Полный текст (567 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وَمُسْتَكْبِرٍ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ سَاعةً ... رَأَى سَيْفَهُ في كَفَّهِ فَتَشَهَّدا
ثم قال: ورب مستكبر في نفسه، مستبصر في كفره، لم يعرف الله ولا وحده، ولا أقر به ولا عظمة، رأى سيف سيف الدولة في كفه فأسلم ووحد، وأشرف على القتل فعظم الله وتشهد.
هُوَ البَحْرُ غُصْ فيه إذا كَانَ سَاكِناً ... على الدُّرَّ وأحْذَرْهُ إذا كَانَ مُزْبِدا
ثم يقول: إن سيف الدولة هو البحر في جلالة قدره، وفي كرمه وفضله، فإذا أطعته وياسرته، أصبت منه غاية الفضل، كما أن الذي يغوص في البحر عند سكونه، قد يظفر منه بأنفس الدر، وأحذره عند سورة غضبهِ، كما يحذر البحر عند تهيجه ورميه بزبده.
فإنّي رَأَيْتُ البحرَ يَعْثُرُ بالفَتَى ... وَهَذا الّذي يَأْتي الفَتَى مُتَعَمَّدَا
ثم أَبان أن سيف الدولة أحق من البحر بالهيبة، فقال: فإني رأيت البحر إنما يردي
راكبه عاثراً به، ويسوءه غير متعمد له، وسيف الدولة يردي من عاقبه على قصد، ويناله بالمكروه على معرفة وعمد.
تَظَلُّ مُلُوكُ الأَرْضِ خَاشِعَةً لَهُ ... تُفَارِقُهُ هَلْكَى وَتَلْقَاهُ سُجَّداَ
الخاشع: الذي تغض الهيبة بصره، وهلكى: جمع هالك على غير قياس من لفظه، ولكنه لما كان الهالك محمولاً على الهلاك، صار بمعنى مفعول فجمع جمع قتيل وجريح، لأن كل واحد منهما بمعنى مفعول، فقيل هالك
стр. 422
وهلكى، كما قيل: جريح وجرحى، وقتيل وقتلى.
فيقول: تظل ملوك الأرض خاشعة لسيف الدولة، تفارقه هلكى من مخافته، وتلقاه بالسجود خاضعة لمهابته.
وَتُحْي لَهُ المَالَ الصَّوارِمُ والقَنَا ... وَيَقْتُلُ مَا يُحْيى التَبُّسمُ وَالجَدّا
الجدا: الإعطاء.
ثم قال: وتحيى له المال سيوفه ورماحه بالبلاد التي يفتحها، والطوائف التي يتملكها، فتجمع له السيوف والرماح من المال ما تحييه بكثرته، وتظهره بتتابع فائدته، ويقتل ما تحييه من ذلك بشر سيف الدولة بالقاصدين، وجزيل عطائه للزائرين.
ذَكيُّ تَظَنَّيهِ طَلِيْعَةُ عَيْنِهِ ... يَرَى قَلُبُهُ في يَوْمِهِ ما تَرَى غَداً
الذكي: الفطن، والتظني: إعمال الظن، وطليعة القوم: الذي يرقب لهم أمر العدو.
فيقول: إن سيف الدولة ذكي النفس، صادق الحدس، ظنه كالطليعة لعيينه، تبدي له الشيء قبل رؤيته، وتمثله قبل مشاهدته على
стр. 423
حقيقته، فيرى قلبه بصادق الظن في يومه، كالذي تراه عينه بحقيقة النظر في غده.
وَصُولُ إلى المُسْتَصْعَبَاتِ بِخيلهِ ... فَلَوْ كَانَ قَرْنُ الشَّمْسِ مَاءً لأوْرَدَا
قرن الشمس: أعلى قرصها.
ثم قال: إنه وصول بخيله إلى المستصعبات، مقدم بها على الممتنعات، فلو كان قرن الشمس ماء لأورده خيله، ولو كان منهلاً لأوطأه جيشه.
لِذَلِكَ سَمَّى ابنُ الدُّمُسْتُقِ يَوْمَهُ ... مماتَاً وسَمَّاهُ الدُّمُسْتُقُ مَوْلِدا
ثم قال: بمثل ذلك من أفعاله أسر قسطنطين بن الدمستق، فسمى يوم أسره مماتاً، وسماه الدمستق أبوه لخلاصه فيه من القتل مولداً، فأوسعه الدمستق بما أمكنه فيه من الفرار غاية الحمد، وأوسعه قسطنطين بما ناله فيه من الأسر غاية الذم.
سَرَيْتَ إلى جَيْحَانَ من أَرْض آمدٍ ... ثَلاثَاً لَقَدْ أَدْنَاك رَكْضُ وأَبْعَدا
جيحان: نهر في بلاد الروم، وآمد: مدينة من مدائن الموصل.
فيقول لسيف الدولة، مشيراً إلى إسراعه نحو الروم: سريت من
стр. 424
أرض آمد إلى جيحان في ثلاث ليال، لشد ما أدناك ركضك من مطلبك، ولشد ما أبعدك عن مستقرك.
فَوَلَّى وأَعْطَاكَ ابْنَهُ وجُيُوشهُ ... جَميعاً ولمُ يعْطِ الجميعَ لِتَحْمَدا
ثم أشار إلى الدمستق، ووقيعه سيف الدولة عليه، فقال، مخاطباً لسيف الدولة: فولى الدمستق عنك فاراً بنفسه، مبقياً على حياته، وترك أبنه في أسرك، وجيشه تتصرف فيه على حكمك، ولم يفعل ذلك مختاراً له لتحمده، ولكنه فعله مضطراً مخافة أن تهلكه.
عَرَضْتَ لَهُ دُونَ الحياةِ وَطَرْفِه ... وأَبْصِرَ سَيْفُ اللهِ مِنْكَ مُجَرَّدا
ثم يقول: عرضت للدمستق ما بين بصره وحياته، وأشرفت به على هلكته، وأبصر منك سيف الله مجرداً صارماً، مسلولاً على أعدائه ماضياً.
وَمَا طَلَبَتْ زُرْقُ الأَسِنةِ غَيْرهُ ... وَاَكِنَّ قُسْطَنْطِين كان لهُ الفِداَ
ثم قال: وما طلبت زرق الأسنة غير الدمستق، ولكنه فدى نفسه بقسطنطين ابنه، واستدفع الهلاك بما أصابه من أسره.
فَأَصْبَحَ يَجْتَابُ المُسوحَ مَخَافَةً ... وَقَدْ كَانَ يَجْتابُ الدَّلاَصَ المُسَرَّدَا
الاجتناب: التصرف، والمسوح: ثياب سود من شعر يلبسها الرهبان،
стр. 425
واحدها: مسح، والدلاص: الدرع الملساء، والمسرد: المداخل المنسوج.
