← Адаб

Адаб · id 37065

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الأول

ابن الإفليلي

Полный текст (567 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

جلال خلاله الثلاث، التي هي على نحوها لخلاله الفضل؛ لأن الشمس تطلع وتغرب، والنصر يقل ويكثر، والسيف ينبو ويقطع، وحسنه ثابت لا يعدم، وعزه زائد لا ينقص، ومضاؤه نافذ لا يدفع. وهذه طريقة من المجاز يحسنها للشعراء ما يحاولونه من بلوغ غايات المدح، وما يتعارف من مثلها في اللغة. مَضَتِ الدُّهُورُ وَمَا أَتَيْنَ بِمِثْلهِ ... وَلَقَدْ أَتَى فَعَجَزْنَ عَنْ نُظَرائِهِ ثم قال: مضت الدهور السالفة، والمدد الخالية، وما أتين بمثل سيف الدولة في ظهور فضله، وإحرازه غايات الكمال في جملة أمره، ثم أتى الزمان به، فعجزت المدة المشتملة عليه عن أن تأتي له بنظير يشبهه، أو تعترضه بقرين يعدله.

стр. 352

واستزاده سيف الدولة، فقال: القَلبُ أعلَمُ يا عَذُولُ بِدَائِهِ ... وأَحَقُّ مِنْكَ بِجَفْنِهِ وبِمَائِهِ يقول: القلب أيها العاذل المسرف، واللائم المكثر، أعلم منك بمقدار دائه، وأقعد بحقيقة أمره، وأولى بالبكاء الذي تنكره عليه، وتعذله فيه؛ لأنه يسكن وجده، ويبرد حره. وجعل ذكر الجفن والماء إشارة إلى البكاء. فَوَمَنْ أُحِبُّ لأَعْصِيَنَّكَ في الهَوَى ... قَسَماً به، وبِحُسِنهِ، وَبَهائِهِ ثم قال، مخاطباً لعاذله: فوحق من أحبه لأعصينك في الهوى، والتمسك به، وفي الحب والإقبال عليه، قسماً بما أعظمه من حقه، وأخضع له من بهائه وحسنه. أَأُحِبُّهُ وأُحِبُّ فيهِ مَلاَمَةً؟ ... إنَّ الملاَمَةَ فيه مِنْ أَعْدائِهِ ثم قال، أَأُحبه، وأحب اللوم فيه، وآلفه وآلف العذل عليه؛ إن الملامة من أعدائه المخالفين، وأضداده المعترضين، وإني إذا أصغيت إليها لضعيف الرأي، مضطرب الأمر.

стр. 353

عَجِبَ الوُشَاةُ من اللُّحَاةِ وَقَوْلِهِمْ: ... دَعْ ما نَراكَ ضَعُفْتَ عَنْ إخْفَائِهِ اللحاة: جمع لاح، وهو اللائم. فيقول: إن الوشاة مع شدة قسوتهم، وما هم عليه من قلة رأفتهم، عجبوا من اللحاة وقولهم لمن غلبه الوجد، وملكه الحب، دع ما نراه قد غلبك فما تدفعه، وضعفت عنه فما تستره، وهذا تكليف ما لا يبلغ مثله، ولا يستطاع حمله. ما الخِلُّ إلاَّ مَنْ أَوَدُّ بِقَلْبِهِ ... وأَرَى بِطَرفٍ لا يَرَى بِسَوَائِهِ ثم قال: ما النصيح المشفق، والخليل المخلص، إلا من يقل خلافه، ويحسن إنصافه، فقلب خليله كقلبه فيما يوده، وطرفه كطرفه فيما يستحسنه ويحبه، موافقة له على رأيه، ومساعدة له في جملة أمره. إنَّ المُعِينَ عَلَى الصَّبَابةِ والأَسَى ... أَوْلَى بِرَحْمَةِ رَبَّها وإِخائِهِ الأسى: الحزن، وسواء: اسم ممدود بمنزلة غير، معناه معنى سوى المقصورة. ثم قال: إن المعين على الصبابة بالرثاية لصاحبها، والتحزن لمن

стр. 354

امتحن بها، أولى بالترحم لربها ومؤاخاته، وأحق بمساعدته ومصافاته. مَهْلاً فإنَّ العَذْلَ من أَسْقَامِهِ ... وَتَرَفُّقَاً فالسَّمْعُ مِنْ أَعْضَائِهِ ثم يقول، مستدفعاً لعاذله، ومستكفاً للائمه: كهلاً، فإن العذل من أسقام المحب، يوجع قلبه، ويضاعف حزنه، ورفقاً به، فسمعه عضو من أعضائه، يوجعه ما أوجعه، ويؤلمه ما آلمه. وَهَبِ المَلاَمَةَ في اللَّذَاذة كالكَرَى ... مَطْرُودَةً بِسُهادِهِ وَبُكَائِهِ هب: بمعنى ظن واحسب، أنشد الأصمعي: فَكُن لي مجيراً أبا خالدٍ ... وإلاّ فَهَبْني امرَءاً هالكاً ثم قال: وهب الملامة مستلذة لا تستكره، ومستحسنة لا تستثقل. واحسبها تبلغ في ذلك مبلغ النوم، وتحل محله، يطردها السهاد الذي طرده، ويبعدها البكاء الذي أبعده.

стр. 355

لا تَعْذِرِ المُشْتَاقَ في أَشْوَاقِهِ ... حَتَّى يَكونَ حَشَاكَ في أَحْشَائِهِ ثم قال: لا يعذر الخلي العاشق، ولا يساوي المشتاق السالي، حتى تكون أحشاؤه كأحشائه، وأحواله كأحواله، فيقاسي ما قاساه، ويشكيه ما أشكاه. إنَّ القَتيلَ مُضَرَّجَاً بِدُمُوعِهِ ... مِثْلُ القَتيِلِ مضَرَّجاً بِدِمَائِهِ التضريح: التلطيخ. فيقول: إن القتيل الذي يقتله الحب، ويملكه الحزن، ويتضرج بدموعه فيما يستحقه من الترحم، ويستوجبه من التحنن، كالقتيل الذي تقتله السلاح، ويتضرج بالدم، لا فرق بين الأمرين، ولا خلاف بين الحالين. وَالعِشْقُ كَالمعشُوقِ يَعْذُبُ قُرْبُهُ ... للِمُبْتَلَى وَيَنَالُ مِنْ حَوْبَائِهِ الحوباء: النفس. ثم قال، مبيناً لموضع العشق من النفس، واستيلائه على الرأي والعشق كالمعشوق في حرص العاشق عليه، وحنينه إليه، وأنه يعذب قربه للمبتلى به، وهو ينال من نفسه، ويحسن عنده، وهو يبعث على سقمه.

