← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37063

خطط الشام

محمد كرد علي

Полный текст (1 453 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الأيام من المقدرّين والبنائين وغيرهم ممن خلدوا بأعمالهم مدنية أعصارهم. لم يتسلسل العلم قروناً طويلة في الشام تبعاً لتغير الدول وانصراف الهمم والعلم مذ كان محتاج إلى العلم ذلك لأن الشام كان في جميع أدواره ممراً للفاتحين يطمع فيه جيرانه، بل البعيدون عنه لتوسطه بين بر آسيا وإفريقية وأوربا. والقدر الذي عرفناه من رسوخ العلم في ديارنا كاف ولا شك في إنشاء مدنية صالحة خصوصاً إذا دعمها ما كان ينهال عليها من علوم أهل العراق والجزيرة ومصر والأندلس وفارس وغيرها. وكأن الشرق مُني بالتساهل والإهمال، وعدم التسلسل في الفكر والاطراد في العمل، فكان مظهر الحياة الفردية في الأعم الأغلب من حالاته، وعلى العكس في الغرب فإنه كان ولا يزال مثال الحياة الاجتماعية والتعصب للفكر والاستماتة فيه، والتسلسل في الأفكار. ولقد رأينا الغرب في قرونه الوسطى قبيل عهد النهضة يشتد في إرهاق الأفكار الحرة، وديوان التفتيش الديني يحرق الأنفس البشرية بالعشرات للقضاء على الفلسفة والتجدد، بيد أن الغرب كان إذا هلك فيه رجل بطريق الإلحاد والخروج عن مألوف القوم، يقوم غيره من أخلافه في الحال يتناول ما بدأ به سلفه، ناسياً أن الهلاك يحل به إذا اشتهر أمره. ورأينا في هذا الشرق القريب أناساً ينزعون إلى التجديد والإبداع كان نصيبهم من الحياة ضرب أعناقهم، أو إدخال الرعب على قلوبهم حتى قضوا أعمارهم في خمول وتقية، وكان نصيب الأمة العربية أن يقل فيها جداً ظهور من يخلفهم في دعوتهم، وقد يأتي العصر والعصران ولا يظهر فيهما نابغة يذكر وعالم مبدع، وجاء زمن وهو ليس ببعيد، وقد أصبح الناس ينكرون البديهيات في العلم، ويحرمون ما حلل الله من ضروبه النافعة، فغارت ينابيعه من أرضنا وفاضت في الغرب وزادت مع الأيام فيضاناً، وقويت تقية العلماء ودخل في غمارهم الجاهلون فسقطت هيبة العلم. وكان من نتائج عمل الغربيين تلك الحضارة الحديثة المدهشة ومن تفاشلنا وتجاهلنا هذا الانحطاط المحسوس وإضاعة مدنية الأجداد. العلم ابن الحرية، والأدب ربيب التسامح، وقد شاهدنا أجدادنا في هذه الديار المثال الصالح في هذا الباب على اختلاف العصور والمذاهب، وكان

стр. 842

العرب في أدوارهم المختلفة يمثلون أجمل صورة من هذا القبيل. فإن كانت إنطاكية وبيروت قبل الإسلام عاصمتي الحكمة والأدب والشرائع، فقد امتازت بعدهما حلب والمعرة وطرابلس ودمشق وحمص بهذه الخصائص. والعلم بضاعة ثمينة لا تروج الرواج المطلوب إلا في ظل السلام وصلاح السلطان. هذا شأن العلم، أما الأدب وهو منظوم الكلام ومنثوره والخطب والرسائل فيتصرف أيضاً على هذا المثال، وبه أدركنا بعض الحالة الاجتماعية والروحية التي كانت عليها تلك الأعصر، ورأينا فيه تبدلاً محسوساً في القرون التالية، فكانت الآداب في الشام في القرن الأول غيرها في القرن الثاني والثالث، وقد استحكمت أسباب الحضارة وعم الترف، ونقلت علوم الأوائل وراجت سوق الشعر في الرابع والخامس في الشمال، وما لبثت في أواخر هذا القرن أن عراها الكساد قليلاً، ثم هبت إلى الحياة بعض الشيء في السادس والسابع تبعاً للحالة السياسية التي كان عليها القطر زمن الحروب الصليبية، ولم ينشأ في الشام خلال القرنين الثامن والتاسع شاعر يجوز عدّه في مصاف المفلقين على مثال شعراء القرن الثالث والرابع، أما في القرون الأربعة التالية فضعفت حالة الشعر اكثر من ذلك بما لا يقدر، وأصبح نظماً لا شعراً فُقد من أكثر ما نقل من الشعر الروح وبقي جسماً له من الشعر قوافيه وأوزانه، يطرس فيه المتأخر على مثال المتقدم وتتأثر أنفاس الابن بأنفاس أبيه وجده. إن حكمنا على المنظوم يسوغ أن نورده في المنثور، كان الإنشاء في القرنين الأولين للإسلام يسير مع الطبع غالباً ونبغ في الشام أفراد كعبد الحميد بن يحي الذي وضع أساس الكتابة المرسلة، ورأينا عمر بن عبد العزيز يكتب الكتاب في الإدارة أو السياسة أو القضاء أو في أمر مهم من أمور الدولة في سطرين أو ثلاثة ليس فيه شيء من الكلفة بتة بل هو آية الفصاحة والبلاغة، وهكذا معظم آل بيته من بني أُمية وبني مروان، ومن نشأ في دولتهم أمثال الحجاج بن يوسف الثقفي وزياد بن أبيه وعتبة بن أبي سفيان وشهدنا التكلف بادياً في كتابة القرون التالية التي انتقلت فيها صناعة الكتابة إلى بغداد أو القاهرة وضعف أمرها في الشام. وكان الشام يتبع العراق تارة ومصر تارة أُخرى، حتى إذا كان القرن السادس، ونبغ في الدولة الصلاحية القاضي الفاضل

стр. 843

بطريقته المستملحة في الكتابة المسجعة على الأغلب، وحذا حذوه العماد الكاتب ثم ضياء الدين ابن الأثير صاحب المثل السائر وغيرهما من كتاب الدولة أخذت تضيق حلقة الكتابة وهي احتذاء مثال المجودين من القدماء لحصرها في قيود الجناس والبديع والأسجاع فجمدت القرائح وقل المبرزون فيها المجيدون لصناعتها، فما بالك بالإنشاء الذي هو ابتكار المعاني والإبداع في القوالب. وإذا استطعنا أن نعد عشرة كتب في القرن الواحد لا نقوى على عدّ منشئ واحد فيه. وحكمنا هذا مبنيّ على ما قرأناه فيما خلفه السلف في هذه الديار من الكتب والآثار المبعثرة في بطون الدفاتر، وربما كان في المفقود الذي لم يصلنا من هذا النوع ما يؤهلنا لو ظفرنا به، أن نصدر حكواً أصح من هذا على فنون الإنشاء والكتابة والشعر والنظم، والإنشاء من الكتابة كالشعر من النظم. ولو لم ينبغ في الكتابة من المؤلفين أمثال القفطي وياقوت وابن أبي أصيبعة وابن العديم ثم الصفدي وابن فضل الله والمقريزي والشهاب الحلبي وأمثالهم في القرنين السابع والثامن لقلنا إن الانحطاط في الكتابة بدأ في الشام منذ القرن السادس، بيد أنها أصبحت في الحقيقة سجعاً كسجع الكهان بظهور ابن عربشاه الدمشقي وابن حجة الحموي وأمثالهما في القرن التاسع، أما في القرن العاشر وما بعده فإن الكتابة كالشعر كانت إلى التكلف والسجع غالباً، ومن أفلت من المؤلفين من قيد التكلف، ونجا من الترصيع والتسجيع، جاء كلامه مقبولاً في الجملة وقليل ما هم. بقيت الكتابة والشعر ترسفان في قيودهما القديمة إلى أوائل القرن الرابع عشر أيام نشأ للأمة في مصر بضعة شعراء ومنشئين أدخلوا الآداب في طور جديد ونزعوا عنها ثيابها البالية، وألبسوها حلة قشبية، فقام من المنشئين أمثال محمد عبده وإبراهيم المويلحي ثم المنفلوطي وطه حسين والعقاد وأضرابهم. ومن الشعراء محمود سامي وإسماعيل صبري ثم حافظ إبراهيم وأحمد شوقي وتلك الحلبة، وانتشرت كتاباتهم وقصائدهم في العالم العربي ومنها اقتبس شعراء الشام وكتابه وبطريقتهم اقتدوا وغيروا أسلوبهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وما أسلوبهم إلا الجمع بين متانة القدماء ورقة المحدثين،

стр. 844

وأصبح لهذا العصر طراز خاص عرف به لم يكن له منذ عرف تاريخ الأدب العربي أي منذ زهاء خمسة عشر قرناً. وكان للصحف والمجلات ولانتشار الآداب الإنكليزية والفرنسية والتركية وغيرها تأثير كبير في هذا الانقلاب الأدبي في ديارنا، والمبرزون في ما زالوا قلائل جداً، ويرجى أن لا يمضي عقدان أو ثلاثة من السنين حتى تكون الشام أخت مصر في هذا الشأن مع مراعاة النسبة بين حالة القطرين السياسية، والنظر إلى وفرة السكان والغنى، وتوفر أسباب التعليم العربي في القطر المصري. العلم والأدب عند أقدم شعوب الشام: صمت تاريخ العلم هذه الديار عن ذكر الرجال الذين اشتهروا مثلاً على عهد الحثيين ومن كان قبلهم من القبائل التي نزلت الشام، وخلفت فيها آثاراً في العمران لا تقوم بغير العلم، ولم ينقل إلا أسماء قليلة اشتغل أربابها بالعلم الديني والدنيوي على عهد بعض الدول الحالفة، ولا سيما الكلدان والعبران والرومان واليونان، ولولا بعض عاديات أثرت عن الأمم التي تأصل حكمها في بعض أرجاء القطر، وأخبار نقلتها التواريخ الصحيحة لقلنا إن أكثرهم كانوا أمماً بدوية على الفطرة. وأهم ما أُثر عن الفينيقيين مما ساعد العلم بالنسبة لعصورهم اختراعهم حروف الكتابة، بل تحسين أصولها وجعلها مطابقة للأصوات، ونقلهم لها إلى الأمم التي أبحروا واتجروا معها، وعنهم أخذتها أُمم الحضارة الحديثة النازلة على شواطئ البحر المتوسط وما إليها. وهذا الاختراع أهم ما عرف في القديم كما كانت الطباعة في القرون الحديثة أهم اختراعاتها في نظر العلم. قال بورتر: لا يستحق الذكر من علوم الفييقيين سوى علم الكتابة بحروف هجائية، وليس هم أول من استعملوا الكتابة لنا علمنا من الآثار أنها كانت عند المصريين والكلدانيين قبل عهدهم، غبر أن كتابتهم لم تكن بحروف وفق الأصوات البشرية الأصلية كالحروف الهجائية التي استنبطها الفينيقيون واعتبروا بها كل الاعتبار لأنهم أتقنوا الكتابة ونشروها بين أكثر الأمم المتمدنة لاتساع تجارتهم، فإن الحروف الهجائية في لغات أوربا وغربي آسيا وشمالي أفريقية مشتقة من حروفهم.

стр. 845

وأخبار العلم قبل الإسلام ضئيلة ومنها يستدل بعض الاستدلال على مكانة العقل فيه وسلامة أذواق بنيه. وكان النور يسطع بين أهل هذا القطر على حالة متقطعة لا مطردة، ويخرج العلماء والفلاسفة فرادى، انتقلت إلينا أسماء بعضهم ممن كانوا يعملون برأسهم أو يعملون مجتمعين مع أقرانهم في ظل الحكومات مثل يوسيفوس المؤرخ اليهودي في سنة ١٠٠م وله عدة تواريخ وقد صار والياً على الجليل، وكتب بالسريانية ثم ترجمت كتاباته باليونانية، ومنهم يوستوس الطبراني اليهودي المؤرخ وفيلون اليهودي الجبلي وفيلودومر الابيكوري من جَدَر وتيودور الخطيب من عسقلان وأُقليدس المهنس النجار الفيلسوف الرياضي الذي نبغ في صور، كما نبغ فيها فرفوريوس الفيلسوف، وكان بعد زمن جالينوس، ونبغ في العلم بولودر المهندس الدمشقي الذي أقام عمود تراجان في رومية وبنى جسراً على نهر الطونة الدانوب وجاء في رفنية ارسطيفس الرفني وفلسفته هي الفلسفة الأولى قبل أن تتحقق الفلسفة، وثاوذوسيوس الفلكي كان في القرن الأول قبل المسيح في مدينة طرابلس، وممن نشأ في اللاذقية نيقولاوس صاحب جوامع الفلسفة وتوفلس صاحب الحجج في قدم العالم. واشتهر في هذه القرون الأولى هرمبوس البيروتي تلميذ فيلون المؤرخ الفينقي في فنون الأدب، وطوروس البيروتي في الحكمة، ولوبركوس البيروتي في اللغويات والفلسفيات، ومناسياس البيروتي في الخطابة، واشتهر في الآداب مرقس كالريوس بروبس البيروتي، وفي الجغرافيا مارينوس الصوري، وكان معاصراً لبطليموس القلوذي في القرن الثاني للمسيح. وكانت إنطاكية على عهد خلفاء الإسكندر اوسلوقس نيقاتور ومن جاء بعده مباءة أدب وحكمة، ونبغ فيها من الشعراء ورجال الدين والأدب والخطابة على عهد انتشار النصرانية رجال عظام مثل القديس يوحنا فم الذهب اليوناني، والقديس لوقا، والشاعر ارستياس. وكما كانت إنطاكية دار حكمة وعلم، كانت بيروت تدعى مرضعة الحكمة على عهد الرومان، وكانت فيها مدرسة الفقه التي أسسها على الغالب بعض أباطرة الرومان من الشاميين - وقد نشأ من حمص وبُصرى أباطرة لبسوا تاج المملكة الرومانية وحكموها - وكانت اللغة اللاتينية لسان

