الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)
* * *
في الآيات السابقة بيّن سبحانه اغترار المشركين بأموالهم وأولادهم وكثرتهم، وكثرة النفر الذين يعاضدونهم، وأشار إلى اغترار آل فرعون بسلطانهم، وعاقبة أمرهم؛ وفي هذه الآية يبين سبحانه مصدر الغرور وأسباب الاغترار في هذه الدنيا، وما ركز في قلوب الناس من حب الشهوات التي يؤدي الاشتداد في طلبها إلى الانحراف في التفكير وإلى أن يطمس على البصيرة فلا تدرك الأمور على وجهها؛ ثم يبين سبحانه منزلة ما في هذه الدنيا من مُتَع فانية بجوار ما في الآخرة من نعيم دائم. وإذا كان قد بيّن أولا مآل المغترين المعتزين بأعراض الدنيا، فقد بين في هذه الآيات مال المتقين وأوصافهم، ومقدار فهمهم لزخارف هذه الحياة وما فيها من شهوات مردية عند الانحراف في طلبها. ولقد ابتدأ سبحانه بما ركز في فطرة كل إنسان من حب وطلب لهذه الشهوات في مواضعها، فقال سبحانه:
стр. 1402
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) هذه زينة الحياة الدنيا، وهذه متعها، وهي مصدر الخير، ومصدر الشر فيها، وبها تكون الرفعة، وبها يكون السقوط، وبها تكون العزة، وبها تكون الذلة؛ والإرادة الإنسانية هي التي تجعلها في أحد الطريقين، فإن كانت الإرادة قوية حازمة جعلت من هذه الأمور مصدر خير وطريقا إلى الجنة، وإن تحكم الهوى وغلب الشيطان، وضعف الوجدان الديني، كانت هذه الأمور مصدر شر وطريقا إلى النار؛ فهي طريق الجنة عند الأبرار، وطريق النار عند الأشرار، وكل امرئٍ وما تهوى نفسه.
стр. 1403
وإن هذه الأمور محببة لنفس الإنسان، مجبول بفطرته على الميل إليها، والاستشراف لها وطلبها، فهي طَلِبَةُ النفس الإنسانية؛ إذ هي من طبيعتها، وهي تتقاضاها طبيعة الإنسانية، ومن يحاول أن ينزع الميل إلى هذه الأشياء الستة من نفسه، فإنما يحاول اقتلاع الخاصة الإنسانية من كونه، فالطبيعة الإنسانية قد ركز فيها حب هذه الأمور، ولا تخرج هذه الأمور من النفس الإنسانية إلا إذا بعد الإنسان عن طبعه.
ولأن هذه الأمور في الفطرة الإنسانية عبر بالبناء للمجهول، فقال سبحانه:
(زُينَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) فأبهم سبحانه مَنْ زَين حب هذه الأمور للإشارة إلى أنها في الفطرة الإنسانية، نشأت في الإنسان منذ خلقه سبحانه وأنزله إلى هذه الدنيا، فهو قد كوَّنه سبحانه ومعه تلك الطبيعة الإنسانية، وإنه ينتهي الأمر إلى أن الذي زين هذا الحب هو الله ، وقد يؤكد ذلك قراءة مجاهد (زيَّنَ لِلنَّاسِ) (١) بالبناء للفاعل، ويكون الفاعل ضميرا يعود على الله . ومعنى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ): أودعت فطرتهم حب هذه الشهوات، وأنهم لَا يرون فيها نقصا ولا مخالفة للكمال والشهوات المراد بها موضع الشهوات، فهي من باب ذكر المصدر وإرادة اسم المفعول؛ فهذه الأمور الستة هي المشتهيات، وليست هي الشهوات، ولكن أطلق عليها اسم الشهوات للإشارة إلى شدة محبتها والحرص عليها. ولقد قال الزمخشري في ذلك: " جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشهاة محروصا على الاستمتاع بها " فالمراد أنهم يحبون هذه الأشياء، ويرون محبتها أمرا حسنا، ولا غضاضة فيه.
ويرى الزمخشري أن قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) فيه إشارة إلى خساسة هذه الأمور، ويقول في ذلك: " والوجه أنه يقصد تخسيسَها فيسميها شهوات، لأن الشهوة مسترذلة مذموم من اتبعها شاهد على نفسه
стр. 1404
بالبهيمية، وقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) ثم جاء بالتفسير ليقرر في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لَا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس فيكون أقوى لتخسيسها، وأدل على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله ".
ولسنا نرى رأي الزمخشري في أن هذه خسيسة في ذاتها، أو يقصد إلى تخسيسها في ذاتها، وإنما نرى أنها فطرة الله يبينها الله ، ويشير إلى أنها مطلوبة من كل إنسان، وأن المقتصد يُجمل في الطلب ويجعله للخير، وغير المقتصد يسرف فيفحش، فيكون الشر. وزينة الله التي خلقها ليست حراما، وهي من قبيل هذه المشتهيات، فيقول تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .). وقال تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، وقال تعالى (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَات رِزْقًا لَّكُمْ. . .). وقال ﷺ في الخيل: " الخيل معقود بنواصيها الخيرَ إلى يوم القيامة " (١).
وقال في الحرث وهو الزرع: " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له به صدقة " (٢). وقال ﷺ : " حَبب إليّ من دنياكم: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة " (٣). وقال ﷺ : " ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؛ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته " (٤). وقال تعالى: (ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
стр. 1405
وبهذا يتبين أن هذه الأعيان ليست خسيسة في ذاتها، ولا يقصد تخسيسها، وإن كانت هي دون نعيم الآخرة ومتعها.
وقوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) فيه إشارة إلى أن الناس يحبون هذه الشهوات ويستحسنون هذه المحبة؛ وذلك لأن الإنسان قد يحب شيئا ولكنه في محبته له غير راض عن نفسه، كأولئك الذين يميلون إلى بعض الآفات الاجتماعية، كالخمر، والميسر؛ فإنهم مع ميلهم إليها يستنكرون حالهم، ولا يحمدون ما يفعلون، إلا إذا كانوا قد طمس الله على بصيرتهم، فعموا وضلوا، وَزيّن لهم سوءُ أعمالهم فرأوْه حسنا، ولكن الناس جميعا مع محبتهم لهذه الأمور يستحسنون هذه المحبة، ويرضون عن أنفسهم في ميلهم إليها؛ وإن ذلك الاستحسان من عامة الناس يدل على أن محبة هذه الأمور من فطرة الإنسان ومن طبيعته؛ وإن هذا الميل لَا يدل على خسة في الطبع، ولكنه يدل على أنها في الفطرة.
وإن محبة هذه الأشياء، وهي رمز للطبيعة الإنسانية ليست بدرجة واحدة، بل تختلف بمقدار قوة نزوع النفس إليها، وتختلف بمقدار ما تشبع به الحاجات والغرائز الإنسانية.
وقد يقول قائل: وكيف يكون حب الذهب والفضة فطريا، مع أنه ليس من الفطرة؟ والجواب عن ذلك: أن الذهب والفضة يشبعان الحاجات الإنسانية، فهما من الوسائل للوصول إلى النساء وغيرهن، وهما في خدمة تلك الفطرة، وأحبهما الناس لأنهما يوصلان دائما إليها، ثم صار حبهما لذاتهما، وأشبه أن يكون من الفطرة.
ولنذكر هذه الأمور الستة، وهي مرتبة مراتب بترتيب القرآن الكريم: المرتبة الأولى: النساء، وحبهن فطري في الطبيعة الإنسانية مستكن فيها، لا يختلف فيه الناس إلا من إيفَت (١) مشاعره وفسدت طباعه، وهن زهرة هذا
стр. 1406
الوجود الإنساني، ولقد سماهم القرآن كذلك فقال تعالى: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .).
