← Адаб

Адаб · id 37065

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الأول

ابن الإفليلي

Полный текст (567 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يفتر، ولا يمل ولا يكسل، وكذلك سيف في ذلك الجيش، فله الضراب، وأوهنه الجلاد، وهو السيف الذي لا ينبو عن ضريبة، ولا يضيق بحمل عظيمة. وَدُونَ سُمَيْسَاطَ المَطَاميُر والمَلا ... وَأَوْدِيةُ مَجْهُولَةُ وهُجُولُ سميساط: بلد من بلاد الروم، والمطامير: حفر غائرة في الأرض، واحدتها مطمورة، والملا: الفلاة، والهجول: جمع هجل، وهو ما أطمأن من الأرض واتسع. فيقول: ودون سميساط التي حل جيش سيف الدولة فيها؛ ما اعترضهم من المطامير التي سلكوا بينها، والفلاة التي قطعوا بعدها، وما سلكوا بعد ذلك من الأودية المجهولة، والهجول المتصلة. لَبِسْنَ الدُّجَى فيها إلى أَرضِ مِرَعشٍ ... وللرُّومِ خَطْبُ في البِلادِ جَليِلُ مرعش: حصن من حصون الروم، ورد فيه الخبر على سيف الدولة بخروج الروم إلى بلاد الإسلام، فأبعتهم وأوقع بهم.

стр. 387

ثم قال: إن خيل ذلك الجيش لبست الدجى في هذه المواضع، وهي تسري إلى العدو وتسرع، وتخب نحوهم وتوضع، حتى أتت أرض مرعش، وخطب الروم في البلاد جليل مستشنع، ومخوف متوقع. فَلَمَّا رَأَوْهُ وَحْدَهُ قَبْلَ جَيْشِهِ ... دَرَوْا أَنَّ كُلَّ العالمِينَ فُضُولُ الفضول: الزوائد. فيقول: إن الروم لما رأوا سيف الدولة يقدم جيشه، ويقود جمعه، دروا أن العالمين بعده فضول زائدة، ونوافل ساقطة، وأنه يستغني بنفسه، ولا يفتقر إلى جيشه. وَأَنَّ رِمِاحَ الخَطَّ عَنْهُ قَصِيْرَهُ ... وَأَنَّ حَديدَ الهِنْدِ عَنْهُ كَليلُ الكليل: الذي لا يقطع. ثم أكد ذلك، فقال: ودروا أن رماح الخط تقصر عنه، لإحجام حاملها عن موافقته، وحديد الهند ينبو عنه، لجزع الضاربين به عن مجالدته. يشير إلى إحجام الفرسان عنه، واعتصامهم بالفرار منه. فَأَوْرَدَهُمْ صَدْرَ الحِصَانِ وَسَيْفَهُ ... فَتَىً بأْسُهُ مِثلُ العَطَاءِ جَزيلُ

стр. 388

الحصان: الفحل من الخيل. فيقول، مشيراً إلى لحاق سيف الدولة بالروم، وإيقاعه بهم: فصيرهم مورداً لصدر حصانه، ونهبة لحد سيفه، فتى بأسه شديد بالغ، كما أن عطاءه كثير شامل، فبأسه يماثل جوده، وإقدامه يشاكل فضله. جَوَادُ على العِلاَّتِ بالمالِ كُلَّهِ ... وَلِكنَّهُ بالدَّارِعينَ بَخِيلُ الغلات: العوائق، والجزيل: الكثير. ثم قال، مشيراً إليه: جواد على العلات المانعة، والعوائق المعترضة بضروب ماله كله، لا يستأثر بشيء من ذلك ولا يدخره، ولا يمسكه ولا يستكثره، ولكنه ضنين بفرسانه، بخيل أشد البخل بأصحابه. فَوَدَّعَ قَتْلاَهُمْ وَشَيَّعَ فَلَّهُمْ حُزُونُ البَيْضِ فيهِ سُهُولُ الحزون: جمع حزن، وهو ما غلظ من الأرض، والفل: المنهزم، والبيض: معروفة. فيقول، مخبراً عن سَيف الدولة: فودع قتلى الروم عند تركهم،

стр. 389

وشيع فلهم عند طلبهم، بضرب شديد، وجلاد وكيد، يكسر البيض في رؤوس الفرسان ويسحقها، ويحطها ويبسطها، ويجعل ما نتأ منها وارتفع، كما انخفض واتضع. وطابق بين التوديع والتشييع، والحزون والسهول، واستعار الحزون والسهول من البيض، مبدعاً بجميع ذلك. عَلَى قَلْبِ قُسْطَنْطينَ مِنْهُ تَعَجُّبُ ... وإنْ كانَ في ساقَيهِ منه كُبُولُ ثم قال: على قلب قسطنطين بن الدمستق، أمير جيش الروم، من ذلك الضرب تعجب شاغل، وتروع غالب، وإن كان لا يستنكر ذلك منه، وهو الذي أصاره إلى الأسر، وأودع حلق الكبل. لَعَلَّكَ يوماً يا دُمُسْتُقُ عَائِدُ ... فَكَمْ هَاربُ مما إليه يَؤولُ ثم يقول للدمستق؛ صاحب جيش الروم: لعلك عائد إلى مواقفة سيف الدولة، فيوردك القتل الذي فته بهربك، ويحيق بك الهلاك الذي استدفعته بفرارك، فرب هارب مما يؤول إليه، ومتخلص مما يورطه الحين فيه.

стр. 390

نَجَوْتَ بإِحْدَى مُهْجَتْيكَ جَريحَةً ... وَخَلَّفْتَ إِحدى مُهْجَتْيكَ تَسْيلُ ثم قال، مخاطباً للدمستق: أنت وابنك كالشيء الواحد، ومهجتاكما كالمهجة المفردة، فإن كنت نجوت بمهجتك بعد الجرح الذي نالك، وخزي الفرار الذي لحقك، فقد تركت مهجتك الثانية في قبض الأسر سائله، ولحقيقة الهلاك مباشرة، فما أدرك ابنك فقد أدركك، وما لحقه فقد لحقك. . أَتُسْلِمُ لِلْخَطَّيةِ ابْنَكَ هَارباً ... وَيَسْكُنُ في الدُّنْيا إليكَ خَليلُ ثم يقول للدمستق: أتسلم ابنك للرماح هارباً عنه، وتتركه في قبضة الأسر متبرئاً منه، ويسكن بعد ذلك إليك خليل تألفه، وتسر بعيش تستأنفه؟ بِوَجْهِكَ ما أنْسَاكَهُ من مُرِشَّةٍ ... نَصِيُركِ مِنْهاَ رَنَّة وَعَويلُ المرشة: (الجراحة) التي يندفع منها الدم، والرنة: رفع الصوت بالبكاء، والعويل: البكاء. ثم قال، زارياً عليه: بوجهك من الجراحة المرشة التي لحقتك، والالآم الموجعة التي لازمتك ما أنساك فقده، وسهل عليك أمره، ونصيرك من ذلك الإعلان بالرنين، والملازمة للعويل.