стр. 356

لَوْ قُلْتَ للدَّنِفِ الحَزينِ فَدَيْتُهُ ... مِمَّا بِهِ لأَغْرْتَهُ بِفِدَائِهِ الدنف: المرض اللازم. ثم قال، مؤكداً لما قدمه: لو قلت للدنف الذي قد بالغه حزنه، وأنحله سقمه، فديته مما به؛ لأغرته بقولك، وأسخطته بتمنيك، اغتباطاً منه بحاله، واستصواباً لرأيه. وُقِيَ الأَمِيرُ هَوَى العُيُونِ فإنَّه ... مَا لاَ يَزُولُ بِبَأْسِهِ وسَخَائِهِ ثم دعا لسيف الدولة، خروجاً إلى المدح، ومؤكداً لما قدمه من استعظام الحب، فقال: وقي الأمير هوى العيون الفاترة، فإن ذلك ما لا يعصم منه؛ بأسه وشدته، وسخاؤه وكثرته. يَسْتَأسِرُ البَطَلَ الكَميَّ بنَظْرَةٍ ... وَيَحُولُ بَيْنَ فُؤادِهِ وَعَزائِهِ البطل: الشجاع، والكمي: الشجاع المتغيب في سلاحه، والعزاء: الصبر. ثم قال، واصفاً لسلطان هوى العيون: يستأسر البطل الكمي بأول نظرة، ويحول بين قلبه وصبره بأقل لحظة. إنَّي دَعَوْتُكَ للنَّوائِبِ دَعْوةً ... لم يُدْعَ سَامِعُها إلى أَكْفَائِهِ

стр. 357

ثم يقول لسيف الدولة: إني دعوتك للنوائب وصروفها، وللحوادث وخطوبها، دعوة لم أدع سامعها إلى كفؤه، ولا استصرخت المخاطب بها على مثله، وإنما دعوت منك، يريد: سيف الدولة، الكبير للصغير، والجليل لليسير. فأَتَيْتَ مِنْ فَوْقِ الزَّمانِ ... وَتَحْتهِ، مُتَصَلْصِلاً وأَمَامِهِ وَوَرَائِهِ الصلصلة: امتداد الصوت. ثم قال، مخاطباً له: فأتيت من فوق الزمان وتحته، ومن أمامه وورائه، يشير بهذا القول إلى إحاطة مقدرته بالزمن، وقسره له، واقتداره عليه، وأنه لا يخيف من منعه، لا يجير من طلبه. مَنْ للِسُّيُوفِ بأَنْ يَكونَ سَمِيَّها ... في أَصْلِهِ وَفِرْنِدِه وَوَفَائِهِ فرند: السيف: رونقه. فيقول: من للسيوف، وهي حدائد لا تعقل، بأن يكون سيف الدولة سميها مع كرم أصله، وبهاء فرنده، وتكامل وفائه، وتقصير السيوف

стр. 358

عنه في جميع ذلك، فمن لها بموافقته في لقبه، مع تواضعها عنه في شرفه. طُبِعِ الحَديدُ فَكانَ مِنْ أَجْناسهِ ... وَعَليُّ المَطْبُوعُ مِنْ آبائهِ طبع الحديد: صناعته وتصييره على الهيئة المقصودة فيه. ثم قال، مؤكداً لما قدمه من تقصير السيوف عنه: طبع الحديد وصنع، وكانت السيوف صنفاً من أصنافه، وجنساً من أجناسه وطبع سيف الدولة من آبائه بالشرف القديم، والنسب الكريم، والنحر الصميم، فمن للسيوف بمشاكلته، وكيف لها بمساواته ومماثلته.

стр. 359

وجاءه رسول سيف الدولة مستعجلاً، ومعه رقعة فيها بيتان في كتمان السر، وهما: أَمِنَّي تَخَافُ انْتِشَارَ الحَديثِ ... وَحَظَّيَ في سَتْرِهِ أَوْفَرُ؟ وَلَو لَمْ أَصُنْهُ لِبُقْيَا عَليْكَ ... نَظَرتُ لِنَفْسي كما تَنْظُرُ معناهما: يقول هذا الشاعر لمن خشيه على كشف سره، وإظهار ما كتمه من أمره: أمني تخاف انكشاف سرك، وانتشار حديثك، ووفور الحظ لي في طيه وكتمه، ثم قال: ولو لم أصن سرك إبقاء عليك، أو إنصافاً لك، لصنته نظراً لنفسي، وإبقاء على ما فيه حظي، لأن ما يلحقني من الوصمة بإذاعة السر أشد مما أتوقعه في ذلك من الضر. وسأله سيف الدولة إجازتهما، فقال: رِضَاكَ رِضَايَ الَّذي أُوثِرُ ... وَسِرُّكَ سِرّي فَمَا أُظْهِرُ

стр. 360

يقول، لمن يخاطبه: رضاك رضاي الذي أوثره، وأبدر إليه وألزمه، وأحرص عليه، وسرك سري، فكيف أظهره؟! وأمرك أمري، فكيف أضيعه؟ ّ! كَفَتْكَ المُرُوءةُ ما تَتَّقي ... وآمَنَكَ الوُدُّ ما تَحْذَرُ ثم قال: كفتك مروءتي ما تتقيه من تضييعي لحقك، وآمنك ودي ما تحذره من إفشائي لسرك. وَسِرُّكُمُ في الحَشَا مَيَّتُ ... إذَا أُنْشِرَ السَّرُّ لا يُنْشَرُ أنشر الشيء: إذا أحيي. ثم قال: وسركم ميت في الحشا بكتمه، دفين فيه بحفظه، لا يحيا إذا أحييت الأسرار ولا يظهر، ولا يفشو بينها ولا يذكر. كَأَنَّي عَصَتْ مُقْلَتي فِيكُمُ ... وكَاتَمت القَلْبِ ما تُبْصِرُ ثم يقول، واصفاً لما هو عليه من كتم السر، وحفظ الغيب: كأني قد عصت مقلتي فيكم القلب، فكاتمته ما تبصر، وساترته ما تشهد، فإذا كان بعضي يكتم عن بعضي السر، شحاً به ويستره عنه، حفظاً له،

