Полный текст (567 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أجْرِ الجِيَادَ عَلَى ما كُنْتَ مُجْريّهَا ... وَخُذْ بِنَفْسِكَ في أخْلاَقِك الأُوَلِ
يقول: أجر خيلك على ما كنت تجريها عليه، من غزو الروم، وحماية الثغر، فقد كفاك الله ما كنت تحذره على أخيك من الديلمي، وخذ بنفسك من ذلك فيما تقدم من أخلاقك، وشهر من مذاهبك، واعدل عن السلم إلى الحرب، وعن إلى الجهاد.
يَنْظُرنَ من مقل أدمى أحجتها ... قرع الفوارس بالعسالة الذبل
الأحجة: جمع حجاج، وهو العضم الذي يحيط بالعين، والعسالة: الرماح التي تهتز لطولها، والذبل اليابسة.
ثم وصف حال خيله في السبيل التي ندبه إليها، فقال: ينظرن من مقل أدمى أحجتها قرع الفوارس لها الرمح في حين الطراد، وأشار بذلك إلى ما حضه عليه من غزو الروم.
فلا هَجَمْتَ بِها إلاَّ عَلَى ظَفَرٍ ... ولا وَصَلْتَ بها إلاَّ إلى أمَلِ
ثم قال، داعياً له: فلا الله إلا على ظفر يظهرك به على عدوك، ولا أوصلت إلا أمل يقرب لك به مرادك.
стр. 72
وأمره سيف الدولة بالمسير معه في هذه السفرة فقال:
سِرْ حلَّ حَيْثُ تَحُلُّهُ النُّوَّارُ ... وَأرَادَ فيكَ مُرَادَكَ المِقْدارُ
يقول: سر، جعل الله كل محل تحله روضة مونقة، وحديقة ممرعة، وأجرى المقادير بما تريده، أحكامها بما تحبه.
وإذا ارتَّحَلْتَ فَشَيَّعَتْك سَلامَةُ ... حَيْثُ اتَّجَهْتَ وَدِيمَةُ مِدْرَارُ
الديمة: السحابة، والمدرار: الغزيرة.
ثم قال: وإذا ارتحلت، فصحبك الله بسلامته حيث توجهت، وسقى بلادك كيف تصرفت.
وَصَدَرْتَ أغْنَمَ صادرٍ عن مَوْرِدٍ ... مَرْفُوعَةً لِقُدُومِكَ الأبْصَارُ
يقول: ورجعك الله أظفر راجع عن مقصده، وأصدرك أغنم صادر عن موروده، عزيزاً نصرك، ممتدة الأبصار نحوك.
وَأرَاكَ دَهْرُكَ ما تُحاوِلُ في العِدَى ... حَتَّى كأَنَّ صُرُوفَهُ أَنْصَارُ
وأرَاك دهرك في عدوك ما تحاوله من كبته، وتكفل لك فيه بما تتمناه
стр. 73
في أمره، حتى كأن صروفه تنصرك، باعتمادها له، وخطوبه تعينك، في اغترائها به.
أنْتَ الذي بَجَحَ الزَّمَانُ بِذْكِره ... وتَزَيَّنَتْ بِحَديثهِ الأسْمارُ
بجح الرجل بالشيء: إذا كان يهذي به فرحاً، والسمر: حديث القوم بالليل.
فيقول: أنت الذي كلف بذكره، وزهي بموضعه، وتزين السمر بحديثه، وحسن بما تضمنه من خيره.
وإذَا تَنَكَّرَ فالفَنَاءُ عِقَابُهُ ... وإذا عَفَا فَعَطاؤُهُ الأعْمَارُ
ثم قال: وأنت يقترن الفناء بعقابه إذا غضب، وتستدام الحياة بعفوه إذا رضي، فسخطه هلك، ورضاه نجاة.
وَلَهُ وإنْ وَهَبَ المُلُوكُ مَوَاهِبُ ... دَرُّ المُلُوكِ لِدَرَّهَا أغْبَارُ
الدر: اللبن الكثير، والغبر: بقية اللبن في الضرع، وجمعه أغبار.
فيقول: إن لسيف الدولة، إذا فذوكرت مواهب الملوك، مواهب
стр. 74
عظيمة، وعطايا جليلة، كثير مواهب الملوك يقل عندها، وعظيمها يصغر فيها، وضرب الدر مثلا للكثير، والغبر مثلاً للقليل.
لله قلبك ما يخافُ من الرَّدَى ... وتخاف أنْ يَدْنُو إليك العَارُ
ثم قال: لله قبلك لا تهاب الموت وسطوته، ولا تخاف الردى وشدته، وتخاف دنو العار إليك، وتشفق من وصمته، وتتوقع قبح أحدوثته.
وَتَحيدُ عن طَبَعِ الخلائقِ كُلِّهِ ... وَيَحسدُ عَنْكَ الجَحْفَلُ الجَرَّارُ
ثم قال: وتحيد عن جميع ما يدنس الخلق ويعيبه، والجحفل الجرار يحيد عنك، وذو البأس الشديد يفرق منك.
يا مَنْ يَعِزُّ الأعِزَّةِ جَارُهُ ... وَيَذِلُّ في سَطَواتِهِ الجّبَّارُ
стр. 75
يقول: يا أيها الملك الذي تتواضع الأعزة لجاره، وتذل الملوك لأمره، وتعترف لجلالة قدره.
كُنْ حَيْثُ شِئْتَ فما تُحُولُ تَنُوفَةُ ... دُونَ اللَّقَاءِ ولا يَشُطُّ مَزَارُ
البتنوفة: الفلاة، ويشط: يبعد.
ثم قال: كن كيف شئت من الطعن والإقامة، والاستقرار والرحلة، فما يمنعني الفلوات وتجشمها من لقائك، ولا يعوقني بعد المزار، ونأي المقصد عن صحبتك.
وَبِدُونِ مَا أنَا مِنْ وِدَادِكَ مَضْمِرُ ... يُنْضَى المَطِيُّ ويَقْرُبُ المُسْتَارُ
المستار: موضع المسير.
ثم قال: وبدون ما أضمره من ودك، وأعترف به من فضلك، يهون الشديد، ويستقرب البعيد، وينضى المطي، ويهجر الوطن، ويستسهل السفر، فكيف أمتنع منك أو أتأخر على حال عنك؟
إنَّ الَّذي خَلَّقْتُ خَلْفي ضَائِعُ ... مَا لي عَلَى قَلقي إليه خِيَارُ
стр. 76
يقول: إن الذي خلقت ممن يهمني أمره، ويلزمني حفظه، ضائع بمغيبتي، محتل بمفارقتي، وما لي على قلقي إليه خيار أؤثره، ولا مراد اقصده.