стр. 391

أَغَرَّكُمُ طُولُ الجيوشِ وَعَرْضُها! ... عَليَّ شَروبُ للجيوشِ أَكُولُ يقول، مخاطباً للروم: أغركم احتفال جيوشكم، وكثرة عددكم، والجيوش لعلي سيف الدولة، كالغذاء الذي يتقوت به، ويتحكم في استعماله له، فهو يشرب الجيوش ويأكلها، ويتلفها ويهلكها. وذكر الشرب والأكل على سبيل الاستعارة. إذا لم تَكُنْ لِلَّبثِ إلاَّ فَريسةً ... غَذاهُ ولم يَنْفَعْكَ أَنَّكَ فِيلُ الفريسة: ما اختلسه الأسد من الحيوان، فدق عنقه، والفرس: دق العنق، والليث والفيل: معروفان. ثم قال: إذا كنت فريسة لليث يأكلك، ويتقوتبك، وكنت فيلاً من عظمك، غذاة أنك فيل وأشبعه، وسره ضخمك ووافقه، ولم ينفعك أنت عظم خلقك، ولا عصمك من الأكل ضخامة جسمك، وإنما ضرب هذا مثلاً للروم، وما كانوا عليه من الكثرة، وغلبه سيف الدولة لهم مع القلة. إذا الطَّعْنُ لم تُدْخِلْكَ فيه شَجَاعةُ ... هي الطَّعنُ لم يُدْخِلْكَ فيه عَذُولُ

стр. 392

ثم قال: إذا الطعن لم يحملك عليه، ولا يدخلك فيه، شجاعة هي الطعن، وبها يكون البطش والفعل، لم يدخلك فيه عاذل يعذلك على الجبن، ويستقصرك في قبيح الفعل؛ لأن الخلق غالبة، والطبائع للإنسان لازمة. فإنْ تَكُن الأَيَّامُ أَبْصَرْنَ صَوْلَهُ ... فَقَدْ عَلَّم الأَيَّامَ كَيْفَ تَصُولُ الصولة: حملة الباطش. فيقول: فإن تكن الأيام أبصرت بطش سيف الدولة وصوله، ووقائعه وفعله، فقد علمها من ذلك ما لم تعلمه، وكشف لها ما تعرفه، ونهج لها سبيل الصول والقدرة، ونبهها على حقائق الغلبة، مع أن هذه الأحوال إلى الأيام تنسب، وآثارها فيها تمثل. فَدَتْكَ مُلوكُ لم تُسَمَّ مَواضِياً ... فإنَّكَ ماضي الشَّفْرَتيْنِ صَقيلُ المواضي: السُّيوف. ثم قال لسيف الدولة: فدتك ملوك تروم مشابهتك، ولم تسم سيوفاً مواضي، فتماثلك في اسمك، وتعادلك في قدرك، فإنك السيف اسماً

стр. 393

وحقيقة، وتلقباً وخبرة، ماضي الشفرتين، صقيل الصفحتين. إذا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ سَيْفَاً لِدَوْلَةٍ ... ففي النَّاسِ بُوقَاتُ لها وَطُبولُ البوُقَاتُ والطُّبولُ: معروفة. ثم قال: إذا كانت صفات الناس معربة عنهم، وأسماؤهم مبينة لهم، ونسبوا إلى الدولة بحسب مواضعهم منها، وأقدارهم فيها، فسيفها في أرفع منازلها، وأجل مراتبها، ومنهم لا محالة من يحل فيها محل البوقات والطبول التي تتخذ للتهويل والشنعة، ولاحظ لها في العلو والرفعة. يشير إلى محل المتصرفين في الدولة من علي بن حمدان، محل البوقات والطبول من السيف الصارم الصقيل، واسمه على ذلك دليل قاطع، وشاهد صادق. أنا السَّابقُ الهادِي إلى ما أَقُولُهُ ... إذ القَوْلُ قَبْلَ القَائِلينَ مَقُولُ ثم يقول: أنا السابق إلى ما أبدعه في القول، الهادي إلى ما أغرب به من الشعر، لا اهتدي في ذلك بمن سبقني بعمره، وفاتني بتقدم عصره، إذ كان غيري من القائلين لا يخرج عما قيل قبله، ولا يورد إلا ما قد قاله غيره.

стр. 394

وما لِكَلاَمِ النَّاس فيما يَرْيْبُني ... أُصُولُ ولا لِلْقائليهِ أُصُولُ ثم قال: وما لكلام حاسدي من الناس فيما أستريبه منهم، ويتصل بي عنهم، أصول ثابتة في الصدق، كما أن ما للقائلين بذلك أصول ثابتة في الفضل، فسقوطهم في أقوالهم كسقوطهم في أحوالهم. وهذه العبارة وإن زادت على لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده. أُعَادَي عَلَى مَا يُوجِبُ الحُبَّ لِلْفَتَى ... وأَهْدَأُ والأَفْكَارُ فيَّ تَجُولُ ثم يقول، مخبراً عن نفسه، ومتشكياً للمغترين بحسده: أعادي على ما أنفرد به من الفضل، وأبدعه في صناعة الشعر، مع الإنصاف (الذي) يوجب الحب، ويكسب المصافاة والود، وأهدأ منطوياً على سلامة الصدر، ومجانبة الحسد والضغن، وأفكار حاسدي في جائله، وأنفسهم متشاغلة. سِوَى وَجَعِ الحُسَّادِ داوِ فإنَّهُ ... إذا حَلَّ في قَلْبٍ فَلَيْسَ يَحُولُ ثم قال على سبيل المثل: غير ما يصطنعه الحاسد، فداوه بلطفك،