فيقول عن الدمستق: إنه لحزنه على أسر قسطنطين ابنه، وعجزه عن مقاومة سيف الدولة وحربه، عدل إلى المسوح فترهب ولبسها، ورغب عن الدروع فاطرحها ونبذها، وعلم أن صحبة الرهبان أسلم له من مطاعنه الأقران.
وَيَمْشي بِهِ العُكَّازُ في الدَّيْرِ تَائباً ... وَمَا كَانَ يَرْضَى مَشْي أَشْقَرِ أَجْرَدَا
العكاز: عصا في أسفلها زج، والدير: معروف، والأجرد من الخيل: القصير الشعر، وذلك من شواهد العتق والكرم.
ثم قال: ويمشي به العكاز تائباً في ديره، مطرحاً لآلات مُلْكه، وقد كان يحتقر عتاق الخيل لقدره، ويستقل منها الشقر الجرد مع كرمها لنفسه.
وَمَا تَابَ حَتَّى غَادرَ الكَرُّ وَجْهَهُ ... جَرِيحَاً وَخَلَّى جَفْنَهُ النَّقْعُ أَرْمَدَا
النقع: الغبار، والرمد: معروف.
ثم قال: وما تاب حتى أعذر في المدافعة، وكر بعد انهزام الروم، فغادر الكر وجهه جريحاً، وابنه أسيراً، وباشر الموت وشافهه، وأيقن به وقاربه، وأرمد أجفانه رهج خيل المنهزمين من أصحابه، والمعتصمين بالفرار
стр. 426
من فرسانه، ولم يغنه الكر في آثارهم، والمدافعة عن أعقابهم.
فإن كَانَ يُنْجِي مِنْ عَليَّ تَرَهُّبُ ... تَرَهَّبَتِ الأَمْلاَكُ مَثْنَى وَمَوْحَدا
مثنى وموحد، كأنه قال: اثنين اثنين وواحداً واحداً.
فيقول: فإن كان ينجي من علي؛ سيف الدولة، إظهار الترهب، واستعمال التنسك، فستترهب الأملاك مستجيرين بذلك منه، مثنى وآحاداً، وجماعة وأفراداً.
وَكُلُّ امرِئ في الشَّرْقِ والغَرْب بَعْدها ... يُعِدُّ له ثَوْباً من الشَّعْرِ أَسْوَدَا
ثم قال: وكل امرئ منهم في الشرق والغرب يستجير بمسح يلبسه، وضرب من الترهب يظهره، يشير بذلك إلى الدمستق وفعله، وما أظهره من استخذائه وذله.
هَنِئاً لَكَ العِيْدُ الذي أَنْتَ عِيدهُ ... وَعيدُ لِمنْ سَمَّى وضَحى وَعيَّدا
هنيئاً لك: دعاء له بالتهنئة والتسويغ، وهي صفة جرت مجرى المصدر، وجعلت بدلاً من اللفظ بالفعل، كأنك قلت: هنالك الله، فنصبت
стр. 427
هذه الصفة على هذا المعنى.
فيقول لسيف الدولة: هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده ورفعته، وزينته وبهجته، كما أنك عيد من سمى الله فيه بالتعظيم آخذا بسنته، وضحى محتملاً على شريعته، وعيد متمسكاً بملته. فأشار بهذا إلى عامة المسلمين، وأراد: أن سيف الدولة لهم كالعيد الذي يجدد مسرتهم، ويشمل بالفضل جماعتهم.
وَلاَ زَالتِ الأَعَيْادُ لُبْسَكَ بَعْدهُ ... تُسَلَّمُ مَخْرُوقَاً وَتُعْطِي مُجَدَّدا
ثم قال، داعياً له: ولا زالت الأعياد لك كاللبس بعد هذا العيد، تفد إليك، وتتعاقب عليك، فتسلم متصرمها مخلقاً لبهجته، وتلقى مجددها مستبشراً بسعادته.
فَذَا اليوم في الأَيَّامِ مِثْلُكَ في الوَرَى ... كما كُنْتَ فِيْهمْ أوحداً كَان أَوْحَدا
يقول مشيراً إلى العيد، ومخاطباً لسيف الدولة: فهذا اليوم في أيام العام، وما خص به من شرف الإسلام، مثلك في أبناء عصرك، وجملة أهل دهرك، الذين عممتهم بسعة فضلك، وتقدمتهم بمشكور سعيك، فكما أن العيد أوحد في أيام العام، فكذلك أنت أوحد في جميع الكرام.
стр. 428
هُوَ الجَدُّ حَتَّى تَفْضُلَ العَيْنُ أُخْتَها ... وحَتَّى يَكونَ اليومُ لليَوْمِ سَيَّدا
ثم قال: هو الجد الذي يرفع من يسر له، والسعد الذي يقدم من اقترن به، حتى تفضل العين العين وهما متجاورتان، ويفضل اليوم اليوم وهما متواليان.
فَوَاعَجَباً مِنْ دَائلٍ أَنْتَ سَيْفُهُ ... أَما يَتَوَقَّى شَفْرَتَيْ مَا تَقَلَّدَا
قوله (فواعجبا من دائل): وا: كلمة تستعمل في النداء عند الاستغاثة والتعجب،
فواعجبا: كلمة أدخل عليها حرف النداء، وأبدلت فيها الألف من ياء الإضافة، لما ذهب إليه المتكلم من مد الصوت بلفظ التعجب، والدائل: الذي يصرف الدولة.
فيقول لسيف الدولة: فواعجباً من ذي دولة أنت سيفه، والسيف محمول مستقرب، ومصحوب مستعمل، أما يتوقى حاملك شفرتي ما حمله، ويتوقع مستعملك سطوة ما يستعمله، يريد: أنه يرتفع عن هذا الاسم مع جلالته، ويكبر عنه مع فخامته.
стр. 429
ومَنْ يَجْعَل الضَّرْغَامَ في الصَّيْدِ بازَهُ ... تَصَيَّدَهُ الضّرْغَامُ فِيما تَصَيَّدا
الضرغام: الأسد.
ثم قال: ومن يتخذ الأسد بازاً يصيد به، كان الأسد غير مأمون على أكله، وأن يجعله من الصيد الذي يقصد لختله.
رَأَيْتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍ ... وَلَوْ شئتَ كَانَ الحِلْمُ مِنْكَ المُهَنَّدَا
ثم يقول لسيف الدولة: رأيتك محض الحلم مع تمكن قدرتك، واسع العفو عند توقع عقوبتك، ولو شئت كان السيف عوضاً من حلمك، والعقاب بدلاً من عفوك، ولكنك تأخذ بأرفع الأمرين، وتحتمل على أكرم الحالين.
