← Адаб

Адаб · id 37065

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الأول

ابن الإفليلي

Полный текст (567 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال يمدحه، ويذكر بناءه مرعش، في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة). فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا يقول: فديناك بأنفسنا من ربع موحش، ومنزل مقفر، وإن زدتنا كرباً، بدروس رسومك، وتغير طلولك، فإنك كنت للشمس، من حبائبا التي كنا نهتدي بنورها، ونستضيء بوجهها، مشرقاً تطلع لنا منك، ومغرباً تستتر عنا فيك. وكيف عرفنا رسم من لم يدع لنا ... فؤاداً لعرفان الرسوم ولا لبا ثم قال: وكيف عرفنا رسم من أذهلنا بعده، وأطاش عقولنا نأيه، فلم يدع لنا فؤاداً نهتدي به في سؤال رسومه، ولا لباً نستعمله في معرفة طلوله. نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بأن عنه أن نلم به ركبا الأكوار وأحدها كور، والإلمام: الزيارة.

стр. 247

فيقول: نزلنا عند إلمامنا بهذا الربع عن أكوار ركائبنا، إعظاماً لقدر من بان فضله عنه، وإيجاباً له، وأكبرناه عن أن نلم به ركابنا، لا نمشي نحوه وزوراً لا نخضع عنده. نَذُمَّ السحابَ الغُرَّ في فِعْلها بِهِ ... ونُعْرِضُ عَنْها كُلَّما طَلَعَتْ عَتْبَا الغر من السحاب: الغزار، والعتب: الموجدة. ثم قال: نذم غزار السحاب فيما تفعله بهذا الربع، من تغيير معالمه، وتعفية رسومه، ونعرض عنها، عند طلوعها، لذلك عاتبين، ونكثر ملامتها متسخطين. وَمَنْ صَحِبَ الدُّنَيا طَوِيلاً تَقَلَّبَتْ ... عَلَى عَيْنهِ حَتَّى يَرَى صِدْقَها كِذْبَا الكذب والكذب والكذاب والكذاب: كل ذلك بمعنى. ثم قال: ومن صحب الدنيا فأطال صحبتها، وعرفها وتحقق خبرتها، تصرفت به أحوالها، واختلفت عليه أمورها، حتى يصير صدقها عنده كذباً لا يثق به، وحقها باطلاً لا يسكن إليه، وضرب هذا مثلا في اختلاف الحال به وبأحبته في القرب والبعد، والقطيعة والوصل.

стр. 248

وَكَيْفَ التِذَاذِي بالأَصَائِل والضُّحى ... إذا لم تُعِدْ ذاكَ النَّسيمُ الذي هَبَّا النسيم: هبوب الريح. فيقول: وكيف ألتذ بالأصائل وبردها، وبالغدوات وحسنها، وهذه الأوقات أكرم أوقات الزمان، وسائر الأوقات تابعة لها، وجارية على حكمها، إذا لم تعد لي هذه الأوقات النسيم الذي هب بوصل الأحبة، ولذ بقربهم، وطاب بتداني محلهم. ذَكَرتُ بهِ وَصْلاً كَأنْ لم أَفُز بِهِ ... وَعَيْشَاً كَأَنَّي كُنْتُ أَقْطَعُهُ وَثْباً ثم قال: ذكرت بذكر ذلك النسيم وصلا انصرم، فكأني لم أفز بنيله، وعيشاً ذهب، فكأني وثباً سرت في قطعة؛ يريد: أنه لم ينتفع بما سلف له من الوصل، وأنه يستقصر ما تقدم له من هني العمر. وَفَتانَةَ العَيْنيْنِ قَتَّالَةَ الهَوَى ... إذا نَفَحتْ شَيْخاً رَوَائِحُها شَبَّاً نفح الطيب: سطوع ريحه.

стр. 249

فيقول: وذكرت فتانة العينين، بفتورهما وسحرهما، قتالة الهوى، بتمكينه من النفوس، واستيلائه عليها، إذا نفحت روائح طيبها شيخاً، جددت شبيبته، وصرفت إلى التصابي نيته. لها بَشَرُ الدُّرَّ الذي قُلَّدَتْ بِهِ ... وَلْم أَرَ بَدْرَاً قَبْلَهَا قُلَّدَ الشُّهْباَ البشر: جمع بشرة، وهي ظاهر جلد الإنسان، واستعار ذلك في الدر، والشهب: النجوم. ثم قال: إنها تقلدت من الدر ما يشبه النجوم بحسنه، ويماثلها بارتفاعه في جنسه، وإن بشرها بشر ذلك الدر حسناً وبهجة، وصفاء ورقة، ولم ير قبلها بدراً ضمنت الكواكب عقوده، واشتملت عليها قلائده. فأشار بهذه العبارة إلى أن محبوبته هي البدر في حقيقتها، والقمر الطالع عند أهل التأمل لها. فَيَا شَوْقِ ما أَبْقَى وَيَاليِ مِنَ الهَوَى ... ويا دَمْعِ ما أَجْرَى ويا قَلْبِ ما أصْبَا

стр. 250

قوله: (فيا شوق ما أبقى ويالي من الهوى) ذكر سيبويه أن المنادي إذا أضاف منادى إلى نفسه أسقط ياء الإضافة، وترك الكسرة دالة عليها، في لغات أكثر العرب، ومنهم من يثبتها، فأستعمل أبو الطيب ما عليه الأكثر من إسقاطها فقال: يا شوق، ويا دمع، ويا قلب، وحذف المنادي وهو ينويه من قوله: (ويالي من الهوى)، والعرب تفعل ذلك مع اللام المكسورة، فيقول قائلهم: يا للعجب، يريد: يا قوم أدعوكم للعجب، روى ذلك سيبويه وغيره، وحذف العائد على ما التي للتعجب، فقال: ما أبقى، وهو يريد: ما أبقاه ثقة بفهم المخاطب، وبدلالة الكلام على ما قصده، والعرب تفعل ذلك في الكلام، وتستعمله كثيراً في الشعر. فيقول، معجباً بشدة حاله: فيا شوق ما أبقاه، وأشد مداومته، ويا قوم اعجبوا لي من الهوى الذي لا أعدمه، ويا دمع ما أجراه وأسرعه، ويا قلب ما أصباه وأجزعه. لَعقدْ لَعِبَ البَيْنُ المُشِتُّ بها وبي ... وَزَوَّدّني في السَّيْرِ ما زَوَّدَ الضَّبَّا تقول العرب: إن الضب يستنشق الريح فيغنيه عن الماء، وإنه

