(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ... (٤١):
* * *
في تفسير هذا النص الكريم اتجاهان:
أولهما: أن سيدنا زكريا ﵇ طلب علامة تدل على موعد الحمل، فقال: (اجْعَل لِّي آيَةً) أي علامة أعرف منها موعد الحمل، فقال له ربه: آيتك أي علامتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا، أي لَا تستطيع أن تكلم الناس إلا بالرمز والإشارة، وأن تستطيع ذكر الله، فاذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار، أي في المساء، وفي الصباح من وقت الفجر إلى الضحى، وقد وضح هذا الاتجاه الزمخشري فقال: " آيتك ألا تقدر على تكليم الناس ثلاثة أيام، وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله؛ ولذلك قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ)، يعني في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من الآيات الباهرة. فإن قلت لم حبس لسانه عن كلام الناس؟ قلت ليخص المدة بذكر الله لَا يشغل لسانه بغيرها، توفرا منه على قضاء حق تلك النعمة الجسيمة، وشكرها الذي طلب الآية من أجله، كأنه لما طلب الآية لأجل الشكر قيل له آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر.
وأحسن الجواب وأوقعه ما كان مشتقا من السؤال ومنتزعا منه ".
هذا هو الاتجاه الأول. وأساسه أن ثمة أمرا آخر خارقا للعادة، وهو عجزه عن كلام الناس مع قدرته على الذكر.
أما الاتجاه الثاني، فأساسه غير ذلك، إذ إن معنى النص الكريم على هذا الاتجاه أن زكريا شعر بإكرام الله تعالى إكراما خصه به، وكانت آية ذلك الإكرام بين الناس أنه قد أنجب من عاقر وعجوز ولدا، وقد بلغ من الكبر عتيا، فدعا ربه أن يجعل له بين الناس آية تدل على عظيم شكره، وأن يختص من بين الناس بهذا الشكر، ليعلم الناس علامة شكره كما علموا علامة إكرامه، فقال سبحانه:
стр. 1507
(آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) بأن تحبس أنت لسانك عن حديث الناس وتجعله خاصا لله ثلاثة أيام لذكره وتسبيحه طرفي النهار وزلفا من الليل، فهذه آية شكر في نظير آية إنعام، وقد يزكي ذلك الاتجاه أنه لَا دليل في الآية على العجز عن الكلام، فما قال تعالت كلماته ألا تستطيع الكلام، بل قال: (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ) وإضافة عدم الكلام إليه يدل بظاهره على أنه امتنع اختيارا لَا اضطرارا، وأن الأنسب بشكر النعمة أن يكون امتناعه عن كلام الناس بالكف عنه، لَا بالعجز عنه، فإن الأول اختياري يعد شكرا، والثاني غير اختياري يعد عجزا، وإن سياق القصة في سورة مريم أظهر في الدلالة على الاختيار دون الإجبارِ إذ يقول سبحانه: (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠).
وقد كان الدعاء بطلب الولد في المحراب وإجابته فوره كما نوهنا، وكانت المجاوبة فيه أيضا، فخرج إلى الناس ينفذ طلب ربه في أن يحبس وهو مختار لسانه عن غير ذكر الله تعالى، ويعتزم العكوف على الذكر والتسبيح ويدعو الناس إليه بالرمز والإشارة، لَا بالكلام والعبارة. وإن هذا الاتجاه لَا ينكر الخوارق، ولكنه ليس في الآية ما يدل على الخارق، ويعتبر من مرشحات شكر النعمة أن يكون ترك كلام الناس اختيارا. وفوق ما تقدم فإن عطف قوله تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثيرًا وَسَبِّحْ بالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ). يقتضي أن يكون قوله تعالى: (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ. . .) جملة طَلبية؛ لأن الجملة الطلبية لَا تعطف إلا على مثلها، وإذا كان الامتناع عن كلام الناس طلبا من الله العلي القدير، فهو اختياري من المكلف وليس حبسا وعجزا، أما إذا كان خارقا فهو إخبار وليس بطلب.
وهنا بعض عبارات نفسرها لفظيا:
الأولى: كلمة (إِلَّا رَمْزًا) قد جاء في تفسير الزمخشري: " إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وأصله التحرك، يقال ارتمز إذا تحرك، ومنه قيل للبحر الراموز، وقرأ يحيى بن وثاب " إلا رمُزا " بضمتين جمع رموز كرسول ورسل؛ وقرئ " رَمَزاً " بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم.
стр. 1508
والثانية: كلمتا (بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ)؛ فالعشي من حين تزول الشمس إلى أن تغيب، والإبكار من طلوع الشمس إلى وقت الضحى.
والثالثة: كلمتا ذكر وتسبيح؛ فإن الذكر معناه أن يستحضر الإنسان عظمة ربه، وينطق بها لسانه، والتسبيح معناه التنزيه المطلق لله ، وقد كان طلب الذكر والتسبيح في هذا المقام مناسبا لتلك النعمة التي أسداها لعبده ونبيه زكريا ﵇؛ فإن سيادة المادية في بني إسرائيل وطغيانها على الروح أنستهم ذكر الله، وسيادة الفلسفة المنكرة للإرادة جعلتهم لَا ينزهون الله تعالى، فدعا ربه لأن يقوم بهذا الأمر الذي فيه استذكار كل معاني الألوهية وانصراف بالكلية للنواحي الروحية. وفي التسبيح إدراك لله وتنزيه له عن العلية؛ ولذا اتخذ زكريا من هذا الخارق للعادة بإنجابه ولدا سبيلا؛ لأن يدعوهم إلى التسبيح وهو التنزيه عن العلية والسببية وكل ما لَا يليق بذات الله تعالى، وأن يتركوا ما هم عليه من ماديات وفلسفة تنكر الإرادة لرب العالمين، فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا.
* * *
(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)
* * *
بين الله سبحانه الأمر الخارق للسنن التي سنها في خروج الحيّ من الحي، بالنسبة لولادة يحيى من عجوز عاقر، وإن الذي خرق هذه السن هو خالق السنن، وإنما خرقها الذي خلقها ليعلم الناس أنه سبحانه خلقها بإرادته وحكمتة؛
стр. 1509
فإنه فعال لما يريد. وبعد أن بين ذلك، وهو العليم، مهد سبحانه لخارق أعظم وأبين، ليقرع حس الناس في عصر غلب فيه التفكير المادي على التفكير الروحي؛ وذلك هو خلق عيسى ابن مريم من غير أب، كما خلق من قبل آدم من غير أب ولا أم، وكان ذلك التمهيد ببيان الإرهاصات التي سبقت ولادة عيسى ﵇، وهو اصطفاء مريم واختيارها لتكون محل تلك الوديعة التي يودعها الله رحمها من غير علاقة ذكر بأنثى، وكان الاصطفاء بالطهارة والعفة والقنوت، والركوع والخضوع لرب العالمين، ثم باختيارها النهائي للوديعة الربانية؛ ولذا قال تعالى:
стр. 1510
(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهُ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) " الواو " هنا عاطفة، وهي تعطف هذا النص الكريم على قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا. . .)، فهذا عود إلى قصة مريم البتول التي ابتدأت بالنذر بها وهي حمل، ثم ببيان حال أمها عند وضعها وبعد وضعها، وما كان من رزق الله تعالى لها وكفالة نبي الله زكريا إياها، مما جعلها تنشأ تنشئة التقوى والورع، ولما شبت عن الطوق واكتملت في تكوينها وأنوثتها خاطبتها الملائكة بذلك الخطاب (قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) وتفسر كلمة الملائكة هنا بعدد منهم، لَا بواحد، كما استظهرنا مع ابن جرير في خطاب الملائكة لنبي الله تعالى زكريا ﵇؛ ولكن يجيء هنا البحث: من أي نوع خطاب الملائكة لمريم البتول؛ أكان بالمخاطبة كما يخاطب النبيون، أم كان بالإلهام أو الرؤيا الصادقة في النوم؟ لم تبين الآية هنا نوع الخطاب؛ ولذا قال بعض العلماء: إن الخطاب كان بالإلهام، وإلى هذا يومئ الزمخشري ﵁، ولكنه صرح بقوله: " روي أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا، أو إرهاصا لنبوة عيسى ﵇ ".
