر العمر في ستة آلاف بين جبل النيران وبحيرة طبرية ورده على أعقابه. حملة أبي الذهب على الشام: استكثر أمير مصر علي بك ١١٨٤ من جمع طوائف العسكر وأمر بسفر تجريدة إلى الشام وأميرها إسماعيل بك وكان أرسل أحد رجاله فقتل سليطاً شيخ عربان غزة هو واخوته وأولاده، فذهبت تجريدة من البر وأُخرى من البحر ووقعت بين جنده وحكام الشام وأولاد العظم حروب ومناوشات. وفي سنة ١١٨٥ أخرج علي بك من مصر تجريدة عظيمة وأميرها محمد بك أبو الذهب في جند كثير من المغاربة والترك والهنود واليمانية والمتاولة، وسافرت من طريق دمياط في البحر، فلما وصلوا إلى الديار الشامية حاصروا يافا وضيقوا عليها حتى ملكوها، ثم توجهوا إلى باقي المدن والقرى وحاربهم النواب والولاة فهزموا وقتلوا وفروا من وجه الجيش المصري، فاستولى على الممالك الشامية إلى حدود حلب. قال هذا الجبرتي، وقال غيره: إن محمد بك أبا الذهب لما وصل إلى الشام حضر إليه أولاد ظاهر العمر ومشايخ المتاولة وانضموا إلى عسكره فصار جيشاً عظيماً ينيف على الستين ألفاً، فسار محمد بك أبو الذهب طالباً دمشق، وكان عثمان باشا قد رجع من الحج فجمع العساكر لقتاله، فما لبث عثمان باشا أن انكسر فخيم أبو الذهب حول المدينة قاصداً حصارها، وأرسل إلى أهلها كتاباً يشير فيه إلى ما أتاه عثمان باشا من الظلم وإهانة الحجاج والزوار وظلم المسافرين والتجار، وأنه يريد أن يطهر هذه

стр. 570

الأرض منه نصرة للدين وغيرة على المسلمين، ويذكر ما فعله بعلماء غزة في العام السابق من دفنهم في الأرض أحياء، وأنه أخذ فتوى المذاهب الأربعة في قتاله، وصرف الأموال والعساكر ليردوا الظالم ويستردوا المظالم، فخرج العلماء والعوام من أهل دمشق كافة إلى محمد بك أبي الذهب وطلبوا منه الأمان فأمنهم وأكرمهم، ودخل المدينة وجلس في دار الوزارة ونادى بالأمان، وكانت القلعة لم تزل محاصرة فأمر بإطلاق المدافع عليها وطلب المحاصرون الأمان فتسلم القلعة. وتراجع عثمان باشا إلى حمص وجهز العساكر الكثيرة. وابتدأ إسماعيل بك يغير قلب محمد بك أبي الذهب على الشيخ ظاهر العمر فحصل بينهما فتور وخوفه عاقبة التمرد على السلطان فنهض بعساكره ليلاً من دمشق وسار طالباً الديار المصرية، وشاع رحيله من الغد فتعجب الأهلون من ذلك ولم يعلموا السبب فيه، ورجع أولاد ظاهر العمر والمشايخ والمناولة كل منهم إلى مكانه وقد تأسفوا على سعيهم. وفي رواية أن السبب في ترك العسكر المصري بزعامة محمد بك أبي الذهب حصار دمشق أن عثمان باشا واليها لما أشرف على الهلاك بعث إلى قائد المماليك بصرة ثقيلة بالدنانير للرجوع عن محاربته فارتشى منه، وأمر عسكره بترك المحاصرة وتركوا حصار قلعة دمشق، فلما رأى ظاهر العمر خيانتهم، وأنهم قد فارقوه وتركوه وحده عجز عن فتح القلعة فرجع إلى دياره، فتخلص عثمان باشا وعاد يجهز العساكر بعد مدة قليلة للخروج لمحاربة ظاهر العمر ودخل أراضيه وحاصره في عكا وجدّ في الحصار حتى صعب الحال على الشيخ، وكاد عثمان باشا يفتح عكا، فما نجا الشيخ في هذه المرة إلا بمساعدة ولديه. فقد جمعا العرب وهجما على الترك ليلاً فكسروهم وشردوهم فهرب منهم عثمان باشا، ثم جمع الشيخ ظاهر عساكره وحارب الدروز فغلبهم وتملك قراهم التابعة لعامل صيدا. ولما بلغ السلطان خبرُ فتوجه وهو مشتغل بحرب روسيا صعب الحال عليه، فأرسل السلطان إلى الشيخ يعرض عليه الصلح، وقد عزل عثمان باشا وولديه عن ولاية دمشق وصيدا وطرابلس، وأما الشيخ ظاهر فقد أضمر في نفسه أن يدخل في طاعته الشام كله وهو يستند في ذلك على مساعدة علي بك أمير مصر.

стр. 571

وذكر المرادي أنه كان مع محمد بك أبي الذهب تسعة ألوية وخمسة من أولاد الظاهر أمير بلدة عكا ومشايخ المتاولة والصفدية ونحو ثمانين مدفعاً وأربعون ألف مقاتل، وعينت الدولة لقتاله وال حلب ووالي كليس ووالي طرابلس فخرجوا مع وزير دمشق بالعساكر الشامية والأجناد، وصارت المعركة في سهل داريا وفي أقل من ساعة انكسر العسكر الدمشقي وفر هارباً كل من والي كليس، والي حلب وعساكرهما، وقتل منهم شر ذمة قليلة وثبت كافل دمشق عثمان باشا وولده محمد باشا والعساكر الدمشقية ودام القتال ثلاثة أيام، وفر أعيان البلد إلى حماة واستولى الفزع على الناس، وغص الجامع الأموي بأهالي القرى فنزلوا بأهلهم وأمتعتهم ومواشيهم إليه. ولما عاد أبو الذهب عن دمشق رجع عثمان باشا وولده محمد باشا ورئيس اليرلية يوسف أغا جبري من جبل الدروز ومعه خمسة آلاف درزي وبعد مدة ضرب عثمان باشا عنق ابن جبري، لأنه كان السبب في تقوية الدولة المصرية على العساكر الشامية طمعاً في قتل عثمان باشا وصيرورته مكانه كافلاً بدمشق. عاد أبو الذهب إلى مصر ورجع إلى دمشق عثمان باشا وحضر إليه الأمير يوسف الشهابي لأنه كان قد أرسل إليه نائبه يوسف أغا جبري يستنجده، وكان الأمير يوسف قد جمع عسكراً وتجهز للمسير فاتفق قيام أبي الذهب عند ذلك. ولما فرغ بال عثمان باشا وقتل نائبه يوسف أغا جبري رئيس الإنكشارية ونهب أمواله أقام مكانه رجلاً من أهل دمشق يقال له عثمان آغا شبيب، ثم خرج بعسكر عظيم إلى أرض الحولة يريد قتال الشيخ ظاهر العمر والمتاولة الذين كانوا السبب في تلك الفتنة فجمع ظاهر العمر رجاله واجتمعت المتاولة وكبسوا عثمان باشا في الليل فذعرت عساكره وقتل منهم خلق كثير. وهزمهم الشيخ ظاهر وما زال في إثرهم حتى وصلوا إلى بحيرة الحولة فألقى كثير منهم أنفسهم في البحيرة وماتوا غرقاً. وهرب عثمان باشا بنفر قليل فاستولى ظاهر العمر والمتاولة على أسبابه. وكتب الشيخ ظاهر إلى الأقاليم الشامية ودخل الناس كافة في طاعته. فخرج علي بك من مصر فالتقاه ظاهر العمر بالإكرام ودخل به إلى عكا فأرسل كتباً منه ١١٨٥ ومن الشيخ ظاهر العمر إلى ملكة المسكوب يسألانها معاضدتهما على الدولة العثمانية، وأن ترسل

стр. 572

إليهما المراكب الحربية ليسلماها الديار المصرية. وأقام علي بك ينتظر الجواب وقويت مشايخ المتاولة على الدولة، وتطاولت على أطراف جبل الشوف ومرج عيون والحولة، فاتفق الأمير يوسف وخاله الأمير إسماعيل حاكم وادي التيم الأدنى وجمع الأمير يوسف نحو عشرين ألف جندي وسار قاصداً قرية جباع الحلاوي وأحرق إقليم التفاح وحرق جباعاً وقطع أشجارها وهدم بنيانها. وكان عسكر المتاولة المجتمع في النبطية نحو ثلاثة آلاف، ولما وصل الأمير يوسف الشهابي إلى كفر دمان أحرقها وتوجه إلى النبطية فالتقى بشر ذمة من عسكر المتاولة نحو خمسمائة خيال ووقع بينهم قتال انكسر فيه عسكر الأمير يوسف كسرة هائلة، ومات كثير من عسكره تعباً وعطشاً ومنهم من اختلت عقولهم، وفقد من عسكره في هذه الوقعة أكثر من ألف وخمسمائة قتيل، وركب الشيخ كليب نكد من حاصبيا إلى دير القمر وغزا المتاولة في قرية علمان فهزمهم ومنعهم من الحضور إلى إقليم الخرنوب وتلك الأطراف، وسارت عساكر الدولة مع عسكر الأمير يوسف لحصار مدينة صيدا وإنقاذها من يد ظاهر العمر وكانوا في أكثر من عشرين ألفاً معهم المدافع والزنبركات فأقاموا على حصارها سبعة أيام. وجاءت المراكب الروسية إلى عكا التي استنجد بها ظاهر العمر فأرسلها إلى صيدا فأطلقت مدافعها على جيش الدولة وجيش لبنان، وساق ظاهر العمر عسكره وقدروه بعشرة آلاف جندي والتقى بعسكر لبنان وجيش الدولة في سهل الغازية، وانتشب القتال فانكسر عسكر الدولة وقتل منه نحو خمسمائة نفس وانقلب راجعاً إلى دمشق، وأما المراكب الروسية فسارت إلى بيروت وملكت جانباً منها وأحرقت بعض الأبراج، فهربت الشهابية من المدينة وخرج أهلها إلى البر، ودخلت الفرنج بيروت ونهبت كل ما وجدته فيها، ثم رحلت إلى عكا بعد أن أعطاها حاكم لبنان ٧٥٠٠ قرش تعويضاً، ثم عادوا وأطلقوا على بيروت ستة آلاف مدفع دفعة واحدة كذا قال المؤرخ، حتى ظن الناس أن القيامة قامت وسمع صوت المدافع على ما قيل إلى قبة اليسار فوق دمشق كالرعد القاصف، وأحاطوا بالمدينة بحراً مدة أربعة أشهر ليل نهار، فتضايق المتحاصرون فيها ونفد ما عندهم من الزاد فكانوا يأكلون لحوم