стр. 395

وتعلقه بحلمك، وأما وجع الحسد فلا طمع فيه، ولا سبيل للعلاج عليه؛ لأنه إذا حل في قلب المتخلق به، ثابت لا يحول، ودائم لا يزول. ولا تَطْمَعَنْ من حَاسدٍ في مَوَدَّةٍ ... وإنْ كُنْتَ تُبْدِيها له وَتُنِيلُ ثم قال: ولا تطمعن، ممن تتيقن حسده، في صدق مودة، وخلوص محبة، وإن أظهرت ذلك والتزمته، وأبديته واعتقدته، وبذلت له مع ذلك النيل والمشاركة، والبر والمكارمة، فالحسد داء لا يبرأ منه، وخلق لا ينفصل صاحبه عنه. وإنا لَنَلْقَى الحادِثَاتِ بأَنْفُسٍ ... كَثِيُر الرَّزَايا عِنْدَهُنَّ قَليلُ يقول، مخبراً عما هو عليه من الصبر وقلة الجزع لحوادث الدهر: وأنا لنلقي الحادثات بأنفس صابرة، وعزائم ثابتة، تستقل الرزايا الكثيرة، وتحتقر الخطوب الجليلة. يَهونُ عَلَيْنا أَنْ تُصَابَ جُسُومنا ... وَتَسْلَمُ أَعْرَاضُ لنا وعُقُولُ ثم قال: يهون علينا أن تصاب جسومنا في الحرب، وأن تتعرض

стр. 396

للجراح والقتل، إذا كانت أعراضنا وافرة، عقولنا من الخطأ سالمة. فَتِيْهَاً وَفَخراً تَغْلبَ ابنَةَ وائِلِ ... فأَنْتِ لخيرِ الفَاخِرينَ قَبِيلُ تغلب وبكر ابنا وائل بن قاسط، ومن ولديهما الجمهور الأعظم من ربيعة بن نزار، وأنث تغلب؛ لأنها قبيلة؛ ومنهم رهط سيف الدولة. فيقول لتغلب؛ هذه القبيلة: فتيهي تهياً، وافخري فخراً، فأنت لسيف الدولة قبيل، وهو خير الفاخرين، وأكرم من يرفع به من الأكرمين. وحذف الفعلين في قوله: (فتيهاً وفخراً)؛ لدلالة المصدرين عليهما. يَغُمُّ عَلَّياً أَنْ يَمُوتَ عَدُوُّهُ ... إذا لَمْ تَغُلْهُ بالأَسِنَّةِ غُولُ الغول: الإهلاك، والغول: المنية. ثم قال: يغم عليا، يريد: سيف الدولة، أن يموت عدوه حتف أنفه، مع ما في ذلك له من الكفاية، وبلوغ الرغبة، وسقوط المؤونة، إذا لم تغله أسنته، وتحيط به مقدرته، وتهلكه وقائعه؛ لأنه على يقين من الظفر به، فإذا أفاته الموت ساءه ذلك. وظنه شيئاً سبق إليه، ومنع من بلوغ المراد فيه.

стр. 397

شَرِيْكُ المَنَايَا والنُّفوسُ غَنْيمةُ ... فَكُلُّ مماتٍ لم يُمِيتْهُ غُلُولُ الغلول: ما أخذ على سبيل الخيانة من الفيء. ثم قال: هو شريك المنايا بكثرة ما يحدثه من القتل، ويتلفه من النفوس في الحرب، والنفوس له كالغنائم المحتازة، والأنهاب المتملكة، فكل ممات لا يشرك المنايا فيه، فهو كالغلول المأخوذة على غير وجوهها، والأمور المقصودة على غير سبيلها. يشير إلى كثرة وقائعه، واتصال ملاحمه. فإن تكُن الدَّوْلاَتُ قِسْماً فإنَّها ... لِمَنْ وَرَدَ الموتَ الزُّؤَامَ تَدُولُ الدولة: مدة الظفر، ودولة السلطان من ذلك، وهي بمعنى المصدر، ويقال دالت لفلان دولة فهي تدول. والموت الزؤام: العاجل. فيقول: فإن تكن الدولات أقساماً تستحق، وحظوظاً تستوجب، فإن أحق من كانت له فتملكها، وأسعدته فانفرد بها، من ورد الموت الزؤام غير متهيب، وأقدم عليه غير متوقع.

стр. 398

لِمَنْ هَوَّنَ الدُّنيا على النَّفْسِ سَاعَةً ... وَلِلْبيضِ في هَامِ الكُماةِ صَلِيبلُ الكماة: الشجعان، والبيض: السيوف، والصليل: امتداد الصوت. ثم أكد ذلك، فقال: لمن هون الدنيا على نفسه ساعة، والأبطال تتجالد، وكؤوس الموت تتنازع، وأحكام السيوف بين الفرسان نافذة، وأصواتها في رؤوس الشجعان عالية.

стр. 399

ودخل عليه يوماً يعوده من علة وجدها، وقد كان عاتباً عليه لتأخر مدحه عنه، فقال له. بِأَدْنَى ابْتِسَامٍ مِنْكَ تَحْيا القَرَائِحُ ... وَتَقْوَى مِنَ الجِسْمِ الضَّعيفِ الجَوارِحُ القريحة: العقل. فيقول لسيف الدولة: بأدنى ابتسام منك تحيى العقول الطائشة، وتسكن النفوس الخائفة، ةبأيسر شواهد رضاك تقوى جوارح الجسم الضعيف، ويؤمن من مكاره الأمر المخوف. وَمَنْ ذَا الَّذي يَقْضي حُقُوقَك كُلَّها ... وَمَنْ ذَا الذي يُرْضي سِوَى مَنْ تُسَامحُ ثم قال: ومن ذا الذي يقوم بقضاء حقوقك، ويستقل بشكر نعمك، ويبلغ ما يرضي في ذلك، سوى من تسمح له في ما أغفل، وتتجاوز عنه فيما قصر.