وما قَتَلَ الأَحْرَارَ كالعَفْو عَنْهُم ... وَمَنْ لَكَ بالحُرَّ الذي يَحْفَظُ اليَدَا
ثم قال: وما قتلت الحر بمثل عفوك عن ذنبه، ولا استعبدته بمثل تجاوزك عن جرمه، ولكن الأحرار قليل، وأهل الشكر من الناس يسير، ومن لك بالحر الذي يشكر على الفعلة الصالحة، ويعترف بالنعمة السالفة؟
стр. 430
إذَا أَنْتَ أَكْرَمت الكرِيمَ مَلَكْتَهُ ... وإن أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئيمَ تَمَرُّدا
التمرد: الإقدام على الشر.
فيقول لسيف الدولة، بعدما قدم من شكره على الحلم، وسعة العفو: إذا أنت أكرمت الكريم ارتهنت شكره، واستوجبت ملكه؛ لأنه يعترف بفضلك، ولا يدفع وجوب حقك، وإذا أنت أكرمت اللئيم زاد إكرامك له في تمرده، وأطغاه ما تحاوله من
تألفه.
وَوَضْعُ النَّدَى في مَوْضع السَّيْفِ بالعُلاَ ... مُضِرُّ كَوَضْعِ السَّيْفِ في مَوْضعِ النَّدَى
ثم أكد ذلك، فقال: ووضع العفو في موضع العقوبة، والندى في موضع السيف، مخل بالسيادة، ومضر بالرئاسة؛ كما يخل بذلك وضع العقوبة في موضع العفو، ووضع الكرم في موضع السيف، وإنما الصواب في وضع الأشياء مواضعها، وحملها على حقيقة مقاصدها، لتحل الصنائع في محلها، وتوضع النعم عند أهلها، ويعدل بها، عمن لا يقوم بشكرها.
وَلِكنْ تَفُوقُ النَّاسَ رَأْيَاً وحِكْمَةً ... كَمَا فُقْتَهُمْ حَالاً وَنَفْسَاً وَمَحْتِدا
المحتد: الأصل.
فيقول لسيف الدولة: وليس ما تظهره من صواب الرأي، ومشكور
стр. 431
الفعل، بغريب منك، ولا مستنكر لك؛ لأنك تفوق الناس بصواب رأيك، وحكمة فعلك، كما تفوقهم بشرف نفسك، وكرم أصلك، فخلقك يماثل نسبك، وأفعالك تنصر شرفك.
يَدِقُّ عَلَى الأَفْكَارِ ما أَنْتَ فَاعِلُ ... فَيُتْرَكُ مَا يَخْفَي وَيُؤْخَذُ مَا بَدَا
ثم قال: تدق على الأفكار حقائق سياستك، وتقصر عن سعة إحاطتك، فيأخذ الناس ظاهر ذلك مرتضين بك، ويعرضون عما خفي عنهم منه مسلمين لك. فقد تيقن الجميع أن الله يمدك بمواد توفيقه، ولا يخليك من إرشاده وتأييده.
أَزِلْ حَسَدَ الحُسَّادِ عَنَّي بِكَبْتِهمْ ... فَأَنْتَ الّذي صَيَّرْتُهمْ لي حُسَّداً
الكبت: الخيبة والخسار.
فيقول لسيف الدولة: أزل حسد الحساد عني، بكتبهم فيما ظنوه، ودفعهم، عما راموه، فإحسانك أوجب حسدهم لي، وإكرامك حملهم على
стр. 432
الاغترار بي، وأنت جدير بحفظ ما أسديت، وتتميم ما أوليت.
إذَا شَدَّ زَنَدي حُسْنُ رَأُيِكَ في يَدي ... ضَرَبْتُ بِنَصْل يَقْطَعُ الهامَ مًغْمَدا
الزند: أحد عظمي الذراع.
ثم قال: إذا شد زندي في يدي حسن رأيك، وأنهض قوتي كريم اعتنائك، ضربت بسيف من إكرامك، تقطع الهام هيبة ذكره، وتنقد له الرؤوس في غمده، يشير إلى ما هو عليه من الاعتزاز به، والاستغناء بتقبله له، واستعار ما نظمه من لفظه، ليدل بذلك على ما فسرناه من قصده.
وَمَا أَنَا إلاَّ سَمْهريُّ حَمَلْتَهُ ... فَزَيَّنَ مَعْرُوضاً وَرَاع مُسَدَّدا
السمهري من الرماح: الصلب، أخذ ذلك من قوله: اسمهر العود، إذا صلب، وتعريض الرمح: حمله على عنق الفرس، وتسديده: تهيئته للطعن.
ثم قال: وما أنا إلا رمح اخترته لنفسك، واصطحبته في حربك، فزينك معرضاً بصحبته، وراع عدوك مسدداً بمحمود خبرته.
وما الدَّهْرُ إلاَّ مِنْ رُواةِ قَلائدي ... إذَا قُلْتُ شِعْرَاً أَصْبَح الدَّهْرُ مُنْشدَا
стр. 433
القلائد: العقود وما أشبهها مما يحمل على الأَعْنَاقِ.
فيقول: وما الدهر إلا من رواة أشعاري التي هي كالعقود والأطواق، والقلائد في الأعناق، فإذا قلت شعراً، فالدهر ينشده معرفاً به، ويرويه مقيداً له، ويبقيه ما بقيت الأيام، ويخلده، ما أعلمت الأقلام.
فَسارَ بِهِ من لا يَسيرُ مُشَمَّراً ... وغَنَّى به من لا يُغَنَّي مُغَرَّدا
التشمير: النفاذ والاعتزام، والتغريد: الصوت المطرب.
ثم قال مؤكداً لما قدمه: فيسير به من لا يستطيع السير نشاطاً مشمراً، ويغني من لا يحسن الغناء كالنشوان مغرداً، يشير إلى ما يفيده شعره من الطرب بكثرة بدائعه، وما يوجبه من السرور ببراعة مقاصده.
أَجِزْني إِذَا أُنْشِدْتَ شِعْرَاً فإنَّما ... بِشِعْرِي أَتَاكَ المادِحُونَ مُرَدَّدَا
الجائزة: الصلة.
فيقول لسيف الدولة: أجزني عما تنشده من الأشعار، فإنها من أشعاري مسترقة، ومما أبدعه فيك مقتطعة؛ لأني قد سبقت فيك إلى بدائع
стр. 434
النظم، وقصرت عليك محاسن الشعر، فالمادح، إنما يأتيك بطرف مما قلته، ومسترق مما خلدته.
وَدَعْ كُلَّ صَوْتٍ بَعْدَ فإنَّني ... أَنا الطَّائرُ المَحكِيُّ والآخَرُ الصَّدَى
الصدى: الصوت من الجبل ونحوه.