وبعض العلماء كما ترى قرر أن الخطاب كان مشافهة ولم يكن إلهاما، ولا رؤيا صادقة في النوم؛ وإنا نميل إلى ذلك الرأي،؛ لأنه ثبت بنص القرآن الصريح
стр. 1511
الذي لَا يحتمل تأويلا أن الملك خاطبها حين ابتدأ حملها، كما جاء في سورة مريم، إذ قال الله : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩).
والروح الذي ذكر مضافا إليه سبحانه هو روح من عند الله، أرسله سبحانه ليبشر مريم البتول بعيسى ﵇، ولم يكن الملك يحمل وديعة كما يحمل الإنسان؛ لأنه ليس بإنسان، والعلاقة الجنسية من خواص الآدمية؛ بل الوديعة التي يحملها هي بشرى، والخلق والتكوين لرب العالمين، وهو يخلق الحي من غير جرثومة حياة، كما يخلق جرثومة الحياة نفسها.
وإذا كانت الملائكة قد خاطبت مريم مشافهة فهل هي نبية، لأن الملائكة خاطبوها؟ هكذا قال بعض العلماء.
ولكن الأكثرين على أنه لَا يمكن أن تكون نبية، وخطاب الملائكة لها لا يقتضي النبوة؛ لأن النبي من يوحى إليه بشرع، ومريم لم يوح إليها بشيء من الشرع، ولكنه كان خطابا للبشارة بواقعة معينة دالة على علو منزلتها، واصطفاء الله لها.
والاصطفاء افتعال من صفا؛ فمعنى اصطفى طلب الصفوة المختارة؛ والمعنى اللازم هو اختيار الله تعالى لها باعتبارها من صفوة الإنسانية البرة التقية. ولقد كان اصطفاء الله تعالى إياها مرتين بينهما طهر وتقى؛ فأما الاصطفاء الأول فحين قبولها نذرا من أمها البرة التقية، واختيارها لسدانة البيت المقدس؛ وأما الاصطفاء الثاني فهو حين اختارها لتكون أما لمن لَا أب له، إذ تلد بعد أن تحمل من غير علاقة تناسلية مما يجري بين البشر؛ وبين الاصطفاءين طهر وتقى وعفاف، وإيمان وانصراف للعبادة، وهذا هو معنى قوله تعالى عن خطاب ملائكته لمريم: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) وذكر في الاصطفاء ما يدل على أنها
стр. 1512
به مختارة دون نساء العالمين؛ لأن الاصطفاء الأول ومعه الطهر والتقى لَا تختص به مريم، فكم من عابدات قانتات قوامات بالليل صوامات بالنهار؛ أما الاصطفاء الثاني وهو أن تلد من غير أب فإن ذلك قد اختصت به لم تشركها فيه امرأة في هذا الوجود، ولذا قال فيه: (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ).
وإن هذا التعبير يدل فوق دلالته على اختصاصها بهذا الاصطفاء، يدل على أن لها فضلا على نساء العالمين، إذ إن التعبير (عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) يتضمن معنى الأفضلية عليهن، وإن لها ذلك الفضل، ولذلك قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " (١) وروي من طرق صحيحة: " خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد " (٢).
* * *
стр. 1513
(يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)
* * *
القنوت لزوم الطاعة
والاستمرار عليها، مع استشعار الخضوع التام المطلق، والاستسلام لله وإسلام الوجه لله الكريم، فمعنى نداء الملائكة دعوتها إلى أن تستمر على ما هي عليه من خضوع لله وإسلام وجهها له سبحانه، وتفويض أمورها له. وتكرار النداء لإشعارها بقربهم منها وهم رسل ربهم إليها، وفي ذلك بيان قربها منه . وفي تكرار النداء إشعار بأن طلبهم الاستمرار على القنوت هو من قبيل شكر الله على هذه النعمة؛ فهذا الاصطفاء يوجب الشكو بالاستمرار على القنوت، وقوله تعالى: (وَاسْجُدِي) هذا الأمر هنا يفسر بملازمة الطاعة والعبادة؛
стр. 1514
فالسجود الخضوع المطلق لله تعالى؛ لأن أظهر مظاهر الخضوع أن يتطامن الشخص فيضع جبهته على الأرض خضوعا لله تعالى، وشعورا بعظمته وجلالته، وعلوه سبحانه، وانخفاض العبد أمامه. وقوله تعالى: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكعينَ) فسرها الزمخشري بأن تصلى مع المصلين، فقال: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) بمعنى لتكن صلاتك مع المصلين أي في الجماعة، أو انظمي نفسك في جملة المصلين، وكوني معهم في عدادهم، ولا تكوني في عداد غيرهم "، فالأمر بالركوع مع الراكعين كناية عن صلاتها مع الجماعة، وهذا فيه فائدة، وهي إثبات أن الصلاة مع الجماعة من تمام النسك والعبادة. فمريم البتول كانت ملازمة للمحراب منذ نشأتها في كفالة زكريا ﵇، وهي بهذا تشبه أن تكون بعزلة عن عوجاء الحياة وما فيها، وما عند الناس حتى في عباداتهم، فبينت لها الملائكة عن الله سبحانه أن تصلي جماعة مع الناس، فإن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد.
وعلى ذلك يكون الأمر بالسجود من قبيل الأمر العام بالانصراف للعبادة والطاعة؛ لأن فيه أظهر مظاهر إسلام الوجه لله، ويكون الأمر بالصلاة ثابتا بقوله (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).
ويصح أن نقول إن الأمر بالسجود هو أمر بالصلاة مطلقا، إذ إنه أظهر مظاهر الصلاة، وأقواها تأثيرا في النفس، وكان الأمر على هذأ النحو بأن تديم الصلاة منفردة وفي خلواتها؛ وقوله تعالى: (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أمر آخر بأن تصلي مع الجماعة وألا تنقطع عنهم لفضل الصلاة في الجماعة، وكأن في النص تعبيرا عن طلب الصلاة بتعبيرين؛ أولهما: طلبها بعبارة " اسجدي " والثانية: طلبها مع الجماعة، بعبارة " اركعي "، والبلاغة تسوغ أن تعبر عن المعنى الواحد بعبارتين مختلفتين في صيغتيهما ومادتهما في مقام واحد، وإن كان الأمر - الأول مطلقا، وكان الثاني مقيدا.
هذه قصة مريم في ولادتها، وتهيئتها للآية الكبرى الدالة على أن الخالق فاعل مختار، قد قصها الله جل شأنه في القرآن الذي جاء به أمي لَا يقرأ ولا
стр. 1515
يكتب، لم يتعلم ولم يجلس إلى معلم، ولم يختلط باليهود والنصارى، وفوق ذلك هذه القصة لم تكتب في التوراة قط، ولم يتعرض لها الإنجيل، وجاء بها القرآن الكريم. وهي صادقة كل الصدق فمن أين جاء علم هذا إلى ذلك الأُميّ؟ إنه من عند الله. أشار المولى إلى هذا المعنى بقوله:
стр. 1516
(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نوحِيه إِلَيْكَ) الإشارة إلى القصص الحكيم الذي شمل نذر أم مريم، وولادتها، وكفالة زَكريا لها، ودعاء زكريا وإجابة الله دعاءه، ولزوم مريم للعبادة، وخطاب الملائكة؛ فبين الله أن هذا القصص من أنباء الغيب، أي من الأخبار العظيمة الشأن التي اختص بها علم الله، وهي مغيبة عن الناس لم يدونها تاريخ، ولم يذكرها كتاب، فهي مغيبة عن علم الناس لَا يعلمها أحد إلا من الله تعالى، وهي عظيمة الشأن في مجرى التاريخ الديني، ومجرى الفكر الإنساني، ومجرى التاريخ بشكل عام؛ وذلك لأنها تتعلق بآية من آيات الله الكبرى في هذا الوجود، وهي إيجاد إنسان كامل مستو من غير أب، وحمل امرأة من غير تلقيح؛ فإن هذا يفتق ذهن الإنسان المفكر لأن يدرك أن الله يخلق الأشياء بإرادته غير مقيد بسنن كونية، ولا بنظم في الخلق والإنشاء؛ لأنه خالق كل السنن وكل النظم؛ وبذلك يرد أقوال الفلاسفة الذين زعموا أن العالم نشأ عن العقل الأول نشوء المعلول عن العلة من غير إرادة مبدعة مسيرة.
