(إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
* * *
أي أن الله تعالى خلقني وهو الذي يربني ويكلؤني ويحييني، وهو أيضا الذي خلقكم وينميكم ويكلؤكم ويحييكم، وإذا كان كذلك فحق علينا أن نعبده وحده ولا نشرك به أحدا سواه، فإن العبادة تكون شكرا لهذه النعمة، وقياما بحقها، وصلاحا لأمر الناس في هذه الدنيا. وعبادة الله وحده والاعتراف بربوبيته وألوهيته وحده هي الصراط أي الطريق المستقيم الذي لَا اعوجاج فيه، اللهم اهدنا إلى سواء السبيل.
* * *
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤
* * *
стр. 1542
هذا القصص الحكيم مستمر في قصة عيسى، وقد انتقل في الآيات السابقة من بشارة مريم بأن تكون المختارة لتكون منها الآية الكبرى وهو أن يولد منها ولد هو إنسان حيّ يأكل ويشرب وينمو من غير أب ينجبه، إلى ملاقاة قومه له وتكذيبه؛ ولم يكن ذلك الانتقال مفاجئا من غير تمهيد بل مهد له، فأشار في البشارة إلى مقامه ورسالته وآيته الباهرة القاهرة؛ وبهذا علم القارئ الذي يتلو كتاب الله من السياق رسالته والمعجزات التي تحدى بها قومه أن يأتوا بمثلها؛ وعلى ذلك لم يمين في هذا الموضع ولادة عيسى ﵇، وحال مريم عند ولادته، وتعَلمه في المهد صبيا، وبين ذلك في سورة مريم في قوله تعالى: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
* * *
ففي لسورة مريم فصل خبر ولادته، وفي هذه السورة فصل الآيات التي أثبت بها نبوته، وكان هذا مناسبا لما يجيء بعد ذلك من ملاقاة قومه لدعوته إلى الله، وإقامته الآيات التي تدل على رسالته، فقال:
стр. 1543
(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) هذا النص الكريم كان معقبا للآيات الباهرة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وتصوير الطين كهيئة الطير فيكون طيرا بإذن الله. وتعقيبه لهذه الآيات، وكون الكثرة لم يكونوا مؤمنين كما يشير النص، يدل على أن الآية مهما تكن باهرة قاهرة لَا تحمل
стр. 1544
الجاحدين الذين غلفت قلوبهم دون نور الهداية على الإيمان، والفاء هنا كأنها فاء التعقيب على الآيات الباهرة، أي أنهم فور هذه الآيات كفروا ولم يتدبروا، وأحس منهم عيسى هذا الكفر، فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله. والإحساس هو العلم الذي يكون بالحواس، وإطلاقه على العلم المجرد بعد ذلك من قبيل تشبيه العلم اليقيني القاطع البدهي بالعلم المدرك بالحواس.
ولما أحس عيسى الذي أوتي هذه البينات الكفر من قومه، وعلم ذلك علما يقينيا، اتجه إلى من يدعوهم يتعرف من أصاب الإيمان قلبه ليتخذ منهم قوة للدعوة وليكونوا صورة للمهتدين الصادقين، ولذلك قال: (مَنْ أَنصارِي إِلَى اللَّهِ) أي من الذين رضوا؛ أن يكونوا أنصاري لأواجه بهم الذين بحاربون دعوتي، على أن يكون أولئك الأنصار منصرفين متجهين إلى الله تعالى لَا يبغون غير رضاه، وهذا التعبير الكريم فيه إشارة إلى معان ثلاثة:
أولها: أن الأكثرين لم يكونوا مؤمنين، ولذلك عبر بقوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) فنسب الكفر إليهم، وذلك لَا يكون إلا إذا كان الكافرون هم الكثرة الظاهرة، والمؤمنون هم القلة المغمورة، حتى بحث عنهم السيد المسيح ﵇ بقوله: من أنصاري إلى الله تعالى.
المعنى الثاني: الذي يشير إليه النص الكريم: أن السيد المسيح ﵇ أحس بأنه أصبح مقصودا بالأذى، وأن الدعوة الحق أصبحت مهاجمة من تلك الكثرة الساحقة، ولذلك طلب أن يكون له نصراء يجعلون للحق منعة وقوة من جهة، ويكونون مدرسة الدعاية له، والخلية التي تدرس فيها حقائقه من جهة أخرى.
المعثى الثالث: الذي يشير إليه النص: هو أن النصرة الحقيقية في مثل هذا المقام أساسها إخلاص النية لله تعالى، والاتجاه إليه، وتفويض الأمور إليه، فإنهم إن كانوا قليلا فهم بمعونة الله كثيرون (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، ولذلك كان في سؤال السيد المسيح ﵇ إضافة النصراء
стр. 1545
إلى الله، فقال: (مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ) وقد قال في ذلك الزمخشري: " إلى الله من صلة أنْصاري مضمنا معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله ينصرونني كما ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء، أي من أنصاري ذاهبا إلى الله أو ملتجئا " والأوضح في نظري أن يكون المحذوف حالا من الأنصار أنفسهم أي من أنصاري حالة كونهم متجهين ملتجئين إلى الله تعالى، وفي هذا طمأنة لهم بأن نصرته هي نصرة الله،. أن الذين ينصرونه يلتجئون إلى جانب الله تعالى، يعتمدون عليه، فهم إذا كانوا للحق منعة، في عزة من الله ومنعة منه، وإن دعوة الحق لابد أن تجد نصيرا وإن طغى الباطل واشتد؛ ولذلك أجيب عيسى ﵇ من المخلصين من قومه:
(قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ) الحواريون هنا هم أنصار عيسى ﵇ الذين أخلصوا له ولازموه، وكانوا عونه في الدعاية إلى الحق بعد الله تعالى الذي أمده بنور من عنده. وأصل مادة (حَورَ): هي شدة البياض، أو الخالص من البياض، ولذلك قالوا في خالص لباب الدقيق: الحوَّارَى، وعلى النساء البيض: الحواريات، والحوريات؛ وعلى ذلك يكون تسمية صفوة الرجل وخاصته حواري؛ لأنهم أخلصوا له، ولأنهم لُباب الناس بالنسبة له، وكذلك كان حواريو عيسى ﵇؛ فقد كانوا خاصته، والذين صفت نفوسهم، وخلصت من أدران الدنيا وأهوائها كما يخلص الثوب الأبيض الناصع البياض من كل ما يشوبه.
أجاب أولئك الحواريون عيسى ﵇ عندما أخذ يبحث عن النصراء (نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ) وهم بذلك بينوا اهتداءهم لأمرين:
أولهما: أنهم علموا أنه يتكلم عن الله تعالى وأنه رسول أمين؛ ولذلك اعتبروا إجابة دعوته هي من إجابة دعوة الله، وأنهم إذا كانوا نصراءه فهم نصراء الله تعالى؛ ولذا قالوا: نحن أنصار الله، ولم يقولوا نحن أنصارك.