وقال تعالى في العلاقة بين الرجل والمرأة: (هُنَّ لِبَاسٌ لكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ. . .). وإن الرجل في حب النساء قد يستهين بكل شيء.
ولقد قال رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " (١). وقد يقول قائل إن المرأة من المكلفين ومن الناس فلماذا ذكر حب الرجال للنساء، ولم يذكر حب النساء للرجال، وكلاهما فطري في الطبع الإنساني؟ وقد أجاب عن ذلك بعض المفسرين بأن طلب الرجل للمرأة أشد وأقوى وأحد، وكثير من الرجال من يفتتنون بالنساء، وقليل من النساء من تظهر فتنتهن بالرجال، والحس يؤيد طلب الرجل للمرأة، فهو يبذل النفس والنفيس في طلبها، ولا يعرف من النساء إلا قليلا من يبذل ذلك.
والرأي عندي أن ذكر حب الرجال للنساء فيه إشارة إلى علاقة المحبة المتبادلة بين الفريقين؛ فهي إشارة إلى تلك العلاقة الفطرية من الجانبين، فذكر محبة الرجل للمرأة فيه تنبيه إلى محبة المرأة للرجل، وما يستفاد بالإشارة يستغني فيه عن العبارة، واكتفى بذكر حب الرجل لأن حبه الأوضح، ولأنه الأشد، ولأنه الذي يؤدي في جملة أحواله إلى الفتنة، ولأن المرأة مجيبة في هذا الباب لَا طالبة، وإن سبقت هي بالمحبة حاولت أن تخلق الطلب في نفس من تحب.
وحب النساء ليس شرا؛ لأن الله جعل المرأة رحمة للرجل، إنما يكون الشر في الإسراف في الطلب حتى يكون النساء خلب كبده، وفي طلب الحرام، وفي طلب الجمال من غير ملاحظة الدين؛ فلقد قال ﷺ : " إياكم وخضراء الدِّمن " (٢)،
стр. 1407
وقال ﷺ " تنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها، ليك بذات الدين تربت يداك " (١).
ولقد قال ﷺ : " من أراد أن يلقى اللهَ طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر " (٢).
المرتبة الثانية: حب البنين، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء، لأن البنين ثمرة الحب الأول، وفيه إشارة إلى التوجيه الإسلامي، وهو أن يكون حب النساء ذريعة إلى الإنجاب والنسل لَا لذاته، كما قال ﷺ : " تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة " (٣). وهل المراد من البنين الذكور فقط؛ الظاهر ذلك، ويزكي هذا قوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .).
وما هو واقع بين الناس في الماضي والحاضر من أنهم يطلبون الذكر دون الأنثى، وأنهم يرون في كثرة البنين نصرة وفخارا، وفي البنت غير ذلك، ولكن لو أننا قلنا إن المراد الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا لكان في النص القرآني متسع، لأن الابن يطلق ويراد الذكر والأنثى على سبيل المجاز، وإن محبة الولد بعد ولادته أمر فطري لَا فرق بين ذكر وأنثى، وإن كان الكثيرون يرغبون في الذكور دون الإناث فإن ذلك لَا ينفي المحبة الفطرية لأولاده جميعا، والعرب أنفسهم كانوا يحبون بناتهم وإن كانوا لَا يعتزون إلا بالبنين. وإني أميل إلى هذا؛ فالأولاد جميعا ثمرات القلوب وقرة الأعين، ولقد قال النبي ﷺ : " إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة " (٤).
والمرتبة الثالثة: حب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. روى أن النبي
ﷺ قال: " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية " (٥) وإن كانت الأوقية التي نعرفها هي
стр. 1408
الأوقية التي أشار إليها النبي ﷺ فالقنطار الذي نعرفه في مصر هو القنطار الذي ذكر في حديث النبي ﷺ ؛ لأن القنطار (١٢٠٠) أوقية لأنه مائة رطل والرطل (١٢) أوقية. وقد قال الزجاج في أصل معنى القنطار: إنه مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه، تقول العرب: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لإحكامها، والقنطرة المعقود، فكأن القنطار شيء محكم يسع ذلك المال، أو أنه جمع قدر كبير من المال متراص الأجزاء محكم الربط. والمقنطرة معناها مضاعفة مقادير القنطار، فمعنى قناطير مقنطرة عدد كثير من القناطير متضاعف، كقولك ألوف مؤلفة، وأضعاف مضاعفة، والمراد أن كثرة المال أمر محبوب مطلوب زين للناس حبها، ومحبة المال الكثير قد أودعت قلوب الناس؛ لأنهم رأوا أنه السبيل إلى طلب ملاذ هذه الحياة، فلا يجد غايته من النساء إلا ذو مال، ولا غايته من إشباع الحاجات إلا ذو المال؛ ولقد قالت عائشة ﵂: " رأيت ذا المال مهيبا، ورأيت ذا الفقر مهينا " وقالت ﵂ أيضا: " إن أحساب ذوي الدنيا بنيت على المال ".
وإن محبة المال لم تكن في أول الأمر لذات المال، ولكن لأنه ذريعة لغيره من ملاذ الحياة ومطالبها، ولكن بتوالي الأزمنة نسى كثير من الناس الغاية، واتجهوا إلى الوسيلة فصارت في ذاتها غاية، وأصبح المال يطلب لأنه غاية في ذاته، كما هو الشأن في كل وسيلة تؤدي إلى أمر محبوب مؤكد المحبة وهي مؤكدة التوصيل؛ ولذلك صار المال مطلوبا، وطلبه كالأمر الفطري. ولقد قال ﷺ : " لو كان لابن ادم واديان من ذهب لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب " (١).
стр. 1409
وطلب المال ليس شرا، بل قد يكون خيرا إن طلب من الطريق الحلال، وأنفق في حلال، وأعطى منه حقه. ولقد قال ﵇: " إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي " (١).
النوع الرابع: الخيل المسومة، ومعناها المعلمة بعلامة تجعلها مرموقة حسنة المنظر، تجتلب الأنظار. وقيل المسومة: الراعية. والخيل من مفاخر الناس، ومن أدوات القتال، وكانت عزا للعربي، ولقد ذكر النبي ﷺ أن في نواصيها الخير، كما أشرنا من قبل، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " الخيل ثلاثة: لرجل ذِكْرٌ، ولرجل ستر، ولرجل وزر " (٢) فهي ذكر لمن كان يقتنيها للجهاد في سبيل الله، وستر لمن يقتنيها ويربيها ويبيع من نتاجها ما يستر به حاله ويرد غائلة الفقر، ووزر لمن يقتنيها ويفاخر بها، وكمن يسابق بها في قمار أو ما يشبه القمار. والخيل في أصل طلبها كانت لأنها أداة الحرب، ومن عدة القتال، ثم صارت هي مطلبا يقتنى لذاته، ويرغب فيه.
والنوع الخامس: الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، وهي تكون في حاجات الإنسان، ويتخذ منها مركبا وزينة ومطعما؛ قال تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦).
والنوع السادس: الحرث، وهو الزرع والغراس؛ لأن الحرث معناه إثارة الأرض ووضع البذر أو الغراس فيها، فأطلق السبب وأريد المسبب. والزرع والشجر منهما يؤخذ ملبس الإنسان وطعامه وأدوات زينته.
