والظلمات جمع ظلمة، والمراد بها هنا الضلالة؛ ففي الكلام مجاز؛ لأن المفاسد التي ينشرها الطغيان تظلم بها النفس وتكون في حيرة، وتنقطع عن سبيل الهداية؛ والنور هو الهدى؛ لأن الهدى يكشف عن ينابيع الحق والخير في النفس، وهو سلوك الطريق الموصل إلى ما يسعد الإنسان في الفانية والباقية فهو كالمصباح للمؤمن به يهتدي، وبه يصل إلى الغاية. والمعنى للجملة السامية: الله سبحانه ﷻ الذي ليس فوقه شيء وهو القاهر فوق كل شيء هو ولي الذين آمنوا أي ناصرهم يأخذ بأيديهم من ضلالات الشرك والأوهام والشهوات، والذلة والاستعباد، إلى نور الحق والهداية والتحرر من الأوهام ومن الذلة، والاستقامة نحو العزة. فهذه الجملة تتضمن ثلاثة أمور:
أولها: نصرة الله القوي القادر، فلا يصح لمؤمن أن يضعف أمام جبروت الملوك الطغاة أو الجبابرة العتاة، أو الكبراء المضلين.
وثانيها: أن الله هو المسيطر على النفوس يوجه القلوب المؤمنة إلى الحق فيلوح لها نوره، وتشرق فيها حججه.
وثالثها: أن الذين يفيض الله عليهم بهذا النور ويؤيدهم بنصره هم الذين ارتضوا الحق بإرادتهم المختارة، ورفضوا طغيان الكبراء والجبابرة، وقاوموا نزغات الشيطان؛ فإن هؤلاء هم الذين ينصرهم رب العالمين، ويهديهم بنوره.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) المؤمنون يوجه قلوبهم رب العالمين، وينصرهم بقدرته، ويعتزون بعزته، وهو رب العزة، له الكبرياء في السماوات وفي الأرض، وهو العلي العظيم؛ أما الذين كفروا فالطاغوت أي الطغيان بكل أنواعه من جبابرة متحكمين، وكبراء مضلين، وأوهام مستحكمة، وضلالات مسيطرة، هو الذي ينصرهم ويسيطر على قلوبهم؛ والسبب في ذلك أنهم جعلوا الكفر وستر الفطرة هو الذي يتحكم في قلوبهم، فهم اختاروا تلك الأوهام المضلة، وولاية الجبابرة المذلة، واتباع الكبراء المردي، ففتحوا بسبب ذلك قلوبهم للضلالة تدخل فيها جزءًا جزءًا حتى أظلمت وبعدت عن نور الفطرة، وغلقت عليها
стр. 1192
أبواب الحق، فلا يدخلها إلا ضلال، وكأن للقلب بابين: بابًا للنور، وبابًا للضلال؛ فإن أركست النفس في الشهوات، فإن باب الضلالة يتسع ويضيق باب الحق حتى يغلق فلا يدخل النور إليها.
وفى الجملة الكريمة السامية إشارات بيانية يجب التنبيه إليها:
أولها: أن الله قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) ففي التعبير بالذين كفروا إشارة بيانية إلى أنهم هم الذين ارتضوا أن يجعلوا الطغيان متحكمًا في قلوبهم، إذ كفرهم واستيلاء الشهوات على نفوسهم هو الذي سهل استمراء ولاية الطاغوت عليهم، وتحكمه فيهم، وسيطرته على نفوسهم، وحيث كانت الشهوات مستحكمة فللأوهام سلطان، وللجبابرة سلطان، وللكبراء المضلين مكان.
والثانية: أنه أفرد الطاغوت، وجمع الأولياء، ففي ذلك إشارة بيانية إلى أن الطاغوت مهما تتعدد ضروبه، وأشكاله ومظاهر سلطانه، فهو نوع واحد، أساسه أن يتحكم الوهم والهوى والذل والضعف في النفس ولكن مع ذلك يتعدد سلطانه، فهو مرة يظهر في مظهر ذي سلطان متجبر تخضع الرقاب لطغيانه لتحكم الذلة أو الشهوة الردية في نفوس الذين يتحكم فيهم، ومرة يظهر سلطان الطاغوت في دعوة إلى الباطل زخرفها تمويه داعية مضل، وأحيانا تكون في أوهام مسيطرة على الجماعة تجعلها تعبد حجرًا أصم لَا يسمع ولا يبصر، وعلى ذلك يكون الطاغوت واحدًا؛ لأنه ضلال كيفما كان، ولكن لتعدد مظاهر سلطانه تعددت ولاياته وكلها لَا قوة لها أمام قوة الله علوًا كبيرًا.
والثالثة من الإشارات البيانية: ما تضمنه قوله تعالى: (يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) أي الضلالات الردية المختلفة الأنواع، فإن في ذلك إشارة إلى أن الفطرة في أصلها نور، ففي الفطرة الإنسانية نور الحق ووجدان الهداية، والإيمان الفطري، حتى يكون الضلال إذ تتحكم الاهواء والأوهام وتستخذي النفوس، فكل
стр. 1193
مولود يولد على الفطرة (١)، وهي نور، حتى يكون الضلال بما في النفس من استعداد له مع وجود ذلك النور.
(أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الإشارة إلى الذين كفروا، وفي هذه الإشارة بيان إلى أن أحوالهم التي عرفوا بها من كفرهم، ورضاهم بالطغيان حاكمًا عليهم متحكمًا فيهم مسيطرًا على قلوبهم، هي السبب في ذلك الحكم الخالد عليهم، وهو أنهم أصحاب النار.
وفى التعبير بأصحاب النار إشارة إلى ملازمتهم لها، وبقائهم فيها، واختصاصها بهم؛ لأن أصحاب جمع صاحب، والصاحب هو الرفيق الملازم الذي اختصصت بصحبته، فهذا التعبير أفاد ملازمتهم للنار واختصاص النار بهم.
وفى قوله تعالى: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تأكيد لبقائهم فيها واختصاصها بهم دون غيرها؛ ذلك لأن التعبير بالجملة الاسمية فيه تأكيد، وتكرار المسند إليه بذكر كلمة " هم "، فيه فضل تأكيد، وتقديم الجار والمجرور وهو " فيها " دليل على اختصاصها بخلودهم فيها فلا منفذ لهم في غيرها؛ لأنهم سدوا على أنفسهم باب النور في الدنيا، فسدت عليهم أبواب الرحمة في الدنيا والآخرة.
* * *
بعد أن بين سبحانه تحكم الطغيان في نفوس الكافرين ذكر لونًا من ألوان الطغيان أو أظهر ألوانه فقال:
стр. 1196
(أَلَمْ تَرَ) وفي هذا تصوير لملك من الملوك يدفعه اغتراره بملكه إلى أن ينكر رب العالمين ويسأل إبراهيم عنه، وتصوير لطاغية من طغاة الدنيا يدفعه طغيان الغرور على نفسه ثم طغيانه على شعبه إلى أن يدعي الربوبية.
فلننظر إلى تلك الحاجة: ينبهنا الله إلى تلك الحال الشاذة فيقول سبحانه: (أَلَمْ تَرَ) وقد بينا ما في هذا التركيب من أسرار بلاغية عند تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... )، وخلاصة المعنى: لقد عرفت هذه القصة بالخبر القرآني اليقيني معرفة واضحة جلية بينة كأنها في تعينها ووضوحها المعرفة بطريق الرؤية البصرية والنظر، وهذا على أن رأى بمعنى أبصر. وإن كانت رأى بمعنى علم فالمعنى: تأمل وانظر بعين بصيرتك وادرس حال تلك النفس الطاغية التي تحمل الناس على الظلمات بطغيانها وإذا تأملتها علمت أيها المكلف أو أيها القارئ للقرآن إلى أي مدى يصل الطغيان من الظلمات والضلالات.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) حاجه: أي بادله المحجة وفي تسمية كلامه حجة إنما هو من قبيل المماثلة اللفظية أو هو حجة في نظره السقيم الذي أفسد تفكيره وأضله فقد توهم وتخيل ثم ظن فضلَّ عن معرفة نفسه وعن معرفة الحق ووقع في أمور لَا يقبلها أي عقل سليم.
وما السبب في كل ذلك الضلال؛ هو شيء واحد هو أن الله أعطاه الملك؛ ولذلك قال تعالى: (أَنْ آتَاهُ اللَّهَ الْمُلْكَ) أي أن سبب تلك المحاجة التي تدل على مقدار ضلاله وطغيانه هو أن الله آتاه أي أعطاه الملك والسلطان الدنيوي وهو زائل فقوله: (أَنْ آتَاهُ اللَّهَ الْمُلْكَ) مجرور بحرف جر محذوف هو الباء أو اللام، أي أن الذي بعثه على ذلك الإسراف في القول الوقوع في هذا الضلال هو نعمة الملك التي أنعم الله بها عليه فجعلته مسرفًا في الضلال ذلك الإسراف المردي.
