← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

ولماذا قال سبحانه (مِنَ النَّاسِ) في قوله (الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) مع أنهم حتما من الناس؟ والجواب عن ذلك أن هذا للإشارة إلى أنهم ليسوا بأنبياء بل من الناس غير المبعوثين، وفي قرنهم بالأنبياء، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على الأنبياء إشارة إلى بيان منزلتهم، وأنهم يعملون عمل النبيين وأنهم حقيقة ورثة الأنبياء، بالقيام بحق هذا الواجب المقدس، فإن لم يقوموا بهذا الواجب فليس لهم من وراثة الأنبياء شيء. وقد ذكر سبحانه عقاب هؤلاء وهو العذاب الأليم، فقال تعالى: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي أن جزاءهم في الآخرة عذاب مؤلم ينزل بهم. وفى هذا الجزء من الآية بحثان لفظيان: أحدهما: دخول الفاء في خبر الذين وهو: (فَبَشِّرْهُم) وقد دخلت الفاء لأن الجملة طلبية، والجملة الطلبية تحتاج إلى الفاء لتصلح خبرا في كثير من الأحيان، ولأن الاسم الموصول في معنى الشرط، وخبره في معنى الجواب، وإذا كان الجواب جملة طلبية فإن الفاء تدخله. والثاني: هو في التعبير بقوله تعالى عن العذاب: (فَبَشِّرْهُم) مع أن البشارة لَا تكون إلا في الأخبار السارة، لأن البشارة والبشرى الخبر السارّ الذي تنبسط له بشرة الوجه، والجواب عن ذلك أن هذا التعبير من قبيل التهكم؛ وذلك لأن هؤلاء الضالين من بني إسرائيل وغيرهم مع أنهم جحدوا، وفعلوا بالأنبياء ودعاة الحق ما فعلوا، وكانوا يقولون: نحنُ أبناءُ اللهِ وأحباؤه، وأن لهم البشرى بجنسهم لَا بعملهم، فالله يقول له: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي أن البشرى التي يرتقبونها بسبب المحبة التي يدعونها هي عذاب أليم وليست بنعيم مقيم، وليس هذا العذاب في الآخرِة فقط، بل إنه في الدنيا بفساد جماعتهم، ولذا قال سبحانه:

стр. 1437

(أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) * * * الإشارة إلى هؤلاء الذين يحاجون بالباطل، ولا يسلمون وجوههم لله، ولا يذعنون للحق، ويقتلون الأنبياء، ويقتلون دعاة الحق؛ هؤلاء بسبب هذه الصفات

стр. 1438

وهذه الأعمال حبطت أعمالهم، أي بطلت وأصبحت لَا تنتج إلا شرا لصاحبها، كالدابة التي تأكل شر الثمار حتى ينتفخ بطنها من سوء ما تأكل، وَحَبْطُ الأعمال أن لَا تنتج خيرا لصاحبها، وأن يكون الجزاء عليها شرا، وأن تكون نتيجتها سوءًا، فيحاسب الله الفاعلين على نياتهم التي طويت في صدورهم وعملوا الأعمال باسم الخير، وهي للشر، وأولئك الأشرار يبطل الله أعمالهم ويحبطها، فجزاؤها شر في الآخرة بعذاب أليم، وفي الدنيا بذهاب دولتهم وسلطانهم؛ لأن الإعراض عن الحق، ومعاقبة من ينطق بكلمة الحق، وقتل الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر، من شأنه أن يفسد الدولة، وإذا فسدت الجماعة ذهبت القوة، ولذا قال سبحانه: (وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ) أي ليس لهم أي ناصر، فالنفي المستغرق مع تأكيده بمن الزائدة، يفيد أنه لَا يمكن أن يكون لمن يقتل الداعي إلى الخير ناصر مطلقا؛ لأن الناس لَا يثقون به ويتقونه ولا يطمئنون إليه، ولا يمكن أن يعيش امرؤ هنيئا إلا بثقة من الناس. ولقد قال ﷺ : " خير الناس آمَرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم للرحم " (١). * * * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) * * *

стр. 1439

قد بين في الآيات السابقة عن ماضي اليهود من أهل الكتاب أنهم اختلفوا بغْيًا بينهم مع أن أسباب العلم متوافرة بين أيديهم، ولكن البغي ومجاوزة الحد إن سكنا في رءوس قوم أذهب عنهم الهداية، وتحكمت فيهم الغواية مهما تكن أسباب العلم قائمة؛ وبين سبحانه أيضا أنهم قوم غير مخلصين في طلب الحقيقة، وأنهم لو أخلصوا لوصلوا، وأن محاجتهم للنبي ﷺ منبعثة عن الهوى والغرض. وفي هذه الآيات يبين سبحانه صورة حسّية عن مناقشتهم للنبي ﷺ ؛ يكون الحق محسوسا بين أيديهم ويعرضون بعد أن تتبين الحجة ناصعة.

стр. 1440

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا هِّنَ الْكتَابِ يدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكمَ بَيْنَهُمْ) هذه الآية نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم النبي ﷺ إلى الدين الحق فأعرضوا، ودعاهم ليحكم بينهم كتاب الله فأعرضوا، ولكن ما كتاب الله الذي دعاهم إليه؛ روى في ذلك ابن جرير الطبري روايتين: إحداهما: أن المراد من كتاب الله التوراة، فهي في أصلها كتاب من عند الله، وإن حرفوه وغيروه؛ ويروى في ذلك أن النبي ﷺ دخل مَدْرَاسَ اليهود، وهو بيت تدارسهم، فدعاهم إلى الله، فقال قائلهم له: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم، فقال القائل: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال الرسول الكريم ﷺ : " هَلُمَّ إلى التوراة فهي بيننا وبينكم " هذه هي الرواية الأولى. وإطلاق كلمة (كِتَابِ اللَّهِ) على التوراة باعتبار أصلها، وباعتبار أن الجزء الذي كان التحاكم إليه فيها هو من الجزء الباقي الذي لم يدخله تحريف. والرواية الثانية: أن كتاب الله هو القرآن؛ وذلك لأن طائفة من اليهود تحاكموا إليه ﷺ ليحكم بينهم بحكم القرآن، فلما تبين لهم الحكم وأنه على غير هواهم أعرضوا وَنَأوْا بجانبهم عن سماع قول الحق والإنصات إليه.

стр. 1441

وأيامّا كان الكتاب المشار إليه في الآية فالأمر دليل على أنهم لَا يذعنون لحق ولا يهتدون بهدي، بل هم قوم غلبت شقوتهم، وغلب هواهم على تفكيرهم وطمس الله على أبصارهم وبصائرهم، فهم لَا يهتدون، ولا ترجى منهم هداية، فلا تعجب إذا لم يؤمنوا. وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ) هذا تعبير قرآني معناه لقد رأيت وتحققت وعجبت من أمر أولئك الذين أُوتُوا نصيبا من الكتاب كيف يدعون إلى حكم الحق فيتولون ويعرضون. والاستفهام داخل على الفعل المنفي، وهو استفهام إنكاري تعجبي، فهو نفي دخل على فعل منفي، ونفي النفي إثبات، إذ إن نفي عدم الرأي معناه ثبوت الرؤية، وسيق الكلام على ذلك النحو لتأكيد الأمر، وللتعجب، ولبيان أنه ما كان يصح أن يقع، ولكنه وقع. وقوله تعالى: (أُوتُوا نَصيبًا مِّنَ الْكِتَابِ) يشير إلى أمرين: أولهما: أنهم يتعلقون باسم الكتاب ولكن لَا يأخذون به؛ فالنصيب المراد به الجزء المعنوي من الكتاب، وهو أنهم تلقوا كتاب التوراة وأخذوا منه ترديده وذكره، ولم يأخذوا منه الهداية والإيمان. وثانيهما: أنهم حرفوا هذا الكتاب وغيروه، فما عندهم هو نصيب من الكتاب أي جزء منه، وليس كل الكتاب. وعبر هنا بقوله تعالى: (أُوتُوا نَصيبًا مِّنَ الْكِتَابِ) وفي الآيات السابقة قال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُم الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهمْ. . .)، وذلك لأن الكلام هنا في الذين كانوا يعاصرون النبي ﷺ ، والذين كانوا يعاصرون النبي ﷺ لم يكن عندهم قطعا إلا حظ من الكتاب، ولم يكن عندهم كل الكتاب؛ أما في الآيات السابقة فقد كان الكلام في الذين عاصروا النبيين السابقين من بني إسرائيل، وقد كان عندهم الكتاب كله، ومع