الأمر الثاني: أنهم فهموا أن نصرته تكون بإخلاص النية لله تعالى، وتصفية نفوسهم من كل أدران الهوى، حتى تكون خالصة لله تعالى، ولذلك أردفوا قولهم هذا بما حكاه عنهم بقوله تعالى:
стр. 1546
(آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) فهذ النص الكريم يفيد مقدار إدراكهم لمعنى نصرة اللَّه تعالى ونصرة رسوله عيسى ﵇؛ قالوا (آمَنَّا بِاللَّهِ) أي آمنا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأنه خلق الأشياء بإرادته المختارة، وبقدرته الفعالة، ولم توجد عنه الأشياء وجود المعلول عن العلة، والمسبب عن السبب، كما كان يدعي بعض الفلاسفة في عصرهم، وأردفوا قولهم بما يدل على الإذعان المطلق لله تعالى، وإخلاص نياتهم وقلوبهم له سبحانه بقولهم: (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). الشهادة هنا بمعنى العلم المنبعث من المعاينة والمشاهدة، فهم يطلبون من سيدنا عيسى أن يعلم علم معاينة بأنهم مسلمون أي مخلصون قد أسلموا وجوههم لله رب العالمين، وصاروا بتفكيرهم وقلوبهم وجوارحهم لله تعالى، وإن ذلك فوق أنه إعلام لحقيقة نفوسهم هو إشهاد من قبلهم بما خلصت به أرواحهم.
خاطبوا بهذا الخطاب نبي الله تعالى مجيبين دعوته، ملبين نداءه، معلنين نصرته، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى الله تعالى ضارعين إليه قائلين:
* * *
стр. 1547
(رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ... (٥٣)
* * *
وقد صدروا ضراعتهم إلى الله تعالى بالاعتراف الكامل بالربوبية، وفي الاعتراف بالربوبية إحساس صادق بجلال النعم، وتقديم شكر المنعم، ثم الاعتراف بالربوبية الحق يطوي في ثناياه الاعتراف بالألوهية الحق؛ لأن كمال الخضوع لله لَا يكون إلا بالإيمان بالربوبية، ووراء هذا كله الإفراد بالعبودية، ثم بعد الضراعة بلفظ الربوية أعلنوا الخضوع والإذعان الكامل، فقالوا: (آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ) أي صَدَّقنا تصديق إذعان وتسليم وهداية بما أنزلت. وما أنزل الله تعالى على عيسى ﵇ هو تكليفات؛ فالإيمان الصادق بها يقتضي العمل؛ لأن العمل يدل على كمال الإيمان، ولأن المخالفة من غفوة الإيمان، ومن قبيل ذلك قول محمد ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (١). وقد تأكد ذلك المعنى وهو العمل بمقتضى ما أنزل لهم بعد ذلك في
стр. 1548
ضراعتهم (وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ) وهو عيسى ﵇، واتباع الرسول يكون بالعمل بهديه، والأخذ بسنته.
وإذا كانوا قد ضرعوا إلى ربهم بهذا الإيمان تلك الضراعة، فقد اتجهوا مع ذلك إلى دعائه راجين بإجابته أن يقوى الله إيمانهم، وأن ينقلهم من الإيمان الغيبي إلَى الإيمان الذي يصل إلى درجة تشبه المشاهدة، ولذا قالوا: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي إذا كنا قد امتلأت قلوبنا بربوبيتك، وألوهيتك وعبوديتك فارفعنا إلى مرتبة أعلى هي أن نكتب مع الشاهدين، ومن هم الشاهدون؟ يصح أن نقول إنهم الذين صفت نفوسهم وزكت مداركهم، حتى وصلوا إلى درجة العلم الذي يكون كعلم المشاهدة والرؤية، الذين قال في أمثالهم محمد ﷺ : " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١) فهذه مرتبة من الإيمان، والمعرفة أعلى من مجرد الإيمان. ويصح أن تسمى هذه المرتبة مرتبة الشهود أو المشاهدة التي يقول عنها الصوفية، فالمؤمن يتعبد، ويصفي نفسه من أدران الدنيا، حتى يصبح كأنه يشاهد الله رب العالمين في أعلى ملكوته، ويحس في كل فعل يفعله كأنه في حضرته العلية كمن يعاينه.
وإن النص الكريم يدل على وجود ذلك الصنف من العباد الأصفياء الأتقياء الأبرار، وأنهم في أعلى درجات اليقين، بدليل أن هؤلاء الأتقياء طلبوا أن يكونوا في هذا الصنف، وحكى العلي القدير للأجيال طلبهم الذي رشحهم له فرط ضراعتهم وتقواهم، وأولئك الشاهدون هم الأنبياء والصديقون والشهداء.
أحس عيسى ﵇ بحدة كفر الكافرين، وشدة نضالهم، ولذلك اتجه إلى أن يكون له دعاة مناصرون أطهار، تكون منهم مدرسة الحق، وأخذ يبث تعاليمه في تلاميذه، وينتقل في أراضي بيت المقدس وجبالها وآكامها هاديا مرشدا باعثا الأرواح إلى الإيمان بالحق، ولكن جحدوا. بالحق بعد أن ظهرت أماراته،
стр. 1549
وقامت بيناته، ثم أخذوا يَحولون بينه وبين هدايته، ودعوة الحق التي يدعو بها، ولما رأوا أن نور الحق يزداد انتشارا، قرروا أنه لابد أن يقطعوا حركته نهائيا بتدبير الشر لشخصه. ويستفاد من الإشارات القرآنية أنهم حاولوا قتله، ولا عجب فقد قتلوا يحيى بن زكريا ﵇ الذي عاصره. ولا يستغرب على اليهود عمل فاجر، فهم في ماضيهم كما نراهم اليوم في حاضرهم، ولقد قال تعالى بعد أن بلغت دعوة الحق أقصاها وأعلاها
стр. 1550
(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ):
أي أن هؤلاء الذين أحس عيسى ﵇ منهم الكفر، ورآه عيانا منهم بعد أن كوَّن فيهم مدرسة الهداية بالحواريين، وأخذوا يدبرون التدبير للقضاء عليه أو على دعوته. والمكْر، كما يظهر من عبارات القرآن: هو التدبير الذي يجتهد صاحبه في إخفائه عمن يمكر به؛ ولذا نسب المكر إلى الله تعالى، ولا يمكن أن يكون عمل الله تعالى إلا خيرا، ولذا ذكر المكر موصوفا بالسوء في قوله تعالى:
(وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّئُّ إِلَّا بِأهْلِهِ. . .)، فدل هذا على أن مطلق المكر لا يعد سوءا، مكر الفجار لإيذاء الأبرار لَا يمكن أن يكون خيرا، ومكر الله تعالى لإحباط تدبير الأشرار لَا يتصور إلا أن يكون خيرا. وقد قصر بعض المفسرين المكر على التدبير السيئ، وسمي تدبير الله لإحباط تدبيرهم مكرا من قبيل المشاكلة ورد الفعل بمثله وإن لم يكن له وصفه، كتسمية رد الاعتداء اعتداء في مثل قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ... ).
وما هو إلا عمل عدل ولكن سمي به للتماثل بين الفعلين في الواقع ليتحقق الدفاع العادل.
دبر أولئك قتل عيسى ﵇ كما قتلوا يحيى، فكانوا - لاستيلاء الفساد على قلوبهم - قد أصابهم شره لدماء الأطهار دبروا ذلك، والله يدبر حمايته، وقد تم ما أراد الله تعالى، ولذا قال تعالى:
(وَاللَّه خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) فسرها بعض المفسرين بأن الله سبحانه لَا يصدر عنه إلا الخير، فمكره. خير مكر لأنه لَا يتصور فيه شر قط. وفسر الزمخشري قوله:
стр. 1551
(وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) بقوله: أقواهم مكرا، وأنفذهم كيدا، وأقدرهم على العقاب من حيث لَا يشعر المعاقب؛ وذلك كلام مستمد من ذوق بياني رائع والله من وراء كل من يدبر الشر للأطهار، وهو الذي يحفظ بعلمه وقدرته الأبرار، ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدا.