ثم قال: ودع أصوات الناس بعد إنشادي إياك. فإني فيهم السابق المتبع، وشعري المحكي به الممتثل، وحالي فيهم حال الطائر الغرد، وهم كالصدى الذي يمتثله ويتلوه، ويتبعه ويقفوه.
تَرَكْتُ السُّرَى خَلْفي لَمْنِ قَلَّ مَالُهُ ... وأَنْعَلْتُ أَفْراسِي بِنُعْمَاكَ عَسْجَدا
السرى: سير الليل، والعسجد: الذهب.
فيقول لسيف الدولة: تركت السرى خلفي لمن قل ماله، أي: للمقلين، وسلمته للمنتجعين، واستغنيت بك عن تكلفه، ولم تبق لي معك حاجة في تمونه، وأحاط بي من فضلك وكرمك، ونعماك وكرمك، ونعماك وتوسعك ما أنعلت خيلي فيه بالذهب، واستغنيت بأقله عن كد الطلب.
وَقَيَّدْتُ نَفْسِي في ذُرَاكَ مَحَبَّةً ... وَمَنْ وَجَدَ الإحسان قَيْدَاً تَقَيَّدَاً
стр. 435
ثم قال: وقيدت نفسي في ذراك وأرضك، وقصرتها على إحسانك وفضلك، ومن وجد الإحسان قيداً تقيد به، وألزم نفسه إياه، ولم يختر لها مقصوداً سواه.
إذَا سَأَلَ الإنْسَانُ أَيَّامَهُ الغِنَى ... وَكُنْتَ على بُعْدٍ جَعَلْنَاكَ مَوْعِدا
ثم قال، مخاطباً، له: إذا سأل الإنسان أيامه الغنى والسعة، والخفض والدعة، كنت أنت الموعد الذي تعد الأيام به، والأمل الذي يمثله له، يريد: أن سيف الدولة غرض القاصدين، والمقدم في جميع المحسنين.
стр. 436
أنشد أبو الطيب هذه القصيدة سيف الدولة في الميدان، وعاد إلى الدار فاستعادها إياه فأنشدها، وكثر الناس، فقال قائل منهم: إن أكثر الناس ما يسمع، فلو أنشدها قائماً لأسمع؛ يريد بذلك كيد أبي الطيب، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها:
لكلَّ امرِئٍ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَّودَا
فأفحم الرجل ن وضحك سيف الدولة، وجرى ذكر ما بين العرب والأكراد من الفضل، فقال له سيف الدولة: ما تقول في هذا، وتحكم به؟ فقال له:
إن كُنْتَ عن خَيْرِ الأَنامِ سَائلاً ... فَخَيرُهُمْ أَكْثَرُهُم فَضَائِلا
مَنْ أَنْتَ مِنْهُمْ يا هُمَامَ وائِلاِ ... الطَّاعِنينَ في الوَغَى أَوائِلا
والعاذِلينَ في النَّدى العَواذِلا ... قد فَضَلوا لِفَضْلِكَ القبائِلا
стр. 437
وائل بن قاسط؛ أبو بكر بن وائل، وتغلب وبنو تغلب: رهط سيف الدولة، ولم يصرف وائل؛ لأنه اسم قبيلة معرفة.
فيقول، مخاطباً لسيف الدولة: إن كنت تسأل عن خير الأنام، فخيرهم أشهرهم في الفضائل، وأقعدهم بالمكارم، ثم قال: من كنت أنت منهم يا همام وائل؛ هذه القبيلة، فلهم الفضل والرفعة، وفيهم العدد والمنعة، الطاعنين أوائل في الحرب، والمتسابقين إلى الطعن والضرب، والذين يعذلون من عذلهم على الكرم، ويتفضلون بأوفر النعم، ثم قال قد فضلوا يأيها الملك القبائل بفضلك، وانفردوا بالمكارم بما أكسبتهم من مجدك.
стр. 438
وجلس سيف الدولة لرسول ملك الروم والروذس، في صفر من سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وحضر أبو الطيب، فوجد دونه زحمة شديدة، فثقل عليه الدخول، واستبطأه سيف الدولة، فقال ارتجالاً:
ظُلْمُ لذا اليَوْمِ وَصْفُ قَبْلَ رُؤْيَته ... لا يَصْدُقُ الوَصْفُ حَتَّى يَصْدقُ النَّظَرُ
يقول: وصفي لهذا اليوم قبل رؤيته، وإخباري عنه قبل مشاهدته، ظلم له، وتقصير به؛ لأن الوصف إنما يصدق بالمشاهدة، ويتصحح بصحة المعاينة.
تَزَاحَمَ الجيشُ حَتَّى لَمْ يَجِدْ سَبَبَاً ... إلى بِسَاطِك لي سَمْعُ ولا بَصَرُ
ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: تزاحم الجيش وتكاثر، وتبادر وتضاغط، حتى لم أجد إلى بساطك سبباً موصلاً بسمع ولا بصر، ولا إخبار ولا نظر.
فَكُنْتُ أَشْهَدَ مُخْتَصَّ وأَغْيَبَهُ ... مُعَايِنَاً، وَعِياني كُلُّهُ خَبُرُ
يقول: فكنت لشدة اهتبالي بالحال، أقرب المختصين منك، وبما
стр. 439
منعني من مشاهدتها، أثبتهم مغيباً عنك، وصار عياني كله أمرك؛ ما أحدث به من جلالة حفلك، وما ينقل إلي من فخامة قدرك.
اليَومَ يَرْفَعُ مَلْكُ الرُّومِ نَاظِرَهُ ... لأَنَّ عَفْوَكَ عَنْهُ عِنْدهُ ظَفرُ
ثم يقول: اليوم يرفع ملك الروم ناظره، بما بذلت له من السلم، وتسكن مخافته، بما شملته به من العفو، فعفوك عنه ظفر يناله، وإمساكك عن حربه أمل يبلغه.
وإِنْ أَجَبْتَ بِشَيْءٍ عَنْ رِسَالتِهِ ... فَمَا يَزَالُ عَلَى الأَمْلاكِ يَفْتَخرُ
ثم قال: وإن أجبته بأيسر جواب عن رسالته، فما يزال مفتخراً على الأملاك بمكاتبتك ومتشرفاً بما ربيته من مراسلتك.
قَد استَراحَتْ إلى وَقْتٍ رِقَابُهُمُ ... من السُّيوفِ وَبَاقي النَّاسِ يَنْتَظُرِ
стр. 440
ثم يقول لسيف الدولة: قد استراحت رقاب الروم من سيوفك بصلحك لهم، وأمنوا معرة جيوشك بعفوك عنهم، وغيرهم من الأعداء ينتظرون ما صرفت عنهم من سطوتك، ويحذرون ما أمنتهم من عقوبتك.