هذه إشارات إلى متع الحياة التي ذكرها النص القرآني الحكيم. ويلاحظ أن القرآن الكريم اقتصر على ذكر هذه الأمور مع أن في الحياة متعا حلالا غيرها،
стр. 1410
فلماذا اختصها بالذكر؟ والجواب عن ذلك أنه ذكرها لأنها أوضح من غيرها، ومجمع على طلبها، ولأن فيها إشارة إلى أنواع المتع كلها؛ فذكر النساء فيه إشارة إلى متعة الصلة التي تربط بين الرجل والمرأة، سواء أكانت متعة جسدية أم كانت متعة روحية، وإشارة إلى الأسرة التي هي قوام المجتمع. وذكر البنين فيه إشارة إلى بقاء النوع الإنساني، والعزة بالقبيلة والعشيرة والجنس والأرومة. وذكر المال فيه إشارة إلى الحاجات الإنسانية والنظم الاقتصادية التي يعد المال أساسها وعصبها. وذكر الخيل المسومة فيه إشارة إلى الكفاح في نصرة الحق، والجهاد في سبيل الله، وأنه لَا يحمي الجماعة إلا قوة مسلحة، كما قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠).
وفي ذكر الأنعام والحرث إشارة إلى أصول الإنتاج الطبعي الذي هو مادة الاقتصاد الأولى. فذكر هذه الأمور الستة يومئ إلى سائر متع الحياة؛ ولذلك اعتبرها الله سبحانه متع الحياة فقال:
(ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْن الْمَآبِ) أي هذه الأمور التي حببت إلى النفوس هي متاع الحياة الدنيا، وموضع النفع والانتفاع فيها، وهي موضع الزينة ومطلب الناس الذي يستمتعون به ويرغبون فيه، ولكن عليهم في طلبها والسعي إليها واللجاجة في طلبها أن يلاحظوا ربهم؛ وأن يطلبوا ما عنده؛ ولذا قال سبحانه: (وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْن الْمَآبِ) أي أن الله ﷻ وهو المستحق للألوهية وحده عنده حسن المرجع، فإن المآب معناه المرجع، من آب يئوب بمعنى رجع.
وفى ذكر هذه الجملة السامية في هذا المقام إشارة إلى أن هذه الأمور مع أنها متع هي موضع حساب، فإن اعتدلوا في طلبها وقصدوا إليها من طريقها الحلال وأجملوا في الطلب كانت موضع ثواب، وإن طلبوها من غير حلها، ولم يعطوا حقها، فإنها تؤدي إلى العقاب. وفي هذا الذكر إشارة إلى وجوب الاعتدال في
стр. 1411
طلبها، فما يعاقب عليه هو الإسراف والإفحاش، وأن ينسى بها ربه وحقه فيها، حتى تلهيه عن ذكر الله، وعن حق الله. وأيضا ففيه إشارة إلى أن عند الله نعيما آخر أعلى وأعظم، وهو ما بينه بقوله تعالى:
* * *
стр. 1412
(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ من ذَلِكُمْ ... (١٥)
* * *
الخطاب للنبي ﷺ ؛ يكلفه جل شأنه أن يوجه إليهم ذلك السؤال لينبههم إلى عظيم شأن ما ادخره لهم سبحانه من نعيم مقيم إن أحسنوا، فالاستفهام للتنبيه، وقد حوى من طرق التنبيه ثلاثة: أولها: التعبير بـ (أَؤُنَبِّئُكُم)؛ لأن الإنباء معناه الخبر العظيم الخطير الشأن، وثانيها: التعبير بـ (ذَلِكُمْ) بالإشارة للبعيد للدلالة على عظيم شأن ما سيخبرهم به، وبالتعبير بـ " كم " كأنه يدعوهم جميعا ليستمعوا إلى ما سيخبرهم به، وثالثها: التعبير بـ " خير " الدالة على الأفضلية، وأن نعيم الجنة خير لَا شر فيه قط، وأن نعيم الدنيا لَا يخلو من شر.
وبعد أن كان الاستفهام الذي سيق للتنبيه كان الجواب هو: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَة ورِضْوَانٌ منَ اللَّهِ) هذه متع الآخرة، وهي أعلى مقاما، وأعظم مكانا من نعيم الدنيا، وهي أربعة:
أولها: (جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)، وفي هذه الجنات ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وثانيها: الخلود، وهو نعمة وحده، فكل ما في الدنيا عرض زائل يعروه الفناء، وما فى الآخرة دائم البقاء.
وثالثها: (وَأَزْوَاجٌ مطَهَّرَةٌ) لَا دنس فيها، ولا ما يشينهن أو يوجد الريب، فلا معكر من شر أو ما يشبهه.
ورابعها: وهو أعظمها بل أعظم ما في الوجود، وهوِ (وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ) أي رضا عظيم من خالق الخلق، ومبدع الكون ومنشئ الوجود، فالرضوان مصدر
стр. 1413
كالرضا، ولكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولأن التنكير قصد به التفخيم والتعظيم، ولأنه إبهامه ثم بيان مصدره فيه إشارة إلى شرف هذا الرضا بإضافة لأعظم نسبة إذ هو منسوب إلى الله ﷻ .
(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي أن الله سبحانه ﷻ عليم بأحوال العباد علم من يبصر ويرى، فهو يعلم دقائق أحوالهم وخفي أمورهم، وخلجات قلوبهم. وصدَّر سبحانه القول بلفظ الجلالة لتربية المهابة في القلوب، وإشعارها بعظمته. وإذا كان الله عليما بخفي أحوالهم، فإنه سيجزي المحسن إحسانا والمسيء عقابا؛ فهذه الجملة السامية فيها وعد ووعيد، وفيها إشعار برقابة العلي القدير، مما يجعل المؤمن التقي يشعر دائما بأن الله يراه، وإن لم يكن هو يراه، ويتحقق قول الرسول ﷺ : " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١).
* * *
стр. 1414
(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)
* * *
هذه أول أوصاف المؤمنين الذين استحقوا ذلك الجزاء الكريم من رب العالمين: (الَّذِينَ يَقُولُونَ) وهذا الوصف يدل على أنهم دائما متذكرون للإيمان وحالهم إنما هو تصديق للنبي ﷺ في كل ما جاء به، فلسان حالهم دائما أنهم يقولون (آمَنَّا) أي أنهم يقولون إنهم يذعنون ويصدقون كل ما جاء به القرآن الكريم، وهدي النبي الأمين، ومن كان لسان حاله تذكر الإيمان والإذعان لأمر الله تعالى لَا تكون منه معصية كبيرة، ولا إهمال لأوامر الله تعالى، لأن ارتكاب المعاصي يتنافى مع الإذعان المطلق، وتذكر الإيمان الدائم؛ إذ المعصية تكون في غفلة القلب وعدم تذكر الإيمان؛ ولذا قال ﵊: " لا يزني الزاني وهو مؤمن " (٢)، وإذا كان الإيمان بالله
стр. 1415
مستوليا على شعورهم فهم دائما يغلبون الخوف على الرجاء والضراعة على الطمع، ولذا رتبوا على هذه الحالة طلبهم المغفرة وقالوا (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فهم دائما يحسون بعظم أخطائهم، وذلك من قوة إيمانهم، وقوة إذعانهم، ولذلك يطلبون الستر والغفران، والوقاية من النار، وذلك كله من قوة الوجدان الديني، وعظم سلطان النفس اللوامة، والضمير المستيقظ، فتكبر في نظرهم هفواتهم، وتصغر حسناتهم، ويعتقدون أنه لَا جزاء إلا أن يتغمدهم الله برحمته.