стр. 846

العلم في تلك المدرسة، ويدرس فيها الفقه والآداب واللغة يقصدها الطلاب من جميع أنحاء المملكة حتى من روم القسطنطينية ومن أبناء العرب، وقد تخرج بأساتذتها أناس تأفقت شهرتهم في الأدب والشريعة، وكان قضاة الرومان من خريجيها مدة أربعة قرون، وكان اثنان من تلامذتها من جملة أعضاء المجمع الذي ألفه الإمبراطور يوستنيانوس لتدوين الفقه وقيل ثلاثة وهم اودكسيوس واناطوليوس ودوروتاوس، ومن أساتذتها اميل بابنيان من بيروت وكان من أشهر فقهاء الرومان، عد من جملة الفقهاء الخمسة الذين تنزل أقوالهم منزلة شريعة، وإذا تعارضت أقوالهم فالعمل بقوله، ومنهم اولبيان وهو من المشهورين من فقهاء الرومانيين ذهب بعضهم إلى أن مولده في بيروت وغيرهم إلى أنه في صور، ومنهم يوليوس بولس الحمصي وهو مشهور في الفقهاء الرومان، ومنهم مكسيموس الصوري وهو فيلسوف أفلاطوني، ومنهم لوسيان السميساطي كان نقاشاً فقيهاً فيلسوفاً بليغاً، ومنهم اسباسيوس الجبيلي الخطيب المؤرخ، ولنجينوس صاحب زينب ملكة تدمر الذي جلبته كما جلبت بولس دي ساموزات أسقف إنطاكية لينشر العلم في أرجاء مملكتها. وممن كان في تدمر وفي أرجاء الشام على ذاك العهد كيّكلراتيس الصوري وعالم المؤرخين بوسانياس الدمشقي ونيكوماخوس المؤرخ. وممن أفضلت عليه زينب صاحبة تدمر وكانت تعرف التدمرية والمصرية واليونانية واللاتينية والعربية على الأرجح وأسماء أولادها عربية كاسيوس ويونيسيوس وأوريجانس فيلسوف قيسارية. ومن علماء بيروت الأقدمين هرمبوس له تآليف عديدة وسيلير الفيلسوف ومناسيا ألف كتاباً في البيان والفيلسوف الأفلاطوني طورس والطبيب اسطرابون وساويرس بطريرك اليعاقبة وهذا كان في القرن الخامس للميلاد. وكثر في القرن الثالث للميلاد الكتاب وأرباب القرائح وأهل العلم والحصافة والحكمة، وممن نشأ من الأدباء والفلاسفة لوسين وجامبلتوس وبلوتين. قال سنيوبوس: حفظت في مدارس الروم في دمشق والإسكندري علوم الروم من فلك وجغرافيا ورياضيات وطب فجمع علماء الإمبراطورية البيزنطية رومهم وعربهم وفرسهم هذه العلوم وأكملوها ونشروها.

стр. 847

مواطن العلم في القطر قديماً: كان العلم يدرس في تلك الأحقاب في أربع مدارس وهي القسطنطينية والإسكندرية ورومية وبيروت، وقد أنشأ الرومان مدرسة في قيسارية، وأخرى في آثينة، وكان لصيدا على ذلك العهد مدرسة حكمة ذات شأن، ولكن دون مكانة مدرسة جارتها بيروت. وقد ألغى يوستنيانوس مدارس قيسارية وآثينة والإسكندرية، وأبقى مدارس رومية والقسطنطينية وبيروت ولقب بيروت بأم العلوم وظئر الشرائع. وأعفى ديوقليسيانوس قيصر الفقراء المتخرجين في مدرسة بيروت من الرسوم تنشيطاً لهم. وقد خربت مدرسة بيروت قبل الإسلام بالزلازل التي تواترت على الثغر في القرن السادس للميلاد ثم حريق سنة ٥٦٠م الذي التهم بيروت ومساكنها ومعاهدها. وكان في غزة مدرسة قديمة تفاخر بمشاهير علماء البيان فيها وكان فصحاؤها على العهد اليوناني المرجع الأول في الفصاحة والبلاغة، وكان في قيسارية في القرن الثالث للمسيح مدرسة علمية يعلم فيها أوريجين أحد رجال الكنيسة وتخرج منها الأسقف أوزيب أبو التاريخ الكنسي وقيل: إنه كان في أريحا مدرسة أسسها ايليا. قال استرابون الجغرافي اليوناني من أهل القرن الأول قبل الميلاد: لم يبق في صور وصيدا فينيقيون يضربون في الآفاق للتجارة، بل كان فيهما كثير من أصحاب علم الهيئة والعلوم الرياضية والخطباء والفلاسفة، ومدارس تقتبس فيها كل العلوم البشرية، وقد أنشأت صيدا في أيامنا كثيراً من الفلاسفة منهم بواتيوس تلميذنا وديودوت أبوه، ونشأ في صور انتيباتر وقبله أبولون، وكان في ايامنا فيلسوف اسمه بوسيدونيوس كان شيشرون يسمع خطبه. وكانت اللغة اللاتينية ثم اللغة اليونانية لغة العلم في هذه الأحقاب، ولم يكن السريان السكان الأصليون دون الرومانيين واليونانيين في تخريج الرجال، ولا سيما في عهد النصرانية. فقد هبت في المائة الرابعة للميلاد اللغة الآرامية السريانية بحلب وجوارها من رقدتها، فسار في طليعة أهلها كيرتونا الشاعر الكبير، نشا في حلب أو في صقعها ودرس الآداب السريانية في مدرسة الرّها،

стр. 848

وهي إحدى المدارس العالية في العالم السرياني، ونشأ منهم سمعان العمودي وبالاي والقديس إسحاق الإنطاكي، ومن فحول شعراء السريان، اخسنايا المنبجي أحد غلاة المنوفسية الطبيعة الواحدة ويوحنا بن افتون القنسريني شيد ديراً على ساحل الفرات عرف بدير قنسرين، وكان جامعة للآداب والمعارف الآرامية عصراً طويلاً مات سنة ٥٣٨ وتوما الحرقلي نشأ في دير ترعيل قرب حلب وتلقى العلم في قنسرين وقد ترجم الأناجيل وغيرها من الأسفار المقدسة من اليونانية إلى السريانية. ومن المدارس التي أنشأها السريان في غير أرض الشام، ولكنها خرّجت للشاميين رجالاً أيضاً، وسرى من علومها على هذا القطر نسمات مباركات، مدرسة حران، وقد أخذت الشام ولا سيما شماليها منذ القرن الخامس تغص بالمدارس والأديار حيث تُدرس الآداب السريانية، ويتنافسون مع المدارس العالية الأخرى في ديار السريان، وكانت حران بمثابة آثينة العالم الآرامي، كما انبعثت من مدرسة نصيبين في ديار مضر في القرن الرابع شعلة الآداب الكلدانية الآرامية. وفي تاريخ كلدو وأثور أن مدرسة نصيبين كانت أول مدرسة في الشرق، أزهرت في القرن الخامس والسادس والسابع وبلغت عزها ومجدها، واشتهرت مدرسة نصيبين أكثر من مدرسة اورهاي اشتهار مدرسة المدائن وغيرها، وكان صيتها في فارس والروم وإيطاليا وأفريقية، وهي أول كلية لاهوتية بل أول جامعة درّس فيها علن الإلهيات، وظهر منها علماء كفاة كتبوا في الفنون ولا سيما في الإلهيات. واشتهر اليعاقبة كالنساطرة في العلم والتأليف. والنسطوريون أكثر عدداً، واليعاقبة أكثر مادة. وكان يرشح من علوم هؤلاء الآشوريين على الشام شيء كثير للاشتراك في اللغة والدين إذ ذاك. هذا بعض ما انتهى إلينا من أخبار العلم ونوابغه في الشام من الفينيقيين والسريانيين والرومانيين والبيزنطيين وما زالت بعض آثارهم وأخبارهم شاهدة بفضلهم، وأنهم ليسوا دون من خلفهم في أمور كثيرة، مما اهتدى إليه العقل البشري، فإن حرمنا كتبهم لأن الكتابة كانت على حالة ابتدائية فلم نحرم كتابات لهم مزبورة على بعض الأحجار، دونوا فيها أعمالهم

стр. 849

الحربية ومآثرهم العلمية، لا جرم أن من ينشئ هذه المصانع وينزل فيها لا بد أن يكون جانب من الغنى، وهذا لا يزكو إلا بالعلم المختلف الضروب وفي ظل حضارة بديعة. ما حمل العرب من العلم إلى الشام: تاريخ العلم في العرب من أغرب ما سُمع في تاريخ البشر، كانوا أول ظهورهم نصف متمدنين يكثر فيهم الأميون ويقل من يكتب فيهم حتى في أهل الطبقة الأولى، ويعد فيهم من الممتازين من يحسن الكتابة، خرجوا فجأة من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم، ومن ضيق البداوة إلى متسع المدنية. ولما جاء الإسلام لم يكونوا مولعين بغير الشعر والخطب، لا يعرفون غير الفصاحة والبلاغة، وهما في نظرهم جماع كل العلوم، ينقلون أنسابهم وأخبارهم في الصدور، وعلومهم في الطب والنجوم عبارة عن تجارب شخصية أو تقليدية، ولم يكن التدوين يعهد عندهم، وكانت حدثت هذه الكتابة بالخط العربي قبل الإسلام بقليل نقلها إلى الحجاز حرب بن أمية، وكان قدم الحيرة فعاد إلى مكة بهذه الكتابة. أخذت الكتابة من واضعها مرامر بن مرة. وأول من علم بمكة الكتابة عبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية أمره الرسول ﷺ أن يعلم الكتاب بالمدينة، وكان ممن أُسر ببدر ولا مال له، فقبل منه أن يعلم عشرة من غلمان الأنصار الكتابة ويخلي سبيله، فيومئذ تعلم الكتابة زيد بن ثابت. ولما فتحت الشام وكانت أشبه بنصف عربية بمن حكمها من الغسانيين في الجنوب والوسط والتنوخيين في الشمال من عمال الروم ومن كان ينزلها من القبائل والبطون العربية في أرجاء تدمر والفرات وغزة وسينا، كان الشعر مما يفاخرون به، وإذا نشأ فيهم شاعر رفعوا من شأنه واعتمدوا على قريحته في الشدائد. وكان جبلة بن الأيهم من ملوك الغسانيين شاعراً مجيداً يعجب بالشعر ويجيز عليه وهو ممدوح حسان بن ثابت ومن أهل بيته فصحاء لا يستهان بهم. جاء الشام في الجاهلية كثير من شعراء جزيرة العرب وكأنهم كانوا ينزلون على أهل جيلهم وقبيلهم، ومنهم امرؤ القيس وقد ذكر في شعره بعض أرجاء

стр. 850

الشام. وكذلك حسان بن ثابت ذكر راض الغساسنة ومنازلهم. وأقام المتلمس المتوفى سنة ٥٨٠م في حوران عند الغساسنة إلى وفاته. جمع القرآن ونشره في الشام: جمع القرآن على عهد رسول الله ﵊ على ما روى ابن سعد أُبيّ بن كعب ومُعاذ بن جبل وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وسعد بن عُبيد وأبو زيد ثابت. وكان مجمّع بن جارية قد جمع القرآن إلا سورتين أو ثلاثاً. وكان ابن مسعود قد أخذ بضعاً وتسعين سورة وتعلم بقية القرآن من مجمّع. قال وكان بقي على مجمع بن جارية سورة أو سورتان حين قُبض النبي وفي رواية أن من جُمّاع القرآن عدا من ذكروا، علي بن أبي طالب وعبيد بن معاوية. وقال محمد بن كعب القرظي: جمع القرآن في زمن النبي صلى الله وسلم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأُبيّ بن كعب وأبو أيوب وأبو الدرداء فلما كان زمن عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا وربلوا وملئوا المدائن، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأعنّي يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم. فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم: إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنساهم. هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم لأبيّ بن كعب. فخرج مُعاذ وعبادة وأبو الدرداء. فقال عمر: ابدءوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة منهم من يَلْقَن، فإذا رأيتم ذلك فوجّهوا إليه طائفة من الناس، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد، وليخرج واحد إلى دمشق والأخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق، ومعاذ إلى فلسطين. وأما معاذ فمات عام طاعون عَمواس، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات. وهذه أول بعثة علمية حجازية أتت الشام لتعلم أهلها وتثقفهم. ويرجع الفضل الأول في اقتراح إنفاذها لأحد أبناء أبي سفيان النجباء كما كان أبو سفيان