стр. 573

الخيل والحمير والكلاب، وهناك اضطر الجزار إلى التسليم وطلب الأمان عن يد ظاهر العمر وتسلم الأمير يوسف بيروت وغرم المسلمين ثلاثمائة ألف قرش وسلمها للسفن المسكوبية. قال أحد المؤرخين: ضرب الروس بيروت ونهبوها في القرن الثامن عشر وكانت فيها بيوت أمراء الجبل ومشايخه، وكانوا بنوا فيها خانات وقيساريات وكان الفرنسيون يدعونها باريز الموارنة الصغرى وكثير من الموارنة كانوا قناصل لفرنسا. ووقعت هذه السنة بين الشهابيين والحماديين في العاقورة والقلمون واقعة. وفي سنة ١١٨٦ أخذ سيد أحمد من والي دمشق حكم البقاع فتوجه إلى قب الياس وبنى ما كان هدم فيها من الزلازل وحصنها بالمدافع والرجال. وفي هذه السنة أحرق يوسف الشهابي بعض قرى الضنية لما بلغه من خيانة المشايخ بني رعد حكام الضنية مع المشايخ بني حمادة. وفي سنة ١١٨٧ حمل عثمان باشا والي دمشق في خمسة عشر ألف جندي على الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان في جهات البقاع. وجرت عدة وقائع بين العسكرين وانهزم والي دمشق في الليل تاركاً المدافع والذخائر ثم انفصل الفريقان على غير نتيجة. عهد عبد الحميد الأول وتتمة أخبار أبي الذهب: هلك أحمد الثالث ١١٨٧ وخلفه ابنه عبد الحميد الأول وفي أيامه استولى العجم على العراق ولم يبلغه الخبر إلا بعد خمس سنين، وهو السابع والعشرون من آل عثمان، مضت مدة على رحيل أبي الذهب من الشام وبقي ظاهر العمر بعد اعتصامه بروسيا وكسرته والي دمشق غير مرة واتهام أبي الذهب بالخيانة أمام والي مصر ممتعاً بولايته حتى سنة ١١٨٩، وفيها سافر أبو الذهب إلى الديار الشامية - رواية الجبرتي - لمحاربة ظاهر العمر واستخلاص ما بيده من الأقاليم، وكانت الدولة أذنت له بالمسير إلى ظاهر العمر وخراب أرضه، فوصل إلى أرجاء غزة وارتجت الديار لوروده، ولم يقف أحد في وجهه وتحصن أهل يافا بها وكذلك ظاهر العمر تحصن في عكا، فلما وصل إلى يافا ١١٨٨ حاصرها وضيق على أهلها وامتنعوا هم أيضاً عليه وحاربوه من داخل وحاربهم من خارج، وألقى عليهم المدافع والمكاحل والقنابر عدة أيام وليال،

стр. 574

فكانوا يصعدون إلى أعلى السور ويسبون المصريين وأميرهم سباً قبيحاً، فلم يزالوا بالحرب عليها حتى نقبوا أسوارها وهجموا عليها من كل ناحية وملكوها عنوةً ونهبوها وقبضوا على أهلها وربطوهم بالحبال والسلاسل وسبوا النساء والصبيان وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، ثم جمعوا الأسرى خارج البلد وأعملوا فيهم السيف وقتلوهم عن آخرهم ولم يميزوا بين المسلم والمسيحي والإسرائيلي والعالم والجاهل والعامي والسوقي ولا بين الظالم والمظلوم. وبنوا من رؤوس القتلى عدة صوامع ووجوهها بارزة تنسف عليها الأتربة والرياح والزوابع، ثم ارتحل عنها طالباً عكا. ولما بلغ ظاهر العمر ما وقع بيافا اشتد خوفه وخرج من عكا هارباً فوصل إليها أبو الذهب ودخلها من غير مانع، وأذعنت له باقي المدن ودخلت تحت طاعته وهدم قلعة دير مار يوحنا ودير مار الياس في صفد وقتل رهبانهما. ويقول جودت: إن أبا الذهب قام من مصر في ستين ألف جندي إلى يافا، وبعد حصارها خمسين يوماً استولى عليها وأعمل السيف في أهلها كبيرهم وصغيرهم، وأن ظاهر العمر طلب مدداً من الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان فأبى أن يمده فلم يسعه إلا الهرب من عكا والتجأ إلى عرب غزة، ولما حصل أبو الذهب في عكا استولت الدهشة على الناس حتى إن بعض الأسر الكبيرة هاجرت بيروت خوفاً وهلعاً، أما الأمير يوسف حاكم لبنان فقدّم هدايا إلى أبي الذهب طيب بها قلبه، وجاء متسلم صيدا أحمد آغا الدكزلي ملتمساً رضاه مظهراً طاعته، فأمنه على نفسه ومركزه، كما جاء مشايخ بني متوال فأكرمهم أبو الذهب ثم استدعى أن يولى أمور مصر والشام فجاءه من السلطنة المنشور بذلك ولكن كان قد قضى نحبه وتفرقت جموعه وعادوا إلى مصر، فلم تنل الدولة مأربها من ظاهر العمر ولم تستفد الشام سوى أن قتل من أهلها جمهور كبير ولا سيما في حصار يافا. وجرى على أثر هذه الواقعة بين المتاولة والغز الذين في صيدا قتال عظيم فانكسرت المتاولة كسرة هائلة وقتل منهم جماعة. خاتمة ظاهر العمر وولاة حلب: قال جودت: لما سمع ظاهر العمر بوفاة أبي الذهب عاد إلى عكا وأخذ

стр. 575

يطيل أيدي الأذى أكثر من قبل، فأرسلت عليه الدولة سنة ١١٨٩ قائد البحر حسن باشا الجزائري، وكتب إلى والي دمشق إذ ذاك محمد باشا العظم وإلى والي صيدا وإلى الجزار أحمد باشا الذي نُصب محافظ السواحل الشامية وإلى متصرف القدس، فبعث قائد البحر أولاً يطلب من الظاهر ما في ذمته للدولة من الأموال الأميرية وهي خراج سبع سنين فلم يوافق على ذلك مستشار ظاهر العمر إبراهيم الصباغ، وكان بيده جميع أموال ظاهر العمر، وقال له: إن الدولة لا يرضيها شيء وأراد سيده على المقاومة ولكن استمال متسلم صيدا عسكر ظاهر العمر وقال لهم: لا يجوز مقاتلة عسكر السلطان فأبوا أن يقاتلوه. فلما علم ظاهر العمر بالأمر فرّ على وجهه لا يلوي على شيء هو وأولاده، فضبط قائد البحر أمواله وذخائره وجيء بإبراهيم الصباغ فأخذت منه أموال ظاهر العمر ثم قتل. ويقول بعض المؤرخين: إن ما وجد من أموال ظاهر العمر اثنان وثمانون ألف كيس من النقد قال جودت: سبحان الله! بمثل هذا المال والنوال ومتسلم صيدا أحمد آغا الدكزلي يطلب عشر معشاره لإرضاء الدولة فتشح نفس إبراهيم الصباغ فيجلب البلاء على نفسه ويكون سبباً لخراب بيت مولاه بيت آل زيدان. وذكر بعض من استوفوا سيرة ظاهر العمر أنه في أواخر سنة ١١٨٩ حضر قائد البحر حسن باشا الجزائري بالأسطول لأن السلطان عبد الحميد الأول لما عقد الصلح مع الدولة الروسية سنة ١١٨٧ التفت لتنظيم الولايات فوجه قائد البحر إلى حيفا، وذلك بعد موت أبي الذهب ورجوع العساكر المصرية بمدة قليلة، وأن مطالب القائد كانت أموال سبع سنين متراكمة، فادعى الظاهر أن ليس عنده مال وأنه مستعد لحرب قائد البحر لأن عنده باروداً وقذائف وثلاثة مدافع، فأطلق قائد البحر أربعة أيام النار على عكا، وكان عدد قنابله ٧٧٥٠ قنبلة ولم يحدث منها ضرر بل هدمت قليلاً من المحلات، وقيل بل سقطت قنبلة على مخزن البارود فاحترق، فخرج الشيخ ظاهر بعياله فقتله أحد المغاربة في الطريق في محل يسمى الرقايق، وكان قاتله عبداً من عبيده منذ خمس عشرة سنة فقتله القائد التركي به لخيانته سيده، وحزوا رأسه وحمل إلى الآستانة ونهب العسكر المدينة ساعتين. وكان قائد السفينة الفرنسية التي جاءت

стр. 576

لحماية تجار عكا الفرنسيين وحملتهم إلى وطنهم نبه على التجار الفرنسيين بأن كل من عنده وديعة لإبراهيم الصباغ ولكل من يلوذ به ملزم بحسب أوامر السلطان أن يقدمها إلى قائد البحر العثماني فأعطوها وكانت ٣٦ ألف كيس ذهب عدا الجواهر والتحف، وضبطت حواصله وكانت مشحونة بأصناف البضائع وضبط مبلغ كبير ممن يلوذ بإبراهيم الصباغ الذي أخذ وقتل في الآستانة، وكذلك أحمد آغا الدكزلي الذي خان مولاه فقد صلبه قائد البحر في صاري المركب، وسلم قائد البحر ولاية عكا إلى أحمد باشا الجزار، سلمه عكا وصيدا وما يليهما، فاحتال الجزار على أولاد ظاهر العمر وأقام الشيخ عثمان الظاهر شيخ المشايخ ويقول مشاقة: إن حسن باشا طلب من ظاهر العمر خمسين ألف قرش تبلغ بأسعار ذاك الوقت خمسة وعشرين ألف ريال فرنسا فأشار أكثر معتمدي الشيخ بالدفع إلا الطبيب التاجر إبراهيم الصباغ فإنه خالف رأي الجماعة، وقيل: إنه وصل من أموال ظاهر العمر وأولاده وإبراهيم عبود الصباغ إلى خزينة السلطان ثلاثمائة وثمانون ألف كيس تساوي خمسة ملايين ليرة وخمسة وعشرين مليون فرنك خلا ما اختلسه حسن باشا لنفسه. وفي أوائل ١١٩٠ رجع حسن باشا الجزائري بالأسطول إلى عكا وحضر محمد باشا العظم والي دمشق بعسكره وإبراهيم باشا والي القدس بعسكره ونصبوا معسكراتهم خارج مدينة عكا وطلع معهم أحمد باشا الجزار بعساكره وساروا جميعاً مع أمير البحر قاصدين البطش بأولاد ظاهر العمر فأمنوهم وحملهم قائد البحر إلى الآستانة وقتل في الطريق أحدهم واسمه أحمد لأنه طعن فيه جهاراً وبقي أحد أولاد الظاهر واسمه الشيخ علي يتنقل في البراري، فبلغ الدولة خبره فأرسلت إلى محمد باشا العظم أن يرسل إليها رأس علي الظاهر أو يقتل هو به، فأرسل والي دمشق رأس ابن الظاهر مع ثلاثة رؤوس من جماعته وأنكر جماعة أحمد باشا الجزار الرأس المحمول، وقالوا: إنه ليس رأس الشيخ علي الظاهر فأحضرت الحكومة ولديه الحسن والحسين وكانا في الآستانة وقالت لهما هل تعرفان هذه الرؤوس المقطوعة فلما رأياها بكيا فقيل لهما: ما يبكيكما؟ فأجابا هذا رأس والدنا علي الظاهر وقد عرف من كبر عارضيه لأنه كان يدعى أبو سبعة شنبات، وبذلك انقضت دولة الظاهر واندثر ذراريها

