Полный текст (1 453 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
في وسطهم ولوا منهزمين، ولما أصبح الصباح أرسل خمسمائة جندي إلى جنين وأمرهم أن ينهبوها ويحرقوها وأخرب قرى جبل نابلس لأنهم لم يطلبوا منه الأمان.
ولما بلغ أمير الجيوش قدوم عسكر دمشق إلى صفد أمر الجنرال مُرات أن يسير بخمسمائة راكب فرحل بعسكر دمشق إلى جسر بنات يعقوب، وعلم الجنرال منو وهو في الناصرة أن في مدينة طبرية عسكر الجزار فنشب القتال بينهم، فانكسر عسكر الجزار وانهزم بعد أن قتل منه مائتا جندي، وظهر الطاعون في عسكر فرنسا فمات منهم خلق. وكانت الحروب قائمة على مدينة عكا الليل والنهار وهم يهجمون على الأسوار والقنابل تنهال عليهم كالمطر، وقد أهلكوا من العساكر
الإسلامية والإنكليزية خلقاً كثيراً وهدموا أبراج عكا وأسوارها. ولما هلك بعض قواد الفرنسيين على أسوار عكا مع جملة صالحة من جندهم بدأ بونابرت يرجع إلى وطنه لأمر طرأ على مركزه هناك.
وكانت إنكلترا أهاجت ملوك الفرنج على فرنسا فاضطر الفرنسيون أن يرجعوا عن عكا بعد أن فقدوا على سورها ثلاثة آلاف وخمسمائة جندي، ومات في الطاعون وعلى الطريق ما ينيف على ألف. وفي ١١ ذي الحجة أمر أمير الجيوش بالقيام بجميع المضارب والخيام وانتقل إلى مدينة حيفا وكان فيها عدة حواصل قطن للجزار فأمر بإحراقها. وسار إلى يافا فأخذ ما كان لهم من الأمتعة والمدافع الكبار ودفنوها في الرمال، وقد كانوا أخذوا من العساكر العثمانية أربعة آلاف بندقية فألقوها في البحر وأحرقوا المراكب التي كانوا غنموها من المسلمين وأخذوا من فيها أسرى وسخروهم في نقل الجرحى والمرضى من عسكر الفرنسيين يحملونهم على ألواح خشب إلى مصر.
خطيئات نابليون في الشام:
هذا ما رواه المؤرخ نقولا الترك في دخول نابليون جنوب الشام وخروجه منها وما وقع له من الوقائع وكانت مدة مقامه في الشام شهرين لم تستفد منها
стр. 597
فرنسا سوى قتل بعض أبنائها، وكذلك خسرت الشام خسارة الضعيف مع القوي. ونابليون وإن عدوه نابغة القواد في عصره أخطأ كثيراً في توسعه في فتوحه. وفتحه الشام ومصر من جملة خطيئاته، ولم تربح أمته من حملتها على هذين القطرين إلا نشر مدنيتها على أيدي من استصحبهم نابوليون معه من العلماء والمهندسين والطبيعيين، وكانت مصر مباءة علمهم وعبقريتهم. وقد آخذ صاحب تاريخ الدولة العلية القائد بونابرت بأنه ارتكب قبل مغادرته يافا أمراً شنيعاً لم يسبق في التاريخ وهو قتله الجرحى والمرضى من عساكره حتى لا يعوقوه في سيره. وفي تاريخ فلسطين أن جنود الجزار في يافا يوم نابوليون كانت مؤلفة من عرب وأتراك ومغاربة وأرناؤد وأكراد وجركس، فانسحبوا لما فتحها نابوليون إلى بعض الحانات وأبوا التسليم قبل أن يؤمنهم على حياتهم فأجابهم القائد الفرنسي إلى طلبهم فاستأمن له أربعة آلاف شخص فساقهم إلى المعسكر. ولما رآهم نابوليون سأل قائده عن هذه الجموع المحتشدة فأخبره أنها حامية المدينة التي سلمت إليه أماناً وقبلهم حقناً للدماء فبهت وحار في أمره وقال: ماذا تريدون أن أفعل بهذا العدد أعندكم زاد يكفيهم ألكم مراكب تنقلهم إلى مصر أو فرنسا؛ ومن يتولى خفارتهم إذا أرسلناهم؟ يجب أن تعطوا الأمان إلى الأطفال والنساء والشيوخ لا للرجال الأشداء المقاتلين، ثم استشار ضباطه في قتلهم فخالفوه ولكنه أصر على رأيه وأمر بهم فقتلوا رمياً بالرصاص في ١٠ آذار سنة ١٧٩٩ ١هـ.
ويقول مشاقة: إن بونابرت أمر قبل أن يغادر يافا إلى عكا بقتل الأسرى الذين وقعوا في قبضته ثلاثاً: في العريش وفي غزة وفي يافا، وكان يطلق سراحهم كل مرة بعد أن يأخذ عليهم العهود أن لا يعودوا إلى قتاله، ولما أسرهم هذه المرة
وعددهم يربو على ثلاثة آلاف حنق عليهم وعلم أنهم لا يراعون ذمة ولا يحترمون الشرف العسكري، فأمر جنوده بإطلاق النار عليهم ولم يواروهم التراب، وبقيت أجسامهم طعاماً للطيور، وظلت رفاتهم مكشوفة مدة ١هـ. وهذا السبب معقول وله من القوانين الحربية ما يشفع به بعض الشيء أكثر من الرواية الأولى. وانتقد مستر مان على نابوليون ذبحه حامية يافا وكانت مؤلفة من أربعة آلاف أرناؤدي ووضعه السم لجنوده لدن عودته لأنهم أُصيبوا
стр. 598
بالطاعون. وفي رواية أنه وجد فيها ألفين من الأسرى الذين أطلقهم وكانوا عاهدوه في العريش ألا يحاربوه فقتلهم والحرب غشوم.
وقال مشاقة: إن بونابرت بعد أن فرق جموع الأتراك على الحدود السورية أرسل كتاباً إلى الجزار ينصح له أن يجنح معه إلى السلم فلم يتنازل الجزار إلى إجابته، فأرسل إليه رسولاً ثانياً فقتله الجزار فحنق نابليون وتقدم برجاله البالغ عددهم آلاف مقاتل إلى غزة، وهزم من رجال الجزار أربعة آلاف فارس، وأسفرت وقعة يافا عن قتل ثلاثة آلاف من الجنود التركية، ودخلت رجال نابليون يافا، وتصرفت بما عثرت عليه من مال ومتاع، وهذه هي المرة الأولى والأخيرة التي سمح بها نابليون لرجاله بالتصرف والتمتع بمال المغلوب وأملاكه. وقال الشهابي: إن العساكر الفرنسية حاصرت يافا ثلاثة أيام وملكوها بالسيف، وكان عسكر المسلمين فيها ينيف على اثني عشر ألفاً فما سلم منه إلا القليل، وقتل كثير من النساء والأولاد حتى جرى الدم في أسواق يافا، وأرسلت دمشق عشرين ألف جندي إلى عكا فالتقاها ألف جندي من الفرنج وكسروها وقتلوا منها مقتلة عظيمة.
ولما جاءت الأخبار إلى دمشق بأن عسكر الجزار وعسكر الإنكليز قتلوا من جند نابلين ثلاثة آلاف جندي زينت دمشق وضربت المدافع من قلعتها، وقد أصيبت الأقاليم التي وقعت فيها تلك الوقائع وما إليها بالخراب، ومن أهم خرابها تسلط
الجند على ضعاف الرعايا فقد نهبت العساكر التي ذهبت من دمشق لمقاتلة الفرنسيين ١٢١٣ مدينة صفد وعملوا المنكرات أثناء طريقهم. فأصيبت فلسطين هذه المرة بغوائل كانت سواحل فينيقية وأعمالها تصاب بمثلها أو أكثر منها في القرنين الماضيين. وأصبحت مثل هذه الوقائع في هذا الجزء من الشام أي في اللبنانيين الغربي والشرقي وما جاورهما من الأمور العادية، وما ذلك إلا لقيام أمثال بني حمادة وبني معن وبني حرفوش وبني شهاب ممن كانوا يحاولون أن يظهروا بمظهر كبار الأمراء وهم صغار بمواقعهم ونقص تربيتهم الحربية وضعف أخلاقهم وقلة معارفهم، فكانوا بمقاومتهم
стр. 599
بعض المقاومة لعمال الدولة من الترك يخربون ديارهم، ويهلكون من أخذوا على أنفسهم حمايتهم من ضعاف السكان.
حال الشام بعد رحيل نابليون عنه:
كان يظن بعد رحيل نابليون ومعاونة الإنكليز للدولة العثمانية على إخراجه من الشام، أن الدولة تبدل شيئاً من أصول إدارتها وترجع عن استسلامها لعمالها الذين يجبون الجبايات ويرضونها بجزءٍ منها ويحتفظون بالباقي لأنفسهم. ولكن الأحوال بقيت بحالها، وظن الجزار نفسه أنه هو الذي دفع جيش نابليون عن الشام، فعاد يمثل مظالمه ويحمل على الناس مغارمه، ويتناول استبداده المسلمين والنصارى واليهود على السواء، وجنونه فنون.
ولم يكف فلسطين ما حلّ من ظلم الجزار ثم وقائع نابليون حتى قام محمد باشا أبو المرق يسومها العسف والخسف، يجور على أهل بيت المقدس والخليل وغزة والرملة ولدّ، حتى اضطر السادات الأشراف الأبرياء لكثرة مظالمه أن يبيعوا أولادهم كما تباع العبيد والجواري على ما ذكر ذلك أحمد باشا الجزار في كتاب صدر عنه سنة ١٢١٧ إلى وكيله في دمشق.
ومن أحداث هذا الدور نهب العسكر الدمشقي ١٢١٤ جميع القرى في طريقه إلى غزير في لبنان، وتفرقت عساكر الدولة في ضياع كسروان ونهبوا كل ما وجدوه وذلك للضرب على أيدي الأمير بشير الذي كان على ما يظهر يحاول أن يأكل الخراج، ولذلك قاتله جيش الدولة ١٢١٥ مرة أخرى لما جاء إلى نواحي بعبدا في لبنان وقتل من أدركه في المتن، ورجع بشير إلى عاريا وكان عسكر الدولة أحرق عدة بيوت من بعبدا والحدث وسبي النساء وقتل العجائز والأولاد فاجتمع معه أربعة وخمسون رأسا من القتلى فأرسلوها إلى الجزار ونهبوا أموالا ومواشي وأحرقوا عاريا. وذهب والي دمشق سنة ١٢١٧ إلى حماة وفتحها وبالغ في الظلم حتى فر غالب أهالي حماة عن بلدهم اتقاء شره، وتفرقوا في دمشق وحلب وطرابلس وأصبحت حماة كالقرية لقلة سكانها.
стр. 600
قال ابن آق بيق: وفي سنة ١٢١٧ شغلت دمشق بالظلم وإكرامية الباشا من البلاد واشتغل حسن آغا بالظلم في دمشق وإرهاق القرى بالطروحة والإكراميات وفرض الذخائر ومعاونة الجردة وغير ذلك من المظالم التي لم يسمع لها أثر في السابق قال: ولما خرج عبد الله باشا العظم من دمشق سنة ١٢١٨ قاصداً إلى طرابلس ليحارب أهلها، وضرب عسكره بعض القرى ونهبها وظلوا على هذا التخريب حتى بلغوا طرابلس فحاصرها وخرج أهلها هائمين على وجوههم ووقع القتال بين عسكره وعسكر المتسلم وقتل من الفريقين خلق. وكان أحمد باشا الجزار يرسل النجدات إلى عبد الله باشا العظم.
وقال أيضاً: إن الجزار كان يطلب من الأغنياء أموالا يأخذها منهم بعد الحبس والضرب وبقي الطرح على جميع الأصناف وأغلقت الدكاكين بدمشق وبات الناس في كرب والعسكر يحيط بالبلد، والأكراد والشيخ طه الكردي وجنوده يعذبون الخلق أنواع العذاب حتى يقروا لهم بالأموال، والطرح على الخلق أشكال
وضروب من بنّ وتنباك وألاجه وحرير وشاشات وزنانير واستصفاء بيوت وخانات وبساتين وغير ذلك، وظهر في دار ابن عقيل وكيل الجزار بدمشق طمائر ذهب قدرت بنحو خمسمائة كيس. ولم يمن يمر يوم دون أن يقبض على أربعة أو خمسة من أرباب الوجاهة والثروة يسجنون في سجن القلعة ويعذبهم أكراد الجزار بالكماشات والحديد والعصي إلى أن يشرف المعذَّبون على الموت ويشتط العمال في طلب المال من المصادرين ويطوفون بهم في المدينة، فيضطرون إلى بيع جميع ما يملكون ليكفّ عنهم، ووصلت الحال بالأغنياء إلى التسول، وكان قتل النفوس على الأكثر في سبيل أخذ المال مشروعاً كان أو غير مشروع. فقد حدثت فتنة طفيفة بين ملتزم أموال بلاد بشارة، فأرسل الجزار على العصاة عسكراً قتلوا منهم ما ينيف على ثلاثمائة رجل وأسروا عدة، وأرسلوهم إلى عكا جعلوا على الأوتاد ثم أخذ الجزار أموالاً جزيلة من السكان.
