← Адаб

Адаб · id 37065

شرح معاني شعر المتنبي لابن الإفليلي - السفر الأول

ابن الإفليلي

Полный текст (567 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يقول: ليست كالإناث اللواتي تنقص بالجبلة، ويتمنى موتهن للسترة؛ لأنها عاشت ظاهرة الإحسان، وماتت مرتفعة المكان، وولدت ملكها تشرف الملوك بخدمته، ويتصرفون على حسب إرادته، فهم كانوا أهل جنازتها، لا التجار الذين يمتطون إلى المشاهد أقدامهم، وينفضون عند انصرافهم نعالهم. مَشَى الأمَرَاءُ حَوْلَيْها حُفَاةً ... كأنَّ المَرْوَ من زِفَّ الرِّئالِ حوليها: بمعنى حولها، تقول العرب: حولك وحوليك وحوالك وحواليك، كل ذلك بمعنى واحد، والمرو: حجارة بيض براقة تكون فيها النار والزف: صغير الريش، والرأل: ولد النعامة، وجمعه رئال. فيقول: إن الأمراء مشوا في هذه الجنازة حفاة متحزنين، قد ملكتهم الهيبة، وأفرطت عليهم الجلالة، حتى صاروا يطئون المرو ولا يتألمون به كما لا يتألم زف الرئال من وطأه. وَأبْرَزَتِ الخُدُورُ مُخَبَّآتٍ ... يَضَعْنَ النِّفْسَ أمْكِنَةَ الغَوالي النقس: المداد.

стр. 37

وأبرزت الخدور من نوادي هذه الميتة وحشمها، مخبآت غذتهن النعمة، وأنشأتهن الرفاهية، فهن يضعن النفس من وجوههن موضع الغالية. أتَتْهُنَّ المُصِيْبَةُ غَافِلاتٍ ... فَدَمْعُ الحُزْنِ في دَمْعِ الدَّلاَلِ الدلال: الدالة. يقول: أتتهن المصيبة على حين غفلة، ولم يكن من المصائب على عادة، فهن يظهرن الدلال مع الحزن، ويبدين الوله مع الحسن. وَلو كانَ النَّسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَا ... لَفُصِّلَتِ النَّسَاءُ عَلَى الرِّجالِ يقول: لو كمل النساء كمال هذه الفقودة، واحتزن ما احتازته من الفضل، لبان فضل النساء على الرجال، فرب تأنيث يقصر التذكير عنه، ولا يبلغ مبلغه، ولا ينال موضعه. وَمَا التَّأنِيثُ لاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبُ ... ولا التَّذْكيرُ فَخْرُ لِلْهلاَلِ ثم بين ذلك بأن الشمس مؤنثة، والفضل لها، والقمر مذكر، وليس يعدل بها. وأفْجَعُ مَنْ فَقَدْنَا مَنْ وَجَدْنَا ... قُبَيْلَ الفَقْدِ مَفْقُودَ المِثالِ ثم قال: إن أعظم المفقودين فجيعة، وأجلهم مصيبة، من فقد

стр. 38

مثاله قبل فقده، وعدم نظيره قبل موته، وهذه المفقودة كذلك؛ إنها لم يماثلها أحد في فضائلها مدة حياتها، فعظمت الفجعة بها عند تمامها. يُدَفِّنُ بَعْضُنَا وَيَمْشي ... أواخِرُنَا عَلَى هَامِ الأوَلي الأوالي: بمعنى الأوائل، إلا أنه قلب، والعرب تفعل ذلك. فيقول: إن الإنسان مجبول على السلوة، مطبوع على الإعراض عن الرزية، فالحي يدفن سالياً، والآخر يطأ قبر الأول ناسياً، والمصير واحد، والاغترار زائد. وَكَمْ عَيْنٍ مُقْبلةِ النَّواحي ... كَحِيلٍ بالجَنَادل والرَّمَالِ ثم قال: وكم من ذي نعمة نقل عنها إلى لحده، وذي رفاهية أخرج منها إلى قبره، وذي عين محبوبة مزينة عوضت بالبلى من زينها، وبالتراب من كحلها. وَمُغْضٍ كانَ لا يُغْضِي لخَطْبٍ ... وَبَالٍ كَانَ يُفْكِرُ في الهُزَالِ الهزال: سوء الحال.

стр. 39

ثم قال: ورب من كان لا يغضي للخطوب لرفعة قدره، قد ثنى الموت طرفه، وغير جسمه، ورب من كان يحذر الضر، ويتوقع الفقر، قد عاجله الموت فأبلاه قبل ما كان يحذره، وإخترمه قبل الذي كان يتوقعه. والإغضاء: تقريب ما بين الجُفُونِ. أسَيْفَ الدَّوْلَةِ اسْتَنْجِد بِصَبْرٍ ... وَكَيْفَ بِمِثْل صَبْرِكَ لِلْجَبالِ الاستنجاد: الاستعانة. فيقول لسيف الدولة: استعن بالصبر، وأنت أهله، وأثبت من الجبال فيه. وأنْتَ تُعَلِّمُ النَّاسَ التَّعَزيَّ ... وَخَوْضَ الموتِ في الحَرْبِ السِّجالِ الحَرْبُ السجال: التي تتداول فيها الغلبة، وذلك أدعى إلى شدتها. ثم قال: وأنت أهل العزاء؛ لأن العزاء منك يتعلم، والجدير بالصبر؛ لأن الصبر إليك ينسب، وبك يقتدي في الإقدام على الموت، والنفاذ في غمرات الحرب، والاستقلال بشدائدها، والقيام بها عند تساجلها. وَحَالاتُ الزَّمانِ عَلَيْكَ شَتَّى ... وَحَالُكَ وَاحِدُ في كُلِّ حَالِ فحالات الزمان تختلف عليك بالسراء والضراء، والشدة والرخاء،

стр. 40

وحالك لا تختلف في كرم نفسك، ونفاذ عزمك. وما يتكفل الله به من جميل العاقبة لك. فلا غِيْضَتْ بِحَارُكَ يا جَمْومَاً ... على الغَرَائِب والدَّخالِ غيض: الماء: ذهابه، والجموم: البئر الغزيرة، والعلل: الشرب الثاني، والدخال: هاهنا أن تشرب الإبل ثم تثار فتعرض على الماء، وقد يقال بخلاف ذلك، والغرائب من الإبل: المستضيفة إلى إبل أهل الماء من غيرها. فيقول لسيف الدولة: لا أعدم الله العفاة جزيل عطائك، ومتتابع إحسانك، يا بحر كرم يتدفق مع كثرة الواردين له، ويزيد مع ترادف الشارعين فيه، فينال منه الغريب القاصد، كما ينال القريب القاطن، وضرب لذلك مثلاً من السقيا، فشبههة بالمورد الغزير الذي يكثر مع تتابع الشرب فيه، وليس تصير الغرائب من الإبل إلى العلل والدخال إلا عن غزر المورد، وبلوغ إبل الماء إلى غاية الري. رَأيْتُكَ في الَّذينَ أرَى مُلُوكاً ... كأنَّكَ مُسْتَقيمُ في مُحَالِ فإن تَفُقِ الأنَامَ وأنتَ منهُمْ ... فإن المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغزَالِ

стр. 41

ثم قال: إن بيان فضله على الملوك، كبيان فضل الاستقامة على المحال، والحق على الباطل، فإن فاق الأنام وهو منهم، وفضلهم مع مشاركته في الجنس لهم، فالمسك من دم الغزلان في أصله، وسائر دماء الحيوان يقصر عنه، ولا يشبه بشيء منه، ورب واحد قد بذ أمه، وبعض قد فات جملة.

стр. 42

ونجم خارجي يعرف بابن هرة الرماد في كلب ببرية حمص، فأغار على أطراف حمص، وصاحب حربها أبو وائل، تغلب بن داود بن حمدان من قبل سيف الدولة، وكان قد خرج من ذلك اليوم كالمنتزه وحده، فأسره الخارجي، وطالبة بمال، وخيل كانت له سوابق، فوعده بها، واتصل الخبر بسيف الدولة، فسار في جيشه، فما أراح حتى أوقع به، وجعل العرب على مقدمته، فوقعت بابن هرة الرماد فهزمها، إلى أن بلغ إلى سيف الدولة، وكان سيف الدولة في ألفين من غلمانه ووجوه رجاله، فحمل عليه فقتله وجميع أصحابه، واستنقذ أبا وائل، فقال أبو الطيب - أنشدها في شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. إلامَ طَمَاعِيَةُ العَاذِلِ ... وَلاَ رَأيَ في الحُبِّ لِلْعَاقِلِ إلام: هي إلى التي للخفض، دخلت على ما التي للاستفهام، فبنيت

стр. 43

معها بناء كلمة واحدة، وسقطت الألف من ما استخفافاً، واعتداداً بالي في الكلمة الموصولة بها، وكذلك يفعلون بما التي للاستفهام إذا اتصل بها سائر حروف الجر، ولا يفعلون ذلك بما في الخبر، وأخرجهم إلى ذلك كثرة الاستعمال، لما في الاستفهام، والطماعية: مصدر بمعنى الطمع، كالعلانية والكراهية. فيقول: إلى أي شيء يصرف العاذل طمعه من سلوان المحب، وما يرجوه من ذلك ممتنع، والمقصد بينه وبين المحب مختلف؛ لأن المحب مغلوب على أمره، والمتعقب العاقل مختار لنفسه، ولا رأي له في الحب الذي يوجع قلبه، ويشغل نفسه. يُرَادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيَانُكُمْ ... وتَأبى الطِّبَاعُ على النَّاقِلَ الطباع والطبيعة: بمعنى واحد، وهما الخليقة. ثم أكد ذلك بقوله، مخاطباً لأحبته: يريد العاذل من القلب نسيانكم،

стр. 44

وقد جرى حبكم منه مجرى الطبيعة، وحل فيه محل الخليقة، والطبيعة لا تنقاد لناقلها، ولا تتأتى لمخالفها. وإنِّي لأعْشَقُ مِنْ عِشْقِكُمْ ... نُحُولي وكُلُ امْرئ ناحِلِ أخبرنا باستبصاره في عشق وأنه لتأكد نيته في ذلك، يعشق نحول جسمه، ويأنس باتصال سقمه، ويعشق كل ناحل، لمشاكلته إياه في حاله. وَلَوْ زُلْتُمُ ثُمَّ لَنْ أبْكِكُمْ ... بَكَيْتُ على حُبِّي الزَّائِلِ ثم قال: ولو زلتم ولم أبك على نأيكم، وأظهر الأسف لفقدكم، لبكيت لفقد حبكم، وأسفت لعدم عشقكم، اغتباطاً بذلك فيكم، واستعذاباً لما ألقاه بكم. واستفتاحه بقوله: (ولو زلتم)، وتقفيته بعد ذلك بالزائل، باب من أبواب البديع يعرف بالتصدير. أيُنْكِر خَدِّي دُمُوعي وَقَدْ ... جَرَتْ مِنْهُ في مَسْلَكٍ سَائلِ

стр. 45

يقول، مؤكداً لما قدمه من استئناسه بوجوده، واستسهاله لحاله: أينكر خدي ما أسيل عليه من الدمع، وهو يسكن من ذلك إلى حال قد عرفها، وعادة قد ألفها، وتجري منه في طريق مسلوك، وسبيل معمور؟ والمسلك السائل: الذي يكثر المرور فيه. أأوَّلُ دَمْعٍ جَرَى فَوْقَهُ ... وأوَّلُ حُزْنٍ عَلى رَاحِلِ ثم أكد، فقال: أهذا الدمع أول دمع أذريته؟ وهذا الحزن أول حزن شكوته؟ هذا الذي لا أعرف غيره، ولا أود فقده. وَهَبْتُ السُّلُوَّ لِمَنْ لامَني ... وَبِتُّ مِنَ الشَّوْقِ في شَاغِلِ يقول، مستبصراً في حبه، ومعرضاً عن المتكلف للومه: وهبت للائم لي السلو الذي يدعوني إليه، والجلد الذي يخضني عليه، وبت من الشوق فيما يشغلني عن لومه، ويزهدني في عذله. كأنَّ الجُفُونَ على مُقْلتي ... ثِيابُ شُقِقْنَ علَى ثَاكِلِ ثم شبه قلة التقاء جفونه على مقلته، واشتغاله بما يذريه من عبرته، بثياب مشقوقة على ثاكل موجعة ووالهة مفجعة، وشبه مقلته في حزنها

стр. 46

بتلك الثاكل في وجدها، وتبعيد السهر لما بين جفونه بتشقيق الثاكل لثياب حدادها. وهذا مما شبه به شيئين بشيئين في بيت واحد، وهو من أرفع وجوه البديع. وَلَوْ كُنْتُ في غَيْرِ أَسْرِ الهَوَى ... ضَمِنْتُ ضَمَانَ أبي وَائِلِ ثم خرج إلى وصف أمر أبي وائل احسن خروج، فقال: ولو كنت أسير غير الحب، ومغلوباً في غير سبيل العشق، لاحتلت بحيلة أبي وائل في الاستتار، وضمنت لآسري ضمانه من الفكاك، وسلكت في الاحتيال عليه سبيله. فَدَى نَفْسَه بِضَمَان النُّضَارِ ... وأعْطَى صُدُورَ القَنَا الذَّبِلِ النضار: الذهب. فيقول: إن أبا وائل ضمن لآسره اعتداداً من الذهب يقتدي بها، وأعطى عن ذلك صدور الرماح، يشير بذلك إلى جيش سيف الدولة الذي استنقذه.