والأنباء جمع نبأ، والنبأ هو الخبر العظيم الشأن، فليس كل خبر يسمى نبأ، والغيب هو الأمر المغيب المستور الذي لَا يعلم إلا من قبل الله تعالى. وقوله: (نُوحِيهِ إِلَيْكَ) إشارة إلى موضع الصدق وهو أنه بوحي من الله تعالى؛ وهو كالنتيجة لكون الموضوع مغيبا، لم يذكر في واقعة تاريخية ولا في كتاب ديني من قبل، لأنه إذا كان مغيبا عن الناس جميعا فعلمه لَا يكون إلا من الله تعالى. وفي قوله: (نُوحِيهِ إِلَيْكَ) مع كونه من قبل كان مغيبا إشارة إلى معنى الاختصاص، وفى الاختصاص بالتعريف كل معاني التكريم الإلهي لمحمد ﷺ .
وإذا كانت حال مريم وخلوصها لعبادة الله تعالى مجهولة للناس قبل بيان القرآن، فإن القرآن صاحب الفضل في بيان براءتها من الدنس، ومقامها في عبادة
стр. 1517
الله تعالى، وكفالة الله تعالى لها بنبي من أنبيائه، وتشريف الله تعالى بخطاب ملائكته لها مبشرين بالآية الكبرى والمعجزة الإلهية القاطعة، وذلك بولادة عيسى ﵇.
وفى ذلك إشارة إلى وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم، وهو إخباره بالصادق الذي لَا يوجد دليل قط على كذبه مع أن النبي ﷺ لم يقرأ ولم يكتب، ولم يتعلم، والخبر لم يكن مدونا من قبل حتى يتلقاه من أحد كأولئك؛ الذين ادعوا أنه كان يقول ما يتول عن أخبار بني إسرائيل من حداد بمكة، وقد رد الله تعالى فريتهم بقوله تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣).
فلا يمكن أن يدعى لأخبار مريم؛ لأنه ما كان معلوما قبل بيان الله تعالى، ولذلك سماه غيبا.
وقد وضح هذا المعنى، وهو كون هذا بوحي، لَا من عند محمد ﵊، بقوله:
(وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) الأقلام جمع قلم، من قلمه بمعنى قطعه، والمراد بالأقلام القداح التي يضربون بها القرعة. والاختصام معناه في الأصل أن يكون كل في خصم أي جانب، والاختصام هنا هو التنافس بينهم في كفالة مريم؛ وذلك لأنها ولدت يتيمة، وقد تيمن العباد من بني إسرئيل بها، وكل يرجو خيرا من كفالتها، ويتخذ من هذه الكفالة قربة وزلفى إلى الله العزيز الحكيم، العليم الخبير، فلما كان الاختصام والتنافس اتفقوا على القرعة فكم بينهم، وقد كانت نتيجة القرعة أن آلت كفالتها إلى نبي الله زكريا ﵇، وهكذا كان الله تعالى يختار لها ولابنها، فاختارها من صفوة آل عمران، واختارها منذورة للعبادة محررة لها، واختارها مكفولة بنبي، واختارها لخطاب الملائكة إيأها، ثم كانت النتيجة لهذا كله أن اختارها على نساء العالمين لتكون موضع آيته الكبرى في هذا الوجود.
والمعنى الجملي للنص الكريم: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أي عندهم إذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم، كل يريدها في كنفه ورعايته، وما كنت لديهم إذ
стр. 1518
يحتكمون إلى القر عة، ليعرفوا بطريق التفويض للغيب أيهم يكفل مريم فتضم إليه، وقد ذكر سبحانه منِ قبل أن الكفالة بهذه القرعة آلت إلى زكريا علمِه السلام، إذ قال من قبل: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا. . .).
ما كنت عندهم في هذا الوقت، وما تلقيت بالسماع من أحد، وما كنت تقرأ في كتاب، فمن أي شيء علمت هذا الغيب الذي لَا يعلمه أحد؛ إنه لَا بد أن يكون من عند الله تعالى، فهذه الجملة الكريمة سيقت لإثبات أن العلم كان وحيا من عند الله العليم الخبير.
وهنا بعض مباحث نشير إليها:
أولها: أن " لدى " معناها " عند "، و " لدى " هنا تشير إلى معنى ليس في " عند "؛ ذلك أنها تشير إلى عندية بعيدة غير حاضرة ولا قريبة في الزمن؛ فهي تشير إلى أن خبر مريم وولادتها خبر بعيد موغل في القدم بالنسبة للإنسان، فما كانت هذه العندية متصورة، وما كان لأحد أن يعلم ما عند القوم علم من يشاهد ويعاين؛ لأن كثيرا منها كان نفسيا قلبيا، وبعضه كان حسيا ماديا ولكن لم يعلم للناس.
وثانيها: أن هذه القصة ليست معلومة على هذا الوجه عند المسيحيين، ولا يسعهم تكذيبها؛ لأنها أقرب إلى العقول مما ينسبونه لمريم من أنها كانت ذات بعل، أو مخطوبة أو نحو ذلك، فما عندهم مدعاة للشك، وما ذكره القرآن مدعاة للصدق والطهر والنقاء، وهذا الذي يرشح للآية الكبرى بولادتها من غير حمل " فأي الخبرين أصدق قيلا؟
وثالثها: وهو أن هذه القصة بما تشير إليه الآية الكريمة: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ) تشير إلى بعض معاني الإعجاز في القرآن الكريم، وهو حكاية أخبار الأولين التي لم يكن يعلمها أحد إلا ربُّ العالمين، وهي حكاية دلائل الصدق فيها واضحة، وبينات الحق فيها لائحة، وإذا كان النبي لَا يعلمها عن
стр. 1519
مشاهدة ولا عن سماع، فطريق العلم بها هو الله، وهذا يدل على أن القرآن من عند الله العزيز الحكيم، وهو سجل الشرائع السماوية الخالد إلى يوم القيامة، ولو كره الكافرون، كما قال منزله سبحانه: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
* * *
(إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)
* * *
توالت في حذه القصة خوارق العادات متدرجة من القريب من المألوف إلى البعيد الذي لَا يعرفه الناس قط بمقتضى السنن الكونية المطردة؛ فقد ولدت مريم البتول بعد أن نذرت لتكون خالصة للبيت المقدس، وكان يأتيها في المحراب الرزق من حيث لَا تحتسب ولا تقدر، حتى أثار ذلك عجب نبي الله زكريا، ثم كانت ولادة امرأة زكريا، وهي عجوز عاقر، وهو قد بلغ من الكبر عتيا؛ ثم كانت الحادثة الكبرى التي تدل على أن الله تعالى مبدع الكون وخالق الأسباب ينشئ الكون كما يريد، وتلك الحادثة هي ولادة عيسى من غير أب؛ وهذا هو ما اصطفى الله به مريم ابنة عمران؛ ولذا يقول سبحانه:
стр. 1520
(إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيمَ) الكلام في هذه الآية الكريمة متصل بما سبقها، فإذ هنا متعلقة بما تعلقت به
стр. 1521
إذ في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ)، فإذ هنا في مقام البدل أو البيان من الأولى؛ لأن هذا فيه تفصيل لمعنى الاصطفاء الذي اختصت به على نساء العالمين؛ والمعنى: اذكر إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك. . إذ كان ذلك الاصطفاء على نساء العالمين؛ بأن كانت هي التي تلقت البشارة الكبرى بأن تلد مولودا من غير أب قد أنجبه. والملائكة الذين خاطبوا مريم بذلك الخطاب يتضح من السياق أنهم الذين خاطبوها بالاصطفاء؛ فكأنهم قد بشروها بالاصطفاء على نساء العالمين، وبشروها مع ذلك بنوع الاصطفاء. وقد استظهرنا كما استظهر ابن جرير الطبري أن الملائكة الذين بشروا بالاصطفاء كانوا عددا ولم يكونوا واحدا، فلابد إذا أن الذين بشروا بحقيقته كانوا عددا أيضا، ولكن سورة مريم فيها بيان أن الذي أنبأها نهائيا بهبة الله تعالى لها كان ملكا تمثل في صورة بشر قد أودعها ما يكون منه الولد من غير تلقيح جنسي؛ لأن الملك ليس له تلك الشهوة الإنسانية؛ ولذا قال سبحانه:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١).