ومن الحوادث في أيام عبد الله باشا العظم بدمشق أن القبو قول قصدوا إثارة فتنة ١٢١٤ فأغلق آغا القلعة بابها، وحاصره الباشا فاضطر إلى التسليم بعد مدة، فقتل آغا القلعة وهمدت الفتنة، ثم سار عبد الله باشا لمحاربة
стр. 601
مصطفى بربر متسلم طرابلس وحاصر قلعتها بشدة، وطال الأمر فالتجأ بربر إلى الجزار فسكت ولم يجبه لأنه كان يفاوض الأستانة لأخذ ولاية دمشق، وبينا الحال مشتدة على بربر وعبد الله باشا يحاصره بعسكره أرسل الجزار إلى وكيله بدمشق محمد بن عقيل ألفي جندي وأمره أن يقبض على عبد الرحمن المرادي وحسن دفتر دار المتسلم وابن سبح متسلم حمص ويقتلهم حالاً ونادوا باسم الجزار والياً. فبلغ ذلك عبد الله باشا وعلم أن الدولة متغيرة عليه، فخاف كثيراً وهام على وجهه في البادية يختبئ عند العرب. أما بربر طرابلس فرضي عنه الجزار وأقره متسلماً على بلده، ثم لامت الدولة الجزار على ما أتاه من قتل ابن المرادي كما يقتل العامة فتخلص
الجزار مما أتاه وألقي تبعة قتله على وكيله ابن عقيل وقطعه إرباً مع أن الجزار هو الذي أمره خطاً بقتله.
مساوئ أحكام الجزار:
توفي الجزار سنة ١٢١٩ ١٨٠٤ بعد أن ضرب الأهالي ضربةً لم تصب بمثلها منذ أزمان. أصله بشناقي من جماعة علي بك أمير مصر هرب إلى الشام لما قتل مولاه، وأقام يختلف إلى لبنان فاطلع على أحواله وأحوال الديار التي كانت تحت حكم الظاهر عمر من أرض الجليل. ثم توجه إلى الأستانة فعين وزيراً على صيدا وحصّن عكا ورفع عن بيروت حكم بيت شهاب وضبط أملاكهم. وكان أحمد البشناقي هذا جزاراً سفاكاً لأنه لما كان كاشف البحيرة في مصر عهد إليه الانتقام من عربها لقتلهم عبد الله بك من المماليك فأسرف في القتل فلقب بالجزار. ولا غرو فالدم البشري في نظر احمد باشا الجزار، كدم الخرفان في نظر القصاب والجزّار. هاج المماليك على الجزار مرة يريدون قتله فيما يقال ولولا حذره الشديد لقتل، وتحصنوا في برج داخل عكا فطلبوا الأمان، ولما علم أن خيانتهم كانت بالاتفاق مع بعض سراريه غضب عليهم جميعا وخنقهم بالماء الحار. حج الجزار مرة بالناس فلما عاد ترامى إلى سمعه اتهام مماليكه بحريمه فلم يلبث أن أرسل المماليك في حملة على لبنان وأوقد ناراً كبيرة في داره، فكان خصيانه يأتونه بنسوته واحدة بعد
стр. 602
أخرى فيقبض بنفسه على عنق الواحدة ويطرحها في النار على وجهها، ويدوس على ظهرها ويضغط على رأسها، حتى يتم شيّها في النار وتهلك فيرفعها ويحضر غيرها، وعلى هذه الصورة الشنعاء أهلك الجزار سبعاً وثلاثين امرأة ولم تنج غير فتاة في الثامنة من عمرها.
كان الجزار يقتل الكبير والصغير من وزراء وأفندية وعلماء وأغواتن ويرضي السلطان بالمال ويداريه فيتغاضى عنه، وكان إذا عامل أحد المغضوب عليهم
بالرفق وعزف عن قتله يجذم أنفه، ثم يصلم أذنه اليمنى ثم يقلع عينه اليمنى ولو كان من خواص خدامه. وكم من بيت خربه بسلب ماله ظلماً، وكم من رجل قتله بعد أن صادره، وكان لا ذمة له ولا ذمام، خدمه رجال من بيوت معروفة فلما بدا له قتلهم وصادرهم واختلق لهم ذنوباً والقاهم في البحر. ولقد أكرمه الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان لما كان الجزار صعلوكاً متشرداً لأول أمره وعاونه لما أصبح والياً، فكانت النتيجة أن شنقه وألقاه ثلاثة أيام معلقاً، ولطالما أخذ النوتية والركاب في مراكب كانت قادمة من مصر قبل مجيء الفرنسيين إليها، وقتل جميع من فيها من أبناء مصر أو الشام وصادر جميع ما يحملون من البضائع.
تفنن الجزار في إهراق الدماء وحكم المؤرخين عليه:
وكان من عادة الجزار بعد أن يصادر المصادرين أن يقتلهم كما فعل سنة ١٢٠٥ فقبض في دمشق على أولاد عبيد وأخذ منهم ستين ألف قرش ففروا إلى حلب ثم قبض على ثلاثين من أتباعه وسجنهم في القلعة ففدوا أنفسهم بمائتين وخمسين ألف قرش ثم قتلهم ليلاً، وقبض على خازن أمواله وأسبابه ونفاه إلى مصر، وقبض على مفتي عكا وإمامها وعلى رئيس مينائها فقتلهم صبراً. وظلم جميع أكابر دمشق وسلب أموالهم.
وخرج ذات يوم في عكا قبل الشمس إلى باب السراي وأمر بإغلاق أبواب المدينة وقبض على كثيرين من العمال والكتاب والأهالي فسجنهم، وكانوا مائتين وثلاثين إنساناً وقبض على النواب وسجنهم، وكان كلما تقدم إليه
стр. 603
إنسان يكشف رأسه وينظر في وجهه فالذي يقول فيه نيشان يرجعونه إلى السجن، والذي يقول ما فيه نيشان يطلق، ثم أنه أحضر الفعلة أيضاً وصنع بهم كذلك وقبض منهم جملة وأحضر التجار وأرباب الصنائع والحمالين وعلى هذا المنوال عامل الجميع فامتلأت السجون، ومن الغد أحضر المغاربة وأمر أن يخرجوا السجناء كلهم
خارج البلد ويقتلوهم ففعلوا ما أمرهم به؛ قال مدوّن وقائعه: وكان يوماً عصيباً لم تكن تسمع فيه إلاّ صراخ المقتولين ظلماً وعويلهم وأنينهم، وبقي القتلى كالغم مطروحين خارج البلد، ثم أمر أن ينادي المنادي في شوارع عكا ليخرج أهل القتلى لدفن موتاهم، وأشار إلى أن كل امرأة ترفع صوتها تُقتل حالاً، فخرج الناس ودفنوا القتلى. ثم ابتدأ يرسل جنوده يقبضون على الفلاحين ومشايخ القرى وأصحاب المقاطعات فمنهم من يقتله ومنهم من يصم أُذنه ويجدع أنفه ويطلقهم.
ولم يذكر المؤرخون علة استرسال الجزار في قتل الناس على هذه الصورة من غير سبب ولعله أُصيب بمسٍ من الجنون أو أن جنونه أطبق هذه المرة فأزهق الأرواح، وإن امتاز في أدوار حياته بالفك والفتك. وذكر المؤرخون أن الجزار قبيل وفاته أمر أن يغرقوا من كان في سجنه في البحر فنفذ أمره. وفي التاريخ العام أن الجزار أوقد جذوة التعصب بين المسلمين في بيروت وأغراهم بقتل الموارنة حتى يضمن حكمه على بيروت. ولم يكن يُعرف فيما إذا كان الجزار خادماً مخلصاً للسلطان أو عاصياً وقحاً. وكان كثيراً ما تجيئه رسل جاويشية من الأستانة تحمل أبيه بعض الأوامر فيجز رأس القادم ويبعث به إلى ديوان الأستانة، وهناك يغدق الذهب على الوزراء والخصيان ونساء الحرم السلطاني. وكثيراً ما كان يقول وهو في حال السكر للمسيو دي توليس: السلطان كالبنات يعطي نفسه لمن يعطيه أكثر، فإذا حاول أن يقاومني فأنا أرده إلى الصواب بأن أهيج عليه مصر والشام وآسيا الصغرى، وأزحف على الأستانة في جيش القابسز وأكون قادراً مثل لويس الكبير إمبراطور فرنسا.
وقد وصف كشاقة الجزار وصفاً معقولاً قال فيه: إنه كان داهية ذا بأس وحنكة واسعة، سلمت إليه الدولة إدارة شؤون إيالتها وعولت عليه في
стр. 604
إخضاع الشام وضمه تحت جناحها، على طريقة الغدر والخداع وإلقاء الفتن والحروب الأهلية
بين الأمراء والمشايخ الذي كانوا يحكمون الرعية بالجور والعسف ويسومونهم الذل أنواعاً والظلم أشكالاً، وشريعة الرجل منهم إرادته السخيفة، والحاكم يشنق ويقتل ويشوه أخلاق الشعب، وكأن الحال قيضت لهم رجلاً كالجزار ينتقم منهم، وكان هؤلاء العتاة لاهين بالمنازعات العائلية والحروب الأهلية يكرهون العدل ويعشقون الظلم، لا يرحمون ضعيفاً ولا قريباً، ولم تكن معاملة الجزار للأمير يوسف أقسى من معاملة هذا الأمير لأنسبائه وإن ما لحقه من الجزار هو مما يستحقه. وقس على الأمير بقية المشايخ والأمراء الذين كانوا يستبيحون أموال الرعية وأعراضهم في سبيل أهوائهم. قال أن الجزار ظلم ولكنه خدم الدولة والشعب، وعادت خدماته على الدولة بالنفع فأخضع القطر لشوكتها فأطاع، ورد عنها بثباته أمام نابوليون خطراً كان يهددها يوم حصار عكا، وأفاد الرعية بأن أزال عنهم ضغط المشايخ والأمراء المستبدين فكان جوره بالنسبة لجور الأمراء والمشايخ قبله أقل وطأة. ولما جاءهم وضع حداً لظلمهم وزعزع سلطتهم وأرغم أنوفهم وأطلق الفلاح من عقالهم. وعلى الجملة فأنه عمل بما يوافق عصره وينطبق على أبنائه، فبموته سُرِّي عمن كان غضبه يهددهم ويوشك أن يوقع بهم. وقال أن الجزار على قبح أعماله حفظ المساواة بين الرعية مع تفرق مذاهبها، فيحبس علماء المسلمين وقسوس النصارى وحاخامي اليهود وعقال الدروز سوية، وهكذا في إجراء العذابات الجهنمية عليهم لا يفرق بينهم، وأكبر ما يحصى عليهم من الذنوب التوقف عن أداء الأموال التي يطلبها منهم وربما نشأ تلكؤهم من عجزهم.
وقال إن الجزار كان يتأخر عن دفع الأموال الواجب عليه أداؤها للسلطنة ويعتذر عن الدفع بأنه محتاج إلى العساكر لإدخال لبنان في الطاعة، فسئمت الدولة من تعللاته الطويلة وكتبوا له أن المدة طالت ويظهر أنك غير قادر على تمهيده، فلذلك
صممت الدولة على إرسال وزير مقتدر بعساكر كافية لإخضاع لبنان لسطوتها فكان جوابها أنني بعد أيام قليلة إن شاء الله أبشركم بفتحه لأنه ظهر عليهم الضعف عن المقاومة، وقد منعنا وصول الذخائر إليهم من البقاع والسواحل وهم لا يقدرون على العيش بدونها، لأن أراضي الجبل قليلة بالنسبة
стр. 605
لسكانه. وبعد مدة وجيزة بشر الدولة بشارة كاذبة مع الساعي فادعى أنه فتح الجبل وأنه وجد فيه من السكان النصارى مائة وعشرين ألف رجل ومن الدروز ستين ألفاً ومن الشيعة ثلاثين ألفاً ومثلهم من السنة، فأتحفته الدولة بسيف مجوهر ومدحته على همته، وأرسلت إليه بعد مدة أوراق جزية النصارى المعتادة وزادوا عليها مائة وعشرين ألف ورقة برسم نصارى لبنان، فسقط في يد الجزار واستدعى المعلم حاييم فارحي مدير خزانته واستطلعه طلع رأيه في هذه القضية فأجابه يجب الآن دفع هذه القيمة من خزانتك لما عرضته الدولة عن فتح الجبل وعن عدد النصارى فيه. ثم ننظر في هذه الزيادة فدفع ثمن هذه الأوراق. وبعد أشهر أرسل بشارة للدولة بأن نصارى الجبل دخلوا في الإسلام. ولما دخلت السنة الثانية أرسلت الدولة للجزار أوراق جزية لبنان كالسنة الماضية فأرجع الزيادة بقوله: إن نصارى لبنان تقدم العرض عن دخولهم في الإسلام وارتفعت عنهم الجزية شرعاً. قال: وهكذا كانت أمور الدولة في ذاك العهد تجري بلا تحقيق في صحة ما يعرضه عليها مأمورها.