стр. 361

فكيف تظن بي مع غيري ممن يلتمس مني علمه، ويحاول من قبلي إدراكه؟ وإفْشَاءُ مَا أَنَا مُسْتَوْدَعُ ... من الغَدْرِ، والحُرُّ لاَ يَغْدِرُ ثم قال: وإفشاء ما أودعه من السر غدر بصاحبه، وظلم لمستودعه، والحر يفي ولا يغدر، وينصف ولا يظلم. إذا مَا قَدَرْتُ عَلَى نَطْقَةٍ ... فإني عَلَى تَرْكِهاَ أَقْدَرُ ثم يقول: إذا ما قدرت على النطق فإني أقدر على تركه، وكما أتمكن من إذاعة السر، فكذلك أتمكن من حفظه. أُصَرَّفُ نَفْسي كما أَشْتَهي ... وأَمْلِكُها والقَنَا أَحْمَرُ ثم قال: أصرف نفسي على ما أوثره، ولأحملها على ما أرغبه، وأملكها والقنا أحمر من طعان الفرسان، متخضب من دماء الأقران، ولا أراع في تلك الوقائع، ولا أحول عند تلك الشدائد. دَوَاليكَ يا سَيْفها دَوْلَةً ... وأَمْرَكَ يَا خَيْرَ مَنْ يَأْمُرُ دواليك: اسم يثنى على سبيل المبالغة، معناه: مداولة بعد مداولة.

стр. 362

فيقول لسيف الدولة: أدل الدول ناهضاً بثقلها، منفرداً بتدبير أمرها، ومر أمرك نبدر إليه، ونحتمل عليه، يا خير آمر يأمر، وأفضل ملك يذكر. أَتاني رسُولكَ مُسْتعجلاً ... فَلَبَّاهُ شِعْري الذي أَذْخَرُ ذخرت الشيء: إذا أعددته لمهمك. ثم قال: أتاني رسولك مستعجلاً في إجازة البيتين اللذين وجهت بهما، فلباه شعري الذي أذخره، وإجابه قولي الذي أتخيره. وَلَوْ كَانَ يَوْمَ وَغىً قَاتماً ... لَلَبَّاهُ سَيْفِيَ والأَشْقَرُ الوغى: الحرب، سميت بذلك لكثرة الأصوات فيها، والقاتم: المظلم لكثرة الرهج، والقتام: الغبار. فيقول، وهو يخاطب سيف الدولة: ولو كان إتيان كتابك إلي يوم

стр. 363

وغى قاتماً، للباه سيفي أضرب به، وفرسي أحمل عليه، يشير إلى مسارعته في نصرته، وما هو عليه من مستحكم طاعته. فَلا غَفَلَ الدَّهْرُ عَنْ أَهْلِهِ ... فإنَّكَ عَيْنُ بِهَا يَنْظُرُ ثم قال داعياً له: فلا غفل الزمان عن أهله بعدمهم لك، يشير إلى الموت، فإنك عينه التي بها ينظر، وضياؤه الذي به يبصر.

стр. 364

واستبطأ سيف الدولة مدحه، وعاتبه مدة، ثم لقيه في الميدان، فأنكر أبو الطيب تقصيره عما كان عودة من الإقبال إليه، والسلام عليه، فعاد إلى منزله، وكتب إليه بهذه الأبيات من وقته: أَرَى ذَلَكَ القُرْبَ صَارَ ازْوِرَارا ... وَصَارَ طَويلُ السَّلامِ اختِصَارا الازورار: الميل والانحراف. فيقول لسيف الدولة: أرى ما عهدته من استقرابك لي قد صار بعداً عنك، وطول سلامك وإقبالك علي قد صار اختصاراً منك. تَرَكْتَني اليومَ في خَجْلَةٍ ... أَمُوتُ مِرَاراً وأَحْيَا مِرَاراً ثم قال: تركتني اليوم في خجلة بإعراضك، وما حرمته من كريم إقبالك، تارة أموت لإشفاقي من صدك، وتارة أحيا باختلاسي النظر إلى وجهك. أُسَارِقُكَ اللَّحْظَ مُسْتَحيِياً ... وأَزْجُرُ في الخَيْلِ مُهْري سِرَارا

стр. 365

ثم يقول: أسارقك اللحظ في الجماعة مستحيياً لما حرمته من برك، وأزجر مهري مستسراً لما أنكرته من أمرك. وأَعْلَمُ إذا مَا اعتَذَرْتُ ... إليكَ أَرَادَ اعتِذَاري اعتِذَارا ثم قال: وأعلم أني إذا تعرضت للعذر، وبسطت فيه شيئاً من القول، قابلت ذلك بالإنكار والرد، فأواصل العذر بما لا تقبله، وأكثر القول بما لا تسمعه. كَفَرْتُ أَيَادِيَكِ الباهِرا ... تِ إنْ كَانَ ذَلَك مِنَّي اختيارا الباهر: الغالب. فيقول لسيف الدولة: كفرت أياديك التي تبهر الشكر، وتستغرق النشر، إن كان ما أنكرته من تأخر مدحي عنك شيئاً أردته، واختياراً قصدته.

стр. 366

وَلَكِنْ حَمَى الشَّعْرَ إلا القلي ... لَ همُّ حَمَى النَّومَ إلا غِرَارا حميت الشيء: إذا منعت منه، والغرار: النوم القليل. ثم قال: ولكن حمى الشعر ومنعه، إلا قليلاً لا أحفل به، ومستكرها لا أنشط له، هم حمى النوم وطرده، وأبعده وشرده، فما أطعم منه إلا غراراً لا ينفع، ويسيراً لا يقنع. وما أنا أَسْقَمْتُ جِسْمِي بِهِ ... ولا أَنا أَضْرَمْتُ في القَلْبِ نارا ثم قال: وما أنا أسقمت نفسي بذلك الهم مختاراً للسقم، ولا ألمت نفسي به مؤثراً للألم، ولا أنا أضرمت في قلبي تلك الجمرة، ولا ألزمت نفسي تلك اللوعة، ولكني دفعت إلى ذلك على غير قصد، وامتحنت به على غير عمد. فَلاَ تُلْزِمَنَّي ذُنُوبَ الزَّمانِ ... إليَّ أَسَاَء وإيَّايَّ ضَارَا ضرت الرجل وأضررت به: بمعنى واحد. فيقول لسيف الدولة: فلا تلزمني بالتأخر عن الشعر ذنوباً أحدثها الزمان، بتعاقب خطوبه، وتكرر صروفه، فإلي أساء بكثرتها، وإياي ضار بشدتها.