* * *
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
* * *
هذه الآيات موصولة بالقصص السابق، والذي تدل عليه الآيات قبلها هو أن معركة قائمة بين الخير والشر؛ فعيسى ﵇ ينادي أنصاره إلى الله تعالى، ويجيبه الحواريون بالإيمان والإخلاص والاستعداد للابتلاء في سبيل إيمانهم ونصرتهم للسيد المسيح ﵇، والشر يدبِّر التدبير السيئ، والله من ورائهم محيط، يدبر الخير ويهدي إليه (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وفي هذه الآيات يبين سبحانه خيبة تدبيرهم ونجاته ﵇ من شرهم، وذلك قوله تعالى:
стр. 1552
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ):
والمعنى: اذكر يا محمد للعظة والاعتبار قصص عيسى ابن مريم، إذ قال الله تعالى له في نداء رحيم منجيا له من أذى اليهود الذين كانوا ولا يزالون أعداء لكل
стр. 1553
خير، أنصارا لكل شر (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) والمعنى المتبادر من هذا النص الكريم أن الله تعالى توفى عيسى كما يتوفى الأنفس كلها، وأنه رفع مكانته برفع روحه إليه ، كما ترفع أرواح الأنبياء إليه ، هذا ظاهر هذا النص، ولكن جاءت نصوص أخرى يفيد ظاهرها أن الله تعالى رفعه بجسده إليه سبحانه؛ فقد قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)، فظاهر هذا النص أن الله تعالى رفعه إليه بجسمه؛ لأنه مقابل بالقتل والصلب، ولا يصلح مقابلا لهما رفعه بالروح؛ لأنه يجوز أن يجتمع معهما، ويؤيد هذا ما ورد في صحاح السنة من أن عيسى ﵇ سينزل إلى الأرض فيملؤها عدلا، كما ملئت جورا وظلما؛ فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " والله لينزلن ابن مريم حكما عادلا فليكسرنَّ الصليب، وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية، ولتُتركنَّ القلاص (١) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، ويدعون إلى المال فلا يقبله أحد " (٢) فإن ظاهر هذا الحديث يفيد أنه ينزل بجسمه من الملكوت الأعلى.
وإزاء تعارض ظواهر النصوص على ذلك النحو، كان لابد من تأويل جانب منها لتكون ثمة مواءمة بينه وبين الأخرى، ففريق من العلماء وهم الأقل عددا، أجروا قوله تعالى في الآية الكريمة التي نتكلم في معناها على ظاهرها وأولوا ما عداها، ففسروا قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) بمعنى مميتك ورافع منزلتك وروحك إليّ، فالله توفاه كما يتوفى الأنفس كلها، ورفع روحه كما يرفع أرواح النبيين إليه.
стр. 1554
وإذا كان أصحاب هذا الرأي قد فسروا الآية على ذلك الظاهر، فقد قرروا أنه لَا معارضة بينها وبين الأحاديث التي تفيد النزول، لأنها تدل على مجرد العودة إن أخذناها بظاهرها، وليس الله بعاجز عن أن يرد روحه إلى جسمه، وهو الذي يُحي العظام وهي رميم، وكما قال تعالى: (. . . كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، وفضلُ عيسى ﵇ أنه عاد إلى جسده قبل أن يعود غيره إلى جسده، هذا إذا قبلت هذه الأحاديث بظاهرها من غير تأويل، ومن غير نظر إلى سندها وكونها أخبار آحاد لَا يؤخذ بها في الاعتقاد.
وأما التوفيق بين الآية الكريمة وبين قوله تعالى: (بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) فإنه في نظر أصحاب ذلك النظر لَا يحتاج إلى عناء في التأويل، لأن الإضراب الذي تضمنته " بل " إضراب عن القتل والصلب، وليس إضرابا عن الموت الطبيعي، وكونه لَا يقتل ولا يصلب لَا يقتضي أنه لَا يموت موتا طبيعيا، والتعبير بقوله: (بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) فيه إشارة إلى معنى الكرامة والإعزاز والحماية، وأنه تعالى حاميه منهم، ومانعه دونهم، وأنهم لن يتمكنوا من رقبته، إذ إن الذي يحميها هو خالق الكون، وخالق القدر.
هذا هو التفسير الأول للآية الكريمة، وهو الذي يجريها على ظاهرها من غير أي تأويل، ويقرر أنه إن كان لابد من تأوبل فهو فيما يعارض ظاهره ظاهرها، على أن التوفيق في ذاته ممكن من غير تأويل بعيد أو قريب، إذ الظاهر أن التفسيرين في نظرهم غير متعارضين، والتوجيه الصحيح لمعانيها يجعلها متلاقية غير متنافرة وإن التأويل إنما يكون بترك ظاهر الآية الكريمة: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ).
والتفسير الثاني: يقرر أن الرفع بالجسم لَا بالروح فقط، وأن عيسى حي في السماء، وأن الأرض قد خلت منه ليعود إليها فيملؤها عدلا، بعد أن ملئت جورا؛ وإن أصحاب هذا الرأي وهم الأكثرون ويحتاجون بلا ريب إلى تأويل هذه الآية، ولهم في التأويل طرق مختلفة، منها أن قوله (مُتَوَفِيكَ) ليس معناها مميتك، بل
стр. 1555
معناها هو المعنى اللغوي الأصلي إذ إن التوفِّي في اللغة أخذ الشيء وافيا تاما، والمراد في نظرهم أنِّي موفيك حياتك كلها في الدنيا على الأرض ببقائك فيها، ثم رافعك إلى السماء تستوفي حظك من الحياة هناك. ولكن يعارض هذا التأويل أن القرآن له استعمال في العبارات يخصصها، وقد خصص هذا اللفظ بالموت، كما خصصته اللغة، ومن ذلك قوله تعالى: (الله يَتَوفَى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) وقوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفَاكُم ملَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِلَ بِكُمْ. . .).
ومن التأويلات: أنهم فسروا الوفاة بمعنى النوم باعتبار أن النوم هو الموتة الأولى، ومن ذلك قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرحْتُم بِالنَّهَارِ. . .). والمعنى على هذا منومك نوما عميقا، ثم رافعك في أثناء هذا النوم إليَّ.
ومن التأويلات: ما ذكره القرطبي بقوله: (إِنِّي مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) على التقديم والتأخير، لأن الواو لَا توجب الرتبة، والمعنى إنِّى رافِعُكَ إليَّ ومطَهِّرُك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء، كقوله تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مسَمًّى)، والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما (١) أي أن الوفاة ستكون، وليست سابقة على الرفع، بل هي متأخرة عنه، أي أنه ﵇ يموت بعد أن ينزل إلى الأرض ولا شك أن هذا ضرب من التأويل، وليس ظاهر النص.