ولما هلك الجزار أرسلت الدولة راغب أفندي الذي صار والياً على حلب بعد ذلك لضبط متروكاته، وكانت قوانين الدولة يومئذ تقضي بأن يؤخذ كل ما يخلفه مستخدموها من أملاك وأموال وعروض، فحررت التركة مع سندات الأموال التي كان يحررها على الأمراء والمشايخ عدا الأموال الأميرية، فحسبت هذه الديون الظالمة من حقوق الدولة، ولما رأوا أنها وافرة وأنه من المتعذر تحصيلها جعلوها
مقسطة على رعايا أُولئك الأمراء والمشايخ على عدة سنين، فكان لبنان يدفع المال مضاعفاً، فالمال الواحد يبلغ أربعمائة كيس وكان يجبى من لبنان مال الجوالي على النصارى ومال فريضة على الدروز، فكان القسط الواجب على اللبنانيين أداؤه من مطلوبات الجزار يبلغ مقدار ستة أموال أميرية وصار الأهالي يدفعون كل سنة مالين. ولم يعلم ما خلف الجزار من الأموال بعد حكم تسع وعشرين سنة ولكن الذي قاله المؤرخون أن أحد رجاله الشيخ طه الكردي أخذ ألف كيس وأرسلت الدولة رجلين من الأستانة للبحث عن موجوده، فما رأوه شيئاً مهماً غير ما كان أرسله إسماعيل باشا للدولة مع القبطان باشي في أول الأمر من مال
стр. 606
وتحف، يقال إنها بلغت ثمانية آلاف كيس بيد أن إسماعيل باشا صرف أموالاً كثيرة على العساكر والأغوات، وعلى كل فهي قليلة بالنسبة لطول عهده، والغالب أنه كان معتدلاً في أخذ المال غير اعتداله في سفك دماء الرجال، أو أنه ادخر كميات من الذهب غير ما عثر عليه منها فضاعت عند وكلائه وخواصه.
قاعدة المبالغة في الثروة والفقر، والظلم والعدل، والعلم والجهل، والقبح والجمال تناولت أعمال الجزار أيضاً، ولو كان في قلبه بعض الرحمة وعزوف عن سفك الدم الحرام إلا بما تقضي به الشريعة لعد مصلح عصره قياساً مع الصفات التي أوردها مشاقة. لا جرم أن التبعة في بعض أعماله تعود على عماله ورجاله، وأكثرهم من أبناء الديار.
المتغلبة على الأحكام بعد الجزار:
خرج الشام بعد هلاك الجزار مقلَّم الأظفار، معروق العظام، بل مقطع الأوصال، سيئ الحال، وأحدث موته فراغاً ففقدت به الدولة أعظم قوة تمثلها ونُفّس بهلاكه خناق أرباب المقاطعات المتغلبين من الأعيان، وكان في سجن الجزار في عكا رجل يقال له إسماعيل باشا أرناؤطي الأصل، وأصله من جملة عساكر الوزير
الأعظم حين حضر إلى مصر لاستخلاصها من الفرنسيين. ولما قام الفرنج على المسلمين وأخرجوهم من مصر وتشتت العساكر في تلك الأقطار قصد إسماعيل باشا أحمد باشا الجزار، فدعاه إلى فتح يافا فظهرت منه خيانة مع محمد باشا أبو المرق فقبض عليه الجزار وسجنه وعذبه، كما كان يفعل بمن يقبض عليه وبقي في سجن الجزار إلى أن هلك هذا، فخرج إسماعيل باشا من حبسه وجعل مكان الجزار فاستولى على متروكاته حتى اضطرت الدولة إلى قتاله لعصيانه في قلعة عكا وأرسلت عليه حملة ودام الحصار أربعة أشهر حتى أُخذ وقتل فاستراحت الأمة من أحمد الجزار ومن خلفه.
وعصا أهل وادي التيم فأرسل عليهم إسماعيل باشا جنداً كبس القرى وقتلوا زهاء مائتي قتيل وأخذوا مائتي أسير، وكبس الأمير بشير جنبلاط
стр. 607
بعساكر الدروز بعض قرى عكا وقتل من عساكر إبراهيم باشا جماعة، وإبراهيم باشا هو إبراهيم باشا الحلبي الذي نصبته الدولة مرة ثانية على دمشق وكان والياً على حلب. وكان حدث بموت الجزار اضطراب وخلت دمشق من الأحكام، فمهد الأمور وعهدت إليه الدولة مع ولاية دمشق بصيدا وطرابلس وأوعزت إلى الأمير بشير الشهابي حاكم الجبل أن يكون في طاعة إبراهيم باشا وعوناً له على إصلاح حال صيدا والساحل، فصدع والي الجبل بالأمر لأنه كان داهية يراعي الدولة ولا يتأخر عن قضاء لبانتها، ولا سيما الخراج والجزية يؤديهما في أوقاتهما.
حاولت الدولة غير مرة القبض على مصطفى بربر متسلم طرابلس وظل في منصبه يسوم الناس مظالمه، وما لبد خصمه اللدود عبد الله باشا العظم أن تولى دمشق للمرة الثالثة بعد أن كانت الدولة غضبت عليه بوشايات الجزار وشردته في البادية ولكنه دعاها إلى الرضا عنه وداواها بما تداوى به في العادة بأكياس بينه وبين الوهابيين أمور عظيمة، وكانوا قد استولوا على الحجاز وتقدموا إلى الشام
فهلك غالب عسكره وانتهب الحاج.
عين سليمان باشا الكرجي من مماليك الجزار والياً على عكا فأقام حاكماً على يافا وعلى غزة محمد آغا أبو نبوت أحد مماليك الجزار، وبقي حاكمها إلى أن طمع بالاستقلال فيها، وعندما تحقق سليمان باشا ذلك ركب عليه بالعسكر فهرب إلى مصر ثم إلى الأستانة وشفع فيه الشافعون فنال رتبة الوزارة. وسليمان باشا هو الذي أراد أن يرفع بعض المظالم عن الرعايا ويحملها على الأجانب في عكا كأن يبيع الغلات والقطن والزيت من الأجانب فقط، تبتاع الحكومة ما يفضل عن عوز الأهلين وتخزنه في مخازن لها تبيعه من التجار الأجانب القادمين في مراكبهم بالأسعار التي تريدها.
ومن الأحداث في سنة ١٢٢١ ما حدث من فتنة بين العسكر الوطنيين وجند الحرس في دمشق، فحاصرت القلعة وأغلقت المدينة كلها، ووضعت المتاريس داخل المدينة، وجرت بين العسكرين حرب المتاريس في الأزقة والشوارع والسطوح والمآذن فغلب الوطنيون الحرس وكسروهم
стр. 608
وهزموهم إلى مئذنة الشحم ثم ارتدوا عليهم وأخذوا طالع الفضة، ونهب الخلق تلك الجهة كلها، وراح الحرس مكسورين ثم عادوا وهزموا الوطنيين عند الشيخ عمود فنال الفريقان أحدهما من الآخر على غير طائل. ولم يقف شقاء دمشق عند حد التقاتل بين الجند بل أسرف الوالي كنج يوسف باشا ١٢٢٢ في ظلم الناس وأراد ستر ذنوبه فأرسل إلى الدولة ألف كيس من المال لإنعامها عليه بإمارة الحج وإيالة طرابلس مع ولاية دمشق وذهب إلى نابلس وقهر أهلها وجبى منهم أموالاً عظيمة ثم ذهب إلى جبل النصيريين وقاتلهم وانتصر عليهم وسبى نساءهم وأولادهم، وكان خيّرهم بين الدخول في مذهب أهل السنة والخروج من جبالهم فامتنعوا وحاربوا وخذلوا، وبيعت نساؤهم وأولادهم، فلما شاهدوا ذلك أظهروا التسنن فعفا عنهم وتركهم في
أرضهم بعد أن حاربهم شهرين ونهب قراهم، ثم رحل إلى طرابلس ليقبض على مصطفى بربر متسلمها، فتحصن هذا في القلعة فوقع القتال، وكان الحصار أحد عشر شهراً وطرابلس خلال هذه المدة خالية من سكانها وقد جمعوا في الخانات سلعهم ومتاعهم وماعونهم، ثم دخل يوسف باشا البلد وأطلق لعسكره الأكراد والأرناؤد وغيرهم النهب فلم يبقوا على شيء فيها وأنزل عسكره في الدور فخربوها بأخذ خشبها للدفء والوقود. وتوسط سليمان باشا والي صيدا عند الدولة فعفت عن مصطفى بربر وتسلم يوسف باشا القلعة. وكان مصطفى بربر من خدام الأمير حسن أخي الأمير بشير فتوصل بذكائه وشجاعته إلى المناصب العالية وحاز اعتبار الوزراء وخشية الرعية.
مقتل سليم الثالث ومصطفى الرابع وتولي محمود
الثاني:
في غضون سنة ١٢٢١ خلع سليم الثالث بيد الإنكشارية وقتل لأنه أراد أن ينفذ خطة في إصلاح الإدارة على الرغم من حروبه مع روسيا والنمسا وغيرهما من دول الغرب، وينشئ عسكراً جديداً يستعيض به عن الإنكشارية وكان هذا السلطان واسع النظر لكن الدهر خانه فلم يقدر أن يطبق إصلاحه،
стр. 609
وكان أراد أن يخفق علم التمدن الأوربي فوق مملكته فاستدعى إليه من فرنسا ضباطاً ومهندسين ورجالاً من أرباب الصناعات فجاءه العدد الكثير منهم. وخلفه مصطفى الرابع فألغى جميع خطط الإصلاح، ولكنه قتل كما قتل سلفه سليم ولم يطل عهده أكثر من أربعة عشر شهراً، وخلفه محمود الثاني ١٢٢٣ متشبعاً بروح إصلاح سليم الثالث، يريد إخراج الدولة من سباتها، معتقداً أنه لا سبيل إلى نجاتها إلا بإيجاد قوة لها من غير عسكر الإنكشارية الذين عراهم الانحلال منذ مائة سنة، وأصبحوا يقتلون الملوك
والوزراء ويخونون الدولة في ساحات الوغى، ويعبثون بشغبهم ومؤامرتهم بكيان الدولة، ذاهباً إلى أن من جملة الأسباب في بقاء الدولة أن يقلّد الفرنج في مناحيهم وعاداتهم. وهو الذي لبس الطربوش والألبسة الغربية. وأخذ يقيم الحفلات والمراقص وحفلات السماع على الطريقة الأوربية.
وفي سنة ١٢٢٣ مرّ ببلاد النصيريين طبيب إنكليزي فقتله الرعاع هناك، فصدرت الأوامر بالقبض على القتلة فأرسل سليمان باشا والي صيدا عسكراً بزعامة مصطفى بربر فاكتسح ديارهم وقتل سبعين رجلاً من كبارهم، وحشا رؤوسهم تبناً وبعث بها إلى الباشا، ثم امتنع النصيرية عن أداء المال فأرسل عليهم مصطفى بربر فنكل بهم وقتل خمسة وأربعين من رجالاتهم فأخلدوا إلى الطاعة. وكان من مقتل الطبيب وسيلة إلى الغارة على ضعاف الرعايا في زمن أصبح فيه شنّ الغارات صناعة يحترفها أناس مخصوصون في خدمة متغلب من المتغلبين.
وفي سنة ١٢٢٤ قوي الاختلاف بين والي دمشق وابن الشهابي وابن جنبلاط وكانا استوليا على أملاك عظيمة من الفلاحين في البقاع فلم يزرع أحد في تلك الرجاء. وكان الوهابيين قد استولوا خلال هذه المدة على الحجاز وأخذوا يجاذبون عمال الدولة حبل السلطة في الأرجاء التي بين الحجاز والشام. وذكر بعض المؤرخين أنهم ارتكبوا في بلاد حوران سنة ١٢٢٥ أفعالا بربرية من سبي النساء وقتل الأطفال ونهب الأموال وإحراق المنازل والغلال حتى قيل إنهم أتلفوا نحو ثلاثة آلاف ألف درهم وفي تاريخ نجد ١٢٢٥ أن سعوداً اجتاز بالقرى التي حول المزيريب وبصرى فنهبت الجموع ما وجدوا فيها من
стр. 610
المتاع وشعلوا فيها النيران ثم رجع إلى وطنه ومعه غنائم كثيرة من الخيل والمتاع والأثاث والطعام وقتل من أهل الشام عدة. وساق والي دمشق يوسف باشا حملة على مصطفى بربر متسلم طرابلس واستنجد بالأمير بشير الشهابي حاكم لبنان فلم ينجده معتذراً بفتن
النصيرية والإسماعيلية وأن الجند اللبناني مضطر إلى أن يرابط الجبل، فنال والي دمشق من متغلب طرابلس بالإجاعة وطول الحصار.
فتنة كنج يوسف باشا:
صدر الأمر السلطاني في سنة ١٢٢٥ إلى سليمان باشا والي صيدا أن يقتل والي دمشق كنج يوسف باشا ويصادر أمواله. لأن يوسف باشا عجز عن سوق قوة لقتال ابن سعود ورأى كما قال جودت، اشتغال الدولة بمشاكلها الداخلية والخارجية فرصة لادخار المال، وأكثر من الاعتداء على الأهلين وظلمهم، واختلس زيادة على هذا أموالاً كثيرة من مرتبات الحج. ومما قاله السلطان لوالي صيدا في أمره الصادر بهذا الشأن: إني آمل منك صداقة وحسن خدمة لأنك تربية الغازي الجزار أحمد باشا حتى لا يقال إن هذا راح ولم يخلف إنساناً!. ومعنى ذلك أن الدولة كانت راضية عن الجزار إذا ذكرته تذكره بأنه مثال رجالها الأمناء، وما ذلك إلا لأنه كان يؤدي لها الخراج في الجملة ويقاتل أعداءها ويرشي جماعة الأستانة بالمال على الدوام. أما سوء سيرته في الرعية وظلمهم وتقتيلهم فهذا لا ينقص بزعمها قدر الرجال، بل يجب على العمال أن يتقيلوا مثاله.