стр. 577

وقامت دولة الجزار أحمد باشا الذي ضيق على أولاد الظاهر وذراريه وبعث أحد جواسيسه إلى ابنه علي وقتله في مرج علما الخيط. والغالب أن الشيخ ظاهر العمر الذي حكم صيدا وعكا ويافا وحيفا والرملة ونابلس وإريد وصفد وجميع المتاولة كانت تحت أمره، كان إلى السذاجة والفطرة، استسلم لوكيله إبراهيم الصباغ، وكان هذا مثلاً سائراً في الإمساك وحب المال، فحاول أن يخلص سيده من دفع خمسة آلاف كيس مع أن لديه أضعاف أضعافها من الذهب، دع سائر العروض والجواهر، واغتر ظاهر العمر بقوته الضئيلة فكان في ذلك ذهاب دولته وهلاكه وهلاك وكيله، ولم يثمر جمع الأموال الثمرة المرجوّة، ولو قدرّ له أن يعمل بما رسمه له السلطان سنة ١١٨٨ من العفو عن جميع ما تقدم من ذنوبه وذنوب غيره على شرط أن يؤدي الخراج لبقي في عزه إن كانت الدولة تريد دوام العز لأحد. كانت الشكوى قليلة من إدارة ظاهر العمر فإن ما جمعه في أربعين سنة قد جمع غيره من حكام الأقاليم مثله في مدة قليلة. ذكر فولنه أن علي باشا المعروف بجتالجه لي الذي تولى حلب مرتين آخرها سنة ١١٩٣، وكان معاصراً للجزار جمع في خمسة عشر شهراً زهاء أربعة ملايين ليرة الغالب أن الليرة هي الفرنك الطلياني وأنه سلب جميع أرباب الحرف حتى انتهى سلبه إلى منظفي الغلايين. وقال غيره إن مدينة حلب التزمها ملتزم من الآستانة بثمانمائة كيس أو نحو أربعين ألف جنيه ويعطي الوالي ٨٣٣٠ جنيهاً في السنة لنفقات الولاية لكنه يكثر ابتزاز الأموال الطائلة من الأكراد والتركمان وسائر السكان، وقد جمع منهم عبدي باشا الذي كان والياً قبل عهد فولنه ١٦٠ ألف جنيه في سنة واحدة وضرب ضريبة على كل واحد وكل صناعة. قال بعض من عاصره: وقد فر من حلب غالب تجارها ووجوه الناس ومن له شهرة وسجن الأعيان، وأن الكوسح خادمه لما خرج إلى قتال التركمان صار يخرب القرى ويسلب أموالها حتى قام أهالي حلب وحاصروه وأخرجوه من البلدة. ونقل في أعلام النبلاء في حوادث سنة ١١٩٤ أن عبدي باشا والي حلب جاء في جيش عظيم إلى كلز لتأديب الأشقياء وأصدر أمره إلى أهل البلدة أن يخرجوا منها أهل العرض والرعايا إلى طرف الباشا ويبقي الأشقياء، فأجابوه

стр. 578

بلسان واحد: ليس في بلدتنا أهل عرض أصلاً بل كلنا أشقياء، فزحف الوالي على البلد فحاصرها وفتحها ووقع القتل والنهب في كلز، وهتكت الأعراض وذبحت الأطفال. وأن الوالي أخذ يسلب أموال الناس في حلب وفي سجونه من الأكابر والمشايخ والأشراف خلا الرعايا وأهل الذمة مقدار عظيم، وعسكره كثير يرتكب في حلب أنواع الرذائل، وبلغ من سوء فعل أتباعه أن كسروا غراريف بساتين حلب ودواليبها وأخشاب بيوتها وطياراتها من حدود قرية بابلا باب الله إلى قرب بستان الدباغة، وحرقوها وحرقوا أخشاب قرى البلد بأجمعها، وسلبوا متاعها ونهبوا مواشيها وتركوها قاعاً صفصفاً إلا ما حماه الله من القرى البعيدة، وجاء الوالي الجديد فنبه أن لا يحمل أحد سلاحاً وكل من وجد من أهالي المحلات خارجاً عن الطريق المستقيم فعلى جيرانه أن يخبروا عنه ليقتله، ومن شهد جيرانه بحسن حاله فلا سبيل لأحد عليه، وصار يقتل كل من أخبر بسوء حاله، وأمر الناس أن يفتحوا دكاكينهم وأرباب القرى أن يتعاطوا زراعتهم وأن ما مضى لا يعاد، ومن لم يفتح دكانه ينهبها ويشنق صاحبها. وروي في أخبار الحاج يوسف باشا ابن العظم الذي تولى حلب بعد عبدي باشا أنه صار يأخذ بالمجان مماليك وجواري من أصحابها قهراً، ويحضر التجار وغيرهم ويكرمهم ويقول لهم: أنا وزير إقشعوا خاطري، لا يعلم بها أحد حتى لا يمشيها غيري وأرسل فطلب من كل بلداً حصاناً. وجاء بعده عبدي باشا وسار على أقدام سميه الأول في الظلم والجور على صورة لم يسبق لها مثيل، وأنشأ يأخذ بدل القرش أربعة، وصادر القوم وعذبهم وصارت حبوسه ملأى بالناس. وصف فولنه ظاهر العمر بأنه لم تشهد له الشام مثيلاً في الأزمان الغابرة، وكان داهية باقعة في السياسة حكيماً محنكاً ولكنه كان طماحاً طماعاً، ومن محاسن صفاته أنه لم يكن يحب الاحتيال ويجاهر بما يضمر ولو قاسى من ذلك العنت وأنه أحب المسيحيين ورفع شأنهم وعدل في الناس. وقال من عاصره: حكم الظواهرة البلاد نحو ثمانين سنة وامتد نفوذهم من حدود جبل عامل شمالاً إلى أطراف جبال القدس جنوباً ومن البحر

стр. 579

المتوسط غرباً إلى جبل عجلون شرقاً، وكانوا يرجعون في أحكامهم إلى أصول العشائر حسبما توحيه إليهم ضمائرهم، وقد شادوا في الأقاليم أبنية ضخمة فرم ظاهر العمر بعض ما تمكن من ترميمه مما خربته الحروب الصليبية ورفع سور عكا الداخلي، وشاد فيها جامع محلة الجرنية وبنى علي في صفد القلعة الباقي شيء من آثارها إلى اليوم، وبنى صليبي في طبرية السرايا المعروفة اليوم باسم الصقرية نسبة إلى عرب الصقر الذين صال عليهم صليبي واكتسحهم، وعمر الجامع الواقع جنوب السراي، ورم عثمان قلعة قرية شفا عمرو وعمرها، وبنى أحمد قلعة تبنة، وشيد سعد قلعة دير حنا. وهذه القلاع الثلاث لا تزال موجودة، وعمر في دير حنا الجامع الموجود إلى اليوم وكان بناؤه سنة ١١٤هـ. أولية الجزار: أخذ الجزار بعد استلام ولاية صيدا سنة ١١٩١ يقوى وتشتد شكيمته خصوصاً وقد ولي دمشق مع بقاء عكا عليه، ثم استقل بولاية عكا وأخذ يغزو متغلبة تلك الأرجاء فوقعت بينه وبين الأمير يوسف الشهابي وقعة سنة ١١٩١ في نقار السعديات بين صيدا وبيروت فلم يسلم من جماعة الشهابي إلا القليل، وأحرق عسكر الجزار المكاس والجديدة والدكوانة في لبنان وقتل أناساً من أهلها، ثم وقعت بين عسكر الدولة عسكر لبنان في المغيثة عدة وقائع انتصرت الدولة فيها على أهل الجبل وقتل منهم قتلى كثيرة وأكثرهم من المتن وداهم عسكر الدولة بني الحرفوش في بعلبك وأحرقت الدولة زحلة. وقوي الجزار بمجيء ستمائة فارس من اللوند وكانت الدولة أمرت بقتل جماعتهم وكانوا ستة عشر ألفاً، فلم يسلم منهم إلا الذين جاءوا الجزار، ولما عزم على الإقامة في عكا ابتدأ بإصلاح أسوارها وإتقان بنيانها وجعل على كل قرية أن يحضر أهلها جميعاً ثلاثة أيام في الأسبوع بالسخرة لأجل العمارة. وجرت حروب كثيرة بين الشيخ علي بن الشيخ ظاهر العمر وعساكر الجزار حتى قتل على ما سلف، وكذلك بين الجزار والأمير يوسف الشهابي والتقى مرة في طريق صيدا وعسكر الجزار بالنكدية وكانوا يكمنون له فقتل

стр. 580

الجزار أكثرهم وقبض على بعض أعيانهم، فجعل الأمير يوسف يعتذر للجزار ويستشفع في إطلاقهم مقابل مئة ألف قرش، ولما طلب الأمير المال من الجبل أبى الأمراء الدفع فطلب الأمير من قائد عسكر الجزار أن يتلف أشجار بيروت ففعل وقتل جماعة من رجالهم، ثم سار إلى بعلبك وعظم أمره، وحينئذ خرجت بيروت من يد الأمير يوسف ودخلت في حكومة الجزار، واقتتل الأمير يوسف مع الجزار فانهزم في عدة مواقع ثم تصالح الشهابي والجزار. وأرسل أحمد باشا الجزار ١١٩١ أحد رجاله من الأكراد في جماعة منهم فاجتازوا قب الياس فعلم أهلها فحصنوها، وردوهم عنها بإطلاق المدافع فذهب الأكراد إلى بعلبك وصادروا كبار المتاولة، ولا سيما الأمير محمد الحرفوش وسجنوه، ثم شنوا الغارة على سعد نايل وقتلوا بعض سكانها ونهبوها، ثم حاربوا الدروز في البقاع وقتلوا بعضهم وأحرقوا قرى كثيرة في البقاع وهاجموا سغبين ثم عادوا عنها، وقد قتل منهم نحو مائتين ثم أمرهم الجزار فعادوا إليه، وكان سبب إرسالهم أن الأمراء اللمعيين لم يدفعوا الضريبة الشاشية التي فرضها الجزار على اللبنانيين في السنة السابقة. وفي سنة ١١٩٢ أو ٩٣ نقل الجزار مركزه إلى عكا لحصانتها. وزاد الجزار ١١٩٤ المكوس والمغارم على لبنان. وفي سنة ١١٩٥ وقعت فتن ومناوشات بين عسكر الجزار وعسكر الأمير سيد أحمد وعسكر دمشق في أرض قب الياس في البقاع قتل فيها كثيرون وانتصر الجزار ووقعت وقعة في الظهر الأحمر في وادي التيم، وفي سنة ١١٩٧ استولى الجزار على بلاد بشارة بعد وقعة مع مشايخها من بني متوال، وتسلم هونين وتبنين وشقيف أرنون، أخذ هذه القلعة الأخيرة بالأمان وقتل من بها وتسلم جباعاً وباد اسم بني علي الصغير وبني منكر. وفي هذه السنة توفي محمد باشا العظم وكان وزيراً عادلاً مهاباً على قول ميخائيل الدمشقي وقال المرادي: إنه كان من رؤساء الوزراء عقلاً وكمالاً وعدلاً وديناً وسخاء ومروءة وشجاعة وفراسة وتدبيراً وكان واسع الرأي مهاباً وضرب على أيدي البغاة وقطاع الطريق، وراقت دمشق وما والاها في أيامه، وصفا لأهلها العيش ونامت الفتن، وعين محمد بن عثمان باشا وكان ظالماً قاسياً ثم تولى أخوه درويش