ذانك نظران في تفسير الآية الكريمة، أولهما يعتمد على ظاهر الآية الكريمة، وعلى أنه لَا تعارض بين هذا الظاهر وظواهر النصوص الأخرى، ومنهم من يقف من أحاديث نزوله إلى الأرض موقف المستفهم؛ لماذا اختص عيسى بهذا؟ ولماذا لَا يكون هذا لنبينا محمد ﷺ ؛ ويخشى أن يكون ذلك من دس النصارى، وكم دسوا في الإسلام، ولقد كان في عصر التابعين يوحنا الدمشقي في بلاط بني
стр. 1556
أمية يؤلف الجماعات السرية التي تدس الآراء والأفكار التي من شأنها أن تفسد عقائد المسلمين.
أما النظر الثاني فاعتماده الأكبر على الأخبار التي وردت بنزول عيسى ﵇ وأوَّل من أجلها هذه الآية الكريمة، مع أن الأخبار أحاديث آحاد، وأولئك هم الأكثرون كما قلنا.
(وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) التطهير معناه إزالة الأدران والخبائث، والله طهر المسيح ﵇ من الآثام التي حاول أن يلصقها به وبأمه اليهود ومن جاءوا بعده ممن ادعوا اتباعه وهم لم يتبعوه، وأبدى للملأ من اليهود طهر أمه وعفتها ونزاهتها، كما أبدى روحانيته وسلامته مما رماه به من عادوه وأفرطوا في عداوته، وما رماء به من أحبوه وأفرطوا في محبته حتى حسبوا أنه إله أو ابن إله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. هذا تطهير الله لعيسى ﵇، ولقد طهره أيضا بأن لم يمكن اليهود والرومان من صلبه ومن قتله بل شُبه لهم، ونجاه الله تعالى من كيدهم؛ وهكذا طهّر الله عيسى من كل رجس معنوي أو حسي، ومن كل أذى حسي أو معنوي.
ولقد جعل الله الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، وهنا يسأل القارئ لكتاب الله: من هم الذين اتبعوه؟ ومن هم الذين كفروا به؟ وما هذه الفوقية التي تكون للذين اتبعوه؟
ليس الذين اتبعوه هم الذين قالوا إنا نصارى أو نحن نتبع المسيح وكانوا يزعمون أنه ثالث ثلاثة أو ابن الله؛ لأنه ما قال هذا وما ادعاه، ولكنه جاء بالتوحيد، والإيمان بالله العلي القدير وحده؛ هانما الذين اتبعوه هم الذين آمنوا به، وبأنه رسول من رب العالمين، وبأنه بشر كسائر البشر، وأن تعاليمه هي العدالة، والرحمة، والسماحة، والإخلاص في طلب الحق وعبادة الله تعالى كما أمر الله؛ ولذلك لم يجانب الحق من قال إن أتباعه هم المسلمون، لأنهم هم الذين
стр. 1557
يؤمنون برسالته حق الإيمان من غير إفراط ولا تفريط، ومن غير أن يتجاوزوا به قدره الذي قدره الله تعالى له وسواه عليه.
والفوقية ليست هي القوة؛ فإن الأسد أقوى من الإنسان، ولكنه ليس فوقه ولا أعلى منه، بل الفوقية هي فوقية الإدراك والإيمان والإخلاص؛ وذلك لأن سبب الفوقية هو الاتباع، والمسبب من جنس السبب، فالسبب معنوي روحي، فالفوقية روحية معنوية، فليست الفوقية إذن فوقية سيف وسنان، بل فوقية حجة وبرهان،. ولقد قال الزمخشري في ذلك: " يعلونهم بالحجة، وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه هم المسلمون؛ لأنهم متبعوه في أصل الإسلام، وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه، والذين كذبوا عليه من اليهود والنصارى " (١).
(ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا بهُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) إن الفوقية التي أشرنا إليها هي فوقية الحجة القوية الثابتة عن النظر بعين الحق السائغ، والقسطاس المستقيم، وإن هذه الحجة قائمة في الدنيا إلى يوم القيامة، حتى إذا انتهوا إلى ذلك اليوم المعلوم المقطوع بأنه لي يقع لَا محالة، يكون الاحتكام بها إلى الحكم العَدْل العليم، ولذا قال سبحانه: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) أي إليَّ رجوعكم ومآبكم، وإذا كان المرجع إلى الله والمصير إليه سبحانه وهو العليم بكل شيء، فهو الذي يحكم بينهم فيما كانوا يختلفون فيه، وحجة بعضهم فوق حجة الآخرين، فالفاء في قوله تعالى: (فَأَحْكمُ بَيْنَكمْ فِيمَا كنتمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) هي التي تسمى فاء الإفصاح، لأنها تُفْصِح عن شرط مقدر، وقد ذكرناه في مطوي كلامنا. ولقد بين بعض الحُكم مفصلا في قوله تعالى:
* * *
стр. 1558
(فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)
* * *
هذا هو الجزء الأول من الحكم، وهو عذاب الذين كفروا، وفي التعبير بالموصول إشارة إلى أن سبب العذاب هو كفرهم، وقد أكد شدة
стр. 1559
العذاب بعدة تأكيدات، أولها: بنسبة التعذيب إليه، وهو القويّ القهّار الغالب على كل شيء، وفيه إشعار بعدالة العذاب عدالة مطلقة، وثانيها: بالتأكيد بالمصدر، وثالثها: بالوصف بالشدة، ورابعها: بعدم رجائه إنهاءه أو إزالته؛ إذ لَا يوجد لهم من ناصر؛ ولذا قال سبحانه: (وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) وهو نفي مؤكد مستغرق، أي ليس لهم من ناصر أيا كان هذا الناصر، وأيا كانت نصرته، ولو كانت ضئيلة.
ولقد ذكر أن العذاب في الدنيا. وفي الآخرة؛ أما عذاب الآخرة فالأمر فيه إلى الله تعالى العلي القدير، وأما عذاب الدنيا بالنسبة لمن كذبوا المسيح من اليهود فهو هذه الذلة والتفريق في الأرض، ومهما يحاول الكافرون أمثالهم لهم من معاونة فإن حبلها مقطوع بعون الله تعالى العلي القدير (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ)، وأما النصارى فإن العذاب الذي هم فيه يبدو للناظر الفاحص من اختلافهم فيما بينهم، وتفرقهم أحزابا وشيعا، وجعل بأسهم بينهم شديدا، وهذه هي الحروب بينهم مستمرة مفنية مدمرة، وأي عذاب أشد من هول الحروب التي وقعت بينهم في الحربين العالميتين السابقتين!! فكم من دماء أهرقها أولئك الذين كفروا بالمسيح فيما بينهم، وأي ذرية أبادوها؛ وكم من العمران خربوه!! ولا يدري إلا الله ما سيكشف عنه المستقبل من عذاب شديد يعده بعضهم لبعض، حتى يصيروا في نهايتهم بورا.