ولما جاء سليمان باشا في جند من الدروز وغيرهم لأخذ دمشق من كنج يوسف باشا تعصب الدمشقيون لواليهم القديم، ووقع القتال في أرض الجديدة وداريا، فانهزم الدمشقيون وظفر العسكر اللبناني والعكاوي وقتل كثير من الدمشقيين. وفي هذه الوقعة يقول المعلم نقولا الترك في مدح الأمير بشير:
وخاض غمار الحرب تحمل خلفه ... ثلاثة آلاف تصول وتخطر
فلاقته فرسان المنايا مغيرة ... تنادي على الباغين: الله أكبر
стр. 611
وثار الوغى والسيف قد قارع القنا ... وغطى الفريقين الغبار المكدر
فولى على أعقابه كل ظالم ... وفي سهل داريا الأعادي تقهقروا
وكم من سراياهم ترامت جماجم ... كأوراق أشجار على الأرض تنثر
وكان والي دمشق القديم قد جمع أمواله فبلغت كما قيل اثني عشر صندوقاً من الذهب وعشرة أحمال من الفضة، فتعرض بعض الجند لجماعته أثناء خروجهم ليلاً من السراي، فأفلت هو ووقع المال في أيدي الجند والعامة، فتقاسموه واغتنى أناس من هذه الغارة على أموال الوالي التي سببت نكبته، وجمعها من أموال الدولة ودماء الأمة، وتوجه يوسف باشا كنج إلى مصر فتوسط له محمد علي الكبير بالعفو ثم بعثت الدولة بعض رجالها فضبطوا ما خلفه الوالي السابق من الأموال في دمشق بعد أن نهب ما نهب، فكانت نحو ثمانية آلاف كيس من صافي الصابون وبعض أشياء كان يتجر بها.
سليمان باشا وأمراء راشيا وكوائن حلب:
وعدَّ مشاقة من حسنات سليمان باشا ضمه إقليم البلان إلى ولاية دمشق بعد أن كان مستقلاً تحت لواء أمراء راشيا الشهابيين قال وذلك لأن حكام ذلك الإقليم مستبدون، وكانت الأهالي تقاسي عذاباً وجوراً لا يطاقان، والأمراء يدفعون عن الإقليم مالاًً معلوماً لحفظ استقلالهم به وبراشيا معاً، والحكومة مشطورة مع الأهالي إلى شطرين حزب يناصر الأمير فندي وآخر الأمير منصوراً، وكان كل واحد منهما يراقب الآخر ويترصد الفرص ليفتك به، فيحتاج كل منهما بالطبع إلى عصابة ومال وحاشية. وقد أثنى مشاقة على سليمان باشا وقال: إنه خدم الدولة والرعية خمسة عشر عاماً بالعدل والأمانة، وكان الأسف عليه عاماً حتى شعرت الدولة بفقده ١٨١٩ م وقال: لما سلبت بلاد بشارة من أيدي مشايخها كثرت التعديات واضطرت حكومة صيدا إلى وضع عساكر كثيرة، فلما جاء سليمان باشا الكرجي والياً على عكا اقتصر على مائتي جندي من المشاة وخمسمائة فارس وأربعمائة خيال من الهوارة يتبعهم مشاة ضبطية في باب السراي وجماعة
المدفعيين على أسوار المدينة وأقام في كل بلدة من المدفعيين والضابطة كفايتها.
стр. 612
وسليمان باشا من مماليك الجزار اشترك مع سليم باشا في حرب الجزار، ولما أفسد الجزار هذا العسكر على باب عكا هرب سليم باشا وسليمان باشا، إلا أن هذا عاد إلى مولاه تائباً فوجه عليه متسلمية صيدا. وكان سليمان باشا هذا لا يسمع وشاية ويحمي من يعينهم من جماعته ولا يسمع فيهم كلاماً، وإذا عين أحدهم لا يرفعه مهما وقعت عليه من الشكاوي، وإذا توفي أحد خدامه مسلماً كان أو مسيحياً يضع ولده مكانه إن كان له ولد ويجري عليه رزقه وإن كان لا ولد له يدرَ راتباً على عياله، وكان يعطي كل واحد من خدام بابه على حسب حاله من القرش إلى العشرة قروش كل يوم، وهذا لأكبر ما يكون من أرباب الوظائف. قال العورا مدون وقائعه: وكان عنده لما مات ٢٢ دعبولة في كل دعبولة ألف كيس ريال فرنسا كل ريال بأربعة قروش عدا ما كان تحت صرافه حاييم وأخيه موسى وهو يربو على اثني عشر ألف كيس وعدا الديون التي للخزينة على تجار عكا وبيروت وما عند حريمه من الجواهر والتحف وخلا ما عنده من الغلات والكراع.
هذا الرجل الذي خلف هذه الثروة وما ذلك بالأمر المستنكر على ولاة عصره، كان يتبجح بكلام العادلين والمصلحين مع أفراد من حاشيته ومن يغشون مجلسه، ليدل على حبه لإحقاق الحق وزهده في حطام الدنيا. شنشنة معروفة في بعض من يتولون الأمر يبرئون أنفسهم من حب الدنيا وهم سراق منظمون، ويستحلون في السر كل كبيرة وفي جهرهم أعفة أتقياء. هذا الرجل قال لوكيله وصرافه حاييم وكاتبه حنا العورا يوم استولى على دمشق وخلصها من يوسف كنج باشا: أنا قضيت حياة رأيت فيها الحلو والمر، فإذا أردتم أن تخدموني بالصداقة فأنا أشترط عليكم أن لا تظلموا أحداً، فلا أريد الظلم ولا أذية أحد ولا خراب بيت أحد. ولا عيني بمال أحد، وأريد ما أمكن سد باب الظلم، وليس لي حاجة في غير لقمة خبز
طيبة وحصان مليح وجوبق دخان والكسوة الاعتيادية وامرأة واحدة ولست آذن ولا أرخص لأحد منكم أن يجمع لي مال عباد الله بالظلم ولا بالخطف، ولا بالحيلة ولا بوجه من الوجوه، ولا أريد إلا أخذ الأموال المرتبة بأمر السلطان فقط ولا
стр. 613
أشكر من يسعى لي بجلب الأموال من غير حلها بل أغضب عليه، وهاأنذا أشهد الله وملائكته ورسوله عليّ وعليكم بهذا جميعه، وأنا بريء الذمة من كل ما تفعلونه في هذه الدنيا وفي الآخرة، فهل تقبلون بشرطي هذا كي أسلمكم زمام أموري وأريح فكري، فأجابوه: نعم قبلنا وسمعنا وأطعنا فحينئذ قال لهم: وأنا سلمتكم مصلحتي بتمامها تصرفوا بها بحسب صداقتكم، وقد توكلت على الله وهو نعم الوكيل. كلام أشبه بكلام عمر بن عبد العزيز لأناس من حاشيته من زهاد التابعين وتابعي التابعين!
وفي سنة ١٢٢٦ حدثت فتنة بين الدروز القانطين في الجبل الأعلى من عمل حلب وبين أهالي تلك الأرجاء وجرت بينهم وقائع فاتفق جميع أهل تلك الأطراف فأرسلوا يستشفعون بالأمير بشير فكتب إلى حكام حلب، وأرسل مباشرين لإحضار الدروز من هناك وكانوا أربعمائة بيت وأعطاهم مائة ألف درهم لمعاشهم.
وكثير ما كان يجري الخلاف في دمشق بين آغا القلعة والوالي فيعتصم الآغا وجماعته في القلعة ويشرع بإطلاق الرصاص والبارود والمدافع على جماعة الوالي ويصيب الأهالي من ذلك خطوب جسيمة كما وقع سنة ١٢٢٧ فأخذ عسكر الوالي يحيط بالقلعة ويطلق من المآذن المجاورة النار عليها والجنود يطلقون النيران، ودام ضرب المدافع والحصار الشديد ليلاً ونهاراً بلا فتور، وقتل أُناس خارج القلعة واحترقت بعض الأماكن، ثم وضع عسكر الوالي سلالم ودخلوا القلعة من سورها وجرت المذبحة بين المحاصرين والمحصورين ونهب عسكر الوالي القلعة، وكان من يذهب قتلاً من الجند على نسبة من يقتل من الرعية. والقلاع آية
البلاء على الرعية ولا ينتفع بها عند الاقتضاء إلا الوالي أو المتغلب انتفاعاً موقتاً.
ومن الولاة الذين ملأوا حلب وأرجاءها ظلماً ابن جبار جلال الدين باشا ١٢٢٧ كان مثلاً في المصادرات وقتل من يأبى إعطاء المال ولا يكاد يمضي يوم إلا ويقتل إنساناً وقد احتال على ثمانية عشر شخصاً من رؤساء الإنكشارية في حلب وأهلكهم فسكنت الفتن قليلاً وقطع من أوصال الإنكشارية وقبض على القياد بشدته وقلة ذمته في إهراق الدماء وروى في أعلام النبلاء أن
стр. 614
ابن جبار هذا عين اثنين يتجسسان أخبار الناس الذين تجب مصادرتهم فكان يرسل اثنين حاملين بلطة يأتيان بمن يجب مصادرته، فيزج في الحبس ويوضع في رقبته سلسلة لها شوك، ثم يطالب بما قرر عليه وهو جرم أو جرمان، والجرم أربعون كيساً والكيس خمسمائة قرش، فمن لم يدفع الجرم في ثلاثة أيام يخنق ويرمى تجاه باب القلعة، وكلما خنقوا واحداً أطلقوا مدفعاً فكان يعلم عدد المخنوقين في الليلة من عدد المدافع، وكان الوالي إذا أراد النزول إلى السوق أمر فزينت له الأسواق نهاراً فينزل ومعه البلطجية والعساكر عن يمينه وشماله فيدور في الأسواق، ومتى أدار وجهه إلى رجل فغن البلطجية يأتون ويضربون رقبة صاحب ذلك الحانوت، يفعل ذلك بثلاثة أو أربعة أشخاص ثم يعود، ولما تكرر منه هذا العمل الفظيع سأله وجوه البلد عن سبب قتل هؤلاء وما ذنبهم فكان يقول: لا ذنب لهم غير إني أقصد إرهاب الناس. وتعذيبه الناس وأخذهم بالتهم الباطلة من المأثور عنه المشهور به.
وجاء بعده خورشيد باشا وكان يصلي ويصوم لكن أتباعه يفعلون كل كبيرة وهو عنهم ساكت، وحدث أن الأهالي هجموا على دار رئيس دائرته سليمان بك وقتلوه وحملوا سائر أتباعه بما عندهم من أدوات الفحش والخمر إلى القاضي فعد الوالي ذلك نشوزاً على السلطنة من أهل حلب فاستدعى عسكراً فجاءته جملة مستكثرة منهم، فوقعت وقعة بين العسكر والعصاة في محلة قسطل الحرامي ١٢٣٥ فانكسر
العصاة وهاجم العسكر البلدة وأخذوا يطلقون المدافع على أسوارها فخربوا جانباً منها ودام الحصار ١١١ يوماً وجرى القتال داخل البلد في الشوارع والأسواق، وكان القتال سجالاً بينهم إلى أن فر العصاة من الأهالي ودخل الولاة فيمن معهم من العسكر واحتلوا البلدة وقتلوا سبعة من كبار العصاة وأرسلوا برؤوسهم إلى الإستانة. وقد قال الأهالي إنهم ثاروا لشدة ما كانوا يلقونه من العنف وما كانوا ينوءون تحته من ضريبة الدور التي ضربت عليهم في سنة قحط وغلاء، وقد قتل بالطبع من الثائرين والأهالي والجند مئات.
تولى دمشق سنة ١٢٣٢ صالح الكوسج باشا وكان عادلاً حليماً فخماً وراقت الحال في أيامه ولم يحدث إلا نشوز عرب فليحان فأرسل عليهم جنداً
стр. 615
فتحصنوا في اللجاة فقتلهم العرب ولم يسلم من الجند إلا القليل، وبعد سنتين تولى دمشق سليمان باشا وكان عادلا إلا أنه محب للمال. وذكر جودت أن جماعة من الحشاشين والأشقياء ١٢٣٥ أخلوا بالأمن في حلب حتى كان الولاة يضطرون أن ينزلوا خارج البلد في مكان اسمه الشيخ بكير وأنه لم يمض على الثمانية عشرة شقياً الذين كان قتلهم بالخدعة جلال الدين باشا جبار واليها، حتى عدا الأشقياء فكثروا وأرادوا القيام بثورة، فتدارك الوالي الأمر باستدعاء الجنود الكثيرة، وحسم هذه النازلة. قال بعد أن ذكر أربعة أبرياء قتلوا في حلب بدلاً من أربعة مجرمين بواسطة أحد الأعيان: كان على ذلك العهد بين الأعيان كثير من الأردياء الأشرار، وهذه الحالة لم تكن خاصة بالأستانة ولا بالولايات، وكان قلن الإنسان في سهولته كتقطيع لحم الدجاج، حتى حدث مرة أن الأراجيف كثرت في الأستانة وبينا كان مجلس الوكلاء ينظر في طريقة الحسم مادتها قال حالت أفندي: إن أحسن طريقة أن يقطع رأس الحلاق المقيم في أوقجيلر باشي وبذلك يحدث للناس خوف ودهشة وتنقطع مادة الأراجيف، فقال له أحد الحضور: عفواً إن هذا حلاقي فقال حالت
أفندي: ليس هذا الذي أردت أن أضرب عنقه بل الحلاق الذي يسكن في الطرف الآخر وبذلك يحصل المقصود. قال وبالجملة فقد كثر في تلك الأيام في الأستانة وخارجها من اسودت قلوبهم وقست أفئدتهم من الناس، وكانت الإدارة من كل وجه مختلة بحيث لا يتيسر وصفها ولم يبق من وسيلة إلا تجديد الأصول وإصلاح أُمور الدولة وتنظيمها، وقد نال هذا الشرف والي مصر محمد علي باشا والفضل للمتقدم ١هـ. وهذا كلام مؤرخ رسمي يكتب للسلطنة، والحقيقة أن الحالة كانت أسوأ مما وصفها به.