стр. 581

باشا ثم تولى محمد بطال باشا وكان حدثاً جاهلاً ليست له خبرة بالمقاطعات. وقتل ١١٩٧ الوزير حسين مكي باشا والي غزة وصادرت الدولة أمواله وكان حارب بني صخر وعرب الوحيدات بعسكره فاستأصلهم. وفي سنة ١١٩٨ تولى أحمد باشا الجزار ولاية دمشق وفي سنة ١١٩٩ وقعت فتن أيضاً بين عسكر الدولة واللبنانيين قتل فيها فريق من الطرفين. ومن جملة الفتن ما ذكروه من عصيان يوسف الجرار وتحصنه في قلعة صانور، فحاصرها الجزار بنفسه فلم يظفر بطائل فطمع أهل نابلس وأخذوا ينهبون الناس، فذهب الباشا ونهب بعض قراها وقتل أناساً كثيرين ثم حاصر صانور ثانية، وأصبحت مقاطعة نابلس في فوضى والجزار كل مرة يغزوها ويخرب في قراها ويقتل من أهلها ولم ينل أحمد الجزار من يوسف الجرار ما كان يتطال إليه حتى مات الجرار. قال بعضهم: إن نابلس لم تبرح بعصيانها تقلق الإدارة التركية وكان العصاة فيها يعتصمون بقلعة صانور. هذا وقد تولى حلب في هذا القرن سبعون والياً قضى معظمهم أشهراً في الولاية وأكثرهم لم يتجاوز الخمس سنين وكان ولاة دمشق في هذا القرن ستة وأربعين والياً كان منها نحو خمس وأربعين سنة في حكم آل العظم. الحكم على القرن الثاني عشر: قرن كله ذل ومسكنة، وتقاتل وتشاحن، عرف بتغلب القيسية على اليمنية بعد وقعة عين دارة، ورجوع ابن معن إلى الإمارة في لبنان، وانقراض دولة المعنيين بموت الأخير منهم، وظهور بني شهاب حكام وادي التيم بمظهر جديد خلفوا المعنيين في لبنان، وبظهور أبناء علي الصغير في بلاد بشارة وانقراضهم كانقراض آل حمادة من شمالي لبنان، وظهور بني العظم حكاماً في الولايات الشامية وتراجع أمرهم، ثم ظهور ظاهر العمر في عكا وما إليها ودوام حكومته أربعين سنة، ثم إرسال والي مصر تجريدة بقيادة إسماعيل بك وأخرى بقيادة محمد أبي الذهب ورجوع هذا عن الديار الشامية بعد أن فتحها إلا قليلاً، واعتصام الظاهر عمر بملكة روسيا وحصار أسطول الروس بعض الساحل ولا سيما بيروت، ثم ظهور الجزار الذي قرض بيت ظاهر العمر.

стр. 582

والدولة قلما جهزت جيشاً خاصاً للقضاء على سلطة أحد المتغلبين اللهم إلا جيوشاً أشبه بنجدات يوم مجيء أبي الذهب لفتح الشام، واستغاثت بأبي الذهب لتنقذ الشام من ظاهر العمر فجاء بجيش من مصر، أي إن الدولة كانت تستعين بالجار على جاره وبابن العم على ابن عمه وتضعفهم جميعاً، ومعظم حملاتها كانت للانتقام ممن يتلكأ في تأدية الجباية لها، وقلما سمع بأنها نحت عاملاً كبيراً لسوء إدارته، وكثرة نهمته في جمع ثروته، والعاقل المستقيم من ولاتها لا تطول ولايته كثيراً حتى يتمكن من إصلاح بعض الشؤون، وكان الولاة في الحقيقة يستمتعون بلا مركزية واسعة لا يحتاجون معها إلى مراجعة الآستانة في كل أمر، ولكن أين العامل النشيط فيهم الذي يعرف يدبر أمور الناس، وإذا تهيأ الرجل فلا تحدثه نفسه بذلك حتى يتهم حالا بإدارة الاستقلال ويشي فيه جيرانه والطامعون في ولايته. أما سلاطين هذا القرن فكانوا وسطاً والوسط لا يعمل عملاً نافعاً، ولم ينشأ للسلطنة صدور عظام عرفوا بالمضاء وحب العمل أمثال أبناء كوبرلي وصوقوللي في القرن الماضي، بيد أن أعمالهم لم يصل إلى الشام منها إلا الصدى، ولم يخرج من الشام نابغة بعقله وإدارته من أرباب الإقطاعات وغيرهم كما كان في القرن المنصرم، وجل همهم مصروف إلى دفع عادية خصمائهم من أقربائهم أو غيرهم، وكانوا دون من يأتي من الآستانة من الولاة عقلاً وعدلاً، ومما ظهر في هذا القرن من النقص المحسوس قلة السكان فقلق العقلاء، وكان في حلب قبل استيلاء العثمانيين ٣٢٠٠ قرية يتقاضى منها الخراج فنزل عددهما إلى أربعمائة قرية حتى إن ابن معن لم يقبل أن يتولى مقاطعة بني حمادة لأنها خربت، وهام الفلاحون على وجوههم في المدن والجبال وهكذا الحال في ولاية دمشق وفلسطين. وقال فولنه: إن سكان كسروان وحده ضعفا سكان فلسطين. وهكذا كان السكان يكثرون في المقاطعات التي تتخلص مباشرة من إدارة الباب العالي مثل لبنان ووادي التيم ونابلس وعجلون، وإن لم تكن حالتها مما يستحب. أما أعمال العمران فلم يقم فيها إلا قصور لأرباب الدولة أمثال قصر لأسعد باشا العظم في دمشق وقصره في حماه إلى غير ذلك، وقامت من المدارس مدرسة

стр. 583

إسماعيل باشا العظم ومدرسة سليمان باشا العظم في دمشق، وبعض مدارس في حلب، ولكن بدأ خراب المدارس القديمة العظيمة بمقياس واسع، وتداعت المساجد والجوامع، ولم يقم من المشاريع النافعة ما يستحق الذكر كأن القطر لا صاحب له يغار عليه، فالمتغلبة من أبنائه والقادمون من الولاة عليه، لا يهتمون لمثل هذا الشأن، وسلاطينها ضعاف إن أفلح أحدهم فعمر له جامعاً ومقبرة خاصة في دار الملك عدوه محباً للعمران، متقرباً بعمله الصالح من البارئ الديان. انتهى الجزء الثاني من خطط الشام ويليه الجزء الثالث وأوله العهد العثماني من سنة ١٢٠٠.

стр. 584

العهد العثماني من سنة ١٢٠٠ إلى ١٢٤٧ الجند أداة الظلم والتدمير: كان الشام في هذا القرن مهد القلاقل والثورات، يقع الاعتداء في الأكثر على النصارى واليهود وأهل السكينة من المسلمين. وأكثر الفوضى ناشئة من الجند الجاهل الذي تمادى في اللؤم والدناءة حتى آض كالوحوش الضارية. ويقسم هذا الجند إلى ثلاثة أقسام: الإنكشارية والقبو قولي وهما القسمان القويان، والقسم الثالث حرس الولاة الخاص وهو يتألف من المغاربة والتكارنة والترك والأرناؤد والدالاتية وغيرهم، والعداوات متأصلة بينهم. ولطالما قامت بسبب ذلك فتن، ووقعت ويلاتها على الشعب فيهرق دمه وتنهب أمواله، وتغلق حوانيته، وتقف الأعمال، ولا سيما في الحواضر كدمشق وحلب. ولا تنفض هذه المشاكل إلا بتدخل الولاة أو أحد الأعيان، ويتكرر ذلك أبداً لأن العلة الأولى فيها لم تستأصل ما دام المجرمون لا يعاقبون والأوباش لا يُحملون على حرمة الشريعة. ولذلك كانت شوارع المدن وأحياؤها كثيرة الأبواب والأرتجة وتقفل أيام الثورات، وساعة المخاصمات والمشاغبات، والأزقة ضيقة معوجة لتصلح لحرب المتاريس. وأكثر رجال الجندية نفوذاً الإنكشارية لكثرتهم وشدتهم وصداقتهم للوالي. وكان زعماء الجند يلقبون بالأغاوات. ويرسمون على أيديهم الوشم شعار الفرقة التي ينتمون إليها، ويرسم على أبواب المقاهي اسم الفريق الذي يختلف إليها، وليس لهم نظام خاص. والمحلات تخضع للأغا المقيم فيها