* * *
стр. 1560
(وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)
* * *
هذا هو الجزء الثاني من الحكم وهو جزاء الذين آمنوا، وقد ذكر جزاءهم الحكيم العليم بأنه يوفيهم أجورهم أي جزاءهم على ما قدموا من أعمال استحقوا عليها ذلك الجزاء، وهو النعيم المقيم؛ وقد جعل ذلك الوفاء وهذا الجزاء مبنيا على أمرين، أحدهما: إيمان صادق، والثاني: عمل صالح، فهما اللذان نيط بهما الجزاء، وفي الحق إن الإيمان الصادق يتبعه العمل الصالح، وليس بمؤمن حق الإيمان من يتخلى عمله عن اعتقاده، ولم يذكر نعمته في ثوابه، وهو المنعم دائما المتفضل بالثواب؛ للإشعار بأن إنعامه سبحانه منوط بعمل،
стр. 1561
ولْيُعلمْنا العدالة بأن نربط الجزاء بالعمل ثم ذيل الآية بقولها (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) لإعلان عدالته ولإثبات أن الكفر والظلم قرينان، وأن الإيمان والعدل متلازمان، ولبيان استحقاق الذين آمنوا وعملوا الصالحات لما أعطوا من ثواب ونعيم مقيم. ولقد ختم الله قصص عيسى بقوله تعالى:
* * *
стр. 1562
(ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
* * *
ذلك القصص الذي ذكرت فيه قصة آل عمران، وقصة مريم وولادتها وزكريا ونداءه وإجابته، وعيسى وروحانيته وآياته الباهرة، نتلوه، أي نقصه عليك بعضه تلو بعض فنتلوه في بيان رائع، وهو من الآيات البينات المثبتة لرسالتك، فما كنت لديهم إذ حدثت هذه الوقائع الثابتة التي لَا مجال للريب ولا للشك في صدقها، وما كنت تقرأ في كتاب، ولا تلقيته بيمينك، إنما هو وحي به إليك لتثبت به رسالتك، وتؤيد به دعوتك، وهذا القصص مع دلالته على نبوتك هو في ذاته يحمل العظة والاعتبار؛ ولذلك كان هو من (وَالذكرِ الْحَكِيمِ) أي الذكر الذي يربي الحكمة في القلوب التي تقرأ وتعي وتدرك، إذ هو يذكر القارئ بِأن الأدلة مهما تكن قوتها لَا تجعل الضال يهتدي ما لم يفتح قلبه لها، فالأدلة كالنور لَا يراه إلا من له بصر يبصر به، اللهم افتح قلوبنا لإدراك الحق والإيمان، إنك على كل شيء قدير.
* * *
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)
* * *
стр. 1563
في الآيات السابقة بيَّن الله كيف كان الحمل بعيسى، وما أجراه الله تعالى على يديه من معجزات، وكيف كان عبدا من عباده الصالحين، وذكر دعوته إلى ربه، ومعاداة قومه له، وتقدم الحواريين ليكونوا أنصاره إلى الله، وكيف مكر القوم به وأحبط الله مكرهم، ثم توفاه سبحانه، ورفعه إليه، وجعل فوقية للذين اتبعوه في هدايته، فآمنوا بوحدانية الله وبرسالته، وليس منهم قطعا أولئك الذين قالوا إنا نصارى وادّعوا ألوهيته، أو أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وإنه في هذه الآيات يبين الله حقيقة تكوين عيسى، ويزيل وجه الغرابة في ولادته، وأن الله تعالى لَا يتقيد بالأسباب والمسببات؛ لأنه خالق كل شيء، وهو الفاعل المختار، يخلق الأشياء بإرادته واختياره، ولا تصدر عنه المخلوقات صدور المعلول عن علته، كما يتوهم الماديون الذين عاصروا عيسى ﵇، والذين يعاصروننا اليوم، وإن الله سبحانه كما خلق الإنسان الأول آدم من غير أب ولا أم، فكذلك خلق عيسى من غير أب، وهو سبحانه ذو القوة المتين. ولقد بين سبحانه هذه الحقيقة بقوله:
стр. 1564
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) يبين الله بهذا النص الكريم مكان خلق عيسى ﵇ من قدرته ، بجوار خلق آدم من تراب، فالله خلق آدم من تراب، أي من غير أب ولا أم، ومن مادة ليس من شأنها أن يكون منها إنسان حي ينطق ويتكلم، وقد تعلم الأسماء والأشياء كلها، ومعنى النص الكريم: إن حال عيسى في تصويره وتكوينه من غير أب بالنسجة لقدرة الله تعالى كحال آدم صوره وكونه من طين.
وفي هذا التمثيل احتجاج على النصارى الذين ألَّهوا المسيح عيسى ابن مريم لأنه خلق من غير أب، واعتبروه ابن الله والاحتجاج من وجهين: أولهما: أنه إذا كان خلق عيسى من غير أب مسوغا في زعمهم لأن يكون إلها أو ابن إله، فأوْلَى بذلك ثم أوْلى آدم؛ لأنه خلق من غير أب ولا أم، ولا
стр. 1565
أحد من الناس ادعى ألوهية آدم لهذا السبب فيبطل حينئذ ذلك الزعم الباطل لانهيار الأساس الذي قام عليه.
ثانيهما: أن الله إذا كان قادرا على خلق إنسان حيّ من غير أب ولا أم، ومن مادة ليس من شأنها أن يتكون منها إنسان حي، فأولى أن يكون قادرا على خلق إنسان من غير أب، ومن أم هي إنسان يلد ويحيا ويموت، وهي وعاء لحياة الإنسان وهو جنين؛ وإذا فلا غرابة في خلق عيسى من غير أب، وما كان يصح أن يكون هذا دافعا لهذا الضلال المبين.
والنص الكريم فوق ما تضمنه من حجة دامغة تقطع دعوى المبطلين، هو بيان لقدرة الله تعالى العلي القدير في خلق الأحياء وخلق الأشياء، من حيث إنها تخلق بإرادته المختارة، وأنه بهذه الإرادة يخلق الحي من غير الحيّ، ويخلق الحيّ على غير النظام الجاري في مجرى العادات، وما نسميه طبائع الأشياء في التكوين والتوالد، ولا تصدر عنه الأشياء كما يصدر المعلول عن علته، وإلا ما كان من الطين إنسان حي ناطق هو أبو الخليقة آدم ﵇. ولذا بين سبحانه بعد ذلك عظم إرادة الله تعالى في خلق آدم:
(ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) هذا تصوير لخلق الله تعالى آدم من تراب، أراد أن يكون فصوَّره من طين، ثم قال له لما صوره آمرا له أمرا تكوينيا " كُن " فكان. وهذه الجملة السامية تصور خلق الله للأشياء الأحياء وغير الأحياء، فليست إلا أن تتجه الإرادة إلى تكوينها، فيكون الأمر التكويني، وتكون الاستجابة التكوينية، ويكون الأمر كما أراد سبحانه. وقال بالنسبة لخلق آدم ﵇: (كُن فَيكُونُ) ولم يقل كن فكان، وهو المناسب للماضي، وذلك لأن التعبير بالمضارع دائما فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت، ومن جهة أخرى فصيغة المضارع في هذا المقام تنبئ عما كان، وتومئ إلى ما يكون بالنسبة لخلق إلله تعالى المستمر في المستقبل كما كان في الماضي وقد بين سبحانه أن هذا هو الحق الثابت المستمر، فقال:
* * *
стр. 1566
(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)
* * *
أي هذا الذي أخبرك الله به سبحانه من أن عيسى خلق من غير أب، وكونه كذلك، وكون خلق آدم من طين، وكون هذا التكوين العام هو بإرادة مختارة، لَا قيد يقيدها، وأنها خالقة الأسباب، هذا هو الحق، والحق هو الثابت اليقيني الذي لَا مجال للشك فيه. وقد أكد كونه الحق الذي لَا مجال للريب فيه بثلاثة تأكيدات:
أولها: بتعريف كلمة الحق بأل، فإن مؤدى ذلك أن خلق الله بإرادته المختارة على النحو الذي بينه هو الحق وحده، ولا حق سواه.