стр. 400

وَقَدْ تَقْبلُ العُذْرَ الخَفِيَّ تَكَرُّماً ... فما بَالُ عُذْريَ وَاقِفَاً وَهْو واضِح ثم يقول لسيف الدولة: وقد تقبل بسعة فضلك، ومشهور كرمك، العذر الذي يخفي فيه الصدق، ولا يستتر عليه الحق، فما بال عذري واقفاً لديك لا يسمع، وهو من ذلك واضح لا يدفع؟ وإنَّ مُحالاً إذ بكَ العَيْشُ أَن أُرى ... وَجِسْمُكَ مُعْتَلُّ وَجِسْمِيَ صَالِحُ ثم قال: وإن من المحال إذ كان عيشي بك، ونفسي خالصة لك، أن يصلح جسمي ويعتل جسمك، وتسلم حالي وتختل حالك، بل آلم لألمك، وأشكو أضعاف ما تشكوه من وجعك. وَمَا كَانَ تَرْكُ الشَّعْرِ إلاَّ لأَنَّه ... تُقَصَّرُ عَنْ وَصفِ الأَميرِ المدائِحُ ثم قال: وما تركت الشعر مغفلاً لمدحك، ولا تأخرت به مفرطاً في شكرك، ولكن الشعر يقصر عن حقيقة وصلك، ويتواضع دون رفعة قدرك، ويبعد فيه ما يليق بك، ويتعذر منه ما ارتضيه لك.

стр. 401

وقال أيضاً في علته: أَيَدْري مَا أَرَابَكَ مَنْ يُرِيبُ ... وَهَلْ تَرقَى إلى الفَلَكِ الخُطُوبُ راب الشيء وأراب: بمعنى واحد، إذا أوجب الريبة. فيقول لسيف الدولة: أيدري هذا الألم المطيف بك، وهذا الوجع العارض لك، من يريبه منك فيؤلمه، ويشكيه ويمرضه، ولو تبين ذلك لأعظمه، ولو دراه لتهيبه، فالفلك لا ترقي إليه الخطوب لرفعته، وقدرك من العلو في أبعد غايته. وَجِسْمُكَ فَوْقَ هِمَّةِ كُلَّ دَاءٍ ... فَقُربُ أَقَلَّها مِنْهُ عَجِيبُ ثم قال: وهمم الأدواء تتقاصر عن جسمك، وتتواضع عن قدرك، فقرب أقلها منك غريب مستنكر، وعجيب مستعظم. يَجَمَّشُكَ الزَّمَانُ هَوىً وَحُبَّاً ... وَقَدْ يُؤْذَي مِنَ المِقَةِ الحَبْيبُ

стр. 402

التجميش: المغازلة والملاعبة، والمقة: المحبة. ثم قال: ويجمشك الزمان فعل المعجب بك، ويغازلك فعل المتحبب إليك، وقد يؤذي المحب حبيبه غير عامد، ويصيبه بالألم غير قاصد. وَكَيْفَ تُعِلُّكَ الدُّنْيا بِشَيْءٍ ... وَاَنْتَ بِعِلَّةِ الدُّنيَا طَبيبُ ثم يقول: وكيف تعلك الدنيا بطائف يمرضك، وشكية توجعك، وأنت طبيب الدنيا من عللها، والمجير من مخوف ألمها؟ فبالإخصاب في فضلك يستدفع محلها، وبالتصرف في فضلك يستكف ضرها. وَكَيفَ تَنُوبُكَ الشَّكْوىَ بِدَاءٍ ... وَأَنْتَ المُسْتَغَاثُ لَمِا يَنُوبُ ثم قال: وكيف تنوبك الشكوى بدائها، وتعتمدك بألمها، وأنت المستغاث في الحوادث الطارقة، والمنتصر به في النوائب العارضة؟ مَلِلْتَ مُقَامَ يَوْمٍ لَيْسَ فيه ... طِعانُ صَادِقُ ودَمُ صَبِيبُ ثم قال: مللت إقامتك على حال دعة، وتأخرك عن شن غارة، وانصرام يوم من أيامك دون وقعة على أعدائك، تعمل فيها الطعان الصادقة، وتكثر فيها الدماء الجارية.

стр. 403

وأَنْتَ الملكُ تُمْرِضُهُ الحَشَايَا ... لهِمَّتِه وَتَشْفِيهِ الحروبُ الحشايا: الفرش. ثم قال: وأنت الملك الجلد الصارم؛ القوي النافذ، الذي يمرضه تمهد الفرش الوثيرة، فيوحشه لزوم القصور المشيدة، لبعد همته، وكرم نيته، وسروره في الحروب بالإقدام على شدائدها، وتشفيه بتقدمه في وقائعها. وما بِكَ غيرُ حُبَّكَ أَنْ تَرَاها ... وَعَثِيرُها لأَرْجُلها جَنِيبُ العثير: الغبار، وجنيب: فعيل، من جنبت الدابة: إذا قدتها. فيقول لسيف الدولة: وما يشكيك إلا تأخرك عن الغزو، وبعد عهدك بطراد الخيل، وأن ترى ما تثيره من الرهج في الغارات، جنيباً لأرجلها، يقفوها ويتبعها، ويتلوها ويصحبها. مُجَلَّحَةً لها أرضُ الأَعَادي ... وللسُّمْرِ المَناخِرُ والجُنُوبُ

стр. 404

المجلحة: المصممة. ثم قال، يريد الخيل: مجلحة فيما تقصده، مصممة فيما تعتمده، لها أرض الأعادي تطؤها، وديارهم تتملكها، ولرماحك مناخر فرسانهم تطعنها، وجنوب شجعانهم تخترقها. فَقَرَّطْها الأَعِنَّةَ رَاجِعَاتٍ ... فإنَّ بَعيدَ مَا طَلَبْتَ قَرِيبُ تقريط الفرس عنانة: إمكانه في الجري، حتى يحل منه محل القرط من العنق. ثم قال: فداو شكيتك بتقريط هذه الخيل أعنتها، فإن ذلك مقرون ببرئك، وبعيد ما تطلبه قريب مع سعدك. إذا دَاءُ هفَا بقُرَاطُ عَنْهُ ... فَلَمْ يُعْرفْ لِصَاحِبِهِ ضَرِيبُ هفا: بمعنى زل، والضريب: النظير. فيقول: إذا عرض داء معضل، يعجز بقراط علاجه، وأمر مشكل،

