Полный текст (567 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
طاعتها، إعظاماً لقدره، بفضله، وبمثله من أهل الحزامة، والمتقدمين في الرياسة، انفصمت عرا أعدائه، وانحل عقدهم، وانفل حدهم.
لم يَتْركوا أثَرَاً عَلَيْهِ مِنَ الوَغَى ... إلاَّ دِمَاَءهُم على سِرْ بَالِهِ
ثم قال، مشيراً إلى استنفاذه لأعدائه، بقتله لهم، وبلوغه المراد منهم: لم يتركوا
عليه للحرب أثراً يظهره، وشاهداً يتكلفه؛ لاستغنائه عن ذلك ببلوغ البغية فيه، إلا ما في ثوبه من دمائهم، التي سفكتها صوارمه، وأجرتها وقائعه، وهذا من البديع يعرف بالاستثناء.
يا أيُّها القمرُ المُباهي وَجْهَهُ ... لا تُكْذَبَنَّ فَلَسْتَ من أشْكالِهِ
يقول: يا أيها القمر الذي يباهي وجه سيف الدولة بنوره، ويساجله بحسنه، لا تكذبن عن نفسك، فهو أبهى منك وأحسن، وأضوء منك وأنور، وله في البأس والكرم رتب لا تبلغها، ومنازل لا تستحقها، فلست ممن يشاكله ويضاهيه، ويماثله ويساويه.
وإذَا طَمَا البَحْرُ المُحِيْطُ فَقُلْ لَهُ ... دَعْ ذا فإنَّك عاجِزُ عَنْ حَالِهِ
ثم قال: وإذا طما البحر المحيط، وطموه: ارتفاعه، فقل له: دع ما
стр. 107
تظهره، فكرم سيف الدولة يغمرك، ومواهبه تحقرك، وأنت عاجز عن رتبته، ومقصر عن جلالته ورفعته.
وَهَبَ الّذي وَرِثَ الجُدودَ وما رَأى ... أفْعالَهُمْ للابْنٍ بلا أفْعَالِهِ
ثم قال: (وهب الذي ورث الجدود)، والعرب تسقط حرف الجر مع ورث، فتعمل الفعل، والحرف ثابت في النية، فيقول أحدهم: ورثت أبي ماله، وهو يريد: ورثت من أبي ماله، وأنشد سيبويه:
وَرِثْتُ أبي أخْلاَقَهُ: عاجِلَ القِرَى ... وَعْبْطَ المَهارِي كُومُها وشبُوبُها
يريد من أبي.
فيقول أبو الطيب: إن سيف الدولة لسعة فضله، وعموم جوده، وهب الذي ورثه من جدوده، وأشار بهذا إلى استنفاذه لجمعه، واستيعابه لكسبه؛ لأن نفقة التالد بعد نفقة الطارف، ولم يقنع بما خلده جدوده من المجد، وأسلفوه من الجود، دون أن يتلوهم بفعله، ويماثلهم، ولا رأى أن أفعال
стр. 108
الآباء تشرف الابن، إذا لم تشرفه
أفعاله، وترفعه أحواله، نحو قول الجعدي:
لِسْنَا وإن كَرُمَتْ أوائِلُنا ... يَوْماً على الأحْسَابِ نَتَّكِلُ
حَتَّى إذا فَنِيَ التُّراثُ سِوَى العُلاَ ... قَصَدَ العُدَاةَ مِنَ القَنَا بِطِوَالِهِ
قم قال: حتى إذا أفنى البذل تراثه، واستوعب طارفه وتالده، ولم يبق من ذلك إلا العلا التي خلدها، والمكارم التي شيدها، طلب المال مغالبة، فقصد عداه بطوال رماحه، واستعمل فيهم صوارم سيوفه.
وبأرعَنٍ لَبِسَ العَجَاجَ إلَيْهِمِ ... فَوْقَ الحَديدِ وَجَرَّ مِنْ أذْيالهِ
الرعن: أنف الجبل، والأرعن: الجيش الكبير التي تكون له فضول، كفضول الجبال ورعونها.
стр. 109
فيقول: إن سيف الدولة قصد أعاديه بجيش ضخم، له رعون وفضول، يلبس ما يثيره من العجاج فوق ما يلبس فرسانه من السلاح، ويجر أذياله لوفوره، ويسحبها إلى العدو في مسيره.
فَكَأنَّما قَذِي النَّهَارُ بِنَقْعهِ ... أوْ غَضَّ عَنْهُ الطَّرْفَ من إجلالِهِ
القذى: ما وقع في العين فعاقها عن النظر، والنفع: الغبار.
ثم قال: إن ذلك العجاج طمس ضياء النهار بشدته، حتى كأنه قذي بغباره، أو غض طرفه عنه، لمخافته وإجلاله. يشير بذلك إلى تغلب الإظلام على نوره، واستيلاء العجاج على ضوئه.
الجَيْشُ جَيْشُكَ غَيرَ أنَّكَ جَيْشُهُ ... في قَلْبِهِ وَيَمِينِهِ وَشِمَالِهِ
يقول: الجيش جيشك في امتثاله لأمرك، وتصرفه على إرادتك، وأنت جيشه في أنه إنما يشجع بشجاعتك، ويقدم بك، وتهابه الأعداء من أجلك. هذه حالك في قلبه، ويمينه وشماله، فإذا امتنع الرؤساء بجيوشهم، فأنت تمنع جيشك، وإذا احتموا بجموعهم، فأنت تحمي جمعك.
تَرِدُ الطَّعَانَ المُرَّ عَنْ فُرْسَانِهِ ... وَتُنازِلُ الأبْطَالَ عَنْ أبْطَالِهِ
стр. 110
ثم قال: يسبق فرسانه إلى الطعان، فيرد قبلهم مرة، ويسبق أبطاله إلى النزال، فيصلي دونهم حره.
كُلُّ يُريدُ رجالهُ لحِياتِهِ ... يا مَنْ يريدُ حَياتَهُ لِرجالِهِ
ثم قال: كل الأمراء غيرك يريد الرجال ليستبقي حياته، وأنت تريد الحياة لتسبقيني رجالك، وتحفظ جمعك، جندك.