стр. 251

لهذا أصبر الحيوان على العطش، وبحسب حاجته إلى الريح، يرتقبها، وبضرورته إليها يعتني بطلبها. فيقول: لقد لعب البين بها وبي، يريد: محبوبته، فشتت ما التأم من شملنا، وأبعد ما اتصل من قربنا، وزودني بعد رحلتها وانتزاح دارها، ما يتزود الضب من تنسم الريح، فأنا أستشرف إلى هبوبها، فما هب منها من نحو بلادها أنست به، وسكنت إليه، وارتحت له، وحرصت عليه. وعشاق العرب يفعلون ذلك ويذكرونه كثيراً في أشعارهم، فأشار أبو الطيب بذكره الضب، إلى هذا المعنى أحسن إشارة، ودل عليه أبين دلالة. وَمَنْ تَكُنِ الأُّسْدُ الضَّواري جُدُودَهُ ... يَكُنْ لَيْلُه صُبْحاً وَمَطْعَمُهُ غَصْبَا ولما ذكر انقطاع الأسباب بينه وبين محبوته، وتقلب الأحوال به وبها، وتصريف الزمان له ولها، أخذ في ذكر بعض ما تصرف فيه، فقال: ومن تكن أنجبته الأسود الضارية، وولدته السباع العادية، كان ليله صبحاً لكثرة سراه فيه، ومطعمه غصباً لخفة الاغتصاب عليه. وأَشار بهذه الحال إلى نفسه، فأبان عن صرامته وشدتهن ودل على اعتزامه وقوته.

стр. 252

ولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثاً تناولت أَم كسبا ثم قال: ولست أبالي إذا أدركت معالي الأمور وحزتها، واشتهرت بها ونلتها، أكان ذلك بميراث احتزته، أم بكسب استفدته، فالمرء إنما يشرف بفعله، ويرتفع بنفسه. فَرُبَّ غُلاَمٍ عَلَّمَ المجدَ نَفْسَهُ ... كَتَعْليمِ سَيْفِ الدَّولةِ الدَّوْلَةَ الضَّرْبَا ثم قال: فرب غلام اكتسب المجد بنفسه، وتعلم الكرم بطبعه، كسيف الدولة الذي علم الدولة الضرب، ونهج لها الجلاد والطعن، فدبرها، والسيوف مدبرة، وصرفها والسيوف مصرفه. وهذا الخروج باب من البديع يعرف بالاستطراد، وقد تقدم ذكره. إذا الدَّوْلَةُ اسْتَكْفَتْ بِهِ في مُلِمَّةٍ ... مَفَاها فَكانَ السَّيفَ والكَفَّ والقَلْبا يقول: إذا طرقت الدولة ملمة، واعترضتها من الحوادث مهمة، كفاها ذلك واستقل به، وجلاه وتجرد له، ففعل السيف، وبطش بطش الكف، ودبر تدبير القلب، واكتفى في جميع ذلك بنفسه، ولم يفتقر فيه إلى غيره، وهذا التصنيف باب من أبواب البديع يعرف بالتقسيم. تُهَابُ سيوفُ الهِنْدِ وهيَ حَدائِدُ ... فكيفَ إذا كانَتْ نِزَارَّيةً عُرْبا ثم قال: تهاب سيوف الهند وهي حدائد لا تعقل، ومصرفات يفعل بها

стр. 253

ولا تفعل، فكيف ظنك بها إذا كانت عربا نزارية، وصريحة في الشرف تغالبية؟ يشير إلى سيف الدولة، لأنه من بني تغلب، وتغلب من ربيعة، وربيعة بن نزار. ويُرْهَبُ ناب اللَّيثِ واللَّيْثُ وَحْدَهُ ... فكيف إذا كان الليوثُ له صَحْبا ثم قال: ويرهب ناب الليث، والليث وحده، وليس له جيش يعضده، ولا جمع يؤيده، فكيف بأسد تصحبه الأسود، وتمثيل أمره، وتطيعه ولا تخالف رأيه؟ يشير إلى سيف الدولة، وأنه الأسد في بأسه، ويفضله بسلطانه وجيشه. ويُخْشَى عُبَابُ البَحْرِ وهو مَكَانَهُ ... فَكَيْفَ بِمْنَ يَغْشَى البلادَ إذا عَبَّا عباب السيل: مقدمة، وعبه: تدفعه. فيقول: ويخشى عباب البحر، ويرتقب بأسه، وهو مقصور على مكان لا يتعداه، ومستقر لا يتخطاه، فكيف ببحر إذا عب غشى البلاد فأدرك بعيدها، واستباح منيعها؟ يشير إلى سيف الدولة، وأنه البحر الذي لا تمتنع منه مطالبه، ولا تتعذر عليه مقاصده.

стр. 254

عَليمُ بأَسْرَارِ الدَّيانَاتِ واللُّغَى ... لَهُ خَطَرَاتُ تَفْضَحُ النَّاسَ والكُتْبَا ثم قال: إنه عليم بأسرار الديانات، وما يعتقده أهلها، عالم بوجوه اختلافها، وما يقول به المحتجون لها، له خطرات وبدائع تفضح الناس بدقتها، وتدل على ما قصرت الكتب فيه بصحتها. فَبُوركتَ مِنْ غَيْثٍ كَأَنَّ جُلوَدنا ... به تُنْبتُ الدَّيبَاجَ والْوَشْيَ والْعَصْبا بوركت: أي اعتمدت بالبركة، والعصب،: ضرب من البرد. فيقول لسيف الدولة: فبوركت من ملك جواد يشبه الغيث بجوده، ويفعل ما يفعله بكرمه، فإذا أنبتت الأرض على الغيث ضروب النبات، وأصناف الزهرات، فإن جلودنا تنبت على عطاياه ضروب الوشي، وأنواع الديباج والعصب. وَمنْ وَاهبٍ جَزْلاً وَمْن زَاجرٍ هَلاً ... ومن هَتِكٍ دْرِعاً ومِنْ نَاثرٍ قُصْبَا

стр. 255

هلا: كلمة يزجر بها الخيل إذا استدعت القرار والثبات، والقصب: المعي. ثم قال: وبوركت من واهب يهب جزلاً، ويزجر الخيل عند شدائد الحرب بهلا، ويهتك بطعانه دروع الفرسان، وينثر برماحه قصب الأقران. هَنِيْئَاً لأَهْلِ الثَّغْرِ رَأيكَ فِيهمُ ... وَأنَّك حِزْبَ اللهِ صِرتَ لُهمْ حِزْبا ثم يقول: هنيئاً لأهل ثغر الشام حسن رأيك فيهم، وما أظهرته من تهممك بهم، وأنك يا حزب الله ويا ناصر دينه، ومعلي كلمته، صرت لهم حزباً، تحميهم وتمنعهم، وتحوطهم وتعضدهم. وَأَنَّك رُعْتَ الدَّهْرَ فِيْها وَرَيْبَهُ ... فأن شاَء فَلْيُحْدِثْ بِسَاحَتِها خَطْبَا ثم قال: (وأنك رعت الدهر فيها)، فأنث، وقد قدم ذكر الثغر، والثغر مذكر، وهذا تفعله العرب إذا تركت اللفظ وحملت على المعنى، قال الله (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفْرَدوسَ هُم فيها خَالدون) والفردوس مذكر، يقولون: الفردوس الأعلى، ولكنه أنث لما أراد