* * *
стр. 1416
(الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)
* * *
هذه خمسة أوصاف للمؤمنين الصادقي الإيمان، والمذعنين حق الإذعان:
أولها: أنهم صابرون، والصبر صفة الإيمان حقا وصدقا، وقد حث عليه القرآن في أكثر من سبعين موضعا، والصبر له شعب كثيرة، منها وهي أدناها الصبر عند الشديدة، وتحملها من غير أنين ولا شكوى، وهذا هو الصبر الجميل، فإن ضج الصابر وشكا فصبره غير جميل، ومنها الصبر بضبط النفس عن الشهوات وقدعها عن الأهواء المردية، وجعل العقل متحكما دائما، وهذه مرتبة عالية في الصبر. ومنها الصبر على تحمل النعم؛ فإن النعم تحتاج إلى صبر لكيلا يطغى الإنسان بسبب النعمة فتؤدي إلى الكفر بدل الشكر. ولقد قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١).
والوصف الثاني: أنهم صادقون، والصدق من أكمل الصفات الإنسانية، وهو شُعَبٌ أيضا فمنها الإخبار بالحق، ومنها أن يصدق نفسه، فلا يخدعها، ويزين لها سوء الأعمال، ويغالط قلبه وحسه؛ ومنها أن يتعرف عيوب نفسه بالحق ويتكشفها ويَتعرفها ولا يسترها عن نفسه، لتكون بين يديه ماثلة دائما فيستيقظ ضميره، وهذا هو طريق التهذيب الروحي الحق.
стр. 1417
والوصف الثالث: أنهم قانتون، والقانت هو الطائع المديم للطاعة غير متململ منها، ولا متبرم بها، ولا خارج على حدودها، فالقنوت يصور الإذعان المطلق.
والوصف الرابع: أنهم المنفقون، أي أنهم ينفقون المال في مصارفه سواء أكانت عامة أم كانت خاصة، وقد بينا مناهج الإنفاق الديني فيما أسلفنا.
والوصف الخامس: أنهم مستغفرون بالأسحار، والأسحار جمع سحر، وهو آخر الليل، وهذا الوقت وقت التهجد، وتذكر ما كان من عمل، واستقبال ما يكون من أعمال، فالاستغفار فيه باستشعار الضراعة وتذكر الله، والشعور بمراقبته، يجعل المؤمن يستقبل أعمال الحياة بقلب سليم نقي كما هو، فلا يكون فيه إلا خير، وليس الاستغفار هو ترداد كلمة أستغفر، إنما هو الشعور بالخضوع، ومراقبة الله والضراعة إليه سبحانه، وليس كذلك أكثر المستغفرين؛ ولذا قالت رابعة العدوية: " استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير ". ولقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: " سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لَا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لَا يغفر الذنوب إلا أنت. ومن قالها بالنهار موقنا فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليله قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة " (١).
* * *
стр. 1418
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)
* * *
بَيَّنَ في الآيات السابقة أوصاف المؤمنين في تبتلهم، وصدق إيمانهم، وإذعان نفوسهم، وصبرهم وضبط شهواتهم؛ وهنا يبين حقيقة الإيمان والإسلام وأن الإسلام شريعة النبيين أجمعين، وهو دين الله المتين؛ وابتدأ سبحانه بحقيقة الإيمان فقال:
стр. 1419
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) الشهادة: الحضور، إما بالبصر، وإما بالبصيرة؛ ومن هذا المعنى قوله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ. . .)، وقوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، ثم أطلقت الشهادة على الإخبار المبني على المشاهدة والمعاينة، ثم أطلقت بمعنى العلم، وبمعنى الحكم؛ ومن ذلك قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ منْ أَهْلِهَا. . .).
وقوله في هذه الآية الكريمة: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولو الْعِلْمِ) للعلماء في تفسير الشهادة فيه طريقان: أحدهما: أن الشهادة الإخبار، وقد أخبر الله عن وحدانيته بالآيات القرآنية التي أنزلها على نبيه في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. . .)، وقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤).
وأخبر الله عن وحدانيته أيضا بالآيات الكونية التي وجه الأنظار إليها من خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومن تسخير
стр. 1420
الشمس والقمر، ومن إيلاج الليل والنهار. وأخبر سبحانه عن وحدانيته بالأدلة القاطعة التي أشار إليها في كتابه العزيز، من مثل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفونَ).
وإخبار الملائكة عن وحدانيته سبحانه، بعبادتهم له سبحانه وطاعتهم المستمرة (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، ونزولهم على الأنبياء بأخبار الوحدانية.
وشهادة أولي العلم من الناس هي إخبارهم أيضا بما يستنبطونه من الأدلة العلمية الكونية الدالة على وحدانيته سبحانه، وتصديقهم لما جاء به الرسل، ونطقهم بما آمنوا به ودعوتهم إليه؛ وهذه الشهادة مختصة بأهل العلم الذين قد أخلصوا في طلب الحقيقة؛ فقد قال تعالى عن الجهال: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ).
وفى إجماع هذه الأخبار - إخبار خالق الكون، وإخبار الملائكة الأطهار، وبني آدم الأبرار - دليل على أنه معنى مقرر لَا مجال لأن يرتاب فيه عاقل.
المعنى الثاني للشهادة في قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) هو العلم. والمعنى: علم الله في علمه الأزلي، وعلم الملائكة بِفِطَرهم وبما أنشأهم عليه رب العالمين، وعَلم أهل العلم من الناس باستنباطهم وتقصيهم لأنواع الاستدلال المختلفة أنه لَا إله إلا هو. وفي جمع العلم على هذا النحو إشارة إلى أن أنواع العلم الثلاثة قد اتفقت على الوحدانية. فعلم الله الأزلي، قد تلاقى مع علم الملائكة النوراني وعلم الناس الاستدلالي على أن الله واحد، فكيف يختلف الناس فيه؟! تعالى الله علوا كبيرا.
وقوله تعالى: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) معناه أنه هو الواحد الأحد، الذي يسيطر على العالم بالقسط والعدل والميزان، وكل شيء في هذا الكون بمقدار، يسير على نظام محكم بقدرته سبحانه، لَا يتعدى أي جزء من أجزاء ذلك الكون الطورَ الذي
стр. 1421
أعده الله سبحانه لها، كما قال سبحانه (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨).
وهذا التعبير السامي (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) فيه مع المعنى الذي ذكرناه إشارة إلى مقام الربوبية، وهو أنه الخالق المسيطر المسير المحكم لهذا النظام الكوني، وإشارة إلى مقام الألوهية، وهو أنه وحده المستحق للعبادة، ما دام هو وحده القائم على كل شيء وفيه إشارة إلى مقام العبودية، وهو أنه لَا يعبد سواه، فلا قوة لأحد أو لشيء بجوار قدرة الله؛ فهو سبحانه الديان، والمجازي للخلق على ما يعملون، بمقتضى قيامه على هذا الكون بالقسط، فإنه بحكم القسط لَا يستوي الذين يعملون الخير، والذين يعملون الشر؛ ولهذا نقول: إن في هذه الجملة الكريمة (قَائِمًا بِالْقِسْطِ) إشارة أيضا إلى اليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب.
وكرر سبحانه تقرير الوحدانية فقال:
(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وفي هذا التكرار إشارات إلى معان جديدة.
منها: الإشارة إلى أنه لَا يترك الناس سدى، فهو بمقتضى انفراده بالربوبية والألوهية والعبودية، قد شرع الشرائع بمقتضى حكمته، وهو يحميها بعزته وسلطانه؛ ولذا وصف سبحانه بأنه (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي الذي يدير هذا الكون وأمور الناس، ويشرع لهم الشرائع ويحميها؛ لأنه العزيز الحكيم.