стр. 851

وأبو حرب نقلا الخط العربي إلى الحجاز، والشام مدينة لأمية في أمور كثيرة لاشتراكها في خدمة الحضارة اشتراكاً عملياً. قال زيد بن ثابت: أُرسلت إلى أبي بكر فأتيته فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال لي إن القتل قد استحرّ بالقراء يوم اليمامة وإني أخشى أن يستحر القتل في القراء في المواطن كلها فيذهب كثير من القرآن، فأرى أن يجمع القرآن بحال فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟ فقال عمر: هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله له صدره ورأيت ذلك الذي رآه عمر. قال زيد بن ثابت: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك. قد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبّع القرآن واجمعه، قال زيد: فوالله لنقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ من الذي أمرني به من جمع القرآن، أجمع من الرقاع (١) واللخاف والعسب (٢) وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره. فكانت الصحف عند أبي بكر حياته حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة ابنة عمر رواه صاحب الفهرست. وأمر عثمان بن عفان ﵁ سنة ثلاثين بنسخ المصحف الذي كتب في زمن سلفه أبي بكر وتفريقه في الأمصار، وكان بلغ عثمان ما وقع في أمر القرآن من أهل العراق فإنهم قالوا: قرآننا أصح من قرآن أهل الشام، لأنا قرأنا على أبي موسى الأشعري، وأهل الشام يقولون: قرآننا أصح لأنا قرأنا على المقداد بن الأسود، وكذلك غيرهم من الأمصار، فأجمع رأيه ورأي الصحابة على أن يحمل الناس على المصحف الذي كتب في خلافة أبي بكر ﵁، وكان مودعاً عند حفصة زوج النبي، ويحرق ما سواه من المصاحف التي بأيدي الناس، ففعل ذلك ونسخ من ذلك المصحف مصاحف وحمل كلاً منها إلى مصر من الأمصار. وكان الذي تولى نسخ المصاحف العثمانية بأمر عثمان بن زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن

стр. 852

بن الحارث بن هشام المخزومي. وقال عثمان: إن اختلفتم في كلمة فاكتبوها بلسان قريش فإنما نزل القرآن بلسانهم. فتح العرب الشام ولم يحملوا إليه غير دين يبعد عن الشرك وعبادة الأصنام، وغير بلاغة الشعر والخطب المغروسة في طباعهم، وفطر سليمة جبلت عليها نفوسهم، فاقتبسوا في الحال مدنية من نزلوا عليهم وتمثلوها وهضموها في أقصر مدة، وأتوا بعدها بأمور جديدة، على ما قاموا بمثل ذلك في بغداد ومصر وفارس والأندلس وغيرها. ولقد أظهروا وهم في أوج عزهم من التسامح مع السكان ما دهش له المخالفون واستغربه الموافقون، ولا غرو إذا فتحوا صدورهم لتعلم العلوم بعد أن ثبت أن الرسول ﵇ أمر زيد ابن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود أي يتعلم لغة غير لغة العرب. العلم والأدب في القرن الأول: من شعراء الأمويين جرير والفرزدق وكانت للأخطل الشاعر صحبة بيزيد ابن معاوية مدحه وهجا الأنصار، وما فيهم بيت إلا ويقول الشعر ولم يمسه أحد بسوء، وكان خلفاء الشام يقربونه على حين كان أهل نحلته يتبرمون بسلاطة لسانه، حتى إن الأسقف حبسه مرة في الكنيسة بدمشق لشتمه أعراض الناس، واسترساله في هجومهم، هذا والملوك تهابه، والخلفاء تكرمه، وذكره في الناس عظيم. ومنهم مسكين الدرامي والراعي والراجز العجلي والأحوص وعدّي بن الرقاع القضاعي وعلقمة بن عبدة وجناح بن روح والربيع بن مطر التميمي وحكيم بن عباس بن الأعور الكلبي والحسين بن عبيد الكلابي وأنيف العذري وأسباط بن واصل الشيباني صديق الخليفة يزيد بن الوليد وجواس ابن القعطل الكلبي وعثمان بن الوليد القرشي. وكان معاوية ومن خلفه من خلفاء بنب أُمية وبني مروان يفضلون عليهم، ومن شعرائهم نابغة بني شيبان كان يفد على المروانيين فيجزلون عطاءه، وكان الأمويون يرسلون لأبي العباس الأعمى أحد شعرائهم بعطائه إلى مكة، وغالوا في الحرص على إكرام الشعراء ما خلا عمر بن عبد العزيز فإنه كان يقصي الشعراء عن حضرته لارتكابهم المطاعن والتشبيب في أشعارهم، ولكنه كان رضي عنه يفضل

стр. 853

على العلماء فقد كتب إلى والي حمص: انظر إلى القوم الذين نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا فأعط كل رجل منهم مائة دينار يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين حين يأتيك كتابي هذا وإن خير الخير أعجله والسلام. وظلت القبائل في الإسلام إذا نشأ منها شاعر تغتبط وتفاخر، وإذا عدمته ذلت، لأنها تعده لسانها الناطق ومدون مفاخرها. وقد أعطى النعمان بن بشير عامل حمص أعشى هَمْدان شاعر اليمن عشرين ألف دينار من مال اليمانية، اقتطعها برضاهم من عطائهم ديناراُ ديناراً، وكان من خلفاء الأمويين مثل يزيد الأول والوليد الثاني من يقول الشعر الجيد وكان عبد الملك من أكثر الناس علماً وأبرعهم أدباً. وقد نشأ في القرن الأول من الفقهاء والمحدثين جملة صالحة في الشام منهم عبد الرحمن بن غَنْم بن سعد الأشعري الصحابي، بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام يفقه الناس فتفقه عليه عامة التابعين بالشام ٧٨ ومنهم فضالة بن عبيد الصحابي ولي قضاء دمشق لمعاوية وأمّره غزو الروم في البحر ٥٣، وأبو الدرداء الخزرجي الزاهد الحكيم المقري ولي قضاء دمشق في خلافة عثمان مات سنة ٣٢ وأول من أحدث رواية القرآن بدمشق هشام بن إسماعيل وبفلسطين الوليد بن عبد الرحمن. ومن علماء الشام أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري وأوس بن أوس الصحابي الشاعر سكن بيت المقدس والرملة سنة ٣٢، ومن أخبار ييهم عبيد بن شَرْيَة الجُرهمي وفد على معاوية بن أبي سفيان وأملى أشياء في أخبار الملوك أخذ عنه علاقة بن كُرْسُم الكلابي أيام يزيد بن معاوية، وكان عارفاً بأيام العرب وأحاديثها وهو أحد من أُخذت عنه المآثر وربما جاز أن يعدّ أول من دوّن التاريخ في الشام. ومن علماء الشاميين أبو إدريس الخولاني فقيه الشام وقاضيه، وعمرو البكالي المحدث الفقيه، وبشير بن الوليد الأموي كان يقال له عالم بني مروان، وإبراهيم بن كثير بن المرتجل الرملي، وكان عبادة بن الصامت والي بيت المقدس لعمر بن الخطاب قرأ عليه أبو سلام الحبشي واسمه محظور ويقال الباهلي الدمشقي وشهر بن حوشب الأشعري المحدث ١٠٠، وبلال بن أبي الدرداء الأنصاري

стр. 854

قاضي دمشق٩٣، وأبو مسلم الخولاني شيخ الفيحاء وزاهدها من سادات التابعين، وروح بن زِنْباع يكني بأبي زرعة، ويقال بأبي زِنباع الجذامي الفلسطيني كان له اختصاص بعبد الملك بن مروان، ورجاء بن أبي سلمة الفلسطيني المحدث. ومالك بن دينار أحد الأعلام أقام في القدس ٢٣ وجبير بن نفير الحضرمي عالم أهل الشام ٧٩ وغيلان بن مروان الدمشقي من كبار المعتزلة وكان الحسن يقول إذا رأى غيلان في الموسم أترون هذا هو حجة الله على أهل الشام ولكن الفتى مقتول وكان أوحد دهره في العلم والزهد قتله هشام بن عبد الملك وقتل معه صاحبه صالحاً لأنه كان ينال من بني أُمية. وإسماعيل بن عبد الله بن أبي مهاجر مولى بني مخزوم من أهل دمشق كان يؤدب أولاد عبد الملك بن مروان. ونشأ من الكتاب في هذا القرن عبد الله بن أوس الغساني سيد أهل الشام وأسود بن قبيس الحميري من كتاب بني أمية بدمشق، وفي الفلسفة ساويرا سابوخت أُسقف قنسرين اليعقوبي كان على عهد السفيانيين في الشام ممثل الحركة الأدبية وقد جادل الموارنة بحضرة الخليفة معاوية سنة ٦٥٩م وألف رسائل ومقالات عديدة في الحساب والفلك والاصطرلاب والفلسفة واللاهوت، ويعقوب الرُّهاوي وغيرهم، ونشأ في القرن السابع للميلاد أي في القرن الأول للهجرة كالينكيوس البعلبكي وهو مهندس كيماوي قيل إنه مخترع النار اليونانية المركبة من النفط والكبريت والقطران وغيرها، وكان أبو قرة أول كاتب نصراني ديني كتب بالعربية. ومن مشاهير النصارى في القرون الأولى القديس يوحنا الدمشقي ٧٨٠م كان علماً في عصره وألف كتباً كثيرة في اللاهوت ومنهم قزما المنشى وقزما البار وندراوس الاقريطشي والبطريرك صفرونيوس. عناية خالد بن يزيد بالنقل وأوائل التدوين: كانت الكتب التي ترجمت لأبي هاشم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي حكيم آل مروان وعالم قريش، أول نقل أو تعريب كان في الإسلام في عاصمة الشام. وخالد بن يزيد هذا زهد في الخلافة وعشق العلم، وإذا أنشأ جده معاوية ملكاً في الشام دام ألف شهر، فإنه أنشأ بعلمه مملكة

стр. 855

باقية بقاء الدهر، فقد أمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر وقد تفصح بالعربية، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي والصنعة صنعة الكيمياء. فترجمت له كتب فيها كما ترجمت له كتب في الطب والنجوم. وممن نقل له اصطفن القديم، نقل كتب الكيمياء، وكان خالد بصيراً بالطب أخذه عن يحيى النحوي وأخذ الكيمياء عن مريانس الرومي وأتقن هذين العلمين وألف فيهما وله رسائل وكتب في غير هذه الأغراض، دالة على معرفته وبراعته، وله شعر كثير ومقاطيع دالة على حسن تصرفه وسبقه. وكان من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام وقيل عنه قد علم علم العرب والعجم، وكان خطيباً شاعراً، فهو أول من أعطى التراجمة والفلاسفة، وقرب أهل الحكمة ورؤساء أهل كل صناعة، وترجم كتب النجوم والطب والكيمياء والحروب والآلات والصناعات. وفي الفهرست: ويقال والله أعلم إنه صح له عمل الصناعة وله في ذلك عدة كتب ورسائل وله شعر كثير رأيت منه نحو خمسمائة ورقة ورأيت من كتبه كتاب الحرارات، كتاب الصحيفة الكبير، كتاب الصحيفة الصغير. كتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة. جاء في التاريخ العام: لما جاءت العرب وجدت المدنية اليونانية راسخة في جميع الأقطار التي داهمتها أولاً مثل الشام ومصر والعراق فاقتربت من المملكة البيزنطية وبدا لها من وراء مدنيتها النبوغ اليوناني كما تجلى لها من الفرس المدنيات القديمة من الهند والصين على نحو ما وجدت في بلاد كنعان ومصر تذكارات من الأمم القديمة التي لا تزال عليها مسحة الأجيال العريقة في القدم ومصانعها وأعمالها. ولما بلغت الدولة العربية غاية عزها، ثم تمزقت وتقسمت أصبح دينها واحداً ولسانها واحداً وقوانينها المعمول بها واحدة، وذلك من نهر السند إلى أعمدة هركول وتمت الوحدة بين أولئك الشعوب المختلفة ديارهم، واخذوا يقتبس بعضهم عن بعض من تبادل التجارة وسياحة الأفراد وتنقل الجيوش والأمم وانتشار المعتقدات والأخلاق والأفكار يتصادمون ويتمازجون ويتحدون ويتداخلون وكل شعب ينقل إلى الأخر عاداته وتاريخه وملكاته الطبيعية.

стр. 856

فالمدنية التي عمل فيها هذا العدد الكثير من المؤازرين المختلفين ليست إذاً عربية صرفة، بل هي بحسب النموذجات التي تشبعت بروحها والمحيط الذي كبرت فيه: يونانية وفارسية وشامية ومصرية وإسبانية وهندية، ولكن إذا وجب أن يذكر لكل واحد قسطه من العمل لا يسع المنصف إلا أن يقول بأن قسط العرب منه كان أعظم من غيرهم فلم يكونوا واسطة فقط لنقل هذه المدنية ينقلون إلى الشعوب الجاهلة في إفريقيا وإسبانية وأوربا اللاتينية معارف الشرق الأدنى والأقصى وعلومه واختراعاته، بل أحسنوا استخدام المواد المبعثرة التي كانوا يلتقطونها من كل مكان، فمن مجموع هذه المواد المختلفة التي صُبّت فتمازجت تمازجاً متجانساً أبدعوا مدنية حية مطبوعة بطابع قرائحهم وعقولهم. وبفضلهم تيسر للحضارة الإسلامية في القرون الوسطى التي عاونت فيها أيد أخرى أن تكون ذات وحدة موصوفة، فالتقليد فيها محسوس ولكنه تقليد غير أعمى، وسلطة الأساتذة الأقدمين لا تحول دون الأبحاث العلمية والاختراعات الحديثة كما أن مشهد البدائع القديمة ودرسها لا يحول دون انتشار التفنن ولطافة الإبداع في الاختراع. وفي الشرق نشأت هذه المدنية وكانت دمشق إحدى مراكزها ومنبعث أنوارها ١هـ. وبعد فإن خالد بن يزيد أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزانة في الإسلام، وفي دمشق على الأرجح أُنشئت أول دار للكتب في العالم العربي، ودمشق أول عاصمة أُنشئت فيها دار ترجمة فأولى أبو هاشم بعمله هذه الأمة وهذه العاصمة شرفاً لا يبلى على الأيام. وإن الشام ليفخر بأن قامت فيه أول دولة عربية ممدنة، وتمت فيه كثير من مشخصات الأمة العربية، ومن أولها التدوين والترجمة، فالشام أول سوق نفقت فيها بضاعة العلم والأدب فباعتها من غيرها وهذا يعد من مفاخرها التالدة. وخالد بن يزيد أول من عُني بعلوم الفلسفة ولم يتفرد بذلك المنصور العباسي خلافاً لما قاله كاتب جلبي من أن علوم الأوائل كانت مهجورة في عصر الأموية. قال الأصفهاني كان خالد ابن يزيد ينزل حلب وتوفي سنة ٨٥هـ. وبذا رأينا أن التدوين حدث في القرن الأول في العلوم الدنيوية ويرى نالينو أنه ربما كان أول كتاب ترجم من اليونانية إلى العربية كتاب أحكام

стр. 857

النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم، وكان مطمح نظر المدونين ضبط مقاصد القرآن والحديث ومعانيهما ثم دوّنوا فيما هو كالوسيلة إليهما. وحدث التدوين في عصر الصحابة الكرام على ما في توجيه النظر فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتاباً في علم الفرائض وذكر البخاري أن عبد الله بن عمر كان يكتب الحديث، وذكر مسلم في صحيحه كتاباً ألف في عهد ابن عباس في قضاء علي. وذكر صاحب الفهرست أنه رأى في مدينة الحديثة على الفرات خزانة للكتب فيها بخطوط الإمامين الحسن والحسين، وأمانات وعهود بخط أمير المؤمنين علي وبخط غيره من كتاب النبي، ومن خطوط العلماء في النحو واللغة مثل أبي عمرو بن العلاء وأبي عمرو الشيباني والصمعي وابن الأعرابي وسيبويه والفراء والكسائي ومن خطوط أصحاب الحديث مثل سفيان بن عيينة وسفيان الثوري والأوزاعي وغيرهم. وذكر المؤرخون أن أول كتاب نقل إلى العربية كتاب أهرن بن أعين في الطب وجده عمر بن عبد العزيز في خزائن الكتب فأمر بإخراجه للناس وبثه في أيديهم. وعمر بن عبد العزيز هو الذي قال: كنت أصحب من الناس سراتهم، واطلب من العلم شريفه، فلما وليت أمر الناس احتجت إلى أن أعلم سفساف العلم، فتعلموا من العلم جيده ورديئه وسفسافه. علماء القرن الثاني والأدب والنقلة والمنشئون فيه: مضى القرن الأول وجاء الثاني فكثر القراء والمحدثون والشعراء والنقلة والمترسلون والكتاب بكثرة الفتوحات وفرط العناية بالعلم والأدب، وقد نبغ في هذا القرن كثير من أهل العلم منهم رجاء بن حَيْوَة الفلسطيني الكندي الأردني الفقيه العالم الذي كان يجالس عمر بن عبد العزيز ١٠١ ومكحول مولى بني هذيل فقيه الدمشقيين وأحد أوعية العلم والآثار ١١٣ وعبد الله ابن عامر اليحصبي القارئ المحدث أحد القراء السبعة من التابعين من أهل دمشق ١١٨ وسليمان بن موسى الأشدق الفقيه وكان أعلم أهل الشام بعد مكحول ١١٩ وربيعة بن يزيد شيخ دمشق بعد مكحول ١٢٣ وسليمان ابن حبيب المحاربي قاضي دمشق أربعين سنة ١٢٦ ويحيى بن يحيى بن قيس

стр. 858

الغساني كان ثقة إماماً عالماً بالفتوى والقضاء وسيد أهل دمشق ١٣٥ ويزيد ابن يزيد بن جابر الأزدي إمام فقيه ١٣٤ والعلاء بن الحارث الحضرمي الفقيه ١٣٦ ويحيى بن الحارث الذِّماري المقرئ الدمشقي وعليه دارت قراءة الشاميين ١٤٥ وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر المحدث ١٥٤ وعبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي البيروتي ١٥٧ كان إمام أهل الشام وعالمهم قيل: إنه أجاب في سبعين ألف مسألة، وصار يُعمل بمذهبه في الشام نحو مائتي سنة وآخر من عمل بمذهبه أحمد بن سليمان بن حذلم قاضي الشام وعمل أهل الأندلس بمذهبه أربعين سنة ثم تناقص بمذهب الإمام مالك. وكان الأوزاعي عظيم الشأن بالشام وأمره فيهم أعز من أمر السلطان. وكان مع علمه بارعاً في الكتابة والترسل. ومن علماء الشام يونس بن ميسرة بن حَلْبس وثور بن يزيد الكلاعي الحمصي، وكان ثقة في الحديث ١٥٣ والوليد بن مسلم الدمشقي صاحب الأوزاعي وكانوا يقولون علم الشام عند إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم فأما الوليد فمضى على سننه ميموناً عند أهل العلم متقناً صحيح العلم ١٩٥ أو ١٩٤ ومن المحدثين الفقهاء في دمشق المطعم بن المقدام الصنعاني وأبو مَرْثَد الغنوي وابراهيم بن جدار العذري ومبشر بن إسماعيل الحلبي مولى كلب كان ثقة مأموناً ٢٠٠ ويحيى بن عمرو السَّيبْاني من أهل الرملة وسيبان بفتح السين المهملة بطن من حمير ١٤٨ وصعصعة بن سلام الدمشقي المحدث كان أول من أدخل علم الحديث إلى الأندلس، وصدقة بن عبد الله السمين من كبار محدثي دمشق ١٦٦ والهِقْل بن زياد مفتي الوليد بن مسلم وله تصانيف تبلغ السبعين ١٩٥ وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي الفقيه كان عمر بن عبد العزيز يكرمه ويجلسه معه على السرير ١١٧ ونمير بن أوس الأشعري المحدذ ١٢١ وربيعة بن يزيد القصيري من أئمة التابعين ١٢٢ وإبراهيم ابن أبي عبلة من علماء التابعين ١٥٢ وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان المحدث ١٦٥ وسعيد بن عبد العزيز التنوخي الفقيه العالم ١٦٧ ومحمد بن الوليد الزُّبيدي كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث ١٤٨ ويحيى بن حمزة كان كثير الحديث وكان قاضياً بدمشق ١٨٣ وبقية بن الوليد الحمصي

стр. 859

المحدث ١٩٧ وأسد بن وداعة الطائي الحمصي المحدث ١٣٧. وحرص المسلمون في الصدر الأول بعد علم الدين على علم الطب، وكان من الأطباء في القرنين الأول والثاني زمرة صالحة مختلفة مذاهبهم منهم الحكم ابن أبي الحكم الدمشقي الطبيب وكان أبوه أبو الحكم طبيباً في صدر الإسلام، وكان أبو الحكم يستطبه معاوية ويعتمد عليه اعتماده على ابن أُثال من الأطباء المتميزين بدمشق. ومنهم عيسى بن حكم الدمشقي المشهور بمسيح صاحب الكناش الكبير. وتياذوق كان في أول دولة بني مروان ومشهوراً عندهم بالطب ومنهم عبد الملك بن أبجر الكناني كان طبيباً عالماً ماهراً في أول أمره في الإسكندرية لأنه كان المتولي للتدريس بها بعد الإسكندرانيين، ولما ملك المسلمون الإسكندرية أسلم ابن أبجر على يد عمر بن عبد العزيز فاستطبه واعتمد عليه في صناعة الطب. وكان عبد الحميد بن يحيى الكاتب إمام الإنشاء العربي وواضع أساسه وكان عالماً في كل فن من فنون الأدب ١٣٢ وهو الذي فك قيود الإنشاء وضبط أصوله وكان ختنه سالم ويكنى أبا العلاء أحد الفصحاء والبلغاء. وقد نقل من رسائل أرسطاليس إلى الإسكندر ونُقل له وأصلح هو، وله رسائل ومجموع نحو مائة ورقة. ومن الكتاب قنان بن متى وابنه قيس وحفيده الحصين ومنهم أُسامة بن زيد أبو عيسى الكاتب التنوخي ويقال الكلبي. ومن المشهورين بالبلاغة والخطابة عبد الملك بن صالح الهاشمي نسب إلى منبج، وخالد بن عبد الله القسري الخطيب المفوّه ١٢٦ وأبو السامي وعبد الله بن خداش وأبو مسلم الشامي. ومن الناقلين أي المترجمين جبلة بن سالم، وكان ناقلاً من العربي إلى الفارسي، ونقل بعضهم شيئاً من تواريخ الأمم عن الفارسية. ولم يلبث النقل أن صار إلى بغداد بانتقال الخلافة إليها، فانتقل بذلك المترجمون الذين أنبغتهم الشام مثل قسطا بن لوقا البعلبكي الفيلسوف الطبيب المهندس المترجم المصنف، وكان يحسن العربية والسريانية واليونانية، جيد النقل فصيح اللسان، ومثل أبي عثمان الدمشقي وعبد المسيح بن عبد الله الحمصي الناعمي المعروف بابن الناعمة، وزروبا بن ماجوه الناعمي الحمصي وكلاهما من النقلة، وهلال

стр. 860

ابن أبي هلال الحمصي صحيح النقل ولفظه مبتذل وحنين بن إسحاق البغدادي المولد نشأ في الشام وتعلم فيه. وللشاميين منذ القديم ميل إلى النقل عن الأمم الأخرى، هكذا فعلوا في كل قرن فقد كان الناقلون منهم في القرنين الأول والثاني وكذلك في القرون التالية إلى يومنا هذا وهم أقدر الأمم على تعلم اللغات الغربية والتفصح فيها. وكان أكثر النقل عن السريانية، وهذه نقلت عن العبرانية، وهذه نقلت عن اليونانية، ولذلك تعب فلاسفة المسلمين في حل رموز الفلسفة اليونانية لأنها نقل عن نقل، وذكر أحد المعاصرين من الإفرنج أن كتب أرسطو كانت تنقل ليفهمها أهل القرون الوسطى من اليونانية إلى السريانية ومنها إلى العربية ومنها إلى العبرية ومن هذه إلى اللاتينية وكان التراجمة بادئ بدء لا يدركون فهم المعاني من كتب العرب وينقلونها إلى اللاتينية حرفاً بحرف. وقال نالينو: إن أكثر نقلة القرن الثاني كانوا ضعافاً في العلوم يترجمون بالحرف دون فهم الموضوع وكثيراً ما ترددوا في تعريب المصطلحات العلمية المجهولة عند العرب في ذلك العصر، ومن المعلوم أن طريقة التعريب لم تتقن إلا في القرن الثالث. العلم والأدب في القرن الثالث: لم يكن للقرن الثالث ما كان للقرن الذي سلفه من النهضة، وتجلي آثار النبوغ والتجدد، بل كان كالتتمة لبعض ما سمت له الهمم في القرنين الماضيين، وعلى صورة ربما كانت أضعف، زاد التدوين فيه أكثر من ذي قبل، وأخذت بغداد حظها من العلماء الذين قصدوها من القاصية وبقيت الشام بمعزل، راحت العلوم الفلسفية في بغداد أواخر القرن الثاني والثالث وسرى منها شعاع إلى الشام ثم عراها ما خنقها. وممن أفضل على الشام الخليفة المأمون فأنه أنشأ فيها مرصداً فلكياً عمله له يحيى بن أبي منصور وهو أحد أصحاب الرصاد المشهورين في أيامه وكان كذلك في سنة خمس عشرة وست عشرة وسبع عشرة بعد المائتين. وقام في الشام محمد بن عائذ صاحب المغازي والفتوح وغير ذلك من المصنفات ٢٣٣ وعبد الله بن ذكوان القارئ الحافظ ٢٤٢ وهشام بن عمار خطيب دمشق وقارئها وفقيهها ومحدثها ٢٤٥ وأحمد

стр. 861

ابن أبي الحواري من كبار المحدثين والصوفية ٢٤٦ ومحمود بن سميع صاحب الطبقات وأحد الأثبات الثقات ٢٥٩ وأبو زرعة الدمشقي النصري عبد الرحمن ابن عمرو المحدث صنف كتباً ٢٨١ وأبو مسهر عبد الأعلى الغساني شيخ دمشق وعالمها كان راوية سعيد بن عبد العزيز التنوخي وغيره من الشلميين ٢١٨ وصفوان بن صالح المؤذن المحدث ٢٣٩ والقاسم بن عثمان الجوعي شيخ دمشق وزاهدها ٢٤٨ والحافظ زكريا بن يحيى السِّجْزي المعروف بخياط السنة ٢٨٧ وعبد الغفار بن عثمان والوليد بن مَزْيد العذري البيروتي كان من أهل العلم والرواية وكان الأوزاعي يقول، فيما عرفت ما حمل عني أصح من كتب الوليد بن مزيد ٢٠٣ وولده أبو الفضل العباس بن الوليد البيروتي كان من أهل العلم والرواية ٢٧٠ والإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي أحد الأئمة ولد بغزة هاشم سنة خمسين ومئة وتوفي بمصر سنة ٢٠٤ وهو أول من صنف في أصول الفقه. ومن أعيان العلماء محمد بن عوف الطائي الحمصي ٢٦٩ ذُكر عند عبد الله بن أحمد بن حنبل في سنة ٢٧٣ فقال: ما كان بالشام منذ أربعين سنة مثل محمد بن عوف. وعبد الله بن إسماعيل بن زيد بن صخر البيروتي ومحمد بن عبد الله بن عبد السلام بن أيوب البيروتي وآدم بن أبيإياس العسقلاني من مشايخ البخاري ٢٢١ وهشام بن الغاز بن ربيعة الجُرشي الصيداوي ٢٥٦ وأبو بكر محمد بن بركة القنسريني الحافظ ببرداعَس سكن حلب ثم قدم دمشق وحدث بها عن أبي جعفر أحمد ابن محمد بن رجاء المصيصي ويوسف بن سعيد بن مسلم وهلال بن أبي العلاء الرقي. ولقب حافظ كان يطلق على من يحفظ ألوفاً من الأحاديث بأسانيدها وكانوا يطلقون اسم المسند على من يروي الحديث بإسناده سواء كان عنده علم به أو ليس له مجرد رواية، ويطلقون اسم المحدث على من كان أرفع منه والعالم على من يعلم المتن والإسناد جميعاً، والفقيه على من يعرف المتن ولا يعرف الإسناد. وكان السلف يطلقون المحدث والحافظ بمعنى والمحدث من عرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل وحفظ من ذلك جملة مستكثرة من المتون وسمع الكتب الستة ومسند أحمد بن حنبل وسنن البيهقي