وإذا صُحِبْتَ فَكُلُّ مَاءٍ مَشرَبُ ... لولا العِيالُ وكُلُّ أرضٍ دَارُ
ثم يقول: وإذا صحبتك فكل ماء أنزل به مشرب استعذبه، وكل أرض أسير فيها وطن أتخيره، لولا العيال وضيعتهم، والأهل وخلتهم.
إذْنُ الأميرِ بأنْ أعوُدَ إليهِمُ ... صِلَةُ تَسِيرُ بشُكْرِهَا الأشْعَارُ
ثم قال: وإن الأمير في أن أعود إليهم، وإسعافه في أن أشرف عليهم، صلة تسير الأشعار بشكرها، وتتقيد بما يضع عندي من فضلها.
стр. 77
وقال يرثي أبا الهيجاء عبد الله بن سيف الدولة، وتوفي بميافارقين.
أنشدها في صفر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
بِنَا مِنْكَ فَوْقَ الرَّمْلِ ما بِكَ في الرَّمْلِ ... وَهَذا الذي يُضْني كذَاكَ الذي يُبْلي
يقول: بنا من السقم بعدك، والأسف لفقدك، وضنى الأجسامِ لمصيبتك، وتغيرها لرزيتك، وإن كنا على ظاهر الأرض، كالذي بك في باطنها، من بلى جسمك، وتغير الترب لحسنك، وهذا الذي يضني أجسامنا كذاك الذي يبلى جسمك.
كأنَّكَ أبْصَرْتَ الَّذي بي فَخِفْتَهُ ... إذا عِشْتَ فاخْتَرْتَ الحِمَامَ عَلَى الثُّكْلِ
الحمام: الموت، والثكل: فقد الحبيب.
ثم قال: كأنك أبصرت الذي ألقاه من الحزن عليك، وأقاسيه من الوجد بك، وعلمت أن الدنيا مجبولة على فقد الأحبة، وإعدام الأعزة، فآثرت الموت على الثكل، واخترت الحمام على الحزن.
تَرَكْتَ خُدُودَ الغَانِياتِ وَفَوْقَها ... دُمُوعُ تُذِيبُ الحُسْنَ في الأعْيُنِ النَّجِل
стр. 78
يقول: تركت خدود الغانيات من نوادبك، والمنعمات من بواكيك، وفوقها دموع مسفوحة عليك، منهملة لمصابك، كأنها ذوب الحسن في العيون الباكيات بها، وصابته في الجفون المذرية لها.
تُبلُّ الثَّرى سُوْداً مِنَ المِسْكِ وَحْدَهُ ... وَقَدْ قَطَرَتْ حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
الشعر الجثل: الكثير الملتف، والعين النجلاء: الواسعة الحسنة، والجمع نجل.
ثم قال: يقطر من الجفون والخدود على الأصداغ، وقد حمرها الدم، وتبل الأرض من الأصداغ، وقد سودها المسك. فأشار إلى حال بواكيه في النعيم والرفعة، وما هن ببسيله من حر المصيبة.
فَإنْ تَكُ في قَبْرٍ فإنك في الحَشَى ... وإنْ تَكْ طِفْلاً فالأسَى لَيْسَ بالطَّفْلِ
يقول: فإن تك في قبر تضمنك، ولحد قد سترك، فإن مثالك في القلب ساكن، ومحلك في الحشا لطيف، وإن تك طفلاً في سنك، وصغيراً فيما انصرم من
عمرك، فإن الرزء بك ليس بالصغير، والحزن عليك ليس باليسير.
стр. 79
ومِثْلُكَ لا يُبْكَى على قَدْرِ سِنِّهِ ... ولكِنْ عَلى قَدْرِ المْخِيْلَةِ والأصْل
المخيلة: السحابة التي يتأكد الرجاء في مطرها، وبها سميت الدلالة الصادقة في الشيء مخيلة.
يقول: ومثلك لا يبكى على قدر سنه، وما انصرم من يسير عمره، ولكن على قدر مخيلة نجابته، وما يتيقن من جليل سيادته، وما يعليه من أصيله الكريم، ويسمو به من نسبه الرفيع.
أَلَسْتَ مِنَ القَوْمِ الذي مِنْ رِمَاحِهمْ ... نَدَاهُمْ وَمِنْ قَتْلاَهُمُ مُهْجَةُ البُخْلِ
يقول: ألست من القوم الذين كرمهم من سلاحهم، ونداهم من رماحهم، ومهجة البخل من قتلاهم، فهم يسطون على الأعداء بما يرتهنونهم به من الفضل، ويتكلمونهم بما يشيعون فيهم من الجود.
بِمَوْلُودِهمْ صُمْتُ اللِّسَانِ كَغَيْرهِ ... ولَكِنَّ في أعْطَافِهِ مَنْطِقَ الفَضْلِ
عطف الرجل: جانبه من رأسه إلى وركه.
стр. 80
ومولودهم إذا أصمتنه الحيلة، ومنعته من الكلام الطفولة، نطقت السيادة من أعطافه منطق فصل، وشهدت له مخايل الكرم شهادة عدل.
تُسَلِّيهُمُ عَلْيَاؤُهُمْ عَنْ مُصَابهم ... وَيَشْغِلُهُمْ كَسْبُ الثَّنَاءِ عن الشُّغُلِ
يقول: يسليهم الكرم عن مصائبهم، ويوجب لهم الصبر في فجائعهم، ويشغلهم كسب الثناء عن الشغل بغيره، فيحتارون من فضله بحسب اعتنائهم بأمره.
أقَلُّ بِلاَءً بالرَّزَايا مِنَ القَنَا ... وأقْدَمُ بَيْنَ الجَحْفَلَيْنِ مِنَ النَّبْلِ
البلاء: المبالاة.
فيقول إن رهط سيف الدولة أقل مبالاة بالرزايا من الرماح المتوقعة، وأنقذ بين الجحفلين المتقاتلين من السهام المرسلة،
стр. 81
فشبههم لجرأة أنفسهم، وجلدهم على
الرزايا إذا طرقتهم، بالرماح والسهام، التي تصيب ولا تصاب، وتهاب ولا تهاب.
عَزَاَءكَ سَيْفَ الدَّولةِ المُقْتَدَى بِهِ ... فإنِّكَ نَصْلُ والشّدَائِدُ للنَّصْلِ
ثم قال لسيف الدولة: (عزاءك المقتدى به، فإنك نصل) بمعنى: تعز عزاءك المقتدى به، فأنت الأسوة في صبرك، والأوحد في كرمك فضلك، وأنت سيف، والشدائد للسيف، يكشفها بحدثه، وينفذ فيها بصرامته.