стр. 1442

ذلك ضلوا على علم، وذلك لسيطرة الهوى على قلوبهم، وغلبته على نفوسهم، فبغوا وطغوا، وقتلوا النبيين والذين يأمرون بالقسط من الناس. دُعِي أولئك اليهود إلى كتاب الله تعالى ليحكم بينهم، وقد كانت النتيجة أنهم لم يذعنوا للحق كما قررنا، بل تولوا عنه، أو تولى فريق منهم عن الحق؛ ولذا قال تعالى: (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ منْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ) أصل تولي الأمر أو الشخص الإقبال عليه، والانصراف إليه؛ ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ. . .)، أي من يتخذ منهم ولاية ونصرة، ويقبل عليهم فهو منهم. وإذا عُدِّي هذا الفعل بـ " عن " أو قُدرت في القول كانت بمعنى الانصراف عن الأمر وعدم الإقبال عليه؛ ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمًفْسِدِينَ)، وقوله تعالى: (وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ). والمعنى في هذه الآية هو من هذا القبيل، أي أنه بعد الدعوة إلى تحكيم كتاب الله تعالى ينصرفون عن الحق، ويولونه أدبارهم، بدل أن يولوه قلوبهم. وعبر هنا بِثُمَّ التي تفيد التراخي للإشارة إلى تباين حالهم مع ما كان ينبغي منهم؛ وذلك لأنهم ليسوا أمّيين أو جاهلين فيعذروا، بل هم قوم أهل علم ودين، ونزلت بين أيديهم كتب السماء، فهم كانوا جديرين بأن يرضوا بحكم الكتب المقدسة، ولكنهم بدل أن يخضعوا ويذعنوا أعرضوا، واستمروا في غيهم يعمهون، فكان هذا التفاوت بين ما كان ينبغي، وما هو كائن، سببا في التعبير بثم المفيدة للتراخي بين المعطوف والمعطوف عليه، والتباعد بينهما زمانا أو معنى. وقوله تعالى: (وَهُم مُّعْرِضُونَ) قال بعض المفسرين: إنه تأكيد لمعنى التولي، والحق أنها أفادت معنى جديدا، إذ أفادت أمرين:

стр. 1443

أولهما: أن حال هؤلاء الناس حال إعراض دائم عن الحق، فليس توليهم إذ دعوتهم إلى أن يحكم كتاب الله بينهم أمر عارض لحال وقتية اقتضته، بل الإعراض صفة مستمرة لفريق منهم لَا تنفصل دائما عن تفكيرهم. الأمر الثاني: أن تلك الحال المستمرة الدائمة من الإعراض هي سبب توليهم عن الحق عندما يدعون إلى كتاب الله تعالى ليحكم بينهم. والقرآن الكريم ينصف الحق في أخباره، كما هو الحق في ذاته؛ ولذلك لم يعمم الحكم على كل الذين أوتوا الكتاب بل قرر أن التولي كان من فريق منهم، ولم يكن من كلهم، وهذا كقوله تعالى: (مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ منْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ). * * *

стр. 1444

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ... (٢٤) * * * في هذه الآية يبين سبحانه السبب في أنهم لَا يقبلون على الخير ولا يعملون بالحق، وهو اعتقاد أنهم لن يعاقبوا عقابا أليما، ولن يعذبوا عذابا شديدا؛ وذلك لما ركز في نفوسهم من أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم شعب الله المختار، وأنهم لَا يحاسبون إلا بمقدار ما يحاسب الأب ولده المدلل، وحبيبه المختار، إذا رأى مخالفة أو عنادا فإنه لَا يجافيه ولا يعاقبه، ولكن يقربه ويعاتبه، فمعنى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ): ذلك الإعراض عن الحق، والتولي عن الداعي إليه، واللجاجة في الباطل؛ بسبب أنهم يقولون لن تمسنا النار إلا أياما معدودات. وليس المراد إحصاء الأيام، بل المراد الاستخفاف بالعقاب والاستهانة به، وعدم الالتفات إلى وعيد الله، وزعمهم الباطل أنهم ينالون ما وعد به من ثواب ونعيم مقيم من غير عمل يعملونه، ولا كسب يكسبونه، فهم بهذا قد استناموا إلى الأماني وغرتهم الأوهام. ولماذا كان الاستخفاف بالعقاب وعدم الاهتمام بالوعيد سببا في الإعراض عن الحق؟ الجواب عن ذلك أن الحق يصل إليه المؤمن بأحد أمور ثلاثة: إما بإشراق النفس، واستقامة القلب، وسلامة الفكر من الهوى والغرض، وذلك شأن من زكت نفوسهم وعلت قلوبهم؛ وإما شكر للنعمة، ووفاء لحق المنعم، وذلك

стр. 1445

شأن عباد الله الأخيار، وإما خوف العقاب والحساب، وذلك شأن المتقين وأولئك قد حرموا الأول والثاني، فلم يبق إلا الثالث، فاستهانوا بالعقاب فكانوا قوما بُورا. وإن المؤمن يجب أن يصون نفسه دائما بخوف العقاب، وأن يغلب الخوف على الرجاء، فإنه إن زاد الرجاء عن الخوف تسربت الاستهانة إلى النفس وإذا تسربت الاستهانة هانت النفس فأركست في السيئات، وارتكبت الموبقات، وذلك شأن كثيرين من المنتسبين للأديان، وشأن كثيرين من المسلمين في هذه الأيام. وإنه يجب على المؤمن ألا يغتر، ولا يأخذه الغرور فيستهين بعقاب. ولقد رد الله في غير هذه الآية على اليهود في زعمهم أنهم لَا يعاقبون إلا أياما معدودة، فقد قال الله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢). (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانوا يَفْتَرُونَ) يقال غررت فلانا أي أصبت غرته ونلت منه ما أريد بسبب ذلك، والغرة: الغفلة والغفوة. ومعنى (وَغَرَّهمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ): أصاب موضع الغرة والغفلة منهم في دينهم ما كانوا يفترون أي يكذبونه متعمدين قاصدين. وإن الأوهام التي ترد على النفس وتستولي على القلب تدفع إلى الضلال، وكذلك شأن هؤلاء اليهود: تعصبوا تعصبا شديدا لدينهم، وأبغضوا غيرهم بغضا شديدا، حتى إنه لَا يتصور أن يهوديا أحب غير يهودي لغير مأرب من مآرب الدنيا، أو غاية من غاياتها، وحتى لقد حسبوا أن الديانة جنس، واندفعوا تحت تأثير ذلك التعصب إلى اعتقاد أوهام، ثم تأييد هذه الأوهام بأكاذيب افتروها، ثم تكاثفت تلك الأكاذيب جيلا بعد جيل، حتى أصابت غرة وغفلة في عقولهم، فاعتقدوا ما لَا يعتقد؛ اعتقدوا أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، واعتقدوا أن الجزاء بالجنس لَا بالعمل، وهذا ما يفيده قوله تعالى: (وَغَرَّهُمْ فِي

стр. 1446

دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي ما استمروا على افترائه جيلا بعد جيل. ولقد رد الله زعمهم بإثبات أن الثواب والعقاب بالعمل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولذا قال سبحانه: * * *

стр. 1447

(فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) * * * كيف: يستفهم بها عن الحال، أي ما حالهم وما شأنهم إذا جمعهم الله رب العالمين، ليوم لَا ريب فيه؛ لَا شك أنهم يفاجأون بذهاب غرورهم الذي اغتروه، وضلالهم بسبب استمرار افترائهم الذي أحدثوه فدلاهم في غرورهم؛ وإنه في هذا اليوم الذي لَا ريب فيه توفى كل نفس ما كسبت أي جزاء ما كسبت، وهم لَا يظلمون أي لَا ينقصون مما فعلوه شيئا، فسيجزون بالخير الحسنى، وبالشر السوءى. وفى الآية الكريمة بعض البحوث اللفظية نشير إليها واحدا واحدا؛ لأن في بيانها توجيها إلى معانٍ دقيقة في النص الكريم: أول هذه الأمور: الفاء في قوله تعالى: (فَكَيْف) فإنها هي ما تسمى فاء الإفصاح، وهي التي تفصح عن شرط مقدر، أي أنه إذا كانت العقوبة المقررة عليكم أياما معدودات في اعتقادكم مهما ارتكبتم، فماذا تكون حالكم إذا كانت المفاجأة التي لم تقدروها وطُمس عليكم فلم تعلموها؟. وثاني هذه المباحث اللفظية قوله تعالى: (جَمَعناهُمْ) فإن التعبير بلفظ الجمع فيه إشارة إلى معنى المساواة التامة، وأنه لَا فضل لجنس على جنس، وإضافة هذا الجمع إلى رب العالمين، خالق الناس أجمعين يزكي هذه المساواة؛ لأنه خالق الجميع، ورب الجميع، وجامع الجميع يوم القيامة، فالجميع بين يديه سواء في الأصل والتكوين وفي الربوبية والحفظ، وفي الجمع يوم القيامة فيكونون سواء في الحساب والعقاب والثواب، وكل وعمله. وثالث هذه الأمور: تنكير " يوم " في قوله تعالى: (لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) فإن ذلك التنكير للتهويل، وبيان عظم شأنه وأنه يوم عبوس، وأنه مع شدته وشدة