стр. 47

وَمَنَّاهُمُ الخَيْلَ مَجْنُوبَةً ... فَجِئْنَ بكُلَّ فَتًى باسِلِ ثم قال: ومناهم أن يقود إليهم الخيل التي اشترطوا عليه في فدائه. فجاءتهم تحمل إليهم كل فتى باسل. والباسل: الشجاع. كَأَنَّ خَلاصَ أَبي وَائِلٍ ... مُعَاوَدَةُ القَمَرِ الآفلِ ثم شبه خلاص أبي وائل من إساره، بخروج القمر من سراره، ومعاودته، وما كان عليه من السيادة، بمعاودة القمر الآفل لضيائه، ومراجعته لبهائه. دعَا فَسَمِعْتَ وَكَمْ سَاكتٍ ... على البُعْدِ عِنْدَك كالقَائِل ثم قال؛ مخاطباً لسيف الدولة: دعا فسمعت دعوته على بعد محله، وأصرختها على انتزاح مستقره، ورب ساكت عنك لبعده كالمخاطب لك؛ لما يوجبه كرمك من اهتمامك بشأنه، واعتنائك بأمره. فَلَبَّيْتَهُ بِكَ في جَحْفَلٍ ... لهُ ضَامنٍ وَيِه كَافلِ

стр. 48

ثم قال: فلبيته إذ دعاك بنفسك في جحفل، ضامن لفك أسره، كافل بتعجل نصره. خَرَجْنَ مِن النَّفْعِ في عَارِضٍ ... وَمِنْ عَرَقِ الرَّكْضِ في وَابِلِ النفع: الغبار، والعارض: السحاب، والوابل: المطر الكثير. فيقول: إن خيل سيف الدولة خرجت من العجاج، فيما يشبه السحاب، وعليها من العرق الذي أوجبه الركض، فيما يشله غزير المطر، وأشار بهذا إلى شدة الطلب. فَلَمَّا نَشِفْنَ لَقِيْنَ السَّياطَ ... بِمثْل صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ الصفا: الحجر الأملس. ثم قال: فلما نشق عرق هذه الخيل على ما التبس به من الغبار، لقيت سياط الفرسان من جلودها، بمثل الحجر الأملس، الذي يكون في البلد الممحل، وهو البعيد العهد بالمطر، وذلك أبلغ في يبسه وجفوفه، وهذه الزيادة التي تطلب بها الغاية، وقد كان يتم الكلام دونها، باب من أبواب البديع يعرف بالتتميم. شَفَنَّ لِخَمْسٍ إلى مَنْ طَلَبْ ... نَ قَبْلَ الشُّفُونِ إلى نَازلِ

стр. 49

الشفون: النظر. فيقول: إن خيل سيف الدولة أدركت بغيتها، قبل أن ينزل فرسانها عن ظهورها، وأنها نظرت بعد خمس ليال من ركضها إلى من ركضها إلى أن طلبته، قبل نظرها فيها إلى نزول من حملته. وأشار بذلك إلى فرسان هذه الخيل، لم يفتروا في الركض، حتى أوقعوا بالقوم الذين أسروا عليهم. فَدَانَتْ مَرَافِقُهُنَّ البَرَى ... على ثِقَةٍ بالدَّمِ الغاسِل البرى: التراب ثم قال: إن هذه الخيل التي جهدت في الطلب، وتدنست جلودها بما تصبب عنها من العرق، وما التبس بذلك من غبار الرهج، قاربت مرافقهن التراب بإثارتها له، لا بدعتها فيه، وقد تيقنت أن دم من توقع به يغسلها، وخوضها فيه بعد الظفر يطهرها. وَما بَيْنَ كَاذَتي المُسْتَغيرِ ... كما بَيْنَ كادتي البائلِ

стр. 50

الكاذة: لحم مؤخر الفخذ. ثم ذكر: أن هذه الخيل ركضت المدة التي ذكرها، وبلغت من الظفر إلى الغاية التي وصفها، وهي كالمتفحجة لكرمها ونشاطها، لم تحتك كاذتاها. ولا تدانت عراقيبها. وهذا يحدث على الخيل الهجن عند الركض الشديد، بل كان ما بين كاذتي المغير منها كالذي بين كاذتي البائل، لم تستحل عن خلقها، ولا اضطربت في شيء من أمرها. فَلُقَّينَ كلَّ رُدْينيَّةٍ ... وَمَصْبوحةٍ لَبَنَ الشَّائلِ الردينية: الرماح تنسي إلى ردينة؛ اسم امرأة كانت تبيع الرماح في الجاهلية، والشائل: الناقة التي ابتدأ حملها فحف لذلك لبنها، والمصبوح من الخيل: الذي يسقى اللبن صباحاً لكرامته على صاحبه. فيقول: إن خيل سيف الدولة بعد جهدها في الطلب، وإغراقها في الركض، لقيت مع الخارجي أشداء الأعراب، الذين يطاعنون بالرماح، وتعدو بهم كرائم الخيل التي تؤثر باللبن عند قلته، ويكون صبوحها مع شدة الحاجة إليه.

стр. 51

وَجَيْشَ إمَامٍ عَلَى نَاقَةٍ ... صَحيحِ الإمَامَةِ في البَاطِلِ ولقيت جيشاً إمامه على ناقة، قد تيقن استهلاك أصحابه دونه، وامتثل أن الغلبة له، فأعرض لذلك عن ركوب الخيل، ووصفه بحالة من كذبه في دعواه واشتهاره بباطله. فأقْبَلن يَنْحَزْنَ قُدَّامَهُ ... نَوافِرَ كالنَّحْلِ والعاسِلِ ثم قال: إن خيل سيف الدولة تهيبت الخارجي في أول لقائه، وانصرفت إلى سيف الدولة منحازة بين يدي الخارجي، كانحياز النحل بين يدي عاسلها، وافتراقها إذا أحست بسائرها. فَلَّما بَدَوْتَ لأصْحَابهِ ... رَأتْ أسْدُها آكِلَ الآكلِ يقول: لسيف الدولة: فلما بدوت لأصحاب الخارجي بعد انحياز أصحابك بين يديه، رأت أسد خيله منك أسد الأسود، وآكل الآكل، الذي يغلب الغالب، ويستهضم القادر. بِضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جَائِرٍ ... له فِيهُمُ قِسْمَةُ العَادِلِ وبدونت لهم بضرب عم جماعتهم، وشمل جملتهم، أبلغ فيهم إبلاغ الجائر، وأفرط إفراط المسرف، وسوى بينهم فيما نالهم منه تسوية العادل،