وقد تُبَدَّلُها بالقومِ غَيْرِهِمُ ... لكي تَجِمَّ رؤوسُ القَوْمِ والقَصَرُ
القصر: أصول الأعناق.
ثم قال: وقد تبدل سيوفك في الروم بغيرهم، وتعوضها منهم
стр. 441
بسواهم، لكي تجم رؤوسهم وقصرهم، ويكثر للسبي أهلهم وولدهم.
تَشْبيهُ جُودِكَ بالأَمْطَارِ غَادِيةً ... جُودُ لكفَّكَ ثَانٍ نَالهُ المَطَرُ
ثم يقول لسيف الدولة: تشبيه جودك بالأمطار الغادية، وتمثيله بالغيوم الساجمة، جون ثان من كفك على المطر، بمماثلته إياها، وفضل ظاهر عليه، بمقاربته معناها.
تَكَسَّبُ الشَّمْسُ مِنْكَ النُّورَ طَالعِةً ... كَمَا تَكَسَّبُ مِنْها نُورَهُ القَمَرُ
ثم قال: تكسب الشمس النور في طلوعها من ضياء وجهك، كما يكتسب القمر من الشمس نوره، ويستعيره منها ضياءه وحسنه.
стр. 442
وقال أيضاً، يصف دخول الرسول:
دُرُوعُ لَمِلْكِ الرُّومِ هَذي الرَّسَائِلُ ... يَرُدُّ بها عَنْ نَفْسِهِ وَيُشَاغِلُ
يقول لسيف الدولة: رسائل ملك الروم إليك دروع تمنعه، وحصون تكتنفه، لأنه يرد بها جيوشك عن أرضه، ويشغل بها عزائمك عن نفسه.
هِيَ الزَّرَدُ الضَّافي عَلَيْهِ وَلَفْظُها ... عَلَيْكَ ثَنَاءُ سَابغُ وَفضائلُ
ثم قال: هي عليه كالزرد الذي يشمله، والسلاح الذي يعصمه، ولكن ألفاظ تلك الرسائل فضائل لك، وثناء يتخلد عليك، لأنها خضوع منه يرتفع به قدرك، واستسلام إليك يجل معه أمرك.
وَأَنَّي اهْتَدَي هَذا الرَّسُولُ بأَرْضِهِ ... وما سَكَنَتْ مُذْ سِرْتَ فيها القَسَاطِلُ
ثم يقول: وأني لهذا الرسول بالهداية في أرضه، والتحقيق لطريق يسلكه في قصده، وما سكنت في تلك البلاد عجاجات خيلك، ولا فترت فيها قساطل جيشك؟
стр. 443
وَمِنْ أَيَّ مَاءٍ كَانَ يَسْقِي جِيَادَهُ ... ولم تَصْفُ من مَزْجِ الدَّمَاءٍ المَناهِلُ
ثم قال: وعلى أي مياه البلاد كان ينزل؟ ومن أيها كان يسقي؟ وهي بما سفكت عليها من الدماء ممتزجة، وبما عممتها به من ذلك آجنة متغيرة. يشير بجميع هذا إلى قرب عهد سيف الدولة بغزو الروم، وتدويخه لأرضهم، وسفكه لدمائهم.
أَتَاكَ يَكَادُ الرَّأْسُ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... وَتَنْقَدُّ تَحْتَ الذُّعْرِ مِنْهُ المَفَاصلُ
ثم يقول لسيف الدولة: أتاك ملك الروم متخاضعاً لهيبتك، متضائلاً لجلالتك، قد صير رأسه بين منكبيه، وهي فعلة المتخوف للقتل، كأن عنقه لامتثاله وقوع السيف عليه يكاد يجحد رأسه، ويغيبه بالجملة خوفه، وتكاد مفاصله يقدها ذعره، ويقطعها فرقه.
يُقَوَّمُ تَقْويمُ السَّمَاطَينِ مَشْيَهُ ... إليك إذا ما عَوَّجَتْهُ الأَفَاكِلُ
стр. 444
ثم قال: إن ذلك الرسول لهيبته لسيف الدولة، كان لا يستقيم مشيه، ولا تستقر نفسه، فكانت الأفاكل إذا عدلت به قومته الصفوف الماثلة، وإذا عوجت مشيته
صرفته الجماعات القائمة.
فَقَاسَمَكَ العَيْنَيْنِ مِنْهُ وَلَحْظَهُ ... سَمُّيكَ والخِلُّ الَّذي لاَ يُزَايلُ
ثم يقول له: فقاسمك عيني رسول الروم ولحظه، سيفك الذي تدعى باسمه، وخلك الذي تأنس بقربه، الذي تأنس بقربه، الذي تألفه فما يزايلك، وتصحبه فما يفارقك. أراد: أن رسول الروم ملكه من هيبة سيف الدولة، ما ملكه من هيبة سيفه، واستعظم من أمر الملك كالذي استعظم من أمر السيف، فأجال لحظه متهيباً للحالين، وقسم نظره متعجباً بين الأمرين.
وَأَبْصَرَ مِنْكَ الرَّزْقُ والرَّزْقُ مُطمِعُ ... وأَبْصَرَ مِنْهُ المَوْتَ والموتُ هَائِلُ
ثم قال: وأبصر منك بعموم جودك الرزق المحيي فأطعمه، وأبصر من سيفك الموت الهائل فأفزعه، فلاحظك بين اليأس والطمع، وقسم عينيه بين التأمل والفزع.
وَقَبَّلَ كُمَّا قَبَّلَ التُّرْبَ قَبْلَهُ ... وَكُلُّ كَمِيَّ وَاقِفُ مُتَضائلُ
ثم قال: وقبل الترب قبل تقبيله لكمك، وخضع فيه قبل وصوله إلى
стр. 445
قربك، والكماة من أبطال رجالك وقوف متضائلون، والرؤساء، من خدامك مثول متهيبون.
وَأَسْعَدُ مُشْتَاقٍ وأَظْفَرُ طالِبٍ ... هُمَامُ إلى تَقْبِيل كُمَّكَ وَاصِلُ
ثم يقول: إن أسعد مشتاق بنيل ما أمله، وأظفر طالب ببلوغ ما حاوله، ملك رفيع الهمة، وصل إلى تقبيل كمك، وملك جليل الرتبة، خضع فتشرف بقربك.
مَكَانُ تَمَنَّاهُ الشَّفَاهُ وَدُونَهُ ... صُدورُ المَذاكي والرَّماحُ الذَّوابِلُ
ثم قال، مرفعاً بتقبيل كمه: (كمك) مكان تمناه الشفاه، وتتنافس فيه الأفواه، ودون الوصول إليه، والتشرف بالإكباب عليه، خيول جيوشه الغالبة، وأطراف رماحه الذابلة.