стр. 1197
وفى الكلام إشارة إلى أن هذا ما كان يسوغ له أن ينكر وأن يحاج في إنكاره، لأنه يحاج في موضوع لَا يقبل الجدل والمناقشة، لأنه يناقش في ربه خالقه وخالق كل شيء، فالضمير في " ربه " يعود إلى ذلك الملك الطاغي المتجبر، ويصح أن يعود الضمير إلى إبراهيم وإني اختار الأول، لأن الطاغية هو المتحدث عنه فالضمير يعود إليه.
(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) هذا كلام نبي الله إبراهيم وخليله، كلام معترف بالربوبية عرف ربه بأوضح ما يعرف به وبأروع آثار قدرته في هذا الوجود وبأبعدها أثرًا في نفس العاقل المتفكر المتدبر وهو الحياة والموت لأنهما أشد الأمور أثرًا في نفس كل إنسان ذي حس وشعور وعقل وأفاد القول صيغة الحصر إذ قال سبحانه: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وفي ذلك تعريف المبتدأ والخبر وتعريفهما يفيد القصر، فالمعنى أنه وحده سبحانه هو الذي يحيي ويميت ولا أحد سواه يفعل ذلك. ومعنى يحيي ينشئ الحياة ويوجدها، ومعنى يميت يوجد تلك الحقيقة التي تفقد الجسم معنى الحياة. والتعبير بالمضارع يفيد معنى الاستمرار الذي يرى ويحس كل يوم، فالمعنى أن ربي وخالقي هو الذي يحيي الناس كل يوم كما ترى ويميت منهم كل يوم من ترى.
هذا كلام إبراهيم وهو يحوي حجة قوية واضحة من شأنها أن تثير في النفس نزوع الاتجاه إلى الحق، لأنها تشير مع ذلك إلى حقيقة الحياة وهي أنها إلى فناء، فلا يصح أن يغر الشخص بها الغرور ولا يذهب به الطغيان إلى إنكار ربوبية الخالق.
(قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) هذا جواب الملك الذي سيطر الهوى عليه فأضله وسيطر الطاغوت على نفسه فحمل شعبه على الإذعان لطغيانه وضلاله، ومنعهم من أن يصل النور إلى قلوبهم وحاجز بينهم وبين كل دعوة إلى الحق والنور، وبذلك كان ممن يدعون إلى الظلمات كما ذكر في الآية السابقة (وَالَّذينَ كَفَرُوا أَوْليَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَات).
стр. 1198
أجاب ذلك الملك بنقض الاختصاص الذي ذكره خليل الله لرب العالمين، وهو أنه وحده الذي يحيي ويميت، فقال ذلك الضال: أنا أحيي وأميت أيضا، ومرمى قوله أنه إذا كان ربك يا إبراهيم يحيي ويميت واستحق الربوبية لذلك، فأنا أيضا أحيي وأميت فاستحق هذه الربوبية، ويقصد بالإحياء كما يقول العلماء العفو عمن حكم عليه بالإعدام وبالإماتة وقتل من شاء قتله هذا ما قاله العلماء. ولو أن لي أن أقول كلامًا آخر لقلت إن ذلك الطاغوت يقصد بالإحياء الاستيلاد والاستنبات ونحو ذلك مما يفعله الإنسان ويتخذه سببا عاديا من أسباب ظهور الحي بحياته، وبالإماته القضاء على الحي بالقتل أو القطع أو الاستئصال ونحو ذلك مما يجوز أن تسند فيه أسباب الحياة إلى الإنسان وأسباب الإماتة إليه، وهذا بلا شك غير ما قصده الخليل ﵇، لأن ما قصده هو خلق الحياة وخلق الموت، وذلك ما لا يستطيعه إلا رب العالمين تعالى الله علوا كبيرا. وكان الخليل يستطيع أن يبين له تلك الحقيقة ويحرر موضع القول ولكن ذلك قد يجر إلى مراء فاختار طريقًا آخر أجدى
وأردع وأقوى وأشد إفحامًا، قال له ما حكاه رب العالمين في قوله:
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) لقد ادعى الطاغية أنه شريك الله ، والشركة تقتضي المساواة في القدرة والسلطان والخلق والتكوين ولا تبدو تلك المساواة إلا إذا كان أحد المتساويين عنده قدرة على مقاومة إرادة الآخر وبسط سلطانه حيث بسط هو سلطانه، والله سبحانه ْيأتي بالشمس من المشرق، أي الجهة التي تشرق منها فعلى المدعي أن يعاند هذا النظام المسيطر الذي يدعي ربوبيته عليه، بأن يأتي بالشمس من جهة الغروب، ويعكس الفلك الدوار.
والفاء في قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأتِي) هي فاء الإفصاح التي تفصح عن شرط مقدر وتقدير القول: إذا كنت تدعي الألوهية أو الربوبية فأظهر أمارات قدرتك وسلطانك على الكون بأن تأتي بالشمس من جهة غروبها الآن بدل أن تخرج من جهة شروقها، والمعنى أن ذلك الكون قد خلق على نظام محكم وأحكم تنسيقه بنظم
стр. 1199
قدرها منشئه وأمارة قدرتك أن تغير هذه النظم فافعل إن كنت قديرًا، فليست القدرة في أن تدعي إنشاء نظام وجد قبل أن توجد أنت وأشباهك من الطغاة، إنما القدرة تكون في تغييره فافعل هذا التغيير وما كان ذلك في قدرته لأنه ضال مضل؛ ولذا حكى الله حاله في قوله: (فَبُهِتَ الَّذِي كفَرَ) أي تحير واضطرب ولم يجد جوابًا ولم يستطع أن يتكلم قليلا أو كثيرا. وقد عبر عنه بقوله: (الَّذي كفَرَ) للإشارة إلى أن سبب الحيرة هو كفره، إذ لو كان طالب هداية لكانت الحجة القاطعة الملزمة هادية بدل أن تكون محيرة ولكنه صمم على الكفر وأصر عليه، فكانت نفسه حائرة بين حق ظهرت بيناته وباطل قد عض عليه بالنواجذ، وكذلك شأن كل من أضله الله على علم.
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ختم الله الآية بهذه الجملة السامية وهي تدل على ثلاثة أمور:
أولها: إن الذين يعاندون الحق ظالمون دائمًا: يظلمون أنفسهم لأنهم يسدون منافذ النور فلا يصل إلى قلوبهم، ويظلمون أقوامهم لأنهم يحملونهم على الضلال، ويظلمون الحق لأنهم يحاربونه.
ثانيها: إن ظلمهم يسبق كامل ضلالهم؛ ذلك لأن الشهوات تتحكم فيهم فتدفعهم إلى طلب ما ليس لهم ثم يستهويهم الشيطان بالطمع بعد المطمع، فيتجاوزون الحدود ويطغون ثم يكون الضلال الكامل الذي تطمس فيه البصيرة فتغلف القلوب عن الحق وتقسو فلا تلين.
ثالثها: إن الظلم إذا استحكم في النفس أصبحت كل البراهين لَا تجدي بل تزيده عنادًا وإصرارًا؛ ولذلك لم يكتب الله الهداية لمن استمرأ الظلم آحادا أو جماعات والله ولي المتقين.
ولقد كان احتجاج إبراهيم ﵇ على الطاغية الذي يدعي الربوبية بأن الله هو الذي يحيي ويميت، فتجاهل الطاغية معنى الحياة والموت، وحرَّف الكلم عن مواضعه فلوى خليلُ الله عنقه حتى أراه عَجْزَه وقدرة الله على نحو ما ذكر سبحانه: (فَبُهِتَ الَّذِي كفَرَ).
стр. 1200
إن الأمر الذي يحير العقول التي لَا تربط بين بدء الحياة وانتهائها هو أمر الحياة بعد الموت، وقد ذكر سبحانه ما يزيل أسباب الحيرة أولاً بأن الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وأن ذلك من أوصاف الربوبية التي اختصت بها الذات العلية، وأزال الريب ثانيا ببيان ما كان منه سبحانه للذين أرادوا أن يروا بالحس الحياة بعد الموت والإعادة بعد الفناء فذكر قصتين تكشفان عن القدرة الإلهية في الإعادة والإبقاء كما هي قادرة على الإنشاء الأول: قصة القرية التي خوت على عروشها وتعجب من رآها من إعادتها وسأل متعجبا (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا)، والثانية: قصة إبراهيم ﵇ وقد سأل ربه أن يريه كيف يحي الموتى.
أما القصة الأولى فقد قال سبحانه:
* * *
стр. 1201
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ... (٢٥٩)
هذه الآيَة مرتبطة بالسياق والعطف بالآية قبلها، والعطف في المعنى واللفظ أو في المعنى فقط، ونسق القول هكذا: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك، أو ألم تر كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها والكاف هنا بمعنى مثل فالمعنى: أولم تر مثل هذا الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها؛ ولأن القصة الأولى قصة نبي معلوم من أولي العزم من الرسل مع ملك طاغية في زمانه لم يعبر بالكاف، أما هذه فلأن الشخص غير معلوم والمكان غير معلوم والقرية غير معلومة ذكر سبحانه الكاف فقال: (كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) لأنه إذا لم يعلم الشخص ولا الزمان ولا المكان كان المقصود العبرة وبيان الحال والشأن فناسب ذلك التعبير بالكاف التي هي بمعنى مثل وإن كانت القصة لها حقيقة واقعة كما ذكر سبحانه وهو العليم الحكيم.