دُونَ الَحلاوةِ في الزَّمان مَراَرةّ ... لا تُخْطَى إلا على أهواله
يقول: دون حلاوة الظفر، ولذة بلوغ الأمل، مرارة من الغرر، ومشقة من الخطر، لا تتجاوز تلك المرارة إلا بمقارعة أهوال الزمان وشدتها، والتعرض لمحنتها وصعوبتها، وضرب هذا مثلاً فيها قدمه، والمثل أرفع وجوه البديع.
فَلِذاكَ جَاوَزَها عَليُّ وَحْدَهُ ... وَسَعى ُبمْنُصِلِه إلى آمالِه
ثم قال: فلذلك انفرد علي بجواز تلك المرارة، وتخطي تلك الصعوبة، وسعي إلى أمله بسيفه، واقتدار على مراده بعزمه.
стр. 111
وقال أيضاً، يمدحه:
أنا مِنْكَ بَيْنَ فَضَائِلٍ وَمَكارمِ ... وَمِن ارتَياحِكَ في غَمَامٍ دائِمِ
الارتياح: انبساط الخلق بالمعروف.
فيقول لسيف الدولة: أنا منك بين فضائل باهرة، ومكارم شاملة، ومن ارتياحك في سحاب لا يقلع، وعطاء لا ينقطع.
وَمِنَ احتِقَارِكَ كُلَّ ما تَحْبو بهِ ... فِيما ألاَ حِظُهُ بعَيْنَيْ حَالِمِ
ثم قال: وأنا من احتقارك لعظيم ما تفعله، وكثير ما تبذله في شيء ألحظه بعيني حالم غير محقق، ومتوهم غير مصدق.
إنَّ الخَليفَةَ لَمْ يُسَمِّكَ سَيْفَهُ ... حَتَّى بَلاَكَ فَكُنْتَ عَيْنَ الصَّارِمِ
الابتلاء: التجربة، وعين الشيء: حقيقته.
فيقول: إن الخليفة لم يمسك سيف دولته حتى جربك، فكنت السيف حقيقة لا ينبو حدك، ولا ينفل عزمك، ولا يطمع فيك عدوك.
стр. 112
فإذا تَتَوَّجَ كُنْتَ دُرَّةَ تَاجِهِ ... وإذا تَخَتَّمَ كُنْتَ فَصَّ الخَاتَمِ
ثم قال: فأنت أرفع آلات تاجه إذا تتوج؛ لأنك درته، وأجل ما يشتمل عليه خاتمه إذا تختم؛ لأنك فصه. يشير إلى أنه أرفع ما يترفع الخليفة به، وأجل ما يباهي بموضعه.
وإذا انتَضَاكَ على العِدَى في مَعْرَكِ ... هَلَكُوا وَضَاقَتْ كَفُهُ بالقائِمِ
يقول: إذا جردك على أعاديه في معرك، وعارضهم بك في موقف، أهلك بنفاذك جمعهم، وأذل بابتدارك عزمهم، وضاقت كفه عن قائم سيف أنت حقيقته، وقل هذا الاسم لقدرك، وتواضع لجلالة أمرك.
أَبْدَى سَخَاؤُكَ عَجْزَ كُلِّ مُشَمِّرٍ ... في وَصْفِهِ وأضَاقَ ذَرْعَ الكَاتِمِ
ثم قال: أبدى سخاؤك لكثرته عجز واصفه، وأضاق كرمك بتظاهره ذرع كاتمه، فمحاول وصفه لا يبلغه، لعجزه عنه، ومحاول كتمه لا يمكنه، لما تبين منه.
стр. 113
وقال فيه، وقد أمر له بفرس وجارية.
أيَدْرس الرَّبْعُ أيَّ دَم أرَاقَا ... وأيَّ قُلُوبِ هَذا الرَّكْبِ شاقَا
الشعراء تذكر أن الحزن إذا أفرط، والبكاء إذا اتصل، امتزج الدم بالدمع، فتلاه في جريه، وانحدر في فيقول: أيدري هذا الربع أي الركب الوقوف به، أراق دمه، مما كلفه من البكاء فيه، وأكد اشتياقه بما جدده من الجزع عليه؟
لَنَا وَلأهْلِهِ أبَداً قُلوبُ ... تَلاقى في جُسُومٍ ما تَلاقَا
ثم قال: لنا وللراحلين من أهله قلوب تتلاقى أبداً، بما هي عليه من التذكر لسالف العهد، والامتثال لأيام الوصل، في أجساد متباينة، وأجسام غير متلاقية.
وَمَا عَفَت الرِّياحُ لَهُ مَحَلاً ... عَفَاهُ مَنْ حَدَا بِهمُ وَسَاقَا
يقول: وما غير آثار هذا الربع، وعفي رسومه، اختلاف الرياح عليه، وتكررها بالهبوب فيه، وإنما غيره وعفاه، وأخلقه وأبلاه، من رحل بأهله عنه، وأخرج العامرين له منه.
فَلَيْتَ هَوَى الأحِبَّةِ كانَ عَدْلاً ... فَحَمَّلَ كُلَّ قَلْبٍ ما أطَاقَا
стр. 114
ثم قال: فليت هوى الأحبة الراحلين، والآلاف المتحملين، عدل في حكمه، وأنصف من نفسه، فحمل كل قلب ما يطيقه من الحب، وأودعه ما يستقل به من الصبابة والوجد.
نَظَرْتُ إليهمُ والعَيْنُ شَكْرَى ... فَصَارَتْ كُلُّهَا للدَّمْعِ مَاقَا
العين الشكري: الممتلئة بالدمع، والمآق: طرف العين مما يلي الأنف، وهو مخرج الدمع من العين.
فيقول: نظرت إليهم عند رحلتهم، والعين ممتلئة بدمعها، فصارت كلها مخرجاً للدمع، لكثرته فيها، وشدة انحداره منها. يخبر عن غلبة البكاء له.
وَقَدْ أخَذَ التَّمامَ البَدْرُ فيهمْ ... وأعْطَاني من السَّقَمِ المُحَاقَا
قم قال: وقد أخذ البدر الراجل فيهم حال التمام في حسنه، والكمال في جماله،
وأعطاني المحاق من السقم عليه، والنحول من الوجد به، والتضاؤل بعد الفقد له. وطابق بين المحاق والتمام، وذلك من بديع الشعر.
وَبَيْنَ الفَرْعِ والقَدَمَيْنِ نُورُ ... يَقُودُ بِلاَ أزِمَّتِها النِّيَاقَا
стр. 115
الفرع: الشعر، والنياق: جمع ناقة.