وإن التوفيق بين هذا النص الكريم، والنص الذي نتكلم في معناه سهل لا يحتاج إلى إعمال فكر؛ ذلك أن الله أرسل ملائكته إليها يبشرونها بالاصطفاء ويبشرونها بنوع الاصطفاء، ثم أرسل إليها بعد هذه البشارات المتكررة ملكا تمثل لها بشرا سويا. ليودع رحمها نهائيا تلك الهبة التي أهداها رب العالمين إليها.
ذكر سبحانه البشارة بأنها كلمة منه، وأن معنى هذه الكلمة شخص حي يسري عليه حكم الأحياء اسمه المسيح عيسى ابن مريم، فلماذا اعتبره الكريم كلمة
стр. 1522
منه؛ لأنه سبحانه خلقه وأبدعه بكلمة منه؛ فإذا كان سبحانه قد خلق الأحياء بطريق التناسل: الرجل يلاقح الأنثى، ويخرج الأولاد من أصلاب الآباء، فإن عيسى ﵇ لم يخلق ذلك الخلق، بل خلقه الله تعالى خلقا آخر؛ خلقه بكلمة منه وهي " كن " فكان، فكان جديرا بأن يعتبر كلمة، وأن تكون هذه الكلمة منسوبة إلى الله تعالى.
ويقول ابن جرير: إن الكلمة هي كلمة البشرى، تشريفا لمريم البتول، وتكريما لها بأن تكون البشرى بكلمة من الله، أي بخطاب منِ الله تعالى مرسل منه إليها. ويزكي هذا قوله تعالى: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ورُوحٌ منهُ. . .). وقوله تعالى: (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) هو ما تضمنته البشارة، ويكون التأويل: يبشرك ببشارة جازمة قاطعة لَا احتمال لتخلفها، هذه البشارة هي ولد اسمه المسيح عيسى ابن مريم. وكأن " اسمه المسيح " تكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره: البشارة ولد اسمه المسيح عيسى ابن مريم.
وقد عرَّف ذلك المولود بثلاثة تعريفات: لقب، واسم وكنية؛ أما اللقب فهو المسيح، وأما الاسم فعيسى، وأما الكنية فهو ابن مريم، وهذه التعريفات الثلاثة، كل واحد منها يومئ إلى معنى قد تحقق في السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ فأما الكنية فللإشارة إلى أن نسبه ثابت لأمه لَا لأحد سواها، فليس ابنا لأي حيّ من الأحياء، وليس ابنا لله تعالى كما توهم أو كما لبَّس على نفسه كل من لَا يريد أن يحكِّم عقله فيما لُقِّن من عقائد باطلة، ولا تعلق لهم في أن عيسى قيل عنه كلمة الله، فالكلمة هي البشارة، وهي مخلوقة، أو لأنه خلق بكلمة الله وهي " كن " وكلتاهما لَا يمكن أن تكون ابنا لله تعالى. وأما الاسم فينبئ عن البياض والصفاء المعلم الواضح؛ ولذلك يقول الأصفهاني: " عيسى اسم علم وإذا جعل عربيا أمكن أن يكون من قولهم: بعير أعيس وناقة عيساء، وهي إبل بيضاء يعتري بياضها بعض الظلمة، أي فيها اغبرار يعطي بياضها صفاء وجمالاً، فهو ينبئ عن جمال تكوينه، وجمال دعوته وصفاء رسالته.
стр. 1523
وأما اللقب فهوا ينبئ عن البركة والفضل، وهو أحسن ما قيل في ذلك، فقد ذكر الزمخشري أن كلمة مسيح في أصلها العبري، وهو مشيح، معناه مبارك، وهذا قد جاء في شكره لربه إذ قال: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ. . .).
وقد وصفه الله بأربعة أوصاف وأحوال؛ أولها: أنه وجيه في الدنيا والآخرة، والثاني: أنه من المقربين، والثالث: أنه يكلم الناس في المهد وكهلا، والرابع: أنه من الصالحين. وقد ذكرت هذه الأوصاف كلها لأمه وقت البشارة به، فكانت أجل تبشير لأم رءوم في مثل تقوى مريم البتول.
وقد ذكر الله الوصفين الأولين بقوله تعالى:
(وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) هذان وصفان تمَّا لعيسى الرسول بعد كمال رجولته، وظهرا أتم ظهور في أداء رسالته، وأحدهما وصف ذاتي أضفاه الله تعالى على ذاته النبوية الطاهرة ليكون صاحب رسالته، وداعي هدايته، وناشر رحمته، وذلك الوصف هو الوجاهة في الدنيا، والوصف الثاني وصف إضافي، وهو أنه في موضع المقربين من الله تعالى، وهذا وصف يضفي شرفا إضافيا، فوق شرف النبوة، وشرف الرسالة الإلهية.
وكلمة " وجيه " مشتقة من الوجه؛ لأنه هو الذي يلقى به الناس، وهو مظهر كل ما فى النفس مما يوجب الاحترام، ومنه اشتقت كلمة جاه، أي أن من له جاه يكون ذا وجه دال على الاحترام والشرف، فمعنى " وجيها " أي أنه ذو شرف ومكانة؛ أما مكانته يوم القيامة، فأمر مقرر ثابت، وإذا لم يكن لمثل عيسى هو وأمثاله من النبيين ﵈ وجاهة فوق تقديرنا، فلمن تكون وجاهة الآخرة؛ وأما وجاهة الدنيا فأمر ثابت مقرر، وأي وجاهة وشرف وأثر في النفوس أكبر من وجاهة رجل روحاني يبرى الأكمه والأبرص ويحيى الموتى، ويؤثر في القلوب فتنجذب له، ولم يستطع أن ينال خصومه منه شيئا، وإذا قيل إن اليهود آذوه وطردوه فليس ذلك بمانع من وجاهته، بل إنه دليل وجاهته وأثره في
стр. 1524
القلوب، ولو كان خاملا ما تحركوا لإيذائه، ومع ذلك لم ينالوا منه شيئا، ولم يمكنهم الله من رقبته، بل نجاه من شرورهم ودسائسهم، فكيف لَا يكون وجيها عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم؟!.
فعيسى ﵇ كان وجيها، ووجاهته أكمل أنواع الوجاهة، وهي الوجاهة التي تتجرد من كل سلطان إلا سلطان الحق والروح، وبهما ملك القلوب. والجاه الحق - كما قال الغزالي - هو ملك القلوب.