والقرية المدينة من القَرْي بمعنى الجمع؛ لأنها الجامعة لأشتات الناس وأصنافهم. ومعنى خاوية على عروشها، أي سقطت جدرانها على سقوفها؛ لأن العرش معناه السقف، والتعبير بـ (خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) كناية عن خرابها وذهاب عمرانها وفناء أهلها، وأنه لم تعد لهم من باقية وقد خرجوا من هذه الدنيا الفانية.
стр. 1202
وجد ذلك الذي مر على هذه القرية العظيمة الخراب قد خيم عليها وذهب كل ما فيها ومن فيها من الأحياء وبقيت الرسوم والآثار تعلن عمن عفت عليه الديار فهاله الأمر وتذكر الفناء وما بعد هذه الدنيا، ثم انبعث إيمانه باليوم الآخر، ولكن كان بين حقيقتين ثابتتين: إيمان صادق باليوم الآخر والبعث والنشور وذلك الفناء المحسوس الذي تحللت فيه أجزاء الإنسان فقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْد مَوْتِهَا) أي كيف يحيي هذه القرية التي فنيت وخربت بعد موتها و " أنى " تكون بمعنى " من أين "، وتكون بمعنى " كيف "، وهي هنا بمعنى " كيف ".
ويلاحظ أن التساؤل عن كيفية الإعادة لَا عن أصل الإعادة فهو مؤمن بها صادق الإيمان لكنه مأسور بالحس والعيان وكأن سلطان الحس هو الذي دفعه إلى ذلك التساؤل. وفي العبارة ما يدل على ذلك فالتعبير بالإشارة " هذه " فيه إشارة إلى تلك الحال الحسية الثابتة التي استولت على حسه وهي تلك القرية الخربة. وقد قدمها على لفظ الجلالة فقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) لأن السبب في التساؤل تلك ألحال الحسية التي هو عليها.
وموت القرية هو موت السكان فهو من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال، وكذلك الحياة فليست الحياة هي حياة البناء والجدران؛ لأنه لَا حياة لهما إنما الإحياء يكون لمن كانوا يسكنون البناء والجدران، سأل ذلك المار عن كيفية الإحياء وهو سر القدرة الإلهية لَا يعلمه أحد من عباده ولكن يرون آثاره، ولقد أجاب سبحانه ذلك السائل عن الكيفية بالحال العملية.
(فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) أمات الله ذلك السائل عن الكيفية واستمر ميتا مائة عام ثم بعثه أي أثاره بالحياة (قَالَ كَمْ لَبثْتَ) أي مكثت في هذاه الحال، والقائل هاتف نفسي أو ملك ناداه أو قاله الله سبحانه وحيًا إذا كان ذلك السائل نبيا، والأقرب إلى خاطري هو أن يكون المتكلم عن الله إما ملك من السماء أو وحي أوحاه الله رب العالمين إليه. سأله كم مدة من الزمان مكثتها؟ فأجاب بإحساسه الذي أحسه وهو أنه ظن أنه كان نائما قد
стр. 1203
استيقظ من نوم طويل (لَبثْتُ يَوْمًا)، أي مكثت في نومي هذا يوما ولكنه رأى الشمس لم تغب فقال: (أَوْ بَعْضَ يوْمٍ) هذا مظهر حسي قد تصور فيه الشخص الذي أماته الله أنه كان نائمًا ثم استيقظ، وفي ذلك تصوير للإنسان بأن الموت يشبه النوم والبعث يشبه اليقظة بعد النوم، ولقد قال النبي ﷺ في جمع قريش عندما دعاهم دعوة الحق: " والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، وإنها للجنة أبدا أو للنار أبدا " (١). (قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ) أجابه الله بهاتف نفسي وجه نظره إلى ما حوله، أو بملك أرسله أو بوحي أوحى به إليه على ما بينا في الجملة السامية السابقة. أثبت أنه لبث مائة عام ووجه نظره إلى آيتين تثبتان قدرة الله تعالى:
إحداهما: إنه لم يتغير الطعام والشراب بل بقي كما هو على مر السنين وهذا معنى قوله تعالى: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) وكان الضمير للواحد مع أنهما طعام وشراب؛ لأنهما في معناهما ومقصدهما الحاجة منهما شيء واحد.
الآية الثانية: الحمار وكيف بلى وتحلل وتفتت ولم يبق منه شيء، وهذا يدل على مر السنين وكر الأعوام. ويتجه بعض المفسرين إلى أن الحمار كان قائما كالطعام والشراب وأنه لم يتغير، ويؤيدون اتجاههم بأن السياق يدل على ذلك لأنه معطوف على الطعام والشراب، والفعل محذوف في المعطوف لدلالة المعطوف عليه. ويرى بعضهم أن المراد انظر إلى حمارك وقد صار عظاما بالية ثم رد إليه الحياة وقد اتخذوا من قوله بعد ذلك: (وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) قرينة على ذلك.
وعندي أن الأقرب هو التخريج الأول؛ ولذلك أمر بالنظر إلى الطعام والشراب وحدهما ثم أمر بالنظر إلى الحمار وحده فكان هذا يشعر بالتقابل
стр. 1204
وهو يومئ إلى تغاير بينهما: فهذا بلى، وهذان بقيا على حالهما، وكان بقاؤهما دليلا على قدرة العلي القدير، وتغييره أمارة على مرور السنين.
وهنا بحث لغوي في قوله تعالى: (يَتَسَنَّهْ) فإما أن نقول أنه من السنة
كقولهم: سانهت وسانيت فمعنى (لَمْ يَتَسَنَّهْ) لم يتغير بمرور السنين وذلك من سنهت النخلة وتسنهت إذا أتت عليها السنون وغيرتها، وإما أن نقول إنها من أسن الماء أي تغير. وقيل أصلها " لم يتسن " وقلبت النون هاء ولكن على معنى يتغير والأولى أولى بالقبول وأقرب في المعنى والاشتقاق.
(وَلِنجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ) والمعنى: فعلنا ما فعلنا لتدرك قدرة الله كما رأيت ولنجعلك آية، أي معجزة معلنة قدرة الله للناس لكي يؤمن بالبعث والنشور من لَا يؤمن ولكي يدرك عظمة الله في الخلق والتكوين من لم يدركها وعلى ذلك فالواو في قوله تعالى: (وَلِنَجعَلَكَ) للعطف على نتائج الكلام السامي الذي سبقها، لأن نتيجته أن تطمئن وتدرك ولنجعلك. . . إلخ.
ووجه كونه آية للناس أن الناس تناقلوه فيما بينهم وأن أحفاده يذكرون أنه مات وانتهى فإن وجدوه حيا وأعلمهم بما كان له وما أصابه من موت ثم حياة، ولابد أن من أسرته ومن ذريته من يذكر غيبته وأنه عاد وأنه حيي بعد وفاة وبعث بعد موت - كان ذلك آية البعث وعلامته الحسية ودلالته القاهرة لمن عنده قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وبعد أن ذكر سبحانه تلك الآية الدالة على كمال قدرته وجه الأذهان إلى ما في أصل الخلق من دلالة على قدرة الله على الإعادة كما هو قادر على الإنشاء، وأن الإنشاء نفسه دليل القدرة على الإعادة (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، وأنه لو تنبه الإنسان لأصل خلقه لأدرك عظيم القدرة، فقال سبحانه مخاطبا ذلك الذي أحياه بعد موت:
(وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) أي انظر إلى العظام كيف ننشزها أي نركب بعضها في بعض بعد أن نوجدها، فالإنشاز الإنشاء للعظام
стр. 1205
وتركيبها. وقرئ (كيف ننشرها) أي نحييها ونوجدها فالمعنى التفت إلى تكوين الله للإنسان والحيوان كيف ينشئ العظم أولا ويوجده ويركبه بعضه فوق بعض، حتى إذا تكونت العظام خلق سبحانه اللحم وتكون حول العظام كأنه الكسوة تكسوها فهذا كقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤).
ولقد أنتجت تلك البينات نتيجتها الحسية فحكى الله سبحانه ذلك عنه فقال:
(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي لما تبين له بالأدلة الحسية المادية القاطعة لكل جدل قال: " أعلم " أي استيقن وأومن وأعتقد " أن الله على كل شيء قدير ". ويدخل في ذلك العموم البعث والنشور وإنشاء الحياة وإعادتها، ولكن إذا كان ذلك المار المتحدث عنه من الأنبياء كيف يقال عنه أنه تبين بعد تلك الإعادة الحسية وأنه علم علما مقترنا بها؛ إذ معنى ذلك أنه لم يكن عالما بذلك قبلها؟ ونقول في ذلك: إنه إذا لم يكن نبيا فلا مورد للاعتراض ولا داعي للجواب، ولكن إن كان نبيا فللاعتراض مورد وللإجابة موضع فنقول: إن العلم درجات واليقين درجات فالعلم المبني على الأدلة العقلية وعلى الإذعان المطلق للحق ببيان من لَا يتطرق الظن إلى قوله هو نوع من العلم القاطع الجازم وهو مهما تكن درجته من القوة والإيمان والإذعان دون العلم المبني على التجربة والحس والعيان، فذلك العلم المبني على التجربة والحس هو العلم الجديد الذي علمه ذلك النبي والذي كان نتيجة لذلك التبين الحسي الذي لم يعتمد على التفكير المجرد بل اعتمد مع ذلك على قوة الحس والتجربة فالتقى للعلم سببان: سبب مشتق من التفكير والإيمان والتصديق، وسبب آخر مشتق من التجربة والعيان.