стр. 367

وَعِنْدي لَكَ الشُّرْدُ السَّائِرا ... تُ لا يَخْتصِصْنَ من الأَرْضِ دَارَ الشرد هاهنا: القصائد، واحدتها شرود، وهي التي لا تستقر في مكان. ثم قال له: وعندي لك بعد ذلك الأشعار الشاردة بحسنها، السائرة في البلاد ببراعة نظمها، لا تختص من الأرض داراً تألفها، ولا جهة تسكنها، ولكنها تسير في الأرض منتقلة، وتظعن فيها على الألسن مرتحلة. فإنيّ إذا سِرْنَ في مِقْوَلي ... وَثَبْنَ الجبالَ وَخُضْنَ البِحَارا المقول: اللسان. ثم قال: فإني إذا سيرتها ناطقاً بها، وأظهرتها مروياً لها، وثبت الجبال غير متوقعة، وخاضت البحار غير متهيبة. ولي فِيْكَ ما لَمْ يَقُلْ قَائِلُ ... وَمَا لمْ يَسِرْ قَمَرُ حَيْثُ سَاراَ

стр. 368

ثم يقول لسيف الدولة: ولي فيك من بدائع الشعر، وغرائب النظم، ما لم يقل مثله قائل، ولا تعاطى نظيره شلعر، وما زاد في السير على القمر، وقصر عنه جميع البشر. فَلَوْ خُلِقَ النَّاسُ مِنْ دَهْرِهمْ ... لَكَانوا الظَّلامَ وَكُنْتَ النَّهارا ثم قال: فلو أن الناس خلقوا من دهرهم، وركبوا من زمانهم، لكنت كالنهار في بيان فضلك، وكانوا كالظلام في تواضعهم عن قدرك. أَشَدُّهم في نَدىً هِزَّةً ... وأَبعَدُهم في عَدُوٍّ مُغَارا هزة الندى: السرور به، والحرص عليه. ثم قال له: أنت أشدهم في الكرم هزة، لحرصك عليه، وأبعدهم في العدو غارة، بتسرعك إليه. سَمَا بكَ هَمَّيَ فوقَ الهُمومِ ... فَلَسْتُ أَعُدُّ يَسَارَاً يَسَارا الهم والهمة بمعنى واحد، واليسار: كثرة المال.

стр. 369

فيقول: سمت بك همتي على الهمم، وأحرزت عندك أوفر النعم، فلست أستكثر الكثير لقدرتي عليه، ولا أحفل به لتمكني فيه. وَمَنْ كُنْتَ بَحْرَاً لَهُ يا ... عَليُّ لم يَقْبِلِ الدُّرَّ إلاَّ كِبارا ثم قال له: ومن كنت يا علي بحره الذي يغترف منه، ومورده الذي يصدر عنه، لم يقبل الدر إلا كباراً غريبة، ولم تقنعه إلا نفيسة جليلة.

стр. 370

رحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر، لاضطراب البادية بها، فنزل حران، فأخذ رهائن بني نمير وقشير والعجلان، وحدث له رأي في الغزو، فعبر الفرات إلى دلوك، إلى قنطرة صنجة، إلى درب القلة، فشن الغارة على أرض عرقة وملطية. وعاد ليعبر من درب موزار، فوجد العدو قد ضبطه عليه فرجع، وتبعه العدو فعطف عليه، فقتل خلقاً من

стр. 371

الأرمن، ورجع إلى ملطية، وعبر قباقب، وهو نهر، حتى ورد المخاض على الفرات تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى بطن هنزيط وسمنين، ونزل حصن الران، ورحل إلى سميساط، فورد عليه بها من خبره أن العدو في بلد المسلمين، فأسرع إلى دلوك فعبرها، فأدركه راجعاً على جيحان فهزمه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح الدمستق في وجهه، فقال أبو الطيب يصف الحال. أنشدها في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. لَيَاليَّ بَعْدَ الظَّاعِنينَ شُكُولُ ... طِوَالُ وَلَيْلُ العَاشِقِينَ طَويلُ الشكول: جمع شكل، وهو الميل.

стр. 372

فيقول: ليالي بعد الظاعنين من أحبتي متشاكلة في طولها، متشابهة في تعذبي بها، وليل العاشقين طويل عليهم، بما يقاسونه من السهر، وما يتجدد لهم فيه من الفكر. يُبِنَّ ليَ البَدْرَ الَّذي لا أريدهُ ... وَيُخْفِينَ بَدْراً ما إليهِ سَبِيلُ ثم قال: يبن لي بدر السماء الذي لا أريده، ويظهرنه ويبدينه ولا يسترنه، ويخفين من أحبتي البدر الذي أحرص عليه، ولا أجد سبيلاً إليه. وَمَا عِشْتُ مِنْ بَعْدِ الأَحِبَّةِ سَلْوَةً ... وَلَكنيَّ للَّنائبَاتِ حَمُولُ ثم يقول: وما عشت من بعد الأحبة سالياً عن ذكرهم، ولا خالياً من حبهم، ولكني حمول للنائبات، صبور على الخطوب الموجعات. وإِنَّ رحيلاً وَاحِداً حَالَ بَيْنَنَا ... وفي الموتِ مِنْ بَعْد الرَّحِيل رَحِيلُ ثم قال: وإن رحيلا واحداً غير مضاعف، ومفرداً غير مردد، حال بيني وبينهم، وأياسني من قربهم، وفي الموت الذي أباشره بفقدهم، وأشرف عليه من بعدهم، رحيل يشفع رحيلهم، وبعاد يضاعف بعادهم، ولا دار أبعد من القبر، ولا سبب أقطع من الموت. إذا كانَ شَمُّ الرَّوْحِ أَدْنَى إليكمُ ... فَلاَ بَرَحَتْني رَوْضَةُ وَقَبُولُ الروح: نسيم الريح الشرقية. ثم يقول، مقبلاً بالخطاب على أحبته: إذا كان شم الروح أقرب الأشياء