стр. 52

وشمل جميعهم شمول المنصف، وطابق بين الجور والعدل. وَطَعْنٍ يَجْمَعُ شَذَّا نُهُمْ ... كما اجْتَمعَتْ دِرَّةُ الحافِلِ الشَّذان: القوم المتفرقون، وشذان الحصى: ما أفترق منه، والحافل من الشياه: التي قد اجتمع في لبنها في ضرعها. ثم قال: وبدوت لهم جمع شذانهم بشدته. وحصرهم لمخافته، كما يجمع الضرع الحافل درته، ويحصر لبنه. إِذا ما نَظَرْتَ إلى فَارِسٍ ... تَحيَّرَ عَنْ مَذْهَبِ الرَّاحلِ يقول لسيف الدولة: إن أصحاب الخارجي لما رأوك، تداخلهم من هيبتك، وأدركهم من مخافتك، ما صار فارسهم معه يعجز عما يبلغه الراجل، وقويهم يقصر عما يفعله الضعيف. فَظَلَّ يُخَضَب منها اللَّحى ... فَتًى لا يُعِيدُ على النَّاصِل ثم قال: فخضب لحاهم بدمائهم منك فتى، لا يقصد بخضابه قصد التزيين، وإنما يقصد به. قصد الإهلاك، فليس يحفل إذا أتلف النفس بما أخطئه خضابه من الشعر. ونصول الشعر: خروجه خروجهُ من الخضاب.

стр. 53

ولا يَسْتَغِيثُ إلى ناصِرٍ ... ولا يَتَضَعْضَعُ مِنْ خَاذِلِ ثم قال: إنه لا يستغيث إلى ناصر ينصره، لاستغنائه بنفسهن ولا يتضعضع لخاذل يخذله، لما يسند إليه من بأسه. ولا يَزَعُ الطّرْفُ مُقْدَمٍ ... ولا يَرْجِعُ الطَّرْفَ عن هَائِلِ الوزع: الكف، والطرف: الفرس الكريم. فيقول: إن سيف الدولة لا يكف فرسه عن مقدم لشجاعته، ولا يغض طرفه عن هائل لجرأته. إذَا طَلَبَ التَّبْلَ لم يَشْأَهُ ... وإن كانَ دْيناً عَلَىَ مَاطِلِ التبل: الترة، هائل الشأو: السبق. ثم قال: إذا طلب ثاراً يفته، وإن كان متعذراً أمره، ممتنعاً موضعه، وضرب قوله: (وأن كان دنيا على ماطل) مثلا في ذلك. خُذُوا ما أَتَاكُمْ بِهِ واعْذِرُوا ... فَإنَّ الغَنِيمَة في العَاجِلِ ثم قال: هازئاً بهم: خذوا ما أتاكم به من هذه الوقعة متجوزين، وتصبروا لذلك عاذرين، فغن الغنيمة فيما استعجل، والغبطة فيما اقتضى.

стр. 54

وهذا على طريق الهزء بهم، والتوبيخ بالوقعة التي عجلها سيف الدولة لهم. وإنَّ كَانَ أَعجَبَكُمْ عَامُكُمْ ... فَعُودوا إلى حِمْصَ في القَابِلِ يقول، على نحو ما تقدم من هزئه بهم: وإن كنتم مستلقين بما نالكم في هذا العام من سيف الدولة، فعودا إلى عمله في حمص في العام القابل، فإنه يعود بمثل ما أوقعه بكم. فإنَّ الحُسَامَ الخضِيبَ الَّذي ... قُتِلتُمْ بِهِ في يِدِ القَاتِلِ ثم قال: فإن السيف الخصيب بدمائكم، المسلمون لقتلكم، في يد الذي قتل جماعتكم، وأذل عزاكم، وأذهب نخوتكم. يَجُودُ بِمثْلِ الذي رُمتُمُ ... فَلَمْ تُدْركُوه على السَّائِلِ ثم قال: إنه يجود على سائله بمثل الذي رمتموه فأعجزكم، ويسمح لقاصده بمثل الذي حاولتموه فأهلككم، ولو سألتموه لعمكم فضله، ولو قصدتموه لشملكم عفوه.

стр. 55

أَمَامَ الكَتِيْبَةِ تزْهى بِهِ ... مَكَان السَّنَانِ من العامِلِ الزهو: الكبر، والعامل: صدر الرمح. فيقول: إن سيف الدولة لإقدامه، وجزاء نفسه في صدور خيله، وأوائل كتائبه، تتيه فرسانه به، وتزهى بموضعه، وإنه منها بمكان السنان من صدر الرمح، والسنان الذي له الفعل، وبه يكون الطعن، وسائر الرمح أداة تعضده، وآلة تؤيده. وإني لأعْجَبُ مِنْ آملٍ ... قِتالاً بِكُمٍّ على بَازِلِ البازل من الإبل: الذي قد ظهر نابه. ثم رجع إلى الخارجي، فقال: وإني لأعجب بمن يؤمل قتالاً بكمه، دون أن يصل شيئاً من السلاح بنفسه، ويقتحم الحرب على جمل دون أن يقتحمها على فرس. أقَالَ لَهُ اللهُ لا تَلْقَهُمْ ... لماضٍ عَلَى فَرَسٍ حَائِلِ الحائل من الخيل: التي لم تحمل. الله أمره بأن لا يأخذ للحرب آلتها، ولا يتأهب فيها بأهبتها، وأن

стр. 56

لا يلقى محاربة بسيف ماض صارم، على فرس كريم حائل؟ واشترط الحيال؛ لأنه أمكن للجري. إذا ما ضَرَبْتَ به هَامَة ... بَرَاها وغَنَّاك في الكَاهلِ الكاهل: أعلى الظهر. ثم قال: إذا ضرب بذلك السيف هامة براها بحدته، ونفذ فيها بصرامته، وبلغ إلى الكاهل فصوت فيه، وتخطى الهامة بقربها إليه. وَلَيْسَ بأولِ ذي هِمَّةٍ ... دَعَتْهُ لَمِا لَيْسَ بالنَّائِلِ يقول: إن هذا الخارجي ليس فيما حاوله من معارضة الدولة، بأول من هم بما يمتنع عليه، ورام ما لا يجد سبيلاً إليه. يُشَمِّرِ لِلُّجِّ عّنْ سَاقِهِ ... وَيَغْمُرهُ المَوْجُ في السَّاحِلِ يقول: إنه فيما يتعاطاه من مقاومة جملة جيوشه، وعجزه عن أقلها، وما رامة من التعرض لشدة عزائمه، وهلاكه بأيسرها، كمن يريد أن