هذه هي القصة الأولى التي تؤكد بالحس الإيمان بالحياة بعد الموت وبالبعث والنشور. أما القصة الثانية التي تؤكد هذا فهي قصة سيدنا إبراهيم خليل الله فقد قال تعالى:
* * *
стр. 1206
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ... (٢٦٠) هذه مجاوبة بين رب العالمين وخليله إبراهيم. لقد كان إبراهيم قانتًا لله حنيفًا وكان غواصًا طالبًا للمعرفة يتأمل في كل شيء ويتقصى بفكره باحثًا وراء الحقيقة طالبا لها، قال لربه الذي اتخذه له خليلا: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) نادى ربه ذلك النداء، فيشير بأنه مقر بأنه خالقه ومربيه والقائم على أمره، وطلبه هو طلب الكيفية، فهو مقر بالأصل مذعن له خاضعٌ كل الخضوع لحكمه مؤمن بالبعث والنشور، وأن الله سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وأنه القاهر فوق عباده، ولكنه يريد أن يعلم بالحس كما علم بالقول الحق وبالعيان كما علم بالبرهان.
قال إبراهيم ذلك، فقال له ربه مشيرا إلى أن الغاية هي الإيمان (أَوَلَمْ تؤْمِن) أي: أتقول ذلك وتطلبه وأنت لم تؤمن؛ فإن كنت مؤمنا فإن ذلك غاية المطلوب وإن لم تكن فليس وراء ما علمت من حجة، وإن فيه الدليل القاطع والبرهان الساطع، فأجاب إبراهيم ربه: (قَالَ بَلَى وَلَكِن ليَطْمَئِنَّ قَلْبِي) " بلى " أي آمنت؛ فهي نفي لما بعد الهمزة، ونفي عدم الإيمان إثبات للإيمان؛ لأن نفي النفي إثبات كما يقول العلماء، وإذا كان إبراهيم مؤمنا فلماذا طلب ما طلب؟ فقد قال مستدركا: (لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) والاطمئنان السكون والقرار فهل كان إبراهيم غير مطمئن وفى اضطراب حتى رأى وعاين؛ إن الاضطراب ينافي الإيمان والشك ينافي اليقين، وقد قرر أنه مؤمن فلا اضطراب، إنما كانت حيرة إبراهيم في الكيفية لَا في أصل القضية؛ لأن إبراهيم كما قلنا كان غواصا متأملا يتطلع لتعرف كل شيء، فحمل نفسه بسبب ذلك عناء البحث عن الكيفية، فكان في حاجة إلى ما يذهب حيرته في هذه الكيفية، فطلب ما طلب ليطمئن عقله الحائر الذي تجاوز منطقة الإيمان بالأصل إلى محاولة معرفة كيفية الإعادة وهي فوق القدرة العقلية البشرية. ولقد قال بعض العلماء إن الاطمئنان الذي طلبه إبراهيم ﵇ هو الاستدلال بالعيان بعد الاستدلال بالبرهان، فإن الحس يحمل الإنسان على الإذعان أكثر مما يحمل الدليل العقلي، وهذا رأى حسن في جملته ولكن ما سقناه أولا أقوى في نظرنا وأحكم.
هذا طلب إبراهيم ﵇، ولقد كان جواب ربه هو ما كان بقوله تعالى:
стр. 1207
(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي إذا كنت مُصِرَّا على طلبك فخذ أربعة من الطير. فالفاء هنا فاء الإفصاح التي تفصح عن شرط مقدر. ومعنى (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي فضمهن إليك، أو أملهن أو حوِّلهن إليك، والضمير يعود على الطير، لأن كلمة الطير في معناه جمع لما لَا يعقل، وجمع ما لَا يعقل يصح عود الضمير عليه بصيغة ضمير جماعة الإناث، وقد كانت عودة الضمير بتلك الصيغة دالة على معنى الجماعة وعموم ضم الطير واحدة واحدة، وإنما كانت الطير موضع تجربة لأنها لَا تستأنس بالإنسان وتطير عند مجرد رؤيته، فتحويلهن إليه بيسر لا يكون إلا بتأليف من الله العلي الخبير.
وأن تحويل الطير إليه لتجري تلك التجربة الربانية، وهي أن يجعل على كل جبل منهن جزءا ثم يدعوهن يأتين إبراهيم سعيًا، ولذا قال سبحانه:
(ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) أمر الله إبراهيم بأن يجعل أي يضع على كل جبل أي كل جزء مرتفع من الأرض جزءا وأن يدعوهن بعد ذلك يأتينه سعيا.
وجمهور المفسرين يقول في تفسير هذه الجملة السامية: أن الله أمر إبراهيم خليله أن يجري هذه التجربة، بأن يذبح تلك الطيور ويقطع أجزاءها ويضع على كل مرتفع من الأرض جزءا من تلك الأشلاء المتقطعة، ثم يدعوها فتكون طيرًا بإذن الله ويجيء إليه سعيًا، وعلى هذا النحو يكون ذلك العمل الحسي تقريبًا لمعنى الإحياء وإن لم يكن بيانا كاملا للكيفية، لأن الكيفية عند الله العليم الخبير علمها، ويكون ذلك إظهارا للإحياء بمظهر حسي وإن لم يكن فيه بيان الكيفية.
هذا نظر جمهور المفسرين، ولقد قال أبو مسلم الأصفهاني إن الآية ليس فيها ما يدل على أن سيدنا إبراهيم ﵇ قد ذبح الطير وقطع أجزاءها، إنما الذي فيها أنه حولها إليه ووضع جزءا على كل مرتفع من الأرض، وعلى هذا يكون المعنى أن إبراهيم ﵇ طلب منه رب البرية أن يحول جمعا من الطير إليه
стр. 1208
ويجعل على كل مرتفع من الأرض طائفة من هذا الطير ثم يدعو هذه الطوائف يأتينه سعيا، وفي هذا توجيه لإبراهيم ﵇ إلى أن الله يؤلف كل شيء ولو كان متنافرا ويجمع كل جزء ولو كان بعيدا، كما دعوت الطير التي لا تجيب إنسانا وتنفر منه فأجابتك بقدرة العلي الحكيم الذي يؤلف بين المتنافرات، فإن كان ثمة استغراب من أن الحياة تقتضي أن يجمع الله أجزاء متناثرة قد تحللت وتجزأت إلى أجزاء بل جزيئات، فها أنت ذا ترى تلك النفرة التي بين الإنسان والطير تزول، تدعوها فتستجيب وهي من شأنها النفور، وكذلك يؤلف الله بين الأجزاء المتناثرة، فيجعل منها ذلك الحي الذي كان من قبل ثم إن في تلك التجربة تصويرًا دقيقًا، وهو أن إعادة الله تعالى للأشياء لَا تكون إلا بقوله تعالى كن فيكون، كما يقول خليل الله إبراهيم للطير وقد تفرقت: أقبِلي فَتُقْبِل.
هذان هما التفسيران للآية، ونرى أن رأي الجمهور يتجه إلى تحقيق معجزة تجري على يد إبراهيم ﵇ وهي إحياء الموتى بالحس المعاين وإن لم تعلم الكيفية، كما جرى بالحس المعاين إماتة الرجل مائة عام ثم إحياؤه، ويكون من مقتضى التناسق بين الآيتين أن تكون في هذه الآية معجزة الإحياء بعد تقطيع الأجزاء، فالمقام كله يتجه بنا إلى الإعجاز بإحياء الميت بمرأى العين، وتكون العبرة في القصة هي أنه يريه الحقيقة واضحة جلية، ورؤيتها تغني عن البحث في كيفيتها وإنا نميل لهذا الرأي.
أما رأى أبي مسلم فهو مبني على الألفاظ من غير أن يرمي بنظره قليلا إلى الآية التي سبقت ذلك من الإماتة مائة عام ثم الإحياء بعد ذلك، وهو نظر إلى أن الكيفية لَا يمكن أن تعلم للإنسان، وإنما أقصى ما يعلمه هو أثر القدرة لَا كيفيتها وأنه صور للإنسان الإعادة بقوله : (كن فَيَكُونُ)، وأنها تكون كقول إبراهيم للطير: أقبلن أيها النافرات فيقبلن.
وقد ذيل الآية الكريمة بقوله تعالت كلماته: (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عزِيزٌ حَكِيمٌ) وكان ذلك التذييل الكريم للدلالة على ثلاثة أمور:
стр. 1209
أولها: إن العزة لله وحده فلا يركن إليه مؤمن إلا عزَّ، ولا يبعد عنه أحد إلا ذلَّ، فمن اعتز بغير الله فهو الذليل، ومن آوى إلى فضل الله فقد آوى إلى ركن شديد. وأن مناسبة هذا للآيات السابقة كلها واضحة، لأن إبراهيم كان يغالب طاغية جبارًا عاتيًا قد استهان بالناس جميعا كما دلت عليه الآية الأولى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ).