مُقِيمُ من الهَيْجَاءِ في كُلِّ مَنْزِلِ ... كأنَّكَ مِنْ كُلِّ الصَّوارِمِ في أهْلِ
يقول: أنت مقيم في كل منزل الحرب، تأنس بها، ولا تستوحش لها، حتى كأن صوارمها أهلك، وأسلحتها المتوقعة رهطك، تنصرك ولا تخذلك، وتظفرك ولا تظفر بك.
وَلَمْ أرَ أعْصَى مِنْكَ لِلحُزْنِ عَبْرَةً ... وأثْبَتَ عَقْلاً والقُلُوبُ بلا عَقْلِ
ثم قال: إن عبرته تتعاصى على الحزن؛ لما هو عليه من الجلد والصبر، وإنه أثبت الناس عقلاً إذا أذهبت الحرب العقول بشدتها، وأذهلتها بمخافتها، يشير بذلك إلى استسهاله لأمرها، واستقلاله بحملها.
стр. 82
تَخُونُ المَنَايا عَهْدَهُ في سَلِيلِهِ ... وَتَنْصُرُهُ بَيْنَ الفَوارِسِ والرَّجْلِ
السليل: الولد.
فيقول معجباً بأمره، ومنبهاً على جلالة قدره: وإن الموت حتم من الله تعالى على جميع خلقه. تخالفه المنايا فتخترم نفس ابنه، وتخون عهده في سليله وتنصره في حربه، وتطيعه عند مواقعته بعدوه، وفي هذا شاهد على أن الموت لا يدفع بقوة، ولا يمتنع منه برفعة.
وَيَبْقَى عَلَى مَرَّ الحوادِثِ صَبْرُهُ ... وَيَبْدُو الفِرَنْدُ على الصَّقْلِ
الفرند: وشيء السيف.
ثم قال: إن الحوادث لا تذهب بصيره، ولا تخل بجلده، ولكنها تبقي ذلك وتظهره،
وتبديه وتبينه، كما يبدي فرند السيف صقله، ويظهر بجلائه فضله.
وَمَنْ كَانَ ذَا نَفْسٍ كَنَفْسكَ حُرَّةٍ ... فَفيهِ لها مُغْنٍ وفيها له مُسْلي
ثم قال: ومن كان ذا نفس حرة كنفسك، وذا طبيعة كريمة كطبيعتك، ففي جلالته ما يغني نفسه عن كل حميم يفقده، وفي كرم نفسه ما يسليه عن كل مهم يطرقه.
стр. 83
وما الموتُ إلا سَارِقُ دَقَّ شَخْصُهُ ... يَصُولُ بِلاَ كَفَّ وَيَسْعَى بلا رِجْلِ
يقول: وما الموت الذي لا يؤمن في حين الغفلة، ولا يدفع بأشد الحيلة، إلا كسارق مختلس، خفي شخصه، شديد أمره، يصول دون كف يظهرها، ويسعى دون رجل ينقلها، وذلك أشد لبطشه، وأسرع لسعيه.
يَرُدُّ أبُو الشَّبْلِ الخميسَ عن ابنِهِ ... وَيُسْلِمُهُ عِنْدَ الوِلادَةِ للنَّمْلِ
الشبل: ولد الأسد، والخميس: الجيش الكبير.
ثم قال، دالاً على أن حوادث الدهر، لا يمتنع منها بقوة، ولا يدفع محتومها بشدة: يرد الأسد الجيش عن ابنه، ويسلمه لأذى النمل عند ولادته، فيحميه من العظيم الكثير، ويسلمه للحقير اليسير، وضرب في ذلك مثلاً بقيام سيف الدولة بجليل الأمور، وهو مع ذلك لا يدفع الموت عن ابنه، ولا يمتنع منه بنفسه. يريد أنه يعجز عن المخاتلة من لا يعجز عن المبارزة.
بِنَفْسِي وَلِيدُ عَادَ مِنْ بَعْدِ حَمْلِه ... إلى بَطْنِ أمٍّ لا تُطْرِّقُ بالحَمْلِ
стр. 84
التطريق بالحمل: أن يخرج بعض الولد ويبقى بعضه.
فيقول: بنفسي ولد عاد من بعد حمل أمه إلى بطن أم لا تطرق بحملها، ولا تبدي ما استتر من بطنها. فأشار بذلك إلى الأرض، وأنها لا تبدي قبورها من أجنته، ولا تطرق بمن تضمنته.
بَدَا وَلَهُ وَعْدُ السَّحابَةِ بالرِّوَي ... وَصَدَّ وَفِينَا عُلَّةُ البَلَدِ المَحْلِ
الروي: الماء الكثير، والغلة: العطش.
ثم قال: بدا ذلك الوليد وشواهد الكرم بادية عليه، ومخايله ظاهرة فيه، فوعد من فضله بمثل ما يعد به السحاب من وبله، ثم صد باخترام الموت له، فأبقى بأنفسنا مثل غلة البلد الممحل، إذا منع من السحاب الممطر.
وَقَدْ مَدَّتِ الخَيْلُ العِتَاقُ عُيونَها ... إلى وَقْتِ تَبْديل الرِّكَابِ مِنَ النَّعْلِ
الخيل العتاق: هي الكرام.
فيقول: وقد مدت الخيل الكرام أعينها إليه، وتنافست عتاقها فيه،
стр. 85
وارتقبت أن يصير من السن إلى حال يتعوض فيها بالركاب من النعل، وبركوب الخيل من المشي.
وَرِيْعَ له جَيْشُ العدوَّ وما مَشَى ... وَجَاشَتْ له الحربُ الضَّروس وما تَغلى
جاشت القدر: إذا غلت وهاجت، فاستعار ذلك في الحرب، والضروس: الشديدة الغص، والروع: الفزع.
ثم قال: وفزع له جيش العدو، وهو في سن من لا يمشي؛ لصغره، وغلت الحرب الشديدة باهتياجها، لاعتدادها بموضعه، قبل أن يباشرها بنفسه، وتستعمل فيها ما يرتقب من سعيه، وجرى الكلام في جاشت على الاستعارة، وإن كان ما وصفه غير مشهور الحقيقة.
أيَفْطِمُهُ التَّوْرابُ قَبْلَ فِطامِهِ ... وَيَأكُلُهُ قَبْلَ البُلوغِ إلى الأكْاش
الفطام: منع الصبي من الرضاع، والتوراب: لغة في التراب.