стр. 405

لا يستبين لأهل المعرفة صوابه، ولم يعرف لصاحب ذلك الداء نظير، ولا عهد لذلك الأمر شبيه. بِسَيْفِ الدَّولةِ الوَضَّاءِ تُمْسِي ... جُفُوني تَحْتَ شَمْسٍ ما تَغِيبُ فإني أقتدر على علاج ذلك وكشفه، بإقبال سيف الدولة وسعده، وتمسي جفوني يوجهه الوضاء، وشخصه الميمون، تحت شمس منيرة ما تغرب، وفي أنوار قريبة لا تحجب. فَأَغْزو مَنْ غَزَا وبه اقْتِدَاري ... وأَرْمِي مَنْ رَمَى وبِهِ أُصِيبُ ثم قال: فأغزو من غزاه مقتدراً بقدرته، وأرمي من رماه مصيباً له بسعادته. وَلِلْحُسَّادِ عُذْرُ أَنْ يَشُحُّوا ... عَلَى نَظَري إليه وأن يَذُوبوا ثم يقول: وللحاسدين لي فيه عذر بين، وحجاج بالغ، في أن

стр. 406

يشحوا بالنظر إليه، ويذوبوا غيرة منهم عليه. فإني قَدْ وَصَلتُ إلى مَكانٍ ... عليْه تَحْسُدُ الحَدَقَ القُلوبُ فإني قد وصلت، بحسن رأيه، وكريم إقباله، إلى مكان من استقرابه، تنافس القلوب الحدق فيه، وتحسد النفوس الأبصار عليه.

стр. 407

وقال أيضاً: إذَا اعْتَلَّ سَيْفُ الدَّوْلَةِ اعْتَلَّتِ الأَرْضُ ... وَمَنْ فَوْقَها والبَأْسُ والكَرَمُ المَحْضُ المحْضُ: الخَالِصُ. فيقول: إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض بعلته، واختلت لاختلال حالته، وكذلك من فوقها من الناس، وخالص الكرم والبأس، كل ذلك بألمه، ويشكو ما يشتكيه من وجعه؛ لأنه ولي النعم، والمتفرد بالبأس والكرم. وكَيْفَ انْتِفَاعي بالرُّقَادِ وإنَّمَا ... بِعِلَّتِهِ يَعْتَلُّ في الأَعْيُنِ الغُمْضُ ثم قال: وكيف انتفع بالرقاد مع ما شكاه، وآلفه مع ما عراه، وعلته تطرد النوم بالسهر، وتبعث في القلب شواغل الفكر. شَفَاكَ الَّذي يَشْفِي بِجُودِكَ خَلْقَهُ ... فَإنَّكَ بَحْرُ كُلُّ بَحْرٍ لَه بَعْضُ ثم قال، داعياً لسيف الدولة، ومخاطباً له: شفاك الذي جعل جودك شفاء للخلق، ومادة من مواد الرزق، فإنك بحر من الكرم، كل بحر جزء منه، وكل مجد محمول عنه.

стр. 408

وعوفي سيف الدولة، فقال: المجدُ عُوفَي إذْ عُوفْيِتَ وَالكَرَمُ ... وَزَالَ عَنْكَ إلى أَعْدَائِكَ الأَلُم يقول لسيف الدولة: المجد عوفي بعافيتك، والكرم صح بصحتك، وزال ألمك إلى أعدائك الذين كان تأخر عنهم غزوك، وأغمد دونهم سيفك. صَحَّتْ بِصِحَّتكَ الغَارَاتُ وابْتَهَجَتْ ... بِها المَكَارمُ وانهلَّتْ بِهَا الدَّيَمُ الانهلال: الانسكاب، والديم: السحاب. ثم قال: صحت الغارات بتمام صحتك، وانتظمت الجيوش بانتظام قوتك، وابتهجت بذلك المكارم، وأشرق حسنها، وانهلت الديم، واتصل صوبها. وَرَاجَعَ الشَّمْسَ نُورُ كَانَ فَارَقَها ... كَأَنَّما فَقْدُهُ في جِسْمها سَقَمُ

стр. 409

ثم قال: وراجع الشمس بصحتك، وعاودها بزوال علتك نور، كان فقده كالسقم في جسمها، وعدمه كالنقصان المقصر بحسنها. وَلاَحَ بَرْقُكَ لي مِنْ عَارِضَيْ مَلِكٍ ... ما يَسْقُطُ الغَيْثُ إلاَّ حِينَ يَبْتَسِمُ العارضان: شقا الفَم. فيقول لسيف الدولة: ولاح لي ببشرك، وبدا لي بتبسمك، برق لامع، ونور ساطع، لا يسقط الغيث إلا في أثره، ولا يوجد إلا في موضعه. يشير بذلك إلى العطاء الذي يتلو بشره، والنوال الذي يقفو تبسمه. يُسْمَى الحُسَامَ وَلَيْسَتْ مِنْ مُشَابَهَةٍ ... وَكَيْفَ يَشْتَبِهُ المخدُومُ والخَدَمُ يقال: سميته وأسميته بمعنى، وتسمى: يفعل، من أسميت. ثم قال: يسمى الحسام، والحسام لا يشبهه، ويوصف به، وهو لا يعدله، وكيف يشتبه المخدوم بخادمه، ويعدل الملك ببعض آلته؟ تَفَرَّدَ العُرْبُ في الدُّنيا بِمَحْتِدِه ... وَشَاركَ العُرْبَ في إحسانهِ العَجَمُ

стр. 410

المحتد: الأصل. فيقول: إن سيف الدولة تفردت العرب بنسبه وأصله، وشاركتها العجم في عطائه وبذله. وأَخْلَصَ اللَّهُ للإسلامِ نُصْرَتَهُ ... وإن تَقَلبَ في آلائِهِ الأُمَمُ الآلاء: النعم. ثم قال: وجعل الله نصرته خالصة للإسلام، وإن كان قد شمل الأمم بالتفضل والإحسان. وما أَخُصُّكَ في بُرْءٍ بِتَهْنِئةٍ ... إذا سَلِمْتَ فَكُلُّ النَّاسِ قَدْ سَلِموا ثم قال، مخاطباً الدولة: وما أغبطك مفرداً بصحتك، ولا أخصك في التهنئة ببرئك، (بل) سلامة الناس موصولة بسلامتك، وكفاية الله لهم متمكنة بكفايتك.