فيقول: وبين الفرع والقدمين نور، من ضياء وجه من أحبه، وتلألؤ حسنه، يقود النياق بلا أزمة، ويحدوها على السير بلا مؤونة.
وَطَرْفُ إن سَقَى العَشَّاقَ كَأسَاً ... بِهَا نَقْصُ سَقَانِيها دِهَاقا
الدهاق: الممتلئة.
وفيما هنالك منه، لحظ فاتر، وطرف ساحر، إذا سقى العشاق المغرمين به كأساً من خمرة ناقصة، سقانيها دهاقاً مترعة.
وَخَضرُ تَثْبُتُ الأبْصَارُ فيه ... كأنَّ عَلَيْهِ مِنْ حَدَقٍ نِطَاقَا
وفيما هنالك أيضاً، خصر لطيف، تثبت الأبصار فيه، وتتردد لحسنه عليه، وتكثر الإعجاب منها به، حتى كأن عليه منها نطاقاً يشمله ووشاحاً يعمه.
سَلي عَنْ سِيْرتي فَرَسي وسَيْفِي ... وَرُمحي والهَمَلَّعَةَ الدِّفَاقَا
الهملعة: الناقة الخفيفة القوية، والدفاق: السريعة
стр. 116
فيقول للتي يخاطبها: سلي عن سيرتي في الإقدام على الأهوال، والقوة على الأسفار، والنفاذ في الفلوات، فرسي الذي يحملني في الحرب، وسيفي ورمحي اللذين أبطش بهما في الطعن والضرب، وناقتي التي تحملني في الأسفار، وأقطع عليها الفلوات بالارتحال.
تَرَكْنَا مِنْ وَرَاء العِيْسِ نَجْداً ... ونَكَّبْنَا السَّمَاوَةَ والعِراقَا
السماوة: فلاة بين الشام والعراق.
ثم قال: تركنا نجداً من وراء رواحلنا، ونكبنا عن السماوة والعراق في سفرنا،
قاصدين سيف الدولة في موضعه من الشام، ومستقره من تلك الأرض.
فَمَا زَالَت تَرَى واللَّيْلُ دَاجٍ ... لِسَيْفِ الدَّوْلَةِ الملِكِ ائْتِلاَقَا
الائتلاق: التلألؤ واللمعان.
يقول: فما زالت عيسنا عند دجو ليلها، واعتراض الظلام لها، ترى لسيف الدولة الملك ضياء يقتادها، ونوراً يسطع لها، إشارة إلى ما تظاهر في أرضه من فضله، وأشرق فيها من أنوار مجده.
أدِلَّتُهَا رِيَاحُ المِسْكِ مِنْهُ ... إذا فَتَحَتْ مَنَاخِرَها انْتِشَاقا
стр. 117
يقول: أدلة عيسنا إليه، تضوع المسك لفوحه، وسطوع روائح طيبه، فإذا فتحت مناخرها، قادها استنشاق ذلك الفوح نحوه، وعرفت بتضوعه أرضه.
أباحَكِ أيُّها الوَحَشُ الأعَادي ... فَلِمْ تَتَعَرَّضينَ له الرِّفَاقَا
ثم قال: مخاطباً للوحش المعترضة له: أباحك سيف الدولة، أيها الوحش، العداد، بوقائعه فيهمن وقتله لهم، وإلحامك أجسادهم، فما لك، واعتراض الرفاق التي تعتمده، وأشار بهذا القول إلى كثرة إيقاعه بمن يخالفه، وشده استظهاره على من يعارضه.
وَلَوْ تَبَّعْتِ مَا طَرَحَتْ قَنَاهُ ... لَكَفَّكِ عَنْ رَذَايَانَا وَعَاقَا
الرذايا: جمع رذية، وهي ما هزل من الإبل، وانقطع فلم يستطع براحاً.
فيقول للوحش المعترضة له: لو تبعت ما طرحت لك قناة، من قتلى وقائعه، وصرعى ملاحمه، لأغناك ذلك عنها، ومنعك بكثرته منها.
وَلَوْ سِرْنا إليه في طَريقٍ ... مِنَ النِّيرانِ لم نَخَفِ احتِرَاقَا
стр. 118
ثم قال: ولسنا نرهب أيها الوحش سطوتك، ولا نخاف على ركائبنا مضرتك؛ لأن ما يحيط بنا من سعادة سيف الدولة مقصودنا يكفك، وما نتقلب فيه من إقباله يعوقك، ولو سلكنا إليه طرقاً من النيران، لعادت ببركته برداً وسلاماً لا نحذرها،
وأمناً وعافية لا نتألمها.
إمَامُ للأئِمَّةِ من قُرَيْشٍ ... إلى مَن يَتَّقونَ لَهُ شِقَاقَا
إمام القوم: متقدمهم، والشقاق: الخلاف.
فيقول: إن سيف الدولة بجلالة قدره، وارتفاع أمره، يتخذه الخلفاء من قريش، وهم أئمة الناس، إماماً في حروبهم، يقدمونه إلى من يحذرون نفاقه، ويتوقعون خلافه، فيذل لهم عزه، ويسهل عليهم صعبه.
يَكُونُ لَهُمْ إذا غَضِبُوا حُساماً ... ولِلْهَيْجَاءِ حِينَ تَقُومُ سَاقَا
ساق الشيء: ما قام عليه.
стр. 119
ثم قال: يكون لهم سيفاً يبطشون به عند غضبهم، وساقاً يعتمدون عليها في حربهم، فبموضعه يحتمي سلطانهم، وبمكانه يذل لهم أعداؤهم.
فلا تَسْتَنْكِرَنَّ لَهُ ابْتِساماً ... إذَا نَهقَ المَكَرُ دَمَاً وَضَاقَا
المكر: مجال الحرب، وفهقه: اتساعه وجري الدم فيه
فيقول لمخاطبه: فلا تنكرن استبشار سيف الدولة بالحرب، واستسهاله لها، وابتسامه عند تضايق مجالها، وانسفاك الدم في مكرها، فهو متيقن لغلبة من نازعه، والظهور على من ناصبه.