فما بَلَّغَتْهُ ما أَرَادَ كَرامةُ ... عَلَيْكَ وَلَكَنْ لم يَخِبْ لَكَ سَائِلُ
يقول: فما بلغت رسول الروم إلى ما بذلت له من سلمك، وما شرفته
стр. 446
به من تقبيل كمك، كرامته عليك، ولا منزلته الرفيعة عندك، ولكنه سألك وأنت لا تخيب سائلك، وأملك وأنت لا تضيع من أملك.
وأَكْبَرُ مِنْهُ هَّمِةً بَعَثَتْ به ... إِليكَ العِدَى واسْتَنْظَرَتْهُ الجَحافِلُ
ثم قال: وأكبر من هذا الرسول همة، وأرفع منزلة ورتبة، بعثت به إليك طوائف الأعداء الذين يطلبون سلمك، ويتوقعون سطوتك وحربك، واستنظرته جيوشهم، القدوم بجوابك، واستعلام حقيقة رأيك.
فَأَقْبَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهو مُرْسَلُ ... وَعَادَ إلى أَصْحَابِهِ وَهو عَاذِلُ
ثم قال: فأقبل من أصحابه، وهو رسول معظم لهم، وعاد إليهم وهو عاذل يزري بهم، لما يتبينه من جلالتك، وعظم شأنك، ويتيقنه من ضعف المراسلين لك على مقاومتك، ولما لهم من الحظ في الخضوع لطاعتك.
تَحَيَّرَ في سَيْفٍ رَبيْعَةُ أَصْلُهُ ... وَطَابِعُهُ الرَّحْمنُ والمَجْدُ صَاقِلُ
ثم يقول: تحير ذلك الرسول في سيف من سيوف الله، ربيعة؛ هذه القبيلة، أصله، والله تعالى طابعه وصانعه،، والمجد صاقله ومظهر حسنه،
стр. 447
وحافظه ورافع قدره.
وما لَوْنُهُ مِمَّا تُحَصَّلُ مُقْلَةُ ... ولا حَدُّهُ مما تَحُبسُّ الأَنَامِلُ
ثم أكد ما قدمه، من تفضيله على السيف، فقال: وما لونه مما تحصله المقل؛ لأنها مغضوضة عنه لهيبته، ولا حده مما تجسه الأنامل، ولكنه سيف عند سطوته.
إذا عَايَنَتْكَ الرُّسْلُ هَانَتْ نُفُوسُها ... عَلَيْها وما جَاَءتْ به والمُرَاسِلُ
ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: إذا عاينتك الرسل، وعاينت جلالتك، وأبصرت وشاهدت مهابتك، تصاغرت أنفسها، وهانت عليها رسائلها، واستقلت الملوك المرسلين لها، والرؤساء الموجهين بها، وعلمت أن السعادة في التسليم لأمرك، وحقيقة التوفيق في التمسك بحبلك.
رَجَا الرُّومُ مَنْ تُرْجَى النَّوافِلُ كُلُّها ... لَدَيْهِ وَلا تُرْجَى لَدَيْهِ الطَّوائِلُ
ثم يقول: رجا الروم من سيف الدولة، في إجابتهم إلى الصلح الذي رغبوه، من ترجى لمسئلته نوافل الخير، وترتهن بطاعته ضروب الفضل، ولا يرجو من عصاه أن يدال عليه؛ فيأخذ بطائلته، ويظفر
стр. 448
بإدراك ترته، لأن سعادته تمنع منه، وإقباله ييئس الأعداء منه.
فَإنْ كَانَ خَوْفُ الأَسْرِ والقَتْلِ سَاقَهُمْ ... فَقَدْ فَعَلوا ما الأَسرُ والقَتْلُ فاعِلُ
ثم قال، مخاطباً له: فإن كان خوف القتل ساق الروم إليك، مستجيرين بما رغبوه من السلم، فقد فعلوا بأنفسهم بما أظهروه من الذلة، وأبدوه من الخضوع والاستكانة، ما هو كالقتل في شدته، ولا يفعل القتل أكثر منه في حقيقته.
فَخَافُوكَ حَتَّى ما لِقَتْلٍ زَيادَةُ ... وَجَاءوُك حتى ما تُزَادُ السَّلاسِلُ
ثم قال: فأبدوا من مخافتك ما لا يزيد عليه القتل، وفعلوا بالاستسلام لك ما لا يفعل مثله الأسر، وأشار إلى الأسر بذكر السلاسل.
أَرَى كُلَّ ذي مُلْكٍ إلَيْكَ مَصِيرهُ ... كَأَنَّكَ بَحْرُ والمُلُوكُ جَدَاوِلُ
ثم يقول: أرى كل ذي ملك مصيره إلى الخضوع لك، وغاية أمله أن يعتلق بك، فلا ملك إلا وهو واقع تحت ملكك، ولا رئيس إلا وهو
стр. 449
متصرف على حسب أمرك، كأنك في مصير الممالك إليك، وتزاحم أربابها عليك، البحر الذي إليه مآل الجداول الجارية، وفيه مستقر جميع الأنهار السائلة.
إذا مَطَرَتْ مِنْهُم ومِنْكَ سَحَائِبُ ... فَوَابِلُهُمْ طَلُّ وَطَلُّكَ وَابلُ
ثم قال: فأنت والمتشبهون بك من الملوك، إذا ساجلوك في جودك، وتشبهوا بك في فعلم، فأمطروا وأمطرت، وفعلوا وفعلت، عفوك يعجز جهدهم، وطل عطائك يستغرق وبلهم. وذكر السحائب والطل والوابل على سبيل الاستعارة، وما أبدع به من لطيف الإشارة.
كَرِيمُ مَتَى اسْتُوْهِبْتَ ما أَنْتَ رَاكِبُ ... وَقَدْ لَقِحَتْ حَرْبُ فإنَّكَ نَازِلُ
ثم يقول: إن سيف الدولة كريم، لا يمنع من سأله، وجوادُ لا يبخل على من استوهبه، فلو سئل في حرب لاقحٍ مقتبلة، شديدة مشتعلة، ما يركبه، لسمح به لسائله، وما يحمله لما بعد فيه على طالبه، وأشار بهذا إلى أنه لا يمنع شيئاً لحاجته إليه، ولا يبخل به وإن حلت عائدته عليه.
إَذَا الجودِ! أَعْطِ النَّاسَ ما أنتَ مَالِكُ ... ولا تُعْطِيَّنَّ النَّاسَ ما أَناَ قَائِلُ
стр. 450
ثم قال: مخاطباً له: إذا الجود! سامح الناس فيما تبذل لهم من مالك، ولا تسمح لهم بما أخلده من مدحك، يشير بهذا القول إلى تأكيد بصيرته في تشفيع نعمه عنده، ومواصلة إحسانه قبله.