ثم في هذا النص أيضا إشارة إلى كمال سلطانه وانفراده وحده بهذا السلطان.
وفيه أيضا رد على الذين يتخذون لله شفعاء يحسبون أن لهم سلطانا، وما لأحد عند رب العالمين من سلطان، فكل خلقه بالنسبة لقدرته وعلمه وإرادته سواء.
وقبل أن نترك القول في هذه الآية الكريمة لابد من أن نتكلم كلمة موجزة في أولي العلم؛ فمن هم أولو العلم الذين قرن اسمهم باسم الملائكة بل بلفظ الجلالة، ووضعت شهادتهم مع شهادته سبحانه، وشهادة ملائكته الأطهار؛ هذا سؤال يتردد في نفس كل قارئ يتلو كتاب الله العظيم. ونقول في الإجابة عنه: إنهم الذين وصفهم الله في قوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ... ).
стр. 1422
وهم الذين وصفهم الله تعالى بالتفويض والإخلاص في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ منْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولوا الأَلْبَابِ)،
ولذا نرى أن أول وصف من أوصافهم الإخلاص في طلب الحقيقة، والصدق في القول والعمل، فلا يقال لهم مثلا: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)، وقد أشار سبحانه إلى وصف آخر من أوصافهم فقال: (وَأُوْلُو الْعِلْمِ) أي الذين صاحبوا العلم ولزموه، واتجهوا إلى المعاني الروحية، ولم يخلطوا بالمعاني العلمية الرغائب المادية، ولم يجعلوا العلم مطية للأهواء والمآرب المادية؛ فهاتان صفتان لازمتان أو هما خاصتان من خواص العلماء، وهما الإخلاص، والانصراف التام لطلب الحقائق العلمية بألا يجعل العلم طريقا للمنافع الذاتية الآثمة. ولقد قال رسول الله محمد ﷺ في العلماء الذين كانت فيهم هاتان الخاصتان: " العلماء أمناء الله على خلقه " (١) وقال فيهم: " العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء، وتستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا " (٢).
هؤلاء هم العلماء الذين قرنت شهادتهم بشهادة الله والملائكة، فإن لم يكونوا كذلك فإنه يخشى أن يكونوا ممن خوف أمته منهم في مثل ما روي عنه ﵊ أنه قال: " أخوف ما أخاف على أمتي رجل منافق، عليم اللسان غير حكيم القلب، يغيرهم بفصاحته " (٣).
* * *
стр. 1423
(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّه الإِسْلامُ ... (١٩)
* * *
في هذا النص الكريم قراءتان: قراءة بفتح همزة " أن "، وقراءة بكسر همزة " إن " (٤) وعلى القراءة الأولى يكون سياق النص
стр. 1424
الكريم هكذا (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، شَهِدَ أن الدين عند اللَّهِ الإسلام، فيكون قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ) في موضع البدل أو عطف البيان من قوله تعالى: (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) وينتهي ذلك إلى أن معنى لَا إله إلا الله هو الإسلام، وأن الله يشهد بالإسلام وقد أقام الأدلة على صحته، وأنه دينه الذي ارتضاه، وشهد بذلك الملائكة الأطهار بما أخبرهم به رب العالمين، وشهد به أولو العلم بما استنبطوه، فهو دين العقل، ودين الإخلاص، ودين الله. هذا على قراءة الفتح، أما قراءة الكسر فإن الكلام يكون مستأنفا مقررا لمعاني الآية السابقة وما اشتملت عليه من معاني الألوهية والعبودية والربوبية وعزة الله وحكمته، لأن دين الإسلام يقتضي الإيمان بكل هذا، فكأن سائلا سأل: ما هو الدين الذي يقرر هذه الحقائق؛ فقال سبحانه: إن الدين عند اللَّه الإسلام، وكلمة الدين تطلق بمعنى الجزاء، وبمعنى الطاعة والعبادة وبمعنى مجموعة التكليفات، وإني أميل إلى المعنى الثاني، وهو أن يكون الدين هنا بمعنى الطاعة والعبادة، والمعنى على ذلك: أن الطاعة والعبادة التي يقبلها الله هي الإسلام والإسلام هو الإذعان المطلق لله والإخلاص لله ، وعدم الاستكبار على الحق في أي ناحية من نواحيه، وعلى ذلك يكون الإسلام هنا مكونا من عنصرين: الإخلاص لله ، والخضوع لذات الله وحده لَا لأحد سواه. وقد يؤيد هذا المعنى قول الله تعالى بعد ذلك:
стр. 1425
(فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) وقوله تعالى في آية أخرى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ. . .).
وعلى هذا يكون الإسلام هنا هو كمال الإيمان بالله جلت قدرته، وتوحيده. ولقد قال النبي ﷺ : " الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأركان " (١).
وإضافة الدين إلى الله تعالى بقوله سبحانه: (عِندَ اللَّهِ) واعتبار الإسلام وحده دين الله، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين، فيه بيان فضل الإسلام
стр. 1426
بالمعنى الذي ذكرناه؛ لأنه له ذلك الشرف الإضافي، وهو أن الله لَا يقبل غيره، فوق أنه الحق الخالص من شوائب الشرك.
والإضافة فوق ذلك تفيد أنه الدين الذي نزل على كل النبيين، وأنه الأصل فى كل شرائِع السماء؛ ولذلك قال الله : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى. . .).
فهو دين الله، وقد صرح سبحانه بأنه دين أبي الخليَقة الثاني نوح كما يعبر بعض القصصيين، ودين آخر الأنبياء محمد ﵊. وعلى هذا فدين جميع النبيين دين واحد، وهو دين الله، وهو دين الإسلام.
(وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) وعلى هذا كانت شريعة الله واحدة، وإن اختلفت الديانات السماوية التي لم يجر فيها التحريف والتبديل، فإن ذلك لَا يكون في الأصل، بل يكون في الفرع، ولا يكون في الكليات، بل يكون في الجزئيات ولكن لوحظ مع ذلك أن كثيرين من أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم، فقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، واختلفت كل طائفة فيما بينهم على فرق، كل واحدة تحسب أنها اختصت بالخلاص وحدها، وتكفر الأخرى أو تشلحها من حظيرة الإيمان المقدسة؛ ثم اختلفوا مجتمعين على المسلمين، ونابذوهم العداوة، وقد كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فكانت هذه المنابذة عن بينة، ولم تكن عن جهل، بل إنهم يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم، ولم يؤمن بالحق كثيرون في عصر النبي ﷺ ؛ ولذا قال الله فيهم: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦).
وقد بين سبحانه أن سبب ذلك الاختلاف هو البغي والظلم؛ ولذا قال : (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) فالسبب هو البغي فيما بينهم؛ لأنهم قد بغى بعضهم على بعض بالباطل، وتبادلوا ذلك البغي، كل يبغي على غيره، وإذا تبادل قوم الباطل ضعف في نفوسهم الإيمان، فإن شدة الخصومة تورث
стр. 1427
الريب، ومع الريب يكون النفاق، والمنا فق لَا يؤمن بشيء ولقد قال الإمام جعفر الصادق: " إياكم والخصومة في الدين، فإنها تحدث الريب وتورث النفاق " فتبادل البغي فيما بينهم كما قال : (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) كان سببا في عدم إيمانهم بالحق، بل في عدم إيمانهم بشيء وإن كانوا يعلمونه ويفهمونه، فليس مصدر الإيمان العلم فقط، بل مصدر الإيمان علم وإخلاص في طلب الحق، وإذعان له إذا بدا نوره.