فَقَدْ ضَمِنَتْ لَهُ المُهَجَ العَوَالي ... وَحَمَّل هَمَّهُ الخَيْلَ العِتَاقَا
يقول فقد ضمنت له رماحه مهج أعدائه، وتكفل له بما يبغيه منهم، عتاق خيله، وأبطال جيشه.
إذَا أنْعِلْنَ في آثَارِ قَوْمٍ ... وإنْ بَعِدَوا جَعَلْنَهُمُ طِرَاقَا
إنعال الخيل: تصفيح أيديها بالحديد، والطراق: تضعيف جلد النعل.
ثم قال: إذا أنعلت خيله في آثار قوم، وحاول غزوهم، وقصد أرضهم، وإن بعدوا بجهدهم وتحرزوا بطاقتهم، أسرعت تلك الخيل في
стр. 120
قتلهم، واستباحة حريمهم،
وغادرت أجسادهم بعد القتل كالطراق، يدوسها الحافر، ويطأها القدم.
وإن نَقَعَ الصَّريخُ إلى مَكانٍ ... نَصَبْنَ لَهُ مُؤَللةَ دِقَاقا
النقع: ارتفاع الصوت، والصريخ: المستغيث، والمؤللة: المحددة، والدقاق: الرقاق.
فيقول: (وإن نقع الصريخ) أي: ارتفع الصوت باستغاثة إلى مكان قد طرقه عدو، أصاخت خيله إلى ذلك الصوت أصاخت استشعار للحذر، وتسرع إلى الجري. والخيل تحدد آذانها عند مثل هذه الحال. فأشار بهذا الوصف إلى تبادر هذه الخيل نحو الصريخ، ودل بانتصاب آذانها على حذرها، وبدقتها على كرمها.
فَكَانَ الطَّعْنُ بَيْنَهُما جَوَاباً ... وَكَانَ اللَّبْثُ بَيْنَهُما فُوَاقَا
الفواق: ما بين الحلبتين
ثم قال: فكان الطعن بينهما جواباً، يريد: بين هذه الخيل وبين العدو الطارق، يعني أن جواب ذلك الصريخ، كان بطعن هذه الخيل في نحور
стр. 121
الطارقين، وكان اللبث بينهما فواقاً، يريد: أنها لم تلبث العدو إلا فواق ناقة، واستبان ظفرها، ففر الأعداء عنها ناكصين، وولوا منهزمين.
مُلاقَيةُ نَواصِيها المَنايَا ... مُعَاوِدَةُ فَوارِسَها العِنَاقَا
ثم قال: إن خيل سيف الدولة تلقى نواصيها المنايا مقدمة عليها، وتواجهها متسرعة إليها، وتعتاد فوارسها عناق الأقران في الحرب، وتلك غاية الصبر، وأبعد أوصاف البأس؛ لأن الحرب أولها المراماة، ثم المطاعنة، ثم المجالدة ثم المعانقة.
تَبِيْتُ رِمَاحُهُ فَوْقَ الهَوادِي ... وَقَدْ ضَرَبَ العَجَاجُ لَها رِوَاقَا
هوادي الخيل: أعناقها.
فيقول: تبيت رماح سيف الدولة معرضة على أعناق خيله في سراه إلى عدوه، والعرب تعرض الرماح على أعناق الخيل في السير، وتسددها في الحرب، فيقول:
إنه يبيت وهذه حال خيله، وما تثيره من الغبار
стр. 122
والعجاج كالرواق عليها. يشير إلى أنه يسري إلى أعاديه، ويدرع الليل نحوهم.
تَميلُ كَأنَّ في الأبْطَالِ خَمْراً ... عُلِلْنَ بِهِ اصْطَباحاً واغْتَبَاقا
الخمر والخمار بمعنى، يراد بها بقية السكر، والعل: إعادة الشرب. ثم قال: تميل فرسان تلك الخيل، كأن بها خماراً من مداومة السهر، وغلبة النوم، كأن ذلك الخمار يتكرر لهم اغتباقاً بعد اصطباح، يشير بهذا إلى ملازمة هذه الخيل للغارات.
تَعَجَّبَتِ المُدَامُ وَقَدْ حَسَاها ... فَلَمْ يَسْكَرْ وَجَادَ فَما أفَاقَا
ثم قال: تعجبت المدام وقد شربها، فعجزت عن إحالة ذهنه، وقصرت عن مغالبة عقله، واستولى عليه جوده، فلم يفق من طربه له، ولا صحا من ارتياحه به.
أَقَامَ الشّعْرُ يَنْتَظِرُ العَطَايا ... فَلَمَّا فَاقَتِ الأمْطَارَ فَاقَا
يقول: أقام الشعر ينتظر زمان الكرم، وأوان العطاء، فلما ظهر منه بسيف الدولة ما فاق الأمطار بكثرته ظهر شعر أبي الطيب، ففاق الشعر ببراعته.
وَزَنَّا قِيمَةَ الدَّهماءِ مِنْهُ ... وَوَفَّيْنَا القِيَانَ بِهِ الصَّدَاقَا
стр. 123
ثم قال: بعثنا منه إلى سيف الدولة ما كافأ قيمة الدهماء، وهي الفرس التي أهداها إليه. ووفى بصداق القينة التي بعث بها مع الفرس، فأشار إلى أنه قارض بشعره جوده، وكافأ بمدحه هبته.
وَحَاشَى لارتِيَاحِكَ أنْ يُبَارى ... وَلِلْكَرَمِ الذَّي لك أن يُباقى
حاشى: بمعنى التعويذ والتنزيه، والارتياح: الطرب لفعل الجميل، والمباقاة: المداومة.
فيقول، معتذراً مما قدمه في قوله هذا؛ إنه كافأ جود سيف الدولة بشعره: وأعيذ ارتياحك من أن يجازى، ويماثل، ويساوي ويشاكل، وأعيد كرمك من أن يباقيه
شاكر بشكره، أو يستوفيه شاعر بشعره.
ولَكِنَّا نُداعِبُ مِنْكَ قَرْماً ... تَرَاجَعَتِ القُرومُ له حِقَاقَا
القرم: الصعب من الإبل، والحقاق: جمع حقة، وهي التي استحقت أن يحمل عليها من النوق.