стр. 1448

الحساب لَا ريب في وجوده ولا شك وذكر قوله (لا رَيْبَ فِيهِ) في هذا المقام لأن من اليهود طائفة تنكر البعث، فالتأكيد لأجل هذه الطائفة المنكرة الملحدة في دين الله، الخارجة على كل أديان السماء، والباقون إن اعتقدوا بعقولهم لم يذعنوا بأفعالهم. ورابع هذه المباحث اللفظية في التعبير بقوله تعالى: (وُفِيَتْ كلُّ نَفْسٍ ما كسَبَتْ) إسناد التوفية إلى ما كسبت وعدم ذكر الجزاء، فيه إشارة إلى عدل الله اللطيف الخبير، وهو مساواة الجزاء للعمل، وكأن المثاب يُوفَى عمله، لَا جزاء عمله، وذلك لشدة المساواة بينهما. وقد أكد معنى العدالة وأن كل شيء بالقسطاس المستقيم بقوله: (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي سيجزون بأعمالهم، وسينالون ما يستحقون، وكل ما ينالهم بسبب ما فعلوا هو العدل عينه، ولا ظلم، فإذا ألقوا في السعير فليس في ذلك ظلم بل هو العدل. وإن سبب ضلال اليهود أنهم زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا. فاللهم أرنا عيوب أنفسنا، وجنِّبنا الاغترار في ديننا، إنك سميع الدعاء. * * * (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) * * * بين اعتزاز المشركين بقوتهم الدنيوية وغلبهم وسلطانهم، وذكر أنهم في غرورهم كفرعون ذي الأوتاد، واعتزازه بقهره لشعبه، وطغيانه في

стр. 1449

ملكه؛ إذ يقول: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١). ثم أشار سبحانه إلى طغيان أهل الكتاب، واختلافهم على النبيين، وقتلهم بعض الأنبياء، وقتلهم الذين يأمرون بالقسط من الناس، وما كان ذلك الإعراض عن الحق بعد أن تبين لهم إلا لأن حُب السلطان والغلب قد استولى عليهم واستغرق نفوسهم، ولذلك كانوا إذا حاجّهم النبي ﷺ أو حاجّوه نظروا في محاجتهم إلى الأمر من وراء ذلك الغرض، وتلك الشهوة؛ وقد أمر الله سبحانه نبيه بأن يقابل هواهم بإعلان إخلاصه في طلب الحق، وإسلامه وجهه لله سبحانه! وفي هذه الآية:

стр. 1450

(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ) إشارة إلى أن الإخلاص للذات العلية، وطلب الحق إرضاء لله، لَا لأحد سواه، فيه اتجاه إلى مالك الملك الذي يؤتي الملك من يشاء، فالإخلاص للحق ﷻ ، يؤدي إلى السلطان الحق من مالك الملك. (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ) الأمر للنبي ﷺ ، ولكل قارئ للقرآن الكريم مؤمن بالله مذعن للحق، أن يضرع إلى الله تعالى ناطقا بهذه الحقيقة؛ فإنها الحق في هذا الوجود، ولا يعرف مؤمن سواها؛ والمعنى في هذا الدعاء الكريم الضراعة إلى الله تعالى ونداؤه بأنه مالك السلطان المطلق في هذا الوجود، فليس فقط صاحب السلطان، بل إنه يملك ذات السلطان، يؤتيه ويعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء؛ أي يسلبه ممن يشاء ممن يكون السلطان في يده. والملك هنا هو السلطان، وفسره بعضهم بالنبوة، وعبر عن النبوة بالملك عند هؤلاء باعتبار أن الملك الحق لازم من لوازمها؛ ولذا قال سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّه مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا)، والظاهر أن المراد هو السلطان. وقوله تعالى: (اللَّهُمَّ) نداء إلى الذات العلية بلفظ الجلالة، والميم المشددة في الآخر قائمة مقام حرف النداء على ما قال الخليل وسيبويه. وقال بعض الكوفيين: إن الميم المشددة هي " أمَّ " بمعنى قصد، أي أقصدك يا مولاي بضراعتي، وأنت صاحب السلطان.

стр. 1451

ولكن خطَّأَ ذلك النظر الزجاج، وقرر أن معنى القصد ثابت بمجرد الالتجاء والدعاء. وفوله: (مَالِكَ الْمُلْكِ) نداء آخر وضراعة على تقدير أداة النداء، أي يا مالك الملك، فكأن في النص دعاءين: دعاء للذات العلية بلفظ الجلالة، وقد اشتمل على كل معاني العبودية، والتنزيه والتقديس، والخضوع التام، والتسليم لله بكل معاني الألوهية؛ والدعاء الثاني لمالك الملك، وفيه كل معاني الإحساس بالربوبية، والضعف أمام جبروت الله وملكوته. وقلنا إن قوله تعالى: (مَالِكَ الْمُلْكِ) أبلغ من صاحب الملك أو صاحب السلطان؛ لأن من يملك شأن أمة لَا يملك مُلكها، ولكنه يستولي على ملكها ويده فيها ليست يدَ مِلك ولكنها يدٌ عارية؛ أما سلطان الله تعالى ذي الملكوت فسلطان مالك متصرف في السلطان، يعطيه من يشاء عطاء عارية، ويمنعه ممن يشاء، ويسترد عاريته ممن يشاء؛ ولذلك قال : (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ). وهنا أمران لابد من الإشارة إليهما: أولهما: التعبير عن إزالة الملك بقوله تعالى: (وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ) فالتعبير بالنزع مع تكرار كلمة ملك، فيه إشارة إلى أنه يأخذه منه بعد أن استقر فيه وثبت له وظن أنه لَا مزيل لسلطانه، فيأتيه الله من حيث لَا يحتسب، ويأخذ ملكه أخذ عزيزٍ مقتدر ثم إن في النزع إشارة إلى أن من يؤتى سلطانا يطغى فيه ويبغي ولا يسير بسنة الحق والعدل لَا يتركه طائعًا، بل لابد أن يُمكِّن الله منه من ينزعه من يده، وقد يأخذه منه من كان يأتمنه " ومِنْ مَأمَنِه يُؤتي الحَذِر ". وفي كثير من الأحيان يكون السبب في زواله هو من كان السبب في طغيانه. الأمر الثاني الذي تجب الإشارة إليه: أن الله بمقتضى حكمته وما سَنَّ من نظم في هذا الوجود، وما تسير عليه أعماله في خلفه، لَا يعطي الملك إلا من يستحقه، ويأخذ بالأسباب العادلة في طلبه، ويقصد به رفعة قومه، ولا ينزعه إلا ممن يسيء ويطغى، ويفهم أن الملك متعة تشتهَى وليس تَبِعات