стр. 862

ومعجم الطبراني وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثة. هذا أقل درجاته فإذا سمع ما ذكر وكتب الطباق ودار على الشيوخ وتكلم في العلل والوفيات والمسانيد كان في أول درجات المحدثين. وممن كان في الشام الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كان من أهل حرستا من غوطة دمشق. وعثمان بن خُرَّزاذ الإنطاكي المحدث. وأبو الحسن محمد الغساني الصيداوي المعروف بابن جميع الحافظ المحدث وأبو عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ. وأحمد بن الخليل الحلبي المحدث وأحمد ابن المسيب الحلبي المحدث وعبد الله بن إسحاق الصُّفَّري المحدث ومؤمل الرملي وأبو توبة الربيع بن نافع ويزيد بن خالد الرملي روى عن الليث بن سعد والمفضل ابن فضالة وروى عنه أبو العباس محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني وأبو زرعة الرازي وموسى بن سهل الرملي ٢٦٢ وعبد الله بن محمد بن نصر بن طويط ويقال طويث أبو الفضل الزاز الرملي الحافظ. سمع في دمشق هشام بن عمار ودُحيماً وهشام بن خالد بن أحمد بن ذكوان، ووارث بن الفضل العسقلاني، ونوح بن أبي حبيب القُومَسي. ومن شعراء هذا القرن البطين الشلعر الحمصي وعبد السلام بن رغبان المعروف بديك الجن من شعراء بني العباس وأصله من سَلَمْيَة وإدريس بن يزيد النابلسي الأديب الشاعر وأدهم بن محرز والعتابيّ وأبو تمام. واشتهر في هذا القرن بالهندسة أبو بكر البناء المهندس الذي بنى لابن طولون ميناء عكا. الأدب في القرن الرابع ونهضته على عهد سيف الدولة وأبي العلاء المعري: قل في القرن الثالث في الشام الشعراء والأدباء، ولم ينبغ فيه إلا رجال في الحديث، والمغازي والفقه، فطلع القرن الرابع وقد ظهر فيه الأدب العربي في مظهر عظيم لم يسبق له عهد بمثله، ولا جاء في القرون التالية شبه له ونظير، اللهم إلا إذا كان على عهد الأمويين، ولم تبلغنا جميع أخبار شعراء سيف الدولة بن حمدان في حلب، وقد قصده نوابغ الشعراء والأدباء، قال الصفدي وكانوا يسمون عصر سيف الدولة الطراز المذهب لأن الفضلاء الذين كانوا عنده والشعراء الذين من حوله لم يأت بعدهم مثلهم.

стр. 863

ذكر الثعالبي من شعراء الشام المحدثين العتابي ومنصور النمري والأشجع السلمي ومحمد بن زرعة الدمشقي وربيعة الرقي قال على أن في الطائيين أبي تمام والبحتري اللذين انتهت إليهما الرياسة في هذه الصناعة كفاية وهما هما. ومن مولدي أهل الشام المعوج الرقي والمريمي والعباس المصيصي وأبو الفتح كشاجم والصنوبري وأبو المعتصم الإنطاكي، وهؤلاء رياض الشعر وحدائق الظرف. ويقال إنه لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء، ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وإنما السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها، وكان أديباً شاعراً أورد صاحب اليتيمة من شعرائه ومن كانوا يقصدونه من الآفاق لينفقوا من أدبهم في سوقه ما هو بهجة النفوس مدى الأيام. وكان في هذا القرن أكثر الجهابذة والصياغين والصيارفة والدباغين بالشام من اليهود، وأكثر الأطباء والكتبة نصارى. وانحطت مدن الشام في العلم انحطاطاً كثيراً ومنها حمص. ذكر السيوطي أنه نزلها خلق من الصحابة وانتشر بها الحديث زمن التابعين وإلى أيام حَريز بن عثمان وشعيب بن أبي حمزة ثم إسماعيل بن عياش وبقية وأبي المغيرة وأبي اليمان ثم أصحابهم ثم تناقص ذلك في المائة الرابعة وتلاشى ثم عدم بالكلية. كان أبو فراس الحمداني الذي قال فيه الصاحب بُدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس ابن عم سيف الدولة وأعطاه على بيت واحد ضيعة بمنبج تغل ألف دينار. ولطالما أعطاه وأعطى الشعراء في بابه ولا سيما أبو الطيب المتنبي عشرات الألوف من الدنانير دع الإقطاعات والضياع، وكان أبو بكر وأبو عثمان الخالديان من خواص شعراء سيف الدولة وكانا على خزانة كتبه كما كان عليها أيضاً السلامي والببغاء والوأواء. وربما قلّ في الملوك من مُدح به سيف الدولة حتى إن كلاً من أبي محمد عبد الله بن محمد الفياض الكاتب وأبي الحسن علي بن محمد السميساطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت. وكان أبو محمد الفياض كاتباً لسيف الدولة ونديمه معروفاً ببعد المدى في مضمار الأدب وحَلبة

стр. 864

الكتابة، أخذ بطرفي النظم والنثر، وكان سيف الدولة لا يؤثر عليه في السفارة إلى الحضرة أحداً، لحسن عبارته، وقوة بيانه، ونفاذه في استغراق الأغراض، وتحصيل المراد. ومن خواص شعراء سيف الدولة أبو العباس أحمد بن محمد النامي وكان عنده تلو المتنبي في المنزلة والرتبة، ومنهم أبو الفرج عبد الواحد الببغاء من أهل نصيبين ومن شعرائه أو ما قربوا من عصره الخليع الشامي والوأواء الدمشقي وأبو طالب الرقي وأبو حامد أحمد بن محمد الإنطاكي المعروف بأبي الرقعمق، وأبو القاسم الحسن الواساني الدمشقي وأحمد بن محمد الطائي الدمشقي وابن أبي الجوع وابن رشدين وكشاجم وأقام كشاجم في الرملة كثيراً فسمي الرملي ٣٦٠ والصنوبري وأبو الفتح البكتمري وأبو الفرج العجلي وأبو حصين الرقي وأبو الفرج سلامة بن بحر. ومن علماء الأدب واللغة ابن خالويه وابن جني. ومن الشعراء أبو محمد جعفر وأبو أحمد عبد الله ابنا ورقاء الشيباني من رؤساء عرب الشام وقوادها. وكان جعفر بن ورقاء الشيباني ٣٥٢ من بيت إمرة وتقدم وآداب، وكان المقتدر يجريه مجرى بني حمدان وتقلد عدة ولايات، وكان شاعراً كاتباً جيد البديهية والروية، ومن الشعراء منصور وأحمد ابنا كَيْغَلَغ وأبو علي أحمد بن نصر بن الحسين البازيار وأبو زهير المهلهل نصر بن حمدان والمغنم المصري واسمه أبو الحسن محمد الشعباني وأبو عبد الله محمد بن الحسين وأبو نصر بن نباتة التميمي والشيظمي وأبو العباس الصُّفَّري وأبو العباس الناشئ وأبو نصر البنص، وأبو القاسم الرقي المنجم الفلكي وعبد العزيز بن نباتة السعدي كان شاعرا مجيداً وله في سيف الدولة غرر القصائد ٤٠٥ ومن شعراء القرن الرابع الحسين بن عبد الله بن أبي حصينة المعري ٣٢٧ وممن اجتمع بسيف الدولة وجالسه مدة ثم جاء معه إلى دمشق فتوفي فيها المعلم الثاني حكيم الإسلام أبو نصر محمد الفارابي صاحب التآليف الممتعة في الحكمة ٣٣٩. وأهم ما يفاخر به هذا القرن نبوغ أبي العلاء أحمد بن سليمان المعري التنوخي حكيم العرب وأديبهم، وقد كانت المعرة في أيامه كعبة القصاد، من طلاب الآداب، جذبهم إليها أبو العلاء، فجعل بلده دار حكمة وأدب،

стр. 865

كما جعل سيف الدولة في القرن الذي قبله مدينة حلب مجمع الأدباء والشعراء بإحسانه ومشاركته. أحسن نابغة الشام أبو العلاء المعري إلى الآداب العربية أي إحسان، وهو من بيت أدب وفضيلة، كان أبوه عبد الله بن سليمان لغوياً شاعراً، وأخوه الأكبر محمد بن عبد الله وأخوه الثاني عبد الواحد بن عبد الله شاعرين مجيدين، وكان الشعر والأدب متسلسلاً فيهم من بطون كما تسلسل في بيتهم القضاء مدة مائتي سنة. ومن شيوخ أبي العلاء أبو بكر محمد بن مسعود النحوي ومحمد بن عبد الله بن سعد النحوي الحلبي، ومن تلامذته أبو غالب همام بن الفضل بن المهذب صاحب التاريخ المشهور، وأبو يعلى عبد الباقي ابن أبي الحصين، وأبو محمد عبد الله الخفاجي، ورشأ بن نظيف بن ما شاء الله المقري، وهذا كان أول من أنشأ في دمشق داراً للقرآن في حدود سنة ٤٤٤ والخطيب التبريزي والحسن بن علي بن همام والأمير أبو الفتح بن أبي حضينة وعشرات غيرهم من أهل المعرة وكفر طاب وحلب ودمشق وحمص وحماة وطرابلس والرقة وهكار والمصيصة وبغداد وتبريز والأندلس إلى غيرهم من التنوخيين أهل بيته، وكان أكثر هؤلاء يقول الشعر الجيد حتى أصبح ذلك من اختصاصهم. وممن صحب أبا العلاء المعري وأخذ عنه كثيراً علي بن القاضي التنوخي كان من أهل بيت كلهم فضلاء أُدباء ظرفاء. ومما يستدل به على انتشار الآداب في هذا العصر وتغالي الناس في الشعر والأدب ما قيل من أن سبعين شاعراً رثوا المعري على قبره يوم مات، فما بالك بسائر شعراء الشام على ذاك العهد. وقام في هذا القرن من العلماء إبراهيم بن عبد الرزاق الإنطاكي مقرئ أهل الشام ٣٣٨ ومن المحدثين عمر بن علي العتكي الإنطاكي الخطيب الحافظ صاحب كتاب المقبول وعبد الوهاب الكلابي المحدث ٣٩٦ ومحمد ابن عبيد الله يعرف بابن أبي الفضل أبو الحسن الكلاعي الحمصي المحدث ٣٠٩ وأبو الدحداح أحمد بن محمد بن إسماعيل التميمي محدث دمشق كان يسكن في ربض باب الفراديس في طرف العقيبة ٣٢٨ قال القاسمي وإليه تنسب مقبرة الدحداح، وعمر بن حسن الخرقي الحنبلي الدمشقي صاحب التصانيف العديدة وأحمد بن شرام الغساني أحد النحاة المشهورين بالشام

стр. 866

٣٨٧ ومحمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي الجغرافي الرحالة صاحب كتاب أحسن التقاسيم المطبوع وأبو مسهر البيروتي المعروف بمكحول الحافظ الثقة الثبت المشهور ٣٢١ وأبو طاهر بن ذكوان البعلبكي المؤد ٣٥٩ والمنجم الصابي البعلبكي وأبو القاسم علي بن أحمد الإنطاكي كان رياضياً مهندساً وله تصانيف جليلة وكان مشاركاً في علوم الأوائل ٣٧٦ وإبراهيم الأزدي العجلي الإنطاكي الفقيه المقرئ ٣٣٨ ومحمد بن جعفر صاحب التصانيف المشهورة كاعتلال القلوب وغيره توفي في يافا ٣٢٧ ومحمد التميمي المقدسي والحافظ أحمد بن عمير مولى بني هاشم شيخ الشام في وقته رحل وصنف وذاكر وحدث ٣٢٠ وأبو الحسين بن كشكرايا الطبيب العالم صاحب الكناش المعروف بالحاوي وعيسى الرقي المنجم الطبيب وكلاهما من أطباء سيف الدولة. وكان عيسى ينقل من السريانية إلى العربية ويأخذ أربعة أرزاق رزقاً بسبب الطب ورزقاً بسبب النقل ورزقين بسبب علمين آخرين. وعبد الله بن عطية المقرئ الدمشقي المفسر كان يحفظ خمسين ألف بيت من شعر العرب في الاستشهادات على معاني القرآن واللغة ٣٨٣ وعبد الرحيم بن نباتة الفارقي صاحب الخطب المشهورة كان خطيب حلب وبها اجتمع بأبي الطيب المتنبي في خدمة سيف الدولة ٣٧٤ وقام في حلب أربعة من الشعراء المعدودين وهم أبو الحسن المستهام الحلبي وأبو محمد الماهر الحلبي وابن الفتح الموازيني الحلبي وأبو الفرج بن أبي حصين القاضي الحلبي. ومن الشعراء الشاميين أبو الجود الرسعيني واسمه محمد بن أحمد وأبو مسكين البردعي شاعر محدث يتنقل في البلدان وكان مجوداً. والخليع الرقي واسمه محمد بن أبي الغمر القرشي. ومن المهندسين الرياضيين المجتبى الإنطاكي ٣٧٦ وديونيسيوس بطريرك اليعاقبة له تاريخ. وقيس الماروني له كتاب حسن في التاريخ. الآداب في القرن الخامس: امتاز القرن الخامس بأن نشأت فيه طائفة من الرجال الذين عُنوا بالفلك والعلم الطبيعي والرياضي والطب، كما امتاز بأن نبغ فيه في الأقطار العربية الأخرى من الفلاسفة أمثال ابن رشد وابن سينا والبيروني والغزالي والرازي

стр. 867

ممن هم فخر العرب على تعاقب الحقب. وقد انتقلت من كتبهم وأفكارهم أشياء كثيرة إلى الشام. ويصح أن يقال إن العلم اقترب من العلوم المادية في هذا الدور، ذهبت عن الناس الدهشة بالفصاحة والشعر ونقل الأحاديث والعناية بالدين وتم تدوين أقوال أرباب المذاهب والشعراء فانصرفت العناية إلى علوم الدنيا. وممن نشأ في هذه الديار أبو الفضل الحارثي الدمشقي المهندس الرياضي العالم بالحساب والتقسيمات والهندسة وعلم الهيئة ونقش الرخام وضرب الخيط والطب وله عدة تآليف ٥٠٠ ومحمد القيسراني الدمشقي العالم بالحساب والنجوم والهندسة والهيئة وعلم المساحة والميقات والفلك ٥٠٠ ورضوان الخراساني الرياضي ومحمد بن عبد الواحد المهندس صنف كتاباً في ركاية الزوال بدمشق ومعرفة طلوع الفجر بالمنازل منازل القمر ٤٠٩ وجورجس بن يوحنا اليبرودي العالم بالطب وله عدة رسائل ومقالات. ومن المؤرخين حمزة بن أسد أبو يعلى التميمي المعروف بابن القلانسي العميد صنف تاريخاً للحوادث بعد سنة أربعين وأربعمائة إلى حين وفاته وقد طبع باسم ذيل تاريخ دمشق. ومبارك ابن شرارة أبو الخير الطبيب الكاتب الحلبي النصراني كان له جرائد مشهورة بحلب عند أهلها يحفظونها لأجل الخراج المستقر على الضياع إذا اختلف النواب في شيء من هذا النوع رجعوا إليها وله تاريخ حلب توفي في حدود سنة ٤٩٠ في صور. ومن الحفاظ محمد بن علي الصوري الحافظ قالوا: كان يذاكر بمائتي ألف حديث. قال غيث: سمعت جماعة يقولون ما رأينا أحفظ منه ٤٤١ والحافظ محمد بن جميع الغساني الصيداني ويقال له الصيداوي ٤٠٢ وعبد الواحد الشيرازي المقدسي الأنصاري شيخ الشام في وقته نشر مذهب الإمام أحمد بن حنبل أقام بدمشق وله تصانيف ٤٨٦ وسلامة بن إسماعيل ابن جماعة المفدسي الضرير كان كثير الحفظ ألف تآليف ٤٨٠ والحسن ابن عبد الصمد بن الشخباء العسقلاني صاحب الخطب البديعة مشهور بنثره ٤٨٢ ومن الكتاب والخطباء صاعد بن شمامة المسيحي الحلبي الكاتب وأبو اليمن المسلم بن الحسن بن غياث الكاتب الحلبي النصراني كان صاحب الديوان بحلب، وتادرس بن الحسن النصراني كان وزير صلح بن مرداس وعبد الله بن أسعد

стр. 868

فقيه حمص يعرف بابن الدهان. وعبد العزيز بن أحمد الكناني الدمشقي الصوفي المحدث ٤٦٦ نصر بن إبراهيم المقدسي النابلسي عالم الشام له عدة تصانيف درس العلم ببيت المقدس مدة ثم أتى صور ثم جاء دمشق ٤٩٠ علي بن داود الداراني الخطيب ٤٠٢ وهوالذي طلع إلى داريا كبراء دمشق لما مات خطيب جامعهم وطلبوه ليكون خطيب جامعهم فوثب أهل داريا بالسلاح وقالوا: لا نعطيكم خطيبنا فقال رئيسهم: أما ترضون يا أهل داريا أن تسمع الناس في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام. ومن مشاهيره الحسين بن علي بن شواش الكناني المقري ٤٩٧ والحسين بن علي بن إبراهيم الأهوازي شيخ القراء بدمشق ٤٤٦ والخطيب أبو نصر بن طلاب مسند دمشق ٤٧٠ وأبو الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي الواعظ العالم ٤٥٦ ومن الشعراء عبد المحسن الصوري الشاعر ٤١٨ وأبو الفتيان بن حيوس الحلبي الشاعر. ومحمد بن سنان الحلبي الشاعر وأبو مشكور الحلبي الشاعر وأحمد بن فضالة الدمشقي شاعر. وعلي بن منصور الحلبي الملقب دوخلة يعرف بابن القارح من شيوخ الأدب راوية للأخبار كتب لأبي العلاء المعري رسالته المشهورة فأجابه عنها برسالة الغفران وكلا الرسالتين مطبوع. ومما يذكر في هذا القرن أن القاضي جلال الملك بن عمار جدد في طرابلس دار العلم ودار الحكمة وذلك في سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة لتكون مركزاً من مراكز التشيع، فنشرت العلوم والآداب وأصبحت طرابلس مباءة علم ودرس ومباراة في التعلم وجهز هذه الجامعة الدينية بمائة ألف مجلد وربما كانت على عهده قبل استيلاء الصليبيين عليها أول بلدة علمية في الشام على ما رأى فان برشم. العلم والأدب في القرن السادس: دخل القرن السادس وعلى كثرة ما كان فيه من الفتن نشأ للأمة علماء خدموا العلم في فنون مختلفة، وكانت بالشعر أقل من عصر سيف الدولة وعصر أبي العلاء المعري، وإن كان نور الدين وصلاح الدين وأُسرتهما ممن يجيزون

стр. 869

عليه ويعجبون ويترنمون بسماعه، وكان من أهل بيت صلاح الدين الشعراء المفلقون، ومما عُني به نور الدين محمود بن زنكي أنه كان يجلب العلماء من القاصية ويسكنهم بالشام مثل قطب الدين النيسابوري وشرف الدين بن أبي عصرون، يبني لهم المدارس ويغدق عليهم وعلى مريديهم أنواع الإحسان ويدرّ عليهم الرواتب. وقد أُحصي فقهاء مدارس دمشق في عهد صلاح الدين فكانوا ستمائة فقيه، كان يعطيهم من صدقاته. ومن كتاب للقاضي الفاضل لصلاح الدين: ومما يجب ان يعلم المولى أن أرزاق أرباب العمائم في دولته إقطاعاً وراتباً يتجاوز مائتي ألف دينار وربما كانت ثلاثمائة ألف دينار. وأزهرت في هذا القرن مدرسة اليعاقبة في طرابلس ومنها نشأ أبو الفرج ابن العبري صاحب التاريخ المطبوع. وتعلم كثير من المحاربين والقواد والأمراء من الصليبيين اللغة العربية في الشام. في تاريخ اللغة الفرنسية وآدابها: أما بشأن اللغة أي في عهد الصليبيين فقد حدث ما يحدث في مثل هذه الأحوال على صورة مطردة، وهو أن لغة الأكثر تمدناً أثر أهلها في غيرهم. وكان أكثر الأمم تمدناً بلا مراء الشرقيون ولا سيما العرب واليونان. وقد تعلم قليل جداً من العرب والترك والفرس لغة الإفرنج ما عدا بعض التراجمة الرسميين. وعلى العكس تعلم كثير من الصليبيين لغة الوطنيين عقيب وصولهم إلى فلسطين. إلى أن قال: ولا ريب أن مجاورة التمدن الإسلامي قد ساعدت على زيادة النفوذ الذي كان العلم العربي والفنون العربية تؤثرها فينا منذ زمن طويل. ومعلوم ما تدين به لهذا التأثير كل من الفلسفة والرياضيات والفلك والملاحة وتركيب النيران الصناعية والطب والكيمياء حتى فن الطبخ فقد أخذنا عن العرب أشياء كثيرة من مثل طريقة الأرقام وشروح أرسطو حتى حمام الزاجل والشعار وأدوات الموسيقى والأزياء والثياب والزهور والبقول. وبعد فإذ حدث أحياناً أن الأشياء التي نقلت لم تكن تسمى إلا بأسماء المدنية الشرقية التي أخذت منها مثل ثوم عسقلان وثياب دمشق فغن غيرها قد احتفظت بأسمائها العربية مع بعض التحريف وهي كثيرة ويتألف منها في الفرنسية مجموع كبير في الجملة اه. ونبغ في هذا القرن أبو المجد محمد بن أبي الحكم، وكان طبيباً مهندساً

стр. 870

فلكياً ٥٧٠ وأبو زكريا يحيى البياسي من أطباء صلاح الدين وعمل لابن النقاش وهو علي بن عيسى بن هبة الله أُستاذه في الطب آلات كثيرة تتعلق بالهندسة وكان يعرف النجارة وابن النقاش هذا كان أوحد زمانه في صناعة الطب وله مجلس عام للمشتغلين عليه وكان يعالج أيضاً كتابة الإنشاء ٥٧٤ وأبو الحكم عبيد الله بن المظفر المعروف بالحكيم المغربي وهو عالم بالحكمة والطب والأدب والهندسة ٥٤٩ (١). وعمر بن علي بن البذوخ الدمشقي عالم بالطب شاعر له تآليف ٥٧٦ وابن الصلاح عالم بالحكمة متميز بالطب مليح التصنيف ٥٤٠ وموفق الدين بن المطران عالم بالطب والفلسفة متعين في الفنون الأدبية له عدة مصنفات ٥٨٧ وقد نعى على أهل زمانه فتورهم وزهدهم في العلوم وقلة مضائهم ورغبتهم في الكتب والآثار وتطير بتفاقم الخطب في هذا الشأن. وأبو الفضل عبد الكريم الحارثي الدمشقي وهو مهندس طبيب نجار نحات هندس أكثر أبواب المستشفى النوري الكبير اشتغل بالأدب وعلم النجوم والحديث له عدة مصنفات ٥٩٩ وهو الذي أصلح الساعات التي لجامع دمشق. وعلي ابن عبد الباقي بن أبي جرادة العقيلي الإنطاكي الحلبي عالم بالأدب واللغة والحساب والنجوم والفلسفة مات سنة نيف وأربعين وخمسمائة. زين الدين علي بن غانم الأنصاري الدمشقي المعروف بابن منجه الحنبلي كان من أعيان أهل العلم وله رأي صائب وكان صلاح الدين يسميه عمرو بن العاص. ومحمد بن طاهر المقدسي ذو الرحلة الواسعة والتصانيف والتعاليق ٥٠٧ والحافظ أبو القاسم علي بن عساكر محدث الشام ومؤرخها ومن أعيان فقهائها صاحب تاريخ دمشق المشهو ٥٧١ وكتابه من أعظم المفاخر في التاريخ معدن أدب وركاز علم. وحمزة بن أسد أبو يعلي التميمي الدمشقي العميد بن القلانسي الكاتب صاحب كتاب ذيل تاريخ دمشق المطبوع. تولى رياسة دمشق وجمع بين كتابة الإنشاء وكتابة الحساب توفي في عشر التسعين وأربعمائة، وتوفيق بن محمد المهندس المنجم الأديب الدمشقي وله تصانيف ٥١٦ وأبو البيان محمد بن محفوظ

стр. 871

القرشي له عدة تصانيف ٥٠١. ومخلص الدين أبو البركات عبد القاهر ابن أبي جرادة الحلبي كان أميناً على خزائن نور الدين وكان كاتباً بليغاً وشاعراً مجيداً مستحسن الفنون من التذهيب البديع وحسن الخط المحرر على الأصول القديمة المستظرفة. وعبد الرحيم البيساني المشهور بالقاضي الفاضل الكاتب العالم صاحب الرسائل والتصانيف الجيدة ومحيي الدين بن الزكي الفقيه الخطيب ٥٩٨ وعماد الدين الأصفهاني العالم الكاتب الشاعر صاحب التصانيف ومنها الفتح القدسي المطبوع ٥٩٧ ومحمد الشهرزوري الدمشقي الفقيه الأديب الشاعر الكاتب ٥٧٢ وعبد الله بن أبي عصرون الفقيه له عدة مصنفات ٥٨٥. وعلي بن جعفر البلخي الدمشقي من أئمة الحنفية ٥٤٨ وسُلَيم بن أيوب أحد أوعية العلم صنف الكثير في التفسير والحديث والفقه والعربية نشر العلم في صور ٥٤٧ والحافظ محمد بن طاهر المعروف بابن القيسراني المقدسي كان جوالاً في الآفاق يجمع بين الذكاء والحفظ وحسن التصنيف وله تصانيف كثيرة ٥٦٧ وبهاء الدين بن شداد قاضي العسكر في زمن صلاح الدين يوسف الفقيه الكاتب المؤرخ صاحب التاريخ المطبوع في سيرة صلاح الدين نشأ في حلب وعظم في أيامه شأن الفقهاء لعظم قدره وارتفاع منزلته ومجد الدين طاهر ابن نصر الله بن جهبل الحلبي والد بني جهبل الفقهاء الدمشقيين كان إماماً في الفقه والحساب والفرائض، ومحمد بن خضر المعري شاعر. وتقي الدين عبد الغني الجماعيلي له عدة مصنفات في الرجال ٦٠٠ والحسين الأسدي مسند دمشق ٥٥١ وقطب الدين النيسابوري العالم الفقيه ٥٧٨ والحسن بن هبة الله بن صصري التغلبي المحدث ٥٨٦ وتاج الدين الخراساني الفقيه الصوفي ٥٨٤ وتقية بنت غيث الأرمنازي الصوري الشاعرة الأديبة ولها شعر سائر ٥٧٩ وعلي بن الموازيني مسند دمشق ٥١٤ وأبو طاهر بركات الخشوعي المحدث امتاز بالسماع ٥٩٨. وموسى البلاغاشاني الفقيه ٥٠٦ وعلي ابن إبراهيم الحسيني الخطيب ٥٠٨ وهبة الله بن أحمد الأكفاني الأمين المحدث ٥٢٤ وعلي بن مسلم السلمي الدمشقي الفقيه ٥٣٢ ونصر الله بن محمد المصيصي الدمشقي العالم ٥٤٢. ومن الشعراء والأدباء أحمد بن الخياط الدمشقي الشاعر الكاتب الأديب