وأما كونه من المقربين إلى الله تعالى، فمعناه أنه مقرب إلى الله تعالى كما هو قريب من الناس، وأنه وجيه عند الله تعالى ذو مكانة قريبة منه، كما هو ذو مكانة عند الناس.
ولقد بين حالين هما من أحوال المسيح ﵇، فقال تعالى:
* * *
стр. 1525
(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)
* * *
المهد: هو مضجع الطفل، من مهد يمهد مهدا، بمعنى أنه مهيأ مسهل له وهو في الرضاعة.
ومن في المهد يكون طفلا صغيرا يحمل لَا يتصور منه كلام مطلقا، والكهل هو الرجل السوي، والأمر الخارق للعادة في هذا أن عيسى ﵇ تكلم وهو في المهد، وكلامه وهو في المهد ليس لغو صبيان، بل هو كلام شبان مكتهلين، وقد بلغوا تمام الرجولة والاستواء العقلي، وجمعهما معا في الكلام يدل على أن كلامه في الأول من نوع كلامه في الثاني، ولذا يقول الزمخشري: " ومعناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة، وحال الكهولة التي يستحكم فيها العقل، ويستنبأ فيها الأنبياء " وإن ما حكاه الله تعالى عن كلامه في المهد ليوضح ذلك، ففي سورة مريم: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي
стр. 1526
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣).
وقد ذكر سبحانه حالا ثانية من أحواله، أو وصفا من أوصافه، وهو أنه من الصالحين، وهذا رمز إلى ما يأتي به من إصلاح خلقي واجتماعي، وروحي فكري؛ إذ يزيل النزعة المادية من قلوب المؤمنين؛ فإن الصالح حقا هو الذي يصلح، فليس بصالح صلاحا كاملا من لم يرشد غيره إلى طريق الصلاح. هذه بشارة الله بطريق ملائكته لمريم البتول، وقد بين الله تعالى أن هذه البشارة أثارت عجبها واستغرابها:
стр. 1527
(قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ):
هذه الجملة السامية تدل على بالغ عجبها، وتومئ إلى ارتياعها الذي عبرت عنه كما في سورة مريم: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣).
صدرت إجابتها بالنداء للرب، وفيه معنى الاعتراف بالخلق والتكوين، وكمال الربوبية لله ، فهو تسليم بالقدرة الإلهية، وبأن خالق كل شيء لا يكبر عليه شيء، .
و (أَنَّى ... (٤٧)
في قوله تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) هي بمعنى كيف، أي كيف يكون مني ولد ولم يمسسني بشر أي لم يكن مني ما يكون بين الرجل والمرأة مما يكون منه ولد. فالاستغراب في الكيفية، لَا في أصل القدرة الإلهية. وكلمة (وَلَمْ يَمْسَسْنِي) إما أن نعتبرها كناية عن اختلاط الرجل بالمرأة، وهذا ظاهر، وتعبير القرآن عن اتصال الرجل بالمسيس مجاز مشهور معروف، حتى يكاد يكون حقيقة عرفية في لغة القرآن الكريم؛ أو نقول: المس المراد به حقيقته، وهو أنها لم يلمسها رجل؛ لأنها متبتلة دائما منصرفة للعبادة لم يلمس جسمها رجل من غير محارمها قط؛ وبذلك ينتفي بالأولى ما هو أبلغ من مجرد اللمس، فموضع العجب والسؤال هو أن يكون ولد من غير اتصال رجل بامرأة. ولقد أزال عجبها رب البرية بقوله تعالى:
стр. 1528
(قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي كهذا الخلق الذي تجدينه في أن يكون لك ولد من غير أن يمسك رجل وهو إبداع، يخلق الله تعالى ويبدع ما يشاء ويريد إبداعه، وكلمة يخلق غير ينشئ؛ لأن الخلق إنشاء على غير مثال سبق، فالتعبير بـ " يخلق " يفيد الإبداع، وأنه منهاج في التكوين يخالف منهاج غيره في التكوين. وهذه الجملة السامية تفيد أمورا ثلاثة:
أولها: أن هذا النوع من التكوين، وهو إنجاب من غير أب هو في قدرة الله تعالى؛ لأنه الخالق المبدع، وما هو غريب عليكم هو في قدرته سبحانه؛ لأن من خلق الخلق الأول وخلق السنن الكونية وغيرها قادر على تغييرها؛ لأنه مبدعها ومنشئها.
ثانيها: أن خلق عيسى أمر من أمر الله تعالى، وعيسى ليس إلا مخلوقا من مخلوقاته، فهو أبدعه كما أبدع غيره من المخلوقات، فليس إلها ولا ابن إله.
ثالثها: أن خلق الله تعالى بمشيئته وإرادته، وهذا فيه إشارة إلى السبب الذي من أجله خلقه الله تعالى من غير أب وهو أن المخلوقات لَا تصدر عن الله صدور المعلول عن علته، ولكنها توجد بإيجاده وتنشأ بإبداعه: (بديع السماوات والأرض أَنَى يكون له ولد) وفي ذلك رد عملي على أهل الفلسفة المادية التي تقول إن العالم نشأ عن العقل الأول نشوء المعلول عن علته.
ثم أشار سبحانه إلى عظيم قدرته بقوله تعالى:
(إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) أي أن الله إذا أراد أن يوجد أمرا لَا يوجده إلا بكلمة " كن " وعبر سبحانه عن الإيجادب " قضى " للإشارة إلى أن إيجاده للأشياء ليس إلا من قبيل الحكم عليها بالوجود، فإذا حكم بالوجود في أمر نفذ حكمه، وحكمه هو أن يقول كن، فيترتب على ذلك أن يكون.
وهل الأشياء حقيقة تنشأ بمجرد الإرادة الإلهية، أم أن هذا تصوير لسهولة الخلق؛ الظاهر أن هذا بيان لسهولة ذلك على خالق الخلق، وبارئ النسم؛ فهو
стр. 1529
تمثيل لبيان قدرة الله تعالى الشاملة، وسهولة الإنشاء عليه سبحانه، ونفاذ إرادته في خلقه، ولذلك جاءت الإجابة في مثل هذا المقام بهذا المعنى في سورة مرِيم فقد قال تعالى في الإجابة عن استغرابها في تلك السورة: (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا). فهذا التعبير الكريم صريح في أن السياق لبيان سهولة مثل هذا الخلق على خالق الخلق، ويفيد أيضا أن المقصود بيان أن الله سبحانه فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير. ربنا لا ترهقنا من أمرنا عسرا.
* * *
(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
* * *
في هذا القصص القرآني الصادق تستمر الآيات الكريمة متممة قصة البشارة بعيسى ﵇؛ بشرت به أمه قبل أن يكون في بطنها، وقد أُوحي إليها أنه ستكون له تلك المنزلة في الدنيا والآخرة التي اصطفاه اللَّه تعالى لها، وإن من سنة
стр. 1530
الله تعالى في كلامه المعجز أن يشتمل الكلام على الإيجاز، الذي هو من أسرار الإعجاز، ففي أثناء البشارة قبل الحمل كان بيان رسالته وما هيأه الله به لأداء الرسالة، والمعجزات الكبرى التي أجراها الله على يديه، وماهية الرسالة التي جاء بها، ومقام رسالته من الرسالات قبلها، ثم بيان تلقي الذين أرسل إليهم هذه الرسالة مؤيدة بهذه المعجزات الباهرة القاهرة، ثم بيان النهاية التي انتهى بها، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ولقد ابتدأ سبحانه ببيان علم الرسالة الذي تكون به قوة الرسول الذي يدعو قوما معاندين من أمثال اليهود والمشركين من الرومان، فقال:
стр. 1531
(وَيُعَلِّمُه الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) في هذه الآية الكريمة يبين الله علم الرسالة التي أرسله بها، وهو علم بأربعة أمور: علمه بالكتاب، وعلمه بالحكمة، وعلمه بالتوراة، وعلمه بالإنجيل. أما علمه بالكتاب فقد قال بعض مفسري السلف: إنه العلم بالخط والكتابة، وتوجيه ذلك التفسير أن عيسى بعث في أمة اشتهرت بالعلم والمعرفة، فلابد أن يكون فيه ما هو سبيل العلم والمعرفة وهو الكتابة، وقد كانت آيته في إثبات رسالته فوق علم العلماء، وقدرة الناس قاطبة. وقال بعض مفسري السلف أيضا: إن علم عيسى بالكتاب هو علمه بما نزل على النبيين السابقين. وإنا نختار الأول، فإنه على التفسير الثاني يكون تكرار؛ لأنَّ علم الرسالات السابقة، في التوراة التي ذكر أنها من علمه، والتأسيس أولى من التأكيد. وأما العلم الثاني، وهو الحكمة، فهو العلم الذي يحكم صاحبه في القول والعمل، وسياسة الناس في القول والعمل، ولذا يقول العلماء: إن الحكمة هي العلم النافع؛ فهي العلم الذي تظهر ثمرته في القول والعمل وهداية الناس، وقيادة نفوسهم؛ ولذلك قال الله تعالى آمرا نبيه الكريم ﷺ : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. . .). وإن هذا النوع من العلم هو ألزم العلوم لمن يقود الناس إلى الإيمان، ويدعوهم بدعاية الرحمن.