стр. 1452

تؤدى، فينزعه منه غيره، وكذلك سنة الله تعالى في الحكم بين الناس: من لا يسوس الملك يُخلَعه، ومن حل محله ينزل به ما نزل بسابقه إن سار سيرته. وكلمة " الملك " ليس المراد منها ما تعارفه الناس من الحكم بمقتضى الوراثة في أسرة، إنما المراد بالملك السلطانُ في هذه الأرض، سواء أكان سلطانا بالغَلب، أم كان سلطانا بالاختيار والانتخاب، أم كان سلطانا بالوراثة، وسواء أكان محدودا بجزء من الدولة، أم ناحية من نواحيها، أم كان عاما شاملا لكل أجزائها تجتمع في يد صاحبه كل السلُطات فيها، فكل هذا ملك لأنه سلطان. وقد ذكر سبحانه بعد ذكر الملك يعطيه من يشاء وينزعه ممن يشاء العزة، فقال: (وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ) العزة ليست مرادفة للسلطان، وإن كان الأصل في كلمة عَزَّ معناها غَلَبَ، ومن ذلك قوله تعالى: (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ)، ولكن العزة صارت تستعمل بعد ذلك في معنى نفسي، وهو عدم الخضوع إلا للحق، والتسامي عن الخضوع الذي ينافي المروءة والخلق الكريم، وقد يكون ذلك في ضعيف في بدنه مستضعف عند الناس، ما دام قد علا عن الخضوع إلا لذات الله تعالى، وإن صهيبا وآل ياسر، وخباب بن الأرتِّ وغيرهم، كانوا وهم المستضعفون في مكة الأعزاء في أنفسهم؛ لأنهم لم يجعلوا قلوبهم مراما للأقوياء، فلا عزة إلا مع الإيمان بالله وحده، والاعتماد عليه وحده؛ ولذلك لَا يكون المنافقون مهما يؤتوا من مال ونسب وسلطان إلا أذلاء. ولما قال المنافقون في شأن المؤمنين: (لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ منْهَا الأَذَلَّ. . .). نفَى عنهم العزة فقال سبحانه (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨). وكيف يكون المنافق عزيزا وهو الذي جعل نفسه وفكره ولسانه ملكا لغيره؛ فهو قد سلب كل شيء حتى قلبه ولسانه. ومشيئة الله تعالى في العزة والذلة تسير على مقتضى حكمته، فهو لَا يعطي العزة إلا لمن خلَّص قلبه من كل أدران الهوى والشهوة، فالشهوات مردية، ولا

стр. 1453

يكون عزيزا بين الناس من يكون عبد شهوته فإن العزة تبتدئ من النفس، فإن ضبَط المرء أهواءه وشهواته وسيطر عليها أعطاه العزة، فكان بين الناس عزيزا؛ ومن سيطرت عليه أهواؤه ومطامعه وشهواته كتب الله عليه الذلة، وكان الذليل وإن ظهر أنه العزيز، ولذا كان من حكمة السلف الصالح قولهم: " أذلَّ الحرص أعناقَ الرجال ". (بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هذا تسليم بأن ما يفعله الله تعالى دائما خير، وأن الخير كله بيده سبحانه وقوله تعالى: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) معناه إنك وحدك الذي تملك الخير كله، فـ " ال " في قوله " الخير " للاستغراق الشامل؛ فكل خير هو بيد الله سبحانه. والتعبير بـ " يد " هنا إشارة إلى الملكية التامة السيرة، فهو استعارة تمثيلية، فقد قرب سبحانه - ولله تعالى المثل الأعلى - لأذهاننا معنى سلطانه وكمال ملكه لكل الأمور، بحال من يكون الأمر في يده وقبضته، ولا سلطان لأحد من الناس فيما بيده، وفي قبضته. ومعنى قوله تعالى: (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) شمول قدرته على الأشياء كلها: ما يتخذه الناس سببا للخير عندهم، وما يتخذونه سببا للشر عندهم. وفي الجمع بين قوله تعالى: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) و (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إشارة إلى أمرين: أولهما: أن كل ما يفعله الله تعالى هو خير، فلا يقال إن بيده الخير والشر، فإن الشر معنى نسبي بالنسبة للعبيد، ولكن بالإضافة إلى الله تعالى فإن الله لايفعل إلا خيرا. ولقد قال الزمخشري في هذا المقام ما نصه: " إن كل أفعال الله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله كإيتاء الملك ونزعه ". الأمر الثاني: إثبات أن الله تعالى خالق الأسباب، وهي الأشياء التي يستخدمها الناس للخير والشر، يحسنون فلا يقصدون إلا النفع فيكون ما مكَّن الله لهم في الأرض نفعا للناس وخيرا، ويسيئون فيقصدون إلى نواحي الفساد فيكون ما يفعلونه فسادا وضررا عاما. وهذا أشار إليه سبحانه بقوله تعالى: (إِنَّكَ عَلَى

стр. 1454

كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكل ما في هذا الوجود من أشياء وأعمال ومخلوقات تحت قدرة الله، وكله خير بالنسبة له سبحانه، والشر والخير بالنسبة لمقاصد الناس، ولانتفاعهم بما مكَّن الله تعالى في هذه الأرض. وإنه يلاحظ دائما أن الشر نسبي للناس، ولا يصح أن يقال في فعل الله إلا أنه خير. ولقد بين سبحانه مظاهر قدرته في الكون المحسوس فقال سبحانه مبتدئا بآياته جل شأنه في الليل والنهار: * * *

стр. 1455

(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ... (٢٧) * * * هذا مظهر حسي لقدرة الله تعالى في هذا الكون. تولج معناها تُدخل، أي تدخل الليل في النهار وتدخل النهار في الليل. " وقد فسر بعض العلماء دخول الليل في النهار بزيادة الليل حتى يصل إلى أقصى الزيادة، وفي هذا الوقت ينقص النهار حتى يصل إلى أقصى النقصان، وكذلك دخول النهار في الليل فمعناه أن يأخذ النهار جزءا من معدل النسبة بينهما وهو تساويهما، فيدخل النهار في الليل. وفقد فسر الزمخشري مع كثير من المفسرين دخول الليل في النهار ودخول النهار في الليل بالتعاقب بينهما بأن يكون الوقت نهارا ثم يصير ليلا، ويكون ليلا ثم يصير نهارا، ولكن كيف نسمى ذلك التعاقب دخولا لليل في النهار، ودخولا للنهار في الليل؟ والجواب عن ذلك: أن الليل لَا ينقلب نهارا دفعة واحدة، بل إنه يدخل النهار في الليل شيئا فشيئا، فيبتدئ النور يدخل في الظلمة شيئا فشيئا، يبتدئ الفجر الكاذب فالصادق، فتنفس الصبح لحظة بعد لحظة، والنور يغزو الظلمة حتى تنجاب غياهبها، فيكون الضوء الساطع؛ وكذلك لَا يجيء الليل دفعة واحدة، بل يبتدئ الضوء يضعف من الأصيل حتى تجيء الغروب، ثم تجيء العشية، فيكون ظلام وتُمحى آية النهار. وإن توجيه الأنظار إلى دخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل، سواء أكان بالمعنى الأول أم كان بالمعنى الثاني، فيه توجيه الأذهان إلى عظمة الكون وكمال سلطانه فيه، فما كان تعاقب الليل والنهار وتداخلهما إلا ظاهرة لدوران الأرض حول الشمس، وحركة الفلك الدوار المستمرة الدائبة بقدرة

стр. 1456

الله تعالى وقيامه على كل شيء، وفي " الليل تبدو الكواكب والنجوم، وتظهر آيات ذلك النظام العجيب المحكم الذي يسيره سبحانه بقدرته وحكمته. (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَي) هذا مظهر كوني حسي يدل على عظيم قدرة الله، وبيان أنه لَا إرادة في هذا الكون غير إرادته، وأنه القادر على كل شيء، يخرج الضد من ضده، وهو المبدع لكليهما، المسير لهما؛ فالله سبحانه يخرج الحيَّ من الميت، ويجعل من هذا الحيّ الذي أخرجه ميتا؛ وإخراج الحيّ من الميت ليس هو الخلق الأول الذي ذرأ الله به الأحياء، وهو خلق آدم من طين، فإن الخلق غير الإخراج؛ إذ الخلق إبداع وإنشاء ابتداء، والله هو الخلاق العليم، ولا خالق سواه، والإخراج تحويل فيه معنى الاستخراج والتوليد؛ وإخراج الله الحيّ من الميت قال بعض العلماء وهم الأكثرون: إنه إخراج الجسم النامي الذي يسير في مدارج الحياة، من الجسم الجاف الذي لَا تبدو فيه حياة، كإخراج الشجرة من النواة، والعود من البذرة؛ وإخراجُ الميت من الحي هو أيضا إخراج النواة الصلبة من الجسم الحيّ النامي، وإخراج البذرة الجافة من العود الحي الرطب. وقد يعترض على ذلك بأن النواة الجافة والبذرة الصلبة فيها حياة تولدت عنها تلك الحياة المحسوسة للنبات، وكذلك النطفة التي تبدو سائلا ليس فيه حياة فيها أحياء تتوالد فتكون ذلك الحيوان المحسوس. وقد يجاب عن ذلك بأن ذلك اصطلاح علمي، وإن الحياة التي تعرفها اللغة مظهر ذلك النماء المتدرج المستمر. وفى الحق إن إخراج الحيّ من الميت أمر محسوس مرئي كل يوم؛ فإن تلك الشجرة أو ذلك العود النامي يتغذى من الهواء والضوء والماء والتراب، وكلها جماد لا حياة فيها، وما يتم التحول المتدرج في الحياة إلا بتلك العناصر التي هي غذاء الحي، فهي إخراج الحي من الميت، وليس المراد من الميت من كانت به حياة ثم انتهت، إنما الظاهر من كلمة الميت هو ما لَا حياة فيه؛ وإن إخراج الميت من الحي أمر واضح لَا مجال للشك فيه؛ فهذا العود الأخضر يصير حطاما، وهذا الجسم الحيواني يتحلل فيكون رميما ثم يكون ترابا.