стр. 585

وهو يخضع لزعيم الفرقة. ولم تكن تكفيهم إدارتهم التي يتناولونها من مال الخزينة لكثرة أتباعهم، فيضطرون للعمل يذهبون إليه وهم مسلحون ليسهل عليهم الانضمام إلى فرقتهم متى دعت الحاجة، ولا شأن للخاملين وأهل الفسق إلا الاجتماع في المقاهي والحانات، وإطالة أيدي الأذى على الناس يصادرون أموالهم ويفترسون نساءهم وصبيانهم، وكثيراً ما يقتلون أحد أبناء السبيل لغير سبب كأن يجربوا بنادقهم أو سيوفهم في أول من تقع أعينهم عليه. تمادى الرعاع في قحتهم وفجورهم إلى الغاية، لضعف الحكام وقصورهم عن ردع القوي عن الضعيف، فنشأت فئة من الناس مسلمين ومسيحيين، اتكلوا في حفظ أنفسهم وأهلهم على أنفسهم وشدة بأسهم في الدفاع. وكان القوم يحترمون هؤلاء الأشداء ويخافونهم، وكان منهم من عرف بالشهامة والشمم بما يغبطون عليه ويخفف ويلات الشرور اللاحقة بالرعايا من اعتداء الجند أحياناً. وبلغ التعصب الديني أقصى شدته في هذا العصر حتى تجاوز القوم فيه حد الإفراط، يحسب المرء كل من لم يتدين بدينه ممن يجوز له قتله أو الاعتداء عليه، وابتزاز ماله وانتهاك عرضه، وانتشر هذا الروح حتى عمّ السواد الأعظم من الناس. قال مشاقة بعد إيراد ما لخصناه: وكان فريق من العلماء وأهل التقوى يرون معاملة الذمي بالحسنى تبعاً لقواعد الدين الشريفة ولكنهم لم يوفقوا لردع الرعاع في زمن عمت فيه الفوضى وساد الجهل والهمجية على القوم. من أجل هذا ساغ لنا أن نستنتج أن الشام كان أهلها وحكومتها بين ظالم ومظلوم، يشتد الوالي في إعنات الرعية لسلب أموالهم ويرسل إلى العاصمة بالمقرر عليه، وكثيراً ما يشاكسونه فلا يدفعون المفروض عليهم، أو ينتقضون عليه بإيعاز بعض أهل النفوذ وقد يكون الحق معه، والرعايا عرضة لاعتداء الجند وأغواتهم والأعيان وأتباعهم، تساوى في النظام المدني والقروي، وربما كان المدني أكثر تعرضاً للمهالك لقربه من هذه العوامل التي أخذت على نفسها تمثيل التخريب في مسارح الجهل على ضروبه وأشكاله. ظلمات بعضها فوق بعض، وسلاسل مفرغة من المصائب لا يدري أين طرفاها. وليت

стр. 586

شعري ما يرجى من عناية دولة بأُمتها وهي تعطي الوزير ثلاثة أطواخ والأطواخ أذناب خيل فالذنب معلق من أسفله في رأس عصاً وطولها نحو ثلاثة أذرع وشعره مسدول عليها، فإذا سافر الوزير يرسل الطوخ الواحد قبل سفره بيوم إلى محل نزوله فيستعدون لاستقباله وتهيئة ما يلزمه من المآكل والعلف للدواب بلا ثمن. وأما الطوخان الباقيان فيحملان أمام الوزير في السفر. ومعنى الأطواخ أن الدولة تحكم البلاد بأذناب خيلها قاله مشاقة ونحن نقول: إن الدولة التي يبلغ من غرورها هذا المبلغ لا تنجح في الحكم بحال. قال جودت في حوادث سنة ألف ومائتين: إن وظيفة جابي المال في حلب كانت منذ أربعين سنة مطمح أنظار الموظفين في الدولة لأنها تأتيهم بثروات إذا جاءوا بها إلى الأستانة ينالون بواسطتها رتبة الوزارة ورتبة ميرميران، وممن كان منه ذلك أحمد باشا فإنه أخذ العلم والطوخ واشتهر شهرة عظيمة، وما برحت هذه الوظيفة تباع وتشترى بالمزاد، وكثيراً ما كانت الدولة ترسل بمفتشين يشاركون المرتكبين من هؤلاء الجباة، وكثيرون ممن يتولون هذه الوظائف يرحلون بالأموال ينفقونها في شهواتهم حتى يهلكوا فقراً وقهراً، ولذلك كانت أموال الدولة تبدد ويسرف فيها. حوادث الجزار وفتن الإنكشارية وغيرها: بدأ القرن وأعظم وزير مسموع الكلمة في الأستانة قوي الشكيمة في ظلم الرعايا بالشام، أحمد باشا الجزار، تولى دمشق بعد ولاية عكا، وذهب أميراً مع الحج فرفع الدمشقيون الشكاوى عليه إلى دار الملك فعزل وذهب إلى الأستانة فعينته الدولة وزيراً على صيدا، وأقام في عكا وحصنها وضبط أملاك بيت شهاب في بيروت ورفع أيديهم عن حكمها، وأنشأ للثغر أرتجة وسوراً فسُر المسلمون بذلك، ونُصب على دمشق إبراهيم دالاتي باشا سنة إحدى ومائتين وألف وكان جسوراً مهيباً فحدث بينه وبين الأهالي اختلاف وتعصبوا عليه وحدثت فتنة، فأغلق أحمد آغا الزعفرنجي شيخ الإنكشارية القلعة وقتل من عسكر الوالي ثلاثمائة رجل وأراد لأن يضرب الوزير، فخرج

стр. 587

هذا إلى حمص وحماة وجمع عسكراً كثيراً، وأوعزت الدولة إلى الجزار وإلى الأمير يوسف الشهابي أن يعاوناه بعسكرهما ففعلا، وعاد الوالي إلى دمشق فارتاع أهلها وأرسلوا النساء إلى الجامع الأموي فكلمه أعيان المدينة فاشترط عليهم أن يلتزم الرحمة إذا خرج الزعفرنجي من القلعة وتسلمها رجاله، ودخل البلد وقتل بعض الأردياء قيل: إنهم مائة وخمسون رجلاً من جماعة القلعة، وكان جاء الوالي في عسكره إلى باب الله واجتمع العسكران ووقع قتال فهلك فيه من الفريقين خلق. وملك الوالي الميدان، واستمر ذلك مدة والعسكر محيطة بالقلعة حتى سُلمت. وأقام هذا الوالي أربع سنين في دمشق، وذهب أمير القلعة إلى أمير عرب الموالي فارّاً منه فأوعز إلى متسلم حماة أن يقتص من عربه لفسادهم في تلك الأرجاء، فساق عليهم من حلب وحماة جيشاً قتل منهم نحو ألف إنسان وانهزم الباقون. وكان عرب الموالي ثاروا هذه السنة في ضواحي حمص وحماة فنهبوا القرى وفتكوا بأغوات الدنادشة حكام المدينتين منهم وقتلوا كلاً من شيخ الكلبيين وشيخ النصيرية وعاثوا في تلك الجهات وفتكوا بأعيانها. وفي سنة ١٢٠١ دخل عثمان باشا إلى إنطاكية ونزل عسكره على الحريم وفعل فيها أفعالاً قبيحة، وأتى إدلب وصادرها وخرب جميع القرى التي مر عليها، وخرب الراموسة، واشتبك القتال بينه وبين أهل الشيخ سعيد عدة أيام فقتل من عسكره بالطاعون والسلاح عدد كبير، ونهب قرى في تلك الأرجاء، هذا والطاعون في حلب وأرجائها يفتك فتكاً ذريعاً. وخربت القرى وهلك الفقراء في فتنة الأمير جهجاه الحرفوش ١٢٠٢ وكان قوي على إبراهيم باشا والي دمشق، وسرت شرارة فتنة الزعفرنجي إلى أهل دمشق حتى طلب الوالي عسكراً من جبلي نابلس والشوف ودقت طبول الوالي ١٢٠٣ من دومة وفرق العساكر ثلاث فرق فدخل عمر آغا من الزفتية، وابنه على صفّ الجوز، والوزير على السلطاني، وأحرقوا القبيبات وحارة التركمان، وجرت الدماء من الصباح إلى العصر حتى أطاع أهل دمشق السلطان عبد الحميد الأول، وخرب الوالي القلعة وأهلك متوليها بمدافعه شرذمة قليلة من عسكر الوزير، وبقيت الحرب بين الفريقين ستة أيام بلياليها. وفي أيام إبراهيم باشا الكردي ١٢٠٣ انتشبت الحرب في وادي أبي

стр. 588

عباد فوق كامد اللوز في البقاع بين عسكر الجزار وعسكر الشهابين أُمراء لبنان ووادي التيم انكسر فيها عسكر الجزار كسرة عظيمة. ووقع بين عسكر الجزار والهوارة والدروز في جب جينين قتال انكسر فيه عسكر الأمير وقتل منه مقتلة عظيمة، ثم جمع الأمير يوسف عسكر لبنان وأرسلهم مع سليمان باشا والهوارة إلى عين دارة، فالتقوا بعسكر الجزار في قب الياس فانكسر أيضاً عسكر الأمير يوسف وحدثت عدة وقائع بين عسكر الأمير في جزين وعسكر الجزار في جباع كسر فيها عسكر الأمير يوسف. وكان عسكر الزعفرنجي يعيث خلال ذلك في مرج الغوطة، فيهلك الفلاحين ولا إهلاك الأوبئة ويرعى رجاله الزروع ولا أكل الجراد. عهد سليم الثالث وفتن وكوائن: هلك السلطان عبد الحميد الأول سنة ١٢٠٣ وخلفه السلطان سليم الثالث وكانت أيامه كلها غوائل وفتناً: استقلت فيها القريم وأصبحت روسيا بما أخذته من أملاك الدولة على البحر الأسود دولة بحرية مهمة، وقبل بمعاهدة كوجك قينارجه ١١٨٨ مع روسيا وبها انحط مقام الدولة، وحارب روسيا مرتين. وقال مترجموه من الترك: إنه كان عادلاً حليماً تحبه الرعية. ويقول من عاصره: إن عبد الحميد الأول كان أخرق للغاية وإنه كان جاهلاً وليس فيه من الجودة الرأي والحزم والمضاء شيء، ولم يستطع أن يستفيد من الثورة السياسية والدينية التي نشبت في القافقاس، ولم يحسن الانتفاع من أسباب النجاح التي كانت متوقعة من بحريته وجيشه. وفي سنة ١٢٠٤ وقعت فتنة بين الأمير قاسم الحرفوش وابن عمه جهجاه في سهل أبلح بالبقاع، فدحر قاسم عسكر الأمير بشير الشهابي فشق عليه فأرسل نجدة أخرى للأمير قاسم، فلما علم ذلك جهجاه هرّب سكان بعلبك وأتلف ما فيها ولم ينالوا من جهجاه، ثم استُصرخ الجزار فأمر بأن يمد بجيش فأرسل معه عسكر المغاربة والدولة ومشايخ الدروز فانتشبت الحرب بينهم وبين جهجاه فاندحروا وقلق الناس، ورحل كثير من السكان من تلك