стр. 1532
وأما العلم الثالث والرابع فهما علم التوراة وعلم الإنجيل، والتوراة تومئ إلى علم الرسالات التي كانت قبلها، وعلم الإنجيل هو العلم برسالته التي بعث بها في وسط تلك المادية التي استولت على بني إسرائيل، وهذا يدل على اتصال رسالته بالرسالات التي سبقته، وكل رسول مبعوث لَا تكون رسالته مقطوعة عما قبلها، بل هي موصولة بها متممة لها، وهي لبنة في صرح الرسالات الإلهية وبعد أن أشار إلى علم الرسالة التي هيأه الله تعالى لها، أشار إلى من أرسل إليهم، فقال ﵎:
* * *
стр. 1533
(وَرَسُولُا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ... (٤٩)
* * *
أي بعثه رسولا إلى بني إسرائيل. ومعنى الكلام: ويجعله أو يبعثه رسولا إلى بني إسرائيل. وذكر بنو إسرائيل خاصة مع أن دعوته كانت تعم كل الذين علموها من اليهود والرومان وغيرهم حتى يجيء من السماء ما ينسخها أو يكملها، وهي الرسالة العامة الخالدة، رسالة محمد بن عبد الله ﷺ ؛ والسبب في اختصاص بني إسرائيل بالذكر أنهم هم الذين خرج عيسى من بينهم، فهو منهم، وقد كانوا يدعون أنهم أولى الناس بعلم الرسائل الإلهية، وكانت دعوته بينهم، وانبعثت منهم إلى غيرهم، فكان تخصيصهم بالذكر، فيه إشارة إلى حقيقة واقعة وتوبيخ لهم؛ لأنهم أوتوا العلم برسالات الأنبياء، مع ذلك كفروا برسول مبعوث منهم، أوتي بمعجزات لَا تجعل للعقل مساغا لإنكار.
ولقد ذكر سبحانه في هذه الآيات معجزات عيسى التي أرسله الله بها لإثبات رسالته، فقال سبحانه:
(أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبكُمْ) وهذا النص الكريم فيه معنى هذه الرسالة التي كان بها رسولا، أي أنه يتبين معنى أنه رسول بقوله: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَة مِّن رَّبكُمْ) فالجملة عطف بيان لمعنى الرسالة المنطوي في الكلام. وفي الكلام التفات وانتقال من خطاب الله لمريم، إلى بيان رسالة بشارة الله إليها، وجاء بيان الرسالة على لسانه هو، وابتدأ بيان الرسالة ببيان إثباتها، وهو المعجزة، وكأن المعجزة جزء من الرسالة؛ لأنها ركنها ودعامتها التي قامت عليها، ولأن معجزة عيسى كانت
стр. 1534
تومئ إلى معانٍ من رسالته؛ ذلك بأن عصره كان عصرا ماديا، لَا يؤمن بالإرادة المختارة لله تعالى، ويؤمنون بالأسباب التي تجري في الحياة على أنها المؤثرات في إيجاد الأشياء، فإنت معجزاته ﵇ إعلانا لبطلان تأثير الأسباب، بدليل خرق هذه الأسباب، بإحياء الموتى؛ وقد جرت الأسباب المادية التي ترى على أن من مات لَا يحيا في هذه الدنيا، وأن الأكمه الذي ولد أعمى لَا يرتد بصيرا، وأن إخراج الحيّ من الطين مباشرة لَا يكون، فجاء عيسى بكل هذا، فكان إعلانا قويا بأن الله فاعل مختار، وذلك جزء من رسالته.
والآية هنا هي المعجزة، وهي في أصلها العلامة، والمراد بها هنا العلامة الدالة على الرسالة، وأطلق على الجزء من القرآن آية؛ لأن كل آية في كتاب الله تعالى معجزة في ذاتها، دالة بوحدتها على رسالة النبي ﷺ .
ولقد ذكر بعد ذلك سبحانه آيات، وكانت الآيات المذكورة في هذا المقام أربعا؛ وعبر عنها بآية؛ لأن مجموعها دال على رسالته، وإن كانت كل واحدة منها تصلح حجة قائمة بذاتها؛ فذكرها بلفظ المفرد للإشارة إلى أنها جميعا كانت آيته.
والآيات الأربع: هي أنه يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص، وأنه يحي الموتي؛ وأنه ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم؛ فهذه آيات أربع.
والآيات الأربع ذكرت مضافة إلى السيد المسيح ﵇؛ لأنها كانت تجري على يديه، ولأنها هي التي كان يقيم بها الدليل على رسالته، وقد خاطب بها بني إسرائيل، ومن استمع إليه من الرومان وغيرهم.
وأول هذه الآيات تصوير الطين ثم النفخ فيه فيكون طيرا، وقد ذكرها بقوله: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ):
стр. 1535
الخلق المراد به هنا التصوير، أي أنه صور من الطين كهيئة الطير، أي بشكله، فينفخ فيه، فكان طيرا بإذن الله تعالى، فهنا أعمال ثلاثة؛ اثنان منها لعيسى ﵇، والثالث لله تعالى ﷻ وعظمت قدرته، أما اللذان لعيسى فهما: تصوير الطين كهيئة الطير، والنفخ فيه، وأما الثالث الذي هو من عمل الله تعالى وحده، فهو خلق الحياة في هذه الصورة التي صورها عيسى ﵇؛ ولذلك قال: (بِإذنِ اللَّهِ) أي بأمره وإعلامه، والكون كله بأمره سبحانه (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وهذا يدل على أنه لم يكن في عيسى ألوهية، ولا أي معنى من معانيها.
ولقد قال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: إن الصيغة التي ذكرت بها هذه الآية وهو قوله: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفخ فِيهِ فَيَكون طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) تدل على استطاعته ذلك ولكنها لَا تدل على الوقوع، وعندي أنها تومئ إلى الوقوع لأن ذكر الكيفية وهو أنه يتخذ من الطين صورة الطير، ثم النفخ ثم الكون طيرا يدل على الوقوع لَا على مجرد الاستطاعة وفوق هذا فإن آية المائدة تدل على الوقوع بشكل أوضح من هذا؛ فإنه يقول: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّن الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفخُ فِيهِ فَيَكُون طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) فهذا النص الكريم دليل على الوقوع، لَا على إمكان الوقوع؛ لأن الله تعالى لَا يمن عليه إلا بالذي وقع فعلا.