فيقول: أيفطمه التراب باشتماله عليه، قبل بلوغه سن الفطام؟
стр. 86
ويأكل جسمه بإبلائه له قبل بلوغه سن الأكل؟ يشير إلى اخترام الموت له في سن الطفولية.
وَقَبْلَ يَرَى مَنْ جُودِهِ ما رَأيْتَهُ ... وَيَسْمَعَ فيه ما سَمِعْتَ مِنَ العَذْلِ
ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: وقبل أن يرى من عموم جوده ما رأيته، ويشهد من
كثرته ما شهدته، ويسمع من العذل فيه كالذي سمعت، ويعرض عنه كما أعرضت. ودل بكثرة العذل عليه، علي قلة إصغائه غليه، وحذف أن من كلامه، وهو يريدها في قوله: (وقبل يسرى). والعرب تفعل ذلك: قال الشاعر وهو طرفه.
(ألا أيُّهذا الزَّاجري أحْضُرَ الوَغَى)
يريد: أن أحضر، فحذف لدلالة الكلام على ما أراد.
وَيَلْقَى كَما تَلْقَى من السَّلْمِ والوَغَى ... وَيَمْسِي كَمَا تَمْسِي مَلِيكاً بلا مِثْلِ
يقول: ويلقى كالذي تلقاه من عظيم سلطانك، وارتفاع شأنك
стр. 87
في السلم وجلالة قدرك، ومشهور ظفرك في الحرب، ويصير في حالك ملكاً لا يماثل ملكه، وسلطاناً لا يعترض أمره.
تُوَلَّيه أوسَاطَ البِلاَدِ رِمَاحُهُ ... وَتَمْنَعُهُ أطْرَافُهُنَّ من العَزْلِ
ثم قال: توليه رماحه قواعد البلاد، ووسائط الأرض، بتغلبه عليها، وتمنعه أطراف تلك الرماح، برهبة الأعداء لها، من أن يعزل عنها، وطابق بين الولاية والعزل، والأوساط والأطراف، وذلك من البديع.
نُبَكِّي لِموْتَانَا على غَيْرِ رَغْبَةٍ ... تَفُوتُ من الدُّنيا ولا مَوْهبٍ جَزْلِ
يقول: نبكي على موتانا، ونحزن لهم، ونكثر الأسف لفراقهم، ونحن نتيقن أنهم لا يفوتهم من الدنيا ما يرغب في مثله، ولا يمنعون منها ما يجب أن يتنافس في نيله؛ لأنها بجملتها غرور، وتمنع من بقي فيها بصحبتها يسير.
إذا ما تأمَّلْتَ الزَّمانَ وَصَرْفَهُ ... تَيَقَّنْتَ أنَّ الموتَ ضَربُ مِن القَتْلِ
стр. 88
ثم قال: إذا ما تأملت الزمان وصروفه، وتدبرت الدهر وخطوبة، تيقنت أن ما حتم على الإنسان من الموت، كالذي يتوقعه من القتل؛ لأن الأمرين متساويان في مكروههما، متماثلان فيما يشاهد من عدم الحياة بهما، فما ظنك بشيء يكون آخر
مصيره إلى أكره ما يحذر من أموره، وهذا يوجب الزهد في الدنيا، ويدعو إلى الإعراض عنها، وقلة الأسف عليها.
هَلْ الوَلَدُ المَحْبُوبُ إلاَّ تَعِلَّةُ ... وهل خَلْوةُ الحسناءِ إلا أذَى البَعْلِ
التعلة: الشغل.
فيقول: هل الولد المرغوب فيه إلا شغل لوالده، وفتنة لمنسله، وهل خلوة الحسناء التي تدعو إليه إلا أذى للبعل المتعرض لها؛ لأنه غير مستديم للذتها، ولا حامد للنسل في عاقبتها.
وَقَدْ ذُقْتُ حَلْوَاَء البَنيْنَ على الصِّبَا ... فلا تَحْسِبنِّي قُلتُ ما قُلتُ عن جَهْلِ
والحلوى: معروفة، واسمها يستعار لكل ما استحلي.
ثم قال: وقد ذقت حلاوة البنين في حين الصبوة، والعدم لحقيقة
стр. 89
المعرفة، ثم لحظتهم بعين اليقين، بعد تجربتي لأمرهم، وإحاطتي بعلمهم، فلا تحسبني ذممتهم عن غير معرفة، وزهدت فيهم دون تجربة.
وما تَسَعُ الأزْمَانُ عِلْمِي بأمْرِها ... ولا تُحْسِنُ الأيَّامُ تَكْتُبُ ما أمْلي
يقول، مؤكداً لما قدمه من إحاطته بالأمور، وما خض عليه من الزهد في الدنيا، وقلة الأسف على التولد: وما تسع الأزمان ما أعلمه من أمرها، وأتيقنه من شدة تكدرها. يريد أنها تضيق عن علمه وتقصر، وتعجز عن الاشتمال عليه وتتأخر، وأنها لا تحسن أن تكتب من ذلك ما يمله، وتضبط ما يعده.
وما الدَّهْرُ أهلُ أنْ تُؤَمَّلَ عِنْدَه ... حَيَاةُ وأنْ يُشْتَاقَ فيه إلى نَسْلِ
ثم قال: وما يحسن بالدهر المذموم أمره، الشديد تنكره، أن تؤمل عنده حياة، أو يشتاق فيه إلى نسي؛ لأن مآل الحياة فيه إلى الموت، ومآل
стр. 90
النسل فيه إلى الفقد بعد طول الشغل والنصب، ومعاناة الكد والطلب، وما كان كذلك، فالسرور يسير بوجوده، والحزن غير واجب عند فقده.
стр. 91
وسأله عن صفة فرس ينفذه إليه، فقال ارتجالاً.
مَوْقِعُ الخَيْلِ مِنْ نَدَاك طَفيفُ ... وَلَوْ أنَّ الجيَادَ مِنْها ألُوفُ
ومن اللَّفْظِ لَفظةُ تَجْمَعُ ... الوَصف وذاكَ المُطَهَّمُ المَعْرُوفُ
ما لَنا في النَّدَى علَيْكَ اختِيارُ ... كُلُّ مَا يَمْنَحُ الشَّريفُ شَريفُ
الطفيف: الحقير، والمطهم من الخيل: التام الخلق. فيقول: موقع الخيل حقير في جودك، والألوف منها يسير في بذلك، ثم قال: ومن اللفظ قليل يجمع الكثير من النعت، ولفظة تشتمل على جملة الوصف، في الخيل، المطهم التام خلقه، المعروف المشهور عتقه، ثم قال: وما لنا في نداك اختيار عليك، أنت الشريف، وشريف ما تهبه، والرفيع، ورفيع ما تبذله.