стр. 411

وقال في انسلاخ شهر رمضان، يهنئه بالفطر. الصَّوْمُ والفطْرُ والأَعْيَادُ والعُصُرُ ... مُنِيرَةُ بِكَ حَتَّى الشَّمْسُ والقَمَرُ العصر: الدهور، واحدها عصر، كما يقال سقف، واحدها سقف. فيقول لسيف الدولة: الصوم وحينه، والفطر وقدومه، والأعياد المنتظرة، والعصر المتصرفة، منيرة بسعدك، متلألئة بإقبال جدك، حتى الشمس والقمر؛ فإن ضياءهما يتزايد بحسن أيامك، ويتمكن بيمن سلطانك. تُري الأَهِلَّةَ وَجْهاً عَمَّ نَائِلُهُ ... فما يُخَصُّ بِهِ مِنْ دُونها البَشَرُ

стр. 412

ثم قال: ترى الأهلة منك وجهاً ينير حسنه، ويشمل العالمين فضله، فتنال الأهلة من التأيد في الضياء بحسنه، كالذي ينال الناس من الارتفاق بفضله. ما الدَّهْرُ عِنْدَكَ إلاَّ رَوْضةُ أُنْفُ ... يَا مَنْ شَمَائِلهُ في دَهرِهِ زَهَرُ الأنف من الرياض: التي لم ترع، والزهر: النوار. ثم قال مخاطباً له: ما الدهر عندك إلا كالروضة الأنف؛ حسناً وبهجة، وإشراقاً ونضرة، يا من خلائقه في دهره كالزهرات المونقة، وأنوار الرياض المعجبة! ما يَنْتَهي لَكَ في أَيامِهِ كَرَمُ ... فلا تنْتَهَى لَكَ في أَعْوَامهِ عُمُرُ فإن حظَّك من تَكْرارِها شَرَفُ ... وَحَظُّ غَيْرِكَ مِنْهُ الشَّيْبُ والكِبَرُ ثم يقول: ما يتناهى كرمك في أيامه، ولا ينحسر قدرك في مقداره؛ فلا انتهى عمرك ولا انقطع، ولا انقضت أعوامه ولا انصرم، فإن

стр. 413

حظك من تكرار الأعوام عليك، شرف تستجده وتبينه، وكرم تشمل به وتوليه، إذا كان حظ غيرك من تراخي عمره، وتكرار أعوامه، شيب يلحقه، وكبر يهرمه.

стр. 414

ومد قويق؛ وهو نهر بحلب، فأحاط بدار سيف الدولة، فخرج أبو الطيب من عنده، فبلغ الماء إلى صدر فرسه، فقال: حَجَّبَ ذا البحرَ بِحَارُ دُونَهُ ... يَذُمُّها قَوْمُ وَيَحْمَدُونَهُ حجب: إذا ثقل، تكثير حجب إذا خفف. فيقول، مشيراً إلى سيف الدولة: حجب ذا البحر من النهر الذي فاض حول قصره بحار تمنع منه، وتصد قاصديه عنه، فهي تذم لأنها تعوق عن قصده، وهو يحمد لما يبذله من فضله. يَا مَاءُ هَلْ حَسَدْتَنَا مَعِينَهُ ... أم اشْتَهَيْتَ أَنْ تُرَىَ قَرِينَهُ المعين: الماء الجاري. ثم قال: يا ماء هل حسدتنا في بذله، أم ارتجيت أن تقارنه في جلالة

стр. 415

قدره؟؟ وكنى بالمعين عن البذل، على سبيل الاستعارة. أَمِ انتَجَعْتَ لِلْغِنَي يَمِيْنَهُ ... أضمْ زُرْتَهُ مُكْثِراً قَطِيْنَهُ الانتجاع: الارتحال في طلب المرعى، والقطين: أهل الرجل وماشيته المقيمون معه. فيقول: أم انتجعت أيها الفيض يمين هذا الملك، لتفيد الغنى بجوده، أم جئته مكثراً لحاشيته وعديده. أَمْ جِئْتَهُ مُخَنْدِقاً حُصُونهُ ... إنَّ الجِيادَ والقَنا يَكْفِينهُ ثم قال: أم جئته مخندقاً لحصينه، وحارساً لقصره، فإن كنت أردت ذلك، فجياده ورماحه يكفينه ما تقصده، وتغنيه عما تفعله. يا رُبَّ لُجَّ جُعِلتْ سَفِيْنَهُ ... وَعَازِبِ الرَّوضِ تَوَفَّتْ عُوْنَهُ اللج: البحر، والعازب من الروض: البعيد، والعون: جمع عانة، وهو القطيع من حمر الوحش، وتوفت: أماتت، وهو تفعلت: من الوفاة. فيقول: يا رب قفر ما للج في إشفاق عابره، وشدة مخافة سالكه،

стр. 416

جعلت هذه الخيل سفينه التي تقرب عبوره، وتسهل على المقتحم له ركوبه؛ ثم قال: ورب روض عازب، ومكان من أرض العدو ممتنع، قد نزلت هذه الخيل فيه مستبيحة له، وحلته مطمئنة به، فصادت وحشه، وعقرت عونه. وَذِي جُنُونٍ أَذْهَبَتْ جُنُونَهُ ... وَشَربِ كَأسٍ أَكْثَرَتْ رَنينَهُ الشرب: اسم للجماعة الذين يشربون، وأخبر عنه تفرداً على لفظه؛ لأن لفظه الإفراد، وإن كان معناه معنى الجمع، والرنين: امتداد الصوت بالبكاء. ورب ذي جنون من الأعداء، مدل بنفسه، مغتر بحاله، قد أوقعت هذه الخيل به فوعظته، وصيرته تحت المخافة فقومته، ورب شرب من الأعداء وطئتهم هذه الخيل فنقلتهم من الفرح والأمن إلى الرنين والحزن، وأبدلتهم بالغناء أنينا، وبالحركات سكوناً، يشير إلى القتل الذي نالهم، والجراح التي عمتهم. وَأَبْدَلَتْ غِنَائَهُ أَنِينَهُ ... وَضَيْغَمٍ أَوْلَجَها عَرِيْنَهُ