والآية الثانية والثالثة بينهما بقوله:
(وَأُبْرِئُ الأَكْمَة وَالأبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) الأكمه هو الأعمى الذي يولد أعمى، أي الذي لم يُؤت حاسة الإبصار؛ أجرى الله تعالى على يد عيسى ﵇ إبراءه. والأبرص هو الذي يكون في جلده بياض مشوب بحمرة، وهو مرض لَا يبرأ منه من يصاب به؛ فهذان مرضان لَا يتصور بمقتضى العادة، والأسباب الجارية بين الناس أنه يمكن أن يكون منهما شفاء؛ لأنَّ الأول يولد به الشخص ناقصا حاسة الإبصار، والثاني لم يصل الطب إلى الآن إلى طريق للشفاء منه، فإذا كان الله قد أجرى على يدي عيسى ﵇ الشفاء بهما فإن هذا
стр. 1536
يقنع الماديين بأن وراء هذه الأسباب فاعلا مختارا، وليست الأسباب مؤثرة في الإيجاد، إنما المؤثر هو الله .
وإحياء الموتى وحده برهان قاطع على أن الأسباب العادية ليست هي المؤثرة وإنما الخالق المكون هو المؤثر، وأن الأشياء لم تخلق بالعلِّية، إنما خلقت بالإرادة المختارة المبدعة المنشئة المكونة، وعبر بقوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) في كل هذا للإشارة إلى أن المبدع المنشئ هو الله ، وأنه ليس ما يجري على يدي عيسى لمعنى الألوهية فيه، إنما هو لله العلي القدير.
والآية الرابعة بينها بقوله: (وَأُنَبّئُكُم بمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخرونَ فِي بُيوتِكُمْ):
الإنباء والتنبئ: الإخبار بالخبر العظيم، إما لموضوعه، وإما لعظم شأن الإخبار نفسه، والإخبار عن شيء من غير رؤيته، إخبار عظيم في ذات شأنه، ولقد كان عيسى لفرط روحانيته، ولما أكرمه الله به من إجراء الخارق للعادة على يديه تأييدا لرسالته، يخبر من بعث إليهم بما يأكلون، أي ما يأكلون، وما يدخرون في بيوتهم، وهذا نوع من الكشف النفسي أعطاه الله لنبيه عيسى ﵇، وهو ليس من قبيل الإخبار عن المستقبل، وإنما هو من قبيل الإخبار عن الحاضر الواقع ممن لَا يراه.
وقد كان النبي محمد ﷺ يخبر عن بعض الأمور المستقبلة، كما أعلمه الله تعالى، مثل قوله تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ).
وكإخباره ﵊ عما يحدث لأمته في الأزمان المستقبلة، وكإخباره ﵊ عن فشو الربا في أمته، مثل قوله ﵊: " يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا " قيل: الناس كلهم يا رسول الله؟! قال " من لم يأكله ناله غباره " (١).
стр. 1537
هذه المعجزات الأربع وغيرها، هي آية الله تعالى لإثبات رسالة السيد المسيح ﵊، ولذا قال تعالى بعد ذكرها:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي إن في هذه الأمور التي أجراها الله على يد السيد المسيح ﵇ لآية، أي لعلامة واضحة بيّنة تدل على صدق رسالته، وتثبت دعوته، ويقتنع بها من يريد الاقتناع. وقوله: (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) إيماء إلى أن الذين يقتنعون بالحجج والآيات هم الذين من شأنهم أن يذعنوا للحق، ويخضحوا له؛ فالناس قسمان: قسم يذعن للحق ويؤمن به إن قام الدليل عليه، وأولئك هم الذين من شأنهم الإيمان والإذعان للحق، وقسم لا يزيده الدليل إلا عنادا واستكبارا، وأولئك هم الذين من شأنهم أن يجحدوا ولا يذعنوا للحق إذا دعوا إليه؛ ولذلك عبر بالوصف في قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي إن كان الإيمان والإذعان لنحق شأنا من شئونكم، ووصفا ذاتيا لكم.
وإن هذه المعجزات الباهرة القاهرة التي خضع لها من خضع، وكفر بعدها من كفر، دليل على أن الدليل مهما يكن قويا لَا يكفي للإيمان، بل لابد من اتجاه نفسي لطلب الحق من أن يتأشب بالنفس أي داع من دواعي الهوى، أو أي غرض من أغراض الدنيا؛ وأي دليل حسي أقوى في الدلالة على الرسالة الإلهية من إحياء الموتى، وأن يصور من الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن الله، ومع ذلك آمن من آمن، وكفر من كفر، وكان الذين عاندوا أكثر عددا من الذين أذعنوا وآمنوا، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
بعد أن أشار سبحانه إلى الآيات الكبرى التي أجراها على يدي السيد المسيح ﵇، أشار إلى رسالته، وهي تتلخص في أمرين: أنها مصدقة لما جاء في التوراة مع إحلال ليعض الذي حرم على اليهود فيها، وثانيها: أنه يدعو إلى الإيمان بأن أنه خالق كل شيء ومبدعه ومنشئه بإرادته المختارة، وهذا ما تضمنه قوله تعالى: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ):
стр. 1538
وقوله تعالى:
стр. 1539
(وَمصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْرَاةِ) حال من الفعل المحذوف الذي دل عليه العطف، أي أنِّي جئتكم بآية من ربكم أني أخلق، وجئتكم مصدقا لما بين يدي؛ يقال الأمر بين يديه أي أنه حاضر ثابت موجود، وعيسى جاءت رسالته متممة لرسالة موسى ناسخة لبعض ما جاء فيها، كالشأن في كل نبي بالنسبة لمن سبقه. ولقد بين عيسى ﵇ لهم أنه جاء بالرفق والسماحة؛ ولذا أحل الله لهم على يديه بعض ما حرم عليهم بظلمهم وقسوتهم وجفوتهم (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذينِ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طياتِ أُحِلَّتْ لَهُمْ. . .)، ولقد قال تعالى: (وعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كلًّ ذِي طفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ). ذلك لأنهم فست قلوبهم وغلظت أكبادهم، واستناموا إلى الراحة واسترخت أجسامهم، فابتلاهم الله بهذا التحريم لينشطوا ويعملوا، ويكونوا قوة عاملة، ولا يكونوا أجساما مسترخية؛ فلما جاء عيسى ﵇، وقد نزل بهم من البلاء ما نزل، أحل الله لهم على لسانه ما كان قد حرم. وقوله تعالى: (وجِئْتُكُم بِآيَةٍ من رَّبِّكُمْ) ذكرت الآية، لأن جزءا من الرسالة العيسوية إثبات خلق الأشياء بالإرادة المختارة، ومعجزته كلها تتجه نحو هذا الاتجاه، فهي في ذاتها جزء من دعوته؛ لإثبات قدرة الله تعالى وإرادته في الخلق والإبداع.
وبعد أن أشار سبحانه إلى ما تضمنته الرسالة العيسوية، ذكر دعوة عيسى لقومه بهذه الرسالة، فقال سبحانه حاكيا قول عيسى لهم:
(فَاتَّقُوا اللَّهُ وَأَطِيعُونِ) كانت دعوة عيسى تتجه إلى هذين الأمرين: تقوى الله تعالى، وأن يطيعوه بأن يتبعوه في منهاجه الذي رسمه لهم ووجههم إليه تبليغا لرسالة ربه. أما تقوى الله تعالى فكان لابد أن تكون لباب الدعوة العيسوية؛ لأن اليهود كانوا قد أعرضوا عن الله تعالى إعراضا تاما، حتى لقد كان فريق منهم، وهم الصدوقيون لَا يؤمنون باليوم الآخر، وحتى لقد حسب أكثرهم أن العقاب الذي هدد الله به هو العقاب الدنيوي، لَا العقاب الأخروي؛ ومن أجل ذلك سرى
стр. 1540
في قلوبهم حب الدنيا والحرص عليها حرصًا شديدًا أيًّا كانت حياتهم فيها؛ ولذا قال تعالى عنهم: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ... ).