стр. 57

يخوض لجة البحر، ويضعف عن الوقوف في شطه، ويريد اقتحام معظمه، والموج يغمره في ساحله، فيتعرض للصعب الكبير، يعجز عن السهل الحقير. أما لِلخَلافَةِ من مُشْفِقٍ ... على سَيْفِ دَرْلَتِها الفَاضَل يَقُدُّ عِدَاها بلا ضارِبٍ ... وَيَسْرِي إليهْم بِلاَ حَامِلَ يقول: أما للحلافة من ضنين بسيف دولتها، ومشفق على حائط جملتها، الذي قد بان فضله، وارتضي سعيه، فهو يقد أعداءها دون ضارب بنهضة، يسري إليهم دون حامل ينقله، فإذا افتقر السيف إلى من يضرب به، كان هو منفرداً فعله، وإذا التجأ إلى من يحمله، كان هو مكتفياً بنفسه. تَرَكْتَ جَمَاجِمَهُمْ في النَّقَا ... وَمَا يَتَحَصَّلْنَ للنَّاخِلِ النقا: الكثيب من الرمل.

стр. 58

فيقول: تركت جماجم أصحاب الخارجي في النقا، وقد فترقت أجسادهم، بعد أن أوقعت بها من الضرب ما هشمها، ودقق أجزاءها، حتى التبست بالرمل، ولم تتحصل لناخلها، ولا انفصلت لمتأملها. وأَنَبَتَّ مِنْهُم رَبِيعَ السَّبَاعِ ... فَأَثْنَتْ بإِحسَاِنكَ الشَّامِلِ ثم قال: وأنبت من أجسادهم ربيع السباع، فأحصبت في لحومها، إخصاب السائمة في بيعها، فأَثنت بما عنها من فضلك، وشملها من إحسانك، وأجرى أكثر لفظ هذا البيت على الاستعارة. وعُدْتَ إلى حَلبٍ ظاهراً ... كَعَوْدِ الحُلِيَّ إلى العَاطلِ ثم قال: وعدت إلى حلب مستقرك ظافراً مستعلياً، فحليت بعد العطل بعودتك، وأنست بعد الوحشة بأوبتك. وَمِثْلُ الذي دُسْتَهُ حَافِياً ... يُؤَثّرُ في قَدَمِ النَاعل دست الشيء: إذا وطئته فيقول: ومثل الذي أدركته بعقوك، وتناولته بأيسر سعيك، يعجز عنه غيرك، وإن أجهد فيه نفسه، ويقصر عنه، أخذ له أهبته، وكنى بالحافي عن المسترسل، وبالناعل عن المتاهب، وحمل الكلام على الاستعارة.

стр. 59

وكمَ لَكَ مِنْ خَبَرٍ شَائِعٍ ... لَهُ شِيَةُ الأبلَق الجائلِ الشية: العلامَة ثم قال: وكم لك من خير شائع ذكره، ومن فعل جليل قدره، قد شهره كريم أثرك، كما تشهر الأبلق الجائل شيته، وتبينه، علامته. وَيَوْمٍ شَرَابُ بَنيهِ الرَّدَى ... بَغيضِ الحُضُورِ إلى الواغِلِ الواغل: الداجل على القوم في طعام أو شراب دون أن يدعوه. ثم قال: وكم لك من يوم أقمت فيه سوق الحرب، وتنازع بنوه شراب الردى، وتعاطوا كؤوس الموت، فأبغض حضوره الواغل فيه، وتكره شدته الصالي به، وجرى هذا الكلام على مثل ما تقدم من الاستعارة، وهي من أبواب البديع. تَفكُّ العُنَاةَ وتُغْني العُفَاةَ ... وَتَغْفِرُ للمُذْنِبِ الجَاهلِ العناة: الأسرى، والعفاة: السؤال. فيقول: تفك الأسرى ببأسك، وتغني السؤال بكرمك، وتغفر للجاهلين بحلمك.

стр. 60

فَهُنَأكَ النَّضرَ مُعْطيكه ... وأرضَاهُ سَعْيُكَ في الأجلِ ثم قال: فهناك الله ما منحك من نصره، وزادك فيما آتاك من فضله، ووصل ما وهب من ذلك في العاجل، بما يرضيه من سعيك في الآجل. فّذِي الدَّارُ أخْوَنُ من مُومِس ... وأخْدَعُ من كَفَّهِ الحَابِلِ وقوله: (فذي الدار أخون من مومس)، ذي حرف يشار به إلى المؤنث، كما يشار بذا إلى المذكر، والدار التي أشار إليها الدنيا، والمومس: المرأة الفاجرة، والحابل: الصائد، وكفته: حبالته. فيقول: هذه الدنيا أخون من الفاجرة التي تحلف من وثق بها، وأخدع من الحبالة التي تصرع من اطمأن إليها. تَفَانَي الرَّجَالُ على حُبَّها ... وَمَا يَحْصُلونَ على طَائِلِ ثم قال: إن الرجال قد تفانوا على حبها، ولم يحصلوا على طائل من أمرها، لأنها تأخذ ما تعطيه، وتهدم ما تبنيه، وتمر بعد حلاوتها، وتعوج بعد استقامته، فمن عرفها رفضها، ومن تدبرها هجرها.