стр. 256

الجنة، وهو أعلم. وقال الشاعر: وإن كلاباً هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر فأنث البطن، وهو مذكر، لما أراد القبيلة، وكذلك أنث أبو الطيب الثغر لما أراد الأرض والمدن، فيقول: هنيئاً لمدن الثغر، رعت فيها الدهر وأفزعته، وزجرت عنها ريبة وذعرته، فإن أحب أن يعلم مبلغ جهده، فليحدث بساحتها منكراً من فعله، فسيعلم كيف دفعك لخطوبة، وكيف ردك لحوادثه وصروفه. فَيَوْماً بِخَيلِ تَطرُدُ الرَّوم عنهم ... وَيَودٍ الفَقْرَ والْخَدّْبا ثم قال: فيوفاً تحوط أهل الثغر تطرد الروم عنهم، وتمنعهم منهم ويوماً تحوطهم بجود تبسطه فيهم، وكرم تمطره عليهم، وتكف لذلك الفقر عن جميعهم، وتبعد به الجدب عن بلادهم وتعوضهم الخصب من اليسار من العدم.

стр. 257

سَرَايَاكَ تَتْرَى والدُّمستق هارب ... وأصحابه قتلى وأمواله نهبى نهبى: على وزن فعلى، أسم لما نهب. فيقول: سراياك في بلاد الروم متتابعة، وغزواتك إليهم متصلة، والدمستق هارب عنك، متوقع لك، وأصحابه قتلى وقائعك، وأمواله أنهاب عساكرك. أتي مَرْعَشاً يَستَقْرِبُ البُعْدِ مُقْبِلاً ... وأَدْبَرَ إذ أَقْبَلْتَ يَسْتَبْعِدُ القُرْبَا مرعش: حصن بناه سيف الدولة في بلاد الروم. ثم قال، يريد الدمستق: أتي مرعشاً مبادراً لك، مغتنماً فيها لمغيبك، ويستقرب البعد لشدة سيرى، ويستدنيه بسرعة عدوه، فلما علم بتوجهك نحوه، واعتقادك قصده، أدبر منهزماً، والقريب يبعد لفرقه منك، والداني ينتزح عنه لمخالفته لك. كذا يترك الأعداء من يكره القنا ... ويقفل من كانت غنيمته رعبا ثم يقول، من قصد مرعش: كذا يترك الأعداء، ويفر عنهم، من كره

стр. 258

الطعان، ولم يصبر على مضضها، وأشفق منها ولم يوطن على ألها. وهكذا يفقل مغلوباً من كان الرعب غنيمته، والفرار من الأعداء غايته. َوَهلْ َردَّ عَنهُ بالُّلقَانِ وقُوفه ... صُدُور الَعَوالي وُالمطَهَمةَ الُقَّبا المطهمة: الحسنة الخلق، والقب: الضامرة البطون، يريد: الخيل. ثم قال، زارياً عليه، وباسطة لعذره في هزيمته: وهل أغنى عنه وقوفه باللقان وتجلده؟ وهل منع ذلك منه صدور الرماح المسددة، وحملات الخيول القب المطهمة؟ فلا لوم عليه في فراره إذا كان الوقوف لا ينفعه، ولا حظ له في التجلد، إذا كان التجلد لا يعصمه. مَضَى بَعْدَما التفَّ الرَّمَاحَانِ ساعة ... كما يتلقى الهدب في الرقدة الهدبا قوله: (بعدها التف الرماحان ساعة)، الرماحان يريد: رماح أصحاب سيف الدولة ورماح الروم، وثنى الجمعين، لأنه جعلهما حيزين، فثناهما، كان كل واحد منهما اسم على حياله، والعرب تفعل

стр. 259

ذلك قال الشاعر: فَتَنَازَلاً فَتَوَافَقَتْ خَيْلاَهُما ... وكِلاَهُما بَطَلُ اللَّقَّاءِ مُخَدَّعُ فثنى الخيل وهي جمع، لما جعلها حيزاً بنفسه. فيقول: وهو يريد: الدمستق، مضى بعد أن حميت الحرب، واشتد الطعن، وتشاجرت الرماح، واختلفت بها أيدي الفرسان فتلاقت كما تتلاقى أهداب العين في الرقدة، واختلطت على تناه من الالتفاف والكثرة. وَلكنَّهُ وَلَّى وَللطَّعْن سَوْرَةُ ... إذَا ذَكَرَتْها نَفْسُهُ لَمَس الجَنْبا السورة: البطش والعجلة.

стр. 260

ثم قال: ولكنه مع هذه الموافقة، وشدة هذه المقاومة، انهزم وذل، وولى وفر، وللطعن سورة واستعلاء وشدة، إذا تذكرت نفسه ذلك لمس جنبه متفقداً له، وشاكا في أن لا يحل الطعن به. وَخَلَّى العَذَاري والْبَطاريِقِ والْقُرى ... وشُعْثُ النَّصَارى والقَرابينَ والصُّلْبَا شعث النصارى: عبادهم. ثم قال: وخلى العذارى من أهل ملته، والبطاريق من أنصار دعوته، والمدن الجامعة لأهل عمله، والمتبتلين من نضاراه، والصلبان التي يعبدها، والقرابين التي يتوسل إلى آلهته بها، يتحكم المسلمون في جميع ذلك؛ بالسبي والقتل، والتخريب والنهب، والتغير والنسف. أرى كلنا يبغي الحياة بسعيه ... حريصاً عليها، مستهاماً بها صبا ثم، يقول مشيراً إلى أن الدمستق فر بنفسه، وأقدم عليه سيف الدولة بجنده: أرى كلنا يبغي الحياة بما يفعله، ويسعى لها فيما يقدره، حرصاً عليها، وإيثاراً لها، وصبابة بحبها.

стр. 261

فَحُبُّ الجَبانِ النفَّسْ أَوْردهُ التُّقَى وَحُبُّ الشُّجَاعَ النَّفْسَ أَوْرَدَهُ الحَرْبا ثم بين ذلك، فقال: فحب الجبان لنفسه زين له التقية والإحجام، وحب الشجاع لنفسه زين له التجلد والإقدام، وكلاهما مع اختلاف تناولهما، رأى أنه مصيب في فعله، محتاط على الحياة بسعيه. وَيَخْتلفُ الرَّزْقَانَ والْفِعْلُ وَاحِدُ ... إلى أنْ تَرَى إحْسانَ هَذَا لذا ذَنْبا ثم قال: وقد يختلف الرزقان، وتتباين الفائدتان، والفعل واحد، والتناول متفق، حتى يذنب الرجل فيما يحسن غيره به، ويخطئ فيما يصيب سواه في مثله، كركاب البحر الذين يتفق فعلهم، ويختلف في التجارة والهلاك أمرهم، هذه أحوال الزمان، والسبيل في مقاصد الإنسان. فَأَضْحَتْ كَأَنَّ السُّورَ مِنْ فَوْقُ بَدْؤُهُ ... إلى الأَرْضِ قَدْ شَقَّ الكَواكب والتُّرْبا وقوله: (كأن السور من فوق) ضم آخر فوق لما وضعه موضع المعرفة، وقطعه عن الإضافة التي هي أصله، وهي العلة في بناء قبل