стр. 92
وخيّره بين فرسين: دهماء وكميت، فقال ارتحالاً:
اخْتَرْتُ دَهْمَاَءتَيْنِ يا مَطَرُ ... وَمَنْ لَهُ في الفَضَائِلِ الخِيَرُ
الخيرُ: جمع خيرة، وخيرة الشيء: أرفعه.
فيقول لسيف الدولة: اخترت دهماء هاتين الفرسين، وأسقطها التي للتنبيه، كما تقول في المذكر: اخترت أفضل دين، وأنت تريد هاذين، وشبهه بالمطر في عموم جوده، وتدفق كرمه، فقال له: يا مطر، ويا من له من الفضائل أجلها رتبة، وأبينها رفعة.
وَرُبَّما فَالَتِ العيونُ وَقَدْ ... يَصْدُقُ فِيها وَيَكْذِبُ النَّظَرُ
قال الشيء: إذا أخطأ.
ثم قال: ربما أخطأت العيون فيما تؤثره، وغلطت فيما تتخيره، فالنظر يصدق ويكذب، ولست أبرئ نفسي من ذلك، فيما تخيرته. واستحسنته.
أنْتَ الذي لو يُعَابُ في مَلاءٍ ... ما عيبَ إلاَّ بأنَّهُ بَشَرُ
стр. 93
يقول أنت الذي لو يعيبه عائب في ملا يحصلون قوله، ويراقبون كذبه وصدقه، ما عيب إلا بأنه بشر يماثل في كرمه وفضله.
وإنَّ إعطاءهُ الصَّوارِمُ وال ... خَيْلُ وسُمْرُ الرِّماحِ والعَكَرُ
العكر: ثلاث مائة من الإبل، فما زاد على ذلك.
ثم قال: وإن إعطاءه، السلاح التي توجب المنعة، والخيل التي تقرب البغية، والكثرة العظيمة من الإبل التي تضمن الثروة، فعائبه لا يعيبه إلا بيان فضله، وتناهي كرمه. وهذا من البديع باب يعرف بالاستثناء.
فَاضِحُ أعْدائهِ كأنَّهُمُ ... لَهُ يَقِلُّونَ كُلّما كَثُرُوا
يريد: أنه يفضح أعداءه، بظهور فضله فيهم، واستحكام غلبته عليهم حتى كأنهم كلما كثروا يقلون له؛ لأنه يحتقرهم، ويملكهم ويستذلهم، ويقهرهم.
أعَاذَكَ اللهُ مِنْ سِهَامِهِمُ ... وَمُخطِئُ مَنْ رَمِيَّهُ القَمَرُ
ثم دعا له، فقال: أعاذك الله مما يرمونك به من كيدهم، ويوجهونه إليك من مكرهم، وإعاذة الله لك مضمونة، وكفايته متيقنة؛ لأنك القمر في بيان فضلك، وعلو قدرك، ومخطئ من رميه القمر؛ لأنه يحاول ما لا يدركه، ويرمي ما لا يبلغه.
стр. 94
وأمر سيف الدولة بإنفاذ خلع إليه، فقال:
فَعَلَتْ بِنَا فِعْلَ السَّمَاءِ بأرْضِهِ ... خِلَعُ الأميرِ وَحَقَّهُ لم نَقْضِهِ
السماء: المطر.
فيقول: فعلت خلع الأمير بنا، فيما ظهر علينا من حسنها وجمالها، فعل المطر بالأرض، فيما يكسوها من الروض، ويظهر فيها من الزهر.
فَكَأنَّ صِحَةَ نَسْجِها مِنْ لَفْظِهِ ... وَكَأنَّ حُسْنَ نَقَائِها مِنْ عِرْضِهِ
ثم وصف تلك الخلع، فقال: فكأن صحة نسجها تحكي من سيف الدولة صحة لفظه، وكأن حسن رونقها يحكي رونق عرضه.
وإذَا وَكَلْتَ إلى كَريمٍ رَأيَهُ ... في الجُودِ بانَ مَذِيقُهُ مِنْ مَحْضِهِ
المذيق: المخلوط، والمحض: الخالص.
ثم قال: وإذا وكلت إلى الكريم رأيه في الجود، كشف لك حقيقته، وأبان لك يقينه، وعرفت بما يبديه لك، فضل ما بين المذيق والمحض، وفرق ما بين المشوب والصفو.
стр. 95
وقال أيضاً يمدحه:
لا الحُلْمُ جَادَ بِهِ ولاَ بِمِثَالِهِ ... لَوْلا ادِّكارُ وزِيَالِهِ
الزيال: كالزوال، يقال: زال الشيء زوالاً، وزالت الخيل بركبانها زيالاً، تقلب الواو ياء للكسرة التي قبلها.
فيقول: إن الأحلام لم يكن في قوتها أن تجود بمن أحبه فتقربه، ولا بما يشبهه فتمثله، لولا ما يدعو إلى ذلك من وكيد التذكير لوداعه عند فرقته، وزياله عند رحلته.
إنَّ المُعيدَ لَنَا المَنامُ خَيَالهُ ... كَانَتْ إعَادَتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ
ثم قال: إن المحبوب الذي أعاد لنا النوم خياله، كانت تلك الإعادة لخفه وقعتها، وتقاصر مدتها من ذلك الخيال، كالخيال الذي لا حقيقة له، ولا شفاء للعاشق به.
بِتْنَا يُنَوِلنا المُدَامُ بكَفِّهِ ... مَنْ لَيْسَ يَخْطُرُ أن نَراهُ بِبَالِهِ
ثم وصف حاله عند زيارة الطيف له، وما قرب بذلك من البعيد وأمكنه من العسير، فقال: إنه بات يتناول المدام من كف محبوبه،
стр. 96
وذلك المحبوب لا يخطر بباله رؤيته، لتباعده عنه ولا يتوهمها، لانفصاله بالمسافة المتراخية منه.
نَجْني الكَواكِبَ مِنْ قَلائِدِ جِيدهِ ... وتنالُ عَيْنَ الشَّمْسِ من خَلْخَالِهِ
ثم شبه جواهر عقود محبوبه بالكواكب، ولمعان خلاله بعين الشمس، وذكر أنه بات يجني الكواكب من تلك القلائد، بتناوله لها، وينال عين الشمس من تلك الخلاخل، بلمسه إياها، فأحرز صواب التشبيه فيما شبه به، مما لا زيادة عليه في حسن المنظر، وامتناع الموضع. وأشار إلى المعانقة والملامسة أحسن إشارة، وغير عنهما ألطف عبارة.