ولماذا قدم كلمة " (إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ) إذ إن السياق هكذا: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم، فقدم حينئذ المستثنى على بعض المستثنى منه؟ والجواب عن ذلك: أن هذا البيان موضع التوبيخ والاستنكار، إذْ إن ذلك الاختلاف ما كان عن تعذر العلم بالحقائق، ولكنه كان مع أن العلم بها قد جاءهم، وكان في قدرتهم أن يصلوا إلى الحق في الأمر من غير اختلاف ولا نزاع ولا إثارة للشك، وكيف يختلفون مع أن العلم قد جاءهم، وكان بين أيديهم أن يعرفوا السائغ منه، والحق أن العلم كالنور لا ينتفع فيه إلا الذين أوتوا بصرا يميزون به وينظرون، وكذلك لابد لإدراك العلم من بصيرة نافذة، وقلب يخضع للحق؛ أما إذا كانت البصيرة غير نافذة، والقلب قد ران الله عليه، فإنه لَا يدرك، وإن كسب السيئات يضع غلافا على القلب يمنعه من إدراك الحق؛ ولذا قال في شأن الضالين: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ٣)، فأسباب العلم لَا تكفي للوصول إلى الحقائق، بل لابد معها من قلب منير، والذين أوتوا الكتاب لم يكن أكثرهم على ذلك من الإخلاص في طلب الحقيقة والإذعان لحكمها، ذلك لأن الشهوات تحكمت في قلوبهم واستولت على نفوسهم، فجعلتهم يبتغون الباطل، ويطلبونه طلبا شديدا، ولهذا جعل الاختلاف مع وجود العلم أساسه البغي فيما بينهم، إذ إنهم يبتغون بالأمر السيطرة والسلطان واحتيازا للسيطرة الدينية، ولذا قال: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي ظلما وتحاسدا، وتغالبا بالباطل بينهم.
стр. 1428
وهؤلاء جاءهم العلم ولم يلازموه ولم يصاحبوه ولم يذعنوا لحكمه؛ ولذا لم يقل سبحانه " أوتوا العلم " بل قال: (جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) إذ قد جاءهم ولم يردوا موارده العذبة، والعلم كالمطر الغزير لَا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا النفوس الطيبة، فأولئك الظالمون جاءهم العلم، ولم يكونوا علماء يخشون الله، ولم يكونوا أولي العلم الذين يشهدون بوحدانية الله.
(وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) آيات الله تشمل آياته الكونية الدالة على وحدانيته، وآياته المنزلة الداعية إلى شريعته، والمبينة لها. والمعنى: من يكفر بآيات الله جاحدا غير مذعن لحكمها طامسا لداعي الفطرة في قلبه فإن الله محاسبه ومعاقبه، والله سريع الحساب. فقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) قائم مقام الجواب المحذوف، والسياق هكذا: ومن يكفر بالله فإن الله معاقبه ومحاسبه، والله سريع الحساب، وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب، وعلى العلم الكامل للمحاسِب وهو الله ، فهو لَا يحتاج إلى فحص وبحث، وتدل على قيام البينات القاطعة، إذ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم بما اقترفوا، بل تشهد عليهم قلوبهم بما جحدوا، وختم الكلام عن أهل الكتاب بهذه العبارة السامية للإشارة إلى أن اختلافهم لَا محالة راجع إلى كفرهم، وأن الكفر له عقاب بعد حساب سريع مؤكد، ونتيجته عذاب أليم، وأسباب العلم حجة عليهم، وليست حجة لهم. اللهم لَا تجعلنا ممن أضله الله على علم، ووفقنا للهداية، وأنطق ألسنتنا بالحق، واهدنا سواء الصراط.
* * *
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
стр. 1429
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)
* * *
ذكر سبحانه اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم، واختلافهم على أنبيائهم بعد أن جاءتهم البينات من ربهم؛ وفي هذه الآية يبين سبحانه محاجتهم للنبي ﷺ ، وأشار إلى أنها محاجة ليس أساسها الإذعان للحق إذا تبين، بل أساسها محاولة طمس الحق، واللجاجة بالباطل، وذلك لأن المجادلة قسمان: قسم يراد به طلب الحق وتمحيصه، ودراسة الأمر من كل نواحيه، وتبادل الأدلة ليستبين من بينها نور الحق، وهذا القسم محمود لَا شك فيه. والقسم الثاني لَا يقصد به طلب الحق، بل يقصد به الدفاع عن فكرته من غير نظر إلى كونها حقا أو باطلا، فهو يجادل ليغالب خصمه، لَا ليهتدي إلى أقوم المناهج، ومن ذلك النوع الأخير مجادلة أولئك الذين اختلفوا من أهل الكتاب، ومجادلة أولئك الذين جحدوا بالآيات من المشركين الذين قال الله في أمثالهم: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ. . .)، وإذا كان جدل هؤلاء من ذلك النوع الذي لَا يقصد به رفع منار الحق أو طلب الحق، فإن النبي ﷺ بأمر ربه طلب إليهم أن يخلصوا في طلب الحقيقة كما أخلص هو، ولذا قال سبحانه: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِيِّينَءَ أَسْلَمْتُمْ) المحاجة: أن يتبادل المتجادلان ما يعتقده كل فريق أنه حجة بأن يقدم كل واحد حجته، ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعمه الحق الذي لَا شك فيه. والمعنى: فإن حاجك أهل الكتاب، ومن لف لفَّهم، وسلك مثل طريقهم، فلا تسر معهم في لجاجتهم، فهم لَا يطلبون الحق مخلصين في طلبه لَا يبغون بدله، ولا يريدون غيره، بل إنهم قد شاهت عقولهم، وتأشبت بالغرض المردي نفوسهم وكلامهم هو التمويه الكاذب ولذلك لا
стр. 1430
تُجارهم في هذه اللجاجة، واطلب تصفية قلوبهم من الغرض والهوى، وابدأ بنفسك فبين سلامة مقصدك ونيتك: (فَقلْ أَسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ). والوجه المراد به الذات، لأنه هو الذي تكون به المواجهة، وهو مجمع محاسن الجسم، فالتعبير به عن الجسم تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل. ومعنى أسلمت وجهي: أخلصت وسلمت نفسي وتفكيري لله ، فلا أفكر إلا في الله، ولا أطلب الأمر إلا لله، ولا أقصد في طلبي إلا وجه الله. ومعنى قوله: (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) أي قد أسلم الذين اتبعوني وارتضوا الإسلام دينا، فقد أخلصوا في طلب الحق وأسلموا وجوههم لله تعالى. وإن إسلام الوجه لله تعالى وحده فيه إشارة إلى التوحيد، وأن محمدا وأتباعه لَا يعبدون إلا الله، وفوق ذلك لا يطلبون أي أمر من الأمور إلا لوجه الله تعالى، وتكون هذه الجملة السامية كقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤).
وإذا كان النبي ﷺ وأتباعه قد أخلصوا لله ذلك الإخلاص في العبادة فإن الأساس الذي تبنى عليه المجادلة بالتي هي أحسن، أن يطلب منهم النبي ﷺ أن يكونوا على مثل تلك الحال من الإخلاص في طلب الحقيقة، ولذا أمر الله نبيه بأن يطلب إليهم ذلك، فقال سبحانه: (وَقل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَءَأَسْلَمْتُمْ).
أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى، لأن أسلافهم قد أوتوا الكتاب أي أعطوه كاملا وأخذوه كاملا، وإن كانوا مع ذلك قد نسُوا حَظا ممَّا ذُكِّرُوا بِه.