стр. 262

وبعد على الضم، قال الشاعر في مثل ذلك: لَعَنَ الإَلهُ بنَ مُسافرِ ... لَعْنَاً يُشَنُّ عَلَيْهِ من قُدَّامُ فبنى قدام على الضم لما قطعها عما تستحقه من الإضافة في الأصل، واختاروا لهذه الظروف البناء على الضم، وعدلوا عن الفتح والكسر؛ لأن الفتح والكسر يدخلان عليها في حين إضافتها، فاختاروا لها في حين البناء حركة لم تكن لها في حين التمكن. فيقول، وقد استوفى وصف الحال في هزيمة سيف الدولة للدمستق على مرعش: فأضحت، يريد: هذه المدينة، وكأن سورها ابتدئ من أعلاه، لارتفاع بنيته، وشدة منعته، وعجز الروم عما حاولوه في جهته، فكأنه لما هو عليه من بعد الغاية، وتمكن القوة، قد شق الكواكب وزاحمها، واخترق الأرض وداخلها، فلا سبيل إليه، ولا طمع للعدو فيه. تَصُدُّ الرَّياحُ الهوَّجُ عنها مَخَافةً ... وتَفْزَعُ فيها الطيرُ أن تَلْقُطَ الحَّبا الهوج من الرياح: الشداد.

стр. 263

ثم قال، مؤكداً لما تقدم: تصد الرياح الهوج عن هذه المدينة، مخافة لمعارضة سورها لها، وتيقنا أنه يقطع دون غايتها بها، وتفزع الطير من أن تلقط الحب في ذراه، وتتصرف آمنة في أعلاه، وأخبر عن المدينة، وهو يريد السور؛ لأن السور بعضها. وَتَرْدي الجِيَادُ الجُرْدُ فَوْقَ جِبَالها ... وَقَدْ نَدَف الصَّنْبرُ في طُرْقِها العُطْبا الصنبر: ريح باردة، في غيم، والعطب: القطن، والرديان: ضرب من الجري. ثم قال: وهذه المدينة، مع ما هي عليه من ارتفاع الشأن، وقوة البنيان، لا تبغها خيول سيف الدولة، بل هي تردي في أوعارها، وعلى قنن جبالها، والصنبر يندف القطن في طرقها، ويجتلب الثلج إلى أرضها، يريد: أنها ممتنعة بقوة البنية، وكثرة الشحنة، وأن الخيل تلازمها في زمان الثلج، وحين امتناع الغزو، وهي فيها قاطنة غير راحلة، ومقيمة ظاعنة. كَفَى عَجَباً أَنْ يَعْجبَ النَّاسُ أَنَّهُ ... بَنَى مَرْعَشَاً تَبَّا لآرائِهم تَبَّاً

стр. 264

التب: الخسارة. فيقول: كفى عجباً أن يعجب الناس، منى أن يكون سيف الدولة بنى مرعشاً، ويسكنها، ويحميها ويحصنها، ثم دعا على هذا الرأي منهم بالخيبة والخسران، وشهد عليهم فيه بالجهالة والنقصان. وما الفرق ما بين الأنام وبينه ... إذا حذر المحذور واستصعب الصعبا ثم قال وما الفرق ما وبين سيف الدولة، وبين من شهدوه من أمره جيوشهم، وما باشروه من المدبرين لأمورهم، وإذا كان يحذر ما حذروه، ويفعل ما فعلوه، ولا يستقرب ما بعد عندهم، وينكشف ما استتر دونهم. لأَمْرٍ أَعَدَّتهُ الخِلافَةُ للْعِدى ... وَسَمَّتْهُ دونَ العَالمِ الصَّارمِ العَضْبَا يقول: لأمر خص به من الفضل، وقدر فيه من النفاذ والعزم، اختارته الخلافة لحماية حوزتها، وأعدته للمدافعة دون بيضتها، وسمته دون العالم بالسيف الذي لا ينبو حده، والصارم الذي لا يذم فعله.

стр. 265

وَلَمْ تَفْتَرِقْ عَنْهُ الأسِنْةُ ... رَحْمَةً وَلْم تَتْرُكِ الشَّامَ الأَعَادي لَهُ حُبَّا ثم قال: ولم تفترق عنه أسنة المقاتلين، رحمة له، ولا تجافوا عن معارضته، عناية به، ولا ترك أعداؤه الشام له، مع جلالتها، إسعاداً ومحبة، ل آثروه بتملكها، إيجابا ومودة، ولكنهم حذروا بأسه وشدته، وتوقعوا إقدامه وسطوته. وَلطِنْ نَفَاها عَنْهُ غَيْرَ كَريمَةٍ ... كَرِيمُ النَّثاَ ما سُبَّ قَطُّ ولا سَبَّا النثا: الخبر، خيراً كان أو غيره. فيقول: ولكن نفي الأعداء عن أرض الشام، غير كريمة في نفيها، ولا متخيرة في فعلها، كريم النشر، طيب الذكر، لا يسب لعلو قدره، ولا يسب لسعة حمله. وَجَيْشُ يُثَنَّي كُلَّ طَودٍ كأَنَّهُ ... خَريقُ رياحٍ وَاجَهْت غُصْناً رَطْبا الطود: الجبل الطويل، والخريق: الريح الشديدة. ثم قال: ونفاها له جيش مخوف بأسه، جليل شأنه، يثني الجبال بكثرته، ويخفضها بجموعه وقوته، ويفعل بها في حط ما ارتفع، وتفريق ما

стр. 266

اجتمع، ما يفعله خريق الريح. بالأغصان الرطبة، وشديد العصوف بالحشائش الرخوة. كَأنَّ نُجُومَ اللَّيْلِ خَافَتْ مُغَارَةُ ... فَمَّدتْ عَلَيْها مِنْ عَجَاجَتهِ حُجْبَا ثم يقول: كأن هذا الجيش أخاف نجوم الليل وأفزعها، وهالها بكثرته وذعرها، فاستترت عنه بتكاثر قتامه، واحتجبت عنه يتكاثف عجاجه. فَمَنْ كَانَ يُرْضي اللُّؤْمَ والكُفرَ مُلْكُهُ ... فَهذا الذي يُرْضِي المكارمِ والرَّباَّ ثم قال: فمن كان يرضي ملكه اللؤم والكفر من أدنياء المتغلبين، وكفار المنتصرين، فهذا الذي يرضي الله بإقامة شرائعه، ويرضي الكرم بإحيائه لمعالمه.