بِنْتُمْ عَنِ العَيْنِ القَريحَةِ فِيكُمْ ... وَسَكَنْتُمْ وَطَنَ الفُؤادِ الوَالِهِ
فَدّنَوْتُمُ وَدُنُوُّكُمْ مِنْ عِنْدهِ ... وَسَمَحْتُمُ وَسَماحُكُمْ مِنْ مَالِهِ
الفؤاد: القلب، والوله: ذهاب العقل لشدة الحب
فنقول: بنتم عن العين القريحة من مواصلة البكاء لبينكم، وسكنتم وطن الفؤاد الواله بحبكم، المشغول بذكركم، المقصور على تمثلكم،
стр. 97
فأدناكم الحلم من عاشقكم في نومه، بذكره لكم، وقربكم الوهم منه في يقظته، لشغفه بكم، فذلك الدنو من عنده، ولا من عندكم، وذلك السماح من ماله، لا من قبلكم. وأجرى ذكر السماح والمال على طريق الاستعارة.
إنِّي لأبْغِضُ طَيْفَ مَنْ أحْبَبْتُهُ ... إذَ كَانَ يَهْجُرُنَا زَمَانَ وِصَالِهِ
يقول: إنه يبغض طيف محبوبه مع كلفه به، ويكرهه مع ارتياحه له؛ لأنه كان يهجره في زمان الوصل، ولا يطرقه مع التئام الشمل.
مِثْلَ الصبَابَةِ والكآبَةِ والأسَى ... فَارَقْتُهُ فَحَدَثْنَ من تَرْحَالِهِ
ثم قال: مثل الصبابة والكآبة والأسى، فارقت من أحب، فحدثن بفرقته، وعدمته، فشكوتهن بعد رحلته، وكذلك الطيف، إنما زار في زمان الهجر، وطرق عند امتناع الوصل.
وقد استَقَدْتُ مِن الهَوَى وأذَقْتُهُ ... مِنْ عِفَّتي ما ذُقْتُ منْ بَلْبَالِهِ
البلبال: شدة الوجد.
стр. 98
فيقول: وقد أخذت قودي من الهوى، وأذقته من الأسف بالعفة، التي سهلت لي خلافه، كالذي أذاقني من الألم ببلابله، والتحمل للواعجه.
وَلَقَدْ ذَخَرْتُ لِكُلِّ أرضِ سَاعةً ... تَسْتَجْفِلُ الضِّرْغَامَ عَنْ أشْبَالِهِ
الاستجفال: الاستعجال.
ثم قال: ولقد ذخرت للأرض وقعة أوقعها، وساعة أثور فيها، تستعجل الضرغام بشدتها عن شبله، وتجعل له أوكد شغل في نفسه
تَلْقَى الوُجُوهُ بها الوجُوهَ وَبَيْنَها ... ضَرْبُ يَجُول الموتُ في أجْوَالِه
الأجوال: النواحي، واحدها جول.
ثم وصف تلك الساعة، فقال: إن وجوه الأبطال الذين لا ينكصون، يلقى بعضها بعضاً، وبينها ضرب شديد، وجلاد وكيد، يكثر الموت فيه،
стр. 99
ويجول في نواحيه. وجانس بقوله يجول الموت في جواله؛ لأن حروف الأصل في يجول وفي أجواله واحدة، والمراد بالكلمتين مختلف، واتفاق هذا في الكلام هو التجنيس، وهو من البديع.
وَلَقَدْ خَبَّأتُ مِنَ الكلامِ سُلافَهُ ... وسَقَيْتُ مَنْ نَادَمْتُ من جِرْيَالِهِ
السلاف والسلافة: ما سال من الخمر دون أن يعصر، والجريال: صيغ أحمر، وما اشتدت حمرته من الخمر، يسمى جريالاً على المشابهة.
فيقول: إنه خبأ من الكلام أسهله وأفضله، وما هو منه كالسلاف في ضروب الخمر، وأظهر منه ما لا يدفع فضله، ولا ينكر حسنه، كالجريال في أنواعها، إلا أن الذي أظهره مع تقدمه دون الذي خبأه. يشير بهذا إلى قدرته على الكلام وإحاطته به.
وإذَا تَعَثَّرَتِ الجِيادُ بِسَهْلهِ ... بَرَّزْتُ غَيْرَ مُعَثَّرٍ بِجِبَالِهِ
ثم قال: وإذا بعد سهل الكلام على أهل الإحسان، وصعب انقياده لهم، صعوبة المقامات التي توجب ذلك، برزت هنالك غير مقصر في
стр. 100
غوامض القول، ولا متعثر في بدائع الشعر. وكنى (بالسهل) عما قرب من الكلام، (وبالجبال)، عما غمض منه، (وبالجياد)، عن أهل الإحسان، فاستعار هذه الألقاب أحسن استعارة، وأشار إلى إحسانه أبدع إشارة، وكل ذلك من بديع الكلام.
وَحَكَمْتُ في البَلَدِ العَراءِ بناعِجٍ ... مُعْتَادِهِ مُجْتَابِهِ مُغْتَالِهِ
العراء: الأرض الفضاء التي لا يستثر فيها، والناعج من الجمال: الأبيض، وذلك من دلائل كرمه، والمجتاب للبلد: الذي يقطعه، والمغتال له: الذي يستوفي غايته.
فيقول: إنه اقتدر على الفقر العراء بجمل معتاد للسير فيه، مستضلع بالقطع له،
مستقل ببلوغ غايته، فحكم في هذا الفقر، بركوبه جملاً هذه صقته.
يَمْشي كَمَا عَدَتِ المَطِيُّ وَرَاءهُ ... وَيزِيدُ وَقْتَ جَمَامِها وكَلالِهِ
العدو: ضرب من الجري.
стр. 101
ثم قال: إن هذا الجمل لقوته يساوي بمشيه جري غيره من المطي، فيستظهر بمشيه على عدوها، وبعفوه على جهدها، فتصير وراءه، ويزيد على ذلك عند كلاله وجمامها، وتعبه وراحتها، فما ظنك به إذا تساوت الحال وذهب عنه الكلال؟
وَتُراعُ غَيْرَ مُعقَّلاتٍ حَوْلَهُ ... فَيَفُوتُها مُتَجَفَّلا بِعِقَالِهِ
وتراع المطي حول هذا الجمل، وكلها لا عقال عليه، وهو معقول بينها، فتفر هذا الجمل لفراها، فيفوتها مسرعاً، وهو بعقاله، وهي مطلقة ويتقدمها موثقاً برباطه، وهي مجتهدة. والمتجفل: المسرع.