стр. 417

وَمَلِكٍ أَوْطأَهَا جَبِينَهُ ... يَقُودُها مُسَهَّداً جُفُونَهُ الضيغم: الأسد، والعرين: الغابة التي يستتر فيها. والسهاد: ذهاب النوم، والشؤون: جمع شأن، وهو المذهب. ثم قال: ورب عدو لسيف الدولة، أوطأ هذه الخيل أرضه، وأولجها داره، وهو كالأسد في شدته، وموضعه كالعرين في منعته، ورب ملك من أعدائه قتله فأوطأ هذه الخيل وجهه، وفرق بها جمعه. وأشار بجبينه إلى ذلك، ثم قال: يقودها قوياً لا يكسل، ويقظان لا يغفل، مسهد الجفون، لا يسكن ولا يتأيد بظهير، ولا يتكل على غيره في مهم الأمور. مُباشِراً بِنَفْسِهِ شُؤُونهُ ... مُشَرَّفَاً بِطَعْنِهِ طَعِيْنَهُ ثم يقول: إن سيف الدولة يشرف من طعنه، ويرفع شأن من قتله؛ لأن الطعن إنما يكون في أغلب الأحوال بعد مجاولة، والقتل بعد مواقفة، وقليل في الفرسان من يجاوله، ومعدوم فيهم من يوافقه.

стр. 418

عَفِيفَ مَا في ثَوْبِهِ مَأمونَهُ ... أَبْيضَ ما في تَاجِهِ مَيْمُونَهُ ثم وصفه بأنه عفيف فرجه، مأمون أمره، وأشار بما في الثوب إلى ذلك، وأنه أبيض الوجه، ميمون الشخص، وأشار بما في التاج إلى ذلك، وسمى ما كان على رأسه تاجاً، على سبيل الاستعارة والترفيع. بَحْرُ يكونُ كُلُّ بَحْرٍ نُونَهُ ... شَمْسُ تَمَنَّى الشَّمْسُ أن تَكُوْنَهُ النون: الحوت. ثم قال: إنه البحر الذي يغمر البحار بجوده، ويقيس عليها ببذله، فتغيب البحار في فضله، وتصغر وتقل في كرمه، وتحتقر كما يغيب النون في البحر، ويستتر في الماء الغمر، وهو الشمس الذي أضاءت مكارمه، وزينت الأيام محاسنه، حتى تمنت الشمس قدره، ونفست عليه فضله، وودت أن تكون شخصه. إن تَدْعُ يا سَيْفُ لِتَسْتَعِينهُ ... يُجِبْكَ قَبْلَ أَنْ تُتِمَّ سِسْنَهُ

стр. 419

يقول: إن من دعا سيف الدولة مستعيناً به، وناداه مستغيثاً له، أجابه قبل استكمال ذكره، وأغاثه قبل أن يلفظ بالسين من اسمه. أَدَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ تَمْكِينَهُ ... مَنْ صَانَ مِنْهُمْ نَفْسَهُ وَدِيْنهُ ثم دعا له، فقال: أدام الله تمكينه من أعدائه، ونصرته عليهم، ومواصلة ما فعل له فيهم، من صان منهم نفسه بحفظه، أمد دينه بتأييده ونصره.

стр. 420

وقال يمدحه، ويهنئه بالعيد، أنشدها إياه في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. لِكُلَّ امرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ مَا تَعَوَّدَا ... وَعَاداتُ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الطَّعْنُ في العِدَا يقول: لكل امرئ أن يحاول في دهره، ما عهده، وأن يطالب ما تعوده، وعادات سيف الدولة الطعن في أعاديه، والظهور على من يعارضه ويناوئه. وأن يُكْذِبَ الإرْجَافَ عَنْهُ بِضِدَّهِ ... وَيُمْسِي بِمَا تَنْوي أَعَدِيهِ أَسْعَدَا وأن يكذب ما يرجف به حاسده، من التربص بضده، من صنع الله له، ويمسي أسعد منهم بالظهور الذي ينوونه، والظفر الذي يتمنونه. ورُبَّ مُرِيدٍ ضَرَّهُ ضَرَّ نَفْسَهُ ... وَهَادٍ إلْيهِ الجَيْشَ أَهْدَي وَمَا هَدَى ثم يقول: ورب من رام ضره، فضر نفسه، وخالف أمره، فذم رأيه، ورب من هدى إليه جيشاً فأظفره الله به، وقاده نحوه فأظهره الله عليه، فصار مهدياً إليه غنيمة بهدايته، ومقرباً له أملاً بدلالته.

стр. 421

وَمُسْتَكْبِرٍ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ سَاعةً ... رَأَى سَيْفَهُ في كَفَّهِ فَتَشَهَّدا ثم قال: ورب مستكبر في نفسه، مستبصر في كفره، لم يعرف الله ولا وحده، ولا أقر به ولا عظمة، رأى سيف سيف الدولة في كفه فأسلم ووحد، وأشرف على القتل فعظم الله وتشهد. هُوَ البَحْرُ غُصْ فيه إذا كَانَ سَاكِناً ... على الدُّرَّ وأحْذَرْهُ إذا كَانَ مُزْبِدا ثم يقول: إن سيف الدولة هو البحر في جلالة قدره، وفي كرمه وفضله، فإذا أطعته وياسرته، أصبت منه غاية الفضل، كما أن الذي يغوص في البحر عند سكونه، قد يظفر منه بأنفس الدر، وأحذره عند سورة غضبهِ، كما يحذر البحر عند تهيجه ورميه بزبده. فإنّي رَأَيْتُ البحرَ يَعْثُرُ بالفَتَى ... وَهَذا الّذي يَأْتي الفَتَى مُتَعَمَّدَا ثم أَبان أن سيف الدولة أحق من البحر بالهيبة، فقال: فإني رأيت البحر إنما يردي راكبه عاثراً به، ويسوءه غير متعمد له، وسيف الدولة يردي من عاقبه على قصد، ويناله بالمكروه على معرفة وعمد. تَظَلُّ مُلُوكُ الأَرْضِ خَاشِعَةً لَهُ ... تُفَارِقُهُ هَلْكَى وَتَلْقَاهُ سُجَّداَ الخاشع: الذي تغض الهيبة بصره، وهلكى: جمع هالك على غير قياس من لفظه، ولكنه لما كان الهالك محمولاً على الهلاك، صار بمعنى مفعول فجمع جمع قتيل وجريح، لأن كل واحد منهما بمعنى مفعول، فقيل هالك