فالله العلي القدير يدعو خليله أن يتقدم لدعوة ذلك الجبار معتزا بالله فلا عزة إلا من الله، والله غالب على النمرود ومن هو أكبر من النمرود.
وثانيها: الإشعار بأن الله خالق كل شيء وعزته هي عزة القادر الغالب، لَا عزة الضعيف العاجز.
وثالثها: إن الله خلق الخلق بحكمته وبعث الرسل يدعون إلى عبادته وحده وهو الذي قدر الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وكل ذلك من مقتضى الحكمة الإلهية التي لَا تصل العقول إلى العلم بها؛ لأنها لَا تعلم من الكون إلا مظاهره وأشكاله وألوانه، ولا تعلم شيئا عن كيفيته وأسراره، إن ذلك كله عند علام الغيوب، وفوق كل ذي علم عليم.
* * *
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا
стр. 1210
أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)
* * *
المؤمن الحق يشعر أن الحق يتقاضاه دائمًا الجهاد لأجله، والسعي في سبيل رفعته؛ لأنه منذ أن أخرج إبليس وآدم وحواء من جنة الله، والعداوة مستحكمة بين الحق والباطل، وإبليس يغوي الأشرار، والله سبحانه يهدي المؤمنين إلى الحق، ويوفقهم لنصرته.
وإن الجهاد في سبيل الحق له ميادين ثلاثة:
أولها: الإقناع بالحجة والبرهان، كما قال لنبيه محمد ﷺ : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن. . .).
وإن ذلك الجدال مع أهل الشر الذين مردت نفوسهم على النفاق والمغالبة بالباطل ليس أمرًا سهلا يسيرًا، بل هو أمر الأمور؛ لأن التقاء العقل الذي أناره نور الحق بالعقل الذي طمس الله على بصيرته ليس من الأمور التي يستطيعها كل العقلاء.
والميدان الثاني من ميادين الجهاد: الجهاد المسلح، بمنع اعتداء الباطل، وخضد شوكته وفَلّ حدته، وحمله على الجادة، ومنع أهله من أن يفتنوا الناس في دينهم؛ وإن ذلك أظهر ميادين الجهاد، وهو باب من أبواب الجنة.
والميدان الثالث من ميادين الجهاد: البر وإعطاء المال، وبذله مع طيبة النفس ببذله وعطائه؛ وإذا كان المال قد سمي النفيس؛ فلأنه قطعة من نفس من يبذله، وإن بذل المال هو الذي يقوي وحدة المؤمنين؛ لأنه من التعاون بين الفقير والغني،
стр. 1211
والتعاون جماع كل القوي، وفوق ذلك فإن إمداد الجند بالمال إنما هو إمداد بذخيرة القتال، وعدة النزال، والمال في الحروب من عصبها، كما هو عصب كل إصلاح في الأمة.
وقد ذكر قصص القتال بين الحق والباطل، وكيف ينتصر الحق مع الإيمان به وقلة العدد والعُدد، وينهزم الباطل مع كثرة العدد، وذكر عمل المرسلين، وتبليغهم رسالات ربهم؛ وذكر من ذلك مجادلة إبراهيم خليله لطاغية من طغاة الدنيا.
وفى هذه الآية الكريمة يذكر سبحانه ميدان الجهاد الثالث، وهو ميدان الصدقة غير الممنونة ولا الممنوعة؛ ولقد روي أن هذه الآيات نزلت في صدقة عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في الجهاد في سبيل الله عند غزوة تبوك؛ وذلك أن رسول الله ﷺ لما حث الناس حين أراد الخروج إلى غزوة تبوك، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم فقال: يا رسول الله كانت لي ثمانية آلاف، فأمسكت لنفسي ولعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها لربى؛ فقال رسول الله ﷺ : " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " (١). وقال عثمان: يا رسول الله عليَّ جهاز من لَا جهاز له. ولقد قال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله) (٢). ولقد قال أبو سعيد الخدري: رأيت النبي ﷺ رافعا يديه يدعو لعثمان يقول: " يارب! عثمان، رضيت عن عثمان فارض عنه " (٣).
стр. 1212
وفى الحق إن هذه الآية تشمل صدقة عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في معناها؛ لأنه يتحقق في تلك الصدقة السخية كل أوصاف الصدقة التي يتقبلها رب العالمين فرضي الله عن الصحابة أجمعين.
стр. 1213
(مَثَلُ الَّذينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مّائَةُ حَبَّةِ) الحبةَ اسم لكل ما يزرعه ابن آدم ويكون منه قوته، وأكثر ما تكون في الَبُر، وسَنابل جمع سنبلة، وهي وزن فنعلة من السبل، ويقال أسبل الزرع إذا صار فيه السنبل، أي استرسل بالسنبل كما يسترسل الستر بالإسبال، وقيل معناه صار فيه حبط مستور كما يستر بإرسال الستر عليه.
وسبيل الله، هي سبيل النفع العام، والجهاد في سبيل الله وإعطاء السائل والمحروم أو بعبارة عامة: الإنفاق في سبيل كل خير، لَا يقصد بالإنفاق فيه كل وجوه البر والنفع، ولكن إذا اجتمعت مع أبواب البر الأخرى، كان المقصود بها الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، وهو الإنفاق على المحاربين والغزاة وإعداد العدة، كما هو في آية الصدقات في التوبة: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . .) ولذلكَ كان الغالب على هذا اللفظ أن يكون الإنفاق في سبيل الجهاد، وكل ما يعد القوة المدافعة عن الأمة.
وقد شبه سبحانه حال الذين يننقون في سبيل الله بحال حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وقد ذكر الزمخشري وغيره من المفسرين: أن التشبيه ليس بين الذين ينفقون والحبة، بل بين الصدقة نفسها والحبة؛ فالكلام فيه مضاف محذوف مقدر في القول، وتقديره: مثل صدقة الذين ينفقون في سبيل الله. . فقد شبه سبحانه الصدقة التي تنفق في سبيل الله بحبة تلقى في الأرض فتخرج عودًا مستويًا قائمًا تتعلق به سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، أي أنه يتولد عن هذه الحبة التي باركها خالق الحب والنوى سبعمائة حبة، وإسناد الإنبات إليها من حيث اتصاله بها، وأن تلك الحبات هي نماء متولد عنها، وفي الحقيقة إن المنبت هو الله .
стр. 1214
والمفسرون جميعًا مجمعون على أن النفقة في سبيل الله تنتج سبعمائة مثل لها؛ لأن صاحبها يكافئه الله تعالى عليها بتلك المكافأة السخية، وهو المعطي الوهاب، وإن ذلك وجه صحيح بلا شك، ويزكيه قوله تعالى بعد ذلك: (وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) فإنه في ظاهره يدل على عطاء الله بالثواب على الحسنة بعشر أمثالها، وعلى الصدقة بسبعمائة مثل؛ فلا حد لفضله وعطائه سبحانه.
ولكن يصح مع ذلك أن نقول: إن الصدقة في سبيل الله تنتج سبعمائة مثل لها، لَا من حيث الثواب الذي يناله المنفق ممن يملك الثواب فقط، بل من حيث النتائج التي تنتج عنها، فإن نتائج الإنفاق في سبيل الله عظيمة تعود على الأمة بسبعمائة مثل لهذه الصدقة أو تزيد، فإن الإنفاق في سبيل الحرب بإعداد العدة يدفع كيد الأعداء فتنجو الأمة، وفي نجاتها خير كثير هو أكثر من سبعمائة ضعف من المال الذي أنفق. ومن يعطِ يتيما ويدر عليه من ماله فإنه يربيه، فتكون منه قوة عاملة في الأمة، تأتي من وجوه الخير بأضعاف ما أنفقت في تربيته، ودفع شرا خطيرا، وهو أن يكون ذلك اليتيم إن لم يتعهد بالتربية الصالحة عنصر تخريب في الأمة. ومن ينشئ مستشفي، فإنما يدفع أدواء تعوق القدرة الإنسانية فلا تنتج، فإذا حمى هذه القدرة فقد قدم للجماعة خيرًا كثيرًا بهذا الإنتاج.
وعلى ذلك نقول: إن سبعمائة الضعف ليست فقط هي الثواب الذي يناله صاحب الصدقة، إنما هي مع ذلك النتائج الجليلة التي ترتبت على هذه الصدقة.
وإنه ليزكي نظرنا هذا، إسناد الإنبات إلى الحبة، وهي التي شبهت بها الصدقة؛ لأن ذلك يدل على أن تلك الأضعاف نماء لتلك الحبة، وهي أنسب في معنى النتائج النافعة للصدقة في الأمة، لَا مجرد النفع فقط بالثواب لصاحبها.