стр. 373

منكم، وأقعدها بالدنو إليكم، وتيقنت أن الرياض في تبديكم ومنازلكم، والمياه التي تقاربها مواردكم، لما يوجب لكم علو الحال من الحلول في كرائم الأرض، فلا برحتني روضة تذكرني منزلكم، وقبول أتنسم منها ريح أفقكم. وأشار بذكر القبول إلى أن رحلة أحبته كانت إلى جهة المشرق. وَمَا شَرقِي بالماءِ إلا تَذَكُّرَاً ... لماءٍ بِهِ أَهْلُ الحَبِيبِ نُزولُ الشرق: الاختناق. ثم قال: وما أشرق بالماء إلا لعلمي أن أهل الحبيب الراحلين به، وقومه الحافظين له، يعتمدون ماء ينزلونه، ويستقرون بمنهل يحلونه، فيهيج لي الماء تذكر حلوله، وأغص به أسفاً على رحيله. يُحَرَّمُهُ لْمَعُ الأَسِنَةِ فَوْقَهُ ... فَلَيْسَ لِظَمْآنٍ إِليهِ وُصُولُ ثم قال، واصفا لموضع من يحبه من الرفعة، وما هو بسبيله من العز والمنعة: يحرم هذا الماء الذي يرده لمع أسنة قومه المحتلين به، وامتناع

стр. 374

جهتهم، واحتداد شوكتهم، فليس لظمان وصول إليه، ولا لوارد طمع فيه، وأشار بهذا إلى أن من يحبه ممنوع منه، محجوب على القرب والبعد عنه. أَمَا في النُّجُومِ السَّارياتِ وغَيْرِها ... لِعَيْني عَلَى ضَوْءِ الصَّبَاحِ دَليلُ السرى: مشى الليل، فاستعار ذلك للنجوم، فيقول، مشتكياً لسهره، وما هو عليه من شدة كمدة: أما في النجوم السارية وغيرها مما يعرف به أوقات الليل، دليل لعيني على ضوء الصباح وتدانيه، وانصراف الليل وتقضيه. أَلم يَرَ هذا الليلُ عَيْنيكِ رُؤيتي ... فَتَظْهَرَ فِيهِ رِقّةُ ونُحولُ ثم قال: مخاطباً لمحبوبته: ألم ير هذا الليل الجليل خطبه، المتصل طوله، عينيك رؤيتي لهما، ويشهد ما شهدته من سحرهما، فيقل منه ما كثر، ويقصر ما اتصل، ويرق لمن سحرتاه، ولاقي من الضعف والسقم ما ألقاه. لَقْيِتُ بِدَرْبِ القُلَّةِ الفَجْرَ لَقْيَةً ... شَفَتْ كَمَدِي واللَّيْلُ فِيهِ قَتِيلُ درب القلة: موضع في بلاد الروم.

стр. 375

فيقول: لقيت بهذا الموضع الفجر لقية على حال من البهجة، وسبيل من الغبطة، شفت كمدي بتطاول الليل، وأظهرتني عليه بالخروج عنه، وهو كالقتيل الذي قد انقضت مدته، وسقطت عمن يحذره مئونته. وَيَوْمَاً كأَنَّ الحُسْنَ فيه عَلاَمَةُ ... بَعَثْتِ بِهَا والشَّمْسُ مِنْكِ رَسُولُ ثم قال لمحبوبته مخاطباً: ولقيت بهذا الموضع يوماً تلا هذه الليلة تناهت بهجته، وراق منظره، حتى كأن حسنه حسن علامة توجهينها، وكأن الشمس فيه رسول يقدم عنك بها، فجعل صفة هذا اليوم سبباً للترفع لمحبوبته، وإبانة عن جلالة قدرها، وعلو محلها. وخرج إلى المدح بألطف سبيل، ووصل إليه أحسن وصول. وما قَبْلَ سَيْفِ الدَّولَةِ اتَّارَ عاشقُ ... ولا طُلِبَتْ عِنْدَ الظَّلامِ ذُحُولُ اتأر الرجل: إذا أدرك ثأره، وهو افتعل من الثأر، فأبدل من الثاء تاء لتقارب مخرجهما من الفم، ثم أدغم إحدى التائين في الأخرى، فقال اتأر. فيقول: وما قبل سيف الدولة، وقبل ما أبداه من الفضل، وأظهره من

стр. 376

غرائب الفعل، أدرك عاشق في الحب ثأره، ولا طلب عند الليل الطويل ذحله. وَلكِنَّهُ يَأْتي بِكُلَّ غرِيْبَةٍ ... تَرُوقُ على اسْتِغرَابِها وَتَهُولُ الهول: المخافة. ثم قال: ولكن سيف الدولة يأتي بكل غريبة في مجده، وبكل نادرة في كرمه، فيروق ذلك ويعجب، ويهول ويفزع، ويسلي من شهده عما سواه، وينسيه ما لقيه وقاساه. رَمَى الدَّرْبَ بالجُرْدِ الجيادِ إلى العِدَى ... وما عَلِموا أَنَّ السَّهامَ خُيولُ الدرب: المدخل إلى أرض العدو، والجرد: الخيل القصيرة شعر الجلود، وذلك فيها من شواهد الكرم. فيقول: إن سيف الدولة رمى الدرب، درب الروم، مقدماً عليهم، وغازياً إليهم، بكتائب خيله، ومواكب جيشه، فسارت كالسهام مسرعة، ونفذت نفاذها مصممة، ولم تعلم الروم قبل ذلك