стр. 422

وهلكى، كما قيل: جريح وجرحى، وقتيل وقتلى. فيقول: تظل ملوك الأرض خاشعة لسيف الدولة، تفارقه هلكى من مخافته، وتلقاه بالسجود خاضعة لمهابته. وَتُحْي لَهُ المَالَ الصَّوارِمُ والقَنَا ... وَيَقْتُلُ مَا يُحْيى التَبُّسمُ وَالجَدّا الجدا: الإعطاء. ثم قال: وتحيى له المال سيوفه ورماحه بالبلاد التي يفتحها، والطوائف التي يتملكها، فتجمع له السيوف والرماح من المال ما تحييه بكثرته، وتظهره بتتابع فائدته، ويقتل ما تحييه من ذلك بشر سيف الدولة بالقاصدين، وجزيل عطائه للزائرين. ذَكيُّ تَظَنَّيهِ طَلِيْعَةُ عَيْنِهِ ... يَرَى قَلُبُهُ في يَوْمِهِ ما تَرَى غَداً الذكي: الفطن، والتظني: إعمال الظن، وطليعة القوم: الذي يرقب لهم أمر العدو. فيقول: إن سيف الدولة ذكي النفس، صادق الحدس، ظنه كالطليعة لعيينه، تبدي له الشيء قبل رؤيته، وتمثله قبل مشاهدته على

стр. 423

حقيقته، فيرى قلبه بصادق الظن في يومه، كالذي تراه عينه بحقيقة النظر في غده. وَصُولُ إلى المُسْتَصْعَبَاتِ بِخيلهِ ... فَلَوْ كَانَ قَرْنُ الشَّمْسِ مَاءً لأوْرَدَا قرن الشمس: أعلى قرصها. ثم قال: إنه وصول بخيله إلى المستصعبات، مقدم بها على الممتنعات، فلو كان قرن الشمس ماء لأورده خيله، ولو كان منهلاً لأوطأه جيشه. لِذَلِكَ سَمَّى ابنُ الدُّمُسْتُقِ يَوْمَهُ ... مماتَاً وسَمَّاهُ الدُّمُسْتُقُ مَوْلِدا ثم قال: بمثل ذلك من أفعاله أسر قسطنطين بن الدمستق، فسمى يوم أسره مماتاً، وسماه الدمستق أبوه لخلاصه فيه من القتل مولداً، فأوسعه الدمستق بما أمكنه فيه من الفرار غاية الحمد، وأوسعه قسطنطين بما ناله فيه من الأسر غاية الذم. سَرَيْتَ إلى جَيْحَانَ من أَرْض آمدٍ ... ثَلاثَاً لَقَدْ أَدْنَاك رَكْضُ وأَبْعَدا جيحان: نهر في بلاد الروم، وآمد: مدينة من مدائن الموصل. فيقول لسيف الدولة، مشيراً إلى إسراعه نحو الروم: سريت من

стр. 424

أرض آمد إلى جيحان في ثلاث ليال، لشد ما أدناك ركضك من مطلبك، ولشد ما أبعدك عن مستقرك. فَوَلَّى وأَعْطَاكَ ابْنَهُ وجُيُوشهُ ... جَميعاً ولمُ يعْطِ الجميعَ لِتَحْمَدا ثم أشار إلى الدمستق، ووقيعه سيف الدولة عليه، فقال، مخاطباً لسيف الدولة: فولى الدمستق عنك فاراً بنفسه، مبقياً على حياته، وترك أبنه في أسرك، وجيشه تتصرف فيه على حكمك، ولم يفعل ذلك مختاراً له لتحمده، ولكنه فعله مضطراً مخافة أن تهلكه. عَرَضْتَ لَهُ دُونَ الحياةِ وَطَرْفِه ... وأَبْصِرَ سَيْفُ اللهِ مِنْكَ مُجَرَّدا ثم يقول: عرضت للدمستق ما بين بصره وحياته، وأشرفت به على هلكته، وأبصر منك سيف الله مجرداً صارماً، مسلولاً على أعدائه ماضياً. وَمَا طَلَبَتْ زُرْقُ الأَسِنةِ غَيْرهُ ... وَاَكِنَّ قُسْطَنْطِين كان لهُ الفِداَ ثم قال: وما طلبت زرق الأسنة غير الدمستق، ولكنه فدى نفسه بقسطنطين ابنه، واستدفع الهلاك بما أصابه من أسره. فَأَصْبَحَ يَجْتَابُ المُسوحَ مَخَافَةً ... وَقَدْ كَانَ يَجْتابُ الدَّلاَصَ المُسَرَّدَا الاجتناب: التصرف، والمسوح: ثياب سود من شعر يلبسها الرهبان،

стр. 425

واحدها: مسح، والدلاص: الدرع الملساء، والمسرد: المداخل المنسوج. فيقول عن الدمستق: إنه لحزنه على أسر قسطنطين ابنه، وعجزه عن مقاومة سيف الدولة وحربه، عدل إلى المسوح فترهب ولبسها، ورغب عن الدروع فاطرحها ونبذها، وعلم أن صحبة الرهبان أسلم له من مطاعنه الأقران. وَيَمْشي بِهِ العُكَّازُ في الدَّيْرِ تَائباً ... وَمَا كَانَ يَرْضَى مَشْي أَشْقَرِ أَجْرَدَا العكاز: عصا في أسفلها زج، والدير: معروف، والأجرد من الخيل: القصير الشعر، وذلك من شواهد العتق والكرم. ثم قال: ويمشي به العكاز تائباً في ديره، مطرحاً لآلات مُلْكه، وقد كان يحتقر عتاق الخيل لقدره، ويستقل منها الشقر الجرد مع كرمها لنفسه. وَمَا تَابَ حَتَّى غَادرَ الكَرُّ وَجْهَهُ ... جَرِيحَاً وَخَلَّى جَفْنَهُ النَّقْعُ أَرْمَدَا النقع: الغبار، والرمد: معروف. ثم قال: وما تاب حتى أعذر في المدافعة، وكر بعد انهزام الروم، فغادر الكر وجهه جريحاً، وابنه أسيراً، وباشر الموت وشافهه، وأيقن به وقاربه، وأرمد أجفانه رهج خيل المنهزمين من أصحابه، والمعتصمين بالفرار
следующие страницы →