والأميون هم المشركون، وجاء التعبير عن المشركين بالأمّيين، لأنَهم أولا تغلب فيهم الأمية؛ إذ قليل منهم من يقرأ ويكتب، وليست لهم علوم؛ ولذا كان يقول العرب عن أنفسهم، نحن أمة أمية، ولأنهم لم يعرف لهم كتاب يرجعون إليه في أحكام دينهم. وفوق ذلك هذا التعبير فيه توبيخ لليهود والنصارى؛ إذ إنهم بعدم تسليمهم للحق وإذعانهم له تساووا مع أولئك الذين كان يسميهم اليهود
стр. 1431
أُمّيين ولا يحترمونهم، ويقولون عنهم (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).
ومعنى النص الكريم: قل لأهل الكتاب والمشركين: إذا كنت قد أخلصت في طلب الحق فهل أخلصتم؟
والاستفهام في قوله تعالى: (ءَأَسْلَمْتُمْ) للحضِّ على أن يسلموا وجوههم لله ويخلصوا في طلب الحقيقة كما أخلص الرسول وأصحابه، وكأن النبي ﷺ يوجههم إلى أن يطلبوا الحقيقة مجردين أنفسهم من كل هوى وغرض وتعصب، بدل أن يحاولوا الإلحان بالحجة والمغالبة بالقول، وأن يستمروا على اللجاجة في الجدل. وبهذا يتضمن الاستفهام معنى جليلا وهو أن يبين لهم النبي ﷺ أن العبرة في طلب الحقائق ليس بالأدلة تصطنع، والحجج تزوَّر، إنما العبرة بإسلام الوجه والإخلاص في طلب الحقيقة، وقد قال في ذلك الزمخشري: " وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة، ولم تبق من طرق الاستدلال طريقا إلا سلكته: هل فهمتها؛ لا أُمَّ لك! " ويكون الاستفهام حينئذ عند الزمخشري من قبيل التوبيخ على عدم الإخلاص.
وعندي أن الاستفهام بمعنى الحض، والمعاني على أي حال متقاربة. ولقد بين سبحانه نتيجة الإخلاص إن أخلصوا فقال:
(فَإِنْ أَسْلَمُوأ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ) والمعنى: إن أسلموا وجوههم لله، وأخلصوا دينهم لله، ولم يلاحظوا في طلب الحقيقة عصبية مذهبية أو جنسية، فقد اهتدوا أي سلكوا طريق الحق، ومن سار على الدرب وصل. وقد فسرها بعض العلماء بمعنى يهتدون، وعبر بالماضي لتحقق الهداية تحققا كاملا. وعندي أن نفس ذلك الإخلاص، وهو إسلام الوجه لله تعالى هو الهداية الحق، فمن أسلم وجهه لله تعالى مخلصا في طلب الحق، فقد اهتدى حقا وصدقا؛ إذ إن ذلك الإخلاص هو روح الدين وغايته، فمن وصل إليه فإنه لَا محالة سيتبع الدين الذي يوصل إليه وهو الإسلام.
стр. 1432
هذا إن أخلصوا، وإن تولَّوْا أي أعرضوا عن هذا الإخلاص، وانصرفوا إلى المثارات البيانية يثيرونها ليطفئوا نور الحق، فما من حجة تهديهم، وما من آية ترشدهم، وقد أديت ما وجب عليك وهو التبليغ؛ ولذا قال سبحانه: (وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ) وقد بلغتهم فالمحاجة معهم لَا تجدي؛ لأنهم مكابرون، والمكابر لا تزيده قوة الحجة إلا إصرارًا وعنادا ولجاجة؛ فإن أعرضوا فأعرض عنهم، واتجه إلى المخلصين طلاب الحقيقة تهديهم وترشدهم، وتأخذ بيدهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا وثوابهم في الآخرة. ثم ذيل سبحانه الآية بقوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِير بِالْعِبَادِ).
والمعنى أنه عليم علم من يبصر بالعباد، يعلم نفوسهم ما يهديها وما يرديها، وما يصلحها وما يُجدبها، وعليم بنفوس هؤلاء المتمردة التي لا تبغي سدادا، ولا تريد رشادا، وعليم بمسالكهم في الدنيا، وأعمالهم التي أركستهم في ذلك الضلال المتكاثف، والذي يزيده إمعانهم في الإنكار والجحود ظلاما، وعليم بما يصيبهم في الآخرة. فهذا التذييل لتلك الآية الكريمة فيه عزاء للنبي عن كفرهم وإشارة إلى أحوالهم، وإنذار بسوء مصيرهم.
وقبل أن نختم الكلام في هذه الآية الكريمة نقرر أن جمع أهل الكتاب والأميين في دعوة النبي ﷺ إشارة إلى عموم رسالته، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا. . .)، ولقد قال ﷺ : " بعثت إلى الأحمر والأسود " (١) وقال ﷺ : " كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة " (٢) ولقد قال ﷺ : " والذي نفسي بيده لَا يسمع بي أحد من هذه
стр. 1433
الأمة يهودي ولا انصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من " هل النار " (١).
* * *
стр. 1434
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)
* * *
هذه بعض أعمال أسلاف الذين كانوا يحاجون النبي ﷺ ، وقد ذكرت تلك الأعمال للدلالة على أنهم لَا يطلبون الحق، وإنما يلجون في الباطل، وقد ذهبت لجاجتهم إلى درجة أن يقتلوا الداعين إلى الحق، فقتلوا بعض النبيين، وقتلوا بعض الذين يدعون إلى القسط. وقد ذكر سبحانه لهم وصفا، ثم ذكر من أعمالهم عملين يتصلان بوصفهم؛ أما الوصف فهو أنهم يكفرون بآيات الله، أي يكفرون بالحجج والبينات المثبتة لوحدانية الله، ولرسالة رسله وصدق دعواتهم، فهم لَا يكفرون فقط بالله، بل يكفرون مع ذلك بالآيات الدالة المثبتة، وهذا أقصى ما يصل إليه الضالون، لَا يهتدون إلى الحق، ويغلقون عقولهم فلا يمكن أن تصل إليها دعوة الحق، ويمنع الغرض مداركهم من أن تفهم ما تشير إليه الآيات البينات وأمثال هؤلاء لَا تجدي معهم محاجة، فهم قوم بور، كما عبر القرآن الكريم عن أمثالهم، وإنهم لكفرهم بالحق وعنادهم، وصم آذانهم عن أن تستمع إلى الداعي إليه اندفعوا فعملوا عملين وهما: قتل النبيين، وقتل الدعاة إلى القسط؛ والقسط هو الحق والميزان والاعتدال والمعقول في كل شيء، وهؤلاء اليهود قد قتلوا بعض النبيين كيحيى بن زكريا ﵉ فكيف يقال إنهم قتلوا النبيين، ولم يقل بعض النبيين؟ والجواب عن ذلك أنهم استهانوا بمقام النبوة، ومقام الدعوة إلى الحق، فاعتدوا ذلك الاعتداء على بعض النبيين، ومن فعل ذلك مع البعض فقد اعتدى على مقام النبوة فكأنما قتل كل الأنبياء، كما قال تعالى: (ومَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. . .).
стр. 1435
ولماذا ذكر كلمة (بِغَيْرِ حَقٍّ) مع أن قتل الأنبياء لَا يمكن أن يكون بحق أبدا؟ والجواب عن ذلك أن هذا تصريح بموضع الاستنكار، فموضع الاستنكار اعتداؤهم على الحق بالاعتداء على النبيين، وللإشارة إلى أنهم بما طمس الله على بصائرهم صاروا أعداء للحق لَا يألفونه، ولا يريدونه ولا يخلصون في طلبه. وذكر سبحانه كلمة الحق بصيغة التنكير فقال (بِغَيْرِ حَقٍّ) لعموم النفي، بحيث يشمل الحق الثابت، والحق المزعوم، والحق الموهوم، أي لم يكونوا معذورين بأي نوع من أنواع العذر في هذا الاعتداء، فلم يعتقدوا أنه الحق، ولم يزعموه، ولم يتوهموه، بل فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون أنهم على الباطل، فكان فعلهم إجراما في باعثه، وإجراما في حقيقته، وأبلغ الإجرام في موضوعه.