وإن ذلك القول كله مبني على أن التشبيه بين الصدقة في نتائجها وبين الحبة في نمائها الدر الوفير؛ وأن الكلام على تقدير مضاف في قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ) أي نفقة الذين ينفقون، على هذا التخريج الذي قاله كل المفسرين. ولقد خطر لي أنه لَا مانع من أن يكون التشبيه بين المنفقين أنفسهم من حيث كونهم عنصر
стр. 1215
خير في الأمة له ثمرات منتجة، وبين الحبة من حيث ذلك النماء، وعلى ذلك لا يكون ثمة حاجة إلى تقدير مضاف محذوف، بل يكون المعنى على ذلك التخريج الذي يفيده ظاهر اللفظ: إن أولئك الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بإنفاقها في الجهاد لإنقاذ الأمة، أو لسد حاجة المعوزين ليكونوا قوة عاملة فيها ولا يكونوا عنصر تخريب، ويعملون لحفظ القوى الإنسانية من أن تبددها الأمراض، إن هؤلاء أنفسهم مثلهم في إنتاجهم وثمرات أعمالهم كمثل حبة نمت، فكان نماؤها أن تولد عنها عدد قد استغلظ وقام على سوقه، فحمل سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وإن ذلك يكون كقوله تعالى في وصف المؤمنين ونتائجِ أعمالهم،؛ إذ قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ. . .).
وعلى هذا يكون تشبيه المنفقين أنفسهم بالحبة التي تنمو فتكون مائة، هو تشبيه المؤمنين بالزرع الذي يستغلظ فيقوم على سوقه، وينبت الخير الكثير.
وإن هذا خاطر خطر لي؛ وإنه يصح أن يستقيم عليه التخريج، وحتى على فرض التقدير؛ فإن حذف المقدر يومئ إليه ويشير.
(وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) هذا هو التشبيه المحكم الذي ذكره رب العالين، وتلك تخريجاته. ولقد بين سبحانه بعد ذلك أن هذا كله من فضل الله تعالى ومن رحمته، ونعمه التي أنعم بها على عباده؛ ولذا قال سبحانه: (وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشَاءُ) ولهذه الجملة السامية تخريجان:
أحدهما: أن تكون المضاعفة هي ذلك النماء، وهذا الثواب العظيم، يجعل الإنفاق ينتج عنه سبعمائة ضعف، ويجعل الحسنة الواحدة في باب الصدقات يكون ثوابها بسبعمائة مثل، وتكون بركتها في مال المنفق بسبعمائة مثل أيضًا؛ إن هذه المضاعفات يضاعفها الله سبحانه لمن يشاء بتوفيقه لفعل الخير، والإنفاق في سبيل الله، وهو الفعال لما يريد.
стр. 1216
وثانيهما: أن تكون المضاعفة التي يضاعفها ثوابًا أكثر من سبعمائة المثل وفوقها، ونماء أوفر منها، وعطاء أكبر.
فالله سبحانه، وهو رب كل شيء وخالق الأسباب والمسببات يستطيع أن يعطي سبعمائة وأكثر منها لمن يشاء؛ إذ يوفقه لفعل الخير بنية خالصة وقلب نقي، فيضاعف له أضعافًا كثيرة بعد السبعمائة التي نص عليها سبحانه.
ومهما يكن فإن الاتجاه واحد، وهو بيان سعة عطاء الله تعالى، وسعة نمائه، وهو الرزاق ذو القوة المتين.
وقد ذيل سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أي أنه سبحانه عطاؤه واسع، فالسعة وصف للعطاء، أو وصف لله باعتبار شمول قدرته، وسعة ما يدخل في سلطان إرادته، فلا حد يحد هذه القدرة، ولا سلطان لغيوه سبحانه يمنع شمول هذه الإرادة.
وهو سبحانه عليم بعباده، عليم بالسر والجهر، وبما يجري على الألسنة وما تخفيه الصدور، وعليم بالأعمال، والنيات التي تنبعث عنها هذه الأعمال، وعليم بالأعمال ونتائجها، وهو سبحانه بقدرته القاهرة هو الذي يرتب المسببات على الأسباب، وينشئ بحكمته العلاقة المؤثرة بينهما، فلا يؤثر السبب في المسبب إلا بقدرته وإرادته التي تسير على مقتضى علمه الذي شمل كل شيء.
وقد ذيل سبحانه الآية بهذين الوصفيق للذات العلية، لكيلا يقع في نفس قارئ وهم بالاستكثار أو الاستبعاد، فإنه لابعيد على قدرته سبحانه، ولا كثير أمام إرادته، وإن كل شيء عند الله بمقدار، وهو يدبر كل أمر بعلمه وحكمته، وهو العزيز الحكيم، وهو بكل شيء عليم.
* * *
стр. 1217
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) الإنفاق في سبيل الله، سبيل النفع العام، يثمر ثمراته من الخير العميم؛ لأن العطاء المادي ينتج نتائجه من معونة في الجهاد، وسد للثغور، ومنع للأذى، ودفع للكرب، ولكن المنفق لَا يستحق ثواب الإنفاق إلا إذا كان طيب النفس في عطائه لَا يُرَنِّقه من ولا أذى ولا رياء؛ فالصدقة
стр. 1218
تنتج آثارها في الجماعة حتما، مهما تكن نية صاحبها، ولكن صاحبها لَا ينال أجر المنفق إلا إذا خلصت نفسه من هذه العناصر الثلاثة: المن، والأذى، والرياء؛ فإن النتائج للأعمال، أما الثواب فللنيات؛ كما قال ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " (١).
والمن: أن يَعُدَّ الإنسان إحسانه على من أحسن إليه، متطاولا به عليه، مبينًا له: أنها فضل ساقه إليه، غير مشكور، وإن ذلك فيه اتجاه إلى طلب المثوبة من العبد، لَا من الرب، فله ما اختار. ولقد قال الزمخشري في تفسيره: " صنوان مَن منح سائله ومَنَّ، ومن منع نائله وضنَّ " ولقد قال ﷺ : " ثلاثة لَا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنانُّ بما أعطى " (٢).
والأذى: أن يصدر عنه ما يؤلم من يأخذ ولو بغير منٍّ، كأن يقول له: ألا تعمل! أو يتجهم في وجهه عند العطاء، أو ينتقد بغير الحق الذين قاموا على المال الذي جمع لوجه عام. ويروى أن امرأة قالت لصحابي: دلني على رجل يخرج في سبيل الله حقًّا، فإنهم إنما يخرجون يأكلون الفواكه، فإن عندي أسهمًا وجعبة، فقال: " لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم! ".
ولماذا كان المن والأذى مانعين للأجر؛ لأن الأجر هو جزاء من الله، فمن تصدق يبتغي وجه الله فله ثوابه، ومن مَنَّ أو آذي فقد قصد غير وجه الله فليس له أن يطلب ثوابه. ولقد قال في ذلك ابن جرير الطبري:
(أوجب الأجر لمن كان غير مان ولا مؤذ لمن أنفق عليه في سبيل الله؛ لأن النفقة في سبيل الله مما ابتغي به وجه الله وطلب به ما عنده؛ فإذا كان معنى النفقة في سبيل الله هو ما وصفنا، فلا وجه لمن المنفق على من أنفق عليه؛ لأنه لَا يد له قِبَله، ولا صنيعة يستحق بها عليه - إن لم يكافئه عليها - المنَّ والأذى إذا كانت نفقة مَا أنفق عليه احتسابًا وابتغاء ثواب الله وطلب مرضاته، وعلى الله مثوبته دون من أنفق عليه).
стр. 1219
وقد بين سبحانه جزاء الذين ينفقون على هذا الوجه لَا يبتغون إلا رضاء سبحانه، ولا يرجون ثوابًا من أحد سواه، فذكر جزاءين عظيمين:
أولهما: (لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ) أي لهم جزاؤهم مكافأة لهم على أعمالهم
وسماه أجرًا، وهو المعطي الوهاب، توثيقًا للعطاء، وقال سبحانه: " لهم "، ولم يقل مثلا: " أعطيهم "، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى للإشارة إلى أنه كان لهم بنياتهم، واستحقوه باحتسابهم، وليعلمهم كيف يكون العطاء من غير أجر؛ إنه هو الذي منحهم المال الذي أعطوا منه، وهو الذي وفقهم لأن يعطوا، وهو الذي يملكهم وما ينفقون وما يعملون، ومع ذلك يسمى ما يعطيهم أجرًا قدموا مثيله من قبله مع أنه يعطيهم أضعافًا كثيرة عنه، ولكنه يعلم الناس كيف يكون البعد عن المن، وكيف العطاء غير ممنون.
الجزاء الثاني الذي ذكره رب العالمين هو الأمن والاطمئنان؛ ولذا قال سبحانه: (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) وقد نفَى الخوف، ولم يقل لَا يخافون؛ لأن الخوف أمر نفسي، وقد يكون من غير مخوف، وتكون الخشية والخوف من شأن المؤمن شعورًا بتحمل التبعة؛ ولذا نفَى سبحانه الخوف أي الأمر المخوف، أي لَا ينزل بهم أمر من شأنه أن يخافوه، ولم ينف الخشية النفسية في ذاتها؛ إذ الحال النفسية من قوة الإحساس؛ ولذا يقول الصوفية: غلب الخوف على الرجاء. أما الحزن وهو الهم الذي يصيب القلب فهو منفي في كل صورة ولا يصح أن يكون حالا من حالات الإيمان.