стр. 267

وأهدى إليه سيف الدولة ثياب ديباج رومي، وقناة وفرساً معها مهر لها، فأعجبه المهر، ولم تعجبه الفرس، فقال: ثَيِابُ كَريمٍ ما يَصُونُ حِسَانَها ... إذَا نُشِرْتْ كان الهِباتُ صِوَانَها صوان الشيء: ما اتخذ لصيانته. فيقول: خلع سيف الدولة ثياب كريم، لا يصون حسنها، ولا يذخر رفيعها، إذا نشرها فصوانها عنده أن يهبها، وحفظه لها أن يكسوها ويخلعها. تُرينا صَنَاعُ الرُّومِ فيها مُلُوكَها ... وَتَجْلو عَلَيْنَا نَفْسَها وَقَيِانَها الصناع: المرأة الحاذقة بالعمل. ثم قال: ترينا الروم، الحاذقة بعملها، العالمة بإقامة صورها، في تلك الثياب، أمثلة ملوكها، وتجلو علينا فيها أنفسها وقيانها، اقتداراً على ما تصنعه، وتقدما في إصابة ما تصوره. ولم يَكْفِهَا تَصْويُرها الخَيْل وَحْدها ... فَصَوَّرتِ الأشْياَء إلاّ زَمَانها يقول: ولم يكف تلك الصناع أن صورت الخيل مع ما صورته،

стр. 268

وصنعتها مع ما صنعته، حتى تصرفت في الأشياء فمثلتها، وكثرت منها وأظهرتها، فلم يعدم المتأمل لتلك الصنائع، والمشاهد لتلك البدائع، إلا الزمان بصورته، ومشاهدته بمثاله، والزمان لا صورة له فدل بقوله؛ أنها لم يفتها إلا ما لا صورة له، على أنها استوفت الصور بجملتها، ومثلتها بعامتها، وهذا من البديع يعرف بالاستثناء. وما ادَّخَرَتْها قُدْرَةً في مُصَوَّرٍ ... سِوَى أَنَّها ما أَنْطَقَتْ حَيَوانها ثم قال: وما ادخرت تلك الصناع قدرة فيما صورته، وحكمة فيما أظهرته، إلا أنها لم تنطق الحيوان من تلك الصور، ولا أظهرت الحياة فيما أبدته من تلك المثل، وما خلا ذلك، فقد استوفته وأكملته، وحسنته وتممته. وَسَمراءُ يسْتَغْوي الْفَوارسَ قَدُّها ... وَيُذْكِرُها كَرَّاتها وَطِعانها السمراء: القناة. فيقول، معدداً لما أهداه إليه: وسمراء يهيج الفوارس حسن قدها على الحرب، ويشوقها إلى المطاردة والطعن، ويذكرها بذلك، ويغريها بفعله، ويحركها إلى إستعمال مثله. رُدَينيةُ تَمَّتْ وَكَادَ نَباتُها ... يُرَكَّبُ فِيها زُجَّها وَسِنَانَها الردينية: منسوبة إلى ردينة، وكانت امرأة تتجر بالرماح في الجاهلية:

стр. 269

ثم قال: ردينية ثم خلقها، وكمل حسنها، وكادت في حين نباتها، تستدعي الزج والسنان، وتعلم المطاردة والطعان. وَأمُّ عَتيقٍ خَالُهُ دونَ عَمِّهِ ... رأى خَلْقَهَا مَنْ أَعْجَبَتْهُ فَعانها العتيق: الكريم من الخيل، وأراد الفرس التي أهدى إليه، والمهر الذي كان معها. فيقول: إن هذه الفرس تأخر خلقها عن خلق مهرها، فكرم وهجنت، وحسن وتأخرت، فيقول، منكراً لأمرها، ومعتذراً لهجنتها وحالها: إنها أم عتيق من الخيل، كرم فحله، وهجنت أمه، فخاله دون عمه، وكأن أمه رآها من أعجبته فلقعها بعينه، فتضاءل لذلك خلقها، ولم يتم على حقيقته حسنها. إذا سايَرَتْهُ بَايَنَتْهُ وَبَانها ... وَشَانَتْهُ في عَينِ الْبِصِيرِ وَزَانها ثم قال: إذا سايرت هذه الفرس مهرها، باينته وباينها، فرفعها ووضعته، وزينها ونقصته. فَأَيْنَ التي لا تَأْمَنُ الخَيْلُ شَرَّهَا ... وَشَرَّي وَلاَ تُعْطِي سِوَايَ أَمَانهاَ

стр. 270

يقول: فأين التي عهدتها من كرائم الخيل، التي كانت لا تأمن الفرسان سطوتي عليهم بها، وإقحامي في غمرات الحرب لها، والتي كانت لا تأنس بغيري فيأمنها، ولا تمكن سواي من نفسها فيركبها. وأيْنَ التي لا تَرْجِعُ الرُّمْحَ خَائِباً ... إذا خَفَضَتْ يُسْريَ يَدَيَّ عِنانها ثم قال: وأين التي كانت لا ترجع الرمح خائباً، من فارس تصيبه، ولا ترده مقصراً عن مطلوب في الحرب تناله، إذا خفضت يسري يدي عنانها، مستنهضاً لها، وأرخته طالباً للفرسان بها. وما ليِ ثَنَاءُ لاَ أَرَاكَ مَكانَهُ ... فَهَلْ لَكَ نُعْمَى لا تَراني مَكَانها ثم قال، مخاطباً، لسيف الدولة: ومالي أيها الرئيس ثناء أدخره عنك، ومدح لا أستعمله فيك، وأعتقدك مكاناً له، وأهلاً للاختصاص به، فهل لك نعمى لا تخصني بها، وتراني أهلاً وموضعاً لها؟

стр. 271

وكان ربما تأخر مدحه عن سيف الدولة، فيشق ذلك عليه، ويكثر أذاه، ويحضر في مجلسه من يعرض له بالقبيح، ففعل به ذلك مرات، فقال، وأنشدها في محفل من العرب والعجم: واحرَّ قلَباهُ مَمَّن قلْبُهُ شَبِمُ ... وَمَنْ بِجِسْمي وَحَالي عِنْدهُ سَقَمُ وا: حرف ينادي به كما ينادي بيا، وحر قلباه: اسم مضاف منادى، كان أصله واحر قلبي، فأبدل من الياء ألفاً، رغبة في الخفة، والعرب تفعل ذلك في النداء، واستجلب هاء السكت، وأثبتها في الوصل كما ثبتت في الوقف، والعرب تفعل ذلك في الشعر، وحرك الهاء، لسكونها وسكون الألف قبلها، وللعرب في ذلك فعلان؛ منهم من يحركها بالضم، تشبيها بهاء الضمير، فيقول: واحر قلباه، أنشد في ذلك يعقوب عن الفراء: يا مَرْحَباهُ بِحمارَ عَفْرَاءْ ... إذا أَتى قَرَّبْتُهُ لما شَاءْ من الشَّعير والحشيشِ والماءْ ومن العرب من يحرك بالكسر، على ما يوجد كثيراً في الكلام، عند التقاء الساكنين، أنشد على ذلك يعقوب: يا ربِّ يا رَّباهِ إيَّاكَ أَسَلْ ... عَفْراَء يَا رَبَّاهِ مِنْ قَبْلِ الأَجَلْ وهذه اللغة التزم أبو الطيب، والشبم: البارد.