стр. 1457

وعلى هذا نقول إن إخراج الحي من الميت ليس فلْق النوى بإخراج النبات والشجر منه فقط، بل بهذا وبتدرج الحياة، وإدخال عناصر الغذاء التي تكون الحي وأكثرها من جماد؛ ولذا قال سبحانه في آية أخرى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأنَّى تُؤْفَكونَ)، (وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) هذا مظهر رابع من مظاهر قدرة الله تعالى المحسوسة بين الناس، وهو الرزق للعباد، وكلمة الرزق تشمل إعطاء الله عبيده مالا، وإعطاءهم جاها، وإعطاءهم علما، وإعطاءهم حزما ورأيا، وإعطاءهم صحة، فكل هذه أرزاق يعطيها رب العالمين. ولذا قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: " الرزق يقال للعطاء الجاري تارة، دنيويا كان أم أخرويا، وتارة للنصيب، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى منه به تارة أخرى، يقال أعطى السلطان رزق الجند، ورُزقت علما؛ قال تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ. . .)، أي أنفقوا من المال والجاه والعلم ". فالله سبحانه وهو الرزاق ذو القوة المتين، قد وزع رزقه بين عباده بالقسطاس المستقيم؛ فمنهم من أعطاه صحة وعافية، ومنهم من أعطاه مالا وحرمه من نعمة العلم، ومنهم من أعطاه جاها وسلطانا، ومنهم من أعطاه أولادا تقر بهم عينه، ومنهم من وهب له ذكرا حسنا بين الناس. ومن قصر الرزق على المال فقد ضل ضلالا بعيدا، كذلك المعترض الذي يقول: كَم عاقلٍ عاقلٍ أعْيَتْ مذاهبُه ... وجاهل جاهلٍ تَلقْاه مرزوقا هذا الذي ترك الأوهامَ حائرةً ... وصيَّر العالِمَ النَحريرَ زِنْدِيقا فما في ذلك حَيْرة إلا في رأس القائل، فتلك هي القسمة العادلة: حَرم هذا من المال وأعطاه علما، وحرم هذا من الولد وأعطاه ذكرا بين الناس. وهكذا؛ ولو اجتمعت كلها في واحد، لكانت الحيرة، وعلاجها التفويض المطلق لرب العالمين.

стр. 1458

وقوله تعالى: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) معناه أنه ليس فوقه أحد يحاسبه، تعالى الله علوا كبيرا، وأن عطاءه كثير يعلو على العد والحساب، وهو يعطي من يشاء بسنة الحكمة والعدل والفضل، وإليه مصير كل شيء، ولا ينتج عمل عامل نتيجته إلا بفضل من الله. روى الحافظ ابن كثير عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " بسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب " في هذه الآية: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦). * * * (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) * * * بين في الآيات السابقة أن الملك كله بيد الله ، وأنه هو الذي يعطي بعض عباده سلطانا، وهو الذي ينزع السلطان من أيديهم إن لم يحسنوا القيام عليه؛ وفي هذه الآية يبين سبحانه أنه لَا يصح للمؤمن أن يستعين بسلطان غير المؤمن على المؤمن لما يراه من قوة سلطان غير المؤمن، فإن

стр. 1459

الملك بيد الله، قد يديل سبحانه من دولة الشرك والكفر (١)، ويكون لله ولرسوله الكلمة العليا؛ فكأن الآيات السابقة مقدمة، وهذه الآية نتيجة؛ أي أنه إذا كان الملك لله سبحانه، وهو مالك الملك، فلا يسوغ لمؤمن أن يدخل في سلطان غير مؤمن وولايته؛ لأنه بذلك يخرج من ولاية الله مالك الملك إلى ولاية كافر أعير الملك، والعارية مستردة لصاحبها في أي وقت، وهو الحق سبحانه الذي لا سلطان فوق سلطانه، ولذا قال سبحانه:

стр. 1460

(لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) أولياء جمع ولي، وهو من الولاء. وأصل هذه الكلمة بينها الأصفهاني في مفرداته، فقال: " الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة، والاعتقاد. والوِلاية (بكسر بالواو) النصرة. والوَلاية (بالفتح) تولي الأمر. وقيل الوِلاية والوَلاية واحدة نحو الدِّلالة والدَّلالة ". وعلى ذلك تكون كلمة ولي تطلق بمعنى الصديق وبمعنى النصير، وبمعنى من يتولى أمر غيره. وما المراد بها هنا؛ الظاهر أن المراد هو من يتولى أمر غيره، فمعنى (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) نهى المؤمنين عن أن يدخلوا في ولاية الكافرين وتحت سلطانهم وفي ظلهم دون ظل المؤمنين وسلطانهم، فإن على المؤمنين أن يكوِّنوا لأنفسهم دولة وولاية تظلهم، ولا يكون أحد منهم في ولاية غيرهم والدليل على أن أولياء هنا معناها متولون الأمر قوله تعالى: (مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) فإن دون هنا بمعنى غير، وهذا يومئ إلى ترك ولاية المؤمنين ليكونوا في ولاية غيرهم؛ فالمعنى إذن أنه لَا يجوز لطائفة من المؤمنين أن يكونوا في ولاية غير المؤمنين. وهنا إشارة بلاغية رائعة في قوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ) وفي قوله: (مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)، فإنه من المقررات البيانية أن اللفظ إذا

стр. 1461

أعيد معرفا بـ ا (أل) كان الثاني هو عين لأول، فإذا قلت خاطبت رجلا، فأفهمت الرجل حقيقة موقفه، كان الثاني عين الأول، فتكرار المؤمنين بالتعريف بأل إشارة إلى أن الثاني هو عين الأول، وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمنين الذين يدخلون ولاية غيرهم يتركون أنفسهم، ويتخذون من عدوهم نكاية لأنفسهم. وإن النهي عن تولى المؤمنين لغير المؤمنين غير معلل هنا صراحة، وإن كان قوله تعالى: (مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) يشير إلى أن تولى المؤمنين لغيرهم يكون نكاية لأنفسهم، وفي آية أخرى كان النهي معللا تعليلا صريحا، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَولِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ. . .). وقال تعالى: (وَالَّذِين كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ). ففي هاتين الآيتين تعليل صريح للنهي عن أن يكون المؤمنون أو بعضهم في ولاية غير المؤمنين، وأن تكون سيوفهم وكل قوتهم لغير المؤمنين. والذي يستفاد من هاتين الآيتين أن السبب في أنه لَا يجوز للمؤمنين أن يتولَّوْا غير المؤمنين بأن يكونوا في ولايتهم، يتكون من ثلاثة أمور: أولها: أن غير المؤمنين لَا يمكن أن يرعوا حقوق المؤمنين حق الرعاية، بل لا يألونهم خبالا، وقد حققت الأيام ذلك، فإن المؤمنين الذين يخضعون للأمم الأوروبية كمسلمي يوغسلافيا مع قيامهم بحق إقليمهم في نصرته لَا يكادون يستمتعون بأي حق سياسي، ولا يتولون أعمالا إدارية إلا في صغير الأمور. وثانيها: أن الذي يكون في ولاية غير المسلمين تكون نصرته وقوته لغير المسلمين؛ ولذا قال سبحانه: (وَمَن يَتَوَلَّهم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) إذ تكون كل قوته وكل نشاطه الإنساني والاجتماعي لهم، وليس للإسلام منه شيء. وثالثها: أن المسلمين الذين يكونون في ولاية غيرهم يفتنون في دينهم، ولو من قبيل العدوى وعدم تنفيذ أحكام الإسلام في الدولة، وفي ذلك فساد أي