стр. 61

وسار سيف الدولة إلى الموصل لنصرة أخيه الحسين بن عبد الله بن حمدان لما قصده من بغداد أحمد بن بويه الديلمي، ليغلبه على أرض الموصل، فلما أحسن الديلمي بإقبال سيف الدولة، قارب الحسن بن عبد الله، وأحبابه إلى أن يبعث إلى حضرة السلطان من خراج الموصل بما جرت به عادته ببعثه، وانصرف عنه إلى بغداد دون حرب. فقال أبو الطيب في ذلك، أنشدها في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة. أعْلَى الممالِكِ ما يُبْنى على الأسَلِ ... والطَّعنُ عِنْدَ مُحِّبيهنَّ كالقُبلِ الممالك: جمع مملكة، وهي سلطان الملك في رعيته، والأسل: الرماح، والقبل جمع قبلة. فيقول: أعلى الممالك رتبة، وأطهرها رفعة، ما بني على الحرب، ودفع عنه بالطعن والضرب، وأشار بالأسل إلى هذه العبارة، وما يكون الطعن عند مالكه، والقتال عند محبه كالقبل المستعذبة، واللذات المغتنمة. وما تَقِرُّ سيوفُ في مَمالِكِها ... حَتَّى تَقَلْقَلَ دَهْرَاً قَبْلُ في القُلَلِ

стр. 62

التقلقل: دوام الحركة، والقلل: الرؤوس، واحدتها قلة، وقلة كل شيء: أعلاه. ثم قال: وما تقر سيوف في دولها، وتسكن في ممالكها، حتى تطول حركتها في ضرب رؤوس المخالفين، وتشهر آثارها في قمع المعترضين، فحينئذ تنوب رهبتها عن استلالها، وتغني هيبتها عن استعمالها، وأشار بذلك إلى انصراف الديلمي دون حر، تهيباً لسيف الدولة. مِثْلُ الأميرِ بَغَى أمْراً فَقَرَّبَهُ ... طُولُ الرَّمَاحِ وَأيْدي الخيل والإبلِ يقول، مصدقاً لما شرطه، ومحققاً لما ذكره: مثل الأمير سيف الدولة بغى حماية الموصل، ودفع الديلمي عنها، فقرب له ذلك طول رماحه في وقائعه، وإسراع خيله وإبله إلى أعاديه. وَعَزْمَةُ بَعَثَتْها هِمَّةُ زُحَلُ ... مِنْ تَحْتِها بِمَكانِ التُّرْبِ من زُحَلِ ثم قال: وعزمة استعملها نافذة، بعثتها منه همة عالية، يتواضع زحل عن علو موضعها، كتواضع الترب عن علو موضعه. على الفُرَاتِ أعَاصيرُ وفي حَلَبٍ ... تَوَحُّشُ لِمُلَقَّى النَّصرِ مُقْتَبَلِ

стр. 63

الفرات: نهر معروف، والأعاصير: الرياح الكثيرة الغبار، واحدها إعصار، والمقتبل: الذي تناهى شبابه، ولا أثر فيه للكبر. فيقول: إن على الفرات، وهو في حدود أعمال الديلمي، غبرات من العجاج، تثيرها كتائب سيف الدولة، وفي حلب، دار مستقرة من الشام توحش منها لملك، قد عوده الله الظهور على أعاديه، ولقاه النصر في مقاصده، مقتبل في شبيبته، متناه في قوته. تْتُلُو أَستَّنُهُ الكُتْبَ التي نَفَذَت ... وَيَجْعَلُ الخيلَ أَبْدالاً من الرُّسل ثم قال: مشيرا إلى أمر الديلمي: ينذر أعاديه بكتبه، ويعذر إليهم برسله، فإذا قامت حجته عليهم، تلت أسنته كتبه، وعاقبت خيوله رسله، وكان إيقاعه بهم، بدلاً من تحذيره لهم. يَلْقَى الملوكَ فلاَ يَلْقَى سِوَى جَزَىٍ ... وما أَعَدُّو فلا يَلْقَى سوى نَقَلِ النقل: الغنيمة. فيقول: إن سيف الدولة يلقى الملوك إذا خالفته، فلا يلقى منها

стр. 64

إلا جزر سيوفه، وما أعدوه من سلاحهم وآلاتهم، فلا يلقى إلا غنائم جيوشه، لما عوده الله من الظهور عليهم، والنكاية فيهم. صَانَ الخَليفَة بالأبْطَال مُهْجَتَهُ ... صِيَانَةَ الذَّكَرِ الهِنْديَّ بالخِلَلِ الخلل: جلود جفون السيوف، واحدتها خلة، والخلة: كل جلد من منقوش. ثم قال: إن الخليفة لما عليم أنه سيفه الذي يسطو به، صانه بالأبطال الذين أثبتهم في رسمه، والحماة الذين جردهم لحفظه، كما يصان السيف الكريم بالجفون التي ينتقل فيها، والأغماد التي يحفظ بها، وجعل هذا الوصف إشارة لما شرفه به الخليفة من تلقيه بسيف الدولة. الفَاعِلُ الفِعْلَ لم يُفْعَلْ لِشدَّته ... والقائلُ القولَ لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ يقول: إن سيف الدولة يفعل الذي عنه الفاعلون لشدته، وعظم شأنه في حقيقته، ويقول القول الذي عجز القائلون عنه قبله فلم يقدروا على مثله، ولا قصدوا إلى تركه. والباعِثُ الجيشَ قد غَالَتْ عَجاجَتُهُ ... ضَوَْء النَّهارِ قَصار الطُّهْرُ كالطَّفَلِ

стр. 65

الغول: الإهلاك، والطفل: وقت المساء. ثم قال: وهو الباعث الجيش الشديد بأسه، الكثير عدده، الذي تذهب عجاجته بضوء النهار، وتطمس إشراق الشمس في وقت الظهر، حتى تصير على مثل حالها في وقت الغروب، وأشار بذلك إلى عظم الجيش. الجوُّ أضْيَقُ ما لاقاهُ سَاطِعُها ... وَمُقْلةُ الشَّمْسِ فِيْهِ أحْيَرُ المُقَلِ الجو: ما بعد من الهواء، والساطع: المنتشر. فيقول: إن ما بعد من الهواء أضيق بساطع هذا الرهج مما قرب؛ لأن فيما بعد تجتمع جملته، وتتوافى كثرته، وما قرب فإنما يرده الشيء بعد الشيء فيتخلى منه، ولا يجتمع فيه، ومقلة الشمس أحير المقل به؛ لقربها من مستقره، ودنوها من مجتمعه. يَنالُ أبْعَدَ مِنْهَا وهِيَ نَاظِرَةُ ... فما تُقَابِلُهُ إلاَّ عَلَى وَجَلِ ثم قال: إن هذا العجاج بتتابعه، واتصاله وترادفه، يعلو على

стр. 66

الشمس مع ارتفاع موضعها، إليه، وهي ناظرة إليه، غير مساوية في العلو له، فتقابله وجله من ذهابه بنورها، وتلاحظه مشفقة من استيلائه على ضوئها، وأشار بما وصف من كثرة هذا العجاج إلى كثرة الجيش الذي يثيره، وعظم الجمع الذي يبعثه. قَدْ عَرْضَ السيفَ دونَ النَّازِلاتِ به ... وظَاهرَ الحَزْمَ بَيْنَ النَّفس والغِيَلِ المظاهرة: المعاونة، والغيل: جمع غيلة: وهي قتل الخديعة. فيقول: قد عرض السيف دون ما ينزل به، وجرده فيما يحدث عليه، واستعان بالحزم في دفع الغيل عن نفسه، وأقامه حاجزاً بينها وبينه. ووَكَّلَ الظَّنَّ بالأسْرَار فانْكِشَفَتْ ... لَهُ ضَمائِرُ أهْلِ السَّهْلِ والجَبلِ ثم قال: إنه وكل صادق ظنه بما يطويه أهل السهل والجبل دونه، فعلم ما أسروه، وانكشف له ما أضمروه، وكذلك الألمعي، وهو الحاذق بالأمور، يصيب بظنه، حتى كأنه مبصر لما غاب عنه، ويعلم بتقديره، حتى كأنه شاهد لما يعد منه.