стр. 272

فيقول: واحر قلبي واحتراقه، واستحكام تهممه، بمن قلبه عني بارد لا عناية له بي، ولا إقبال له علي، ومن بجسمي وحالي من إعراضه سقم يوجب ألمهما، وشكاة تعود باختلالهما. والعرب تكني بحرارة القلب عن الاعتناء والحب، وببرده عن الإعراض والترك. مَا لي أُكَتَّمُ حُبَّاً قَدْ بَرَى جَسَدي ... وَتَدعي حُبَّ سَيْفِ الدَّولةِ الأُممُ المكتم: المبالغ في الكتم، وبري الجسم: إضناؤه وإنحاله. ثم قال: ما لي أكتم من حب سيف الدولة ما يزيد مضمره على ظاهره، ومكتومه على شاهده، والأمم تشركني في ادعاء ذلك، والتصنع به بقلوب غير خالصة، ونيات غير صادقة، فيضني جسمي، وينحله تقدمي في صدق وده، وتأخري فيما يخصني من فضله. إنّ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبَّ لغُرَّتِهِ ... فَلَيْتَ أَنَّا بِقَدْرِ الحُبَّ نَقْتَسِمُ ثم قال: إن كان يجمعنا حب غرته، والكلف بمودته، فليت أنا نقتسم المنازل عنده، بقدر ما نحن عليه من صحة الخالصة، وما نعتقده من المودة الصادقة، فلا يبخس المخلص حظه، ولا يبذل للمتصنع بره.

стр. 273

قَدْ زُرْتُهُ وَسُيوفُ الهِنْدِ مُغْمدهُ ... وَقَدْ نَظَرتُ إليهِ وَالسيوفُ دَمُ ثم يقول: قد زرته في الأمن والسلم، وقد شهدته في شدائد الحرب؛ يريد: أنه خبره في الضيق والسعة، وامتحنه في الأمن والمخافة، فأعجبه كيف تقلب، وحمده على أي حال تصرف. فَكَانَ أَحْسَنَ خَلْقِ اللهِ كُلَّهمِ ... وَكَانَ أَحسَنَ ما في الأَحْسَنِ الشَّيمُ ثم قال: فكان في جميع أحواله أحسن خلق الله شاهداً، وأكرمهم ظاهراً، وكان أحسن من ذلك شيمه المختبرة، وأخلاقه الممتحنة. فَوْتُ العَدُّو الَّذي يَمَّمْتَهُ ظَفَرُ ... في طَيَّيهِ أَسَفُ في طَيَّهِ نِعَمُ الأسف: الحزن. فيقول: فوت العدو الذي أعجزك بهربه، وفر عنك لاستحكام جزعه، ظفر ظاهر، واستعلاء بين، وإن كان ذلك الظفر في طية منك أسف على ما حرمته من إدراكه، والإثخان بالقتل فيه، وفي طي ذلك الأسف نعم بما صرف الله عنك من مؤونة الحرب، وشدة معاناة اللقاء.

стр. 274

قَدَ نَابَ عَنْكَ شَديداُ الخوفِ واصْطَنَعتْ ... لَكَ المَهَابةُ ما لا تَصْنَعُ الُبَهُم البهم: الذين تناهت شجاعتهم من الفرسان، واحدهم بهمة. ثم قال: قد ناب عنك خوف العدو لك، فغلبه وذعره، وهزمه وروعه، وصنعت لك فيه مهابتك، وبلغت لك منه مخافتك، ما لا تصنعه بهم الشجعان، ولا تبلغه أبطال الفرسان. أَلْزَمْتَ نفْسَكَ شَيْئاً لْيسَ يَلْزمُها ... أنْ لا تُوَاريُهم أَرْضُ ولا عَلَمُ العلم: الجبل الطويل. فيقول لسيف الدولة: ألزمت نفسك من نكاته العدو والمبالغة في قتلهم ما لا يلزمك، وكلفتها ما لا يحق عليك، وذهبت إلى ألا تواريهم منك أرض تشتمل عليهم، ولا يسترهم عنك جبل يحول بينك وبينهم. أَكُلَّما رُمْتَ جَيْشاً فانثنىَ هَرَباً ... تَصرَّفَتْ بِكَ في آثارهِ الهِمَمُ ثم قال: أكلما رمت جيشاً من جيوش الروم، فغر منك، وولى هارباً عنك، تصرفت بك هممك في آثاره، فلم يرضك انهزامهم دون أن ينالهم القتل، ولا فرارهم دون أن يتحكم فيهم السيف.

стр. 275

عَلَيْكَ هَزْمُهُم في كُلَّ مُعْتركٍ ... وَمَا عَلَيْكَ بِهِمْ عَارُ إذا انَهَزمُوا ثم يقول لسيف الدولة: عليك أن تهزم الروم في كل معترك يتعاطون فيه لقاءك، ولا عار عليك في أن يغلبهم خوفك، فينهزموا دون قتال، توقعا لك، ويفروا دون لقاء، إشفاقاً منك. أَماَ تَرَى ظَفَراً حُلْواً سِوَى ظَفَر ... تَصَافَحتْ فِيهِ بْيِضُ الهِنْدِ واللَّمَمِ ثم قال: أليس يحلو لك ظفر تناله، وأمل في عدوك تبلغه، ما لا يكون ذلك بعد قتل وقتال، ومجالدة ونزال، وبعد أن تصافح سيوفك رؤوسهم، وتباشر سلاحك جسومهم. وأشار بمصافحة السيوف للمم إلى هذا التعبير. يَا أَعْدلَ النَّاسِ إلاَّ في مُعَامَلتي ... فِيكَ الخِصَامُ وَأَنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ يقول لسيف الدولة: يا أعدل الناس في أحكامه، وأكرمهم في أفعاله، إلا في معاملتي، فإنه يخرجني عن عدله، ويضيق علي ما قد بسطه من فضله، فيك خصامي وتعبتي، وأنت خصمي وحكمي، فأنا أخاصمك إلى نفسك، واستعدي عليك حكمك. أُعيذُهَا نَظَراتٍ مِنْكَ صَادِقةً ... أَنْ تَحْسِبَ الشَّحْمَ في مَنْ شَحُمُه وَرَمُ ثم قال: أعيذ نظراتك الصادقة، وظنونك المصيبة، من أن تحسب ما