стр. 1462

فساد، ولذا قال تعالى: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَاد كَبِيرٌ) أي إلا تمتنعوا عن الدخول في ولاية غير المسلمين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. هذا، ويجب التنبيه إلى أن تولي المؤمنين لغيرهم ليس معناه المحبة، فإن بر المؤمن لغير المؤمن واجب إن تحقق السبب الموجب للبر، فقد قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩). (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تقَاةً) أي من يدخل في ولاية الكافرين، ويترك ولاية المؤمنين فقد قطع صلته بالله قطعا تاما، لأن ولاية المؤمنين هي ولاية الله تعالى؛ وهذا معنى قوله تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شيْءٍ). وقد أولها بعض العلماء على حذف مضاف، والمعنى: فليس من ولاية الله في شيء، وبعضهم قال: فليس من الصلة بالله في شيء، ولكن لِمَ حذف المقدر، وجعل النفي عن ذات الله مباشرة؟ والجواب عن ذلك هو الإشارة إلى أن من دخل في ولاية غير المؤمنين تاركا ولاية المؤمنين، فقد ترك ذات الله وكان مختارا لقوة الكفار دون قوة العزيز الجبار، فهو يعاند الله نفسه، ويحاد الله سبحانه، والله عزيز ذو انتقام، وهو ذو القوة المتين، وهو الناصر، فإن نصر فلا خذلان، وإن خذل فلا نصر: (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ. . .). هذا حكم الجماعة الإسلامية أو بعضها في الدخول في ولاية غير المسلمين، ولكن قد يكون بعض الآحاد في حال ضعف، وهم مضطرون لأن يعلنوا الموالاة لبعض الكافرين، فهل يسوغ ذلك؛ ذكر الله حكم هؤلاء في هذا الاستثناء، فقال سبحانه: (إِلَّا أَن تَتَّقُوا منْهُمْ تُقَاةً) أي أن براءة الله من الذين يوالون الكفار ثابتة قائمة إلا في حال الخوف وخشية الضرر المؤكد لبعض المسلمين

стр. 1463

فإنه يجوز لهؤلاء أن يظهروا لهم الولاء، وهم بذلك يتقون ضررهم المؤكد، ومعنى: (أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي تخافوا خوفا شديدا لضرر مؤكد، فتجعلوا إظهار الولاء وقاية تتقون بها الضرر، وقد أكد الخوف بالمصدر فقال: (أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي يكون الضرر ثابتا لَا مجال للشك فيه، وألا يتجاوز الولاء المظهر واتخاذ الوقاية المؤقتة. و " تقاة " مصدر وقى على وزن فعلة، وأصله وقية، قلبت الواو تاء كما في تؤدة أصلها وأدة، وتهمة أصلها وهمة. وإن هذا النص يستفاد منه أن التقية جائزة، والتقية أن يظهر المؤمن غير ما يعتقد اتقاء الأذى الذي يتلف الجسم على أن يكون نزول الأذى مؤكدا، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ. . .)، على أن يكون ذلك مقصورا على الأحوال الأحادية لَا الأحوال الجماعية، وعلى أن يجتهد الذين يكونون في ولاية غير المؤمنين أن يخرجوا من ولايتهم وألا يبقوا مستضعفين في الأرض، فقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩). هذا، وإن التقية الأحادية أمر لَا يعلمه إلا الله، وقد يمالئ بقلبه ولسانه رجاءَ رجاء كما يفعل بعض ملوك المسلمين ويدعي أنه يفعل ذلك تقية ودفعا للضرر؛ ولذا قال سبحانه محذرا هؤلاء، ومحذرا من يوالي الكفار بشكل عام: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ): التحذير: هو التخويف لأجل الحذر واليقظة، والعمل على منع الأمر الخوف قبل وقوعه. والتحذير لَا يكون إلا حيث يتوهم الشخص الآمن، ويعتقد أنه لَا مخاف، ولا ما يثير الخوف؛ وإن مقام التحذير هنا واضح بين؛ لأن أولئك الذين يوالون الكافرين يظنون أن ذلك من دواعي الأمن والاستقرار، والواقع أنهم

стр. 1464

إن أمنوا الكفار ومالئوهم على هذا واختاروا ولايتهم دون المؤمنين، فإنهم لا يأمنون عقاب الله، فعليهم أن يحذروه. ومعنى (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) قال بعض العلماء فيه: إن الكلام على حذف مضاف وهو: عقاب الله أو نقمته، وعندي أنه لَا حاجة إلى تقدير مضاف، بل إن التحذير من ذات الله، والتحذير من ذات الله يقتضي الخوف ووقوع الرهبة في النفس من الذات العلية، كما يقول القائل ولله المثل الأعلى: احذر الأسد، فإنه لَا يقدر: صولته ولا شدته، إنما يريد أن ذاته في كل أحوالها مخوفة مرهوبة. وعبر سبحانه عن التحذير من ذاته العلية بقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) للإشارة إلى تأكيد معنى المعاندة لله تعالى عند موالاة الكافرين، فإن كلمة نفس تقال لتأكيد التعبير عن الذات، كما يقول القائل: خاصمت زيدًا نفسه، وغاضبت عمروًا نفسه؛ وللإشارة إلى أن ما ينزله الله تعالى مغيب غير معلن الآن، إذ إن التعبير بالنفس يكون لما يخفى في أطوائها، كما قال الله تعالى عن نبيه عيسى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). وهذا التحذير من ذات الله تعالى تحذير ممن يكون عقابه أدوم بقاء، ونقمته أكثر استمراراً؛ ولذا قال بعد ذلك: (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أي إليه وحده المآل وانتهاء أمر العباد، فلا يكون ثمة معقب لما يقول ويفعل، والمصير إليه حيث تذهب سطوة الكفار الذين يمالئونهم على المؤمنين ويوالونهم دون المؤمنين؛ فإن كانت للكافرين قوة ظاهرة في الدنيا فهي حال ليست باقية، والمصير إلى الله والعاقبة للمتقين، وإن كان للكافرين عزة في الأرض فاجرة، فالعزة الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين. * * *

стр. 1465

(قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ... (٢٩) * * * كان التحذير والتخويف من الله ، وقد أمر سبحانه نبيه بأن يبين لهم مقدار علمه بخفايا نفوسهم، وعلمه بالكون وما فيه، فقال سبحانه: (قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ) أي أن علمه يعم الظاهر والباطن، وإن كوْن الأمر ظاهرا أو باطنا

стр. 1466

إنما هو بالنسبة لنا، أما علم الله تعالى فإنه ليس فيه ظاهر وباطن، بل العلم كله سواء بالنسبة له وسيق إثبات علم الله تعالى وإحاطته الشاملة في هذا المقام، لمقام التحذير أيضاً؛ لأن الذين يوالون الكافرين يظنون في أنفسهم ضعفا وقد يظهرون أن ما يفعلون إنما هو تقية وخوف من الكافرين، والواقع أنهم يفعلون ذلك استخذاء وذلة، أو تملقا للأقوياء أو مداهنة لهم على أقوامهم، أو رجاء غرض دنيوي ينالونه، كما نرى في عصرنا الحاضر، إذ نجد ناسا يبررون كل خيانة قومية ودينية، والدخول في ولاية غير المؤمنين بالتقية وحال الضعف، وما هو إلا ضعف وازع الدين وفقد اليقين، ورجاء الدنيا الذليلة، وفرار من العزة والحياة السامية الكريمة حقا وصدقا؛ فأمر الله نبيه أن يبين أنه يعلم ما تخفيه الصدور، وما تختلج به القلوب، وما ينوون وما يقصدون، كما يعلم ما يبدون ويعلنون، وأن الله سبحانه محاسبهم على أعمالهم بنياتهم، لَا بظواهر هذه الأعمال، ولا بما تتلوى به الألسنة، وإن كانت مخالفة لما تطويه القلوب. وجعل البيان من النبي ﷺ بعد أن وجه الترهيب بذاته العلية؛ لأن ذلك التنويع من شأنه أن يربي المهابة، كما يقول ذو السلطان محذرا مخوفا: أحذركم مخالفتى، ثم يتركه لصفي من أصفيائه يبين له مدى سلطانه وقوته وعلمه. (وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) في هذا بيان شمول علم الله تعالى وشمول قدرته، فهو يعلم سرائر النفوس وظواهرها، كما بيّن في الجملة السابقة، ويعلم الكون وما يجري فيه من نجوم سارية، وأفلاك دائرة، وشمس مشرقة، وقمر منير، والسحاب وما تحمل، والرياح المسخرات بين السماء والأرض، ويعلم كل الأحوال، وكل الأزمان، وكل اللحظات، وجميع الأوقات، وما من شيء في هذا الوجود إلا تحت سلطان علمه، وفي متعلق إرادته، وفي شمول قدرته؛ إنه فعال لما يريد؛ فكيف يتصور من عاقل أن يترك ولاية المؤمنين وهم أولياؤه، ويدخل في ولاية الكافرين وهم أعداؤه؛ فإن كانت