هذا قتل الأنبياء، وهو أفظع جرم في هذا الوجود، ويليه ومن جنسه قتل الدعاة إلى الحق، والقسط الذي هو الميزان في كل شيء، فإن قتل هؤلاء كقتل النبيين منشؤه صمم الآذان عن سماع الحق، وإعراض القلوب، والتململ من أهل الحق والتبرم بهم. وقد قال ﷺ : " بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، بئس القوم قوم لَا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يمشي المؤمن بينهم بالتقية " (١)! وروى أن أبا عبيدة عامر بن الجراح سأل رسول الله ﷺ : أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ فقال الرسول ﷺ : " رجل قتل نبيا، أو من أمر بمعروف ونهي عن المنكر " (٢).
стр. 1436
ولماذا قال سبحانه (مِنَ النَّاسِ) في قوله (الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) مع أنهم حتما من الناس؟ والجواب عن ذلك أن هذا للإشارة إلى أنهم ليسوا بأنبياء بل من الناس غير المبعوثين، وفي قرنهم بالأنبياء، وإثبات أن الاعتداء عليهم قرين الاعتداء على الأنبياء إشارة إلى بيان منزلتهم، وأنهم يعملون عمل النبيين وأنهم حقيقة ورثة الأنبياء، بالقيام بحق هذا الواجب المقدس، فإن لم يقوموا بهذا الواجب فليس لهم من وراثة الأنبياء شيء.
وقد ذكر سبحانه عقاب هؤلاء وهو العذاب الأليم، فقال تعالى: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي أن جزاءهم في الآخرة عذاب مؤلم ينزل بهم.
وفى هذا الجزء من الآية بحثان لفظيان:
أحدهما: دخول الفاء في خبر الذين وهو: (فَبَشِّرْهُم) وقد دخلت الفاء لأن الجملة طلبية، والجملة الطلبية تحتاج إلى الفاء لتصلح خبرا في كثير من الأحيان، ولأن الاسم الموصول في معنى الشرط، وخبره في معنى الجواب، وإذا كان الجواب جملة طلبية فإن الفاء تدخله.
والثاني: هو في التعبير بقوله تعالى عن العذاب: (فَبَشِّرْهُم) مع أن البشارة لَا تكون إلا في الأخبار السارة، لأن البشارة والبشرى الخبر السارّ الذي تنبسط له بشرة الوجه، والجواب عن ذلك أن هذا التعبير من قبيل التهكم؛ وذلك لأن هؤلاء الضالين من بني إسرائيل وغيرهم مع أنهم جحدوا، وفعلوا بالأنبياء ودعاة الحق ما فعلوا، وكانوا يقولون: نحنُ أبناءُ اللهِ وأحباؤه، وأن لهم البشرى بجنسهم لَا بعملهم، فالله يقول له: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي أن البشرى التي يرتقبونها بسبب المحبة التي يدعونها هي عذاب أليم وليست بنعيم مقيم، وليس هذا العذاب في الآخرِة فقط، بل إنه في الدنيا بفساد جماعتهم، ولذا قال سبحانه:
стр. 1437
(أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)
* * *
الإشارة إلى هؤلاء الذين يحاجون بالباطل، ولا يسلمون وجوههم لله، ولا يذعنون للحق، ويقتلون الأنبياء، ويقتلون دعاة الحق؛ هؤلاء بسبب هذه الصفات
стр. 1438
وهذه الأعمال حبطت أعمالهم، أي بطلت وأصبحت لَا تنتج إلا شرا لصاحبها، كالدابة التي تأكل شر الثمار حتى ينتفخ بطنها من سوء ما تأكل، وَحَبْطُ الأعمال أن لَا تنتج خيرا لصاحبها، وأن يكون الجزاء عليها شرا، وأن تكون نتيجتها سوءًا، فيحاسب الله الفاعلين على نياتهم التي طويت في صدورهم وعملوا الأعمال باسم الخير، وهي للشر، وأولئك الأشرار يبطل الله أعمالهم ويحبطها، فجزاؤها شر في الآخرة بعذاب أليم، وفي الدنيا بذهاب دولتهم وسلطانهم؛ لأن الإعراض عن الحق، ومعاقبة من ينطق بكلمة الحق، وقتل الذين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر، من شأنه أن يفسد الدولة، وإذا فسدت الجماعة ذهبت القوة، ولذا قال سبحانه: (وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ) أي ليس لهم أي ناصر، فالنفي المستغرق مع تأكيده بمن الزائدة، يفيد أنه لَا يمكن أن يكون لمن يقتل الداعي إلى الخير ناصر مطلقا؛ لأن الناس لَا يثقون به ويتقونه ولا يطمئنون إليه، ولا يمكن أن يعيش امرؤ هنيئا إلا بثقة من الناس. ولقد قال ﷺ : " خير الناس آمَرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلهم للرحم " (١).
* * *
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)
* * *
стр. 1439
قد بين في الآيات السابقة عن ماضي اليهود من أهل الكتاب أنهم اختلفوا بغْيًا بينهم مع أن أسباب العلم متوافرة بين أيديهم، ولكن البغي ومجاوزة الحد إن سكنا في رءوس قوم أذهب عنهم الهداية، وتحكمت فيهم الغواية مهما تكن أسباب العلم قائمة؛ وبين سبحانه أيضا أنهم قوم غير مخلصين في طلب الحقيقة، وأنهم لو أخلصوا لوصلوا، وأن محاجتهم للنبي ﷺ منبعثة عن الهوى والغرض. وفي هذه الآيات يبين سبحانه صورة حسّية عن مناقشتهم للنبي ﷺ ؛ يكون الحق محسوسا بين أيديهم ويعرضون بعد أن تتبين الحجة ناصعة.
стр. 1440
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا هِّنَ الْكتَابِ يدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكمَ بَيْنَهُمْ) هذه الآية نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم النبي ﷺ إلى الدين الحق فأعرضوا، ودعاهم ليحكم بينهم كتاب الله فأعرضوا، ولكن ما كتاب الله الذي دعاهم إليه؛ روى في ذلك ابن جرير الطبري روايتين:
إحداهما: أن المراد من كتاب الله التوراة، فهي في أصلها كتاب من عند الله، وإن حرفوه وغيروه؛ ويروى في ذلك أن النبي ﷺ دخل مَدْرَاسَ اليهود، وهو بيت تدارسهم، فدعاهم إلى الله، فقال قائلهم له: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم، فقال القائل: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال الرسول الكريم ﷺ : " هَلُمَّ إلى التوراة فهي بيننا وبينكم " هذه هي الرواية الأولى. وإطلاق كلمة (كِتَابِ اللَّهِ) على التوراة باعتبار أصلها، وباعتبار أن الجزء الذي كان التحاكم إليه فيها هو من الجزء الباقي الذي لم يدخله تحريف.
والرواية الثانية: أن كتاب الله هو القرآن؛ وذلك لأن طائفة من اليهود تحاكموا إليه ﷺ ليحكم بينهم بحكم القرآن، فلما تبين لهم الحكم وأنه على غير هواهم أعرضوا وَنَأوْا بجانبهم عن سماع قول الحق والإنصات إليه.