فَغَدَا النَّجَاحُ وَرَاحَ في أخْفَافِهِ ... وَغَدَا المِرَاحُ وَرَاحَ في إِرْقَالِهِ
المراح: النشاط.
يقول: إنه أعمل هذا الجمل في قصد هذا الرئيس، فاقترن الظفر بسيره، والفوز والغبطة بسفره، وبلغه والنجاح يغدو ويروح في أخفاف مطيته، والنشاط يحملها، والقوة تنهض بها.
стр. 102
وَشَرِكْتُ دَوْلَةَ هَاشِمٍ في سَيْفِهَا ... وَشَقَقْتُ خِيْسَ المُلْكِ عَن رِئْبَالِهِ
الرئبال: الأسد: والخيس: أجمته.
يقول: إنه شرك دولة هاشم في هذا الرئيس، الذي هو سيفها، فاختاره لقصده، كما اختاره الملك لنفسه، ووصل إلى دار سلطانه، ورفيع مكانه، فأبدى له مستقر تلك المنعة، وموضع تلك الرفعة، عن أسد الملك المانع منه، وسيفه المدافع عنه، وكنى بالرئبال عن سيف الدولة، وبالخيس عن بلده.
عَنْ ذَا الَّذي حُرِمَ اللَّيوثُ كَمالَهُ ... يُنْسِي الفَريسَةَ خَوْفَهُ بجَمَالِهِ
الفريسة: ما اختطفه الأسد، فدق عنقه.
فيقول إنه شق خيس الملك عن الأسد، الذي حرمت الأسد كماله، ومنعت خصاله؛ لأنه يشركها ببأسه، ويفوتها بحسنه، فهي منسوبة إلى القبح، وهو لحسنه ينسي فريسته خوفه بجمال وجهه، ويشغلها ببهائه عما تتوقعه من بأسه.
وَتَواضَعَ الأمَراءُ حَوْلَ سَرِيرهِ ... وتُرِى المَحَبَّةَ وهي من آكَالِهِ
الآكال: جمع أكل.
стр. 103
ثم قال: إنه لشدة هيبته، وارتفاع رتبته، تتواضع الأمراء حول سريره، وتعتصم بالخضوع له، وتريه محبتها، وليست من أشكاله، وتتودده، وهي من آكاله.
وَيُمِيتُ قَبْلَ قِتَالِه، وَيَبَشُّ ... قَبْلَ نَوَالِهِ، وَينِيلُ قَبْلُ سُؤَاِلِه
البشاشة: الاستبشار.
فيقول إن هذا الممدوح يميت بهيبته قبل أن يقاتل، ويستبشر بنواله قبل أن يعطي، وينيل من يقصده قبل أن يسأل.
إنَّ الرِّياحَ إذا عَمدْنَ لِنَاظِرٍ ... أعْنَاهُ مُقْبِلُهَا عن استعْجَالهِ
ثم ضرب له مثلاً، في قوته على ما يقصده، وقدرته على ما يفعل، بالريح في قوة هبوبها، وعجلة مسيرها، فقال: وكذلك الرياح إذا اعتمدت الناظر إليها، أغناه سرعة حلولها عن استعجالها في مسيرها.
أعطَى وَمَنَّ على الملوكِ بِعَفْوِهِ ... حَتَّى تَسَاوَي النَّاسُ في إفْضَالِهِ
يقول: أعطى، فغم بفضله، واقتدر على الملوك المرتفعين عن
стр. 104
تقبل العطاء، فمن عليهم بعفوه، وكان صفحه عنهم من أوفر العطاء عندهم، فتساوى، الملوك والسوق فيما شملهم من إفضاله، وتماثلوا فيما أحاط بهم من إحسانه.
وإذا غَنُوا بِعَطَائِهِ عن هَزِّهِ ... وإلى فأغْنَى أن يَقُولوا وَالِهِ
ثم قال: وإذا أغنى كرمه عن مسألته، وابتداؤه للعطاء عن هزه وإلى ذلك وتابعه،
وأعاده وواصله، فأغنى احتماله عليه من تحريكه بالمسألة إليه.
وَكَأنَّما جَدْوَاهُ من إكْثَارهِ ... حَسَدُ لسائِلِهِ على إقْلاَلِهِ
الجَدْوَى: العطاء.
فيقول: وكأنما عطاؤه لكثرته، وما هو عليه من مواصلته، استكراه منه للمال، وحسد للسائل على الإقلال.
غَرَبَ النُّجُومُ فَغُرْنَ دُونَ هُمُومِه ... وَطَلَعْنَ حِيْنَ طَلَعْنَ دُونَ مَنَالِهِ
الهم والهمة بمعنى واحد.
ثم قال: إن النجوم مع ارتفاع مواضعها، وانتزاح مغاربها
стр. 105
ومطالعها، تغرب مقصرة عما تبلغه همته، وتطلع متواضعة عما يدركه تناوله.
واللهُ يُسعِدُ كلَّ يَوْمٍ جَدَّهُ ... وَيَزيدُ من أعْدَائِهِ في آلِهِ
يقول: والله يمده في كل يوم بكرامة يصلها به، وسعادة يجددها له، ويظفره بمن ناوأه، ويظهره على من عاداه، ويجعلهم بعد العداوة أتباع أمره، وأنصاراً لحزبه.
لَو لَمْ تَكُنْ تَجْري عَلى أسَيافِهِ ... مُهَجَاتُهُمْ لَجَرَتْ عَلَى إقْبَالِهِ
ثم قال: لو لم يهلكهم بوقائعه، وتجري مهجاتهم على سيوفه، لتكفل له بذلك إقبال جده، وما أظهره الله من تمكنه وسعده.
فَلِمثْلِهِ جَمعَ العَرَمْرَمُ نَفْسَهُ ... وَبِمِثلْه انفَصَمَتْ عُرَا أَقْتَالِ
العرموم: الجيش الكثير، والأقتال: الأعداء، والواحد قتل، والانفصام: الانقطاع
فيقول: فلمثل سيف الدولة جمعت الجيوش أنفسها، وسلمت
стр. 106
طاعتها، إعظاماً لقدره، بفضله، وبمثله من أهل الحزامة، والمتقدمين في الرياسة، انفصمت عرا أعدائه، وانحل عقدهم، وانفل حدهم.