стр. 1467

الولاية للعزة والقدرة والسلطان والعلم، فلله وحده العزة والكبرياء في السماوات والأرض. وقد ذكر سبحانه شمول القدرة بعد شمول العلم؛ لأن القدرة الكاملة لا تكون إلا عن العلم الكامل، فكمال القدرة من مظاهر كمال العلم. ولقد قال الزمخشري في معنى هذا النص الكريم: " هذا بيان لقوله: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) لأن نفسه، وهي ذاته المتميزة من سائر الذوات متصفة بعلم ذاتي، لَا يختص بمعلوم دون معلوم، فهي متعلقة بالمعلومات كلها، وبقدرة ذاتية لَا تختص بمقدور دون مقدور، فهي قادرة على المقدرات كلها، فكان حقها أن تحذر وتتقى، فلا يجسر أحد على قبيح ولا يقصر عن واجب، فإن ذلك مطلع عليه لَا محالة فلاحق به العقاب، ولو علم بعض عبيد السلطان أنه أراد الاطلاع على أحواله فوكل همه بما يورد ويصدر، ونصب عليه عيونا، وبث من يتجسس على بواطن أموره، لأخذ حذره وتيقظ في أمره، واتقى كل ما يتوقع فيه الاسترابة به، فما بال من علم أن العالم بالذات الذي يعلم السر وأخفى وهو آمن، اللهم إنا نعوذ بك من اغترارنا بسترك؛ ولقد بين سبحانه وقت تنفيذ عقوبته المؤكدة، وهو يوم القيامة، فقال: * * *

стр. 1468

(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) المعنى الجملي للنص الكريم: خافوا الله واحذروه، واخشوا حسابه وعقابه، وارجوا ثوابه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ظاهرا ثابتا واضحا، كأنه قد أحضر من الدنيا إلى الآخرة فيرى رأي العين، وما عملت من شر معلوما كذلك كأنه رئي بالحس والبصر، وتود كل نفس أن لو يتأخر أمدا طويلا بعيدا، وذلك لأن ما يخافه الإنسان يتمنى أن يتأخر ويؤجل؛ ليكون عنده أطول فسحة من الأمان. وهنا عدة مباحث لفظية تجلي المعنى: المبحث اللغوي الأول - متعلق (يَوْمَ تَجِدُ): لقد ذكر العلماء ثلاثة توجيهات؛ أولها ذكره الزمخشري أنه متعلق بـ " توَد " والمعنى: توَد كل نفس لو

стр. 1469

أن بينها وبينه أمدا بعيدا أي زمنا طويلا وقت أن تجد كل ما عملت محضرا من خير أو سوء. وهذا يؤدي إلى أن من عملت خيرا تود أمدا بعيدا، مع من عملت سوءا، مع أن رجاء الثواب يسوغ تمنى المسارعة لَا تمنى التأجيل؛ ولهذا لَا نوافق عليه. والوجه الثاني: أنه متعلق بقوله تعالى: (وَيُحَذّرُكُم اللَّه نَفْسَهُ) بدليل قوله تعالى مكررا التحذير، فقال: (وَيُحَذِّرُكُم اللَّهُ نَفْسَه) مرة أخرى، ولكن يرد على هذا بعد القول، ومجيء جملة مستقلة بينهما، واختلاف القائل؛ فالأول من قول الله ئعالى والتحذير من الله، والثاني من قول النبي ﷺ بأمر الله ولكن قد يرد هذا الاعتراض بأن قوله تعالى: (قُلْ إِن تخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ) معترضة بين كلامين متلازمين للمسارعة بإثبات شمول علم الله تعالى وقدرته. التوجيه الثالث: أنه متعلق بمحذوف تقديره: اذكروا، وهذا أسلمها في نظري. المبحث اللغوي الثاني - قوله تعالى: (وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ) أهي معطوفة على (مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ) أم " ما " مبتدأ خبره " تود "؛ أظهر الأقوال أنها مبتدأ وجملة تود خبر، والمعنى: ما عملت: ما عملت من خير تجده محضرا، وما عملت من سوء تتمنى كل نفس أن يكون بينها وبينه أمد بعيد. المبحث الثالث - الأمد اسم للزمان كالأبد يتقاربان، لكن الأبد كما قال الأصفهاني مدة من الزمان ليس لها حد محدود، ولا يتقيد، فلا يقال: أبد كذا؛ أما الأمد فمدة لها حد مجهول، إذا لم يضف إلى غاية معينة، فإن أضيف كان محدودا بهذه الغاية. والمعنى أن النفس التي تجد عملها السعي محضرا تود لو يتأخر أمدا بعيدا، ولكن لَا تحقيق لهذا التمني. ولقد كرر الله سبحانه التحذير من نفسه تذكيرا، وليكون في بال المؤمن دائما، ولبيان أن ذلك التحذير من دواعي الرحمة كما هو من تربية الرهبة، فهو

стр. 1470

قد ذكر تمهيدا لقوله تعالى: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) فتذكير العباد وتحذيرهم من رحمته بهم حتى لَا يؤخذوا أخذ عزيز مقتدر، وختمت الآية بهذا التذييل الكريم؛ لإثبات أن عقاب المسيء وثواب المحسن من الرحمة، فليس من الرحمة في شيء أن يتساوى المحسن والمسيء، ولإثبات أن ولاء المؤمنين ومعاداة الكافرين من الرحمة بالعباد، حتى لَا يعم الظلم وينتشر الفساد. اللهم وحِّد الولاية الإسلامية، واجعل المسلمين جميعا بعضهم أولياء بعض. * * * (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) * * * يؤمن المؤمن رغبة في الثواب، ويؤمن المؤمن خوفا من العقاب، ويؤمن المؤمن إذعانا للحق، ومحبة للرب، وإخلاصا وخلاصا من أدران الهوى، ومآثم هذه الدنيا؛ وتلك أعلى المراتب، وأشرف المناصب، وبها يعلو المؤمن. وفى الآية السابقة حذر الله المؤمن من نفسه، فقال: (وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) وقال: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) فكانت هذه الآية تدعو المؤمن إلى الطاعة ولزوم الجماعة بالترهيب، وفيها إشارة إلى الترغيب في قوله تعالى: (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ). وفى هذه الآية يدعو إلى الطاعة لَا خوف العقاب ولا رجاء الثواب، ولكن لأن الطاعة تؤدي إلى أعلى منازل السائرين، وهي المحبة: محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه. قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله تعالى آية المحبة:

стр. 1471

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) الأمر للنبي ﷺ ، وجعل الخطاب منه للنبي ﷺ إليهم لبيان شرف النبوة وعلوها، ومكانة الاتصال بينها وبين الله ، إذ جعل اتباع الرسول يكون من نتائجه محبة الله تعالى. وكون النبي ﷺ هو الذي يخاطب بذلك ويقرره، وأن الله تعالى يمضي ما يقرره، علو بمقام الرسالة المحمدية، وبمقام النبوة؛ لأن فيه إشعارا بعظم محبة الله لنبيه، وأنها فوق كل محبة؛ فإذا كان من يتبعه يحبه، فهو إذن في أعلى درجات المحبة، ولأن فيه بيان أقوى الاتصال، لأن خطابه لهم هو خطاب من الله لهم، بدليل أن المحبة من الله تجيء نتيحة لاتباعه الذي دعا إليه ﷺ . وقوله تعالى: (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فيه إيجاز معجز، وهو إيجاز حذف دل عليه المقام؛ لأن المعنى: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني، وإن اتبعتموني يحببكم الله؛ لأن جواب فعل الأمر في معنى الجزاء، فكان ثمة فعل شرط مقدر، وإن هذه الجملة السامية تدل على ثلاثة أمور: أولها: أن أول طوق محبة الله تعالى هو اتباع الرسول ﷺ ، لأن طاعة الرسول طاعة لله تعالى جلت قدرته، وعصيان الرسول عصيان لله تعالى، وليس من المعقول أن يحب الله تعالى ويعصيه؛ ولذلك يقول الشاعر الصوفي: تعصى الإلهَ وأنت تُظهر حُبَّهُ ... هذا لعَمْرِي في القِيَاس بَدِيعُ لو كانَ حُبُّك صادقًا لأطَعْتَهُ ... إن المحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ الأمر الثاني الذي يدل عليه النص الكريم: أن الطاعة ومحبة العبد لربه يترتب عليهما حتما محبة الله لعبده. وأي منزلة للطاعة أسمى من أنه يتبعها حتما محبة الله . الأمر الثالث الذي يدل عليه النص القرآني: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) أن من يصل إلى مرتبة المحبة التي تبتدئ بالطاعة وتنتهي بمحبة الله تعالى يغفر له الله