стр. 589

الأرجاء، ثم تغلب جهجاه على قاسم. وفي السنة التالية وقعت وقعة بين جهجاه وحاكم بعلبك إسماعيل فانهزم هذا وقتل من رجاله نحو مائتي رجل ولم يقتل من رجال جهجاه أحد. وفي سنة ١٢٠٥ أحرقت عساكر الدولة وقيل عسكر الأمير بشير حاصبيا وأكثر القرى التي حولها. مظالم الجزار واختلال الإدارة: تولى أحمد باشا الجزار دمشق للمرة الثانية سنة ١٢٠٥ وظل مقيماً في عكا وأرسل متسلمين منهم أُرفه أميني وكان كما قال مشاقة ظالماً قاسياً يشبه أُستاذه في إنشاء المظالم والحوادث الصعبة على المسلمين والنصارى واليهود. وكان الجزار مغتاظاً من أهل دمشق لعرضهم على الدولة مساوئه مما أدى إلى تنحيته عن عمله سنة إحدى، فأراد الانتقام من الساعين به هذه المرة. وبالحقيقة أن مدة حكم الجزار في دمشق وهي خمس سنين لم يرتح فيها الناس شهراً واحداً من طلب الأموال ظلماً وطرح المعاملة المتصل التي حدثت بها خسائر عظيمة وطرح بضائع متنوعة، ينهبها من جهات ويطرحها بأسعار زائدة على أخرى، وليس هناك صغير ولا كبير إلا ويناله الظلم والقهر، ونزح كثير من السكان وتركوا أوطانهم وعيالهم. سلسلة من المظالم لا حد لها. وكان كل سنة يقتل في قلعة دمشق بدون تحقيق أُناساً وقد قتل في إحدى السنين مائة وستين رجلاً خنقاً وذلك في ثاني سنة من ولايته. وفي السنة الثالثة قتل نحو ستين وكان كلما جاء دمشق مرة في السنة وهو ذاهب ليحج بالناس أو آيب منه يعمل هذه الأعمال للإرهاب ولم يقف أمر المظالم عند حد أوامر الجزار المجنونة، بل كانت الفتن في جهات أخرى من الشام على عادتها في القرون الماضية، من ذلك أنه جرت سنة ١٢٠٦ عدة وقائع كانت سجالاً بين الجبل وعسكر الدولة الذين كانوا مع الأمير بشير، وأحرقت عسكر الدولة غريفة وبست نساء وأولاداً. واشتد الخصام بين بشير قاسم وحيدر ملحم الشهابين على الإمارة في لبنان، وكان بشير تعهد للجزار بخمسة آلاف كيس على مثل ما تعهد به يوسف، فأخذ يصادر كل من مالأ الأمير يوسف،

стр. 590

ومال الناس إلى الأمير حيدر للتخلص من الضرائب التي سامهم الأمير بشير دفعها، وسادت الفتن في اللبنانين الغربي والشرقي، وهاجم والي دمشق بعلبك للانتقام من الأمير جهجاه لأنه لم يخلد إلى السكينة، وقتل عشرات من الناس في بعلبك وسغبين وقتل من المعسكر أكثر من ذلك. وهجمت أهالي حلب على بطال آغا نوري ومحمد آغا وعلى عسكره وحصل بينهما مناوشة أدت إلى انهزامه خارج حلب، وتوجه إلى عينتاب وحاصرها خمسة أشهر إلى أن قتل وحمل رأسه أربعة وعشرين من العصاة إلى الأستانة. قال جودت: وكان هؤلاء الخونة يقتربون إلى رجال الأستانة بالأمور الدنيئة فينصبونهم حكاماً في بعض المقاطعات فيفسدون في الأرض ويتسلطون على عباد الله حتى ترفع الرعية علم العصيان وتقاوم الحكومة ولا تبعة في ذلك إلا على رجال الدولة. وفي سنة ١٢٠٦هـ ١٧٩١م أخرج الجزار الفرنج من بيروت وبنى السور بحجارة أبنية الشهابية التي دكها ودك كنائسهم وجعلها إسطبلات. وفي هذه السنة قتل رجل من أهل بيروت خارج البلد فأغلقوا الأبواب وقبضوا على كل من وجدوه من أهل الجبل وكانوا نحو ستين رجلاً فقتلوهم جميعاً. وحدثني الثقة من أهل بيروت عن أبيه عن جده أن حكام بيروت المسيحيين اشتدت مظالمهم وعتوهم على المسلمين فكان الأمير يمر في شهر رمضان في المدينة يحملون أمامه الغليون للتدخين فينتصب المسلمون على الأقدام يحيونه فلا يتنازل أن يجيبهم بل يقول الخادم من ورائه: سلّم الأمير. فضاقت الحال بالمسلمين فشكوا أمرهم إلى قائد الأسطول العثماني وكان يأتي كل سنة ليحمل الأموال المقررة فقال لهم: الخطب سهل وهو أن تغلقوا أبواب المدينة متى رأيتمونا أقلعنا بسفننا وتذبحوا النصارى وبذلك ترتاحون منهم ففعل غوغاء المسلمين وقتل بهذا التدبير الجائر كثير من الأبرياء، وبذلك تبين أن الدولة لم تكن تهتم إلا لجبايتها، فإذا استوفتها فسواء لديها تقاتل رعاياها أم تصالحوا، والغالب أنها تحبهم أن يكونوا على خصام أبداً حتى يخلو لها الجو، وقاعدة فرق تسد من أهم قواعد حكمها. وفي سنة ١٢٠٧ وهب الشهابيون الهرمل للأمير جهجاه الحرفوش فلم

стр. 591

يذعن له سكانها فحاربهم وقتل منهم نحو أربعين رجلاً وحرق البلدة وفي سنة ١٢٠٨ قامت الفتن بين الأشراف والإنكشارية في حلب دامت عشرين يوماً قتل فيها بعض أهل اليسار والشرف ثم انكسر الأشراف وحصرهم الإنكشارية في جامع الأطروش وجرى من القبائح ألوان وأشكال. وفي سنة ١٢٠٩ صدر أمر الجزار بمصادرة بعض صيارف دمشق من الإسرائيليين وقتل بعضهم وأدخل الرعب على أبناء نحلتهم، ونال مثل ذلك بعض أغنياء الأهالي على اختلاف مذاهبهم، وبدأ القتل والصلب وقطع الأنوف وحبس خلق وجرم الأبرياء وهام الناس على وجوههم، وفي هذه السنة غزا عسكر دمشق بعلبك فهرب الأمير جهجاه إلى رأس بعلبك فأحرق بعض بيوتها وكان رجال الدولة يحاذرون من شيء يقع على الشام بعد أن اعتصمهم الظاهر عمر بروسيا فقد ذكر شاني زاده أن والي صيدا عبد الله باشا كتب إلى الدولة بأن كنيستي عكا والناصرة وقلعة حيفا كلها مستحكمة البناء لا تخلو من محذور فاستفتى السلطان فأفتى بأن تهدم الكنيسة القديمة والجديدة معاً لثبوت مضرتها ونفذ الحكم. وكثيراً ما كان الولاة في العهد العثماني يوجسون خيفة من الديارات والبيع إذا كانت مستحكمة البناء فقد أخرج السلطان سليمان النصارى من ديرهم في سفح جبل بالقرب من قرية البعنة في صفد وكان قديماً يعرف بدير الخضر وأمر أحمد بن أسد البقاعي من الصوفية بالإقامة فيه مع أولاده. وفي سنة ١٢١٠ تولى دمشق عبد الله باشا العظم والقطر في حالة مزعجة وقد دام في ولايته هذه ثلاث سنين وبقي الجزار في عكا وفي هذه السنة وقع القتال بين عسكر أولاد الأمير يوسف في جبيل وبين الذين كانوا في قلعتها من عسكر الأمير بشير وكسروهم. وفي سنة ١٢١١ أرسل عبد الله باشا العظم عسكراً إلى البقاع فأرسل الأمير بشير والجزار والي عكا عسكراً فالتقاهم الجزار، ووقع القتال في مندرة من قرى البقاع، فانكسر عسكر دمشق كسرة عظيمة وقتل منه جماعة. ولم يزل عسكر لبنان والهوارة مجداً في آثارهم إلى وادي المجدل وغنموا خيلهم وسلاحهم وذهب بعض اللبنانيين وأحرقوا البترونة قرب الزبداني. وفي سنة ١٢١٢ توجه والي دمشق إلى التفتيش كالعادة فلقي الطريق ممسوكة منافذها من عسكر الجزار فساءت حال رجاله ثم توجه إلى جنين

стр. 592

فطمع الأهلون فيه ولم يعطوه مال الدورة، فألحق به الجزار جنده قاصداً قهره وعسكره. فركب وركب العسكر وتوجه نحو عسكر الجزار فدارت بين الفريقين حرب انتصر فيها والي دمشق على الجزار، وقتل الأول من عسكر الثاني خلقاً، ورجع لم يعترضه أحد وقد جمع الأموال الأميرية برمتها. وفيها قامت الإنكشارية على أعيان حلب وقتلوا كثيراً منهم حتى كانوا يقتلون السيد وهو يصلي في المحراب، فعرض الحال على الدولة فجاء شريف باشا والياً على حلب فمنعته الإنكشارية من دخولها، فتعهد بأن يكون مسعفاً لهم فدخل وأتته الأشراف فقوي بأسهم على الإنكشارية وبعد ذلك أرسل إلى الإنكشارية سراً أن يثوروا بالسادات فكبسوهم ليلاً وقتلوا منهم مائتين وخمسين نفساً وأخذ منهم شريف باشا خمسمائة ألف قرش وقدمها للدولة، وقويت شوكة الإنكشارية في حلب. وفي سنة ١٢١٣ ضرب الجند الدالاتية جميع قرى دمشق وأكلوا مغلها وحرقوا دوابها وصار منهم قتل وسلب. قال ابن آقبيق: وقال أيضاً في حوادث هذه السنة: إنه كثرت الفتن وانحل الحكم حتى بقي إطلاق البارود من القلعة سبعة أيام. وانتشرت الفوضى في الأحياء والبلاد لا حكم فيها لحاكم ولا متسلم، وأفندية البلد دمشق مسجونون عند الباشا في المخيم وبقي ذلك حتى رحل الباشا، وبقي عسكره يومين وليلتين نهبوا في خلالها ما في القرى من مأكول ومنظور وعزم غالب أهلها على الرحيل لما أوقع فيهم الجند من الضرر. محاولة نابوليون فتح الشام واستيلاؤه على غزة ويافا: بينا كانت الفتن الأهلية بين العمال على المال، والشام قد ضعفت فيها كل قوة، والدولة كلما رأت عاملاً قوياً تكتفي بأن تضع في جواره عاملاً آخر تملي له من قوتها حتى يظل في خصام مع جاره، والضعف في الإدارة ظاهر كل الظهور، والناس من الجزار في قسم عظيم من ديار الشام في أمر مريج، وهي مفتحة الأبواب خالية من أسباب الدفاع إلا ما كان من أسوار