стр. 377

أن من الخيل ما يفعل مثل هذا الفعل، ولا أن منها من يسير مثل هذا السير. شَوَائِلَ تَشْوَالَ العَقَاربِ بالقَنَا ... لَهَا مَرَحُ من تَحْتِهِ وَصَهِيلُ الشوائل: التي ترفع أذنابها عند الجري، وذلك فيها من دلائل القوة، والمرح: لعب يبعثه النشاط، والصهيل: معروف. ثم قال: شوائل بالرماح عند دفع الفرسان لها، وتسديدهم للرماح عليها، تشوال العقارب؛ يشير إلى سرعة سيرها، وكثرة جريها، ورفعها لأذنابها في ذلك الجري، وذلك في الخيل من دلائل قوة ظهورها؛ لأن ذلك التشوال أكثر ما يكون من الخيل في حين الجري، ثم دل على نشاطها بمرحها، وعلى عزة أنفسها بصهيلها. وَمَا هي إلاَّ خَطْرَةُ عَرَضَتْ لَهُ ... بِحَرَّانَ لَبَّتْها قَناً وَنُصُولُ حران: مدينة من مدائن الموصل، والتلبية: الإجابة، والقنا والنصول: معروف. ثم قال: وما كانت هذه الغزوة إلا خطرة عرضت لسيف الدولة

стр. 378

بحران، يشير إلى أنها كانت مع جلالتها عن بديهة، وأنه أنفذها مع احتفالها عن غير روية، فلبتها القنا والنصول، واقترن بها الصنع الجميل. هُمَامُ إِذا مَا هَمَّ أَمْضَى هُمُومَهُ ... بِأَرْعَنَ وَطْءُ الموتِ فيه ثَقِيلُ الهمام: الملك، وهم: بمعنى أراد، والهموم: الإرادات، والأرعن: الجيش الكثير الفضول، له رعون كرعون الجبال، والرعن: أنف الجبل. فيقول لسيف الدولة: أيها الملك الذي ما هم به فعله، وما أراده أنفذه، بجيش حافل، وجمع غالب، تقدمه إلى الأعداء حتوفهم، ويقصدهم فيه هلاكهم، ويطؤهم الموت به أثقل وطأة، ويصرعهم أشد صرعة. وَخَيْلٍ بَرَاها الرَّكْضُ في كُلَّ بَلْدَةٍ ... إذا عَرَّسَتْ فِيها فَلَيْسَ تَقِيلُ براها: أهزلها، والتعريس: النزول في آخر الليل، والقائلة: معروفة. ثم قال: وخيل يتضمنها ذلك الجيش، براها ما يحملها سيف الدولة من الركض، وما يكلفها من السير في بلاد يقتحمها إلى العدو، ويعرس

стр. 379

فيها ولا يقيل، ويسير ولا يريح. فَلَمَّا تَجَلَّى مِنْ دَلُوكَ وَصَنْجَةٍ ... عَلَتْ كُلَّ طَوْدٍ رَايَةُ وَرَعيلُ تجلى: ظهر، ودلوك وصنجة: بلدان من بلاد الروم، والطود: الجبل، والرعيل: الجماعة من الناس. ثم قال: فلما طلع سيف الدولة من دلوك وصنجة، انتشرت جيوشه، وبدت له في كل جبل راية ماثلة تتلوها جماعة ناهضة. عَلَى طُرُقٍ فيها على الطُّرْقِ رِفْعَةُ ... وَفي ذِكْها عِنْدَ الأَنِيس خُمُولُ ثم يقول: إن هذا الجيش سلك إلى الروم على طرق كانت ممتنعة لا تسلك، ومجهولة لا تعرف، فكانت مرتفعة على الطرق، متشرفة على سائر السبل، وفي ذكرها عند الناس خمول، لجهلهم بها، وقلة سلوكهم لها. فَمَا شَعَروا حَتَّى رَأَوْها مُغِيرةً ... قِبَاحَاً وَأَمَّا خَلْقُها فَجَمِيلُ ثم قال: فما شعرت الروم حتى رأوا هذه الخيل قاصدة إليهم، ومغيرة عليهم، قباحاً في أعينهم، لصنيعها فيهم، وهي مع ذلك مطهمة في خلقها، متناهية في تمام حسنها.

стр. 380

سَحَائِبُ يُمْطِرْنَ الحديدَ عَلْيهِمُ ... فَكُلُّ مَكانِ بالسيوفِ غَسِيلُ ثم وصفها بالكثرة، فقال: سحائب تمطر الحديد عليهم، وتعمل السلاح فيهم، فكل مكان تغسله السيوف؛ بما تسفكه من الدم، وتغشاه بما تحدثه من القتل. وأَمْسَى السَّبَايَا يَنْتحبْنَ بِعَرْقَةٍ ... كَأنَّ جُيوبَ الثَّاكِلاتِ ذُيولُ الانتحاب: البكاء، وعرقة: موضع في بلاد الروم. فيقول: وأمسى سبايا الروم بعرقة؛ هذا الموضع، ينتحبن باكيات، ويعولن متفجعات، قد شققن جيوبهن، ومزقن ثيابهن، فعادت جيوبهن ذيولاً تسحب، وكانت مصونة تحفظ. وَعَادَتْ فَظَنُّوها بمَوْزَارَ قُفَّلاً ... وَلَيسَ لَهاَ إلاَّ الدُّخُول قُفُولُ موزار: موضع في بلاد الروم. ثم قال: وعادت خيول سيف الدولة، فظنها الروم قفلاً منصرفة بموزار، هذا الموضع، وليس لها قفول إلا الدخول إليهم، والاقتحام عليهم، فكانت عودتها إلى موزار لخلاف ما ظنوه، ولغير ما احتسبوه.

стр. 381

فَخَاضَتْ نَجِيعَ الجَمْعِ خَوْضَاً كَأَنَّهُ ... بِكُلَّ نَجْيعٍ لم تَخُضْهُ كَفِيلُ النجع: الدم، والكفيل: الضامن. فيقول: فخاضت هذه الخيل بموزار دم الجمع، الذي أوقعت به من الروم، خوضاً كأنه تكفل بظاهر الغلبة فيه، واقتران النصر به، بما خاضته بعد ذلك من دمائهم، وهزمته من جيوشهم. تُسَايِرُهَا النَّيرانُ في كُلَّ مَسْلَكٍ ... به القَوْمُ صَرْعى والدَّيارُ طُلُولُ المسلك: الطريق، والطلول: ما بقي من آثار الديار وأشرف منها. ثم قال: تساير هذه الخيل هذه النيران التي تضرمها في ديار الروم في كل مسلك أهله صرعى بالقتل، ومنازله طلول بالخراب. يشير إلى ما أحدثته هذه الخيل في بلاد الروم من إحراق نعمهم، وهدم ديارهم، وكثرة القتل فيهم. وَكَرَّتْ فَمَرَّتْ في دِمَاءِ مَلَطْيَةٍ ... مَلَطْيَةُ أُمُّ للبنينَ ثَكُولُ