لم يَتْركوا أثَرَاً عَلَيْهِ مِنَ الوَغَى ... إلاَّ دِمَاَءهُم على سِرْ بَالِهِ
ثم قال، مشيراً إلى استنفاذه لأعدائه، بقتله لهم، وبلوغه المراد منهم: لم يتركوا
عليه للحرب أثراً يظهره، وشاهداً يتكلفه؛ لاستغنائه عن ذلك ببلوغ البغية فيه، إلا ما في ثوبه من دمائهم، التي سفكتها صوارمه، وأجرتها وقائعه، وهذا من البديع يعرف بالاستثناء.
يا أيُّها القمرُ المُباهي وَجْهَهُ ... لا تُكْذَبَنَّ فَلَسْتَ من أشْكالِهِ
يقول: يا أيها القمر الذي يباهي وجه سيف الدولة بنوره، ويساجله بحسنه، لا تكذبن عن نفسك، فهو أبهى منك وأحسن، وأضوء منك وأنور، وله في البأس والكرم رتب لا تبلغها، ومنازل لا تستحقها، فلست ممن يشاكله ويضاهيه، ويماثله ويساويه.
وإذَا طَمَا البَحْرُ المُحِيْطُ فَقُلْ لَهُ ... دَعْ ذا فإنَّك عاجِزُ عَنْ حَالِهِ
ثم قال: وإذا طما البحر المحيط، وطموه: ارتفاعه، فقل له: دع ما
стр. 107
تظهره، فكرم سيف الدولة يغمرك، ومواهبه تحقرك، وأنت عاجز عن رتبته، ومقصر عن جلالته ورفعته.
وَهَبَ الّذي وَرِثَ الجُدودَ وما رَأى ... أفْعالَهُمْ للابْنٍ بلا أفْعَالِهِ
ثم قال: (وهب الذي ورث الجدود)، والعرب تسقط حرف الجر مع ورث، فتعمل الفعل، والحرف ثابت في النية، فيقول أحدهم: ورثت أبي ماله، وهو يريد: ورثت من أبي ماله، وأنشد سيبويه:
وَرِثْتُ أبي أخْلاَقَهُ: عاجِلَ القِرَى ... وَعْبْطَ المَهارِي كُومُها وشبُوبُها
يريد من أبي.
فيقول أبو الطيب: إن سيف الدولة لسعة فضله، وعموم جوده، وهب الذي ورثه من جدوده، وأشار بهذا إلى استنفاذه لجمعه، واستيعابه لكسبه؛ لأن نفقة التالد بعد نفقة الطارف، ولم يقنع بما خلده جدوده من المجد، وأسلفوه من الجود، دون أن يتلوهم بفعله، ويماثلهم، ولا رأى أن أفعال
стр. 108
الآباء تشرف الابن، إذا لم تشرفه
أفعاله، وترفعه أحواله، نحو قول الجعدي:
لِسْنَا وإن كَرُمَتْ أوائِلُنا ... يَوْماً على الأحْسَابِ نَتَّكِلُ
حَتَّى إذا فَنِيَ التُّراثُ سِوَى العُلاَ ... قَصَدَ العُدَاةَ مِنَ القَنَا بِطِوَالِهِ
قم قال: حتى إذا أفنى البذل تراثه، واستوعب طارفه وتالده، ولم يبق من ذلك إلا العلا التي خلدها، والمكارم التي شيدها، طلب المال مغالبة، فقصد عداه بطوال رماحه، واستعمل فيهم صوارم سيوفه.
وبأرعَنٍ لَبِسَ العَجَاجَ إلَيْهِمِ ... فَوْقَ الحَديدِ وَجَرَّ مِنْ أذْيالهِ
الرعن: أنف الجبل، والأرعن: الجيش الكبير التي تكون له فضول، كفضول الجبال ورعونها.
стр. 109
فيقول: إن سيف الدولة قصد أعاديه بجيش ضخم، له رعون وفضول، يلبس ما يثيره من العجاج فوق ما يلبس فرسانه من السلاح، ويجر أذياله لوفوره، ويسحبها إلى العدو في مسيره.
فَكَأنَّما قَذِي النَّهَارُ بِنَقْعهِ ... أوْ غَضَّ عَنْهُ الطَّرْفَ من إجلالِهِ
القذى: ما وقع في العين فعاقها عن النظر، والنفع: الغبار.
ثم قال: إن ذلك العجاج طمس ضياء النهار بشدته، حتى كأنه قذي بغباره، أو غض طرفه عنه، لمخافته وإجلاله. يشير بذلك إلى تغلب الإظلام على نوره، واستيلاء العجاج على ضوئه.
الجَيْشُ جَيْشُكَ غَيرَ أنَّكَ جَيْشُهُ ... في قَلْبِهِ وَيَمِينِهِ وَشِمَالِهِ
يقول: الجيش جيشك في امتثاله لأمرك، وتصرفه على إرادتك، وأنت جيشه في أنه إنما يشجع بشجاعتك، ويقدم بك، وتهابه الأعداء من أجلك. هذه حالك في قلبه، ويمينه وشماله، فإذا امتنع الرؤساء بجيوشهم، فأنت تمنع جيشك، وإذا احتموا بجموعهم، فأنت تحمي جمعك.
تَرِدُ الطَّعَانَ المُرَّ عَنْ فُرْسَانِهِ ... وَتُنازِلُ الأبْطَالَ عَنْ أبْطَالِهِ
стр. 110
ثم قال: يسبق فرسانه إلى الطعان، فيرد قبلهم مرة، ويسبق أبطاله إلى النزال، فيصلي دونهم حره.
كُلُّ يُريدُ رجالهُ لحِياتِهِ ... يا مَنْ يريدُ حَياتَهُ لِرجالِهِ
ثم قال: كل الأمراء غيرك يريد الرجال ليستبقي حياته، وأنت تريد الحياة لتسبقيني رجالك، وتحفظ جمعك، جندك.
دُونَ الَحلاوةِ في الزَّمان مَراَرةّ ... لا تُخْطَى إلا على أهواله
يقول: دون حلاوة الظفر، ولذة بلوغ الأمل، مرارة من الغرر، ومشقة من الخطر، لا تتجاوز تلك المرارة إلا بمقارعة أهوال الزمان وشدتها، والتعرض لمحنتها وصعوبتها، وضرب هذا مثلاً فيها قدمه، والمثل أرفع وجوه البديع.
فَلِذاكَ جَاوَزَها عَليُّ وَحْدَهُ ... وَسَعى ُبمْنُصِلِه إلى آمالِه
ثم قال: فلذلك انفرد علي بجواز تلك المرارة، وتخطي تلك الصعوبة، وسعي إلى أمله بسيفه، واقتدار على مراده بعزمه.
следующие страницы →