стр. 593

أُمهات مدنها أتى نابوليون بونابرت مصر ١٢١٣ وفتحها ولما شعر باجتماع الجيوش لمحاربته وأنه إن لم يفاجئ الدولة العلية في الشام قبل أن تتم استعداداتها الحربية تكون عواقب الأمور وخيمة عليه وأن من يحتل مصر لا يكون آمناً عليها إلا إذا احتل القطر الشامي فلهذه الدواعي قام من مصر ومعه ثلاثة عشر ألف مقاتل قاصداً الشام من طريق العريش. ولما بلغ أحمد باشا الجزار قدوم الجيش الفرنسي من مصر إلى عكا أسرع - على رواية نقولا الترك - بتدبير ما يحتاج إليه في الحصار، وأرسل إلى يافا العسكر وحصنها بالمدافع والقنابر، وامتد إلى مدينة غزة بعساكره وعشائره ووصلت جيوشه إلى قلعة العريش. وأقاموا فيها وتنبهت الغز للجهاد. وفي شهر شعبان سنة ١٢١٣ خرجت العساكر الفرنسية إلى مدينة بلبيس والصالحية وكتب إلى الجنرال كليبر أن يتوجه من دمياط في البر على طريق قَطية. ولما سيّر بونابرت العساكر أحضر علماء الدين وقال لهم: إن الغز المماليك الهاربين مني قد التجئوا إلى أحمد باشا الجزار فجمع لهم العساكر وحضر إلى العريش وعزموا على الحضور إلى الديار المصرية فلذلك أخذتني الغيرة وعزمت أن أسير إليهم بالعساكر وأن أخرجهم من قلعة العريش، ثم جاء الفرنسيون إلى هذه القلعة وكان فيها ألف وخمسمائة مقاتل فحاصرها ثمانية أيام، ولما فرغت مؤونتهم وبارودهم أرسلوا يطلبون الأمان، وأن يخرجوا من القلعة بغير سلاح، وبعد ذلك حضر قاسم بك المسكوبي في عسكر ومهمات فبلغ بونابرت وصوله وربطوا عليه الطريق وكبسوه ليلاً وذبحوا عساكره ولم يسلم منهم إلا القليل. وعندئذ أمر الجنرال دوكوا قائد مصر ووكيل بونابرت التجار أن تسير بالقوافل إلى الشام لينتفع بالمكاسب أصحاب التجارة وينتفع سكان الشام ببضائع مصر حسب العادة السابقة. وسار أمير الجيوش بالعساكر من قلعة العريش إلى خان يونس واستخلص غزة من الغز عساكر الجزار فوجد في غزة حواصل ذخيرة من بقسماط وشعير وأربعمائة قنطار بارود واثني عشر مدفعاً ومستودعاً كبيراً من الخيام والقنابر. ولما بلغ يافا بني المتاريس أمامها وأرسل يطلب إلى حاميتها التسليم وكانت نحو ثمانية آلاف فأبت وقتلت الرسول فأدار عليها المدافع وقوي الصدام فقتل

стр. 594

من العسكر ما ينيف على خمسة آلاف ومن أهالي البلد ألفان وهجم الفرنسيون على المراكب التي في الميناء وأخذوا منها بضاعة ثمينة. ومن الغد أطلق أمير الجيوش الأسارى وسرح الشاميين والمصريين وأمر بقتل الهوارة والأرناؤد جميعاً لأن بعضهم كان في قلعة العريش وحين أطلقهم أمرهم أن يذهبوا إلى بيوتهم فأتوا يافا وحاصروا بها فقتلهم واستبقى بعض الأغاوات الكبار. وجد الفرنسيون في قلعة يافا ثمانين مدفعاً وغنموا غنائم كثيرة من المراكب وغيرها. وقائع نابليون على عكا وفي مرج ابن عامر: وسار بونابرت بالعسكر قاصداً مدينة عكا على طريق الجبال، ولما وصلوا إلى ارض قاقون كانت عساكر الجزار والنابلسيون في الوادي، وحينما بلغهم قدوم الفرنسيون أخرجوا منهم من فم الوادي خمسمائة مقاتل وبدروا يرمحون تجاه العسكر وكان قصدهم أن يجروهم إلى ذلك الوادي، فلما علم أمير الجيوش مقصدهم قسم عساكره أثلاثاً ونشبت الحرب فقتل من عسكر المسلمين وولى الباقون منهزمين، ومن الغد سار عسكر الفرنسيين إلى وادي لاملح وكان بلغ الجزار اقترابهم من تلك الديار فأرسل إلى حيفا فأحضر الذخائر الحربية والعسكر، وعندما وصل الفرنسيون إلى حيفا خرج أهاليها لمقابلتهم وسلموا أمير الجيوش مفاتيح البلد والقلعة، ودخل الفرنسيون إلى حيفا فوجدوا بها قارباً صغيراً فيه جماعة من مراكب الإنكليز فأخذوهم أسرى، وبعد ذلك انتقل أمير الجيوش بالعساكر إلى مدينة عكا ونصبوا المضارب والخيام في محل يقال له أبو عتبة، وبنوا المتاريس الحصينة ووضعوا فوقها المدافع وسار الجنرال كليبر والجنرال منو إلى الناصة ونصب حاكم فرنسي على شفا عمرو وابتدأت الحرب على عكا خامس يوم من شوال سنة ١٢١٣ ودامت أربعاً وعشرين ساعة والجيش الفرنسي يضرب المدافع والقنابر، والمراكب العثمانية والإنكليزية تطلق المدافع من البحر حتى خيل للناظرين والسامعين أن مدينة عكا لم يبق فيها حجر على حجر، وهمّ الجزار أن يخرج فطمنه

стр. 595

الإنكليز وقالوا له: إننا أسرنا في عرض البحر ثلاثة مراكب مشحونة ذخيرة فضعف أمرهم، ثم أسر الفرنسيون مركبين كانا قادمين من الأستانة فيهما ذخائر ومدافع وستة وثلاثون ألف دينار مرسلة للجزار فسرّي على الفرنسيين، وحضر إلى أمير الجيوش قرب عكا الشيخ عباس بن ظاهر العمر فرحب به وأعطاه السلاح والكسوة وعشرة أكياس وكتب له أن يكون متولياً على مقاطعة أبيه. وحضر أيضاً مشايخ بني متوال فوسد إليهم حكم إقليمهم وساروا من عند أمير الجيوش إلى صور وقدموا له الذخائر وتسلموا القلعة التي كانت لآبائهم. وكان قد اجتمع من دمشق جند من المغاربة والهوارة والعربان والغز بلغوا ثلاثين ألف مقاتل بين فارس وراجل وانتهوا إلى مرج ابن عامر فبلغ كليبر خبرهم فسار إليهم في ألف وخمسمائة مقاتل، وحينما وصلوا وشاهدتهم تلك الجموع انهزموا أمامهم مكيدة لهم، ولم يزل الفرنسيون في أثرهم حتى وصلوا إلى أطراف المرج ومن هناك أحاطوا بالفرنسيين من كل جانب، ولما رآهم القائد كليبر قد أحاطوا بالعسكر قسم رجاله أربعة أقسام مع كل قسمة منهم مدفع. شاهد أهالي الناصرة كثرة جيوش دمشق وأن الفرنسيين إلى قلة فبادروا وأخبروا أمير الجيوش فأحضر حالاً القائد لتُرك وأمره بتحضير ثلاثة آلاف عسكري وأخذوا معهم أربعة مدافع، وأمر الجنرال بونابرت أن يسيروا على وادي عبلين وبعد ثلاث ساعات من مسيرهم ركب أمير الجيوش وسار وراءهم طالباً أثرهم، ووصل في منتصف الليل بعسكره إلى بئر البدوية وعند الصباح سار بالعسكر إلى أن نفذ إلى مرج ابن عامر وصعد إلى تل عال فكشف أرض المرج ونظر إلى الجنرال كليبر في وسط البيداء وعساكر المسلمين محيطة به والهجوم من كل ناحية وليس لهم عليه سلطان، ثم نشاهد جبلاً بعيداً وعليه المضارب والخيام وكان هذا جيش الغز، فنزل أمير الجيوش وعزل خمسمائة مقاتل، وأمرهم أن يقصدوا الجبل ويكبسوا الجيش وتوجه قسم منه حتى صارت العساكر المحاربة في وسطهم وأحاطوا بهم، ولما وصل أمير الجيوش إليهم ضرب مدفعاً واحداً ثم ضرب القسم الثاني ثم الثالث وحينما سمعت العساكر المحاربة المدافع ورأوا قدوم النجدة وعلموا أنهم صاروا

стр. 596

في وسطهم ولوا منهزمين، ولما أصبح الصباح أرسل خمسمائة جندي إلى جنين وأمرهم أن ينهبوها ويحرقوها وأخرب قرى جبل نابلس لأنهم لم يطلبوا منه الأمان. ولما بلغ أمير الجيوش قدوم عسكر دمشق إلى صفد أمر الجنرال مُرات أن يسير بخمسمائة راكب فرحل بعسكر دمشق إلى جسر بنات يعقوب، وعلم الجنرال منو وهو في الناصرة أن في مدينة طبرية عسكر الجزار فنشب القتال بينهم، فانكسر عسكر الجزار وانهزم بعد أن قتل منه مائتا جندي، وظهر الطاعون في عسكر فرنسا فمات منهم خلق. وكانت الحروب قائمة على مدينة عكا الليل والنهار وهم يهجمون على الأسوار والقنابل تنهال عليهم كالمطر، وقد أهلكوا من العساكر الإسلامية والإنكليزية خلقاً كثيراً وهدموا أبراج عكا وأسوارها. ولما هلك بعض قواد الفرنسيين على أسوار عكا مع جملة صالحة من جندهم بدأ بونابرت يرجع إلى وطنه لأمر طرأ على مركزه هناك. وكانت إنكلترا أهاجت ملوك الفرنج على فرنسا فاضطر الفرنسيون أن يرجعوا عن عكا بعد أن فقدوا على سورها ثلاثة آلاف وخمسمائة جندي، ومات في الطاعون وعلى الطريق ما ينيف على ألف. وفي ١١ ذي الحجة أمر أمير الجيوش بالقيام بجميع المضارب والخيام وانتقل إلى مدينة حيفا وكان فيها عدة حواصل قطن للجزار فأمر بإحراقها. وسار إلى يافا فأخذ ما كان لهم من الأمتعة والمدافع الكبار ودفنوها في الرمال، وقد كانوا أخذوا من العساكر العثمانية أربعة آلاف بندقية فألقوها في البحر وأحرقوا المراكب التي كانوا غنموها من المسلمين وأخذوا من فيها أسرى وسخروهم في نقل الجرحى والمرضى من عسكر الفرنسيين يحملونهم على ألواح خشب إلى مصر. خطيئات نابليون في الشام: هذا ما رواه المؤرخ نقولا الترك في دخول نابليون جنوب الشام وخروجه منها وما وقع له من الوقائع وكانت مدة مقامه في الشام شهرين لم تستفد منها