وقعة المزة واستسلام الدولة لوالي عكا:
تولى دمشق سنة ١٢٣٥ درويش باشا، وفي أيامه اعتدى جماعته على مزارع ابن شهاب وابن جنبلاط في البقاع فاضطر والي الجبل إلى إرسال جند لمحاربته، وأرسل والي عكا جنداً ووقع القتال فانتصر والي الجبل على والي
стр. 616
دمشق، وبعثت الدولة والي حلب للنظر في هذه الفتنة بين الولاة، فرأى أن السبب في ذلك عبد الله باشا والي عكا، فحاصره والي حلب في عكا على غير طائل، ثم عزل درويش باشا عن إيالتي دمشق وصيدا وعفي عن عبد الله باشا، وهلك جمهور من الجند والناس في هذه الفتن التي كان منشؤها فيما قيل دسيسة من بعض الإسرائيليين هلك أحد أنسبائهم وتقربوا من درويش باشا فأثروا فيه. وذكر الشهابي في هذه الوقعة المعروفة بوقعة المزة لأن هذه القرية حرقت فيها، أن عبد الله باشا استمال بعض مشايخ جبل نابلس ووقعت الفتنة بين أهالي ذاك الإقليم فانقسموا فئتين ووقع القتال بينهم، وقالوا: إن سبب هذه الفتنة أن درويش باشا كان يريد تسلم عكا من عبد الله باشا بأمر الدولة فتشيّع الأمير بشير الشهابي لوالي عكا، وسار في عسكره من المشاة والفرسان من أهل الشوف والمناصف والمتن، وعسكر عبد الله باشا في الدالاتية والهوارة، وجعلوا مصافهم من كوكب إلى المعظمية من إقليم البلان
وخرج درويش باشا إلى المزة فأقبل الأمير بشير، فلما علم عسكر درويش باشا بقدومه تحصنوا للحصار، وانتشب القتال بين الطرفين وطلقت عساكر دمشق المدافع والزنبركات أي المدافع الصغيرة، فهجم الأمير بعسكره هجمة واحدة وهدم أسوار البلدة، وكانت مبنية باللبن وامتلكها، ففرت عساكر دمشق وقد قتل منهم نحو مائتين وخمسين رجلاً وأخذوا منهم خمسمائة أسير، وغنم عسكر الأمير خياماً وذخائر وخيلاً وسلاحاً، ورجع إلى المعظمية وبلغت أسرى عسكر دمشق من أهلها ٣٧٤ رجلاً عدا من قطعوا رؤوسهم. ومضت عدة أيام وفي نهر بردى تطفوا الغرقى من عسكر درويش باشا حتى بلغ عددهم ألف رجل ومائتي رجل بين قتيل وجريح، وقتل من عسكر عكا نحو سبعين رجلاً. وانتشب القتال بين الأمير خليل بن الأمير بشير وبين فيزو باشا أحد أتباع والي دمشق وهو قادم من نابلس في قرية مرجانة فقبض عسكر عبد الله باشا على مائة وخمسين أسيراً وقطعوا خمسة وعشرين رأساً وانهزم فيزو باشا إلى دمشق.
وأرادت الدولة أن تضرب على يد عبد الله باشا ١٢٣٧ والي عكا فأمدت والي دمشق بواليي حلب وأذنة ليتعاونوا على ضربه وقد تحصن فيها
стр. 617
بألفي جندي، فحاصره الولاة المذكورون تسعة أشهر فلم يستطيعوا الاستيلاء على عكا مع أنهم كانوا في ستة عشر ألف جندي. ولما عجزت الدولة عن أخذ هذا الثغر من عبد الله باشا وأصبح في يده معظم القطر الشامي حقيقة رتبت عليه خمسة وعشرين ألف كيس وهي تساوي نحو نصف مليون ليرة، وذلك بدل نفقات عسكرها في حصار عكا، وكان عبد الله باشا يوقع كتاباته هكذا أمير الحاج السيد عبد الله والي الشام وصيدا وطرابلس ومتصرف ألوية غزة ويافا ونابلس وسنجاق القدس الشريف حالاً.
سياسة الأمير بشير في لبنان وتقاتل الولاة وارتباك
الدولة:
تولى دمشق مصطفى باشا ١٢٣٧ وفي أيامه حدثت فتنة بين الأمير بشير وابن جنبلاط وعلي العماد كتبت النصرة فيها للأمير، وهرب المشايخ المذكورون إلى حوران فأمسكوا وقتلوا، واضطر الأمير بشير الشهابي بعد ذلك إلى التغيب في دمشق وحوران، ثم عاد بعد مدة إلى لبنان وتسلم زمام الأمر وطلب الأموال المتأخرة من اللبنانيين فثاروا عليه في اثني عشر ألف فارس وقيل في ثلاثة عشر ألف مقاتل وليس معه فيما قيل سوى ثلاثمائة. فقتل منهم على قلة عديده وأخضعهم لسلطانه، وعاونه الشيخ بشير جنبلاط على كبح جماحهم وكذلك والي عكا أرسل إليه عساكر الأرناؤد والهوارة والمغاربة والأكراد فنشب القتال بين الفريقين فقتل من جماعة الأمير بشير ١٥ رجلاً وأحضروا ٢٩ رأساً من رؤوس محاربيهم. ثم قلب الأمير الشهابي ظهر المجن للشيخ جنبلاط وسعى بقتله، كما قتل أناساً من أهله وحاشيته وسمل عيونهم ليأمن شرّهم بزعمه، وذلك لأن ابن جنبلاط قويت شوكته وأثرى وكثر مشايعوه، فما كان من أمير الجبل إلا أن سعى بإهلاكه وألقى الفتنة بين الحزب اليزبكي والجنبلاطي ليخلو له الجوّ وسلم معظم لبنان لأناس من مشايخ الموارنة يحكمونه ويأتونه بالجزية والخراج ليدفع هو المقررعليه لوالي صيدا أو عكا، ويأمن جانب الدولة فتصفو الولايةله. وكان من سياسته أن يظاهر صاحب الظهور والقوة شأن الأمراء اللبنانيين في معظم أدوار تاريخهم.
стр. 618
وكثر الخلاف بين والي طرابلس ووالي دمشق ووالي صيدا ووالي عكا، والناس يقتلون بسبب هذا الاختلاف بينهم، وحاكم دمشق يحاصر حاكم عكا، والدولة ترضى عن هذا وتغضب على ذاك، وتسلب ولاية زيد لتعطيها لعمرو، تلاحظ في
ذلك التوازن بين القوات، وتتحاشى رجوع الذين يعصون أمرها من الولاة. وأعقل الولاة وأدهاهم من كانت تدوم ولايته سنتين وكانت الوظائف الحسابية في هذا الدور بيد الإسرائيليين والكتابية بيد المسيحيين، وكان الولاة يصادرون بعض الإسرائيليين ويحبسونهم وربما يقتلونهم لاستحصال المال فيحتال هؤلاء لتمشية أمورهم، وحدث أن معظم الحامية والموظفين في دمشق كانوا مرة من أهل بغداد والموصل وكركوك فغضب الوالي عليهم فأمر بترحيلهم فهلك بعضهم في الطرق.
كانت الشام تتخبّط بأيدي الولاة وأرباب الإقطاعات، والدولة غير مستريحة في داخليتها وخارجيتها، فاستقلت اليونان ١٨٣٠ م بعد حرب هائلة فقدت فيها الدولة أسطولها وذهب قسم من الأسطول المصري، وكان الأسطول اليوناني ضرب بيروت ١٢٤١ ١٨٢٥، وتوسعت اختصاصات إمارتي الأفلاق والبغدان رومانيا حتى بلغتا الاستقلال أو كادتا، وفتحت روسيا لها طريق البحر الأسود، وما زالت حال الدولة على ذلك حتى نشأت ثورة الإنكشارية في الأستانة ١٢٤٢ وكانت الدولة أخذت تنظم جنداً جديداً على الأصول الحديثة، فاستراحت بعض الشيء بعد إهلاك الإنكشارية، وكذلك حال الأمة المسكينة التي قاست الأهوال من اعتداءاتهم، وكان الفضل الأكبر في ذلك لمصلح الدولة السلطان محمود الثاني الذي أظهر من الثبات وقوة الإرادة في هذا الشأن ما لم يعرف به أجداده الذين قتلوا بأيدي الإنكشارية، واستناموا لما يأمرون به مخافة أن تزهق أرواحهم. وقضى أيضاً على أهل الطريقة البكداشية في الأستانة وما إليها مما ذكره له التاريخ بالإعجاب، وعاب بعضهم عليه شدته وأعجب بأعماله معاصروه من الأعاظم. فقد قال سفير روسيا في الأستانة بعد سنتين من قرض جيش الإنكشارية: إن السلطان محموداً بقضائه على هذا الجند المختل الذي تصعب إدارته قد ظفر بنور من النبوغ
стр. 619
بمثله تنجو الممالك من المهالك. وقال دي لاجونكيير: إذا كان السلطان محمود أقل
سعادة من بطرس الأكبر في إرادة التجدد فإن منشأ ذلك بأن بطرس الأكبر قد وجد أمة لا تزال على الفطرة أي جديدة، وكان من الأسهل أن تنظم وتصاغ، وعلى العكس في محمود فإنه صادفته عقبات من الأوضاع القديمة، أوضاع نشأت وكبرت مع المملكة وكان منها فيما مضى قوتها وقدرتها، أوضاع وضعها السيف وأيدها الظفر وقدّسها الدين.
تولى دمشق صالح باشا ثلاث سنين وثلاث مرات كل مرة سنة وأظهر شدة زائدة ثم تولاها ولي الدين باشا ١٢٤٢ وكان أحمق مغفلاً مهملاً ثم عزل ونصب عبد الرؤوف باشا ١٢٤٣ وكان عادلاً لطيفاً وطمعت الشام به لعدله وفي ١٢٤٣ أحدث وزير دمشق مظلمة على سبع عشرة قرية من البقاع فأمر الأمير أهل القرى اللبنانيين أن يرجعوا بمالهم إلى إقليمهم فرجعوا فخرب البقاع فارتضى وزير دمشق حينئذ بأخذ عشرين ألف قرش من تلك القرى وكتب إلى الأمير أنه رتب العشرين ألف قرش عوضاً عن المال الميري والقسم أي الثلث.
محاولة الدولة قتل النصارى وفتنة نابلس:
وأرادت الدولة أن تنتقم من نصارى الشام بل من النصارى في أنحاء المملكة لثورة اليونان عليها ومطالبتها بالاستقلال يوم ثورة المورة ١٢٤٤ وجزائر البحر المتوسط فأمرت والي دمشق أن يقتل المفسدين من كبراء طائفة الروم فعقد مجلساً من أعيان دمشق وتلا أمر الأستانة على مسامعهم، فكان جوابهم أنه لا يوجد من النصارى عندنا المفسدون وجميعهم ذميون سالكون بشروط الذمة فلا تجوز أذيتهم. لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأن الرسول ﵇ أوصى بالذميين وقال: من آذى ذمياً كنت خصيمه يوم القيامة. ونحن لا نقدر أن نتحمل هذه التبعة، وكتبوا محضراً للدولة بحسن سلوك نصارى الإيالة وطاعتهم ودفعهم المرتبات الأميرية وأنهم يستحقون حسن الرعاية والمرحمة من السلطنة السنية.
ولعمري أي علاقة للثائرين في جزائر البحر والمورة مع الآمنين من الرعايا في الشام، فقد أبان عقلاء دمشق إذ ذاك عن رأي سديد، ولكن لا
стр. 620
ندري إذا كان رأيهم راق لدى ولاة الأمر في الأستانة. وأي أمر جائر أكثر من هذا كأن النزّاع إلى الاستقلال من اليونان كانوا يصدرون عن آراء مسيحيي الشام أو آسيا الصغرى، أو أن هؤلاء يحثونهم على نزع أيديهم من أيدي الدولة، ولو استطاع المسلمون أنفسهم في ذلك الوقت أن يستقلوا عن الدولة لينجوا من خلل إدارتها لما تأخروا عن ذلك ساعة.
وفي سنة ١٢٤٦ ١٨٢٩ طلب والي عكا من الأمير بشير الشهابي أن يفتح قلعة صانور وكان أهل نابلس عصوا عليه وتحصنوا في قلعة صفد وأعجزوه فلم يقدر عليهم لأن معظم الأهالي انضموا إلى الثائرين، وكانت صانور منذ القرن الماضي تشغل بال رجال الدولة في عكا وصيدا والقدس، فنشبت بينه وبينهم عدة وقائع وبعد حصار ثلاثة أشهر وتخريب عدة قرى، أمر الوزير بهدم القلعة ودكها إلى الأساس ودك مغائرها وهدم آبارها، وسبب هذه الثورة الضريبة التي فرضها والي دمشق على الثائرين، ولما عجز عن جمعها أحيلت إلى عبد الله باشا فتعهد للدولة بدفع ألف كيس وأمر بجمعها من أهل نابلس، وكان من زعماء النابلسيين إذ ذاك أسعد بك طوقان والشيخ القاسم الأحمد، وفشل النابلسيون ولم يبق في القلعة عند تسليمها سوى ٣٦٧ وكان فيها أكثر من ألف ومائتي نسمة قتل بعضهم وضرب الآخرون وذكر مشاقة أن سبب عصيان نابلس سلخ عبد الله باشا لها بأمر الدولة عن إيالة دمشق، لأن والي دمشق ادعى أن المطلوب منها ستمائة كيس لا تتحصل إلا بسوق حملة تستغرق المبلغ المتحصل منهم، فتعهد عبد الله باشا بأن تضم إليه ويدفع ألفي كيس عنها، وأن عسكر أمير الجبل الذي جاء نجدة لعبد الله باشا كان نحو خمسة آلاف رجل، وأن النابلسيين نزلوا على حكم الأمير بشير الشهابي فعفا
عنهم جميعاً وهدم القلعة وحصل الأموال الأميرية بعد مناوشات طفيفة.