стр. 872

٥١٧ وأحمد بن منير الطرابلسي الشاعر الهجاء الوصاف المشهور ٥٤٨ وطراد بن علي المعروف بالبديع كاتب شاعر ٥٢٤ وأبو الوحش الشاعر وعبد القاهر بن عبد الله الوأواء الشاعر الأديب ٥٥١ طبع ديوانه. وعرقلة الدمشقي النديم الخليع الشاعر ومحمد بن حرب النحوي الأديب ٥٨٠ والحسين ابن رواحة الأنصاري الحموي الفقيه الشاعر ٥٨٥ ومسلم بن خضر ابن قسيم الحموي الشاعر، والحسن بن أبي الحسن صافي النحوي المعروف بملك النحاة له مصنفات في الفقه والأصلين والنحو وله ديوان شعر ٥٦٨ وحسان بن نمير العقيلي الدمشقي الشاعر ٥٦٧ وعلوي بن عبد الله بن عبيد الشاعر الحلبي المعروف بالباز الأشهب الأديب المتفنن ٥٩٦ وأسامة بن منقذ صاحب كتابي الاعتبار ولباب الآداب وكلاهما مطبوع شاعر كاتب. وزرعة ابن موسى أبو العلاء الطبراني النصراني كاتب الأمراء بني منقذ كان معاصراً لعبد الله بن محمد بن سنان شاعر. وقد جاء حلب الشهاب السهروردي في عهد ملكها الظاهر غازي وهو فيلسوف قتله صلاح الدين بدسائس الفقهاء قتل بقتله الحكمة، وهي صناعة الصنائع حتى إن سيف الدين الآمدي الفيلسوف النظار الكبير في القرن التالي لم يجرؤ أن يقرئ أحداً شيئاً من العلوم الحكمية، وبعد ذلك انقطعت الفلسفة من هذه الديار ولا تقرأ إلا أشياء قليلة منها وقل النابغون والمشتغلون بها، ولم نقف على حياة فيلسوف نشأ للشام من بين جميع من قام فيها من الأعلام، ولم ينشأ من الأفراد أمثال قطب الدين النيسابوري والشهاب السهروردي وسيف الدين الآمدي، ولقد أبان رنان كيف أن الفكر الديني لسوء حظ الإسلام تغلب بعد جدال طويل فخنق الحركة العلمية الفلسفية الباهرة التي جعلت المدينة العربية بتأثيرات الفارسية واليونانية والنسطورية واليهودية ردحاً من الدهر، وارثة المدنية اليونانية. قال: وأوربا مدينة لمدنية العرب ببقايا العلم الذي قطفت ثماره في القرون الوسطى. العلم والأدب في القرن السابع: لما خرب التتر ببغداد سنة ٦٥٦ انتقلت الحركة الأدبية بحكم الطبيعة إلى

стр. 873

الشام ومصر ولم تكن انقطعت منها كل الانقطاع من قبل، فهاجر كثير من العلماء من عاصمة العراق إلى دمشق والقاهرة. وفي هذا القرن تعينت المسالك العلمية وكثر الإخصائيون وتنوعت العلوم وتوفر المشتغلون بها وأنبغ الشام طبقة عالية عُدّت تآليفهم من الأمهات في خزانة كتب الأمة العربية، ومرجعاً ثقة للأخلاف اقتبسوها من أعمال الأسلاف. فمن المؤرخين عمر بن أبي جرادة الحلبي العقيلي المعروف بابن العديم صاحب تاريخ حلب ٦٦٠ وهو كمال الدين عمر بن الصاحب السعيد قاضي القضاة نجم الدين أبي الحسن أحمد بن الصاحب السعيد قاضي قضاة جمال الدين أبي غانم هبة الله بن قاضي القضاة مجد الدين أبي عبد الله محمد ابن قاضي القضاة جمال الدين أبي الفضل هبة الله ابن قاضي القضاة نجم الدين أبي الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة. بيت تسلسل فيه العلم خمسة بطون كانوا أجداد كمال الدين عمر أكرم به من بيت فضيلة وعلم. ومن مفاخر هذا القرن بحلب علي بن يوسف القفطي المعروف بالقاضي الأكرم أحد الكتاب المشهورين المبرزين في النظم والنثر وله تآليف أكثرها في التاريخ والأدب ٦٤٦ وكان يقوم بعلوم من اللغة والنحو والفقه والحديث وعلوم القرآن والأصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل ومن كتبه المطبوعة مختصر تاريخ الحكماء. وياقوت الرومي الحموي الجغرافي المؤرخ الرحالة صاحب معجم البلدان ومعجم الأدباء والمشترك وغيرها من الكتب الممتعة المنقحة المطبوعة ٦٢٦ وفي حماة إبراهيم بن أبي الدم صاحب التاريخ الكبير المظفري في الملة اسلامية ٦٤٢ وقام فيها عبد الرحيم البارزي قاضي حماة وابن قاضيها وأبو قاضيها. وفي حماة أيضاً علم الدين قيصر المعروف بتعاسيف المهندس الرياضي ٦٤٢ والقاضي جمال الدين بن واصل ٦٩٧ كان إماماً مبرزاً في علوم كثيرة مثل المنطق والهندسة والأصول والهيئة ألف تاريخاً في أخبار بني أيوب وله عدة مصنفات منها الانبرورية في المنطق صنعها للانبرور ملك الإفرنج صاحب صقلية وانبولية وأنكبردة لما توجه إليه رسولاً في أيام الظاهر بيبرس سنة ٦٥٩. ونبغ من المهندسين إبراهيم بن غنائم المهندس باني المدرسة الظاهرية الجوانية بدمشق، واسمه لا يزال منقوشاً على يسار الداخل إليها في زاوية المدخل، وهو الذي هندس القصر الأبلق

стр. 874

الذي قامت التكية السليمانية في القرن العاشر على أنقاضه. ونبغ في حماة الملك المنصور محمد بن الملك المظفر بن أيوب خلف عدة مصنفات منها المضمار في التاريخ وطبقات الشعراء وكان في خدمته قريب مائتي متعمم من النحاة والفقهاء والمشتغلين بغير ذلك. وجاء الناصر داود ابن الملك المعظم وكان شاعراً أديباً وفي أيامه راجت الفلسفة وأمن المشتغلون بها على أرواحهم. وجاء الأمجد بهرام شاه بن أيوب صاحب بعلبك وكان شاعراً رقيقاً وله ديوان ٦٢٨ ونبغ في دمشق أحمد بن خلكان قاضي قضاتها الفقيه المؤرخ المدقق وصاحب وفيات الأعيان المنقح المطبوع ٦٨١ وأحمد بن القاسم بن خليفة المعروف بابن أبي أصيبعة الدمشقي الطبيب الأديب مؤلف طبقات الأطباء المطبوع ٦٦٨ وعبد الرحمن أبو شامة له عدة تصانيف في التاريخ وغيره ٦٦٥ ومنها تاريخ الروضتين وذيله والأول مطبوع. ويوسف بن قزاوغلي سبط ابن الجوزي صاحب مرآة الزمان في التاريخ، المطبوع منه الجزء الثامن وهو الأخير، أقام زمناً في دمشق ٦٥٤ وعبد المنعم الجلياني الملقب بحكيم الزمان علامة في الطب والكحل والأدب والشعر وله عدة كتب منها عشرة دواوين من منظوم الكلام ومطلقه في مدح صلاح الدين لم يصلنا منها إلا المدبجات. ومن النوابغ في دمشق عز الدين الإربلي الفيلسوف الضرير كان بارعاً في الفنون الأدبية رأساً في علوم الأوائل يقرئ المسلمين وأهل الكتاب والفلاسفة ٦٦٠ وعاش في دمشق أيضاً حكيمان عظيمان من حكماء الإسلام وماتا فيها هما سيف الدين علي الثعلبي الآمدي سيد العلماء وأزكى أهل زمانه وأكثرهم معرفة بالعلوم الحكمية والمذاهب الشرعية والمبادي المنطقية أقام سنين كثيرة في حماة مستتراً ممن كانوا تحاملوا عليه ونسبوه إلى الانحلال. وقد صنف في أصول الفقه وأصول الدين والمعقولات عدة مصنفات طبع له كتاب الإحكام ومات في دمشق سنة ٦٣١ والثاني الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الأندلسي الدمشقي صاحب المذهب المشهور في التصوف وله عدة مصنفات في الأخلاق وكلام القوم منها الفتوحات المكية وفصوص الحكم المطبوعان ٦٣٨ ونبغ في دمشق شمس الدين الخوبي العالم في الحكمة والشرع والطب وغيره وله تآليف ٦٣٧ ورفيع الدين الجلبي عالم بالعلوم الحكمية وأصول الدين والفقه والعلم الطبيعي والطب وله تآليف

стр. 875

٦٤١ وإسماعيل بن عبد الكريم المعروف بابن المعلم كان شيخ الحنفية في وقته وشرف الدين بن الرحبي الطبيب الشاعر الأديب له تآليف ٦٦٧ وأخوه جمال الدين بن الرحبي الطبيب العالم ورشيد الدين الصوري طبيب متفنن في علوم كثيرة وله عدة تصانيف في الطب. ومهذب الدين يوسف بن أبي سعيد السامري طبيب متميز في العلوم الحكمية وأديب له من الكتب شرح التوراة ٦٢٤ والصاحب أمين الدولة أبو الحسن بن غزال عالم بالطب له فيه مصنف لم يوضع مثله ٦٤٣ ومهذب الدين عبد الرحيم بن علي ويعرف بالدخوار عالم بالطب وهو صاحب المدرسة الطبية المعروفة بالدخوارية بدمشق، ونجم الدين يحيى بن اللبودي عالم في الحكمة والهندسة والعدد صاحب المدرسة الطبية المنسوبة إليه في دمشق وصاحب دار الهندسة أيضاً ألّف وله ثلاث عشرة سنة في الرد على عبد اللطيف البغدادي وله عدة مصنفات ٦٢١ وعلاء الدين علي بن أبي الحزم بن النفيس الدمشقي صاحب التصانيف الكثيرة كانت تصانيفه يمليها من حفظه وكان مشاراً إليه في الفقه والأصول والحدي والعربية والمنطق. وشمس الدين بن المؤيد العُرضي الدمشقي من الحكماء الذين كانوا بدمشق ودعاهم نصير الدين الطوسي لبناء المرصد وكان العُرضي وابنه محمد من علماء الفلك وتولى مؤيد الدين الأرصاد في مرصد مراغة وقد وضع محمد كرة لا تزال محفوظة في متحف درسدن في المانيا. وعثمان بن الصلاح المضروب به المثل في كل فن ٦٤٣ وعلي بن محمود اليشكري المنجم له يد طولى في علم الفلك وحل التقاويم شاعر خطاط ٦٨٠ وبدر الدين ابن قاضي بعلبك عالم بالطب وعلوم الأدب له تصانيف طبية ٦٥٠ ونجم الدين ابن المنفاخ ويعرف بابن العالمة وكانت أمه عالمة بدمشق وتعرف ببنت دهين اللوز طبيب عالم بالحكمة والمنطق والأدب له مؤلفات ٦٥٢ عز الدين ابن السويدي الدمشقي عالم بالطب والأدب شاعر مجيد. يعقوب السامري عالم بالطب وعلوم الحكمة له عدة مصنفات ٦٨١ وعلي بن خليفة بن أبي أُصيبعة عالم بالطب والعربية وله كتب في الطب وغيره ٦١٦ وعبد العزيز بن رفيع الدين كان متميزاً في الحكمة والطبيعي والطب وأصول الدين والفقه والخسر وشاهي من أصحاب التصانيف الجليلة في المنطق والحكمة ومن تلاميذ فخر الدين الرازي وعفيف الدين التلمساني الدمشقي