стр. 382

ملطية: مدينة من مدائن الروم. فيقول: وكرت هذه الخيل، فمرت في دماء أهل ملطية، وأخبر عن البلد كما يخبر عن أهله، والعرب تفعل ذلك. قال الله : (وسئل القرية) يريد أهل القرية. فيقول إنها خاضت تلك الدماء سافكة لها، مستبلغة بالقتل في أهلها، ثم قال: ملطية، هذه المدينة، ثكول لأهلها، مفجعة بالقتل على من سكنها، وأشار بالأم والبنين إلى ذلك على سبيل الاستعارة. وَأَضْعَفْنَ ما كُلَّفْنَهُ من قُبَاقِبٍ ... فَأَضْحَى كَأَنَّ المَاَء فيهِ عَليلُ قباقب: واد في بلادهم، والثكول: التي تفقد بنيها. ثم قال: وأضعفت هذه الخيل قباقب، هذا النهر، عند عبوره؛ بشدة تزاحمها فيه، وكثرة ترادفها عليه، فأضحى ماؤه كالعليل الساقط القوة، والمغلوب الضعيف المنة. وَرُعْنَ بِنَا قَلْبَ الفُراتِ كَأَنما ... تَخِرُّ عَلَيْهِ بالرَّجَالِ سُيولُ الفرات: نهر عظيم معروف.

стр. 383

فيقول: وراعت بنا هذه الخيل قلب الفرات وذعرته، وأخافته وأفزعته، حتى كأنما تخر عليه من جماعات الرجال، ومواكب الخيول، سيول طارقة، وأمواج بحر متلاطمة، وجعل للفرات قلباً على سبيل الاستعارة. يُطارِدُ فيهِ مَوْجَهُ كُلُّ سَابحٍ ... سَواءُ عَلَيْهِ غَمْرةُ وَمَسِيلُ السابح: الفرس الذي يمد يديه في الجري، وغمرة الماء: مجتمعة، والمسيل: مجرى ماء المطر. ثم قال: يطارد موج هذا النهر كل سابح من الخيل، سواء عنده منه الغمرة والمسيل، والكثير والقليل. يشير إلى ما هذه الخيل عليه من شدة الأسر، وما بلغته من قوة الخلق. تَرَاهُ كَأَنَّ الماَء مَرَّ بِجِسْمِهِ ... وَأَقْبَلَ رَأْسُ وَحْدَهُ وَتَلِيلُ التليل: العنق. ثم قال: ترى ذلك السابح في الفرات، بكثرة مائه، وتعذر خوضه، وقد استتر جسمه، وخفي أكثره، حتى كأن الماء مر به، فلم يبق منه إلا القليل، ولا ظهر إلا الرأس والتليل. وفي بَطْنِ هِنْزيطٍ وسَمْنِينَ للِظُّبَا ... وصُمَّ القَنَا ممن أَبِدْنَ بَديِلُ

стр. 384

هنزيط وسمنين: موضعان في بلاد الروم، والبطن: ما انخفض من الأرض. فيقول: وفي بطن هنزيط وسمنين، هذين (الموضعين)، للسيوف والرماح بديل ممن قتلنه، وعوض ممن أتلفنه، يريد: أن وقائع هذه الخيل، من هذين الموضعين، متصلة على الروم، فكلما عمرتها منهم طائفة أفنتها هذه الخيل بوقائعها، وإغارتها عليهم. طَلَعْنَ عَلَيْهم طَلَعْةً يَعْرِفُونَها ... لها غُررُ ما تَنْقَضِي وَحُجُولُ الغرر: معروفة، والحجول: بياض في قوائم الخيل. ثم قال: طلعت هذه الخيل على من ألفته في هذين الموضعين من الروم طلعة قد عرفوا مثلها، وعهدوا ما يشبهها لها، بجلالتها وعظمها، وشهرتها غرر لا تخفي بها، وحجول لا تستتير معها. تَمَلُّ الحُصونُ الشُّمُّ طولَ نِزَالنا ... فَتُلْقِي إلَيْنَا أَهْلَها وتَزُولُ

стр. 385

الحصون الشم: المستعلية. فيقول: تمل الحصون الممتنعة مداومتنا لقتالها، وملازمتنا لحصارها، فتسهل لنا الظفر بأهلها، ولا تمتنع عما نحاوله من هدمها، وتصبح كالزائلة بتغير بنيتها، واستحالة هيئتها. وَبِتْنَ بِحِصْنِ الرَّان رَزْحَي مِنَ الوَجَى ... وَكُلُّ عَزِيزٍ للأَميرِ ذَليلُ حصن الرام: من حصون الروم، والرزحي: القائمة عن أعياء وكلال، والوجى: الحفي. ثم قال: وباتت خيل سيف الدولة بحصن الران رزحي متوجئة، بما لاقته من سفرها، وما عاينته من شدة تعبها، وقد خضع ملك الروم لسيف الدولة، فذل عزيزهم، ودان منيعهم، واعترف بعبوديته صغيرهم وكبيرهم. وَفي كُلَّ نَفْسٍ مَا خَلاهُ مَلاَلَةُ ... وفي كُلَّ سَيْفٍ ما خَلاَهُ فُلُولُ ثم قال: وفي كل نفس من نفوس الجيش ملالة، لطول هذه الغزوة وكثرة وقائع هذه السفرة، ما خلا سيف الدولة، فإنه لا يهن ولا

стр. 386

يفتر، ولا يمل ولا يكسل، وكذلك سيف في ذلك الجيش، فله الضراب، وأوهنه الجلاد، وهو السيف الذي لا ينبو عن ضريبة، ولا يضيق بحمل عظيمة. وَدُونَ سُمَيْسَاطَ المَطَاميُر والمَلا ... وَأَوْدِيةُ مَجْهُولَةُ وهُجُولُ سميساط: بلد من بلاد الروم، والمطامير: حفر غائرة في الأرض، واحدتها مطمورة، والملا: الفلاة، والهجول: جمع هجل، وهو ما أطمأن من الأرض واتسع. فيقول: ودون سميساط التي حل جيش سيف الدولة فيها؛ ما اعترضهم من المطامير التي سلكوا بينها، والفلاة التي قطعوا بعدها، وما سلكوا بعد ذلك من الأودية المجهولة، والهجول المتصلة. لَبِسْنَ الدُّجَى فيها إلى أَرضِ مِرَعشٍ ... وللرُّومِ خَطْبُ في البِلادِ جَليِلُ مرعش: حصن من حصون الروم، ورد فيه الخبر على سيف الدولة بخروج الروم إلى بلاد الإسلام، فأبعتهم وأوقع بهم.