стр. 276

أشكوه من الضرورة سعة، وما أظهر من التجمل حقيقة، فتكون كمن يحسب السقم صحة، والورم سمناً وقوة. وما انتِفاعُ أخي الدُّنيا بناظِرِهِ ... إِذا استَوَتْ عندَهُ الأنوارُ والظُّلَمُ ثم ضرب في ذلك مثلاً، فقال: وما ينتفع أخو الدنيا بنظره، ولا تعود عليه فائدة بصره، إذا استوى عنده الصحة والسقم، والأنوار والظلم. أَنَا الذي نَظَر الأَعْمَى إلى أَدَبي ... وَأَسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بِهِ صَمَمُ يقول: أنا الذي استذاع أدبي، واستبان موضعي فيه، فثبت ذلك في العقول، وتمكن في القلوب، ورآه الأعمى وإن كان لا يبصر، وأسمعت كلماتي فيه ذا الصمم وإن كان لا يسمع. أَنَامُ مِلَء جُفُوني عن شَوارِدِها ... وَيَسْهَر الخلقُ جَرَّاها وَيَخْتَصمُ تقول العرب: فعلت هذا من جرى فلان، أي: من أجله. ثم قال: أنام ساكن النفس، متمكن النوم، لا أعجب بشوارد ما أبدع، ولا أحفل بنوادر ما أنظم، ويسهر الخلق في تحفظ ذلك وتعلمه، ويختصمون في تعرفه وتفهمه، فاستقل منه ما يستكثرونه، وأغفل عما يغتنمونه.

стр. 277

وَجَاهلٍ مَدَّهُ في جَهْلهِ ضَحكي ... حَتَّى أَتَتهُ يَدُ فَرَّاسَةُ وفم الفرس: دق العنق، فيقول: ورب جاهل اغتر بمجاملتي له، ومساحتي إياه، وضحكي على جهلة، حتى سطوت به ففرسته، وعضضت عليه فأهلكته. إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا يغرنك أَنَّ اللَّيْثَ مُبْتَسُم الناب: الضرس الذي بين الرباعية والطواحن، وجمعه نيوب. ثم قال، زارياً علي المغتر بضحكة: إذا رأيت الليث قد أبرز أنيابه، فلا يغرنك تبسمه، فإن ذلك أقرب لبطشه، وأدل على ما يحذر من فعله، وكذلك كان ضحكي للمخدوع به سبباً قاده إلى صرعته، وأداه إلى هلكته. وَمُهْجَةٍ مُهْجَتي مِنْ هَمَّ صَاحِبِها ... أَدْرَكْتُها بِجوادٍ ظَهْرُهُ حَرَمُ الحرم: الموضع الذي يؤمن فيه، ويمتنع بحرمته. فيقول: ورب مهجة مقاتل لي، كانت مهجتي من هم ذلك

стр. 278

المقاتل وبغيته، فأدركت منه ما كان يحاوله مني، يشير إلى قتله له، وظفره به، بفرس جواد، ظهره حرم لصاحبه، وجريه أمان لراكبه. رِجْلاَهُ في الرَّكضِ رِجْلُ والْيَدَانِ يَدُ ... وَفِعْلُهُ ما تُريدُ الكَفُ والقَدمُ ثم وصف ذلك الجواد فقال: رجلاه لسرعة ركضه، وخفة وقعه، وما هو عليه من تأتي أمره، كالرجل الواحدة، ويداه كاليد المفردة، لا تختلف في وقعها، ولا تتخاذل في نقلها، وفعله في السرعة ما تريده القدم التي بها تستعجل، وفي المواتاة والموافقة ما تريده الكف التي بها يستوقف. ومُرْهَفٍ سِرْتُ بَيْنَ المَوْجَتَيْنِ بِهِ ... حَتَّى ضَرَبْتُ وَمَوْجُ المْوتِ مُلْتَطُم الموج: ما ارتفع واضطرب من الماء، واستعار ذلك في كتائب الحرب. فيقول: ورب سيف مرهف، سرت به بين الفئتين المتقابلتين، والطائفتين المتزاحفتين، حتى ضربت وجالدت، واقتحمت وتقدمت، والموت يلتطم موجه، ويزخر بحره. فَالخْيَلُ واللَّيْلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُني ... والحَرْبُ والضَّرْبُ والقِرَطاسُ والقَلمُ

стр. 279

ثم قال: فالخيل تعرفني لتقدمي في فروستها، وحذقي بركوبها، والليل يعرفني لسراي فيه، وطول ادراعي له، والبيداء تعرفني بمداومتي لقطعها، واستسهالي لأمرها، والحرب والضرب يشهدان بحذقي بهما، وتقدمي فيهما، والقراطيس شاهدة، لإحاطتي بمعرفة ما تتضمنه، والقلم (عالم) لإبداعي فيما يقيده. صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحشَ مُنْفَرَداً ... حَتَّى تَعَجَّبَ مِنّي القُوْرُ والأكمُ القور: صغار الجبال، والأكم: جمع أكمة، وهي التل المشرف. ثم قال: صحبت الوحش في الفلوات منفرداً بقطعها، مستأنساً بصحبة حيوانها، حتى تعجب مني سهلها وجبلها، وقورها وأكمها. يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَينا أَنْ نُفَارقَهُمْ ... وِجْدَانُنَا كُلَّ شَيء بَعْدكمُ عَدمُ ثم يقول مشيراً إلى سيف الدولة: يا من يعز علينا أن نفارقه، لما أسلف إلينا من فضله، واستوفرناه من الحظ بقربه، وجداننا كل طائل بعدكم، عدم لا نسر به، ومحتقر لا نبتهج له.

стр. 280

مَا كَانَ أَخْلَقَنا مِنْكُمْ بِتَكْرِمَةٍ ... لو أَنَّ أَمْرَكُمُ مِنْ أَمْرِنا أَمَمُ الأمم: القريب. ثم قال: ما كان أخلقنا ببركم وتكرمتكم، وإيثاركم وتقدمتكم، لو أن أمركم في الاعتقاد لنا على نحو أمرنا في الاعتقاد لكم، وما نحن عليه من الثقة بكم. إنْ كَانَ سَرَّكُمُ مَا قَالَ حَاسِدُنَا ... فَما لُحرْحٍ إذا أَرْضَاكُمُ أَلَمُ ثم يقول، مشيراً إلى سيف الدولة: إن كان ما نقله الحاسد لنا، واختلقه الواشي بنا، مرضياً لكم، مستحسناً عندكم، فما نتشكى الجرح إذا أرضاكم مع شدة وجعه، ولا نتكرهه مع استحكام ألمه، حرصاً على موافقتكم، وإسراعاً إلى إرادتكم. وَبَيْنناَ لَوْ رَعَيتُمْ ذَاكَ مَعْرفةُ ... إنَّ المَعَارفَ في أَهْلِ النُّهى ذِمَمُ الذمم: العهود، واحدها ذمة، والمعارف: جمع معرفة، والنهى: جمع نهية، وهي العقل.