стр. 876

أديب له في كل علم مصنف ٦٩٠ وعبد الرحمن بن محمد بن عساكر ابن أخي الحافظ أبي القاسم صاحب تاريخ دمشق كان فقيه وقته ٦٢٠ وأحمد ابن هبة الله بن عساكر مسند دمشق ٦٩٩ وكريمة بنت عبد الوهاب بن علي مسندة الشام أم الفضل القرشية الزبيرية وتعرف ببنت الحبقبق ٦٤١ وفاطمة بنت أحمد بن السلطان صلاح الدين المحدثة ٦٧٨ وفاطمة بنت عساكر محدثة ٦٨٣ وست العرب بنت يحيى بن قايماز أم الخير الدمشقية الكندية المحدثة. وست الكتبة بنت الطراح المحدثة وزينب بنت علي بن أحمد بن فضل الصالحية محدثة. وعائشة ابنة عيسى بن الشيخ الموفق المقدسي المحدثة ٦٩٧. وعلي بن داود القحفازي شيخ أهل دمشق وخصوصاً في العربية. وعبد الوهاب ابن سحنون طبيب وله شعر وأدب وفقه ٦٩٤ وزيد بن الحسين الكندي علامة في فنون الآداب مفنن عُرف بعلو السماع ٦١٣ وعلم الدين السخاوي المقري النحوي الأديب الفقيه له تصانيف ٦٥٧ وإبراهيم بن أحمد بن فارس التميمي شيخ القراء بدمشق ٦٧٦ والقاسم بن أحمد المرسي اللورقي شيخ القراء والمتكلمين ٦٦١ وعبد الكريم بن الحرستاني خطيب الشام ٦٦٢ وعبد العزيز بن عبد السلام الدمشقي شيخ الإسلام له تصانيف ٦٦٠ والحافظ شمس الدين محمد بن جعوان الحافظ النحوي ٦٨٢ ورشيد الدين الربعي مفسر لغوي كاتب ٦٨٧ ومحمد بن سعادة مفسر أصولي فقيه نحوي عالم بالخلاف والأدب والفرائض ٦٩٣ وجاء من المحدثين موسى بن عبد القادر الجيلي مسند دمشق ٦١٨ والحافظ تقي الدين إسماعيل بن عبد الله الأنماطي المحدث ٦١٩ ومكرم بن محمد بن أبي الصقر القرشي المسند الفقيه ٦٣٥ وإسماعيل بن أبي اليسر التنوخي مسند الشام ٦٧٦ وعبد العظيم وهو عبد الرحمن المعروف بالمسجف ٦٣٥ والقاسم بن أبي بكر الإربلي المقري المحدث ٦٨٠ ومحمد بن علي ابن الصابوني المحدث ٦٨٠. وجاء من العلماء في الشام عبد الله الجماعيلي الإمام في الخلاف والفرائض والأصول والفقه والنحو والحساب والنجوم والمنازل ٦٢٠ ويعقوب بن صقلان المقدسي قرأ الحكمة على الفيلسوف الإنطاكي وعرف بها ٦٢٦ ونجم الدين النخجواني كانت له عارضة قوية في علوم الأوائل ونفيس الدولة بن طُليب

стр. 877

الدمشقي وولده صفي الدين النصراني الملكي ومحمد بن القيسراني الدمشقي عالم بالأدب والهيئة ٦٣٠ وأبو الفضل بن يامين الحلبي عالم بالرياضيات وعلم حل الزيج وتسيير المواليد ٦٠٤ وأحمد بن هبة الله المعروف بابن الجبراني الحلبي النحوي اللغوي وعبد الله اليونيني المحدث. ونجم الدين القمراوي عالم بالحكمة والشريعة. وشرف الدين المتاني عالم بالحكمة والشريعة وهما اللذان ذهبا إلى الموصل مختفيين ليلقيا الفيلسوف الأكبر كمال الدين بن يونس وحلا لغزه في الحكمة، وكان عجز العلماء عن حله، فسألهما عن موطنهما فقالا الشام فقال: من أي موضع منه قالا من حوران فقال: لا أشك أن أحدكما النجم القمراوي والآخر الشرف المتاني. وفي هذا دليل على شهرتهما في العلوم الحكمية والدينية. وقمرا مزرعة مزرعة يقال لها قميرة اليوم ومتان قرية صغيرة وهما من قرى صرخد في جبل حوران. وكانت بعض المدن عامرة بالعلماء مثل قنسرين التي خربت في القرن الرابع وكفر طاب التي خربت في أواخر الخامس. قال ابن العديم كانت كفر طاب مشحونة بأهل العلم وكان بها من يقرأ الأدب ويشتغل به. وهاتان المدينتان أصبحتا الآن قريتين حقيرتين، وكان في قرى غوطة دمشق علماء وفقهاء ويختلف إليها علماء دمشق يدرسون فيها فمن جملة تآليف الحافظ ابن عساكر كتب في روايات أهل داريا وكفرسوسة وصنعاء دمشق والربوة والنيرب ومن حدث بهما وأهل الحميرين وقبيبة وفذايا وبيت أرانس وبيت قوفا والبلاط وبيت سوا ودومة ومسرابا وحرستا وكفربطنا ودقانية وحجيرة وعين ثرماء وجديا وطرميس وبيت لهيا وبرزة. ومن هذه القرى ما دثر الآن، وذكر المحدثين من أهل مَنين وأهل بعلبك مما دل على العناية بالحديث في القرن السادس. ومحمد بن مياس العُرّماني الشاعر الأديب وموسى القمراوي الفقيه الأديب المناظر ٦٢٥ ومسعود بن أبي الفضل النقاش الحلبي الشاعر والتاج الصرخدي محمود بن عدي التميمي الشاعر المحسن ٦٧٤ والرشيد البصروي سعيد بن

стр. 878

علي أحد أئمة المذهب الحنفي النحوي الشاعر ٦٨٤ وعلي بن بلبان الكركي ٦٨٤ والفخر البعلبكي عبد الرحمن الحنبلي الفقيه المحدث ٦٨٧ وعبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة قال الصفدي: لا أعرف في شعراء الشام بعد الخمسمائة وقبلها من نظم أحسن منه ولا أجزل ولا أفصح وبرع في الفقه وحدث كثيراً ٦٦٢ ونبغ في حماة ابن بركات له تآليف في التاريخ. وأبو بكر بن الخيثمي الحموي كان إماماً في الأدب ومحمد بن المظفر بن أبي بكران الحموي عالم الأئمة الفقيه المحدث. وعبد العزيز بن حجة الحموي الشاعر الأديب وأبو المحاسن محمد بن نصر بن عُنين الدمشقي الشاعر ٦٣٢ ومحمد بن أبي الفضل الدَّولعي الفقيه الخطيب الدمشقي ٦٣٥ ومحمد شمس الدين الأنصاري الكاتب بدمشق ٦٥٠ ومحمد بن العفيف التلمساني الشاعر ٦٨٨ ومحمد بن سوار ابن إسرائيل شاعر ٦٧٧ ومحمد بن عبد المنعم التنوخي شاعر ٦٦٩ وابن الساعاتي الشاعر الدمشقي صاحب الديوان المطبوع٦٠٤ وفتيان الشاغوري الدمشقي الشاعر المبدع ٦١٥ وتقي الدين اليلداني المحدث ٦٥٥ وعلي بن عمر المشد شاعر ٦٥٦ وأبو المحاسن الشواء الشاعر الحلبي ٦٣٥ ومحمد بن أبي اليسر التنوخي الدمشقي الكاتب الشاعر ٦٦٩ وعبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري البدري الدمشقي إمام فقيه ناظم ناثر له تصانيف جيدة ٦٩٠ ومحمد ابن سعادة مفسر أصولي فقيه نحوي عالم بالخلاف والأدب والفرائض ٦٩٣ وعبد العزيز السلمي الفقيه المجتهد له تصانيف ٦٦٠ وعبد الرحمن بن نجم الحنبلي الواعظ الفقيه ٦٣٤ ومحمد بن عبد الواحد السعدي المحدث الأصولي الفقيه له عدة تصانيف ٦٤٣ والحافظ خالد بن يوسف النابلسي ٦٦٣ وأبو السخاء فتيان الحلبي النحوي. ويحيى بن حميدة الحلبي المعروف بابن أبي طي صاحب التاريخ وطبقات العلماء ٦٣٠ ويحيى بن محمود الثقفي الحلبي محدث. وأحمد بن محمد الطرسوسي الحلبي محدث ويعيش بن علي الحلبي النحوي المعروف بابن الصائغ شرح المفصل للزمخشري المطبوع وشرح تصريف الملوكي لابن جني المطبوع منه المتن ٦٤٣. وكانت حلب لما دخلها ابن خلكان في هذا العصر في سنة ٦٢٦ للاشتغال بالعلم أُمّ البلاد مشحونة بالعلماء والمشتغلين. ومما انفرد

стр. 879

به هذا القرن على صورة لم يسبق لها مثال إنشاء ثلاث مدارس للطب ومدرسة للهندسة في دمشق فكان في هذه العاصمة أعظم جامعة إسلامية عربية حوت العلوم الدينية والدنيوية فلم تكن دون القاهرة بأزهرها الذي بني في القرن الرابع ولا بغداد بمدرستها النظامية. الإمام ابن تيمية والإصلاح الديني والأدب والعلم في القرن الثامن: اختص القرن الثامن بقيام أعظم مصلح فيه وفي قرون كثيرة من قبله ومن بعده، أراد إرجاع الدين إلى نضرته الأولى، وتعريته من القشور التي ألصقها به الجهلة المتنمسون، فآذوه وعذبوه، وسجنوه ونفوه، ونعني به شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية نابغة النوابغ في الشرع وصاحب التآليف العديدة الممتعة المطبوعة، وإمام المعقول والمنقول، وسيد العلماء، ورأس الفقهاء ٧٢٨ وإن دمشق لتفاخر وحق لها الفخر بأنها تجلت فيها روح ابن تيمية، ودفنت أعظمه في تربتها، ولكن عصره يخجل كل الخجل من أعمال من ناهضوه مدفوعين بعامل الحسد، ولا سيما المشايخ بنو السبكي الذين آذوه فأكثروا من أذاه، طمعاً في نيل الحظوة من العامة والملوك واستعانوا بنفوذهم السياسي في حكومة مصر والشام فاعتقلوه زماناً في القاهرة والإسكندرية ودمشق، والأمة وعقلاء علمائها تقدسه حتى لقي ربه. وقد أشبه ابن تيمية في دعوته في الإسلام لوثيروس صاحب المذهب الإنجيلي في النصرانية بيد أن مصلح النصرانية نجح في دعوته، ومصلح الإسلام أخفق ويا للأسف. قال السيوطي: إن دمشق كثر بها العلم في زمن معاوية ثم في زمن عبد الملك وأولاده وما زال بها فقهاء ومحدثون ومقرئون في زمن التابعين وتابعيهم ثم إلى أيام أبي مسهر ومروان بن محمد الطاطري وهشام ودحيم وسليمان بن بنت شرحبيل ثم اصحابهم وعصرهم. وهي دار قرآن وحديث وفقه، وتناقص بها العلم في المائة الرابعة والخامسة وكثر بعد ذلك ولا سيما في دولة نور الدين

стр. 880

وأيام محدثها ابن عساكر والمقادسة النازلين بسفحها ثم كثر بعد ذلك بابن تيمية والمزيّ وأصحابهما. ونبغ أفراد في هذا العصر ولا سيما في الفلك والتاريخ والجغرافيا والحديث، ومنهم بدمشق البرزالي محدث الشام وصاحب التاريخ والمعجم الكبير ٧٤٠ والحافظ جمال الدين المزي صاحب التصانيف ٧٤٢ والحافظ محمد بن قايماز الذهبي عالم الشريعة والأدب والتاريخ وله عشرات من المصنفات أكثرها في التاريخ والرجال منها تاريخ الإسلام والمشتبه وميزان الاعتدال وطبقات الحفاظ وهذه الثلاثة الأخيرة مطبوعة ٧٤٨ والحافظ عماد الدين بن كثير المفسر المؤرخ الفقيه صاحب التآليف ومنها تاريخه المطول المطبوع ٧٧٤ ومحمد بن أبي بكر الزرعي المعروف بابن قيم الجوزية الدمشقي الإمام الحجة المجدد من أكبر أنصار شيخ الإسلام ابن تيمية ٧٥١ طبعت بعض كتبه في السنة ومن أهمها إعلام الموقعين. وأحمد بن فضل الله العمري الدمشقي إمام أهل الأدب والتاريخ والجغرافية والأسطرلاب وحل التقاويم وصور الكواكب وله عدة مصنفات منها مسالك الأبصار والتعريف بالمصطلح الشريف وهما مطبوعان. ومسالك الأبصار معلمة أدبية تاريخية كبرى ٧٤٩ وصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي الأديب المؤرخ صاحب الكتب المهمة من المطبوع منها الوافي بالوفيات أجزاء ونكت العميان وشرح قصيدة ابن زيدون والأرب من غيث الأدب وتشنيف السمع والغيث المنسجم ونسب الجراكسة ولوعة الشاكي وجنان الجناس إلى غير ذلك ٧٦٤ والملك المؤيد إسماعيل أبو الفداء وكان عالماً فقيهاً مؤرخاً جغرافياً فلكياً منها تاريخه وكتابه تقويم البلدان وهما مطبوعان ٧٣٢ وكان يفضل على العلماء كثيراً أوى إليه أثير الدين الأبهري فرتب له ما يكفيه ورتب لجمال الدين ابن نباتة في دمشق كل سنة ستمائة درهم غير ما يتحفه به. وبعمل الملك المؤيد أبي الفداء وعمل أسرته من قبل ومن بعد أصبحت حماة مدينة علم وأدب وخرجت رجالاً يفتخر بهم في تاريخ العلم وكانت أشبه القرى في القرون الأولى للفتح الإسلامي. ومثل هؤلاء الملوك على صغر ممالكهم كانوا مادة العلم والأدب في تلك العصور، وكثيراً ما كان ملوكنا هؤلاء يحتالون
следующие страницы →