стр. 387

ثم قال: إن خيل ذلك الجيش لبست الدجى في هذه المواضع، وهي تسري إلى العدو وتسرع، وتخب نحوهم وتوضع، حتى أتت أرض مرعش، وخطب الروم في البلاد جليل مستشنع، ومخوف متوقع. فَلَمَّا رَأَوْهُ وَحْدَهُ قَبْلَ جَيْشِهِ ... دَرَوْا أَنَّ كُلَّ العالمِينَ فُضُولُ الفضول: الزوائد. فيقول: إن الروم لما رأوا سيف الدولة يقدم جيشه، ويقود جمعه، دروا أن العالمين بعده فضول زائدة، ونوافل ساقطة، وأنه يستغني بنفسه، ولا يفتقر إلى جيشه. وَأَنَّ رِمِاحَ الخَطَّ عَنْهُ قَصِيْرَهُ ... وَأَنَّ حَديدَ الهِنْدِ عَنْهُ كَليلُ الكليل: الذي لا يقطع. ثم أكد ذلك، فقال: ودروا أن رماح الخط تقصر عنه، لإحجام حاملها عن موافقته، وحديد الهند ينبو عنه، لجزع الضاربين به عن مجالدته. يشير إلى إحجام الفرسان عنه، واعتصامهم بالفرار منه. فَأَوْرَدَهُمْ صَدْرَ الحِصَانِ وَسَيْفَهُ ... فَتَىً بأْسُهُ مِثلُ العَطَاءِ جَزيلُ

стр. 388

الحصان: الفحل من الخيل. فيقول، مشيراً إلى لحاق سيف الدولة بالروم، وإيقاعه بهم: فصيرهم مورداً لصدر حصانه، ونهبة لحد سيفه، فتى بأسه شديد بالغ، كما أن عطاءه كثير شامل، فبأسه يماثل جوده، وإقدامه يشاكل فضله. جَوَادُ على العِلاَّتِ بالمالِ كُلَّهِ ... وَلِكنَّهُ بالدَّارِعينَ بَخِيلُ الغلات: العوائق، والجزيل: الكثير. ثم قال، مشيراً إليه: جواد على العلات المانعة، والعوائق المعترضة بضروب ماله كله، لا يستأثر بشيء من ذلك ولا يدخره، ولا يمسكه ولا يستكثره، ولكنه ضنين بفرسانه، بخيل أشد البخل بأصحابه. فَوَدَّعَ قَتْلاَهُمْ وَشَيَّعَ فَلَّهُمْ حُزُونُ البَيْضِ فيهِ سُهُولُ الحزون: جمع حزن، وهو ما غلظ من الأرض، والفل: المنهزم، والبيض: معروفة. فيقول، مخبراً عن سَيف الدولة: فودع قتلى الروم عند تركهم،

стр. 389

وشيع فلهم عند طلبهم، بضرب شديد، وجلاد وكيد، يكسر البيض في رؤوس الفرسان ويسحقها، ويحطها ويبسطها، ويجعل ما نتأ منها وارتفع، كما انخفض واتضع. وطابق بين التوديع والتشييع، والحزون والسهول، واستعار الحزون والسهول من البيض، مبدعاً بجميع ذلك. عَلَى قَلْبِ قُسْطَنْطينَ مِنْهُ تَعَجُّبُ ... وإنْ كانَ في ساقَيهِ منه كُبُولُ ثم قال: على قلب قسطنطين بن الدمستق، أمير جيش الروم، من ذلك الضرب تعجب شاغل، وتروع غالب، وإن كان لا يستنكر ذلك منه، وهو الذي أصاره إلى الأسر، وأودع حلق الكبل. لَعَلَّكَ يوماً يا دُمُسْتُقُ عَائِدُ ... فَكَمْ هَاربُ مما إليه يَؤولُ ثم يقول للدمستق؛ صاحب جيش الروم: لعلك عائد إلى مواقفة سيف الدولة، فيوردك القتل الذي فته بهربك، ويحيق بك الهلاك الذي استدفعته بفرارك، فرب هارب مما يؤول إليه، ومتخلص مما يورطه الحين فيه.

стр. 390

نَجَوْتَ بإِحْدَى مُهْجَتْيكَ جَريحَةً ... وَخَلَّفْتَ إِحدى مُهْجَتْيكَ تَسْيلُ ثم قال، مخاطباً للدمستق: أنت وابنك كالشيء الواحد، ومهجتاكما كالمهجة المفردة، فإن كنت نجوت بمهجتك بعد الجرح الذي نالك، وخزي الفرار الذي لحقك، فقد تركت مهجتك الثانية في قبض الأسر سائله، ولحقيقة الهلاك مباشرة، فما أدرك ابنك فقد أدركك، وما لحقه فقد لحقك. . أَتُسْلِمُ لِلْخَطَّيةِ ابْنَكَ هَارباً ... وَيَسْكُنُ في الدُّنْيا إليكَ خَليلُ ثم يقول للدمستق: أتسلم ابنك للرماح هارباً عنه، وتتركه في قبضة الأسر متبرئاً منه، ويسكن بعد ذلك إليك خليل تألفه، وتسر بعيش تستأنفه؟ بِوَجْهِكَ ما أنْسَاكَهُ من مُرِشَّةٍ ... نَصِيُركِ مِنْهاَ رَنَّة وَعَويلُ المرشة: (الجراحة) التي يندفع منها الدم، والرنة: رفع الصوت بالبكاء، والعويل: البكاء. ثم قال، زارياً عليه: بوجهك من الجراحة المرشة التي لحقتك، والالآم الموجعة التي لازمتك ما أنساك فقده، وسهل عليك أمره، ونصيرك من ذلك الإعلان بالرنين، والملازمة للعويل.
следующие страницы →