يقول: ولكنا فيما قدمناه من ذلك مفاكهون لك، مداعبون منك، لملك قرم، عادت له قروم الملوك وصعابها كالحقاق، تخضع لأمره، وتسلم لحكمه. وجرى في القروم والحقاق على سبيل الاستعارة:
فَتىً لا تَسْلُبْ القَتْلَى يَدَاهُ ... وَيَسْلُبُ عَفْوُهُ الأسْرَى الوَثَاقَا
стр. 124
يقول: إن سيف الدولة يقتل الأقران، ولا يسلبهم، ويطلق الأسرى ولا يوثقهم، إيثاراً للإبقاء عند الغلبة، واحتمالاً على العفو عند المقدرة.
وَلَمْ تَأتِ الجَميلَ إليَّ سَهْواً ... ولم أظْفَرْ بِهِ مِنْكَ اسْتِرَاقا
ثم قال: ولم تأت ما أوليتنيه من الجميل ساهياً في فعلك، ولا مضيعاً في فضلك، ولا ظفرت به منك ظفر المسترق، ولا قبلته قبول المختلس، ولكني كنت أهلاً لما أسديته، وكنت مصيباً فيما أوليته.
فَأبْلِغْ حَاسِديَّ عَلَيْكَ أني ... كَبَا بَرْقُ يُحَاوِلُ بي لِحَاقَا
كبا الجاري: إذا سقط لوجهه.
فيقول: فأبلغ من يحسدني عليك، أني الذي لا يدرك، والمتقدم الذي لا يلحق، وأن البرق لو سابقني لكبا وقصر، وعجز وتأخر.
وَهَلْ تُغْنى الرَّسائِل في عَدَّو ... إِذا ما لم يَكُنَّ طُبَاً رِقَاقا
ثم قال: والرسائل في العدو غير مغنية، والأقوال فيه غير مجزية، إذا لم تكن الرسائل سيوفاً ماضية، والزواجر أفعالاً واقعة.
стр. 125
إذَا ما النَّاسُ جَرَّبَهُمْ لِبِيبٌ ... فإنَي قَدْ أَكَلْتُهُمُ وَذَاقَا
يقول: إذا ما الناس جربهم لبيب، عالم بأمورهم، خبير بأحوالهم، فموقع ذلك مني على ثبات معرفته، موقع الذائق من الآكل، والمتطرف من المستوعب، لإحاطتي بمعرفتهم، وتمكني في اخيبارهم.
فَلَمْ أرَ ودَّهُمْ إلاّ خِداعاً ... ولم أرَ دِيْنَهُمْ إلا نِفَاقاً
قال، فلم أر ما يتجاوزن به من الود إلا خداعاً ومكادبة، وما يبدونه من التدين إلا نفاقاً وكمظاهرة.
يُقَصِّر عَنْ يَمينكَ كُلُّ بَحْرٍ ... وَعمَّا لم تُلِقْهُ ما ألاقَا
لاق الشيء بالشيء: إذا لصق به وأمسك فيه.
فيقول: يقصر كل بحر عن يمينك، لعظم جودك، واتساع كرمك، ويقل ما يمسكه البحر ويجمعه عند ما تهبه وتبذله.
وَلَوْلا قُدْرَةُ الخَلاَّقِ قُلْنَا ... أعَمْداً كانَ خَلْقُكَ أمْ وِفَاقا
ثم قال: ولولا اتساع قدرة الله ، لقلنا لما اجتمع فيك من
стр. 126
ضروب الخير، وتكامل لك من صنوف الفصل، أتيسر هذا أم قصد، واتفق أم اعتمد، ولكنا لا نقول ذلك لاتساع القدرة عليه.
فَلا حَطَّتْ لكَ الهَيْجاءُ سَرْجَاً ... ولا ذَاقَتْ لَكَ الدُّنيا فِرَاقا
ثم دعا له، فقال: حطت الهيجاء سرجك، بفقدها لك، ولا زلت مالكاً لتدبيرها، ولا ذاقت الدنيا فراقك، وبقيت مصرفاً لأمورها.
стр. 127
وقال يمدحه، ويرثي أبا وائل تغلب بن داود بن حمدان، أنشدها إياه في جمادى الأولى من سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
مَا سَدِكَتْ عِلَّةُ بِمَوْرُودِ ... أكْرَمَ مِنْ تَغْلِبَ بنِ دَاودِ
السدك: المولع بالشيء.
فيقول: ما ولعت علة بمورود نالته، وعليل داومته، أكرم من هذا الهالك تغلب بن داود.
يَأنَفُ من مِيْتَةِ الفِرَاشِ وَقَدْ ... حَلَّ بٍِهِ أصْدَقُ المَوَاعيدِ
ثم قال: يأنف من أن يموت على فراشه، وأن يهلك حتف أنفه، وقد حل به من الموت وما لا يدفعه بأنفته، ولا يرده بشجاعته؛ لأنه أصدق موعود، وختم غير مردود.
وَمِثْلُهُ أنْكَرَ المَماتَ عَلَى ... غَيْر سُرُوجِ السَّوَابحِ القُودِ
السوابح في الخيل: التي تمد أيديها في الجري، والقود: الطوال الأعناق، واحدها أقود.
стр. 128
فيقول: ومثل أبي وائل من الممارسين للحرب، والمتحققين بها، والمقدمين على شدائدها، أنكر الموت على غير سروج الخيل السوابح في طردها، الدالة على الكرم بقودها وحسن خلقها.
بَعْدَ عِثَارِ القَنَا بِلَبَّتِهِ ... وضَرْبِهِ أرؤُّسَ الصَّنَادِيدِ
الصناديد: الملوك.
ثم قال، مؤكداً لما قدمه: بعد استهدافه للرماح، وتعثرها بلبته، واعتصامه منها بحصانة سلاحه، وضربه رؤوس الملوك في وقائعه، وإقدامه عليهم في ملاحمه.
وَخَوْضِهِ غَمْرَ كُلِّ مَهْلَكَةٍ ... للذِّمْرِ فيها فُؤَادُ رِعْدِيدِ
الغمر: مجتمع الماء، فاستعار ذلك من الحرب، والذمر: الشجاع، والرعديد: الجبان.
ثم قال: وبعد خوضه من الحرب أشد مواضعها، واقتحامه على مجتمع مهالكها، حيث يكون قلب الشجاع الجريء، كقلب الجبان الضعيف، أصابه الموت وادعاً في حاله، واخترمه آمناً بين أهله.