ثانيها: أنه بين أن إثبات ذلك الحق هو من ربك الذي ذرأك وحفظك، وفي ذلك ما يدل على صدق الإثبات صدقا لَا ريب فيه.
ثأا: أنه نهى عن الامتراء والشك في ذلك الحق، فقال سبحانه: (فَلا تَكن مِّنَ الْممْتَرِينَ) أي أنه لَا مجال فيه للشك، أو للجدال والمراء المثير للشك.
والخطاب موجه إلى النبي ﷺ مع أن النبي ﷺ لَا شك عنده، وكان كذلك لإثارة الاهتمام والاتجاه إليه، وبيان أنه لَا موضع فيه للجدل والامتراء، فيكون الاطمئنان إلى الحق المبين، وإذا كان هذا دعوة للنبي إلى الابتعاد عن الامتراء فغيره أولى بأن توجه إليه الدعوة القاطعة لكل ريب.
والامتراء: هو الشك الذي يدفع إلى المراء والمجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق ولذلك قال الراغب الأصفهاني في معنى الامتراء ما نصه: " المرية التردد في الأمر، وهو أخص من الشك، قال تعالى: (وَلا يَزَالُ الَّذينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ منْهُ. . .)، (فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ ممَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ. . .)، (فَلاً تَكُن فِي مِرْيَةٍ هِن لِّقَائِهِ ... )، (أَلا إِنَّهمْ فِي مِرْيَةٍ من لِّقَاءِ رَبِّهِمْ ... )، والامتراء والمماراة: المحاجة فيما فيه تردد، وأصله من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب ".
فمؤدى كلمة الامتراء هو المحاجة فيما فيه ريب، فكأن الله سب حانه وتعالى يقول لنبيه الكريم أو لقارئ القرآن العظيم: فلا تكن من الذين يجادلون في هذا
стр. 1567
شا كين؛ فإنه ليس موضع شكك من جهة، وليس موضع جدال؛ لأن الذين يجادلون فيه يجادلون في قدرة الله تعالى (وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)، وإذا كان النبي ﷺ منهيا عن المجادلة في هذا الأمر لأنه لَا مسوغ فيه للجدل، فماذا يكون من أمره إن حاجوه هم؛ فبين سبحانه ما يكون منه إن حاجوه بقوله تعالت كلماته:
* * *
стр. 1568
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)
* * *
المحاجة تبادل الحجة، سواء أكانت الحجة قوية أم كانت حجة داحضة عند ربهم، والفاء هنا فاء الإفصاح؛ إذ إنها تفصح عن شرط مقدر؛ والمعنى إذا كانت هذه حقيقة السيد المسيح ﵇، وهذه إرادة الله تعالى في الخلق والتكوين، فكل ما يدعى له من الألوهية باطل، ولا يؤمن به أحد، فمن حاجك إلخ: والمعنى: فمن حاجك في شأنه من حيث كونه إلها أو ابن إله أو غير ذلك من الترهات الباطلة، بعد أن علمت من شأنه ما علمت، وذلك بعلم الله الذي أعلمك إياه، ووحيه الذي أوحاه إليك، فلا تبادلهم حجة بحجة لأنهم لَا يؤمنون بحقيقة ما يقولون، ولا يذعنون للحق الذي تقول، وإن كانوا يعلمونه، ولكن قل لهم: (تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) والمعنى ندع من عندنا من ذرية ونساء، ومن عندكم من ذرية ونساء، ومن عندنا من رجال، ومن عندكم؛ أي يتلاقى جمعنا وجمعكم، ثم نتجه نحو الحقيقة طالبين لها، أو على الأقل يعلن كل واحد منا إيمانه بما عنده، ونبتهل إلى الله ضارعين إليه، متجهين بقلوبنا نحوه أن يجعل لعنته وطرده من رحمته على الكاذبين في دعواهم المنحرفين في اعتقادهم.
وهذا المعنى هو ظاهر الآية؛ إذ فيه الدعوة الاجتماعية من الفريقين ليكون الجمع في مقابل الجمع فيعرف المحق من المبطل.
стр. 1569
وهناك معنى آخر تشير إليه مرويات الصحاح من السنة، وهو أن يدعو النبي خاصته من أهل بيته، وهم نساء قرابته وذريته، ورجال أسرته؛ وقد روى البخاري وغيره أن النبي ﷺ ذهب إلى المباهلة ومعه الحسن والحسين وفاطمة وعلي (١).
والمعنى على الأول يشير إلى أن المباهلة بين أهل الحق مجتمعين، وأهل الباطل مجتمعين، ثم يتجهون جميعا إلى رب العالمين؛ لأن الأمر يهم الجميع، فإما أن يذعن أحد الفريقين للآخر، وإما أنه يطرد من رحمة الله تعالى. وعلى الثاني يشير إلى أن المباهلة بين النبي وأسرته، وكبراء الفريق الآخر وأسرهم، وإلى أن الذي يؤمن بما يقول لَا يمتنع عن تقديم أحب الناس إليه في المباهلة ما دام مؤمنا بأن الحق في جانبه.
وإن النبي تقدم إلى هذه المبارزة المعنوية الاعتقادية، ولكنهم أحجموا ولم يتكلموا ورضوا أن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
والابتهال قال فيه الزمخشري: (ثُمَّ نَبْتَهِلْ): ثم نتباهل بأن نقول بهلة الله على الكاذب منا ومنكم، والبهلة بالفتح والضم اللعنة، وبهله الله: لعنه وأبعده من رحمته، من قولك أبهله إذا أهمله. وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن التعانا.
وفى الآيات الكريمة إشارة إلى عدة معالب نفسية واجتماعية:
أولها: أن المجادل المماري لَا تزيده الحجة القوية اقتناعا، ولا تحمله على الإذعان، إنما يحمله على الإذعان التوجيه النفسي، بأن يدرس مقدار اقتناعه هو بما يقول، وفي الابتهال وسط لجاجة أولئك الذين يحرفون الكلم عن مواضعه دعوة لهم إلى أن يفتشوا قلوبهم ويعرفوا مقدار إيمانهم بما يقولون، ومقدار الحق فيما يعدلون؛ ولذلك خروا صاغرين، ولم يستطيعوا جدالا.
стр. 1570
وثانيها: أن الدعوة بالتي هي أحسن توجب على الداعي ألا يفرط في المجادلة، كما كان يقول الإمام مالك: بيّن الحق ولا تجادل فيه، فإن كل مجادلة توجب على الفريق الآخر أن يلتزم موقفه.
ثالثها: أنه يجب أن تعلم الذرية والنساء شئون الدين، ولذلك كانوا مشتركين في تلك المنازلة بين الحق والباطل وهذه المعركة النفسية الفاصلة بين إيمان المؤمنين، وانحراف المنحرفين.
ورابعها: التعاون الفكري والنفسي بين المؤمنين، فإن تلك المباهلة كانت بين أهل الإيمان متعاونين على دعوة الحق، وأهل الباطل مدعوين إلى التعاون عليه فيها إن كانوا مؤمنين به، فلم يحيروا جوابا.