стр. 597

فرنسا سوى قتل بعض أبنائها، وكذلك خسرت الشام خسارة الضعيف مع القوي. ونابليون وإن عدوه نابغة القواد في عصره أخطأ كثيراً في توسعه في فتوحه. وفتحه الشام ومصر من جملة خطيئاته، ولم تربح أمته من حملتها على هذين القطرين إلا نشر مدنيتها على أيدي من استصحبهم نابوليون معه من العلماء والمهندسين والطبيعيين، وكانت مصر مباءة علمهم وعبقريتهم. وقد آخذ صاحب تاريخ الدولة العلية القائد بونابرت بأنه ارتكب قبل مغادرته يافا أمراً شنيعاً لم يسبق في التاريخ وهو قتله الجرحى والمرضى من عساكره حتى لا يعوقوه في سيره. وفي تاريخ فلسطين أن جنود الجزار في يافا يوم نابوليون كانت مؤلفة من عرب وأتراك ومغاربة وأرناؤد وأكراد وجركس، فانسحبوا لما فتحها نابوليون إلى بعض الحانات وأبوا التسليم قبل أن يؤمنهم على حياتهم فأجابهم القائد الفرنسي إلى طلبهم فاستأمن له أربعة آلاف شخص فساقهم إلى المعسكر. ولما رآهم نابوليون سأل قائده عن هذه الجموع المحتشدة فأخبره أنها حامية المدينة التي سلمت إليه أماناً وقبلهم حقناً للدماء فبهت وحار في أمره وقال: ماذا تريدون أن أفعل بهذا العدد أعندكم زاد يكفيهم ألكم مراكب تنقلهم إلى مصر أو فرنسا؛ ومن يتولى خفارتهم إذا أرسلناهم؟ يجب أن تعطوا الأمان إلى الأطفال والنساء والشيوخ لا للرجال الأشداء المقاتلين، ثم استشار ضباطه في قتلهم فخالفوه ولكنه أصر على رأيه وأمر بهم فقتلوا رمياً بالرصاص في ١٠ آذار سنة ١٧٩٩ ١هـ. ويقول مشاقة: إن بونابرت أمر قبل أن يغادر يافا إلى عكا بقتل الأسرى الذين وقعوا في قبضته ثلاثاً: في العريش وفي غزة وفي يافا، وكان يطلق سراحهم كل مرة بعد أن يأخذ عليهم العهود أن لا يعودوا إلى قتاله، ولما أسرهم هذه المرة وعددهم يربو على ثلاثة آلاف حنق عليهم وعلم أنهم لا يراعون ذمة ولا يحترمون الشرف العسكري، فأمر جنوده بإطلاق النار عليهم ولم يواروهم التراب، وبقيت أجسامهم طعاماً للطيور، وظلت رفاتهم مكشوفة مدة ١هـ. وهذا السبب معقول وله من القوانين الحربية ما يشفع به بعض الشيء أكثر من الرواية الأولى. وانتقد مستر مان على نابوليون ذبحه حامية يافا وكانت مؤلفة من أربعة آلاف أرناؤدي ووضعه السم لجنوده لدن عودته لأنهم أُصيبوا

стр. 598

بالطاعون. وفي رواية أنه وجد فيها ألفين من الأسرى الذين أطلقهم وكانوا عاهدوه في العريش ألا يحاربوه فقتلهم والحرب غشوم. وقال مشاقة: إن بونابرت بعد أن فرق جموع الأتراك على الحدود السورية أرسل كتاباً إلى الجزار ينصح له أن يجنح معه إلى السلم فلم يتنازل الجزار إلى إجابته، فأرسل إليه رسولاً ثانياً فقتله الجزار فحنق نابليون وتقدم برجاله البالغ عددهم آلاف مقاتل إلى غزة، وهزم من رجال الجزار أربعة آلاف فارس، وأسفرت وقعة يافا عن قتل ثلاثة آلاف من الجنود التركية، ودخلت رجال نابليون يافا، وتصرفت بما عثرت عليه من مال ومتاع، وهذه هي المرة الأولى والأخيرة التي سمح بها نابليون لرجاله بالتصرف والتمتع بمال المغلوب وأملاكه. وقال الشهابي: إن العساكر الفرنسية حاصرت يافا ثلاثة أيام وملكوها بالسيف، وكان عسكر المسلمين فيها ينيف على اثني عشر ألفاً فما سلم منه إلا القليل، وقتل كثير من النساء والأولاد حتى جرى الدم في أسواق يافا، وأرسلت دمشق عشرين ألف جندي إلى عكا فالتقاها ألف جندي من الفرنج وكسروها وقتلوا منها مقتلة عظيمة. ولما جاءت الأخبار إلى دمشق بأن عسكر الجزار وعسكر الإنكليز قتلوا من جند نابلين ثلاثة آلاف جندي زينت دمشق وضربت المدافع من قلعتها، وقد أصيبت الأقاليم التي وقعت فيها تلك الوقائع وما إليها بالخراب، ومن أهم خرابها تسلط الجند على ضعاف الرعايا فقد نهبت العساكر التي ذهبت من دمشق لمقاتلة الفرنسيين ١٢١٣ مدينة صفد وعملوا المنكرات أثناء طريقهم. فأصيبت فلسطين هذه المرة بغوائل كانت سواحل فينيقية وأعمالها تصاب بمثلها أو أكثر منها في القرنين الماضيين. وأصبحت مثل هذه الوقائع في هذا الجزء من الشام أي في اللبنانيين الغربي والشرقي وما جاورهما من الأمور العادية، وما ذلك إلا لقيام أمثال بني حمادة وبني معن وبني حرفوش وبني شهاب ممن كانوا يحاولون أن يظهروا بمظهر كبار الأمراء وهم صغار بمواقعهم ونقص تربيتهم الحربية وضعف أخلاقهم وقلة معارفهم، فكانوا بمقاومتهم

стр. 599

بعض المقاومة لعمال الدولة من الترك يخربون ديارهم، ويهلكون من أخذوا على أنفسهم حمايتهم من ضعاف السكان. حال الشام بعد رحيل نابليون عنه: كان يظن بعد رحيل نابليون ومعاونة الإنكليز للدولة العثمانية على إخراجه من الشام، أن الدولة تبدل شيئاً من أصول إدارتها وترجع عن استسلامها لعمالها الذين يجبون الجبايات ويرضونها بجزءٍ منها ويحتفظون بالباقي لأنفسهم. ولكن الأحوال بقيت بحالها، وظن الجزار نفسه أنه هو الذي دفع جيش نابليون عن الشام، فعاد يمثل مظالمه ويحمل على الناس مغارمه، ويتناول استبداده المسلمين والنصارى واليهود على السواء، وجنونه فنون. ولم يكف فلسطين ما حلّ من ظلم الجزار ثم وقائع نابليون حتى قام محمد باشا أبو المرق يسومها العسف والخسف، يجور على أهل بيت المقدس والخليل وغزة والرملة ولدّ، حتى اضطر السادات الأشراف الأبرياء لكثرة مظالمه أن يبيعوا أولادهم كما تباع العبيد والجواري على ما ذكر ذلك أحمد باشا الجزار في كتاب صدر عنه سنة ١٢١٧ إلى وكيله في دمشق. ومن أحداث هذا الدور نهب العسكر الدمشقي ١٢١٤ جميع القرى في طريقه إلى غزير في لبنان، وتفرقت عساكر الدولة في ضياع كسروان ونهبوا كل ما وجدوه وذلك للضرب على أيدي الأمير بشير الذي كان على ما يظهر يحاول أن يأكل الخراج، ولذلك قاتله جيش الدولة ١٢١٥ مرة أخرى لما جاء إلى نواحي بعبدا في لبنان وقتل من أدركه في المتن، ورجع بشير إلى عاريا وكان عسكر الدولة أحرق عدة بيوت من بعبدا والحدث وسبي النساء وقتل العجائز والأولاد فاجتمع معه أربعة وخمسون رأسا من القتلى فأرسلوها إلى الجزار ونهبوا أموالا ومواشي وأحرقوا عاريا. وذهب والي دمشق سنة ١٢١٧ إلى حماة وفتحها وبالغ في الظلم حتى فر غالب أهالي حماة عن بلدهم اتقاء شره، وتفرقوا في دمشق وحلب وطرابلس وأصبحت حماة كالقرية لقلة سكانها.

стр. 600

قال ابن آق بيق: وفي سنة ١٢١٧ شغلت دمشق بالظلم وإكرامية الباشا من البلاد واشتغل حسن آغا بالظلم في دمشق وإرهاق القرى بالطروحة والإكراميات وفرض الذخائر ومعاونة الجردة وغير ذلك من المظالم التي لم يسمع لها أثر في السابق قال: ولما خرج عبد الله باشا العظم من دمشق سنة ١٢١٨ قاصداً إلى طرابلس ليحارب أهلها، وضرب عسكره بعض القرى ونهبها وظلوا على هذا التخريب حتى بلغوا طرابلس فحاصرها وخرج أهلها هائمين على وجوههم ووقع القتال بين عسكره وعسكر المتسلم وقتل من الفريقين خلق. وكان أحمد باشا الجزار يرسل النجدات إلى عبد الله باشا العظم. وقال أيضاً: إن الجزار كان يطلب من الأغنياء أموالا يأخذها منهم بعد الحبس والضرب وبقي الطرح على جميع الأصناف وأغلقت الدكاكين بدمشق وبات الناس في كرب والعسكر يحيط بالبلد، والأكراد والشيخ طه الكردي وجنوده يعذبون الخلق أنواع العذاب حتى يقروا لهم بالأموال، والطرح على الخلق أشكال وضروب من بنّ وتنباك وألاجه وحرير وشاشات وزنانير واستصفاء بيوت وخانات وبساتين وغير ذلك، وظهر في دار ابن عقيل وكيل الجزار بدمشق طمائر ذهب قدرت بنحو خمسمائة كيس. ولم يمن يمر يوم دون أن يقبض على أربعة أو خمسة من أرباب الوجاهة والثروة يسجنون في سجن القلعة ويعذبهم أكراد الجزار بالكماشات والحديد والعصي إلى أن يشرف المعذَّبون على الموت ويشتط العمال في طلب المال من المصادرين ويطوفون بهم في المدينة، فيضطرون إلى بيع جميع ما يملكون ليكفّ عنهم، ووصلت الحال بالأغنياء إلى التسول، وكان قتل النفوس على الأكثر في سبيل أخذ المال مشروعاً كان أو غير مشروع. فقد حدثت فتنة طفيفة بين ملتزم أموال بلاد بشارة، فأرسل الجزار على العصاة عسكراً قتلوا منهم ما ينيف على ثلاثمائة رجل وأسروا عدة، وأرسلوهم إلى عكا جعلوا على الأوتاد ثم أخذ الجزار أموالاً جزيلة من السكان. ومن الحوادث في أيام عبد الله باشا العظم بدمشق أن القبو قول قصدوا إثارة فتنة ١٢١٤ فأغلق آغا القلعة بابها، وحاصره الباشا فاضطر إلى التسليم بعد مدة، فقتل آغا القلعة وهمدت الفتنة، ثم سار عبد الله باشا لمحاربة
следующие страницы →