стр. 1472

سبحانه وتعالى كل ما كان له من تقصير سابق وإثم قد جلته المحبة عن القلب؛ وذلك لأن السيئات أدران تعلق بالقلب، فإذا وصل إلى درجة محبة الله تعالى، بعد قيامه بحق الطاعات، انصهر قلبه بهذه المحبة، وإذا انصهر القلب بالمحبة زال عنه كل خبث ومحي كل درن، فصفا، والله يغفر لمن يصل إلى هذه المرتبة. ولقد ذيل الله الآية الكريمة بقوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ): وصفان كريمان للذات العلية: أولهما أنه غفور؛ أي أنه كثير الغفران لعباده؛ لأن فعول تدل على المبالغة، ووصف الله تعالى نفسه بهذا الوصف للإشارة إلى أنه يحب من عباده الطاعة، ويحب من عباده التوبة، فهو ليس كحكام الدنيا الذين يفرضون العقاب ولا يتمنون لرعاياهم الخلاص منه، بل يتمنون إنزال العقوبة بهم، والله سبحانه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم يقبل التوبة عن عباده، ويحب المغفرة، ولذلك وصف بالتواب، فالعقاب ليس لذاته، ولكن لكيلا يتساوى المسيء بالمحسن، وليحمل المسيء على الطاعة ويستمر المحسن على إحسانه. والوصف الثاني الذي وصف به ذاته العلية: أنه رحيم. وكان من رحمته أن قبل التوبة وغفر الذنب، ومن رحمته أنه أرسل الرسل بالبينات ليقيموا القسط بين الناس، وَيُعَلِّمُوا هذه الشرائع التي بها صلاح الدنيا، وبها تقوم على الخير والفضيلة، ولذا قال : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، وكان من رحمته أن سنَّ العقاب للمسيء المستمر على إساءته الموغل في الفساد، فإن من يفسد في الأرض يكون من الرحمة عقابه، ومن لا يرحم الناس كان من مقتضى الرحمة بالناس أن لَا يرحم؛ ولذا قال النبي ﷺ : " من لَا يَرحم لَا يُرحم " (١).

стр. 1473

وقبل أن نترك الكلام في هذه الآية الكريمة، لابد من الإشارة الواضحة إلى أمرين: أولهما: في معنى الاتباع الذي يوجب المحبة، ومعنى ترتيب المحبة على الاتباع. وثانيهما: التعريف بهذه المحبة التي يتصف بها العبد، وتترتب عليها محبة الله تعالى: أهي الطاعة أم شيء أعلى من الطاعة؛ وما محبة الله: أهي الرحمة أم أمر أعلى من الرحمة والإحسان، ولله الفضل والمنة في كل حال. أما بالنسبة للأمر الأول؛ فإن النص الكريم (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) يفيد الطريق والغاية، أو الدليل والنتيجة؛ أما الطريق فهو اتباع الشريعة، وأما الغاية القصوى فهي محبة العبد لربه، ومحبة الرب لعبده، أي تبادل المحبة بين الخالق والمخلوق، وكل بما يليق به، وبما يتفق مع نوع وجوده؛ فواجب الوجود وذو الكمال المطلق ﷻ محبته تليق بذاته العلية، وجائز الوجود الحادث المخلوق محبته حال يتفق مع حدوثه، ونقص وجوده. وقد فصل الله الاتباع الذي يوجب المحبة السامية بعض التفصيل في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ. . .). فعلامات الاتباع التي يترتب عليها أن يحبهم الله ويحبوه، أربع: أولها: أنهم أذلة على المؤمنين، وقد قال عطاء في هذا: إنهم للمؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. . .). والعلامة الثانية: أنهم أعزة على الكافرين، أي لَا يخضعون للكافرين ولا يحالفونهم على المؤمنين، ولا يختارون أن يدخلوا في ولايتهم ويتركوا ولاية المؤمنين.

стр. 1474

العلامة الثالثة: الجهاد في سبيل الله بالنفس واللسان والمال، وذلك هو تحقيق دعوى المحبة. والعلامة الرابعة: أنهم لَا يأخذهم في الله لومة لائم، وهذه علامة صحة المحبة، فكل محب أخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة (١). تلك هي آيات الاتياع الذي يوجب هذه المحبة، وقد وصف النبي ﷺ كمال الإيمان الذي يوجب هذه المحبة، فقال: " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " (٢) وهذا الوصف هو الجامع لكل الأمارات التي لَا يند عنه (٣) شيء منها. هذا هو القول في الأمر الأول، وهو الاتباع الذي تترتب عليه المحبة. بقي أن نتكلم في الأمر الثاني وهو التعريف بالمحبة التي تكون من الله للعبد، والمحبة التي تكون من العبد لله تعالى: أما محبة الله فحال من أحوال الذات العلية لَا نعرف كنهها، ولا ندرك حقيقتها وهي تليق بذاته الكريمة، وتتفق مع صفات الجلال والكمال التي يتصف بها واجب الوجود، والذي خلق بقدرته كل موجود، وهي غير الإحسان، وإن كانت من فضل الله، وغير الرحمة، وغير الرضا؛ لأن الله جعلها لبعض عباده، والإحسان والرحمة يَعُمَّان كل موجود، والرضا وإن جعله جزاء أعلى للمحسنين، كما قال في جزاء المؤمنين بعد ذكر الجنات والنعيم المقيم: (وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكْبَرُ. . .)، نجد المحبة أكثر منه. وقد ذكرها الله فكان هذا دليلا على أنهما متغايران بالنسبة لذاته العلية، كما أن المدلول اللفظي لهما متغاير، وإن كانت المحبة تتضمن الرضا لَا محالة، بل إنها لا تكون إلا حيث يكون أقصى الرضا، هذه إشارة إلى محبة الله لبعض عباده الذين اصطفاهم.

стр. 1475

وأما محبة العبد لربه، فقد قال الحارث المحاسبي في تعريفها بأنها الميل بكُلِّيته لربه، وإيثاره على نفسه وماله، ثم مرافقته له سرا وجهرا، ثم اعتقاده تقصيره في حقه مهما يؤدِّ من واجبات وطاعات. ومحبة العبد لربه غير طاعته المجردة لأوامره ونواهيه، وإن كانت ملازمة للاتباع المطلق للأوامر والنواهي، وفي الحقيقة إن طاعة العبد لربه لها مرتبتان: أولاهما: الطاعة رجاء الثواب وخوف العقاب، والثانية: الطاعة محبة لله تعالى ولقد قال في هذا المعنى النبي ﷺ في وصف بعض أصحابه " نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه ". ولقد قال الله تعالى في وصف المؤمنين المتقين: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)، فإن هذا النص الكريم دل على أن ثمة مقامين جليلين: مقام الطاعة رجاء الثواب وخوف العقاب، والطاعة بالتوسل إلى الله والتقرب منه، كما قال تعالى: (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) وهذا مقام الطاعة محبة وازدلافا إليه سبحانه، وهذه هي الوسيلة المبتغاة، والمحبة المرتجاة، وإن المحبة تقتضي الأنس بذكر الله تعالى، فتكون النفس ممتلئة بالسرور لقرب الله، ومعرفة الله، وكمال العبودية له، والشعور بكمال ألوهيته، حتى يستغرق ذلك كل حسه، وكل نفسه وقلبه، ولا يكون موضع لتذكر سواه. والمحبة هي غاية التصوف العالي وسمته وعنوانه؛ ولذا يقول ابن القيم في مدارج السالكين: " المحبة سمة هذه الطائفة المسافرين إلى ربهم، الذين ركبوا جناح السفر إليه، ثم لم يفارقوه إلى حين اللقاء، وهم الذين قعدوا على الحقائق، وقعد من سواهم على الرسوم ". والمحبة ثلاث درجات: أولاها: استغراق النفس بذكر الله، فلا يرتفع إلى مقامه في القلب ذكر شيء سواه، ويصف الهروي في " منازل السائرين " تلك المحبة بأنها: تقطع الوساوس، وتسلي عن الصائب، وتثبت ئلك الدرجة من الشعور بقوة الله، ومن اتباع السنة المحمدية، والشعور بالحاجة والفاقة إليه تعالى.
следующие страницы →