стр. 129
فَإنَّ صَبَرْنَا فإنَّنَا صُبُرُ ... وإن بَكَيْنَا فغيْرُ مَرْدُودِ
يقول: فإن صبرنا على هذا المصاب، فنحن متقدمون في الصبر، مستقلون بمؤلم الرزء، وإن بكينا، فغير مردود من نبكيه، ولا مرجو من نحزن عليه.
وَإنْ جَزِعْنَا لَهُ فَلاَ عَجَبُ ... ذَا الجَزْرُ في البَحْرِ غَيْرُ مَعْهُودِ
ثم قال: وإن جزعنا على هذا المفقود، فلا عجب في ذلك، ففقده جليل أمره، والمصاب به لم يعهد مثله. وضرب بالجزر الذي ينتقص البحر مثلا في هذا الرزء، وكنى به عن عظيم هذا الخطب.
أيْنَ الهِباتُ التي يُفَرِّقُها ... عَلَى الرَّزَافاتِ والمَوَاحيدِ
الزرافات: الجماعات، والمواحيد: الأفراد واحدها موحد.
فيقول: أين كرم المفقود، وهباته التي كانت تعم وتخص، وتنال الجماعات فتعمهم. والآحاد فتغمرهم.؟
стр. 130
سَالِمُ أهلِ الوِدَادِ بَعْدَهُمْ ... يَسْلَمُ للحُزْنِ لا لِتَخْلِيدِ
ثم قال: سالم أهل الوداد بعد من يفقدونه منهم، إنما يسلم للحزن والهم والتنغيص والألم، ثم الموت مآلهم، والخلود ممنوع منهم.
فَمَا تُرَجِّي النُّفُوسُ مِنْ زَمَنٍ ... أحْمَدُ حَالَيْهِ غَيْرُ مَحْمُودِ
ثم قال: فماذا ترجيه النفوس من دهر غشوم، متعسف ظلوم، أحمد حاليه للمتمتع بالحياة فيه مذموم منكد، مكروه منغص، بعد حتف يرصده، وحميم يفقده.
إنَّ نُيُوبَ الزَّمَانِ تَعْرِفُني ... أنَا الَّذي طَالَ عَجْمُها عُودي
نيوب الزمان: خطوبه، واحدها نائب، والعجم: العض والمضغ.
فيقول: إن نيوب الزمان تعرفه بتكررها عليه، وتعرضها كثيراً له، وإنها طال ما عجمت عوده، وقصدت بمكارهها نحوه.
стр. 131
وَفيَّ ما قًَارَعَ الخُطُوبَ ومَا ... أنَّسَني بالمصائِبِ المسُّودِ
ثم قال: وفي من الصبر والجلد، والحفاظ والكرم، ما مثله قارع الخطوب فغلبها، وأنسى بسود المصائب وهونها، وهونها، وحذف مما ذكرناه ما في قوة الكلام أن يدل عليه.
مَا كُنْتَ عَنْهُ إذا اسْتَغَاثَكَ يا ... سَيفَ بَنِي هَاشِمٍ بِمَغْمُودِ
وكان أبو وائل، هذا المرثي، قد أسره الخارجي بالشام، واستغاث سيف الدولة، فأسرى إلى الخارجي فقتله، واستنفذ أبا وائل، على ما تقدم في القصيدة التي أولها (إلام طماعية العاذل)، فيقول: ما كنت عنه إذ استغاثك من أسر الخارجي، يا سيف خلفاء بني هاشم، بمغمود عن نصره ولا يغافل عن أمره، بل أصرخت دعوته، وكشفت كربته.
يا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ يا أمْلَكَ ال ... أَمْلاَك طُرَّاً يا أَصْيَدَ الصَّيدِ
الأصيد: الملك المعظم الذي لا يكاد يلتفت لعزته.
ثم قال مرفعاً بسيف الدولة؛ يا أكرم من نذكر من الأكرمين،
стр. 132
وأملك الملوك المعظمين، وأصيد الصيد منهم، وأعز ذوي العزة فيهم.
قَدْ مَاتَ مِنْ قَبْلِها فَأنْشَرَهُ ... وَقْعُ قَنَا الخَطِّ في اللَّغَاديدِ
اللغاديد: واحدها لغدود، وهو ما بين أسفل اللحي من آخره، وموصل العنق في الرأس.
فيقول: قد مات أبو وائل قبل هذه الميتة بالأسر، فأحياه غياثك له، وأنشره إسراعك إليه، وطعن فرسانك برماحهم في مقاتل الآسرين له. وكنى باللغاديد عن ذلك.
وَرَمْيُكَ اللَّيْل بالجُنُودِ وَقَدْ ... رَمَيْتَ أجْفَانَهُمْ بتَسْهيدِ
ثم قال: وإنك رميت الليل سارياً إليهم بجنودك، وقد أسكنت السهاد جفونهم، مسرعاً بهم غير متوقف، ومقدماً غير متخوف، فلو دوفع الموت لدافعته عنه على عادتك، ولو غولب لاستنقذته منه على سجينك. وهذه العبارة وإن لم تكن في لفظة، فقد دل عليها بإشارته.
فَصَبَّحَتْهُ رعَالُها شُزُباً ... بَيْنَ ثُبَاتٍ إلى عَبَاديدِ
الرعال: قطع الخيل، والشزب: الضامرة، والثبات: الجماعات المتآلفة، واحدتها ثبة، والعباديد: الجماعة المتفرقة.
стр. 133
فيقول واصفاً لاستنقاذ سيف الدولة لأبي وائل، وإيقاعه بالخارجي وأصحابه: فصبحتهم رعال الخيل ضامرة، لطول الركض، منها كتائب ثبات مجتمعة، وعباديد مفترقة.
تَحْمِلُ أغْمَادَها الفِداَء لَهُم ... فانْتَقَدوا الضَّرْبَ كالأخَادِيدِ
الأخاديد: حفر في الأرض.
ثم قال: تحمل إليهم عن الفداء الذي طلبوه من أبي وائل، سيوفاً مصلتة، ومنايا حاضرة، فانتقد أصحاب الخارجي عما طلبوه من الفداء، ضرباً أبقى في أجسادهم جراحاً كالأخاديد. يشير إلى شدته وثباته وقوته.
مَوْقِعُهُ في فَرَاشِ هَامِهمُ ... وَريحُهُ في مَنَاخِرِ السِّيدِ
الفراش: طرائق في باطن عظم الرأس، والسيد: الذئب، وأشار به إلى النوع.