ولقد أكد صدق ما أخبر به عن عيسى ﵇ فقال تعالى:
* * *
стр. 1571
(إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ... (٦٢)
* * *
أي إن هذا الذي أخبرت هو القصص الثابت الذي لَا مجال فيه لإنكار منكر، ولا لتشكيك متشكك، وقد أكد سبحانه صدق القصص في تلك الجملة السامية بأربعة مؤكدات هي: إنَّ، فهي للتوكيد، واللام في قوله تعالى: (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) وضمير الفصل، والقصر الذي تضمنه تعريف الطرفين؛ إذ المعنى فيه أن ما أخبرت به في شأن عيسى ﵇ هو وحده الخبر الحق، ولا حق في سواه، بل ما عندهم ترهات وأباطيل.
وإن هذا الخبر يتضمن في ذاته أن المسيح عيسى ﵇ ليس إلها ولا ابن إله، وأنه عبد الله ورسوله الأمين، وأنه من أولي العزم من الرسل، وأن الألوهية الحق هي لله تعالى وحده؛ ولذا صرح بهذا عقب تأكيده القصص الحق، فقال تعالى: (ومَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): هذا نفيٌ باتٌّ قاطع للألوهية من غير الله تعالى، وإثبات الألوهية لله وحده، وقد أكد النفي بكلمة " من " فهي تفيد استغراق النفي استغراقا مستمرا ثابتا مؤكدا، وفى النفي والإثبات تأكيد لمعنى المستثنى أبلغ تأكيد، وإن هذا النفي فيه رد بالغ على النصارى الذين ادعوا ألوهية للمسيح ﵇.
стр. 1572
وقوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) معناه أن الله سبحاته وتعالى المنفرد بالألوهية وحده هو العزيز الغالب الذي لَا يقهر، الحكيم الذي يدبر كل شيء بكمال سلطانه وسيطرته على هذا الوجود الذي لَا ينازعه السلطان فيه غيره كائنا من كان. وإن الجملة السامية فيها تأكيد لمعنى العزة والسلطان الكامل بالتعبير بإن، وباللام، وبضمير الفصل، وبتعريف الطرفين.
وفى هذا الكلام رد على أولئك الذين يزعمون أن المسيح إله، ويعتتدون مع ذلك أنه غُلب على أمره وصُلب ولم يستطع لنفسه حولا ولا طولا، ولا حيلة يخرج بها من ذلك المأزق، ولكن هكذا يعتقدون، وبه يؤمنون.
* * *
стр. 1573
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)
* * *
أي فإن أعرضوا ولم يبتهلوا لتكون لعنة الله على الكاذبين، وكلمة الحق هي الغالبة المسيطرة، فاعلم أنهم ليسوا طلاب حق وهداية ولكنهم دعاة باطل، وفي دعاوى الباطل يكون الفساد في الأرض؛ لأنه لَا فساد في الأرض أكثر من فساد الاعتقاد، فإن فساد الاعتقاد، يدفع إلى فساد العمل.
وقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) ليس هو جواب الشرط ولكنه ينبئ عن جواب الشرط المحذوف، إذ تقدير القول: فإن تولوا وأعرضوا فأنذرهم بسوء الغبة وسوء العقبى، فإن الله عليم بالمفسدين. وهذه الجملة السامية تتضمن في ذاتها تهديدا شديدا، إذ إن الله تعالى إذا علم بالمفسد لَا يسكت عنه، ولا يتركه يعيث في الأرض فسادا، بل إنه يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ويوم القيامة يأخذه بالنواصي والأقدام، وكذلك الشأن في كل من يعرضون عن الحق إذا دعوا إليه.
اللهم مكن الحق من قلوبنا، واجعلنا ممن يؤمنون به، ويذعنون له، وأعز الإسلام، واجعل أهله يؤمنون به، ويفتدونه، إنك أنت العزيز الحكيم.
* * *
стр. 1574
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)
* * *
ذكر فيما سبق خبر مريم البتول، وخبر ابنها عيسى الذي رفعه الله مكانا عليا، ثم ذكر الآيات الكبرى التي أجراها على يد عيسى ﵇ لإثبات رسالته، وتوثيق دعوته، ثم آمن به الحواريون، وكفر به الأكثرون، مما يدل على أن المعجزة لَا تحمل على الإيمان حملا، ولكنها تنير السبيل أمام طالبي الحق الذين لَا يبغونها عوجا، ثم أشار سبحانه إلى انحراف الذين جاءوا بعد عيسى وادّعوا أنهم اتبعوه، وما اتبعوه في شيء؛ فقد ادّعوا أنه إله أو ابن إله، وليس إلا عبد الله ورسوله، وقد اعتمدوا في هواهم على أنه خلق من غير أب، فأبطل سبحانه قياسهم بقياس أدق وأقوى إنتاجا، وهو أن آدم خلق من غير أب وأم فكان أولى أن يعبد، إن كان قياسهم سليما، ولكنه غير سليم.
ثم أمر أن يخاطب نبيه محمد ﷺ نصارى عصره بما يكشف خبيئة نفوسهم، - وهي أنهم لَا يؤمنون بشيء إيمانا صادقا، ولكنهم يمارون، وما أمره سبحانه به هو أن يبتهل هو وهم، فيجعلوا لعنة الله على الكاذبين، فلم
стр. 1575
يدخلوا في تلك المبارزة النفسية التي يبارز فيها الحق اليقين الثابت الباطل المتردد المتحير.
وفى هذه الآيات ينتقل من الخصوص إلى العموم، فيخاطب أهل الكتاب من نصارى ويهود على لسان نبيه، يدعوهم جميعا إلى الحق الذي يتساوى عنده الجميع، فقال تعالى:
стр. 1576
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) النداء هنا لأهل الكتاب عامة، لَا لطائفة خاصة منهم؛ فهو يشمل اليهود والنصارى جميعا، لا فرق بين طائفة منهم وطائفة، وكان النداء في هذا عاما؛ لأن العيب عام فيهم، والدواء واحد؛ فلوحدة الداء ووحدة الدواء كان النداء عاما؛ ذلك أن عيبهم هو التعصب لما عندهم تعصبا أعماهم عن الحق عند غيرهم، فهم يظنون أنهم وحدهم أهل علم النبوة لَا ينزل على غيرهم ولا يدينون به لسواهم، فهم يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وكل يتعصب لما عنده، فاليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى يقولون: ليست اليهود على شيء، وكلاهما يقولون: ليس غيرنا على شيء، والدواء واحد أيضا، وهو طلب الحق لذات الحق من غير إذعان لهوى، ولا إفراط في العصبية، وحتى لَا تؤدى إلى الانحراف.
وناداهم سبحانه: بـ (أهل الكتاب) مع أنهم حرفوا فيه الكلم عن مواضعه، وانحرفوا عن مبادئه، وفرقوا في أحكامه، وتفرقوا في فهمه؛ والسبب في هذا النداء هو أولا توبيخهم على ما كان منهم؛ لأن علمهم بالكتاب كان يوجب عليهم الإذعان للحق بدل التفرق فيه، (وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. . .) ثم هناك سبب آخر، وهو أن علمهم بالكتاب في الجملة يجعل الاحتكام إلى ما بقي منه عندهم كافيا لإذعانهم إن كانت عندهم أثارة من إيمان بالحق وطلب له مع ما هم فيه من تعصب، ولقد أمر الله نبيه بأن يدعوهم بقوله: (كلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكمْ) أي كلمة هي مستوية بيننا وبينكم، أي فيها إنصاف لنا ولكم، ونلتقي فيها معكم، وتلتقون
стр. 1577
عندها إن طلبتموها، وكلمة سواء تطلق بمعنى العدل والنصفة وقد قال زهير بن أبى سلمى:
أرونِي خطَّةً لَا ضَيْمَ فيها ... يُسَوِّى بيننا فيها السَّواءُ
فالسواء هنا هو العدل، وأصل السِّوَى، والسُّوى الاسُّتواء، وإذا فتحت السيق منها صارت سواء، ولقد قال تعالى: (. . . مَكَانًا سُوًى)، أي مكانا مستويا.
والمؤدى أن الله أمر نبيه أن يدعوهم إلى كلمة يستوي فيها النبي معهم، وكان ينبغي أن يستووا بالنسبة لها معه، وتلك الكلمة، أو تلك الحقيقة المقررة الثابتة في كل الكتب السماوية التي لَا يفترق فيها كتاب عن كتاب هي ما ذكره بقوله:
(أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)
فهذه الكلمة التي يستوي فيها الإسلام مع الأديان التي سبقته هي التوحيد، والتوحيد بشمول معناه يشمل التوحيد في العبودية، والتوحيد في الربوبية، والتوحيد في العبودية ألا يعبد إلا الله ، وهذا ما بينه بقوله على لسان نبيه: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا). فلا يصح أن يشرك مع الله في الألوهية حجر ولا بشر، فلا يقال: فلان إله، ولا ابن إله ولا عنصر ألوهية قط في حجر.
أما التوحيد في الربوبية، فهو ما أشار إليه سبحانه بقوله تعالى: (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) أي لَا يتخذ أحد من البشر في مقام الرب، بأن يكون له فضل في التكوين أو الإنشاء أو التأثير في الخلق بأي نوع من أنواع التأثير، فإن هذا كله من عمل الرب، والله هو رب العالمين وحده، ولا رب سواه، فلا مؤثر في الكون ولا في الأشخاص، ولا في الأشياء سواه، فلا أثر لحجر ولا لبشر كائنا من كان هذا البشر.
стр. 1578
وهناك معنى آخر للربوبية يدخل في مضمونها، وهو أن يكون الشرع كله لله تعالى، فلا يتكلم عن الله أحد إلا نبي يوحى إليه، والجميع بعد ذلك أمام الشرع سواء، إلا أن يكون فهم متميز متفهم متعرف، ومن ادعى أنه يتكلم عن الله باسم الله من غير وحي يعتمد عليه، فقد زعمه ربا يؤخذ عنه؛ ولذلك عبر القرآن عن علماء النصارى واليهود الذين ادعوا أن قولهم دين يتبع، وتقاليد تؤثر، بأنهم قد اتخذوهم أربابا من دون الله، فقال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ. . .)، ذلك بأنهم جعلوا لهم الحق في أن يشرعوا باسم الله ما لم يشرعه الله، وأن يخالفوا ما أمر الله ، فهم جعلوهم في مقام الرب ﷻ ، ولقد روي عندما نزل قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال عدي بن حازم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله! فقال الرسول ﵇: " أليسوا كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذوا بقولهم؟ " قال: بلى.
قال النبي ﷺ : " هو ذاك " (١).
وعن بعض التابعين أنه قال؛ لَا أبالي أطعتُ مخلوقا في معصية الخالق أو صليتُ لغير القبلة!! فكانت التسوية كاملة بين الأخذ في دين الله بغير ما أنزل الله، والخروج عن الإسلام الذي رمز إليه ذلك التابعي الجليل، وهو ألا يكون من أهل القبلة.
عرض النبي بأمر الله تعالى ذلك الأمر الذي يكون فيه نصَفة له (٢) ولهم، وكانت الدعوة إلى أخذ دين الله من ينبوعه الصافي فيهما فائدتان: إحداهما: ألا يتزيدوا على ما أمر الله تعالى وما نهى عنه؛ والثانية: أن أولئك المجادلين هم الذين يبثون في نفوس أتباعهم التعصب الأعمى، محافظة على سلطانهم أن يزول؛ فكانوا في زعامتهم بمنزلة زعماء قريش وأشباههم من أنهم خشوا على سلطانهم من اتباع النبي الكريم ﷺ .
стр. 1579
وإذا كان قد دعاهم إلى هذ لإنصاف وإلى ترك التعصب جانبا، وعدم الخضوع لأسبابه، فإن حال الذين يخاطبهم إحدى حالين: إما أن يخلصوا في طلب الحق، ويجيبوا داعيه، وتلك خير الخصلتين، وإما أن لَا يجيبوا داعيه وتلك هي السوءى، فإن كانت الأولى فتلك هداية الله، وإن كانت الثانية فإن الله تعالى قد كتب عليهم الشقوة، ولا سبيل لأن يدخل النور قلوبهم، فإن من طلب منه الإنصاف فأعرض عنه فلا سبيل إلى هدايته، والجدل معه لَا يجدي؛ ولذا قال : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ):
أي فإن أعرضوا ونأوا بجانبهم عن إجابة داعي الإنصاف، والدعوة بالتي هي أحسن فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم، فإن الجدل مع من لم يجب داعي العدالة لا يزيده إلا لجاجة وعنادا؛ وإن الحقائق تتبعثر على ألسنة المتجادلين، ويتبدد رونقها، ويذهب بهاؤها، وتفقد النفس عند الجدل الإيمان بالحقائق والإذعان لها، بل أمرهم الله تعالى بقوله: (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي يقول النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين لأولئك الذين مردوا على الجدال وبعثرة الحقائق في حومة الجدل: اشهدوا بأنا مسلمون، مذعنون لطلب الحق فلا تحاولوا أن تغيرونا عما اعتقدنا وقد أنصفناكم بالدعوة إلى كلمة الحق والإنصاف، فلم تجيبوا، والآن ننصفكم مرة أخرى بأن نشهدكم بأننا مخلصون في طلب الحق مذعنون له؛ ومن جانبنا؛ فإن أذعنتم مثلنا فنعمّا هي، وإن لم تذعنوا فلنا دينُنا، ولكم دينكم، والله يحكم بيننا وهو خير الحاكمين. وإن إعلان الإذعان للحق من جانب المؤمنين فيه دعوة للحق بإعلان المثل الواضح البين السامي، وهو يؤثر في الدعوة إلى الحق أكثر من الجدل، إذ يكون فيه ذكرى لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وإن الجدل يثير غبارا يجعل الوصول إلى الحق عسيرا وسط عجاجة المتجادلين.
وإن هذه الآية الكريمة صورة سامية من الدعوة إلى الحق. ولذا كان يتخذها النبي ﷺ منهاجه في دعوته، فقد كانت في الصيغة التي اختارها في دعوة الملوك والحكام الكبراء إلى الإسلام، وهذا نص كتابه ﵊ إلى هِرَقْلُ ملك الروم:
стр. 1580
" من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين (١)، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لَا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباب من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " (٢).
ولقد كان النصارى يحاجون بولادة عيسى، ويتخذون منها دليل ألوهيته، واليهود يتحاجون ويجادلون بما عندهم من توراة، أو بالأحرى بما بقي عندهم منها؛ ولما كان كل من الفريقين يدعي أن إبراهيم أبا الأنبياء كان على مثل دينهم، وذلك ليبينوا أن ديانتهم هي ديانة السابقين، كما هي ديانة المتأخرين، بين الله سبحانه أن مثل هذا الاحتجاج منهم باطل في معناه، كما هو باطل في شكله ومبناه؛ فقال سبحانه:
* * *