стр. 67

هو الشَّجَاعُ يَعُدُّ البُخْلَ من جُبنٍ ... هو الجَوادُ يَعُدَّ من بَخَلِ البخل والبخل: لغتان، والإغذاذ: الإسراع في السير. فيقول: إن السيف الدولة الشجاع المتناهي في الشجاعة، فالبخل عنده باب من الجبن؛ لأن من سمح بنفسه لم يبخل بكرائم ماله، وهو الجواد المتناهي الجود، والجود بالنفس غاية الجود، ومن جاد بنفسه لم يجبن عن عدوه، ومن كان كذلك، فالجبن عنده باب من البخل، فدل على أن الشجاعة والجود من طريق واحد، وأجمل، ما فسره أبو تمام بقوله: وإذا رأيتَ أبا يزيدٍ في وغىً ... وندًى ومُبْدئ غارةٍ ومُعيْدا يَقْري مُرَجِّيه حَشاشةَ مالهِ ... وشَبَا الأسِنَّةِ ثُعْرَةً ووَريْدا أيقَنْتَ أن مِنَ السَّماحِ شَجَاعةً ... وعَلِمْتَ أنَّ من الشجاعةِ جودا فبين أبو التمام وفسر، وجمع أبو الطيب واختصر. يَعُودُ مِنْ كُلِّ فَتْحٍ غَيْرَ مُفْتَخِرٍ ... وقَدْ أغَذَّ إليهِ غَيْرَ مُحْتَفِلِ ثم قال: إنه يفتح الفتوح العظيمة فلا يفخر بها، ويسرع إليها ولا يحتفل بها، استقلالاً لعظيم ما يفعله، وارتفاعاً عن تهيب ما يقصده.

стр. 68

ولا يُجيرُ عَلَيْهِ الدَّهْرُ بِغْيَتَهُ ... ولا تُحَصِّنُ دِرْعُ مُهْجَةَ البَطَلِ يقول: إن الله قد قرن بسيف الدولة من نصره، وأمده من عونه، بما لا يمنعه الدهر معه من بغية، ولا يجير عليه من اعتقد له معصية، ولا تحصن الدرع دونه مهجة البطل إذا خالفه، ولا تعصمه من الهلاك إذا أراده. إذا خَلَعْتُ على عِرْضٍ لهُ حُلَلاً ... وَجَدْتُها مِنْهُ في أبْهَى مِنَ الحُلَلِ ثم قال: إنه إذا خلع عليه حلة من شعره، والبسه ثوباً من مدحه، وجد تلك الحلة متزينة بفضله، وذلك المدح متشرفاً بقدره، فهو يرفع الشعر فوق رفعته له، وتزين المدح أكثر من تزينه به. بذي الغَبَاوةِ من إنشادِهَا ضَرَرُ ... كما تُضِرُّ رياحُ الوَرْدِ بالجُعَلِ ثم قال: إن ذا الغباوة، وهو الجاهل، إذا أنشد ما يمدحه به، وأسمع ما ينظمه فيه، بعد على فهمه، وأثر ذلك في نفسه، وانكشف له قدر تقصيره، واستضر بحسن قوله، وبديع شعره، كما يستضر الجعل يرياح الورد التي تؤذيه بطيبها، وتقتله بمضادته لها. لَقَدْ رَأتْ كلُّ عَينٍ مِنْكَ مالِئَها ... وَجَرَّبَتْ خيرَ سَيْفٍ خَيْرَةُ الدُّولِ

стр. 69

يقال: خير وخير وخيرة، كل ذلك بمعنى واحد، قال الله : (فِيهِنَّ خَيْراتُ حِسانُ) بمعنى خَيْراتٍ. فيقول: لقد رأت كل عين من جمالك ما بهرها، ومن جلالتك ما ملأها، وجربت خيرة الدولة، أي: أفضل الدول، منك أفضل السيوف. فما تُكَشَّفُكَ الأعداءُ عن مَلَلٍ ... مِنَ الحُرُوبِ ولا الآراءُ عن زَلَلِ ثم قال: فما كشفت الأعداء منك، بطول ممارستها، مللاً في حربها، ولا أبدت الآراء منك، مع تزاحمها عليك، زللاً في تناولها. وَكَمْ رِجَالٍ بلا أرْضٍ لِكَثْرَتهم ... تَرَكْتَ جَمْعَهُمُ أرْضاً بلا رَجُلِ يقول: وكم جمع جمعة الأعداء لك، تغيب الأرض مع كثرة رجاله، وتخفى عن الأبصار بتزاحم جموعه، حتى كأنهم رجال دون أرض، أفنيت أعدادهم، وقتلت جمعهم، وتركت موضعهم أرضاً دون رجال. مَا زَالَ طِرْفُكَ يجري في دِمَائِهمُ ... حَتَّى مَشَى بِك مَشْيَ الشَّاربِ الثَّمِلِ

стр. 70

الطرف: الفرس الكريم، والثمل: السكر. ثم قال: ما زال طرفك يطأُ دماءهم، ويقتحم معتركهم، حتى أزلقته الدماء بكثرتها، فمشى مشي الشارب السكران، الذي لا يثبت بنفسه، ولا يطمئن في مشيه. يا مَنْ يَسيرُ وَحُكْمَ النَّاظريْنِ لَهُ ... فيما يَرَاهُ وَحُكْمَ القَلْبِ في الجَذَلِ يقول: يا من يسير، وله حكم ناظريه في ألاّ يريهما الله إلا ما يسره، وحكم نفسه في ألا يعرفها الله إلا ما يجذله، والجذل: الفرح. إنَّ السَّعَادةَ فِيمَا أنْتَ فَاعِلَهُ ... وُقِّفْتَ مُرْتَحِلاً أو غَيْرَ مُرْتَحِلِ ثم قال: إن السعادة فيما يقضي به الله لك، والتوفيق فيما تمضي عليه فعلك، مقيماً كنت أو ظاعناً، مستقراً أو راحلاً، بهذا إلى انصرافه عن الديلمي، وقال إن فعله اله لك من الموادعة التي اختارها محاربك، قد جعل لك فيه السعادة، وقرن لك به الخيرة.