ثم قال: موقع ذلك الضرب في فراش رؤوسهم، وريحه في أنوف الذئاب التي تقصدهم. يشير إلى أن هذا الضرب لم يقصر بهم عن القتل،
стр. 134
وأن هذه الوقعة غادرتهم جزر السباع، تنهش أجسادهم، وتتقوت لحومهم.
أفْنى الحَياةَ التَّي وَهَبْتَ لَهُ ... في شَرَفٍ شَاكِراً وَتَسْويدِ
يقول: أفنى أبو وائل حياته، التي كانت هبتك له، في شرف بك وتسويد منك، شاكراً لك على نعمتك، قائلاً بفضل منتك.
سَقيمَ جِسْمٍ، صَحيحَ مَكْرُمَةٍ ... مَنْجُودَ كَرْبٍ غيَاثَ مَنْجُودِ
المنجود: المغاث، يقال نجدت الرجل وأنجدته: إذا أغثته، والمنجود: المكروب.
سقيم الجسم بما شكاه من علته، صحيح الكرم بما استبان من سيادته، منجوداً بك عند كربه، غياث منجود يستغيث به.
ثُمَّ عَدَا قِدَّهُ الحِمَامُ وما ... تَخْلُصُ مِنْهُ يَمينُ مَصْفُودِ
القد: ستر من جلد غير مدبوغ يصفد به الأسير، والتصفيد: ربط اليد إلى العنق.
стр. 135
ثم إذا الموت له كالقد الذي يملك الأسير، فلم يمكنك فكه بقدرتك، ولا تأتي لك غياثه مع عظيم مملكتك، والموت قد لا يتخلص المصفود به، وأسر لا يتمكن غياث المعرض له. وجرى في هذا الكلام على الاستعارة، وذلك على ما قدمناه من بديع الكلام.
لا يَنْقُصُ الهَالِكُونَ مِنْ عَدَدٍ ... مِنْهُ عَليُّ مُضَيَّقُ البِيْدِ
يقول: لا ينقص الهالكون وإن جل أمرهم، وعز فقدهم، من عدد قوم، علي سيف الدولة منهم، وهو الملك الذي تضيق اليد بجمعه، وتغص بجيشه، وكان أبو وائل ابن عمه، فيريد: أن موته لا يوجب نقصاً في عشيرته، وسيف الدولة رئيس جمعهم، ومؤثل مجدهم.
تَهُبُّ في ظَهْرِهَا كَتَائبهُ ... هُبُوبَ أرْوَاحِها المَرَاويدِ
الرياح المراويد: التي تطلب غاياتها، واحدها مرواد. والريادة: الطلب.
ثم قال: تهب كتائبه في ظهور تلك البيد، ممتثلة لأوامره، فتشبه الرياح بسرعتها، وتغالبها بكثرتها.
стр. 136
أَوَلَ حَرْفٍ مِنِ اسمِهِ كَتَبَتْ ... سَنابكُ الخَيْلِ في الجَلاَمِيدِ
السنابك: جمع سنبك، وهو مقدم حافر الفرس.
ثم قال: أول حروف اسمه، صورته صورة ما تثبته سنابك الخيل في ظهور الجلاميد.
يشير إلى أول حروف علي، وهو العين، فيقول: إنه كان فألا يؤذن بانقياد الخيل لأمره، وتصرفها على حكمه.
مَهْمَا يُعَزَّ الفَتَى الأَميرُ به ... فلا بإقْدَامِهِ ولا الجُودِ
الفتى: الشاب المقتبل.
فيقول: مهما فقده الفتى الأمير فعزي به، يشير إلى رئاسته واقتبال شبيبته، فلن يفقد إقدامه وكرمه، وفيهما الخلف الكريم ممن يفقده، والعوض الجميل ممن يعز به.
стр. 137
وَمِنْ مُنانا بَقَاؤُه أَبداً ... حتى يُعَزَّى بِكُلَّ مَوْلُودِ
ثم قال: ونحن نتمنى له بقاء الخلود، حتى يعزي في كل كريم يولد، ويغنى عن كل فاضل يفقد.
стр. 138
وركب سيف الدولة لتشييع عبده يماك، لما نفذ في مقدمته إلى الرقة، وهاجت ريح شديدة، فقال أبو الطيب.
لا عَدِمَ اُلمشَيَّعُ ... لْيتَ الَّرَياحَ صُنَّعُ ما تَصنَعُ
يقول: لا عدم سيف الدولة هذا العبد المحب، والوالي الناصح، ثم أقبل على سيف الدولة، فقال: ليت هذه الريح تحذو حذوك، وتفعل فعلك.
بكرن ضراً وبكرت تنفع ... وسجسج أنت وهن زعزع
وواحد أنت وهن أربع ... وأنت نبع والملوك خروع
السجسج: الريح الطيبة ما بين الحر والبرد، والزعزع: الريح الشديدة المؤذية، والنبع: شجر صلب العود يصنع منه القسي، والخروع: شجر ضعيف العود.
ثم قال: فقد بكرت بضرها، وبكرن بنفعك، وآذات بشدتها، وأحسنت برفقك، فقصرت عنك، وهي أربع، وأنت واحد، وهي كثيرة
стр. 139
وأنت مفرد، فمن شبه الريح بك في كرمك، فقد ظلمك، ومن أضافها إليك في فضلك، فقد جهلك، وكذلك أنت، إذا قرنت الملوك بك، كالنبع إذا قرن الخروع به، تضعف عند صلابة عودك، وتصغر عند جلالة أمرك.
стр. 140
وسايره وهو يريد الرقة، واشتد المطر في موضع يعرف بالثديين، فقال:
لِعَيْنِي كُلَّ يومٍ مِنْكَ حَظٌ ... تَحَيَّرُ مِنْهُ في أمْرٍ عُجَابَ
جِمَالَهُ ذا الحُسامِ على حُسَامٍ ... وَمَوْقِعُ ذا السَّحابِ على سَحَابِ
وزاد المطر، فقال:
تَجِفُّ الأَرضُ من هذا الرَّبابِ ... وَيُخْلِقُ ما كَسَاهَا من ثِيَابِ
وما يَنْفَكُّ مِنْكَ الدَّهْرُ رَطْبَاً ... وَلاَ يَنْفكُّ غَيْثُكَ في انسِكَابِ
وتُسَايرُكَ السَّوَاري والغَوادي ... مُسَايَرةِ الأَحِيَّاءِ الطَّرابِ
وتُفِيدُ الجودَ مِنْكَ فَتَحْتَذِيه ... وَتَعْجِرُ عن خلائِقِكَ العِذَابِ
الحمالة: علاقة السيف، والرباب، السحاب، والسواري من السحاب: التي تطرق بالليل، للغوادي التي تنشا بالصباح.
فيقول: في كل يوم أردد عيني منك في منظر يعجب بحسنه، ويعجز اللسان عن وصفه، ولا يحط العقل بحقيقته؛ لأنك أجل السيوف، وتشرف السيف بحمله، وجودك أنفع من السحاب: ويعتادك السحاب بوجله، فحملك للسيف إِفضال عليه؛ لأنك غني عنه، واستصحابك للسحاب إزراء عليه، لأنك أعم نفعاً منه.
стр. 141
ثم قال الزيادة:
إن سيف الدولة يعمر السحاب بجوده، ويعلمون بفضله؛ لأن السحاب يمطر ويقشع، ويسكب ويقلع، وما يظهر على الأرض من زهراته يذوي ويذبل، ويحل ويرحل، وجود سيف الدولة لا يقلع وبلة، ولا يفتر سكبه، وآثار إحسانه ظاهرة لا تعدم، وشواهده دائمة لا تنصرم، ثم قال: تسايرك السحاب على اختلاف أوقاتها، وتصرف أحوالها، مسايرة من يطرب لصحبتك، ويشاق إلى غرتك. ثم قال: فتشهد من جودك ما لا تعلمه، ويتبين لها من كرمك ما لا تبلغه، فتتلوك ممتثلة لك، وتحكيك مقتدية بك، وتعجز عن شرف خلائقك، ولا تبلغ عذاب شمائلك.
стр. 142
وأجمل سيف الدولة ذكره، فقال أبو الطيب:
أنَا بالوُشاةِ إذا ذَكَرْتُكَ أشْبَهُ ... تَأتي النَّدَى وَيُذَاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
وإذا رَأيْتُكَ دُونَ عِرْضٍ عَارِضاً ... أيْقَنْتُ أنَّ اللهَ يَبْغِي نَصْرَهُ
يقول لسيف الدولة: أنا فيما أنشره من فضلك، وأقول به من كرمك، شبيه بالواشي بك؛ لأني أظهر ما تبغي ستره، وأنشر ما تأبى ذكره، وأنت لا تباهي بإنعامك، ولا تريد سمعة بإحسانك، وإنما كرمك طبيعة منك، وفضلك جبلة فيك، ثم قال: وإذا رأيتك معترضاً دون عرض تحفظ حرمته، وتحمي جهته، أيقنت أن الله يحميه ويحفظه ويقيه؛ لأنه ناصر من تنصره، حافظ من تحفظه.
стр. 143
وأجمل أيضاً ذكره، فقال:
رُبَّ نَجِيْعٍ بِسَيْفِ الدَّوْلَةِ انْسَفَكا ... وَرُبَّ قَافيةٍ غَاضَتْ بِهِ مَلِكَا
مَنْ يَعْرِفِ الشَّمْسَ لا يُنْكِرْ مَطَالِعِهِا ... أَوْ يُبْصِرِ الخَيْلَ لا يسْتَكْرِمِ الرَّمَكَا
تَسُرُّ بالمالِ بَعْضَ المالِ تَمْلِكُهُ ... إنَّ البلادِ وإنَّ العِالَمينَ لَكَا
النجيع: الدم، والرمك: جمع رمكة، وهي الفرس التي تتخذ للنتاج دون الركوب.
فيقول: رب مخالف عصى سيف الدولة، فسفك دمه، ورب معاند له من الملوك سمع شعري فيه، فغاظه حسنه، ثم ضرب لسيف الدولة مثلاً في اختياره لقصده، ومعرفة سيف الدولة بقدره، فقال: من عرف الشمس لم ينكرها، لاختلاف مطالعها، ومن عرف سيف الدولة لم ينكره، لاختلاف مقاصده، وتباين مواضعه، ومن أبصر عتاق الخيل لم يستكرم هجان الرمك، وذلك شأن سيف الدولة في اصطناعه لأبي الطيب، وإعراضه عن حساده؛ لأن موقعه منهم هذا الموقع.
стр. 144
ثم قال: تسر بما تهينه من مالك من تهبه له من قصادك وخولهم، وهم في وقوعهم تحت ملكك، وتصرفهم تحت أمرك، على حسب نهبك وأمرك، كمالك الذي تنفرد بملكه، وتتحكم في أمره، فأنت تسر بمالك مالك، ويوقرك من لا يخرج عن ملكك، فالأرض في قبضتك، وعمروها أهل طاعتك.
стр. 145
وسايره وهو يريد آمد، وتوسط الأجبال، فقال له:
يُؤَمِّمُ ذا السَّيْفُ آمالَهُ ... فَلاَ يَفْعَلُ السَّيْفُ أفْعَالَهُ
إذَا سَارَ في مَهْمَةٍ عَمَّهُ ... وإنْ سَارَ في جَبَلٍ طَالَهُ
وأنْتَ بِمَا نِلْتَنا مَالِكُ ... يُثَمِّرُ مِنْ مالهِ مالَهُ
كأنَّكَ ما بَيْنَنَا ضَيْغَمُ ... يُرَشَّحُ للْفَرْسِ أشْبَالَهُ
المهمة: القفر، والضيغم: الأسد والفرس: دق العنق، والأشبال: جمع شبل، وهو ولد الأسد، والترشيح: التهيئة.
فيقول: يقصد هذا الملك، الذي يشبه السيف به، إلى ما يريده ويأمله، ويعتقده، فلا يفعل السيف في استعجال ذلك فعله، ولا يلحق في إدراكه كشأوه، فإن سار في مهمة بكثرة جيشه، وإن سار في جبل بعلو مجده.
ثم قال، مخاطباً له: وأنت بما نلتنا به من فضلك، وتابعه لنا من بذلك، مالك يثمر ماله بماله، ويحوط ملكه بملكه؛ لأننا لك في وقوعنا
следующие страницы →