وأما الطاعة لعيسى ﵇ فبأن يتخذوا منه قدوة حسنة في زهادته وروحانيته وسماحته، ليخففوا من غلظتهم وقسوتهم. واليهود إلى الآن في أشد الحاجة إلى مثل هذه الدعوة، وهي التقوى والعفة والسماحة، ولكنهم أجابوا في الماضي داعي الحق بمحاولة قتله، وكذلك يفعلون الآن، فهم يحاولون قتل من حموهم وآووهم.
ولقد قرر عيسى ﵇ أن هذه المعجزات الباهرة لَا تخرجه عن أنه عبد لله تعالى مخلوق له سبحانه؛ ولذا حكى الله تعالى عنه قوله:
* * *
стр. 1541
(إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
* * *
أي أن الله تعالى خلقني وهو الذي يربني ويكلؤني ويحييني، وهو أيضا الذي خلقكم وينميكم ويكلؤكم ويحييكم، وإذا كان كذلك فحق علينا أن نعبده وحده ولا نشرك به أحدا سواه، فإن العبادة تكون شكرا لهذه النعمة، وقياما بحقها، وصلاحا لأمر الناس في هذه الدنيا. وعبادة الله وحده والاعتراف بربوبيته وألوهيته وحده هي الصراط أي الطريق المستقيم الذي لَا اعوجاج فيه، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل.
* * *
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤
* * *
стр. 1542
هذا القصص الحكيم مستمر في قصة عيسى، وقد انتقل في الآيات السابقة من بشارة مريم بأن تكون المختارة لتكون منها الآية الكبرى وهو أن يولد منها ولد هو إنسان حيّ يأكل ويشرب وينمو من غير أب ينجبه، إلى ملاقاة قومه له وتكذيبه؛ ولم يكن ذلك الانتقال مفاجئا من غير تمهيد بل مهد له، فأشار في البشارة إلى مقامه ورسالته وآيته الباهرة القاهرة؛ وبهذا علم القارئ الذي يتلو كتاب الله من السياق رسالته والمعجزات التي تحدى بها قومه أن يأتوا بمثلها؛ وعلى ذلك لم يمين في هذا الموضع ولادة عيسى ﵇، وحال مريم عند ولادته، وتعَلمه في المهد صبيا، وبين ذلك في سورة مريم في قوله تعالى: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
* * *
ففي لسورة مريم فصل خبر ولادته، وفي هذه السورة فصل الآيات التي أثبت بها نبوته، وكان هذا مناسبا لما يجيء بعد ذلك من ملاقاة قومه لدعوته إلى الله، وإقامته الآيات التي تدل على رسالته، فقال:
стр. 1543
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) هذا النص الكريم كان معقبا للآيات الباهرة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وتصوير الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن الله. وتعقيبه لهذه الآيات، وكون الكثرة لم يكونوا مؤمنين كما يشير النص، يدل على أن الآية مهما تكن باهرة قاهرة لَا تحمل
стр. 1544
الجاحدين الذين غلفت قلوبهم دون نور الهداية على الإيمان، والفاء هنا كأنها فاء التعقيب على الآيات الباهرة، أي أنهم فور هذه الآيات كفروا ولم يتدبروا، وأحس منهم عيسى هذا الكفر، فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله. والإحساس هو العلم الذي يكون بالحواس، وإطلاقه على العلم المجرد بعد ذلك من قبيل تشبيه العلم اليقيني القاطع البدهي بالعلم المدرك بالحواس.
ولما أحس عيسى الذي أوتي هذه البينات الكفر من قومه، وعلم ذلك علما يقينيا، اتجه إلى من يدعوهم يتعرف من أصاب الإيمان قلبه ليتخذ منهم قوة للدعوة وليكونوا صورة للمهتدين الصادقين، ولذلك قال: (مَنْ أَنصارِي إِلَى اللَّهِ) أي من الذين رضوا؛ أن يكونوا أنصاري لأواجه بهم الذين بحاربون دعوتي، على أن يكون أولئك الأنصار منصرفين متجهين إلى الله تعالى لَا يبغون غير رضاه، وهذا التعبير الكريم فيه إشارة إلى معان ثلاثة:
أولها: أن الأكثرين لم يكونوا مؤمنين، ولذلك عبر بقوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) فنسب الكفر إليهم، وذلك لَا يكون إلا إذا كان الكافرون هم الكثرة الظاهرة، والمؤمنون هم القلة المغمورة، حتى بحث عنهم السيد المسيح ﵇ بقوله: من أنصاري إلى الله تعالى.
المعنى الثاني: الذي يشير إليه النص الكريم: أن السيد المسيح ﵇ أحس بأنه أصبح مقصودا بالأذى، وأن الدعوة الحق أصبحت مهاجمة من تلك الكثرة الساحقة، ولذلك طلب أن يكون له نصراء يجعلون للحق منعة وقوة من جهة، ويكونون مدرسة الدعاية له، والخلية التي تدرس فيها حقائقه من جهة أخرى.
المعثى الثالث: الذي يشير إليه النص: هو أن النصرة الحقيقية في مثل هذا المقام أساسها إخلاص النية لله تعالى، والاتجاه إليه، وتفويض الأمور إليه، فإنهم إن كانوا قليلا فهم بمعونة الله كثيرون (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، ولذلك كان في سؤال السيد المسيح ﵇ إضافة النصراء
стр. 1545
إلى الله، فقال: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ) وقد قال في ذلك الزمخشري: " إلى الله من صلة أنْصاري مضمنا معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله ينصرونني كما ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء، أي من أنصاري ذاهبا إلى الله أو ملتجئا " والأوضح في نظري أن يكون المحذوف حالا من الأنصار أنفسهم أي من أنصاري حالة كونهم متجهين ملتجئين إلى الله تعالى، وفي هذا طمأنة لهم بأن نصرته هي نصرة الله،. أن الذين ينصرونه يلتجئون إلى جانب الله تعالى، يعتمدون عليه، فهم إذا كانوا للحق منعة، في عزة من الله ومنعة منه، وإن دعوة الحق لابد أن تجد نصيرا وإن طغى الباطل واشتد؛ ولذلك أجيب عيسى ﵇ من المخلصين من قومه:
(قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ) الحواريون هنا هم أنصار عيسى ﵇ الذين أخلصوا له ولازموه، وكانوا عونه في الدعاية إلى الحق بعد الله تعالى الذي أمده بنور من عنده. وأصل مادة (حَورَ): هي شدة البياض، أو الخالص من البياض، ولذلك قالوا في خالص لباب الدقيق: الحوَّارَى، وعلى النساء البيض: الحواريات، والحوريات؛ وعلى ذلك يكون تسمية صفوة الرجل وخاصته حواري؛ لأنهم أخلصوا له، ولأنهم لُباب الناس بالنسبة له، وكذلك كان حواريو عيسى ﵇؛ فقد كانوا خاصته، والذين صفت نفوسهم، وخلصت من أدران الدنيا وأهوائها كما يخلص الثوب الأبيض الناصع البياض من كل ما يشوبه.
أجاب أولئك الحواريون عيسى ﵇ عندما أخذ يبحث عن النصراء (نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ) وهم بذلك بينوا اهتداءهم لأمرين:
أولهما: أنهم علموا أنه يتكلم عن الله تعالى وأنه رسول أمين؛ ولذلك اعتبروا إجابة دعوته هي من إجابة دعوة الله، وأنهم إذا كانوا نصراءه فهم نصراء الله تعالى؛ ولذا قالوا: نحن أنصار الله، ولم يقولوا نحن أنصارك.
الأمر الثاني: أنهم فهموا أن نصرته تكون بإخلاص النية لله تعالى، وتصفية نفوسهم من كل أدران الهوى، حتى تكون خالصة لله تعالى، ولذلك أردفوا قولهم هذا بما حكاه عنهم بقوله تعالى: