← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الخفي، فقد قال النبي ﷺ : " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك " (١). ولهذا الفارق الجوهري بيَّن المنفق المنان، والمنفق رئاء الناس، ذكر الله عمل الأول بأنه صدقة، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى) ولم يصف عمل الثاني بأنه صدقة، ولا في سبيل الله، ولذا قال سبحانه: (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) فما الصدقة ابتغاها ولا الخير أراده، بل الشر كل الشر ما عمله. (فَمَثَلًهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُون عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا) هذا تشبيه جديد، وقبل أن نذكر التشبيه ووجه الشبه نذكر معنى هذه الألفاظ: صفوان، وصلد، ووابل: فالصفوان اسم جنس جمعي لصفوانة، كشجر وشجرة، وهو الحجر الأملس. وقال الأخفش: إن صفوان مفرد كحجر. والصلد معناه الأجرد النقي؛ وقد قال الكسائي فيه: إنه من صَلِدَ يَصْلَدُ صَلَدًا، وهو ما لا ينبت شيئًا، وقد قال النقَّاش: الأصلد الأجرد الذي لَا ينبت شيئًا. والوابل هو المطر الشديد، وقد وَبَلَت السماء تبل، والأرض موبولة. والآن نذكر المشبه به في الآية الكريمة؛ ويبدو بادي الرأي، أن التشبيه بين الذي ينفق ماله للرياء والحجر الصفوان الأملس الذي يكون على ظاهره قليل من التراب الذي يبدو به خصبًا، ووجه الشبه هو ظاهر الخصب الذي يبدو على ظاهر الحجر، ثم انكشافه بمطر وابل، وظهور حقيقته، وهو أنه لَا يمكن أن يكون منبتًا؛ فالمعنى أن حال من ينفق للرياء والظهور بمظهر البر المعطي وهو لَا يقصد وجه الله تعالى ولا يبتغي رضاه بل ينفق ليرائي الناس، هي كحال حجر أملس لَا ينتج شيئًا ولا ينبت نباتًا ولكن عليه ظاهر من التراب يوهم الناظر إليه أنه خصب منتج، ثم تتبين حاله بمطر يزيل ما ستره ويكشف حاله، فالمرائي لَا إنتاج لعمله مطلقًا كالحجر، وإن كان يبدو للناس بَرا فإن ذلك لَا يلبث أن ينكشف، وتظهر حاله بأمر

стр. 1227

لم يكن في حسبانه، فثوب الرياء يشف دائما عما تحته، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه. هذا الكلام يدل على أن التشبيه منعقد بين المرائي والحجر الأملس الذي عليه قدر رقيق من التراب ستر حاله؛ ولكن كثيرين يجعلون التشبيه بين المنفق المنان والحجر الصلد، ويكون المعنى على ذلك أن حال المنان في نفقته التي يبطلها بالمن والأذى، كحال الحجر الأملس الذي عليه تراب كان يرجى أن يكون منتجًا منبتًا للزرع فيصيبه وابل يزيل التراب الذي عليه، فيزول سبب إنتاجه، ومادة الخصب فيه؛ فالمن والأذى في إبطالهما الصدقات التي من شأنها أن تأتي بالثواب ورضا رب العالمين، كالوابل الذي يزيل الصعيد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه، من حيثما كان من شأنه أن ينتج الثواب، فأزال ذلك بمنه وأذاه. وإني أرجح الأول، لأن التشبيه بلفظ المفرد، وهو يناسب الذي ينفق ماله رئاء الناس؛ لأنه بلفظ المفرد، والمنفق منا وأذى ذكر بلفظ الجمع، فالضمير في قوله تعالى: (فَمَثَلُهُ) أولى بأن يعود على المرائي لإفرادهما، ولأن الآيات التالية تبين حال المنفق ابتغاء مرضاة الله، وفيها تشبيه صدقتهم بالحبة التي تكون في أرض خصبة، وإن هذه مقابلة ظاهرة بين المنفق رياء، والمنفق ابتغاء مرضاة الله، فكان الأظهر إذن أن يكون التشبيه في هذه الآية بين الإنفاق رياء والحجر الأملس. (لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا) جمهور المفسرين على أن هذه الجملة السامية للدلالة على أن المنان والمرائي كلاهما لَا ثواب له، فالمعنى لَا يقدرون، أي لا ينالون شيئًا من المال الذي أرادوا بإنفاقه كسب الثواب، ولكن كيف يعبر عن نيل الثواب بالقدرة عليه، وعن الإنفاق بالكسب؟ وقد يجاب عن ذلك بأنهم إذا أنفقوا فقد صاروا قادرين على الثواب، وعلى كسبه بمقتضى ما وعد الله به عباده المتقين، فإذا مَنُّوا وآذوا في نفقته، فقد انتفت عنهم تلك القدرة على ثواب هذا الذي أنفقوا وقد كان من شأنه أن يكون كسبًا لهم.

стр. 1228

وإني أرى أن يكون المعنى أن المنفقين الذين يتبعون ما أنفقوا منا وأذى، والذين يراءون ليس عندهم قدرة على شيء من المال الذي كسبوه، إنما القدرة من الله العلي القدير، فما كان لهم أن يمنوا ولا أن يؤذوا في سبيل ذلك الإنفاق، ولا أن يراءوا به، فالمال مال الله، وهو الذي بقدرته مكنهم منه، وسلطهم عليه، فعليهم أن يتقوا الله فيه، ويشكروا نعمة المنعم به، ولا يراءوا في إعطائهم، وإلا كانوا بالنعمة كافرين. وعلى ذلك تكون هذه الجملة لتقوية المعنى في الإنفاق، والتحريض على الإخلاص لله في النفقة بحيث تكون خالية من المن والأذى والرياء. (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ختم الآيات بهذه الجملة الحكيمة للإشارة إلى أن الإنفاق من غير مَنٍّ ولا أذى هو من خواص الإيمان، فالله يهدي إليه المؤمنين ولا يهدي إليه الكافرين، وللإشارة إلى أن المَنَّ والأذى والرياء إنما هي صفات الكافرين فيجب أن يقلع عنها أهل الإيمان، فهي صفات لَا تليق بهم، ولا ينبغي أن يكونوا عليها؛ لأن فيها كفرًا للنعمة التي أنعم الله بها، والصدقة رياء وسمعة فيها شرك خفي فيجب على المؤمن أن يطهر نفسه من هذه الأهواء المردية، وليضبط نفسه إذا أعطى، فلا ينطق لسانه بالمَنِّ، ولينق قلبه من الرياء فإنه يأكل الحسنة فيجعلها سيئة. وفى الجملة إشارة إلى أن الله غني عن عطاء المنان المؤذي أو المرائي، إن أعطوا لنفع عام أو لدفع أذى الكافرين، فإن الله سيتولى الكافرين، وهو لَا يهديهم إلى سبيل الانتصار على المؤمنين الصادقينِ في إيمانهم؛ لأنهم أولياء الله الذين قال فيهم: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُون). * * * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ

стр. 1229

وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) * * * في الآيات السابقة بيَّن سبحانه الصدقات التي يشوبها الرياء فيذهب بخيرها، وأن الرياء في الصدقة لَا يصدر عن شخص يؤمن بالله واليوم الآخر صادق الإيمان، وأن الرياء في الصدقة يذهب بثمرتها والقربى فيها كما يذهب المطر الغزير يصيب أرضا حجرية عليها قشرة رقيقة من التراب، فيذهب المطر الشديد بها. وفى الآية الأولى من هاتين الآيتين يبين الثمرة المترتبة على الصدقة ابتغاء مرضاة الله تعالى، ولتربية التقوى في النفس وتهذيبها، وإرهاف إحساسها بحق المجتمع على ذوي المال من المؤمنين فقال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذينَ يُنفقُونَ أَمْوَالَهُمُ اتغَاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ). يشبه حال الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ولتثبيت النفس على التقوى وتهذيبها وتقويتها تهذيبًا ناشئًا عنها منبعثًا منها - يشبه حال هؤلاء المنفقين بجنة، أي حديقة غنَّاء كثيرة الأشجار، بربوة أي أرض مرتفعة أصابها مطر غزير فآتت ثمراتها ضعفين أي مثلين مما ينتج أمثالها. ولابد لبيان هذا التشبيه السامي أن نبين المشبه، والمشبه به، ووجه الشبه، والتوجيه الكريم من هذا التشبيه:

стр. 1230

أما المشبه فهو قوله تعالى:

стр. 1231

(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ) فالمثل هو الحال والشأن، ومعنى ابتغاء مرضاة الله طلب رضاه الدائم المستمر، فالمرضاة مفعلة من الرضا، فهي مصدر ميمي من الرضا، وهو أقوى في الدلالة من معنى الرضا، إذ المعنى فيها الرضا الثابت الدائم الذي لَا يكون معه أي غضب من الولي العزيز الحكيم القوي القهار، فهو ينفق طالبا قويا موثقا رضا الله رضًا دائمًا مستمرًا. وأما معنى (وَتَثْبِيتًا) فقد اختلفت عبارات المفسرين حولها، وإن انتهت إلى الاتفاق على مغزاها ومرماها؛ وإن أصل معنى ثبت قوى حقيقة ودعمها، ومن ذلك قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)، ويقال ثبت فلان في الأمر أي صحت عزيمته فيه وداوم عليه؛ ويقال أيضًا: ثبَّتُ فلانًا في الأمر، أي جعلته ثابتًا فيه لَا يتزعزع عنه ولا يضطرب، وقويت رأيه فيه. والمعنى على ذلك: أن أولئك المتقين من المنفقين ينفقون طلبًا لرضا الله الدائم عليهم وتثبيتًا من أنفسهم أي تقوية لليقين والإيمان والاحتساب إلى الله تعالى، وتلك التقوية وهذا التثبيت صادر عن أنفسهم، فهم يربون أنفسهم على الإيمان واليقين، فـ " مِنْ " في قوله تعالى: (وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ) هي " من " التي تكون بمعنى الابتداء، أي أن التثبيت مبتدئ من أنفسهم، فهم يزكونها وينقونها ويراقبونها، لكيلا يدخلها أي معنى من معاني الرياء والنفاق، أو الاتجاه إلى المَنِّ والأذى؛ وفي هذا إشارة واضحة إلى أنهم ينفقون ما ينفقون قاصدين وجه الله تعالى، وأن ذلك القصد يستمر دائمًا، فلا يجيء وقت يمنون فيه ويؤذون؛ لأن الثبات يقتضي الاستمرار على حال واحدة، وهي حال ابتغاء رضا الله وحده، لَا يرجون من غيره جزاء ولا حمدًا ولا ثناء، ولا يبتغون بغير رضا الله بديلا. ويصح أن يكون معنى (وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ) أي يقينًا وإيمانًا صادرًا من أنفسهم فالمعنى على هذا أن أولئك المنفقين المخلصين يتفقون طالبين رضا الله تعالى

стр. 1232

وهم موقنون صادقو الإيمان بربهم محتسبو النية له تعالى. وفي ذلك إشارة إلى أن أولئك المراءين الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أو يتبعون ما ينفقون منًّا أو أذي ليس إيمانهم كاملا، ولا يقينهم مستقرًا ثابتًا؛ والمعنيان متلاقيان في الجملة، أو على الأقل متقاربان جدا. هذه مفردات المشبه ومعناه. أما المشبه به فهو قوله تعالى: (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) والجنة البستان، وسمى البستان جنة، وهي فعلة من جن بمعنى ستر وغطى؛ لأن الأشجار تغطيها فلا ترى أرضها، وكأن الأرض مغطاة بلفائف الأشجار. والربوة المكان المرتفع قليلا، في خصوبة تربة، وجودة زرع، والربوات من الأراضي أخصب وأكثر إنتاجًا من المنخفضات؛ ولما كان مرتفع الأرض لَا تصل إليه مجاري الأنهار عادة ذكر الله أن تلك الربوة قد أنعم الله عليها بوابل أي مطر غزير أصابها، وبذلك تجتمع لها أسباب الإنتاج الكثير، وهي ثلاثة: خصب تربة، وتخلل الشمس لأجزائها، إذ إنها بارتفاعها صارت الشمس تنفذ إلى الأشجار، وفي ضوء الشمس غذاء للأشجار كغذاء الماء؛ والثالث الماء النقي الغزير، يصيبها به مالك السماوات والأرض يكون لها نعمة يمد زرعها بالغذاء، ولا يزيل طبقة الخصب فيه كالوابل الذي يصيب الحجر الصوَّان فيتركه أملس صلدًا، بل إنه يمدها بالإنتاج لأنَّ الخصوبة فيها ليست قشرة ظاهرة من التراب يزيلها الماء الغزير فلا تنبت بل خصوبتها في معدنها، وليست مظهرًا بل هي حقيقة وجوهر. وإذا كانت أسباب الإنتاج الكثير قد توافرت، فإن الثمرة ستكون لَا محالة بمقدار توافر هذه الأسباب؛ ولذا قال تعالى: (فآتَتْ أُكلَهَا ضِعْفَيْنِ) فالفاء للسببية أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، وآتت بمعنى أعطت، والمعطي في الحقيقة هو الله تعالى، ولكن أسند إليها العطاء لتوافر الأسباب التي خلقها المولى القدير فيها، وتضافر كل المهيئات التي هيأها المولى العلي القدير لإنتاجها. والأُكل: الثمر الذي يؤكل، وفي التعبير عن الثمر بالأكل من غير وصف سواه إشارة إلى طيب ثمرها وحسنه، واستساغة النفس له، وجودة الغذاء منه؛ لأنه

стр. 1233

وصف بأخص ما يطلب له الثمر الجيد الطيب المستساغ وهو أن يؤكل، ومعنى " ضعفين " أي أنها آتت بضعفي ثمر غيرها من الأرض، والضعف معناه هنا المثل، وقد ذكرنا ذلك من قبل، أي أن توافر هذه الأسباب جعلها تنتج بمقدار مرتين مما ينتج غيرها. ويصح أن يكون المراد من الضعفين الكثرة المطلقة من غير تقيد باثنين كما في قوله تعالى: (ارْجِعِ الْبَصَرَ كرَّتَيْنِ. . .). ولكن تلك الأرض الطيبة المباركة التي شبهت بها نفس المؤمن الطيبة، ربما لا يصيبها الوابل وهو المطر الغزير فلا يننتج طيبًا في هذه الحال؛ فبين أنها تنتج أيضًا بمطر قليل، ولذا قال تعالى (فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ) والطل أضعف المطر، وزرع الطل أضعف من زرع المطر الغزير وأقل ريعًا، ولكن يكون في عيدانه قوة تماسك ونفع. ولكن هل يكون المعنى في الآية أنها تنتج ضعفين، كما أنتجت في حال الوابل؟ بين أيدينا منهاجان: أولهما أن نقول: إنها تنتج مثلها بما توافر فيها من علو يجعل الشمس تخلل أجزاءها فتمدها بغذاء يغنيها عن كثرة الماء، وبما فيها من خصب تتوافر فيه عناصر التغذية أكثر من غيرها، فيكون ذلك معوضًا لها عن قلة الماء، وتكون النتيجة على هذا التوجيه أن قلة الماء وكثرتها سواء، لتوافر أسباب النماء. هذا هو التوجيه الأول. أما التوجيه الثاني فهو أن نقول: إن المعنى أنها تنتج على كل حال، فإن كان المطر غزيرًا أنتجت كثيرًا وإن كان المطر قليلا فالإنتاج وإن قل طيب نافع، وإن كانت الربوة هي المقابلة في التشبيه للنفس المؤمنة الطيبة، فيكون المعنى أن النفس التقية المؤمنة التي تبغي بإنفاقها رضوان الله تعالى، وتثبيت إيمانها وتصديقها بالإنفاق في سبيله، لإنفاقها إنتاج عظيم، ونعيم مقيم، إن قلَّ فهو في نفعه كالثمر الذي ينتج من الربوة الخصبة التي يصيبها طل، وإن كثر فهو كتلك الربوة تؤتي ثمرتها ضعفين إن أصابها وابل، وعلى ذلك فالقليل والكثير ذو نفع عظيم وخير عميم.

стр. 1234

والتوجيه الأول عندي أولى بالقبول، لأنه ليس في الآية ما يدل على قلة الإنتاج، فإن قلة المطر لاتستلزم قلة الثمر، بل قد تكون كثرة الماء معوقة عن الإنتاج لَا مكثرة له وعلى ذلك يكون المعنى: أن تلك الربوة لخصبها وطيب مناخها وتخلل الشمس لأجزائها تنتج خيرًا كثيرًا، سواء قل الماء أم كثر، متى وجد القدر المنبت. هذان طرفا التشبيه: المشبه والمشبه به، وبقي علينا أن نبين وجه الشبه في النص السامي الكريم، وذلك بتوجيه التشبيه في جملته وسياقه، وذلك أن الله شبه هؤلاء المنفقين عن إيمان صادق، قاصدين بإنفاقهم وجه الله ﷻ لَا يبغون سوى رضاه، مثلهم في إنفاقهم الكثير والقليل كمثل جنة بربوة خصبة منتجة تنتج دائمًا في حال غزارة المطر، وفي حال قلته، فأكلها دائم، ونفعها مستمر، لَا يمنعون خيرهم إن لم يشكرهم الناس، ولا يؤذون في نفعهم أحدًا من الناس، ولا يراءون الناس، فصدقتهم في نماء، تنمو دائمًا في الناس بنفع ينالهم، كصدقة جارية مستمرة لَا تنقطع، ثم نفعها للمنفق دائم بما يحسه من أريحية دينية واطمئنان قلب، ولذة العبودية في الاتجاه إلى الله وحده والاستعلاء بالاستغناء عن شكر الشاكرين ومدح المادحين، ثم يعقب ذلك كله جزاء كريم من رب العالمين، يوم الدين، ولذا قرر النبي ﷺ أن الصدقة تنمو لصاحبها كما ينمو الفلو (١) يربيه صاحبه، فقال ﷺ : " لَا يَتَصَدَّقُ أَحَدٌ بِتَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، إِلَّا أَخَذَهَا اللهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أَوْ فصيلهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ أَعْظَمَ " (٢). (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير) ختم هذه الآية بتلك الجملة السامية ليعلم الناس عظيم مراقبته لأحوالهم، واطلاعه على خفايا نفوسهم، فيراقبوه سبحانه في أفعالهم وأقوالهم، كما يراقبهم سبحانه، فتمتلئ قلوبهم عند العمل بعظمته، فيعملوا ما يعملون محسين بأنه مطلع على ما تخفي صدورهم،

стр. 1235

فتتجه القلوب - تحت تأثير هذه الرقابة المسيطرة العليمة التي لَا تغادر صغيرة ولا كبيرة - إليه سبحانه وحده، ولا تتجه إلى سواه. وفوق ذلك فإن لذلك التذييل السامي معنى آخر مناسبًا مناسبة أخص للسياق الخاص بحسن القصد في الإنفاق، وهو بيان أن الله يعلم الذين أخلصت قلوبهم في الصدقة فلم تبتغ رضا أحد غير الله تعالى، فيجازيها على إخلاصها في النية، واحتسابها الخير لوجه الله الكريم، ويعلم من ينفق رياء أو يتبع ما ينفق بالمن والأذى فيحبط عمله. وإن عبارات التذييل في ذاتها تربي المهابة للذات العلية في النفس التي تريد ما عند الله تعالى؛ فإنه قد صدَّر الجملة السامية بلفظ الجلالة الذي يدل في ذاته على العلو والسلطان والألوهية الحق؛ ثم إن هذا القاهر فوق عباده يعلم علم من يبصر ويعاين ويرى بكل ما يعمله الناس من خير وشر، وما يقصدون في صدقاتهم، فإن أرادوا رضاه فقد آووا إلى ركن حصين، وإن قصدوا سواه فهم على شفا جرف هار، وسينهار بهم في نار جهنم، فلا أموالهم بقيت لهم، ولا الثواب نالوا، بل العقوبة تستقبلهم ومقت الناس يلحقهم، والله من ورائهم محيط. * * *

стр. 1236

(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ (٢٦٦) * * * هذا مثل ثان يذكره في بيان أولئك الذين يحبطون أعمالهم من صدقات أو صلوات أو حج وغير ذلك من أعمال البر بالرياء أو المن والأذى، أو التطاول على الناس بما يزعمون لأنفسهم من عمل خير قاموا به. وهو يختلف عن التشبيه السابق من ناحيتين: أولاهما: في الشكل، فإن التشبيه الأول كان بصريح اللفظ، وقد ذكر فيه المشبه والمشبه به وأداة التشبيه وهي الكاف في قوله تعالى: (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ)؛ أما هذا التشبيه فلم يذكر فيه الشبه ولا أداة التشبيه، وهو من النوع البياني الذي يسميه علماء البلاغة " استعارة تمثيلية " وهي تشبيه حال بحال لم تذكر فيه أداة التشبيه ولا المشبه، بل ذكر المشبه به فقط، وقامت قرائن تدل على إرادة التشبيه.

стр. 1237

الناحية الثانية: أن التشبيه الأول فيه تشبيه من يبتغي بعمله مرضاة الله، وينقي ضميره وقلبه من كل رياء ونفاق، بالحديقة الغناء المثمرة القائمة على ربوة من الأرض خصبة منتجة؛ أما هنا فالتشبيه هو تشبيه من ينقض عمل الخير الذي يعمله برياء يحبطه، أو مَنٍّ وأذى، أو مباهاة ومفاخرة ببرِّه بين الناس، بمن كانت له حديقة فيها نخيل وأعناب، وأنهار تجري فيها مع الثمرات وقد أصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء، وتكون عونًا لهم بعد وفاته فأصابتها رياح شديدة فيها نار فاحترقت. ولم يذكر في هذه الآية المشبه ولا أداة التشبيه كما نوهنا، بل ذكر المشبه به فقط، فعلينا أن نتكلم في مفردات المشبه به ومعانيها، ثم نتعرف المشبه ووجه الشبه، ومغزى هذا التشبيه السامي الكريم. والود في قوله تعالى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ) معناه محبة الشيء مع تمنيه؛ ولذلك يتستعمل في مقام التمني. والنخيل اسم جمع النخل، والأعناب جمع عنب، وهو ثمرة الكروم، وقد جاء في تفسير المنار في السبب في ذكر النخيل دون ثمرتها وهو التمر، بينما ذكر العنب وهو ثمر الكروم وقالوا في تعليل ذلك: (إن كل شيء في النخيل نافع للناس في إنفاقهم: ورقه وجذوعه وأليافه وعثاكيله (١)، فمنه يتخذون القفف والزنابيل والحبال والعروش والسقوف وغير ذلك) (٢). والإعصار ريح عاصفة تستدير في الأرض ثم تنعكس منها صاعدة إلى السماء على هيئة العمود، وقيل: الإعصار ريح تثير سحابًا ذا رعد وبرق، وسميت إعصارًا لأنها تلتف كالثوب، أو لأنها تكون سببًا في نزول المطر، فكأنها تعصر السحاب، فتنزل ما يحمل من ماء، ولذا فسرت المعصرات في قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤). بأنها السحاب، لأنها تحصر بالإعصار ذلك العصر. والنار التي تكون في الإعصار هي البرق الذي يتسبب عن اصطدام السحاب بتحريك ذلك الإعصار، أو

стр. 1238

أن السحاب مع هذه القوة الشديدة التي يتحرك بها هو أيضا حامل لنار إذا أصابت شيئا أحرقته. هذه مفردات المشبه به ومعانيها، والاستفهام في قوله تعالى: (أَيوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّة) هو للإنكار، وهو لإنكار الوقوع أي بمعنى النفي، والمعنى لَا يود أحدكم أن يكون له جنة. . إلخ، ومجيء النفي على صيغة الاستفهام على ذلك النحو، لتأكيد النفي، وبيان أن الأمر في ذاته غير معقول، بحيث لو سئل عنه أي عاقل لأجاب بنفيه؛ لأن النفي مجمع عليه من كل العقلاء. وخلاصة القول: إنه لَا يود أحد أن تكون له جنة فيها نخيل وعنب، وفيها من كل الثمرات غير النخيل والعنب - وكان النص عليهما لأنهما فاكهة العرب - وإنها مع هذه الثمرات الطيبة ذات منظر بهيج، فالأنهار تجري من تحتها فتمدها بالخصب، كما تسر الناظرين، قد احتازها وقد أصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء من ذكور وإناث يحتاجون إلى مال من بعده يسد عوزهم، ويقيم أودهم، ومع هذا الأمل المدخر في هذه الحديقة أصابتها ريح شديدة فيها نار فاحترقت بنارها؛ لَا يود أحد ذلك أبدًا، وهو شر يتوقاه ويدعو الله أن يجنبه إياه. هذا هو المشبه به فما هو المشبه؛ إنه يفهم من سياق القول من سعابقه ولاحقه؛ وهو العمل الطيب المنتج الذي يكون مدخر الرجل في حياته الآخرة، كما كانت الحديقة مدخرة لذريته في كبره، وهم امتداد حياته وفيهم بقاؤه بعد مماته، وإنه في هذه الحياة الدنيا الفانية الوشيكة الزوال كمن أصابه الكبر وله ذرية ضعاف تحتاج إلى مدخره بعد مماته، فهو محتاج إلى مدخره من الأعمال الصالحة بعد وفاته لتكون ذخره وثروته في الحياة الباقية بعد هذه الفانية، وإنه إذا أبطل ذلك العمل برياء يحبطه، أو مَنٍّ أو أذى أو مباهاة أو فخر، يكون كمن يرضى بأن تحترق جنته في كبره بريح عاتية تأكل الأخضر واليابس ولا تبقي من المدخر لذريته في القابل قليلا. هذا هو المشبه المستنبط الذي تدل عليه الآيات السابقة واللاحقة.

стр. 1239

ولقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ قال يومًا لأصحاب رسول الله ﷺ : (فيمن ترون هذه الآية: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ) نزلت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فغضب عمر، وقال: قولوا نعلم أو لَا نعلم! فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله، وفي رواية أخرى: فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء). وروي أن عمر ﵁ قال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملا صالحًا حتى إذا كان آخر عمره أحوج ما يكون إليه عَمِل عمل السوء. وإننا إذا نظرنا إلى سياق الآيات قصرنا المشبه على من يفسد عمله بالمن والأذى والمباهاة والمفاخرة، ثم إذا نظرنا إلى هاتين الروايتين اعتبرنا المشبه هو حال الرجل يعمل الصالحات، حتى إذا دنا أجله أو كاد، عَمِل عملا غير صالح، فكانت حاله كحال رجل كل ثروته حديقة غناء فيها من كل الثمرات وكل زوج بهيج، قد توافر خيرها، حتى إذا أصابه الكبر وله ذرية ضعاف تحتاج إلى ما يترك من مال، أصابت ثروته ريح عاتية فذهبت بها، فترك ذريته من غير شيء. وعلى هذا يكون المقصد والمرمى الاستمرار على عمل البر والمداومة عليه في هذه الدنيا. وعندي أن يجعل المشبه خاصا في دائرة السياق الخاص بالمن والأذى والرياء، ويكون التشبيه على هذا الوجه أن حال من يفعل الخير ويكثر منه ثم يبطله بالمن أو الأذى أو الرياء، كحال رجل يملك حديقة غناء جعلها موضع أمله في حياته، وغذاء أولاده بعد وفاته وهو في سن الكبر، ثم وهو في هذه الشيخوخة الفانية أصحاب ثروته ريح أحرقتها، إنه لَا يود أحد أن يكون في هذه الحال، فكذلك يجب أن ينفر فاعل الخير من تلك الموبقات التي هي كالريح العاصف الذي يهلك الزرع

стр. 1240

والنسل، ويذهب بالثروة المثرية في وقت هو أشد ما يكون حاجة إليه في قابل حياته، ولذريته بعد مماته. وإنه يرشح لهذا المعنى قوله تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذي) كما يرشح له كل التشبيهات السابقة. وإن وجه الشبه على هذا هو أن في الحالين إبطالا لأمر جوهري في الحياة له نفاسة في ذاته، وله نفع في الحاضر والقابل، يذهبه أمر عارض مزيل لَا يبقى بعده شيئًا مفيدًا، فكما أن الحديقة الغناء ذات النفع في الحاضر والقابل للحاضر ومن يخلفهم يذهب بها الإعصار الشديد المحرق، فكذلك النفاق والرياء والمن والأذي والتطاول على الناس بفعل الخير يفسد عمل الخير الذي هو ثروة معنوية لفاعله في حاضره ومستقبله، وفيه رضوان الله وعزته، فهل يود مؤمن أن تكون حاله كحال من يصيب الإعصار ثروته في كبره، فيمد يده إلى الناس شيخًا هرمًا فانيا، ويترك أولاده كلًّا على الناس من بعده؛ لَا يود مؤمن ذلك فلا يصح أن يمكن الرياء من نفسه والاستطالة والمباهاة والمنَّ والأذى من لسانه، فيكون ذلك إعصارًا شديدًا يذهبط بعمله. وفى هذا التشبيه فوائد كثيرة: أولها: الإشارة إلى أن هذه الحياة الدنيا مهما طالت فهي متاع قليل، وعلى المؤمن أن ينتفع بكل لحظة بعمل الخير يحتسبه عند ربه، كالرجل الذي يكون في شيخوخة فانية فعليه أن يتوقع الموت دائمًا كما يتوقع صاحب هذه الشيخوخة، وعليه أن يعمل الخير عمل من يخشى الفوت، وقد قرب منه الموت. ثانيها: أن الرياء والمباهاة والاستطالة بعمل الخير تذهب به بل تحرقه، كما يحرق الإعصار الحديقة الغناء. ثالثها: أن عمل الخير ينمو ويربو وينتج كالحديقة الغناء التي فيها من كل الثمرات والمياه تجري من تحت أغراسها والشمس تمد ثمارها، فتؤتي أكلها بإذن ربها، فهي في نماء مستمر دائم.

стр. 1241

رابعها: أن من مطالب الحياة التي يقرها الدين أن يحرص الرجل على أن يترك لأولاده إذا كانوا ذرية ضعافًا، فضلا من المال يستعينون به في شدائد الحياة، ولا يكونون كلًّا على الناس، كما قال النبي ﷺ لسعد بن مالك (١) في مرض كان يتوقع الموت منه، وقد أراد أن يتصدق بماله كله فنهاه وأقره على التصدق بالثلث: " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " (٢). هذه بعض إشارات الآية الكريمة وإنها لتشع منها معان سامية متعددة كما يشع الثمر الجيد من الغصن المثمر، تعالت كلمات الله العليم الحكيم. ومن أجل هذه المعاني السامية المنبعثة من ذلك النص الكريم المفهومة من عباراته أو إشارته، دعا سبحانه إلى التفكير فيها وتدبرها مع غيرها، فقال عز من قائل: (كَذَلِكَ يُبَيِّن اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) هذا ختام هذه الآية الكريمة، والآيات المقصودة هنا هي الآيات القرآنية، والمراد من التفكر هو التدبر والتأمل وتعرف مرامي العبارات القريبة والبعيدة، والتفكر في عواقب الاعمال ونتائجها، وفى أسبابها وغاياتها. والتشبيه في قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) فيه تشبيه الكلي العام من بيان الله في كل آياته، بهذه الصورة الجزئية التي رأيناها في تلك التشبيهات الرائعة وذلك السياق المحكم، وتلك المعاني الجلية التي يتدبرها المتدبر، فتجلى له معان كريمة سامية كلما أعمل فكره وتفكر وقدر، ومثل ذلك كما يجري في عباراتنا - ولكلام الله المثل الأعلى - أن يقول عندما يعمل عملا جيدًا يعمله فيستحسن، فيقول: كذلك أعمل دائمًا، أي كهذا العمل الذي استحسنتموه كل عمل. ومعنى التشبيه في الآية الكريمة على هذا يكون هكذا: كهذا البيان الجلي الرائع الذي بدا في هذا المثل المحكم بيان الله الكلي لكل آياته في كتابه الحكيم.

стр. 1242

ولعل في قوله تعالى: (لَعَلَّكمْ تتَفَكَرونَ) هي في الرجاء، وليس الرجاء من الله تعالى؛ لأن الله عالم بكل شيء، فلا يكون منه رجاء وتوقع؛ لأن ذلك شأن من لَا يعلم، إنما يكون منه تحقق وتأكد؛ وإنما معنى الرجاء هو المتفق مع ذات البيان؛ لأنَّ ذلك من شأنه أن يرجى معه تفكر المتفكر وتدبر التدبر؛ ولذلك قال بعض العلماء: إن لعل هنا للتعليل، فالمعنى كان ذلك البيان لتتفكروا وتتدبروا. والمعنى الإجمالي لذلك الختام الكريم لهذا المثل السامي الحكيم: يبين الله آياته دائمًا، كذلك البيان الذي اتضح لكم في هذا المثل الرائع المحكم الذي تتسع آفاق الفكر في إدراكه، فينال كل منه بمقدار إدراكه، فبيان الله دائمًا من ذلك النوع، لتتفكروا وتتأملوا آيه، وتدركوا مراميها القريبة والبعيدة. وفقنا الله لإدراك معاني كتابه، والعمل به، وألهمنا الصواب في فهمه؛ إنه الهادي إلى الحق دائمًا. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) * * * بيَّن الإنفاق الذي يعد برًّا، ويؤتي ثمراته في الدنيا والآخرة، وهو الإنفاق ابتغاء مرضاة الله تعالى [لا ابتغاء] تسهيل مطلب من مطالب الدنيا، ولا طلبًا لجاه، ولا ملَقًا لذي جاه، ويشترط في ثواب الآخرة مع ذلك ألا يعقب العطاء

стр. 1243

مَنٌّ أو أذى، فلا يُشعر المعطي من أعطاه بمنة العطاء، ويستكثر عليه ما أعطاه، ولا يؤذيه بإعلان عطائه أو توجيه كلمات مذلة، فحسبه أن يده هي الدنيا، ويد المعطي العليا، والنبي ﷺ قال: " اليد العليا خير من اليد السفلى " (١) فلا يصح أن يجمع عليه بين هذا الضعف مع المن وأذى الكشف والإعلان في مواطن لَا يحسن الإعلان فيها. وفي هذه الآيات التي نتكلم في معانيها السامية الآن بيان المال الذي يكون منه العطاء، ففي الآيات السابقة كان بيان مقاصد العطاء وما يقترب به وما يعقبه، وفي هذه الآيات بيان المال الذي يكون منه العطاء؛ وأن تخير المال واصطفاءه يدل على مقدار الصفاء في النية، فمن اختار عند العطاء أجود ماله، كان ذلك دليلا على حسن القصد إن لم يصحب العطاء مَنٌّ أو أذى أو رياء، وإن اتجه إلى غير الجيد من ماله يعطيه كان ذلك دليلا على ضعف العزيمة وشح النفس (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). ولذلك بين سبحانه عقب المطالبة بأن يكون ابتغاء مرضاة الله أنه لَا يسوغ أن يكون الإنفاق من الرديء دون الجيد، ومن الخبيث دون الطيب، فقال تعالت كلماته:

стр. 1244

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَياتِ مَا كسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ) ابتدأ سبحانه بالنداء بالبعيد للدلالة على عموم النداء للمؤمنين في كل الأجيال من وقت البعث المحمدي إلى يوم القيامة، وكان النداء للمؤمنين لبيان أن من أخلاق أهل الإيمان أن يتصدقوا من الطيب لَا من الخبيث، ومما تحبه النفس لَا مما تزهد فيه، فليس من مقتضيات الإيمان في شيء أن يجيء الرجل إلى أخبث ماله أو الخبيث فينفق منه لزهادته فيه، ولرغبته عنه، وعدم اتجاهه إلى الانتفاع به، إذ لَا يكون فيه معاناة لعمل الخير، ولا مصابرة في إرادته، ولا جهاد نفسي للحمل على الفعل؛ والأجر على قدر كف النفس عن الهوى، ومشقة الإرادة في التغلب عليه.

стр. 1245

وما المراد بالطيب؛ للعلماء في ذلك منهاجان: قال بعضهم: إن المراد بالطيب الحلال، أي أن الإنفاق الذي يقبله الله هو الإنفاق من المال الحلال الذي كسب من طريق حلال؛ فإن الله لَا يقبل إلا طيبًا، ولا يريد من العبد إلا خيرا، فمن كان يريد بعمله وجه الله تعالى فلا يكسب إلا حلالا، ولا ينفق إلا من حلال. ولقد روى الإمام أحمد ﵁ في ذلك أن رسول الله ﷺ قال: " إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ، فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ "، قَالُوا: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ: " غَشْمُهُ وَظُلْمُهُ، وَلَا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ، فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلَا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ " (١). وعلى هذا التخريج يكون الاتجاه في الآية هو الحث على الإنفاق من الحلال دون الحرام، ويكون بالنتيجة اللازمة الحث على طلب الحلال؛ لأنه إذا كان الكسب الحرام لَا يقبل في الصدقات، فأولى أن يكون الأكل منه إثمًا يلقي في نار جهنم، ومن يأكل منه كمن يأكلون في بطونهم نارًا. فيكون على هذا القول، المرمى يتجه إلى أمرين: الحث على طلب الحلال في الإنفاق، والحث على طلب الحلال من المكاسب، دون المآثم منها. هذا هو القول الأول في تفسير الآية؛ وهو كلام في ذاته صحيح تؤيده الأحاديث والمعاني الدينية القررة الثابتة، ولكنه لَا يتفق مع سياق الآية ولا موضوعها ولا معنى كلمة الطيب في مقامها؛ ولذلك رجح أكثر العلماء التفسير الثاني لمعنى الطيب وهو أن المراد به الجيد في نفسه؛ لأن كلمة طيب على وزن فيعل من طاب،

стр. 1246

وهو ما تستطيبه النفس وتتجه إليه وتطلبه وإن ذلك هو الأصل في معنى طيب؛ ولذا جاء في مفردات الراغب الأصفهاني ما نصه: " أصل الطيب ما تستلذه الحواس وما تستلذه النفس " وإطلاق الطيب بمعنى الحلال عرف إسلامي، لَا معنى لغوي؛ لأن الله سبحانه لَا يبيح إلا ما كان طيبًا في ذاته تستسيغه النفوس السليمة المستقيمة ولا يحرم عليهم إلا ما كان خبيثًا في ذاته تعافه النفوس السليمة، فالله يحل الطيبات ويحرم الخبائث، كما ورد بذلك النص القرآني الكريم. وإن تفسير النص بذلك، وهو أن الطيب المستطاب المحبوب للنفس هو الذي يبدو بادي الرأي من الآية الكريمة، فوق أنه الذي يتفق مع المعنى اللغوي، ولقد فسره ابن عباس بذلك؛ فقد روي عنه أنه قال: (أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وخبيثه؛ " فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا " ((١). وعلى هذا المعنى المستقيم يكون توجيه الآية الكريمة: أن الله يحث المنفقين على أن ينفقوا من الطيب النفيس، ابتغاء وجه الله تعالى، ولأن البر كل البر هو في إنفاق الإنسان مما يحب لَا مما يبغض؛ ولقد قال : (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تحِبّونَ. . .). وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا). ولقد نهى النبي ﷺ المؤمنين عن أن يطعموا الفقراء إلا مما يطعمون، فقال ﷺ : " لا تطعموهم مما لا تأكلون " (٢). إن الله يحاسب القلوب، فيثيبها على مقدار ما اعتزمته من خير، وإن أدل شيء على قوة العزيمة في الإنفاق والرغبة فيه وخروجه عن طيب

стр. 1247

نفس وقوة إيمان، أن يخرجه وله فيه رغبة، بل فيه شوق ومحبة؛ ولذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال في خير الصدقات: " أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح ترجو الغنى وتخشى الفقر " (١) أي أن تتصدق والمال حبيب إليك غير زاهد فيه، فإنك إن صابرت نفسك، وحملتها على التصدق في هذه الحال نلت أجرين: أجر العطاء في ذاته، وأجر تلك المغالبة النفسية التي انتصرت فيها لله وللحق، فأطعمت وكسوت، وأنت تحب المال موفورًا كثيرًا، فآثرت محبة الله على محبة المال، ورضا الله على رضا الهوى، ورضا الحق على رضا النفس، فانتصرت في الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس والهوى. هذا هو المعنى الذي اختاره جمهور العلماء لهذا النص الكريم، وهو المعنى القويم الذي يتفق مع سياق الآية وموضوعها، ويزكيه قوله تعالى: (مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ) فإن الكسب إذا ذكر مقرونًا بما يلقيه في الأرض ويضعه لنا من نفائس في باطن الأرض، وزرع نضير، وغراس مثمر، إن هذا يدل حينئذ على أن المال كله حلال، وأنه يقصد إلى طيبه أو رديئه فينفق منه، فبين أن ذلك الكسب الحلال لَا يتخير في الإنفاق منه إلا جيده، فلا تجعل حصة الفقير إلا أجوده؛ إن المال الذي كسبته رزقًا حلالا: قسم هو حق الفقير والمسكين واليتيم وقد تولى الله عنهم مطالبتك به، وقسم هو لك ولأولادك ومن تعول، فهل يسوغ أن تجعل حق من تولى الله عنهم المطالبة أردأه وأخبثه وأرذله وأسوأه؛ تلك إذن قسمة ضيزى، وكيف تصنعها وتريد بها وجه الله، والتماس عفوه ورضاه؟! إن ذلك غير معقول في ذاته، ووقوعه غير سائغ ولا مقبول. ولقد قسم سبحانه موارد المال الحلال إلى قسمين: قسم بعمل من العبد، إذ عمل العبد فيه واضح بين، واجتهاده فيه ظاهر، وإن كان التوفيق من الله، وهو الرزاق ذو القوة المتين؛ وقسم هو بعمل العبد ولكن فيض الله هو الواضح البين، والأول هو كسب العبد بالعمل والضرب في الأرض صانعًا أو تاجرًا، أو مسهمًا بماله

стр. 1248

في صناعة أو تجارة؛ والقسم الثاني، بما يخرجه الله من زرع يحصد فيكون منه القوت للإنسان والحيوان أو غراس أو شجر يؤتي أكله كل حين بإذن ربه، أو بما يودعه باطن الأرض من معادن يكون بها عمران الأرض، وقيام المصانع، والأعمال الإنسانية التي تسجل خلافة الإنسان في هذه الأرض ليصلح فيها ولايفسد. ولقد نبه سبحانه إلى القسمين بقوله تعالى: (مِن طَيّبَات مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ) ففي هذا النص الكريم ذلك التقسيم الحكيم؛ وقد قدم القسم الأول، وهو الكسب الذي يكون بعمل الإنسان، سواء أكان صناعة أم كان تجارة، وسواء أكان عملا آليا أم كان عملا فكريا؛ وكان ذلك التقديم لأسباب كثيرة؛ منها بيان فضل الأكل من العمل والكسب، كما قال ﷺ : " ما أكل ابن آدم طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده " (١)، ومنها أن العطاء من مال يجيء بمجهود وتبذل فيه الجهود يكون أعظم ثوابًا؛ ومنها إعلاء قدر العمل الإنساني لأن به إقامة العمران، وإصلاح الأرض، وتقدم هذا الوجود الإنساني في معيشته ووسائل رزقه. والقسم الثاني فيه خير كثير، ولكنه كله بفضل الله تعالى لَا عمل للعبد إلا إلقاء البذر، وغرس الغراس والقيام عليها، والباقي كله لله الواحد القهار. وهنا يسأل سائل: لماذا أضاف سبحانه ما يخرج من الأرض إليه مع أن للعبد فيه عملا من حرث وبذر وإصلاح ومراقبة، ثم أضيف الكسب بالتجارة والصناعة والعمل في هذه الدنيا إلى العبد مع أنه برزق من الله، لأنه هو الذي قسم الأرزاق بين العباد، وجميع ما للعبد من مكاسب بتوفيقه ورزقه، كما قال تعالى في آية أخرى: (وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، وكما قال تعالى: (ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا. . .)، فكل شيء منه وإليه، وكل كسب للعبد سواء أكان من الزرع والضرع أم كان من الصناعة أو التجارة فهو من الله، وبفضله، وبتوفيقه ورزقه وهدايته بل عطائه سبحانه؟

стр. 1249

وإن لذلك السؤال موضعه، وأن الله سبحانه في بعض آي الذكر الحكيم يضيف الكسب إلى العبد لأنه الذي باشر العمل، وفي بعضه يضيف الرزق إلى الرب الأنه المانح، وهو سبحانه يصرف الآيات لمن يفقهونها كما قال سبحانه: (انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ)، ولكل مقام ما يناسبه، ولكلامه سبحانه المثل الأعلى فلا يحاكيه كلام الإنسان مهما يعلُ قدره في البيان. ولو حاولنا أن نصل إلى سر التعبير، ما بلغناه على وجهه الكامل؛ وأقصى ما نقول هو أنه أضاف الكسب إلى العبد في الأولى، وإخراج النبات والغراس إليه، ليتميز القسمان من الإنتاج، فهما قسمان متقابلان بلا شك، إذ الأول العنصر الواضح فيه كسب العبد، والثاني العنصر الواضح فيه عمل الرب، كما أشرنا، فلهذا التمييز بين القسمين كانت الإضافتان المختلفتان، وليحث سبحانه الناس على النوعين من العمل، وبيان أنهما أساس العمران في هذا الوجود، فكلاهما إصلاح في الأرض وسبيل من سبل الإنتاج فيها؛ وقد كان بعض الاقتصاديين المتقدمين يعتبر طريق الإنتاج فقط الزراعة، وما تخرجه الأرض؛ والأخرى طرق ثانوية، فالله سبحانه يرشد إلى أن كليهما طريق متميز فيه عمران الأرض والإصلاح فيها، وفوق ذلك فإن إضافة الكسب إلى العبد مع الحث على الإنفاق من طيباته فيه إشارة إلى أن للفقير حقا معلوما في كل ما يكسب من مال سواء أكان بصناعة أو تجارة أو عمل باليد أم كان بالبحث في الأرض وإلقاء الحب ورجاء الثمار من الرب، فللفقير قدر معلوم في كل هذا، وفي كل شيء صدقة؛ في المال المكسوب بالجهد صدقة، وفي المال الذي يخرج من الأرض صدقة، وفي العمل نفسه صدقة؛ فعلى الطبيب أن يجعل جزءًا من عمله صدقة بأن يداوي المرضى، وعلى المدرس أن يجعل جزءًا من عمله للصدقة بالإرشاد والتوجيه، وعلى الصانع أن يجعل جزءًا من عمله صدقة كالإسهام بعمله في بناء مسجد أو مستشفي أو نحوهما، وهكذا ففي الآية الكريمة إشارة إلى كل هذا. وبعض المفسرين لَا يقصر ما تخرجه الأرض على الزرع والشجر، والحشائش التي يتغذى منها ذات الضرع وذات الحافر، بل يتجاوز إلى ما يكون في باطن

стр. 1250

الأرض من معادن وفلزات، وسواء مما تقوم عليها الثروات عند بعض الأمم، ومما صار أساس العمران في عصرنا الحاضر؛ فإن أولئك المفسرين الأجلاء أدخلوا ذلك في عموم قوله تعالى: (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ) وإن ذلك صادق بلا ريب، وهو نظر مستقيم. وقد يقول قائل: إن ذلك مودع باطن الأرض، ولم يخرجه الله إلى ظاهرها، بل الإنسان هو الذي يخرجه، فنقول: ليس المراد بالإخراج هو هذا المظهر الحسي، بل المراد منه التكوين والإنشاء وظهور الأعراض التي تكون سبيلا لخروجه، فيشمل الإخراج ذلك كما يشمل تكوين الزرع بخروج البذرة من باطن الأرض؛ فإن كليهما يكونه الله تعالى ويظهره لعباده؛ هذا بعوده مستقيما يراه الحس بما يحمل من ثمر وما معه من غذاء، وذاك يظهر بأعراضه التي يعرفها الخبراء، وقد يظهر للحس ويبدو للنظر، كما يرى البترول طافيًا على الأرض في بعض البلدان، يعلن ما حوته في باطنها من عيون ثرَّة (١) تفيض به. وإن للفقير حقا في كل هذا، وقد اتفق علماء الإسلام على أن يكون للفقير حق معلوم فيما يوجد في باطن الأرض، وإن اختلفوا في مقدار ذلك على آراء فهو على أي حال لَا يخلو من إنفاق واجب فيه بقدر معلوم، أو بصدقة منثورة تقدرها الحاجة العامة. وفى الجملة إن على كل مؤمن صدقة يقدمها من طيب ماله أيا كانت مصادره وموارده، فهو خير ساقه الله إليه يجب أن يجعل للمحتاجين قدرًا فيها ليبارك الله تعالى له. (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) بعد أن أمر الله المؤمنين بأن يقصدوا في إنفاقهم إلى الطيب النفيس ينفقون منه،

стр. 1251

وقد فهم من ذلك الأمر ألا يقصدوا إلى الخبيث، أكد سبحانه ذلك الأمر والقصد إلى الطيب وعدم القصد إلى سواه، أكده بأمرين: أحدهما: هو النهي عن القصد إلى الخبيث في الإنفاق، فهو تكرار حسن أفاد توكيد الأمر بقصد الطيب، وأفاد أيضًا أن الصدقة المجزئة لصاحبها التي يثاب عليها والتي تنمو حتى تصير كالحبة التي فيها سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، هي التي تكون من الطيب لَا من الخبيث، فلا ثواب لمن ينفق يتحري الخبيث ينفق منه. ومعنى " لا تيمموا " لَا تقصدوا إلى الخبيث، فإن التيمم معناه في الأصل اللغوي القصد، ويقال يممت جهة كذا أو نحو كذا قصدتها، كذلك تيممت أي قصدت والمعنى: لَا تتحروا أن تكون صدقتكم من الخبيث أي الرديء. وهذا يستفاد منه أن الإنفاق بالنسبة للمال الذي يؤخذ منه ثلاث مراتب: المرتبة الأولى وهي أعلاها وأزكاها عند الله، هي أن يقصد إلى الطيب فينفق منه، وهذا هو الذي يليق بالمؤمن، وقد دعا إليه الله بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا أَنفِقوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتمْ) والمرتبة الثانية: أن ينفق من ماله فيأخذ منه اعتباطا، غير قاصد إلى جيد أو رديء، فيعطي منه من غير تحر لأحدهما، وهذه دون الأولى بلا شك، ولصاحبها قصد الخير؛ لأنه يشطر من ماله شطرًا. والمرتبة الثالثة، وهي الدنيا: أن يقصد إلى الرديء لينفق منه، وهي موضع النهي، وإذا كان منهيًّا عنها فهي إثم وغير مقبولة عند الله، وهي تكشف عن شح النفس وفساد القلب. هذا هو الأمر الأول الذي تأكد به طلب الإنفاق من الطيب النفيس. أما الأمر الثاني: فهو قوله تعالى: (وَلَسْتم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ) أي أنتم تقصدون إلى الإنفاق من الخبيث غير الجيد رذالة المال، مع أنكم لَا تأخذونه إن أُعطي إليكم هبة أو شراء أو غير ذلك إلا أن تغمضوا فيه، أي تتغافلوا عن ملاحظته وتتساهلوا في قبوله؛ وإن ذلك غير عدل إن أنفقتم المال وأعطيتموه للفقراء والمساكين تحريتم الرديء، وإن طلبتم المال وأردتم أخذه لَا تأخذوا خبيثًا إلا إذا أغمضتم عن عيوبه قاصدين الإغماض، وفي ذلك تنبيه إلى أن يضع الرجل في أعماله مقياسا

стр. 1252

ضابطا، وهو ألا يفعل لغيره إلا ما يحب أن يفعله لنفسه، ولا يعطي من شيء إلا ما يحب أن يعطي إليه، وهذا قانون ضابط يحمل المرء على الاستقامة في كل ما يفعل، وهو ما يرمي إليه الحديث الصحيح: " عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به " (١) فكذلك لَا تعط من المال في إنفاقك إلا ما تقبله طيب النفس إن أخذته في شراء أو هبة أو غيرهما. وهنا مبحثان لفظيان: أولهما: في معنى الإغماض في قوله تعالى: (إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ) فقد قال بعض العلماء: إنه من قبيل أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه، فالإغماض هنا بمعنى الإغضاء، وهذا يتلاقى مع من يقول إن معنى الإغماض ألا يتحري الفحص تسامحا أو تساهلا، وقيل: إن معنى الإغماض أن يأخذ زيادة في نظير هذا الرديء، فهو يأخذه مضاعفا، فإنه يقال لغة أغمض لي فيما بعتني أي أعطني زيادة، وكأن المعنى: إنكم لَا تأخذون الرديء إلا متساهلين مغضين مغمضين أعينكم عن الفحص، أو تأخذونه في نظير زيادة. وثانيهما: قوله تعالى: (وَلا تَيَمَمُوا الْخَبِيثَ منْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بآخذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ) يقف بعض القراء على قوله تعالى: (تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) ثم يبتدئ بقوله تعالى: (مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيه) ويكون التخريج على هذه القراءة أن قوله تعالى: (مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ) في مقام تأكيد النهي وإردافه بما هو في معنى التوبيخ، أي لَا تقصدوا إلى الخبيث مع أنكم تنفقون منه، ولا تأخذونه في ديونكم، ففي ديون الله تعالى تتحرون الرديء وفي ديونكم تتحرون الجيد! وليس ذلك من العدل في شيء.

стр. 1253

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) ختم الآية بهذه الجملة السامية، وهي تتضمن التذكير بالله تعالى ذي الجلال والإكرام، وإشعارهم برقابته على أفعالهم وصدقاتهم، ولذا ذكر لفظ الجلالة الذي يربي المهابة وخشيته سبحانه في النفوس؛ لأنه المعبود وحده، المسيطر على كل ما في الوجود وحده، وقد تضمنت الجملة وصف الله بوصفين كريمين مناسبين: أولهما: وصفه بأنه سبحانه غني، فمن يعطي الفقراء فهو يقرض غنيًا يضاعف ما أقرض عند العطاء، وهو غني فلا يقبل إلا الجيد الذي يقدم بنفس سمحة، وبقلب مطمئن ممن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وهو الحميد، أي الذي يستحق أن يحمد، ولا يحمد سواه؛ لأنه المعطي الوهاب؛ فهو الذي وهب الغني غناه، واختبر الفقير بفقره، وكان حقا على من أعطاه أن يحمده، والحمد أن يجود من ماله سمحًا في جوده، قاصدا إلى الطيب من ماله يجود به، فإن خالف ذلك فقد أخطأ مرتين: مرة لأنه لم يقرض الله قرضا حسنًا، وهو الغني المعطي، ومرة ثانية؛ لأنه أخل بواجب الحمد، فالاعتراف بالنعمة للمنعم كان يوجب عليه أن يعطي خير ما في يده، ورجاء الثواب، ورجاء دوام هذه النعمة، كان يوجب عليه مضاعفة العطاء، لَا تحري البخس منه. * * *

стр. 1254

(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ... (٢٦٨) في هذه الجملة يبين بواعث الشر الكامنة في نفس الإنسان، فالشيطان يجري في عروقه مجرى الدم، وهو يوسوس للإنسان بالشر، فإذا تقدم لينفق في سبيل الله، وإعلاء شأن الحق، أو سد حاجة المعوزين من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، وسوس إليه بأن ذلك سبيل نفاد المال، وأنه إذا ذهب ماله، ضاع وهانت حاله، ويوسوس له بذلك، فيحجم بعد إقدام، وإن أقدم فليعط قليلا من المال، أو ليتخير الحشف (١) من ماله. هذه وسوسة الشيطان، وهذا مغزى قوله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) أي يوعدكم إذا أنفقتم بالفقر، ويحذركم من الصدقة بما يوسوس بذلك في أنفسكم؛

стр. 1255

وفى هذا الكلام عبر سبحانه عن التهديد بوعد، وهو المشهور في لغة القرآن، وقد تستعمل أوعد في الشر والخير معًا، وإن كل بخيل تحدثه نفسه بخوف الفقر عند الإنفاق، وهذا الحديث هو حديث الشيطان؛ ولذا قيل: الناس من خوف الفقر في فقر. (وَيَأمُرُكم بِالْفَحْشَاءِ) أي يغري نفس المؤمن بالفحشاء، ويستمر في إغرائها حتى تطيعه وتخضع خضوع المأمور للآمر. والفحشاء قال بعض العلماء: إن المراد بها المعاصي التي تردي النفس الإنسانية، من مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ واقترانها بالوعد من الشيطان بالفقر، ليدفع الإنسان تلك الوسوسة عن نفسه " وبذلك يشير المولى الحكيم إلى أن وسوسة الشيطان للإنسان بتخويفه بالفقر هي من قبيل وسوسته بالفحشاء والمعاصي المنكرة القبيحة، وإن الممتنع عن الإنفاق في موطنه كمن يرتكب أفحش الفواحش، وينتهك الحرمات، لأنَّ امتناعه عن العطاء وقت لزومه يؤدي إلى انتهاك الحرمات، وارتكاب المعاصي؛ إذ ينقلب الفقير هادمًا مخربًا، فترتكب أبلغ المحرمات إيغالا في الشر، وقد يكون في ترك الإنفاق تعريض البلاد للخراب والدمار، وفي ذلك نشر للفساد، وتعريض البلاد لأن تنتهك فيها الحرمات، وترتكب فيها أشنع الموبقات، وهل بعد الذلة خير يرتجى وشر يدفع؟ هذا قول بعض العلماء في معنى الفحشاء هنا وتوجيهه، وهو تفسير للكلمة بمعناها الشائع في استعمال القرآن الكريم، وقد فسر الزمخشري هنا الفحشاء بالبخل الشديد؛ فإن كلمة الفاحش تطلق في لغة العرب على البخيل الشديد البخل، ومن ذلك قول طَرَفَةَ بن العبد: أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد (١) فالفاحش هنا المراد به البخيل. ويكون توجيه الكلام على هذا المعنى، أن الشيطان يوسوس في نفس الغني، يخوِّفه بالفقر، حتى إذا استمكن من نفسه وسيطر عليها في هذا وجَّهه إلى طريق

стр. 1256

البخل الشديد فاتجه وأطاعه كما يطيع المأمور الآمر، ويصير سَيِّقَة في يده يسوقه حيث يشاء. ولقد قال ﷺ : " إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، ثُمَّ قَرَأَ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالفَحْشَاءِ﴾ الآية (١). هذه وسوسة الشيطان، وتلك خاطرة النفسِ الملكية، وقد ذكر سبحانه أمره في مقابل وسوسة الشيطان فقال: (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا). صدَّر سبحانه القول بلفظ الجلالة للإشارة إلى أن الوعد الذي وعد به المنفقين وعد حق، لَا يمكن أن يجيء الشك في صدقه؛ لأنه وعد الله ذي الجلال والإكرام المعبود بحق، الذي لَا يستحق العبادة سواه عن الشريك والمثيل، وإذا كان الشيطان يهدد بالفقر عند العطاء، فالولي تعالت حكمته يعد المنفق بأمرين: أولهما المغفرة، وثانيهما الفضل، وهو الزيادة في الدنيا والآخرة. فأما المغفرة، فلأن الصدقة التي يقصد بها وجه الله تعالى لَا لأحد سواه، وليس فيها رياء ولا نفاق، ولم يعقبها مَنٌّ ولا أذى، تدل على نفس صافية خالصة مخلصة، متجهة إلى الله تعالى منصرفة، فإن كان منها في ماضيها ما يؤاخذ المرء عليه، فإن الله تعالى يغفر له، ويتوب عليه، ولقد قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ... )، وقال ﷺ : " الصدقة تطفئ الخطيئة " (٢) ولأن النفس تكون صافية إذا كانت الصدقة على هذا الوجه، قال الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا. . .)، فالصدقة التي تؤدى ابتغاء وجه الله تعالى تطهر النفس كما تطهر المال، وتوجه النفس نحو الخير، كما تنمي المال.

стр. 1257

هذه هي المغفرة التي يعد الله بها، وأما الفضل وهو النماء والزيادة فإن ذلك يتحقق بالصدقات؛ لأنها تُحدث البركة في الرزق فيكون القليل في يد المتصدق كثيرًا بتوفيق الله تعالى، وبتوجيه من الله تعالى إلى السبل الناجحة، وإبعاده عما يذهب فيه المال ضياعًا، وإن الفضل يتحقق بسيادة المرء على نفسه، ومن ساد على نفسه فقد ساد على غيره، والمنفق يغالب الأهواء فينتصر، فيشرف في نفسه، ويشرف أمام الناس؛ ثم إن الله سبحانه مخلف الرزق في الدنيا بالتيسير والتسهيل والرزق الوفير، وفي الآخرة بالنعيم المقيم؛ ولقد قال تعالى: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يخْلِفُهُ وَهوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)، وقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: " ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفًا " (١) وإن ذلك مشاهد محسوس بين الناس اليوم، فإن الممسك إن لم يتلف ماله تلف جسمه، فإن لم يتلف جسمه تلفت نفسه، أو شرفه، وتقطعت صلات المودة بينه وبين الناس حتى أقرب الناس إليه. (وَاللَّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ) ختم الله هذه الآية بتلك الجملة السامية تأكيدًا لوعده الذي وعد به عباده المتقين المتصدقين؛ فإنه قد وعدهم بأن يعطيهم من فضله، فبين أنه واسع المغفرة، واسع الفضل، يعطي من يشاء؛ فإذا كان هو الذي أعطى الغني من فضله ابتداءً، فهو الذي يمده إن تصدق بفضله أيضًا، وهو مع سعة فضله ومغفرته عليم بموضع المغفرة وموضع الفضل، وهو الصادق فيما يعد، يعلم نتيجة العطاء، وأنها لَا تنتج فقرًا كما يوسوس الشيطان، بل يعلم الغيب، وقد أكنَّ في قدره أنها تنتج مغفرة وفضلا، فصدِّقوا أيها المنفقون من يعلم الغيب، ولا تسيروا وراء وسوسة الشيطان الرجيم. * * *

стр. 1258

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩) وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) * * * بعد أن بيَّن نوازع الشر في نفس الإنسان وإلهام الله له بالخير، وأن الشيطان يعد بالفقر ويحرِّض على الفحشاء والبخل، وأن الله يعد بالمغفرة والفضل، بعد ذلك بيَّن أن الحكمة في أن يجيب داعي الله، وأن هذه الحكمة إنما هي من الله وأن من نالها فقد أعطاه الله خيرًا كثيرًا. وأصل الحكمة مأخوذ من حكَم بمعنى منع، وهي في الإنسانية صفة نفسية هي أساس المعرفة الصحيحة التي تصيب الحق، وتوجه الإنسان نحو عمل الخير، وتمنعه من عمل الشر، فهي فيه مانعة ضابطة حاكمة للنفس مسيرة لها نحو الكمال. ولقد قال الراغب الأصفهاني في معنى الحكمة: " الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، والحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله : (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ. . .)، ونبه على جملتها بما وصفه بهأ، والمعاني التي أشار إليها الراغب هي في قوله تعالى: (. . . أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)، إلى آخر الآيات التي تدل على معرفته للحق وإدراكه له وإيمانه به، وعمله على منهاج ما علم وإرشاده الناس إلى فعل الخير. فالحكمة إذن في حقيقتها تتضمن معاني العلم الصائب والإيمان بالحق والإذعان له وطلبه، والعمل على وفق ما علم، وإرشاد الناس إلى المنهاج المستقيم؛

стр. 1259

ولذا قال الله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ... )، وقال النبي ﷺ : " لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها " (١). وقد يقول قائل: ما موضع هذه الآية من آيات الصدقات؛ فنقول: إن الله أشار إلى أن المنفق عليه أن يستولي على نفسه، وأن يدفع دواعي الشر، ويحمي قلبه منها، وأن يجيب نداء الله تعالى؛ وفي هذه الآية أن تلك هي الحكمة، فالحكمة في ضبط النفس، ومنعها من أهوائها والسيطرة عليها، وإطاعة الله تعالى. ومن الناس من يحسب الحرص والضنَّ بالمال حكمة، ويدَّعي أن ذلك من الاقتصاد، وأن الإنفاق إسراف، فأشار سبحانه أن التصدق هو الحكمة، بذكر آية الحكمة في آيات الصدقة. وإن الحكمة نور يقذفه الله في قلب المؤمن الذي يطلب الحق ويتجه إليه ويقصده؛ فإنه إن استولى على نفسه وطلب مرضاة الله تعالى آتاه الله نورًا به يبصر الحق، فأشرق في قلبه الإيمان به فاندفع إلى العمل الصالح، إذ إن الاتجاه المستقيم، بقلب مخلص سليم، يكون معه نور الحكمة، إذ يقذف الله به في قلبه، فيكون الفكر المستقيم الذي يصيب الحق، ويكون القلب الذي يؤمن به، ويكون العمل النافع؛ ولذا يقول بعض العلماء: إن الحكمة هي العلم النافع الذي يكون معه العمل. هذا معنى قوله تعالى:

стр. 1260

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ) فالمعطي للحكمة هو الله، ولكنه العليم بكل شيء يضع الأمور في مواضعها، فهو لَا يعطيها إلا لمن يخلص قلبه، ويسلم وجهه، وإن كان كل شيء بمشيئته سبحانه، إنه على ما يشاء قدير.

стр. 1261

والحكمة على هذا التوجيه هي علو بالإنسان، وسمو به، إذ إنه يخلص نفسه من الأهواء المردية، ومن الشهوات الجسدية الأرضية. ومن المأثور أن الإنسان فيه طبيعتان: طبيعة أرضية منها ينفذ الشيطان، وطبيعة ملكية بها سموه، ومن جانبها تنفذ دعوة الديَّان، فإن غلبت عليه طبيعته الأرضية غلبت عليه شقوته وكان شرًّا من الشيطان، وإن غلبت عليه الثانية سمت إنسانيته وكان أفضل منِ الملك، وتلك هي الحكمة، ولذا قال تعالى: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرَا كَثِيرًا). (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ) أي وما يتذكر ويعتبر بأوامر الله تعالى، ويستولي على نفسه ويحارب أهواءه حتى يقذف الله في قلبه بنور الحكمة إلا أولو الألباب، أي أصحاب العقول التي تصيب الحق وتدركه، وتتجه إليه غير متأشبة بلذة من لذات الجسد، أو شهوة من شهوات الدنيا المردية. فاللب معناه العقل، ولكنه لَا يستعمل في القرآن إلا في العقول المستقيمة المدركة التي تخلصت وسلمت من شوائب الهوى، ومعايب اللذات، فهي العقول المسيطرة التي تستخدم لطلب الحق وتوصل إليه، لَا العقول المسخرة للأهواء واللذائذ تتحكم فيها وتسيرها. وقد ختم الله الآية بذلك الختام الحكيم، للإشارة إلى أن الله سبحانه الذي يعطي حكمته من يشاء لَا يعطيها إلا للذين خلَّصوا قلوبهم من الفاسد والملاذِّ الأرضية، ولم يجعلوها حاكمة على قلوبهم، متحكمة في تفكيرهم. وللإشارة إلى أن الذين يجيبون داعي الله، ويردون داعي الشيطان هم ذوو العقول المستقيمة، فلا يتحكم الشيطان إلا في غفوة من غفوات العقل المدرك " وللحث على وجوب تذكر الله دائمًا، وأن على ذوي العقول أن يتجهوا بعقولهم دائمًا لله ليتذكروا ويعتبروا، ويستبصروا، فإنها لَا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، والله هو القادر على كل شيء الهادي إلى سواء السبيل. * * *

стр. 1262

(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ... (٢٧٠) * * * النفقة هي العطاء العاجل في باب من أبواب البر، فهي عطاء منجز، توجبه حاجة من يعطيه، أو حاجة الجماعة التي يعيش فيها، والضرورات الاجتماعية، أو السياسية أو العسكرية لها. أما النَّذْر فهو التزام طاعة من الطاعات، أو عطاء في بر. ويقول الراغب: النَّذْر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر، يقال نذرت قال تعالى: (إِنِي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ايوْمَ إِنسِيًّا)، وأصل مادة نذر من الخوف؛ لأن الإنسان إنما يلتزم ما يلتزمه على نفسه مما ليس بلازم عليه خوف التقصير وخوف أن تضعف الإرادة البشرية في القيام بذلك الفعل الذي ليس واجبًا في أصله. والصيغة المشهورة للنذر أن يقول: لله عليَّ نذر أو نذرت لله كذا، فهي في معناها تتضمن العهد الموثق لله. ومعنى الجملة السامية: ما أنفقتم من نفقة عاجلة وأديتموها، أو التزمتم بنفقة قابلة وعاهدتم الله على القيام بها، فإن الله تعالى يعلمه، فيعلم الباعث عليه أقصد ابتغاء مرضاة الله أم قصد به رئاء الناس، أو كان من الطيِّب الذي يقبله الله، أم تيمم الخبيث فلم يختر لله سواه، وأتبعه مَنًّا وأذى، وجرحًا للكرامة وعزة النفس، أم كان بطيب النفس، ومن غير ذل ولا امتهان؛ ثم يعلم سبحانه أَوَفَّى الناذر بنذره على الوجه الأكمل أم نكث عهده، وأبطل ذمته؟ يعلم الله ذلك كله، يعلمه علم القادر القائم على كل شيء، الذي يجازي المحسن إحسانًا والمسيء إساءة؛ فقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) مع إيجازها أفادت فوائد جمة: أفادت الوعد والوعيد، أفادت التبشير بالثواب والنعيم المقيم ورضوان الله تعالى، وأفادت الإنذار بالعقاب، لمن فسد قلبه، فلم يقصد بعطائه وجه الله تعالى، ولمن نقض عهده، وأخلَّ بذمته؛ ثم أفادت مع ذلك تربية المهابة في قلب المؤمن؛ فإن المؤمن إذا ذكر أن الله تعالى يعلم عمله، أحس برقابته في خلجات نفسه، وخصوصًا أن الجملة السامية: (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) صُدِّرت بما يؤكدها. وذكر العليم الحكيم بلفظ الجلالة الدال على الاستحقاق الكامل للألوهية، وانفراده بها، فإن ذلك كله من شأنه أن يجعل المؤمن يحس بمقام الألوهية،

стр. 1263

ويشعر بحق العبودية، فتخلص نيته، ويخلص قلبه من كل الشوائب والأغراض الدنيوية. (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ): ختم الله الآية الكريمة بهذه الجملة السامية التي تفيد النفي المطلق لنصرة الظالمين، ومعناها ليس للظالمين أي نصير في الدنيا والآخرة، وهي تؤكد الوعيد في الجملة السابقة، وتشير إلى أن الامتناع عن الإعطاء ظلم، وليس للظالم نصير؛ وأن الامتناع عن الإعطاء حقيقة هو ظلم، فهو ظلم للجماعة، لأنه منع صاحب الحق من حقه؛ لأن الله وهو أحكم الحاكمين حكم بأن للفقير في مال الغني حقا معلوما، ولا ظلم أفحش من أن يمنع صاحب الحق من حقه، ولأن الممتنع عن العطاء يظلم نفسه؛ لأنه يعرضها للهوان في الدنيا، ولعذاب الله في الآخرة، وهو يظلم نفسه وجماعته؛ إذ إن الجماعة التي يشح فيها الغنيُّ بالعطاء لإمداد الجند المدافع، ولإمداد الفقير وجعله يعيش عيشة آدمية محترمة - يبتليها الله تعالى ببلاء واقع ماله من دافع، لأن ذلك الفقير إذا جوَّعته كان أداة هدم للجماعة، فيكون الشُّذَّاب (١) الذين يبدلون أمن الجماعة خوفًا، ويكون المنحرفون في تفكيرهم ومنازعهم الذين يهدمون بناء الجماعة، ويقوضون كل قائم. ونفي الأنصار يشمل النفي في الدنيا والآخرة كما قررنا؛ أما نفيه في الآخرة فمعلوم ظاهر ثابت، ونفيه في الآخرة يدركه البصير النافذ البصيرة؛ فإن البخلاء بأموالهم عن مواطن الخير مبَغضُون إلى الناس، لَا يرضى عنهم أحد، ولا يناصرهم أحد بالقول أو العمل، وأحب الناس إلى الناس الباذل المعطي، وأبغضهم إليهم الشحيح المانع. والآية الكريمة تشير إلى أن الوفاء بالنذر مطلوب في العطاء؛ فإنه اقترن بالإنفاق المطلوب الذي حث عليه القرآن الكريم في الآيات السابقة، فكذلك ما اقترن به.

стр. 1264

وإنه من الحق علينا قبل أن ننتقل إلى تفسير الآية الآتية نتكلم في النذر: إن العلماء يقسمون النذر إلى قسمين: نذر مطلق هو التزام بطاعة غير معلق على زمن، ولم يكن المقصود منه الحض على فعل أو المنع من فعل، أو الامتناع عن فعل، أو توثيق فعل، كأن يقول القائل: لله عَلَيَّ نذر أن أعتكف في العشر الأخيرة من رمضان، أو: لله عَلَيَّ نذر أن أتصدق على الفقراء بعشرة جنيهات. فإن النذر في هذه الحال يجب الوفاء به ما دام طاعة باتفاق الفقهاء ويقسِّم الفخر الرازي في تفسيره الكبير هذا النذر إلى قسمين: مفسَّر وغير مفسَّر، فالمفسر أن يقول مثلا: لله عَلَيَّ حجٌّ، وهذا يلزم الوفاء به، وغير المفسَّر أن يقول: لله عَلَيَّ نذر، من غير أن يسمى النذر ويبينه فيلزمه فيه كفارة يمين لقوله ﷺ : " من نذر نذرًا وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذرًا ولم يسم فعليه كفارة يمين " (١). وهذا مذهب الشافعي، ويلحق بالنذر غير المفسر في المذهب الشافعي النذر الذي يكون في معناه تحريض على فعل، أو الامتناع من فعل، كأن يقول: نذرت لله ألا أفعل كذا ثم يفعله، فإنه يجب فيه كفارة يمين؛ لأنه في معنى اليمين. ولقد روى أن رسول الله ﷺ قال: " من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لَا يطيقه فكفارته كفارة يمين " (٢). هذا إذا كان النذر التزامًا مجردًا من غير تعليق أو تقييد بمكان؛ فقد اتفق الفقهاء على وجوب الوفاء به ما دام قربة، لقوله ﷺ : " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " (٣). ولقوله تعالى. (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ. . .)، فهو أمر حتمي لازم.

стр. 1265

أما إذا علق النذر على أمر سيقع في المستقبل كأن يقول: إن شفى الله مريضي مما ألم به فلله عليَّ نذر أن أتصدق بمائة جنيه مثلا، فقد اختلف الفقهاء فيه؛ فقال الحنفية فيجب الوفاء بشروط ثلاثة: ألا يكون معصية وألا يكون واجبًا، وأن يكون قربة بحيث يكون من جنسه واجب؛ فنذر المعصية باطل كما قدمنا، وكنص الحديث الذي ذكرناه؛ ونذر الواجب لَا جدوى فيه؛ لأنه واجب من تلقاء نفسه؛ أما نذر القُرَب التي من جنسها واجبات كالصدقات والصيام والحج فإن الوفاء به واجب، وهذا هو مذهب المالكية إلا أنه إذا كان النذر بجميع المال وجب الثلث فقط عندهم، إن لم يكن المال معينًا بالتعيين. والشافعي في قول اعتبر النذر المعلق على الشرط كاليمين تجب به كفارة، كأن يقول: إن شربتُ الدخان وجب عَلَيَّ كذا صدقة، فشرب، فإنه تجب كفارة يمين. ومذهب الإمام أحمد كما حققه العلامة ابن تيمية أن النذر المعلق على شرط إن قصد به التعليق حقيقة كـ: " إن جاء رمضان فلله عليَّ نذر أن أعتكف العشرة الأخيرة منه "، فهذا يجب الوفاء به، وإن كان المقصود به الحض على فعل أو الامتناع عن فعل، فإنه لَا يجب الوفاء به ولكن تجب كفارة يمين؛ لأنه حلف تجب فيه الكفارة. وقد اتفق العلماء على عدم وجوب الوفاء في نذر المعصية، لقوله ﷺ : " من نذر أن يعصي الله فلا يعصه " (١). وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لَا يجب شيء؛ ولكن قال أحمد: تجب كفارة يمين، للحديث الذي رواه أبو داود ونقلناه آنفًا؛ ففيه التصريح بأن نذر المعصية تجب فيه الكفارة ولأن منطق الحنابلة أن النذر الذي يكون فيه الحض على فعل أو منع فعل هو من قبيل اليمين، واليمين في المعاصي حكمها أنه يجب الحنث فيها، وتجب كفارة اليمين، لقوله ﷺ : " من حلف على شيء فرأى خيرًا منه فليحنث وليكفر " (٢).
следующие страницы →