وما الخوف المنفي والحزن؟ أهما ما يكونان في الآخرة؛ جل العلماء على ذلك، ولكن لماذا لَا يراد ما هو أعم من أحوال الدنيا والآخرة؛ وإن ذلك ما نختاره؛ لأن الإنفاق في سبيل الله يدفع خطر الأعداء من خارج الأمة، ويجمع الوحدة ويقضي على أسباب الفتن الداخلية، فيكون الأمن في الداخل والخارج معًا، فالمنفقون في سبيل الله لَا خوف عليهم في الدنيا، ولا يحزنون في الدنيا أيضًا كما أنهم لَا خوف عليهم في الآخرة ولا يحزنون.
стр. 1220
وقبل أن ننتقل إلى الآية الثالثة من آيات الإنفاق ننبه إلى بحثين لفظيين: أولهما: أن الله كرر النفي فقال: (ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى) لتأكيد النفي، بألا يصدر عنهم أي نوع من أنواع الأذى، فلا يكون مَنّ، ولا شبهة منٍّ، ولا أذى، سواء أكان أذى عن قرب أو بعد؛ حتى لقد قال بعض الصالحين: (لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه تريد وجه الله فلا تسلم عليه).
وثانيهما: إنه عطف بـ (ثُمَّ) في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى) فلماذا كان العطف بـ (ثُمَّ) دون الفاء؟ فهل مقتضى هذا أنه يسوغ المن والأذى عند العطاء، ولا يسوغ بعده بفترة من الزمان؟ والجواب عن ذلك أن التعبير بـ (ثُمَّ) أفاد النفي المطلق على عدم اتباع الإنفاق بالمن والأذى في زمن قريب أو بعيد؛ لأن المنفق في غالب الأحوال يكون عند إنفاقه في حال حماسية نفسية تدفعه إلى الإنفاق، فما يفكر في مَنٍّ ولا أذيً وقته، وإن خطر له ذلك فقد يمنعه من الإعطاء، إنما يكون التفكير في المَن أو الأذى بعد ذهاب فورة الخير في النفس، فإذا كان الله سبحانه قد صدَّر النفي بـ " ثم " فليحث المنفق على الاستمرار على نزعة الخير، ولا ينكص على عقبيه، فيفسد نيته بأذى يؤذي به من أجرى الخير على يديه، أو من يمن به على من أعطاه.
* * *
стр. 1221
(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)
في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه منزلة قول المعروف، وكيف يذهب الأذى بخير الصدقة الفردية، وأن الحرمان فيها مع قول الخير خير من الصدقة مع الأذى بالمن أو غيره، وأن ألم الحرمان أقل من أذى القول؛ لأنه أذى يصيب النفس بالجراح، وجراح النفس ليس لها التئام، أما ألم الحرمان فيذهبه الصبر، ووراء الصبر الفرج القريب، وإن الله مع الصابرين.
وقول المعروف هو الرد الجميل لطالب العطاء، وذلك بتأنيسه، وترجية الخير له، وإن هذا في ذاته صدقة؛ ولقد قال ﷺ : " الكلمة الطيبة صدقة، وإن من
стр. 1222
المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " (١) ولقد قال بعضا الحكماء (الق صاحب الحاجة بالبشر، فإن عدمت شكره لم تعدم عذره).
وإنه ظاهر من هذا أن قول المعروف يكون لصاحب المصلحة الشخصية الذي يطلب من المنفق مباشرة. ولقد ذكر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده أن قول المعروف يكون أيضًا عندما يكون الإنفاق في المصلحة العامة، وإنه يكون كفاءها، ومساويًا لها، وخيرًا من الصدقة التي يتبعها أذى، وذلك بالتحريض على العمل، وعلى الإنتاج، وعلى الإعطاء، ويكون بالدعوة إلى كل ما فيه رفعة الأمة وتقوية عناصرها والتعاون بين آحادها، وإن ذلك بلا ريب فضله لَا يقل عن الإنفاق من غير مَنٍّ، ويزيد عن الإنفاق مع المَنِّ والأذى.
والمغفرة معناها الستر أو العفو، والمراد: إما الستر من المطلوب منه العطاء، وعانوه، وذلك بأن يستر خلة المحتاج ولا يعلن سوء حاله، ويجعلها موضع حديثه، ويعفو عنه إذا أغلظ أو جفا، أو أثقل في السؤال، وألحف في المسألة، وإما أن نقول إن المغفرة هي مغفرة الله للمسئول إذا لم يعط من غير شح ولا بخل.
والمعنى على هذا التخريج: إن قول المعروف مع مغفرة الله خير من الصدقة يتبعها الأذى. والوجه الأول أظهو وأبين، وهو المتفق مع سياق القول.
وقد ختم الله سبحانه الآية بقوله تعالى: (وَاللَّهُ غَنِيٌ حَلِيمٌ) لإثبات أن الذين يعطون إنما يقصدون وجه الله بعطائهم لينفعوا عباده، فإذا لم يقصدوا وجهه ﵎؛ ويطلبوا رضوانه، فإنه غني عنهم، وهو بغناه الذي يعلو فوق كل تقدير يستطيع أن يجعل الفقير غنيا يعطي، والغني فقيرًا يسأل، فالمال مال الله، وهو غاد ورائح والله حليم، وعلى الناس أن يتخلقوا بأخلاق الله تعالى، ولله المثل الأعلى، وليس كمثله شيء، فلا يصح أن يدفعهم حمقهم لأن يقولوا
стр. 1223
للفقير ما يؤلم، أو للقائم بالمصلحة العامة التي أنفقوا في سبيلها ما يثبط همته، وينهنه من عزيمته. وفي ذكر هذا الوصف الكريم في هذا المقام إشعار بأن المن والأذى ذنب كبير يستحق العقاب، ولكن لحلم الله تعالى، ولأن رحمته سبقت عذابه أمهل ولم يهمل.
* * *
стр. 1224
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... (٢٦٤)
هذا نهى صريح واضح عن المن والأذى، وقد تضمن هذا النهيَ الحَاسم أن الصدقات يبطلها المن والأذى، فلا يكون لها أجر من الله، ولا يكون لها شكر ممن أسدى إليه، سواء أكان الإنفاق في سبيل النفع العام، أم كان لبعض آحاد الأمة بسد الخلة، ودفع الحاجة؛ وقد أكد سبحانه النهي عن المن والأذي بثلاثة توكيدات:
أولها: تصدير الآية الكريمة بنداء للبعيد وفي ذلك فضل مبين، وبأن النداء للذين آمنوا، وفي هذا إشعار بأن الأذى في الصدقات ليس من صفات أهل الإيمان، إنما هو من صفات أهل الصلف والكبرياء والذين يمنون على الله وعلى الناس إن فعلوا الخير، وليست الكبرياء والاستطالة بفضل العطاء من صفات المؤمنين.
وثانيها: أنه صرح سبحانه بأن المن يبطل الصدقة، ولا يجعل لها ثوابًا عند الله، ولا شكرًا من الناس، ولذا قال ﷺ : " إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر " (١) وتلا قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى).
وثالثها: أنه جعل المنفق مع المن والأذى كالمنفق رئاء الناس، والمنفق للرياء والسمعة مشرك شركا خفيا؛ ولذا وصف الذي ينفق ماله رئاء الناس، بأنه لَا يؤمن بالله واليوم الآخر، فأفعاله كقلبه ليست أفعال المؤمنين، وقلبه ليس قلب مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر؛ وإذا كان المنفق الذي يتبع صدقته بالمن والأذى مثله، فإن إبطال الصدقات أقل ما يناله.
стр. 1225
ولماذا شدد سبحانه في النهي عن المن والأذى، وكرر ذلك في ثلاث آيات متواليات، وأكثر من التشبيه لتقبيح المن والأذى في الصدقة؟
الجواب عن ذلك: أن المن والأذى في الإنفاق ينشأ عن استطالة الغني بفضل غناه، والمباهاة بثروته وقدرته، وإنه لَا شيء يرمض نفس الفقير إلا إحساسه باستعلاء الغني بسبب الغنى، وصغار الفقير بسبب الفقر، وإن ذلك يدفع بلا شك إلى تفكيك الروابط، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، فإن الفقراء لَا يتألمون لذات الفقر إنما يتألمون من مرارته باعتزاز الغني عليهم، وإشعارهم بذل الحاجة، وعندئذ تتمرد النفوس، وتتعرض الأمم للخراب، وتذهب الوحدة الجامعة.
إن الغنى والفقر أمران لَا يخلو الوجود منهما، ولا يمكن أن تخلو أمة من غني وفقير، ما دامت القوى متفاوتة، والفرص لَا تواتي الجميع بقدر واحد، والأقدار لَا تسعف الجميع في زمن واحد، وما دامت تلك حقيقة مقررة، فعمل الشرائع هو تخفيف ويلات الفقر، ومنع استطالة الغني، ولقد قال أبو بكر الصديق ﵁: (إن الله امتحن بعض عباده بالفقر، وأمرهم بالصبر، وامتحن الأغنياء بالمال، وأمرهم بالعطاء).