مقتل سليم باشا والي دمشق:
انقضى النصف الأول من هذا القرن أو كاد والقطر نَهْب أيدي الطامعين من الولاة والمتسلمين، يسيئون في الرعية الاستعمال، ويعبثون بما خولتهم
стр. 621
دار الملك من السلطة فيمثلون أعظم مظهر من مظاهر الحكم الاستبدادي الفردي الجاهل. ولم يكن يخطر في بال الدولة أن رعاياها يقوون على الانتقام من أعظم عمالها، وهم الموصوفون في معظم أدوارهم بالطاعة للملوك والزعماء والرضى بما يقتضي به الأقدار، ولو صحت عزيمة المظلومين مرة أو مرات أن يهلكوا من يحاول إهلاكهم وخراب أرضهم وديارهم، لما ساءت الحال، وبلغت الشام ما بلغته من الاختلال، نريد أن نقول أن الرعايا طالت أيديهم فقتلوا والياً عظيماً من ولاة السلطنة. ونعني به سليم باشا الصدر السابق مبيد جيش الإنكشارية.
نصبت الدولة هذا الشيخ والياً على حلب ثم على دمشق سنة ١٢٤٧، وكان ظاهره شجاعاً مهيباً وباطنه جباناً وقد همّ أن يغتال بعض أعيان المدينة فبدأ بمدينة حماة، وقتل بعضهم فأيقن القوم أن هذا القاتل لا يصعب عليه أن يهلك أناساً في دمشق ليصفوا للدولة الحال بزعمه، فلما جاء عاصمة الشام أراد أن يضع على كل سكرة أي عقار في دمشق مصريتين كما هو الحال في الأستانة فثارت العامة بإشارة الأعيان وكانوا عند المصائب الشديدة تتحد على الأغلب كلمتهم، اتقاء شر عظيم يقعون فيه، وكثيراً ما كانوا يدخلون الأوهام على الولاة؛ لئلا يشتطوا في مطالبهم وتكون المغانم مناصفة بين الأعيان المتغلبة والحاكم المنصوب، فضرب الوالي العامة من أبراج القلعة بالقنابل، حتى إذا ضاق عليه الخناق جاء في بعض رجاله إلى دار قرب باب البريد فتأثره العامة وهدموا على رأسه سقف المخدع وأحرقوه.
وذكر بعضهم أن هذا الوالي تحصن برجاله في جامع مغلق أولاً والسَكمَان بالقلعة،
فبدأ الحريق من باب الهواء وأخذ يمتد، فلما رأى ذلك داخله الوهم لقلة رجاله وكثرة الدماشقة فتحصن بالقلعة، وأخذ يحرق دار الحكومة ليشغل الناس ويفوز بنفسه، وكان الحريق هائلاً خرب كثيراً، ثم اعتمدوا على حصار القلعة وأخذ الوالي يطلق المدافع على البلد، وأقام الناس متاريس حول القلعة ثم في الحارات وحاصروا العسكر المرابط في جامع المعلق، وقتل في هذه المناوشات كثير من الأهالي وجماعة الوالي، وطال المطال وتألب الناس على الوالي حتى إن والي عكا أخذ يقوي أهل دمشق عليه، ولما ضاق به الحصار
стр. 622
خرج إلى بيت القاضي بجانب دار المشورة، فجاء سبعة رجال وكسروا الباب والنافذة عليه وألقوا النار بعد أن أخرجوا من عنده ابن أخيه والكيخية، ثم قطعوا أعناقهما افتراءً وعدواناً كما قال مدون هذه الوقعة إذ ليس لهما ذنب يوجب القتل حتى إن الباشا نفسه افتروا عليه لأنه لم يظهر منه أدنى أذى إليهم غير تمسكه بإتمام الأوامر التي بيده من الأستانة، وربما كان يضمر للأعيان شراً لا نعلمه وأما في الظاهر فليس لهم عذر سوى أنهم افتروا عليه وعلى جماعته على نوع مستغرب مناف للشرائع كلها ثم أخذوه عرياناً إلى القلعة، مع الاثنين خاصة بعد أن داروا برؤوسهم ودفنوهم داخل القلعة وتولى الشربجي الداراني ورشيد نسيب الشوملي أمر البلد، وبات الناس يتوجسون خيفة من رجال الأستانة، ولو كان ما أتوه في حالة راحة الدولة لأرسلت عليهم جنودها يفعلون بالأبرياء والجناة الأفاعيل المنكرة، ولكن الدولة كانت تتوجس خيفة من محمد علي والي مصر وما بلغه من القوة بجنده وبحريته واستعداده، ولها مشاكل في أُوربا تخاف أن تتجزأ قوتها إذا أرادت تأديب الدمشقيين. ولذلك لم تحب أن تناقش الأهالي الحساب ولم تسؤها فجيعتها بشيخ هِمّ قاتل، والقاتل مبشر بالقتل، ومن عادة الدول على الأغلب أن تفتك بعد حين فيمن استعملته آلة للفتك، ولذلك نرى مؤرخي الترك قد نطقوا بلسان الحكومة ولم يحركوا ساكناً كأنهم رأوا
لعمل الدمشقيين مبرراً من حسن نيتهم.
وقال مشاقة: لما قتل الدمشقيون سليم باشا اجتمع أعيانهم ورتبوا حكومة مؤقتة وأخذوا يترقبون ورود عسكر الدولة للانتقام منهم، فورد الخبر بخروج عساكر مصر لتأتي الشام فسكن روعهم بعض الشيء، ولما خرجت عساكر مصر صرفت الدولة النظر عما عمله أهالي دمشق وأرسلت والياً عليهم اسمه علي باشا. وأخذت الدولة تؤول عمل أهل دمشق وأصبحت كالمحامية عنهم تختلق لهم الأعذار عما بدر منهم لأن السياسة اضطرتها إلى ذلك. فقد جاء في تاريخ لطفي نقلاً عن جريدة تقويم الوقائع الرسمية أن سليم باشا لم يعمل بحسب الوقت لما جاء دمشق، وقد عين الحاج علي باشا والي قره مان لاستئصال الفتنة التي كان شبوبها يترامى إلى المسامع، بيد أن سليم باشا قتل قبل وصول خلفه، وتبين أن للغرباء يداً في هذه الفتنة، وأن تأديب المشاغبين بسوق قوة على دمشق يضر بأهاليها!
стр. 623
وقال المؤرخ إن سبب عصيان الدمشقيين أن سليم باشا مر بحماة عند شخوصه إلى دمشق وقتل بضعة رجال من عرب عنزة وقيد البرازي في القيود وأتى به معه إلى دمشق فدهش أهلها، وكان اقتراحه وضع ضريبة فأوقد جذوة الفتنة. وذكر أن الأهالي هجموا على السراي أولاً وأغلقوا دكاكينهم وانتشرت الفوضى. وقد كتب السلطان على محضر قدمه بهذا الشأن عاطف بك ابن خليل شقيق سليم باشا قال فيه: قد يتبادر إلى الذهن أن لبعض الأطراف يداً في حادثة دمشق، ومن الجائز أن يكون ذلك بصنع والي صيدا لأن هؤلاء ليسوا على ثقة تامة من دولتنا العلية وهم ينفرون منها على الدوام، وعلى هذا فإن أمور إيالة الشام إذا دخلت في النظام على ما يجب يحدث ذلك ضرراً لهم، وقد عرفوا هذا حق المعرفة، فيجوز أن يكونوا سبب هذه الفتنة لإيصال الحال إلى تلك الصورة.
وقد ظهر من الأوراق الرسمية الأخرى التي نشرها لطفي في تاريخه أن السلطان
ذهب مذهبين في هذه الفتنة فكان يقول في بعض أوامره قبل مقتل سليم باشا القائم بتطبيق قانون رسوم الاحتساب سداً لنفقة الجند: إن أهالي دمشق وحواليها وإن كانت أرضهم مباركة، لا يستنكف أكثرهم عن عار ولا يعرفون الحياء، وظاهر أنهم وسيرون بحول الله وقوته من أسباب التأديب ما يقفون به عند حدهم. وقال في كتاب آخر: إن وقوع هذه الحادثة في دمشق ليست منبعثة من جسارة الأهالي فقط، بل نشأت بلا ريب من إغواء الأطراف وتحريكها. وذكر المؤرخ أن السبب في فتنة سليم باشا تحريك محمد علي والي مصر ليجعل مقدمة لدخوله الشام، وفي رواية أخرى أن والي عكا عبد الله باشا كان هو السبب في ذلك.
وقصارى القول أن سليم باشا مبيد جيش الإنكشارية الذي عجنت طينته بالدماء فقتله أعيان دمشق مخافة أن يبطش بهم كما بطش في حماة، خافوه ووجدوا فرصة للنيل منه لما جاء يطبق قانون الاحتساب، فأثاروا الرأي العام عليه ففعلوا وربما كانوا يريدون الاكتفاء بتهديده ليحملوه على الهرب، ولكن الأمر خرج من أيديهم إلى أيدي العامة فقتلوه غير حاسبين للعاقبة
стр. 624
حساباً، فكان قتله على غير رضى العقلاء من الأعيان، وكان هلاكه مخيفاً لمن يأتي بعده من الولاة.
الحكم على الموقف السياسي في نصف قرن:
ويجوز لنا بعد نقل حوادث نصف قرن أن نلخصها ونستنتج منها على الصورة التالية اً كان الظلم يقع على المسلمين والمسيحيين والإسرائيليين على السواء، ولما كان المسلمون هم السواد اعظم من السكان كان تأثير الظلم في مجموعهم أقل من تأثيره في مجموع الإسرائيليين مثلاً. ٢ً أوغل أرباب الإقطاعات في الظلم فقلّم الجزار من أظافرهم ليستأثر وحده بالظلم والقتل، فحالفه التوفيق بطول المدة إلى الضرب على أيديهم بعض الشيء، فلما هلك عادت الحالة الأولى إلى سابق تعاستها من ظلم المستضعفين والفلاحين. ٣ً مرَّت حملة نابليون بونابرت على
جنوبي الشام كالسحابة، وكان من الجزار أن ضمّ قوى الأقاليم برأي انكلترا التي تولت حربه بحراً بأسطولها، وساعد أن حكومة الدير كتوار في باريز استدعت نابوليون فعاد أدراجه مسرعاً لا يلوي على شيء كما رجع ريشاردس قلب الأسد ملك انكلترا في الحروب الصليبية بعد أن عقد مع صلاح الدين يوسف ميثاقاً أنقذ به الصليبيين ومحاربيهم من القتل والقتال. ٤ً الظلم الواقع على النصيرية وإرادتهم على تغيير معتقداتهم واتخاذ مقتل رجل غريب يمتُّ بنسبة إلى دولة أجنبية قوية ذريعة إلى تخريب جبالهم وقتل زعمائهم بدون تحقيق، على حين كان زعماء الأرجاء الأخرى من القطر يفعلون فعلهم وزيادة، ولا من يردعهم أو يقوى على نزع سلطانهم وتخفيف وطأتهم، مثل محمد باشا أبو مرق الذي عجت الأرض إلى السماء في فلسطين من مظالمه حتى أخذ الناس يبيعون أولادهم كما تباع الجواري والإماء فراراً من ظلمه وقياماً بما يفرضه عليهم من المغارم. ٥ً قيام مصطفى بربر متسلم طرابلس واستعانته بكافل عكا على كافل دمشق وظلمه الرعية ومحاولة الدولة غير مرة أن تستريح من تسلطه فلم تستطع ذلك إلى أن أهلك حتف أنفه. ٦ً انقضاء دولة بني العظم بهلاك عبد الله باشا آخر من ولي
стр. 625
منهم سنة ١٢٢٣ ولم يقم بعده أحد من ذريتهم لتولي الأحكام. ٧ً اشتغال الدولة بالغوائل التي أصابتها ولا سيما استقلال اليونان ومحاولتها لما نال اليونان ما أرادوا أن تنتقم ممن يدينون بدينهم في الشام، فرد حزم الحازمين إرادة المختلين من ولاة الأمر الظالمين بحجة دينية أيضاً. ٨ً عدم توفيق سليم الثالث في تطبيق خطط الإصلاح وكذلك مصطفى الرابع حتى تولى السلطنة محمود الثاني فبدأ في إنفاذ إصلاحه بمقياس واسع، كان أوله مقتل جيش الإنكشارية في العاصمة والولايات، فعدّ مصلح عصره الذي أدخل دولته في المدنية الغربية طوعاً وكرهاً، وجعل لها مقاماً بين الدول لم يكن لها من قبل على اتساع أقاليمها، وخروج أكثر
القاصية من حكمها فتبين لها أن عظمة الممالك بحسن إرادتها وكثرة مدنيتها لا بعظم رقعتها وخصب بقعتها، وأن دولة غناماها في عنفوانها وبذخها كما هي في ضعفها وشيخوختها، تُوَلّي رقاب الأمة ولو بالصورة الظاهرة، وجبوة خراجها ولو بالتغاضي عن بعضه للجباة لا للرعية لا تصلح ويصلح أهلها.