стр. 71

أجْرِ الجِيَادَ عَلَى ما كُنْتَ مُجْريّهَا ... وَخُذْ بِنَفْسِكَ في أخْلاَقِك الأُوَلِ يقول: أجر خيلك على ما كنت تجريها عليه، من غزو الروم، وحماية الثغر، فقد كفاك الله ما كنت تحذره على أخيك من الديلمي، وخذ بنفسك من ذلك فيما تقدم من أخلاقك، وشهر من مذاهبك، واعدل عن السلم إلى الحرب، وعن إلى الجهاد. يَنْظُرنَ من مقل أدمى أحجتها ... قرع الفوارس بالعسالة الذبل الأحجة: جمع حجاج، وهو العضم الذي يحيط بالعين، والعسالة: الرماح التي تهتز لطولها، والذبل اليابسة. ثم وصف حال خيله في السبيل التي ندبه إليها، فقال: ينظرن من مقل أدمى أحجتها قرع الفوارس لها الرمح في حين الطراد، وأشار بذلك إلى ما حضه عليه من غزو الروم. فلا هَجَمْتَ بِها إلاَّ عَلَى ظَفَرٍ ... ولا وَصَلْتَ بها إلاَّ إلى أمَلِ ثم قال، داعياً له: فلا الله إلا على ظفر يظهرك به على عدوك، ولا أوصلت إلا أمل يقرب لك به مرادك.

стр. 72

وأمره سيف الدولة بالمسير معه في هذه السفرة فقال: سِرْ حلَّ حَيْثُ تَحُلُّهُ النُّوَّارُ ... وَأرَادَ فيكَ مُرَادَكَ المِقْدارُ يقول: سر، جعل الله كل محل تحله روضة مونقة، وحديقة ممرعة، وأجرى المقادير بما تريده، أحكامها بما تحبه. وإذا ارتَّحَلْتَ فَشَيَّعَتْك سَلامَةُ ... حَيْثُ اتَّجَهْتَ وَدِيمَةُ مِدْرَارُ الديمة: السحابة، والمدرار: الغزيرة. ثم قال: وإذا ارتحلت، فصحبك الله بسلامته حيث توجهت، وسقى بلادك كيف تصرفت. وَصَدَرْتَ أغْنَمَ صادرٍ عن مَوْرِدٍ ... مَرْفُوعَةً لِقُدُومِكَ الأبْصَارُ يقول: ورجعك الله أظفر راجع عن مقصده، وأصدرك أغنم صادر عن موروده، عزيزاً نصرك، ممتدة الأبصار نحوك. وَأرَاكَ دَهْرُكَ ما تُحاوِلُ في العِدَى ... حَتَّى كأَنَّ صُرُوفَهُ أَنْصَارُ وأرَاك دهرك في عدوك ما تحاوله من كبته، وتكفل لك فيه بما تتمناه

стр. 73

في أمره، حتى كأن صروفه تنصرك، باعتمادها له، وخطوبه تعينك، في اغترائها به. أنْتَ الذي بَجَحَ الزَّمَانُ بِذْكِره ... وتَزَيَّنَتْ بِحَديثهِ الأسْمارُ بجح الرجل بالشيء: إذا كان يهذي به فرحاً، والسمر: حديث القوم بالليل. فيقول: أنت الذي كلف بذكره، وزهي بموضعه، وتزين السمر بحديثه، وحسن بما تضمنه من خيره. وإذَا تَنَكَّرَ فالفَنَاءُ عِقَابُهُ ... وإذا عَفَا فَعَطاؤُهُ الأعْمَارُ ثم قال: وأنت يقترن الفناء بعقابه إذا غضب، وتستدام الحياة بعفوه إذا رضي، فسخطه هلك، ورضاه نجاة. وَلَهُ وإنْ وَهَبَ المُلُوكُ مَوَاهِبُ ... دَرُّ المُلُوكِ لِدَرَّهَا أغْبَارُ الدر: اللبن الكثير، والغبر: بقية اللبن في الضرع، وجمعه أغبار. فيقول: إن لسيف الدولة، إذا فذوكرت مواهب الملوك، مواهب

стр. 74

عظيمة، وعطايا جليلة، كثير مواهب الملوك يقل عندها، وعظيمها يصغر فيها، وضرب الدر مثلا للكثير، والغبر مثلاً للقليل. لله قلبك ما يخافُ من الرَّدَى ... وتخاف أنْ يَدْنُو إليك العَارُ ثم قال: لله قبلك لا تهاب الموت وسطوته، ولا تخاف الردى وشدته، وتخاف دنو العار إليك، وتشفق من وصمته، وتتوقع قبح أحدوثته. وَتَحيدُ عن طَبَعِ الخلائقِ كُلِّهِ ... وَيَحسدُ عَنْكَ الجَحْفَلُ الجَرَّارُ ثم قال: وتحيد عن جميع ما يدنس الخلق ويعيبه، والجحفل الجرار يحيد عنك، وذو البأس الشديد يفرق منك. يا مَنْ يَعِزُّ الأعِزَّةِ جَارُهُ ... وَيَذِلُّ في سَطَواتِهِ الجّبَّارُ

стр. 75

يقول: يا أيها الملك الذي تتواضع الأعزة لجاره، وتذل الملوك لأمره، وتعترف لجلالة قدره. كُنْ حَيْثُ شِئْتَ فما تُحُولُ تَنُوفَةُ ... دُونَ اللَّقَاءِ ولا يَشُطُّ مَزَارُ البتنوفة: الفلاة، ويشط: يبعد. ثم قال: كن كيف شئت من الطعن والإقامة، والاستقرار والرحلة، فما يمنعني الفلوات وتجشمها من لقائك، ولا يعوقني بعد المزار، ونأي المقصد عن صحبتك. وَبِدُونِ مَا أنَا مِنْ وِدَادِكَ مَضْمِرُ ... يُنْضَى المَطِيُّ ويَقْرُبُ المُسْتَارُ المستار: موضع المسير. ثم قال: وبدون ما أضمره من ودك، وأعترف به من فضلك، يهون الشديد، ويستقرب البعيد، وينضى المطي، ويهجر الوطن، ويستسهل السفر، فكيف أمتنع منك أو أتأخر على حال عنك؟ إنَّ الَّذي خَلَّقْتُ خَلْفي ضَائِعُ ... مَا لي عَلَى قَلقي إليه خِيَارُ
следующие страницы →