أَفي كُلَّ يَوْمٍ تَحْتَ ضِبْني شُوَيْعرُ ... ضَعِيفُ يُقاويني قَصيرُ يُطَاوِلُ
ثم يقول: أفي كل يوم يمرس في شويعر ضعيف في صناعته، قصير في معرفته، يقاويني وهو ضعيف لا قوة به، يطاولني وهو قصير لا بسطة له؟
لِسَاني بِنُطْقِي صَامِتُ عنه عَادلُ ... وَقَلْبي بِصَمْتي ضَاحكُ مِنْهُ هَازلُ
ثم قال: لساني إذا نطقت معرض عنه، عادل عن مخاطبته، وقلبي إذا صمت ضاحك منه، هازل بجهالته. وأشار بهذا إلى الذين كانوا ينازعونه الشعر عند سيف الدولة، وما كان من تقصيرهم عنه، وبعدهم في الحقيقة منه.
стр. 451
وأَتْعبُ من نَادَاكَ مَنْ لاَ تُجِيْبُهُ ... وأَغْيَظُ مَن عَادَاكَ مَنْ لاَ تُشَاكِلُ
ثم يقول، على سبيل المثل: وأتعب حاسديك بندائه لك، من كنت مرتفعاً عن مجاوبته، وأشدهم تعذباً بك، من كنت متنزها عن مخاطبته، وأغيظ أعدائك عليك من لا تشاكله، وأكرمهم لك من لا تماثله.
وَمَا التَّيهُ طِبَّي فيهِمُ غَيْرَ أَنَّني ... بَغِيضُ إِليَّ الجاهِلُ المُتَعاقِلُ
ثم قال: وما أعرض عنهم مداوياً بالتيه لحسدهم، ولا مقارضاً بالكبر لسفههم،
ولكني أبغض تعاقلهم مع جهلهم، وما يتعاطون من التمام مع نفسهم، ومن كانت هذه حالته فأنا أبغضه، ومن كان على هذا السبيل فأنا أكرهه.
وأَكْثَرُ تِيْهِي أَنَّني بِكَ وَاثِقُ ... وأَكْثَرُ مَالي أَنَّني لَكَ آمِلُ
ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: وأكثر ما ارتفع به ما أظهره من الثقة بك، وأنفس مال ادخره ما اعتقده من التأمل لك، فإنما أتيه بجميل رأيك، واستغني بجزيل عطائك.
стр. 452
لَعَلّ لِسيْفِ الدَّوْلَة القَرْمِ هَبَّةً ... يَعِيْشُ بها حَقُّ ويَهْلِكُ بَاطِلُ
ثم يقول: لعل لسيف الدولة انتباها يتأمل به مغالطة هؤلاء المقصرين في شعرهم، المتأخرين في مدحهم، فيحيا بذلك التأمل ما أهدي إليه من الحق، ويهلك معه ما يتزينون به من الباطل والإفك.
رَمَيْتُ عِدَاهُ بالقوافي وَفَضْلِهِ ... وَهُنَّ الغَوازي السَّالماتُ القَواتِلُ
ثم قال: رميت عداه بما قيدته أشعاري من مدحه، وما خلدته من مكارمه وفضله، وهن الغوازي السالمات في غزوهن، القاتلات للأعداء بعفوهن؛ لأنهن يسرعن في السير دون تكلف، ويقتلن من اعتمدنه بغير تخوف.
وَقَدْ زَعَموا أن النُّجومَ خَوَالدُ ... ولَوْ حَارَبْتهُ نَاحَ فيها الثَّواكِلُ
ثم يقول: وقد زعموا أن النجوم لا تحيا وتهلك، وتعدم وتوجد، وأنها خوالد إلى أن تفنى جملتها، وتنتقص باقتراب الساعة بنيتها، ولو حاربت سيف الدولة لانقلبت أحوالها بسعده، ولنالها القتل بإقبال جده، وأشار بنوح الثواكل إلى ذلك.
стр. 453
وَمَا كَانَ أَدْنَاهَا لَهُ لَو أَرادَهَا ... وأَلْطَفَها لَوْ أَنَّهُ المُتَنَاوِلُ
ثم قال: وما كان أدناها له لو قصدها، وألطفها لو حاول تناولها، يريد: أن سعده يقرب له ما لا يقرب مثله، ويبلغه إلى ما (لم) يبلغه أحد قبله، وهذا من تزيد الشعراء الذين يستجيزون فيه الكذب، لما يحاولونه من بلوغ غايات المدح،
ويرمونه من استيفاء أرفع منازل الوصف.
قَرِيبُ عَلَيهِ كُلُّ نَاءٍ عن الوَرَى ... إذا لَثَّمَتْهُ بالغُبَارِ القَنَابِلُ
ثم يقول: إن سيف الدولة إذا قاد جيشه، وتقلد نحو العدو خيله، ولثمته كتائبه، بما تثيره من الغبار، وما تبعثه من الرهج، فكل ما يبعد على غيره، قريب عليه مراده، وغير بعيد منه مكانه.
يُدَبَّرُ شَرْقَ الأَرْض والْغَرْبِ كَفُّهُ ... وَلَيْسِ لَهاَ وَقْتاً عن الجُودِ شَاغِلُ
ثم قال: يدبر كفه المشارق والمغارب، والدواني من الأرض والقواصي، وليس يشغله مع ذلك وقتاً من الدهر شاغل عما يحاوله من أمره، ولا يعوقه
стр. 454
عائق عما يبذله من فضله.
يُتَبَّعُ هُرَّابَ الرَّجالِ مُرَادُهُ ... فَمَنْ فَرَّ حَرْباً عَارَضَتُهُ الغوائِلُ
يقول: إنه من إسعاده جده، وما يمكنه الله من أمره، يتبع من هرب عنه من الرجال ما يريده به، ويعترضه ما يعتقده له، فمن فرعنه في حربه أدركته في مأمنه غوائل حتفه.
وَمَنْ فَرَّ مِنْ إِحْسَانِهِ حَسَداً لَهُ ... تَلَقَّاهُ مِنْهُ حَيْثُمَا سَارَ نائِلُ
ثم قال: ومن فر عن إحسانه، فأظهر مشاركته، وأبعده عنه الحسد، فاعتقد مجانبته، تلقاه من سيف الدولة حيثما سار، نائل يشمله، وأدركه منه إحسان يغمره، يشير إلى أن فضله يشمل الحاسد والولي، ويعم المحسن والمسيء.
فَتَىً لا يَرَى إِحْسَانَهُ وهو كامِلُ ... لَهُ كامِلاً حَتَّى يُرَى وَهوَ شَامِلُ
ثم يقول مخبراً عنه: إنه فتى لا يرى جليل إحسانه، وكثير إفضاله، وإن بلغ فيه أبلغ غاياته، مستكملاً متمماً، حتى يكون شاملاً في ذاته، عاماً في حقيقته.
стр. 455
إذَا العَرَبُ العَرْبَاء رَازَتْ نُفُوسَها ... فأَنْتَ فَتَاها والمليكُ الحُلاحِلُ
ثم قال: إذا العرب العرباء الصرحاء، والجلة منهم الكرماء، رازوا أنفسهم،
وحصلوا (أمرهم)؛ علموا أنك فتاهم جوداً ونجدة، ومليكهم الحلاحل إقداماً ورفعة.
أَطَاعَتْكَ في أَرْواحِها وَتَصَرَّفَتْ ... بأَمْرِكَ والتَفَّتْ عَلَيْها القَبائل
ثم قال: أطاعوك في أرواحهم وأنفسهم، وتصرفوا على أمرك في إيرادهم وإصدارهم، والتفت قبائلهم على نصرتك، ودانوا أجمعين بالخضوع لطاعتك.
وَكُلُّ أَنَابِيبِ القَنَا مَدَدُ لَهُ ... وَمَا تَنْكُتُ الفُرْسَانَ إلاَّ العَوامِلُ
ثم يقول له، مؤكداً لما ذكره من التفاف العرب عليه، وانقيادها له: وكل أنابيب الرمح مما يمده ويعضده، ويعينه ويؤيده، ولكن العوامل منها، بها ينكت الفرسان، وبها يكون الطعان. فجعل موضع سيف الدولة
стр. 456
من العرب، وإن كانت مدداً له، ومثبتة به، موضع الرمح الذي به يكون الطعن، وإليه من بين سائر الأنابيب الفعل.
رَأَيْتُكَ لَوْ لَمْ يَقْتَضِ الطَّعْنُ في الوَغَى ... إِليكَ انْقِياداً لاْقَتضَتْهُ الشَّمَائِلُ
ثم قال، مخاطباً له: رأيتك لو لم يقتض الطعان في الحرب انقياد أعدائك لك، وخضوعهم لأمرك، وحاولوا مدافعتك بمبلغ جهدهم، وراموا ذلك بظاهر فعلهم، لاقتضت انقيادهم لك شمائلهم، ولقصرتهم على ذلك طبائعهم؛ لأن جبلتهم توجب خضوعهم لطاعتك، وأنفسهم تلزمهم الاعتراف برئاستك.
وَمَنْ لم تُعَلَّمْهُ لكَ الذُّلَّ نَفْسُهُ ... من النَّاسِ طُرَّاً عَلَّمَتْهُ المَنَاصِلُ
ثم قال: ومن لم تعلمه نفسه الذل لك، وترشده إلى الاعتلاق بك، علمته ذلك مناصلك، وأجبرته عليه جيوشك وكتائبك، فمن لم يطعك بالاعتراف والرغبة، أطاعك بالاقتدار والغلبة.
стр. 457
وورد عليه رسول سيف الدولة برقعة فيها هذا البيت:
رَأَى خَلَّتي من حيثُ يَخْفَي مكانُها ... فكانتْ قَذَى عَيْنَيهِ حتى تَجَلَّتِ
وسأله إجازته، فأثبت تحته في الرقعة:
لَنَا مَلِكُ ما يَطْعَمُ النَّومَ هَمُّهُ ... مماتُ لَحِيَّ أو حَياةُ لَمِيَّتِ
وَيَكْبُرُ أَنْ تَقْذَى بِشَيءٍ جُفُونُهُ ... إذا مَا رَأَتْهُ خَلَّةُ بِكَ فرَّتِ
جَزَى اللَّهُ عَنَّي سَيْفَ دَوْلَةِ هَاشمٍ ... فإنَّ نَدَاهُ الغَمْرَ سَيْفِي ودَوْلَتي
стр. 458
ولما وافى رسول ملك الروم، رأى سيف الدولة يتشكى، فقال: أتراه يفرح بعلتنا، فقال أبو الطيب:
فُديتَ بِماذا يبشَّر الرَّسول ... وأَنْتَ الصَّحيحُ بذا لا العَلْيلُ
عَوَاقِبُ هذا تَسوءُ العَدوَّ ... وتَثْبُ فيك وهذا يَزولُ
стр. 459
أحدثت بنو كلاب حدثاً بنواحي بالس، وسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، فأدركهم بعد ليال بين مائين يعرفان بالغبارات والخرارات من جبل البشر، فأوقع بهم فقتل، وملك الحريم فأبقى عليه، وأحسن إليه، فقال أبو الطيب في ذلك بعد رجوعه من هذه الغزاة، فقال أبو الطيب في ذلك بعد رجوعه من هذه الغزاة، أنشدها إياه في جمادي الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
بِغَيْرِكَ رَاعِيَاً عَبِثَ الذّئَابُ ... وَغَيْرَكَ صَارِمَا ثَلَمَ الضَّرَابُ
يقول، مخاطباً لسيف الدولة: بغيرك من الأمراء، وقادة الناس الرؤساء، عبثت ذئاب المخالفين، وعلى غير رعاياك أقدم شرار العصاة المتمردين، وغيرك من السيوف ثلمه الضرب، وأكله الحرب.
стр. 460
وَتَمْلِكُ أَنْفُسَ الثَّقلينِ طُراً ... فَكيفَ تُحوزُ أَنْفُسَها كِلاَبُ
ثم قال، مخاطباً له: وتملك أنفس الثقلين بجلالة سلطانك، وشمول إحسانك، فكيف تختار كلاب، هذه القبيلة، أنفسها عنك من بين سائر الثقلين، فتخالف أمرك، وتنكر فضلك، هذا أمر لا يمكن، ومحال لا يحسن.
وَمَا تَرَكُوكَ مَعْصِيَةً وَلَكِنْ ... يُعَافُ الوِردُ والموتُ الشَّرابُ
ثم قال: وما تركوك في فرارهم معصية لك، ولا رحلوا من بين يديك جهالة، بك، ولكنهم حذروا مطوعتك، وملكتهم هيبتك، فعادوا بالزوال، واعتصموا بالفرار، ويكره الورد إذا كان الموت شرابه، ويحذر إذا كان الحتف ماله.
طَلَبْتَهُمْ على الأَمْواهِ حَتَّى ... تخوَّفَ أن تُفَتَّشَهُ السَّحَابُ
ثم يقول له: طلبت بني كلاب على الأمواه التي هي مظان الأعراب في ارتحالها، ومنازلها عند انتقالها، فبلغت غايات تلك الفلوات النائية، ودوخت أقاصي تلك الرمال الشاسعة، وقرب عليك منها ما يقرب مثله، وفعلت في التوصل إليها ما لا يمكن غيرك فعله، ونلت من ذلك ما ليس السحاب بأبعد منالاً منه، ولا يخرج بشدة الامتناع عنه. ودل بقوله:
следующие страницы →