стр. 626
دور الحكومة المصرية
من سنة ١٢٤٧ إلى ١٢٥٦
حالة الدولة العثمانية عند إذلال جيش محمد علي
الكبير لها:
كانت الدولة العثمانية إلى أواخر منتصف القرن الثالث عشر جسيماً كبيراً تعروه نوبات عصبية من حين إلى آخر فيردها بقوته، أو يطول زمنها عليه حتى تنتهي بطبيعتها. وصاحب المرض إذا طالت عليه معاودة النوبات قد يألفها ويظن أنه بريء من كل خطر، على حين تكثر آلامه، وتقرب منه حمامه، والأدوار العصبية أشد ظهوراً في ألم الجسم، وإذا تكررت على المصاب يصير إلى العجز فلا يستطيع أن يدفع ضراً ولا يجلب خيراً. فكانت الدولة العثمانية إذا نظر إلى ظواهرها يظن معها قوة، وفي الحقيقة هي إلى ضعف لكثرة ما استحكم فيها من أمراض وساورها من أوجاع، غفلت عن تعهد قوتها الحقيقية، فكانت تعلو وتسفل وتطفو وترسب، بحسب مقدرة القائمين عليها من الصدور والسلاطين، تقوم بالفرد ولا شأن للجماعة في معالجة ما يصلحها من تقنين وأُصول إدارة، وأهم ما امتاز به جندها الطاعة للرؤساء إلا أنها أصبحت في حروبها تستهلك أكثر مما تستحصل، لأن جيش الإنكشارية وهم مستندها في قوتها عراه الانحلال فغدت الوقعة التي كان يكتفي فيها بعشرة آلاف مقاتل تسوق إليها ثلاثين ألفاً ثم يشغب ولا يعمل عملاً. ولا عبرة بالعدد إذا كان المجموع أقرب إلى التفسخ، ومعنويات المقاتلين إلى الضعف.
إن بعض الغوائل التي أُصيبت بها المملكة والشام من جملتها في هذا القرن والذي قبله كانت بصنع جيش الإنكشارية وتمرده على رؤسائه، وبضعف
стр. 627
الزعماء
واختلافاتهم المتصلة مع الولاة في الخارج، والوزراء والملوك في دار الملك، فكان وضع السيف فيهم على عهد محمود الثاني، وصدور الأمر بقتلهم في الولايات مما نفس خناق الأمة. وإن كانت العقوبة التي نزلت بهم في الشام أخذ، لأن بعضهم وفيهم الرؤساء كانوا من الأهلين، فلما نزل ما نزل بجماعتهم غيروا ألقابهم وبدلوا طرازخم وثيابهم، وبعد أن تخلصت الدولة والأمة منهم صعب على العثمانية في بضع سنين أن تصلح ما فسد في عشرات بل في مئات، وهل من سبيل إلى ارتجال جيش منظم إلا إذا ساد السلام أعواماً طوالاً، وانتشر العلم وتعلم القواد على الأقل، وكيف يتأتى ذلك وطالع الدولة الحرب على الدوام لا تفتأ متنقلة من أزمة إلى أزمة، وكانت في هذه الحقبة خرجت من حرب الوهابية في الحجاز ودخلت في حرب اليونان.
ولم يخطر ببال الدولة يوم قام محمد علي في مصر أن يتدرج بعد قتل المماليك في مراتب القوة والسيادة، حتى يقبض على زمام الأمر ١٨٠٤م وينظم قوتيه البرية والبحرية، وينشط الزراعة والتجارة وتسمو به الهمة، أن لا يكتفي بما يملك بل ينزع إلى التوسع في فتوحه، لإيقانه أن الدولة وإن كانت في صدد إدخال الإصلاح على أوضاعها بفضل محمود الثاني سلطانها العاقل، لا تستطيع أن تلحق غبار مصر التي جرت على الأصول في تنظيم جيشها وإدارتها وسلطان العثمانيين على اتساع ولاياته وكثرة خيراتها، يتعذر عليه أن يقوم في مملكته بما قام به محمد علي في ولايته، لأن الإصلاح في الجسم الثقيل المختلف الأمراض، أصعب منه في جسم له مرض واحد، إذا عولج كان أقرب إلى الصحة والاستمتاع بالسلامة.
كان الغرب في هذا القرن يسير إلى الارتقاء بخطى واسعة سريعة، والدولة العثمانية تنظر إلى هذه المظاهر باهتة، وقلما يبدو لرجالها أن يتحدثوا في سر هذا
الارتقاء وعواقبه عليهم وعلى جيرانهم، إن لم يجاروهم في هذا المضمار. فأصبحت دولة بني عثمان لا تكفى عادية دولة من دول الغرب إلا إذا استعانت بأُخرى عليها، واستفادت من تخالفهم وتباين أغراضهم، بعد أن كانت أيام شبابها تنال من دولها مجتمعات ومنفردات. ولكن الجيش الذي يصل إلى أسوار فينا على عجلات البقر، ويقاتل المحاربين والمسالمين بالسيف والنشاب
стр. 628
غدا يحتاج إلى أسباب في النقل أسرع، وسلاح في الفتك أقطع، غدا يحتاج إلى علم وعُدد، أكثر من احتياجه إلى أسماء ضخمة وعَدَد، وأصبحت السياسة والإدارة والحرب علوماً عملية، والدربة والتنظيم رأس كل أمر، والجيوش بنظامها وقيادتها وعددها وذخيرتها وبالفكرة المتشبع بها أفرادها، فكيف تنجح بعد الآن دولة تعد الجهل من مظاهر القوة، وكيف لا تتجلى الفروق بين دولة جمدت ولم تعمل، ودول تحركت ونمت وربت، وبين أُمة فتحت أقطاراً واسعة منذ قرون وبقيت طول حياتها الطويلة تصارع عناصرها ويصارعونها، وهي عنهم غريبة وهم عنها غرباء ولم تتمثلهم ولم تتمثل فيهم كما فعل محمد علي فتمثل في مصر والمصريين.
لماذا تراجعت الدولة العثمانية:
نسب ميشو انحطاط الدولة العثمانية وإخفاقها في حكم الولايات التي افتتحتها إلى عدة أسباب أهمها الجهل والجمود والغرور قال ومن حسن طالع النصرانية أنه لما فترت الهمة في الحروب الصليبية التي يراد بها حماية أُوربا، أخذ الأتراك يضيعون شيئاً من قوتهم العسكرية التي أخضعوا لسلطانها الشعوب النصرانية، فكان العثمانيون بادئ بدء الأمة الوحيدة التي كان لها جيش دائم منظم تحت السلاح، وبه أحرزت الدولة التفوق على الأمم التي تريد إخضاعها لسطوتها. وغدت أُوربا في القرن السادس عشر، ولمعظم ممالكها جيوش يقاومون بها أعداءهم، وسرعان ما انتشر النظام والتربية العسكرية بين شعوب النصرانية.
وأخذت المدفعية والبحرية تزيد كل يوم نظاماً ورقياً في الغرب، على حين كان الأتراك يزهدون في التجارب التي وصلت إليها الجيوش البرية والبحرية، ولا يستفيدون بتاتاً من العلوم التي انتشرت بين أعدائهم وجيرانهم، ويزاد على ذلك ما عبث بكيان الأتراك من الخرافات وقلة التسامح، فحال ذلك دون فتوحهم. كانوا إذا استولوا على ولاية يحاولون أن يحكموها بأنظمتهم، ويغرسوا فيها عاداتهم وعباداتهم، فاقتضى لهم من ثم أن يبدلوا وجه كل شيء ويقضوا على حياة كل شيء في
стр. 629
الأمصار التي ينزلونها، وأن يقضوا على أهلها أو يضعوهم بحيث لا يستطيعون أن يناجزوهم الشر، ويرفعوا رؤوسهم فيهم، ولذلك يلاحظ أن الأتراك استولوا مراراً على المجر، فكانوا يرحلون عنها بعد كل حملة يحملونها عليها، ولم يستطيعوا أن يؤسسوا فيها مستعمرة أو موطناً ثابتاً، وهم في انتصار يتلوه انتصار. والشعب العثماني الذي كفى لاحتلال ولايات مملكة الروم واستعبادها لم يكف لسكنى أقطار أبعد والاحتفاظ بها، وبهذا نجت ألمانيا وإيطاليا من غارات الأتراك، وربما استطاع العثمانيون أن يفتحوا العالم لو قدر لهم أن يُخَلّقوا الأقاليم التي ينزلونها بأخلاقهم ويُنزلوا فيها كثيراً من أبنائهم. قال: من الأسباب الرئيسية التي أضعفت القوة الجندية في الأتراك، الحروب التي كانوا أعلنوها على أوربا وفارس. فقد صدهم جهادهم الفرس عن حملاتهم على النصارى، وجهادهم في النصارى أضر بنجاحهم في حروبهم في آسيا. وكانت طريقة الأتراك في حربهم الفرس والشعوب النصرانية متباينة، فبعد أن قاتلوا زمناً مقاتلة ما وراء النهر والقفقاس، أصبحوا عاجزين عن قتال أوربا، فضعفوا عن قتال الفرس وعن قتال النصارى من أُمم الغرب. وظلوا بعدئذ بين عدوين تقريباً يهمهما زوالهم ويتحمسان بالحماسة الدينية. حمل الأتراك معهم مثل جميع البرابرة الذين أتوا من شمال آسيا نظام حكومة الإقطاعات، وكان أول عمل يأتيه أولئك الشعوب الرحالة
تقسيم الأراضي بوضع بعض القيود والشروط لمقتطعيها، ومن هذا التقسيم نشأ نظام الإقطاعات. والفرق بين الأتراك وسائر البرابرة الذين فتحوا المغرب هو أن استبداد السلاطين المبني على الحسد والغيرة لم يترك مجالاً قط للإقطاعات أن تكون وراثية ليكون بجانبهم طبقة من الأشراف كما هو الحال في الحكومات الأوربية المطلقة، وهكذا لم تكن تشهد في المملكة العثمانية سوى سلطة رئيس مطلق إلى جانبها ديمقراطية عسكرية.
شبهوا الأتراك بالرومان. وكانت بداءة هذين الشعبين واحدة، وما أشبه أشياع روملوس بأتباع عثمان. ويتفاوت الشعبان في نظر التاريخ، ذلك لأن العثمانيين ظلوا كما كانوا في الأصل. أما الرومان أيام فتوحهم فلم يزهدوا في معارف من فتحوا ديارهم. ولم يستنكفوا من الأخذ بعاداتهم ومعبوداتهم.
стр. 630
ولم يقتبس الأتراك من الأمم المغلوبة شيئاً، وتشددوا في أن يظلوا على بربريتهم. ولم تتأصل الأرستقراطية الوراثية في جانب الاستبداد المطلق، وربما كان ذلك أحد الأسباب التي قضي بها على الأمة العثمانية أن تبقى في حالة الهمجية. وكل من درسوا سير المجتمعات يدركون أن بالأرستقراطية تتهذب الأخلاق وتثقف عادات الشعوب، وبالطبقة المتوسطة تنتشر المعارف وتبدأ المدنية. إن فقدان طبقة الأشراف أو العالية في الحكومات الشرقية لم يبين لنا سرعة انحلال هذه الحكومات فقط، بل إنه حلّ لنا معنى جمود الفكر الإنساني في هذا الضرب من الحكومات، وكيف لم يتقد قيد غلوة. وما كان في المساواة المطلقة، ومن حكومة تغار من كل ما لا تكون هي منشأه ومصدره شيء من المنافسة والقدوة وحب المجد، وبدون هذه الأسباب يقضى على كل مجتمع أن يبقى في الجهل الأعمى الذي كان عليه لأول أمره، وأن يفقد معظم مزاياه ومصالحه. وبالنظر لزهد الأتراك في العلوم والآداب ظلت أعمال الصناعة والزراعة والملاحة في أيدي
مواليهم وكانوا في الحقيقة أعداءهم، ذلك لأنهم كانوا يشمئزون من كل جديد، ومن كل ما لم يحملوه معهم من آسيا، فاضطروا أن يلجأوا إلى الأجانب في كل ما اخترع ونظم في أوربا، وهكذا لم يكن لهم نقض ولا إبرام في مصادر سعادتهم وقوتهم، وفي متانة جيوشهم وأساطيلهم. ولا يخفى ما أضاعه الأتراك بونائهم عن السير في معارج الرقي العسكري الذي أصاب منه الأوربيون قسطاً موفوراً، ولما كان الشأن في حروبهم لجيوش متحمسة بالتعصب كانت الغلبة لهم، فلما جاء دور العلوم البشرية وما أبرزته عقول الناس من المخترعات والمكتشفات، كان العقل المساعد هو المحد من الشجاعة.
شبه بعضهم جيش الإنكشارية العثمانية بطوائف البرتوريان من الرومان، في حين كان هؤلاء منتخبين، وما جرى على خاطر الأتراك قط أن يختاروا أميرهم سواء في ذلك شعوبهم وجيوشهم. وكانت مصلحة الإنكشارية تقضي أن يلقوا الاضطراب في المملكة لئلا يخلو لها الجو فتستفيد شيئاً من الجديد. أما الأتراك الذين توطنوا في يونان فكانوا يحترمون العادات القديمة أكثر من
стр. 631
غيرهم، كما يحترمون الأوهام وحب العمالات التي ينزلونها. ولما استولوا على مدينة الأستانة كانوا يوجهون أنظارهم على الدوام إلى المواطن التي أنشأتهم وتناسلوا فيها، فكانوا أشبه بسياح وفاتحين عابري سبيل في أوربا: من ورائهم قبور أجدادهم، ومهاد عباداتهم وكل ما يقدسونه ويحترمونه، وأمامهم شعوب يكرهونها، وأديان يريدون القضاء عليها، وأقطار يتراءى لهم أن الباري تعالى يلعنها. وأهم ما أخر الأتراك وقادهم إلى انحطاطهم، ذكرى مجد سالف، وإعجاب وطني لا تناسب بينه وبين ثروتهم وقوتهم، فكانوا يستهينون، ولهم القوة، بالأخطار التي تهددهم، فإذا كتب لهم النصر سكروا وقربوا القرابين وإذا غلبوا حملوا على رؤسائهم.
هذا رأي المؤرخ الفرنسي في العثمانيين وعلة انحطاطهم وقال غيره وأغرق: إن
شأن الأتراك العثمانيين في الولايات التي يفتحونها إذا رحلوا عنها شأن جماعة من البدو نزلوا منزلاً موقتاً ضربوا خيامهم فيه، إذا ترحلوا عنه من الغد لا تشاهد بعدهم في الأرض التي نزلوها سوى آثار أطنابهم، وعمد خيامهم فقط.
حملة محمد علي على الشام وهزيمة الأتراك:
أظهر والي مصر محمد علي وهو بعض عمال الدولة العثمانية مثالاً مجسماً من التجدد في الممالك، وبدت أمارات قوته بعد أن قرض المماليك من مصر، فلم يسع الباب العالي إلا الاعتراف بسلطته ومحاسنته، شأنه مع كل عامل أحرز قوة، على شرط أن يؤدي الجزية، ويعرف كيف يصانع رجال الدولة وسلطانهم. وكان محمد علي أسعد طالعاً من سلطانه، لأنه لم يصطدم يوم قام بإصلاحه بما اصطدم به السلطان محمود في تطبيق الإصلاحات، راى من المصريين قبولا لدعوته، واستعداداً للمدنية، وهو لم يقاوم الطبيعة كما قاومها الترك العثمانيون في السياسة التي استخدموها للقضاء على العناصر، بل استعرب وتمصر وألف بطانته من كل من يخدم مصر بدون عصبية.
قام بما أراد في مملكته الصغيرة أحسن قيام، وفتح صدره لكل جديد،
стр. 632
بل فتحت مصر بفضله صدرها لذلك. بيد أن محمد علي لم يقف عند الحد الذي بلغه من الاسئثار بوادي النيل، وطمح إلى التوسع في الملك، شأن عظماء الفاتحين الطامعين في بسطة السلطان، ولكن أي البلاد يفتح؟ هل يتوسع في أفريقية؟ في صحراء ليبيا وصحراء النوبة وهي أصقاع لا توازي العناء. وربما صدمته دول الاستعمار عن التوغل في شمالي إفريقية أو في أواسطها، أم يقصد الشام وهي مفتاح كل فتح، وفيها من العمران ما يوازي العناء في استصفائها، وبينها وبين سكان مصر من وجه الشبه ما لا ينكر محله، ثم لا يصعب عليه إذا خفقت عليها أعلامه، أن يتقدم إلى الأمام، ويملك من أرض العرب والترك ما طاب له، ولا
يعلم ما تحدثه الأيام.
بحث محمد علي عن وسيلة لذلك فلم يلبث طالعه السعيد أن خلق له سبباً معقولاً لفتح الشام، وذلك أن بعض فلاحي الشرقية بمصر ضاقت نفوسهم من إعنات عماله بالجندية والضرائب، فهاجروا إلى جهات غزة ملتجئين إلى والي عكا، وكان عددهم ستة آلاف، فطلب منه محمد علي إرجاعهم خوفاً من كثرة عدد من يتبعهم إلى الشام، فامتنع الوالي من ذلك بدعوى أن القطرين تابعان لسلطان واحد، فاستشاط محمد علي غضباً خصوصاً وهو الذي استرضى خاطر الدولة على والي عكا وكانت غضبت عليه، ودفع عنه ستين ألف كيس غرامة اقتضتها منه لترضى عنه، فاتخذ عزيز مصر من ذلك حجة لفتح الشام فأمر سنة ١٢٤٧ بإعداد جيش للسفر إليها عن طريق العريش وطريق البحر في آن واحد، وذلك لمحاصرة عكا من جهتين، وعين ولده إبراهيم باشا قائداً عاماً للجيوش، وسليمان بك الفرنساوي قائم مقام له، وجنّد ستة ألايات من المشاة وأربعة من الفرسان، ومعهم أربعون مدفعاً وكثير من مدافع الحصار الضخمة، وما يلزم ذلك من الأعتاد والمؤن. فوصل إبراهيم باشا مع الأسطول إلى يافا وفتحت له كما فتحت القدس ونابلس أبوابها، وكانت عكا أشهر مدن الشام بحصانتها وفيها خمسة آلاف مقاتل، فدام حصارها سبعة أشهر تحاصرها من البحر بوارج حربية مسلحة بالمدافع الكبيرة، ومن البر ثلاثون ألف جندي، وبريطانيا العظمى متغاضية عنه طوعاً أو كرهاً، إذ كان محمد علي من فرنسا نصير وظهير، وليست بريطانيا حرة مطلقة، في
стр. 633
البحر المتوسط لتضرب أسطول محمد علي منذ أقلع من الموانئ المصرية إلى السواحل الشامية. قال المؤرخون: ولما كانت الجيوش المصرية تحاصر عبد الله باشا في عكا جاءه من نابلس ستمائة رجل واخترقوا صفوف العسكر المصري ودخلوا عكا لمساعدة وزيرها شاهرين سلاحهم ضاربين من عارضهم.
وبعد فترة قليلة تمكنت الدولة من تجنيد عشرين ألف مقاتل بقيادة عثمان باشا والي حلب، فترك إبراهيم باشا قسماً من الجيش على عكا، والتقى في ضواحي حمص مع القسم الآخر بالجيش العثماني الذي كان كأخلاط الزمر لا نظام له ولا دربة، وأبلى المصريون بلاء حسناً حتى أوصلوا العثمانيين إلى العاصي وغرق كثير منهم فيه، واختفى عثمان باشا في حماة، ثم احتل إبراهيم باشا بعلبك وعاد إلى عكا وشدد الحصار عليها ففتحها بمعاونة العرب والدروز والموارنة الذين أتوه بأنفسهم طوعاً بعد أن ظهر على الأتراك في أرض حمص، وأتاه بشير الشهابي إلى المعسكر يريد الدخول في طاعته. فتحت عكا بضرب المدافع ثلاث ثغرات من سورها واستمر القتال بالسلاح الأبيض فاستسلمت الحامية، وأخذ عبد الله باشا واليها أسيراً وحمل إلى مصر مكرماً، ثم فتح الأسطول المصري سواحل الشام كاللاذقية وطرابلس وبيروت وصيدا وصور. وبعد أن فتح إبراهيم باشا عكا قصد دمشق ومعه الأمير بشير وأمراء حاصبيا وراشيا فجمع علي باشا والي المدينة عسكراً من الأكراد وأحداث البلد قدّر بعشرة آلاف، وكشف إبراهيم باشا بمنظاره خيول الأكراد ومقاتلة الدماشقة فوجه خيل الهنادي لمقاتلة الأكراد، ونبه على العسكر النظامي أن يقاتلوا الدمشقيين ولا يؤذوهم، بل يطلقون البنادق في الفضاء، فلما سمع الدمشقيون أصوات النار تهاربوا وقاتل الأكراد جهدهم حتى غلبوا، وفي إثرهم خيل الهنادي تقتل من تلحقه منهم.
تقدير مؤرخين وشاعر لغلبة محمد علي:
يؤخذ مما قاله البيطار أن إبراهيم باشا قد ساعده الأمير بشير الشهابي ورؤساء جبل نابلس، لأن عبد الله باشا والي عكا كان حاصر قلعة صانور وهدمها
стр. 634
وحصل منه ضرر لأهل نابلس وكان ذلك من أسباب الغلاء الذي وقع في الديار الشامية، وأن إبراهيم باشا بينا كان جيشه على عكا يقاسي الأهوال ويتجدل منه الرجال إثر
الرجال جاء عباس باشا حفيد محمد علي باشا إلى البقاع وحصن بعض القلاع هناك ليقطع الطريق على العساكر العثمانية الآتية لقتالهم، وافترق أهل جبل لبنان وتلك النواحي فرقتين، فتابع النصارى منهم الأمير بشيراً المتفق مع إبراهيم باشا، وخالفهم الدروز وأظهروا الطاعة للسلطان، ثم قصد إبراهيم باشا إلى طرابلس وحمص ودخلهما بلا قتال.
قال: وتوجه إبراهيم باشا إلى بعلبك وجاءه المدد من العساكر والذخائر وعاونه أهل الجبل من المسيحيين والدروز، وكان قبل ذلك وقعت بين هاتين الطائفتين فتن فرجع إليهم إبراهيم باشا وكسر شوكتهم فأطاعوه، ثم دخل عسكر إبراهيم باشا عكا من الأبراج على السلالم. وذكر بعضهم أن من جملة من قتل من عسكر إبراهيم باشا اثنا عشر ألفاً ومن عساكر عكا نحو خمسة آلاف. قال: وفي ثالث المحرم ١٢٤٨ أرسل إبراهيم باشا إلى دمشق يطلب منهم أن يمكنوه من الدخول إليها فلم يرسلوا إليه جواباً ثم طلب ثانياً فأرسلوا إليه إنا لا نمكنك من الدخول أصلاً، وفي رابع عشر المحرم وصل بعض جيوشه إلى قرب قرية داريا فخرج إلى لقائهم خلق كثير من أهل دمشق فقاتلوهم قتالاً يسيراً، ولم يقصد كل من الفريقين إضرارا الآخر، وقتل من كل فريق رجل أو رجلان، ثم دخل إبراهيم باشا دمشق وقد فر منها واليها علي باشا وعسكره والقاضي والمفتي والنقيب ومحمد شوربجي الداراني وجميع أبناء الترك الموظفين وغالب أعيان دمشق، ثم عزم على قتال حمص فحصل بينه وبين العسكر السلطاني قتال قتل منهم نحو خمسة آلاف وأُسر نحو أربعة آلاف وفر باقي العسكر والباشوات وكانوا نحو ثلاثين ألفاً وغنم أموالهم وعتادهم وسار بعد ذلك إلى حماة فحلب فملكهما، ثم جاء إنطاكية وعينتاب واللاذقية واستولى على حصن الإسكندرونة وعلى حصن بيلان وكان فيه حسين باشا فحدثت بينهما مقتلة عظيمة.
وفي البهجة التوفيقية أن الدولة جيشت جيشاً آخر بلغ عدده ستين ألف مقاتل بقيادة حسين باشا فالتقى الجيشان أمام حمص وانهزم الجيش التركي
стр. 635
وبلغ عدد القتلى من الترك ٢٠٠٠ والأسرى ٣٠٠٠ وتقهقر الجيش التركي إلى حلب، وحاول حسين باشا دخولها فمنعه أهلها خوفاً من انتقام إبراهيم باشا فتقهقر إلى بيلان فتقدم الجيش المصري ودخل حلب وتأثر الجيش التركي فهزمه وغنم منه خمسة وعشرين مدفعاً وكان غنم منه أولاً اثني عشر مدفعاً ثم غنم أربعة عشر مدفعاً آخر وقتل من العثمانيين أربعة آلاف ومن المصريين خمسمائة وخمسون، ووقع في يد إبراهيم باشا ألفان من العساكر النظامية أسرى من الأرناؤد والهوارة فأعطاهم الأمان وأدخلهم في جملة جنده، واختفى حسين باشا ولم يعرف له أثر، واجتاز إبراهيم باشا جبال طوروس وكان السلطان في هذه المدة جيش ستين ألف مقاتل آخر وفي رواية أُخرى مائة وخمسين ألف عسكري بالمدافع والمهمات ولم يكن مع إبراهيم باشا سوى ثلاثين ألفاً فالتقى الجيشان في سهول قونية ووقع القائد رشيد باشا أسيراً في أيدي المصريين وانهزم الأتراك وغنم المصريون منهم في هذه الوقعة نيفاً ومائة مدفع وكثيراً من الذخائر وأسروا عشرة آلاف عسكري بينهم كثير من الضباط والقواد وقتل منهم ثلاثون ألفاً.
ويقول مشاقة: إن جيش حسين باشا لم يكن سوى أربعين ألفاً من الترك، على حين لم يكن مع إبراهيم باشا سوى اثني عشر ألفاً وكان أبقى من عسكره جانباً للمحافظة في الأقاليم المفتتحة وهلك الآخر في الحرب أو الوباء فغَلب، وهذا أقرب إلى المعقول. وقد استغرب كامل باشا لِمَ لم تستطع الدولة أن تجيش في الحال نحو عشرين إلى ثلاثين ألف جندي من حلب ودمشق وترسل أسطولاً إلى عكا يصد عنها أُسطول محمد علي أو يقيم العثرات في سبيله، كما أنه استغرب كيف أن العثمانيين لم يحفظوا خط رجعتهم ولم يقفوا موقفاً يردون به عادية أعدائهم،
وانهزموا تحت نيرانهم إلى الإسكندرونة تاركين خمسة وعشرين مدفعاً وألقي أسير على حين لم يفقد من المصريين سوى عشرين جندياً. وقد وصف الشيخ أمين الجندي فعال الأتراك وهنأ عزيز مصر وولده إبراهيم وحفيده عباساً بفتح الشام فقال من قصيدة:
والله غيَّر ما بهم من نعمة ... لما تغير حالهم وتبدلا
وقد استباحوا المنكرات فلا تسل ... عما توقع منهم وتحصلا
следующие страницы →