стр. 281

ثم قال: وبيننا وصائل المعرفة، ولنا إليكم شوافع الخالصة، إن أحسنتم المراعاة لذلك، والمحافظة عليه، والمعارف عند أمثالكم من ذوي العقول الراجحة، والأحلام الوافرة، ذمم لا يضيع حفظها، ووسائل لا يستجاز ردها. كَمْ تَطْلُبونَ لَنَا عَيْبَاً فَيُعْجِزُكُمْ ... وَيَكْرَهُ اللَّهُ ما تَأْتُونَ والكَرَمُ ثم يقول، مشيراً إلى سيف الدولة، ومعنفاً له في إصغائه إلى الطاعنين عليه: كم تطلبون لنا عيباً تغضون به منا، وتصغون إليه فيما ينقل إليكم، فيعجزكم ذلك وييئسكم، ويبعد عليكم ولا يمكنكم، ويكره الله من ذلك ما تأتونه، ويسخطه ما تحاولونه، ويكرهه الكرم الذي يلزمكم الإنصاف والعدل، ويوجب عليكم المحافظة والفضل. ما أَبْعَدَ والنُّقْصَانَ مِنْ شَرَفي ... أَنَا الثُّرَيَّا وّذَانِ الشَّيْبُ والهَرَمُ ثم قال، فاخرا بنفسه، ومشيراً إلى سلامة عرضه: ما أبعد العيب

стр. 282

والنقصان من شرفي ورفعته، وعرضي وسلامته، أنا في ذلك الثريا، والعيب والنقصان كالشيب والهرم، لا يعلقان بي، كما لا يعلق الشيب والهرم بها، ولا يعرضان لي كما لا يعرض الشيب والهرم لها. لَيْتَ الغَمَام الذي عندي صواعِقُهُ ... يُزيلُهنَّ إلى من عِندهُ الدَّيَمُ الغمام: السحاب، والصاعقة: قطعة من نار تسقط بأثر الرعد الشديد، والجمع صواعق، والديمة: مطر يدوم مع سكون، والجمع ديم. ثم قال، مشيراً إلى سيف الدولة: ليت هذا الملك الذي يشبه الغمام بجوده، ويخلفه بفضله، وعندي منه صواعقه، وتسرع إلى مكارهه، يزيل بيني وبين الحاسدين لي، فينقل تلك الصواعق إليهم، وينجي بتلك المكاره عليهم، فأشاركهم في بؤسه، كما شاركوني في فضله. أرى النَّوى تَقْتَضِيني كُلَّ مَرْحَلةٍ ... لا تَسْتَقلُّ بها الوَخَّادَةُ الرُّسْمُ النوى: البعد، والاقتضاء: معروف، والوخد والرسم: ضربان من سير الإبل، والوخادة من الإبل: التي تسير بالوخد، واحدتها واخدة، والرسم منها: التي تسير بالرسم، واحدتها رسوم. فيقول، معرضاً بما اعتقده من الرحيل عن سيف الدولة، لما تشكاه من

стр. 283

قلة إنصافه له: أرى النوى التي أريدها، والرحلة التي أعتقدها، تقتضيني تجشم كل مرحلة نائية، وشقة بعيدة، لا تستقل بها الوخادة الرسم من الإبل؛ لبعد منالها، ولا تطيقها لشدة مآلها. لَئِنْ تَرَكْنَ ضُمَيْراً عَنْ مَيَامِننا ... لَيحْدُثَنَّ لَمِنْ وَدَّعْتُهُمْ نَدَمُ ضمير: اسم جبل. ثم قال: لئن تركن ضميراً؛ هذا الجبل، يمنة منهن، يريد: رواحله، ليحدثن لمن ودعتهم ندم، على مفارقتي لهم، وأسف على رحيلي عنهم، يشير بذلك إلى سيف الدولة. إذا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَروا ... ألاَّ تُفَارِقَهُمْ فالرَّاحِلُونَ هُمْ رحل الرجل: إذا تحول عن منزله، ورحلته أنت، إذا فعلت ذلك به. ثم قال، موجباً على سيف الدولة الملامة في رحلته، وقائماً في ذلك عن نفسه بحجته: إذا رحل الراحل عن قوم وهم قادرون على إزاحة

стр. 284

علته، واستقرا به بإسعاف رغبته، وأغفلوه حتى يرحل عنهم، وينقطع بالزوال منهم، فهم الذين رحلوه وأزعجوه، وحركوه وأخرجوه. شَرُّ البِلادِ مكانُ لا صَديقَ بِهِ ... وَشَرُّ ما يَكْسِبُ الإنْسانُ ما يَصِمُ الشيء يصم الشيء: إذا عابه، والوصم: الصدع، وشبه العيب في الحسب بذلك. فيقول: شر البلاد بلاد لا يوجد فيها من يؤنس بوده، ويسكن إلى كرم فعله، وشر ما كسبه الإنسان ما عابه ووصمة، وأذله وانتقصه. يريد: أن هبات سيف الدولة مع كثرتها، وجلالتها، وسعتها، لا تعادل تقصيره به، وإيثاره لحساده عليه. وَشَرُّ ما قَنَصتْهُ رَاحَتي قَنَصُ ... شُهْبُ البُزَاةِ سَوَاءُ فِيهِ والرَّخَمُ الاقتناص: التصيد، والشيء المصيد قنص. ثم قال: وشر ما ظفر به القانص، قنص يشترك فيه البزاة الشهب مع رفعتها، والرخم الساقطة مع دناءتها وضعتها، يشير إلى أن ما أولاه سيف الدولة من بره، وأظهره عليه من إحسانه وفضله، شاركه فيه من حساده أهل الغباوة، ونازعه إياه أهل العجز والجهالة.

стр. 285

بِأيَّ لَفْظٍ تَقُولُ الشَّعْرَ زِعْنِفَةُ ... تَجُوزُ عِنْدكَ لا عُرْبُ ولا عَجمُ الزعنفة: السقاط من الناس، وهذا الاسم مأخوذ من زعانف الجلد، وهي أطرافه وسواقطه. فيقول لسيف الدولة: بأي لفظ تقول الشعر زعنفة، أرذال يجوزون عندك، ليسوا عرباً فصحاء فتحمدهم، ولا عجماً لكنا فتعذرهم، يترفعون عن العجم ولا يفوتونهم، ويتشبهون بالعرب ولا يلحقونهم. وهذه العبارة وإن لم تكن في لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده. هَذا عِتابُكَ إلاَّ أَنَّهُ مِقَةُ ... قَدْ ضُمَّنَ الدُّرَّ إلاَّ أَنَّه كَلِمُ المقة: المحبة، والكلم: جمع كلمة. ثم قال لسيف الدولة: هذا عتابك، وهو وإن أمضك، مقه خالصة، ومودة صادقة، فباطنة غير ظاهره، كما أنه قد ضمن الدر بحسنه، وإن كان كلما معهوداً في ظاهر لفظه.
следующие страницы →