ولقد شبه المن والأذى بالرياء في الصدقة كما أشرنا فقال:
(كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن الذي ينفق ماله رئاء الناس، أي لأجل الرياء والسمعة، وأن يقول الناس: إنه سخي جواد، أو لتملق ذي جاه - أسوأ حالا عند الله من ذي المن والأذى، لأن المشبه به أقوى دائما من المشبه. ولقد ذكر سبحانه حال المرائي بنفقته على أنه أمر مقرر سوءه، وليس في حاجة إلى بيان، لأنه لَا اشتباه في بطلان ما أنفق، إذ إنه ما قصد الخير حتى يبطل قصده، فالفرق بينه وبين الأول أن الأول قصد الخير واحتسبه، ولكنه أفسد عمله بما خالطه به من مَنٍّ وأذى؛ أما الثاني وهو المرائي فلم يقصد خيرا قط، حتى يبطله سواه، فشبه سبحانه حال قاصد الخير المنان في إبطال عمله، بحال من لم يقصد خيرًا قط، بل الرياء والسمعة، وهو من فعل الشرك
стр. 1226
الخفي، فقد قال النبي ﷺ : " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك " (١).
ولهذا الفارق الجوهري بيَّن المنفق المنان، والمنفق رئاء الناس، ذكر الله عمل الأول بأنه صدقة، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى) ولم يصف عمل الثاني بأنه صدقة، ولا في سبيل الله، ولذا قال سبحانه: (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) فما الصدقة ابتغاها ولا الخير أراده، بل الشر كل الشر ما عمله.
(فَمَثَلًهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُون عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا) هذا تشبيه جديد، وقبل أن نذكر التشبيه ووجه الشبه نذكر معنى هذه الألفاظ: صفوان، وصلد، ووابل: فالصفوان اسم جنس جمعي لصفوانة، كشجر وشجرة، وهو الحجر الأملس. وقال الأخفش: إن صفوان مفرد كحجر. والصلد معناه الأجرد النقي؛ وقد قال الكسائي فيه: إنه من صَلِدَ يَصْلَدُ صَلَدًا، وهو ما لا ينبت شيئًا، وقد قال النقَّاش: الأصلد الأجرد الذي لَا ينبت شيئًا. والوابل هو المطر الشديد، وقد وَبَلَت السماء تبل، والأرض موبولة.
والآن نذكر المشبه به في الآية الكريمة؛ ويبدو بادي الرأي، أن التشبيه بين الذي ينفق ماله للرياء والحجر الصفوان الأملس الذي يكون على ظاهره قليل من التراب الذي يبدو به خصبًا، ووجه الشبه هو ظاهر الخصب الذي يبدو على ظاهر الحجر، ثم انكشافه بمطر وابل، وظهور حقيقته، وهو أنه لَا يمكن أن يكون منبتًا؛ فالمعنى أن حال من ينفق للرياء والظهور بمظهر البر المعطي وهو لَا يقصد وجه الله تعالى ولا يبتغي رضاه بل ينفق ليرائي الناس، هي كحال حجر أملس لَا ينتج شيئًا ولا ينبت نباتًا ولكن عليه ظاهر من التراب يوهم الناظر إليه أنه خصب منتج، ثم تتبين حاله بمطر يزيل ما ستره ويكشف حاله، فالمرائي لَا إنتاج لعمله مطلقًا كالحجر، وإن كان يبدو للناس بَرا فإن ذلك لَا يلبث أن ينكشف، وتظهر حاله بأمر
стр. 1227
لم يكن في حسبانه، فثوب الرياء يشف دائما عما تحته، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه.
هذا الكلام يدل على أن التشبيه منعقد بين المرائي والحجر الأملس الذي عليه قدر رقيق من التراب ستر حاله؛ ولكن كثيرين يجعلون التشبيه بين المنفق المنان والحجر الصلد، ويكون المعنى على ذلك أن حال المنان في نفقته التي يبطلها بالمن والأذى، كحال الحجر الأملس الذي عليه تراب كان يرجى أن يكون منتجًا منبتًا للزرع فيصيبه وابل يزيل التراب الذي عليه، فيزول سبب إنتاجه، ومادة الخصب فيه؛ فالمن والأذى في إبطالهما الصدقات التي من شأنها أن تأتي بالثواب ورضا رب العالمين، كالوابل الذي يزيل الصعيد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، من حيثما كان من شأنه أن ينتج الثواب، فأزال ذلك بمنه وأذاه.
وإني أرجح الأول، لأن التشبيه بلفظ المفرد، وهو يناسب الذي ينفق ماله رئاء الناس؛ لأنه بلفظ المفرد، والمنفق منا وأذى ذكر بلفظ الجمع، فالضمير في قوله تعالى: (فَمَثَلُهُ) أولى بأن يعود على المرائي لإفرادهما، ولأن الآيات التالية تبين حال المنفق ابتغاء مرضاة الله، وفيها تشبيه صدقتهم بالحبة التي تكون في أرض خصبة، وإن هذه مقابلة ظاهرة بين المنفق رياء، والمنفق ابتغاء مرضاة الله، فكان الأظهر إذن أن يكون التشبيه في هذه الآية بين الإنفاق رياء والحجر الأملس.
(لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا) جمهور المفسرين على أن هذه الجملة السامية للدلالة على أن المنان والمرائي كلاهما لَا ثواب له، فالمعنى لَا يقدرون، أي لا ينالون شيئًا من المال الذي أرادوا بإنفاقه كسب الثواب، ولكن كيف يعبر عن نيل الثواب بالقدرة عليه، وعن الإنفاق بالكسب؟ وقد يجاب عن ذلك بأنهم إذا أنفقوا فقد صاروا قادرين على الثواب، وعلى كسبه بمقتضى ما وعد الله به عباده المتقين، فإذا مَنُّوا وآذوا في نفقته، فقد انتفت عنهم تلك القدرة على ثواب هذا الذي أنفقوا وقد كان من شأنه أن يكون كسبًا لهم.
стр. 1228
وإني أرى أن يكون المعنى أن المنفقين الذين يتبعون ما أنفقوا منا وأذى، والذين يراءون ليس عندهم قدرة على شيء من المال الذي كسبوه، إنما القدرة من الله العلي القدير، فما كان لهم أن يمنوا ولا أن يؤذوا في سبيل ذلك الإنفاق، ولا أن يراءوا به، فالمال مال الله، وهو الذي بقدرته مكنهم منه، وسلطهم عليه، فعليهم أن يتقوا الله فيه، ويشكروا نعمة المنعم به، ولا يراءوا في إعطائهم، وإلا كانوا بالنعمة كافرين.
وعلى ذلك تكون هذه الجملة لتقوية المعنى في الإنفاق، والتحريض على الإخلاص لله في النفقة بحيث تكون خالية من المن والأذى والرياء.
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ختم الآيات بهذه الجملة الحكيمة للإشارة إلى أن الإنفاق من غير مَنٍّ ولا أذى هو من خواص الإيمان، فالله يهدي إليه المؤمنين ولا يهدي إليه الكافرين، وللإشارة إلى أن المَنَّ والأذى والرياء إنما هي صفات الكافرين فيجب أن يقلع عنها أهل الإيمان، فهي صفات لَا تليق بهم، ولا ينبغي أن يكونوا عليها؛ لأن فيها كفرًا للنعمة التي أنعم الله بها، والصدقة رياء وسمعة فيها شرك خفي فيجب على المؤمن أن يطهر نفسه من هذه الأهواء المردية، وليضبط نفسه إذا أعطى، فلا ينطق لسانه بالمَنِّ، ولينق قلبه من الرياء فإنه يأكل الحسنة فيجعلها سيئة.
وفى الجملة إشارة إلى أن الله غني عن عطاء المنان المؤذي أو المرائي، إن أعطوا لنفع عام أو لدفع أذى الكافرين، فإن الله سيتولى الكافرين، وهو لَا يهديهم إلى سبيل الانتصار على المؤمنين الصادقينِ في إيمانهم؛ لأنهم أولياء الله الذين قال فيهم: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُون).
* * *
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ
стр. 1229
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)
* * *
في الآيات السابقة بيَّن سبحانه الصدقات التي يشوبها الرياء فيذهب بخيرها، وأن الرياء في الصدقة لَا يصدر عن شخص يؤمن بالله واليوم الآخر صادق الإيمان، وأن الرياء في الصدقة يذهب بثمرتها والقربى فيها كما يذهب المطر الغزير يصيب أرضا حجرية عليها قشرة رقيقة من التراب، فيذهب المطر الشديد بها.
وفى الآية الأولى من هاتين الآيتين يبين الثمرة المترتبة على الصدقة ابتغاء مرضاة الله تعالى، ولتربية التقوى في النفس وتهذيبها، وإرهاف إحساسها بحق المجتمع على ذوي المال من المؤمنين فقال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذينَ يُنفقُونَ أَمْوَالَهُمُ اتغَاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ).
يشبه حال الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ولتثبيت النفس على التقوى وتهذيبها وتقويتها تهذيبًا ناشئًا عنها منبعثًا منها - يشبه حال هؤلاء المنفقين بجنة، أي حديقة غنَّاء كثيرة الأشجار، بربوة أي أرض مرتفعة أصابها مطر غزير فآتت ثمراتها ضعفين أي مثلين مما ينتج أمثالها.
ولابد لبيان هذا التشبيه السامي أن نبين المشبه، والمشبه به، ووجه الشبه، والتوجيه الكريم من هذا التشبيه: