(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)
* * *
كان نزول هذه الآية وما وليها من آيات بعد تلك المحاولة التي حاولها الشيخ اليهودي في التفرقة بين الأوس والخزرج، والتي هَمَّ الفريقان بسببها أن يتشاجرا بالسيوف لولا أن نبي الرحمة تداركهم قبل أن يفعلوا، وأدركوا بكلمات
стр. 1682
الرسول أنها نزغة الشيطان، فحذرهم الله تعالى هذه النزغة مرة أخرى، وأمرهم بالحذر الشديد من اليهود خشية أن يكون فعلهم محاولة لما يريد أولئك الأشرار الذين ابتلى الله بهم البرية، ومطاوعة لمقاصدهم الآثمة، وصدر الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تنبيها لخطر ما يدعوهم إليه، ولتحريك عناصر الإيمان في قلوبهم، فيكون منهم الحذر واليقظه، فإن الإيمان فطنة (١)، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (٢)، ولأن علة الإجابة للطلب هي الإيمان، وفي قوله تعالى: (إِن تطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) عبر في الشرط بـ " إن " للإشارة إلى بعد وقوع الطاعة منهم لهؤلاء مع إيمانهم، لأن " إن " الشرطية تفيد الشك في وقوع الشرط، وبالتالي ترتب الجواب عليه، بخلاف " إذا " فإنها تفيد وقوع الشرط أو تؤذن بوقوعه وترتب الجواب عليه، كقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، وقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ)، وقوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)، وذكر الذين يحاولون إركاس المسلمين في الفتنة وتضليلهم، بأنهم فريق من الذين أوتوا الكتاب؛ لأنهم لم يكونوا كلهم، ولأنه يرجى الإيمان من بعضهم. بدل الاستمرار على الغي والفساد؛ ووصفهم : بأنهم أوتوا الكتاب للإشارة إلى أن تضليلهم مقصود، وأنهم أهل معرفة، ولكنهم استخدموها للضلال والتضليل، فصاروا بهذا كالأنعام بل أضل سبيلا؛ لأن المعرفة إن لم تكن لنصرة الحق كان الجهل خيرا منها؛ لأنه أدنى إلى المعذرة.
وقد رتب سبحانه على الطاعة المفروضة التي حذر منها نتيجتها إن وقعت، ولا تقع من مؤمن بحمد الله تعالى فقال سبحانه: (يرُدُّوكُم
стр. 1683
بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) وفي هذا يعبر بقوله (يَرُدُّوكم) ولم يقل (ترتدوا) والمعنى متلاق، ولكن الأول في بيان تسلط الكفار على قلوب أهل الإيمان في حال تلك الطاعة، فهو نوع آخر من التحذير منهم؛ لأنهم كالشياطين، فعلى كل مؤمن أن يحذرهم.
أما الارتداد فإنه يكون انبعاثا من نفس المرتد، بضلاله هو لَا بتأثير من غيره.
وفى الجملة النص السامي الكريم سيق لتحذيرهم من ذلك العدو الذي اختلط بهم، وأخذ ينفث سموم الشر، وسموم التفرقة بينهم، وأنهم يعودون إلى الكفر إذا استجابوا لدعوته، ومكنوا لسمومه من أن تصل إلى قلوبهم، ولقد بيَّن سبحانه بعد ذلك أنه ما كان يسوغ لهم أن يستمعوا إلى دعوات الأعداء، ويفتحوا الباب لتدبيرهم الخبيث، ورسول الله فيهم فقال:
* * *
стр. 1684
(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ... (١٠١)
* * *
الاستفهام هنا للتعجب أو للإنكار، ومعنى التعجب فيه هو أنه لَا يُتَصَوَّر أن يكون منكم كفر، ولو تصور لكان موضعا للعجب والاستغراب؛ لأن آيات الله تتلى عليكم، ورسوله بين ظهرانيكم، ويردكم للحق إن زغتم، وتهديكم آيات الله البينة إن ضللتم، وهذا فيه ما يومئ إلى إلقاء اليأس في قلوب اليهود من أن يصلوا إلى ما يبتغون من إيجاد الفرقة والانقسام بأمر جاهلي، وأما على اعتبار الاستفهام للإنكار فهو إما نفي للوقوع أي أنه لَا يمكن أن يقع منكم الكفر، ورسول الله بينكم، وآيات الله تتلى عليكم، وإما أنه نفي للواقع، فيكون للعتب، والمعنى كيف سوغتم لأنفسكم أن تفتحوا قلوبكم لأسباب الكفر التي ابتغاها اليهود بالاستماع إلى كلماتهم المفرقة، فيكون الإنكار لما وقع باعتباره كان يؤدي إلى الكفر، فيعودون إلى ما كانوا عليه في الجاهلية يضرب بعضهم رقاب بعض)، فإذا كان الإنكار للواقع يكون الإنكار للسبب الذي وقع ويؤدي إلى السبب وهو الكفر، لا أن الكفر قد وقع.
стр. 1685
والإنكار أو التعجب أساسه الحال التي هم عليها، وهي كونهم في حضرة الرسول ﷺ وهو يتلو عليهم الآيات، فالمعنى كيف تكفرون أو يتصور منكم الكفر، أو يسوغ لكم أن تسيروا في أسبابه، وآيات الله تتلى عليكم بلسان رسول الله ﷺ لا بلسان أحد سواه، ويقول الزمخشري في توضيح هذا: (تتلى عليكم على لسان رسول الله ﷺ غضة طرية، وبين أظهركم رسول الله ﷺ ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم).
والخطاب في الآية: (وَكَيْفَ تَكفُرونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكمْ آيَاتُ اللَّهِ) - كما يبدو من عبارات الزمخشري وغيره - خاص بالمؤمنين في عصر النبي)، وهم الذين شاهدوا النور المحمدي وشافهوا الرسول ﷺ ، وإن ساعة في حضرة النبي ﷺ تغني عن اجتهاد سنين، كما قال أبو حنيفة ﵁. ويصح أن يكون الخطاب لكل المؤمنين، وتكون الآيات تتلى على لسان القراء والعلماء من بعده، وهي ستتلى إلى يوم القيامة: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وأما وجود الرسول في الأخلاف فإنه يكون بوجود سنته النبوية الشريفة، وإنه إن كان الاحتياط يكون أشد - لَا يخلو من فضل ثواب إن سلم القلب واهتدى العقل وتحصنت النفس، وقد روى البخاري أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوما: " أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا: الملائكة، فقال ﵊: [" وكيف لَا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟!! قالوا: فنحن؟ " وكيف لا تؤمنون، وأنا بين أظهركم؟! " قالوا: فأي الناس أعجب إيمانا؟ قال: " قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها "].
(وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) بعد أن بيّن سبحانه ما يحاوله اليهود وما يتمنونه وهو أن يضلوا المؤمنين كما قال تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩).
- أخذ يبين سبحانه طريق العصمة من مكايدهم، ويغلق أبواب القلب حتى لا يتأثر بما يحاولون أن يفسدوه به، فقال سبحانه: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ) أصل
стр. 1686
الاعتصام معناه الامتناع والالتجاء والاستمساك، وهو من عصم بمعنى منع، يقال عصمه الطعام أي منع عنه الجوع، وعصمته النبوة أي منعته من أن يقع في إثم قط، ومعنى النص السامي: ومن يعتصم بالله أي يجعل الله تعالى عاصما له ومانعا، يستنصح بكتابه، ويلجأ إلى كلام رسوله إذا ادلهمت الظلمات، فقد هدى إلى صراط مستقيم، أي طريق مستقيم لَا عوج فيه ولا انحراف، ومعنى الاعتصام بالله: الاعتصام بدين الله كما قال أكثر المفسرين، وإني أرى الاعتصام بالله هو الاعتصام بذاته سبحانه، وإن كان الاعتصام بالذات العلية يستلزم حتما الاعتصام بدينه الحق الخالد إلى يوم القيامة، ولكني اخترت الاعتصام بالله، وأن يكون الإسناد إلى ذاته سبحانه من غير تقدير مضاف؛ لأن الاعتصام بالله يقتضي ألا يحب أحدا إلا الله، ويقتضي أن يكون الشخص ربانيا لَا ينظر إلى عصبية جاهلية، ولا لهوى ولا لعرض من أعراض الدنيا، فيلجأ إلى الله، ويحب الشيء لذات الله كما ورد في الحديث الشريف: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لا يحبه إلا لله تعالى " (١)، ويقتضي أن يتجه إلى الله ويتذكره عندما ينزغ في النفس نازغ، كما قال تعالى: (وَإِمَّا ينزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ. . .)، ويقتضي الاعتصام بالله أن يتوكل على الله حق توكله، فيدبر الأمور ويعتزمها ثم يفوض أمر مصايرها إليه ، ويقتضي الاعتصام بالله أن يبتعد عن مواطن الريب، ولا يتبع الشبهات، كما قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨).
ذلك بعض مظاهر الاعتصام بالذات العليّة، ولذا نجد أنه لَا حاجة إلى تقدير مضاف هو لفظ دين، وفوق ذلك فإن هذا التقدير لَا يستقيم معه نسق القول في
стр. 1687
نظري؛ لأن الصراط المستقيم هو دين الله القويم، فكيف يكون دين الله هو الذي يهدي إلى دين الله، إنما الذي يهدي إلى دين الله هو الاعتصام بذات الله العلية.
وقوله تعالى: (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) عبر فيه بالماضي للإشارة إلى التحقق والتأكد والثبوت، أي الجواب يترتب على الشرط لَا محالة، فإذا وجدت حقيقة الاعتصام بالله - وإنها لأجلُّ حقائق هذا الوجود - فإنه يوجد لَا محالة الاهتداء إلى الطريق المستقيم الواضح الذي لَا عوج فيه ولا أمت (١).
اللهم اعصمنا من الزلل، واهدنا فيمن هديت، ووفقنا لما يرضيك يارب العالمين.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)
* * *
بين الله في الآيات السابقة عناد بعض أهل الكتاب واستمرارهم في غيهم، وسدهم طريق الهداية في قلوبهم، وتحديهم للحق وأهله، ومعاندتهم للبينات الثابتة التي لَا تقبل نكيرا، ثم مجاوزتهم الحد، ومحاولة صدهم المؤمنين عن الحق، وبث روح الفرقة والانقسام، لكي يعود أمر الجاهلية كما كان، ولكي يتفرقوا أوزاعا كما كانوا أولا. وفي هذه الآيات يبين للمؤمنين
стр. 1688
الحبل الوثيق الذي لَا يضلون إذا استمسكوا به، ولا يتفرقون ما دامو آخذين بعروته الوثقى، وهو تقوى الله حق تقاته، فقال تعالى:
стр. 1689
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَ تُقَاتِهِ).
صدر الكلام سبحانه بهذا الموصول الذي كانت الصلة فيه الإيمان، للإشارة إلى أن المطلوب من مقتضيات الإيمان ومن نتائجه، وهو غاية الغايات فيه، والثمرة الدانية له. وقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) معناه: اتقوا الله تعالى " واجب تقواه " أي اتقوا الله تعالى بالقدر الذي يجب أن يتقى به، وهو الحق الثابت المستقر الذي ينبغي أن يستمر ولا ينقطع، و " تُقَاة " مصدر على وزن فعلة كتؤدة، والواو قلبت تاء على ما هو الأصل في كلمة تقوى لأنها من الوقاية؛ وكلمة " حَقَّ " منصوبة على أنها مفعول مطلق مضاف إلى المصدر المشتق منه الفعل، ومثل هذا قولنا ولكلام الله المثل الأعلى: أكرم فلانا حَقَّ الإكرام، أو أدب ولدك حق التأديب، وإضافة تقاة إلى الله تعالى في قوله تعالى: (حَقَّ تُقَاتِهِ) تفيد علو الواجب المطلوب له من التقوى، فالمطلوب هو التقوى الواجبة التي تليق بذي الجلال والإكرام الواحد القهار، والمالك لكل شيء، القاهر فوق عباده، الغالب على كلِ أمر، ويقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ): (حقَّ تُقَاتِهِ) واجب تقواه وما يحق منها، وهو القيام بالمواجب، واجتناب المحارم، ونحوه (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. . .)، يريد بالغوا في تقوى الله حتى لَا تتركوا من المستطاع منها شيئا.
وهذا معنى مستقيم، وتخريج قويم، ويكون المعنى في الآيتين متلاقيا؛ إذ يكون معنى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) اتقوه بأقصى الاستطاعة في التقوى، فبذل المستطاع منه هو عين التقوى، وهو أقصى غاياتها.
وقد زعم بعض المفسرين أن الصحابة عندما نزل قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) شكوا إلى رسول الله مشقة ذلك عليهم، فنزل قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
стр. 1690
اسْتَطَعْتمْ. . .)، واعتبووا هذه الآية ناسخة للسابقة، وفي الحق، إن دعوى النسخ باطلة، فإنه إذا صحت الرواية، فإن المناسب لمعناها أن نقول: إن القوم لقوة إحساسهم الديني لم يرفقوا بل اشتدوا على أنفسهم في العمل، فقاموا في صلاة الليل حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، كما ورد عن سعيد بن جبير، فبين الله المقدار الذي كُلفوه، وهو الاستطاعة الدائمة، فهم لَا يكلفون إلا المستطاع الذي لَا يشق أداؤه، وهذا هو المعنى الذي يتفق مع الحقائق الإسلامية والسنن المروية الثابتة، فإنه يروى أن النبي ﷺ رأى عابدا يعبد الله حتى أرهق نفسه وغارت عيناه، فقال له ﵊: " إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، إنَّ المنْبتَّ لَا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " (١).
وإن أفضل التقوى في الإسلام ما يدوم، وما يمكن أن يستمر الشخص عليه من غير إجهاد ومشقة، ولذا قال النبي ﷺ : " أحب الأعمال عند الله أدومها وإن قل " (٢) وقال ﵊: " إن الله يجب الديمة من الأفعال " (٣) وذلك لا يكون إلا في دائرة المستطاع، وقد جمع النبي ﷺ معنى تقوى الله حق تقاته في قوله: " حق تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا يُنسى، وأن يشكر فلا يكفر " (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ):
النهي ليس منصبا على الموت، وإنه بضم النهي إلى الاستثناء يكون المطلوب أمرا إيجابيا، وهو ما بعد أداة الاستثناء، فيكون المعنى الجملي كونوا على حال الإسلام المستمرة إلى الموت، إذ كل كلام مشتمل على استثناء هو في معناه تكلم بالباقي بعد أداة الاستثناء، فإذا قال قائل: لَا تكرم إلا محمدا، فمعنى القول أكرم محمدا وحده؛ لأن معنى الاستثناء نفي وإثبات، فهو يتضمن النفي لما عدا ما بعد
стр. 1691
إلا، والإثبات لما بعد إلا، وقد يكون العكس ويكون موضع النهي هنا هو النهي عما يمنع استمرار الإسلام إلى الوفاة ولقاء الرب تعالت قدرته، وعظمت نعمته، فهو أمر لهم بأن يقصروا أنفسهم على حال الإسلام وحده إلى أن يتوفاهم الله .
ومعنى الإسلام هو الإخلاص لله وحده، والإذعان له ﵎، وألا يستمعوا إلا إليه، وأن يصموا آذانهم عن كل دعوة تخالف ما يأمر به وما ينهى عنه؛ فذلك هو الإسلام المطلوب ممن تشرفوا بذلك النعت الكريمِ، وهو ما قد بينَاه من قبل عند الكلام في قوله تعالى: (وَلَهُ أَسْلَمَ من فِي السَّمَاوَات وَالأَرْضِ. . .)، وقوله تعالى: (إِنَّ الدِّين عندَ اللَّه الإِسْلامُ. . .)، وقوله تعالى: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، وإطلاق الإسلام بمعنى الإذعان الظاهري لا يكون في القرآن إلا بقرينة، ويعبر عنه في مقابل الإيمان، وبالفعل لا بالوصف، ومن ذلك قوله تعالى: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. . .).
والخلاصة أن الله تعالى يأمر المؤمنين بأن يستمروا على إذعانهم للحق الذي يدعوهم إليه، ويمنعوا أن يدخل الانحراف إلى قلوبهم، فلا يجيبوا داعي اليهود وأشباههم الذين يريدون أنْ يصدوهم عن دينهم حسدا من عند أنفسهم. ولقد أمر الله من بعد ذلك بما يكون فيه العصمة من الزلل، والاستمرار على الحق إلى أن يلقوا ربهم، فقال تعالى:
* * *
стр. 1692
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... (١٠٣)
* * *
العصمة: المنعة، ومعنى اعتصموا اجعلوا أنفسكم في عصمة ومنعة عن الزلل بحبل الله، ولكن ما هو حبل الله الذي أمر سبحانه بالاستمساك به، واعتبر الأخذ به عصمة من الزلل؟ والجواب عن ذلك أن " الحبل " في أصل معناه اللغوي " السبب " الذي يوصل إلى الغاية، وله بعد هذا المعنى الأصلي اللغوي معان أخرى مشتركة، فيطلق على
стр. 1693
الرسن (١)، كما يطلق على العهد، كما في قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفوا إِلَّا بِحَبْلٍ منَ اللَّهِ وَحَبْلٍ منَ النَّاسِ. . .)، ويطلق على الإيمان، كما يطلق على القرآن، وقد ورد بذلك الحديث النبوي، فقد قال ﵊: " إنَّ القُرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن استمسك به " (٢)، وروي عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ فسر حبل الله تعالى في هذه الآية بالقرآن، فقد قال: " حبل الله هو القرآن " (٣) وإن ذلك هو الواضح، فحبل الله تعالى هو شريعته المحكمة الباقية إلى يوم القيامة، والمؤدى واحد، فشريعة الله سجلها القرآن، فهو بيانها، وهي حبل الله، والعروة الوثقى التي يضل من فصمها أو تركها.
وقد ذكر سبحانه أن الأمر بالاعتصام لَا يؤدي غايته وحقيقته إلا إذا اعتصمت الأمة جميعها، ولذلك قال سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) أي كونوا جميعا مستمسكين به؛ وذلك لأن هذا الدين كل لَا يقبل التجزئة، والجماعة الإسلامية كل وطائفة واحدة، وكلمة (جَمِيعًا) يصح أن تكون حالا من الواو، ويصح أن تكون حالا من حبل الله تعالى، وعلى الأول يكون المعنى كونوا جميعا مستمسكين بحبل الله، ولا يصح أن ينفصل منكم طائفة لَا تأخذ بذلك الحبل؛ لأن الشيطان ينفذ إليكم عن طريق هذه الطائفة التي شذت وعصت أمر ربها.
وعلى أن كلمة (جَمِيعًا) حال من حبل الله، يكون المعنى خذوا بالقرآن كله، ولا تجعلوه عضينا تؤمنون ببعضه وتكفرون ببعضه، أو خذوا بشريعته كلها ولا تأخذوا بجزء منها دون جزء، فإنها كل لَا يقبل التجزئة.
стр. 1694
والأمران مرادان مع، فإن مقتضى النص أن نأخذ جميعا بالشريعة كلها، لا نفرق بينها، ولا نتفرق في أمرها؛ ولذا قال سبحانه: (وَلا تَفَرَّقُوا) أي لَا تتفرقوا في أنفسكم، فلا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولا تتنادوا بنداء الجاهلية، ولا تتفرقوا في دينكم، فتذهبوا في فهمه شيعا وفرقا مختلفة، فتضلوا عن سبيل الله، ولا شيء يذهب بنور الحق المبين أكثر من اختلاف الأنظار في فهمه وإدراكه، والنظر إليه بروح التعصب الذي يغفل عن الاتجاه إلى الحق في كل جوانبه، ولذلك جاء النهي عن التفرق في الدين، فقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. . .)، ولقد توقع النبي ﷺ الافتراق لأمته، وأنه سيكون سبب ضعفها، وأن عودة قوتها في عودة اجتماعها، ولذا قال النبي ﷺ : " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، وإن بني إسرائيل تفرقت اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين، كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي " (١).
وإن الطريق للخروج من الافتراق هو الذهاب إلى لب الدين بإخلاص، ومن غير انحراف إلى طائفة دون أخرى، ولذا قال النبي ﷺ : " من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده لَا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راض " (٢) فإنه لَا يفرق إلا الأهواء، ولا يهدي إلا الإخلاص، فإذا سيطرت الأهواء المنحرفة، سرى الضلال إلى النفس وإلى الفكر، ولذا قال ﷺ : " وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ، كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ " وَقَالَ عَمْرٌو: «الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ " (٣).
стр. 1695
وإن النهي عن التفرق توجب إطاعته الإخلاص والحذر، وطريقه الاعتبار، ولذلك قال تعالى: (وَاذْكروا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ إِذْ كنتُمْ أَعْدَاءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأصْبَحْتم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).
الخطاب عام لكل المؤمنين في كل الأجيال وكل الأعصار، ويدخل في عمومه كل الأجناس وكل الشعوب، فالدعوة إلى التذكر دعوة عامة، وهي تذكر لماضي الانقسام، ثم من بعد الاتفاق والوئام، والطريق إلى الوحدة، ولكن إذا كان التذكير عاما، فإن الاختلاف الذي أشار إليه النص الكريم كان خاصا بطائفة من المؤمنين، وهم الذين عاصروا النبي ﷺ من المهاجرين والأنصار، فالأنصار أكلتهم الحرب التي قامت بين الأوس والخزرج حتى أتم الله عليهم نعمة الهداية، والعرب جميعا كانوا في تنابز وتنافر حتى كادت بعض قبائلهم تفنيها الحروب التي لَا تبقي ولا تذر. ولماذا اعتبر الاختلاف السابق الخاص كأنه اختلاف عام، وخوطب به المؤمنون جميعا؟ والجواب عن ذلك أن هذا للدلالة على وحدة الأمة، فما كان من ماضيها يخاطب به حاضرها للاعتبار والاتعاظ، ولأن سبب الاختلاف في كل نفس لَا يقي منه إلا الهداية، فما وقع من الماضين يتوقع أن يقع من الحاضرين، لأن الإنسان ابن الإنسان، ولأن الخلاص طريقه واحد، فما خلص به الماضون يخلص به الحاضرون، إن اعتزموا سلوك ما سلكه الذين من قبلهم.
والنعمة التي يذكرنا الله بها في قوله تعانى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) هي نعمة الهداية والتأليف القلبي، وهو أعظم النعم على الجماعات والأمم، وقد بينها سبحانه بقوله: (إِذْ كنتُمْ أَعْدَاءً فَألَّفَ بَيْن قُلُوبِكمْ) فهذه نعمة بيّنة واضحة، وهذه النعمة ترتب عليها أثرها الجليل الخطير بفيض آخر من نعمته سبحانه أيضا ولذا قال: (فَأصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) فالنعمة الثانية التي كانت امتدادا للنعمة وفيضا لها هي نعمة الأخوة العامة، التي تجعل الأهواء مشتركة، والمصالح متشابكة متوحدة، يتعاون كل واحد في الأمر الذي يحسنه لمصلحة الجميع، والآية ترمي إلى بيان أن تألف القلوب وحده نعمة والأخوة المترتبة عليه المتعاونة نعمة أخرى،
стр. 1696
والتألف معنى نفسي، والأخوة مظهر اجتماعي عملي، ولقد شددا سبحانه في التذكير بمآثم الاختلاف بعد أن أشار إلى نعمة الوفاق بقوله: (وَكنتمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ منَ النَّارِ فَأنقَذَكُم مِّنْهَا).
أي كنتم - بسبب اختلافكم وضلالكم وعبادتكم للأوثان وانحراف تفكيركم - قد أوشكتم على أن تقعوا في النار بسبب تغلغلكم في أسبابها وسيركم في طريقكم حتى صرتم كأنكم على شفا حفرتها، وشفا الحفرة حرفها، وقوله تعالى: (فَأَنقَذَكم مِّنْهَا) الضمير يعود إلى الحفرة؛ لأن من يكون على شفاها يقع فيها لَا محالة إلا أن يبعده مبعد عنها، فيكون منقذا له منها، والكلام فيه استعارة تمثيلية، وخلاصتها أنه شبهت حالهم في ترديهم في الاختلاف والوثنية وسيرهم في طريق النار يوم القيامة بحال من يكون على طرف حفرة من النار لَا يتماسك عن الوقوع فيها، وشبهت هداية الله تعالى لهم بحال من يتولى تجنيبهم التردي في تلك الحال الخطرة الخطيرة، ولقد ذكر سنته في بيان هدايته فقال: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
أي كهذا البيان الذي بيّنه الله لكم في محكم القرآن، وبين لكم به سبيل هدايتكم، وبين لكم به نعمة هدايتكم ونعمة أخوتكم، يبين دائما الآيات البينات سواء كانت تلك الآيات قرآنية أم كانت كونية، وذلك لتقربوا دائما من الهداية، ولتكون بين أيديكم أسبابها، لعلكم تنالون الثمرة وهي الاهتداء الدائم، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ
стр. 1697
وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)
* * *
بعد أن أمر بالاعتصام بحبل الله تعالى؛ والاستمساك بالقرآن الكريم، والالتفاف حوله، وعدم التفرق والانقسام - بيّن السبيل لهذا الاعتصام، والطريق للوحدة الفاضلة، التي لَا تفرق فيها، ولا اختلاف يفك عراها، ويهدم بنيانها، وذلك السبيل هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذلك فرضه بقوله تقدست كلماته:
стр. 1698
(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) المعروف هو الأمر الذي تعارفته العقول ولم تختلف فيه الأفهام؛ وهو الذي يكون متفقا مع الفطرة الإنسانية التي لَا تختلف في الناس، والمنكر هو ما تضافرت العقول الإنسانية على إنكاره وقبحه، وهو مناقض للفطرة الإنسانية. وإن العقول من بدء الخليقة تضافرت على أمور أقرتها، وعلى أخرى أنكرتها، فلم تختلف العقول في مدح الصدق والعدل والحياء والعفة، ولم تختلف العقول في استنكار الظلم والكذب والفجور والاعتداء بكل ضروبه، ومهما يحاول الذين يريدون حل المجتمعات الفاضلة وهدم بنيانها، من إنكار لتلك الحقائق، وادعاء أنها ليست مقومات الإنسانية، وأنها اتفاقات زمنية، وأوهام سيطرت على العقول - فلن يصلوا إلى غاياتهم، وإن ادعوا أن ما يقولونه هو طبيعة الوجود، ولذا سموا أنفسهم وجوديين، وذلك لأن كلامهم ضد طبائع النفوس، وضد السمو الإنساني عن الطبيعة الحيوانية، وضد الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وإن الأعرابي الذي سئل: لماذا آمنت بمحمد؛ فقال: ما رأيت محمدا يقول في أمر: افعل، والعقل يقول لَا تفعل، وما رأيت محمدا يقول في أمر: لَا تفعل، والعقل يقول افعل - أكبر إدراكا من هؤلاء المتفلسفة، وأكثر اتصالا بطبائع الوجود الإنساني منهم، وهم
стр. 1699
في حقيقة أمرهم وتفكيرهم أكثر اتصالا بالطبائع البهيمية منهم بالطبائع الإنسانية.
و (مِنْ) في قوله تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أمَّةٌ) قيل: إنها بيانية، وقيل. إنها تبعيضية، وهي تحتملهما معا، وعلى أنها بيانية يكون المعنى أن الأمة كلها عليها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون التخريج اللفظي لقوله تعالى تقدست كلماته: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ) مثل قول القائل: ليكن منك رجل خير، أو ليكن منك رجل جهاد، أي ليكن منك رجل خير ورجل جهاد، فالمعنى الجملي للنص الكريم: ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وإذا كان ذلك الواجب على الأمة كلها، فهو يتفاوت بتفاوت مقدار ما أوتيه كل واحد من العلم والقوة، فعلى أولياء الأمر أن يرتبوا أمر الدعوة الإسلامية، وبيان الحقائق، ووضع النظم الزاجرة المانعة من الشر، أن يتفاقم أمره، ويشتد سيله، ويكون على العلماء واجب بيان الشرع في دروس عامة وخاصة، وبيان الحق في كل أمر يَجدّ في شئون الناس، وبيان طرق الدعوة إلى سبيل الله، ويكون على العامة كل في محيط وجوده وبمقدار طاقته أن يرشد وأن ينصح، فمن رأى رجلا يرفثُ في القول، أو يجرح كرامات الناس، أرشده ونهاه، ومن رأى رجلا يفطر في رمضان وعظه وهداه، ومن رأى رجلا لا يصلي حثه على الصلاة، على أن يكون ذلك برقيق القول، لَا بالجفوة والعنف فإن الجفوة لَا تجدي بل تبعد، والمودة تجدي وتقرب، وبهذا تكون الأمة كلها تتواصى بالحق، وتتواصى بالصبر والهداية.
هذا سياق القول على أن (مِنْ) بيانية، وأما سياقه على أنها تبعيضية، فيكون المعنى: ليكن بعض منكم أمة أي طائفة تُؤم وتقصد وتكون مجابة الدعوة، إذ تدعو إلى الخير أي إلى كل ما هو نافع في ذاته، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعلى ذلك يكون في الآية الكريمة طلبان:
стр. 1700
أحدهما موجه إلى الأمة كلها، وهو إعداد هذه الطائفة التي تقوم بالإرشاد العام والتوجيه الفكري والنفسي، وتزويدها بكل ما يمكنها من أداء مهمتها، والقيام بالواجب عليها على الوجه الأكمل، وثاني الواجبين هو واجب هذه الطائفة التي تكونت، والوجوب عليها أخص من الوجوب الأول، وكذلك الشأن في كل الفروض الكفائية، فيها وجوبان: وجوب خاص على من عندهم الأهلية الخاصة للواجب الكفائي، ووجوب عام على الأمة كلها، وهو تمكين هؤلاء الخاصة من القيام بواجبهم وتزويدهم بما يحتاجون إليه.
وقد رجح الزمخشري أن تكون (مِنْ) تبعيضية، وقال في ذلك " من " للتبعيض لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، ولأنه لا يصلح له إلا من علم المعروف والمنكر، وعلم كيف يرتب الأمر في إقامته، وكيف يباشره، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف، وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه، وجهله في مذهب صاحبه، فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لَا يزيده إنكاره إلا تماديا، أو على من الإنكار إليه عبث، كالإنكار على الجلادين وأضرابهم).
والأمة التي تُقصد وتكون من صفوة الأمة لها عملان متمايزان بنص الآية؛ أحدهما: الدعوة إلى الخير، وثانيهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما الأول فهو توجيه الأمة إلى النفع العام، فالخير هو كل أمر نافع في الدنيا أو في الآخرة، كتنظيم الاقتصاد، وترتيب العمران، وتنظيم حقوق الفقراء، وربط العلاقة بين الأغنياء والفقراء بوثائِق من الدين والنصوص المحكمة التي لَا تقبل التخلف، وإنشاء المساجد ودور التعلم وتوجيهها التوجيه السليم، فكل هذا دعوة إلى الخير، وبعبارة عامة شاملة الدعوة إلى الخير تشتمل على كل ما يقوم عليه بناء الاجتماع من الناحية المادية والأدبية.
أما الثاني وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمراد به نشر الفكر الإسلامي، وبيان الحقائق الدينية، وتوجيه النفوس إليها وجذبهم نحوها، ودفع كل ما ليس بإسلامي، وإقامة الحق والعدل، وهو مقام سام لَا يصل إليه إلا ذوو
стр. 1701
الهمة والتقى من الرجال، وهو شاق إن أدي على وجهه، بحيث يرشد الحاكم والمحكوم، والقوي والضعيف، لَا يخشى في الله لومة لائم، لَا يجمجم إذا كان المنكر من قوي ظالم، ويغلظ ويعنف إن كان المنكر ممن لَا يخشى بطشه ولا يرجى عطاؤه، ولا يتأول لتصرفات من يخاف شره ويطمع في خيره.
فإن كان، المرشد على ذلك النحو فقد سار في طريق النبيين، ولقد روى أن النبي ﷺ قال: " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في الأرض، وخليفة كتابه، وخليفة رسوله " (١) وهو بهذا الاعتبار خير الناس، ومعنى خلافته عن الله تعالى أن يكون مصلحا في الأرض غير مفسد فيها، ولذا قال تعالى عند خلق آدم للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. . .)، فخلافة الله في الأرض تقتضي الصلاح والدعوة إليه، وذلك ما يقوم به الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ولقد سئل ﵊ وهو على المنبر: مَنْ خيرُ الناس؛ قال: " آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم وأوصلهم " (٢). ولقد قال أبو الدرداء: (لتأمرُن بالمعروف ولتنهوُن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما، لَا يجل كبيركم، ولا يرحم صغيركم، ويدعو عليه خياركم فلا يستجاب لهم، وينتصرون فلا ينصرون، ويستغفرون فلا يغفر لهم).
وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب، تعلو كل مرتبة عن الأخرى بمقدار ما يكون فيها من مشقة وتعرض للعنت مع الجدوى والفائدة، ولذا كان أعلاه ما يوجه إلى الجائرين من الحكام والأمراء؛ ولذا قال النبي ﷺ : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " (٣). وبذلك اعتبر النبي ﷺ هذه المرتبة جهادا،
стр. 1702
واعتبر من يقتل في سبيلها شهيدا، كمن يقتل في الحرب، بل اعتبره في أعلى درجات الشهداء، فقد قال ﵊: " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ثم رجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله تعالى فقتله على ذلك " (١).
وإن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخصوصا للأمراء والحكام هو الذي أضاع المسلمين في الماضي، وأضاع بني إسرائيل قبلهم، ولقد روى في ذلك أحمد والترمذي وأبو داود أن النبي ﷺ قال: " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن الرجل كان يلقى الرجل، فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض. كلا والله لتأمرُن بالمعروف ولتنهوُن عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم " (٢).
وإن القيام بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، ولذا ذيل الآية بقوله تعالى:
(وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي أولئك الذين قاموا بهذا الواجب هم المفلحون، ولا يمكن أن يفلح سواهم ممن لم يقم بهذا الواجب، ففي النص قصر، أي نفي وإثبات، فهو يثبت الفلاح لهم، وينفي الفلاح عن غيرهم ممن لم يقم بهذا الواجب المقدس، فهو مناط عزة الأمة ورفعتها وقوتها وتقدمها، ونشر العدل والحق والإيمان في ربوعها، والإشارة هنا إلى الأمة كلها سواء اعتبرنا (مِن)
стр. 1703
بمعنى بعض؛ أم اعتبرناها بيانية، وإذا كانت بيانية فالأمر ظاهر لَا يحتاج إلى بيان؛ لأن الأمة هي في جملتها الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر الداعية إلى الخير، وأما على أن الأمة التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هي طائفة معينة من مجموع المؤمنين، فإن النتيجة من حيث الفوز والفلاح لَا يعود على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وحدهم، بل الفائدة تعود عليهم أجمعين، إذ إن ضرر الترك يعود عليهم أجمعين، وإنه لَا نجاة للأمة إلا إذا تواصَوْا بالحق وتواصَوْا بالصبر، وتواصوا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ضرب النبي ﷺ مثلا لترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوم يركبون سفينة، ووجدوا واحدا يخرق السفينة، فإن تركوه غرق وغرقوا معه، وإن أخذوا على يده نَجا ونجوا معه (١).
* * *
стр. 1704
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ... (١٠٥)
* * *
بعد أن بيّن سبحانه وجوب الاعتصام بحبل الله، وأن الاعتصام به مدعاة الوحدة والقوة والاجتماع على الحق، وبيّن طريقه وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أخذ يشير إلى نتائج التفرق ناهيا عنه محذرا منه، مبيّنا نتائجه في الدنيا والآخرة، وأول نتائج التفرق هي العمى عن الحق مع وضوحه وقيام البيِّنات عليه، فقال سبحانه: (وَلا تَكونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقوا) نهى بهذا عن التفرق بأبلغ تعبير، وألطف إشارة، فقد كان النهي عن أن يكونوا كمن سبقوهم في التفرق، وذلك نهى مع الدليل الموجب للنهي، والغاية التي ترتبت على النهي عنه، وذلك بالإشارة إلى ما كان ممن سبقوهم؛ إذ تفرقوا أحزابا وَشيَعا كل حزب بما لديهم فرحون، فتفرق اليهود طوائف، وتفرق النصارى طوائف مثلهم، وكل طائفة تُكَفِّر الأخرى، أو ترميها بالزيغ والضلال، وقد ترتب على التفرق وتوزع أهوائهم ومنازعهم أن اختلفوا في إدراك الكتاب مع وضوحه، ومع ما جاءهم من
стр. 1705
البينات الموضحة المبينة التي قامت مثبتة للحق، وهو واحد لَا يتعدد، وإن ذلك فيه بيان نتيجة التفرق، وهو الاختلاف مع وجود الحق، وهو تأكيد لمضمون النهي؛ لأنه إذا كان التفرق مؤديا إلى استبهام الحق أمام المختلفين مع وضوحه في ذاته، فإن الافتراق في ذاته أمر قبيح، وإن هذه الصيغة فوق ذلك فيها الاعتبار بمن سبقوا، ووضع صورة واقعية لنتائج الافتراق، ولذا كان قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقوا) أكثر معاني من (ولا تتفرفوا) وهي في هذا المقام أبلغ وأبين، ولأن الآيات السابقة فيها كلام عن أحوال اليهود والنصارى، ومناقضتهم للحقائق الإسلامية، ومحاولتهم تضليل المسلمين عن الحق الصريح، فكان من المناسب أن يشار إلى حالهم، ونتائج تفرقهم، وإعراضهم عن الحق بعد إذ تبين لهم.
وقد يقول قائل: إن الاختلاف يؤدي إلى التفرق مع أن ظاهر الآية أن الافتراق هو الذي أدى إلى الاختلاف، ونقول في ذلك: إن الاختلاف الذي لا ينشأ عن التفرق ولا يؤدي إليه هو اختلاف تفكير، ولابد أن يصل فيه المختلفون إلى الحق ولا يضلون، وأما الاختلاف الذي يؤدي إلى الافتراق، فهو بلا شك يؤدي إلى الضلال، ويترتب عنه ضلال مع وجود بينات الحق؛ إذ التفرق معناه انحياز كل جماعة إلى ناحية وفرْق معين، وكذلك التفرق السابق على الاختلاف، فإنه يكون نوعا من تحكم الهوى، أو العصبية النسبية، أو العصبية الإقليمية، فيكون كل تفكير تحت سلطان هذه العصبية، فلا تستقيم الحقائق، ولا تدركها العقول، مع قيام البينات.
وقد بين سبحانه نتائج هذا الضلال في الآخرة فقال سبحانه: (وَأُوْلَئكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
أي أولئك الذين فرقتهم الأهواء فضلوا ولم يدركوا الحق مع قيام البينات عليه لهم عذاب عظيم في الآخرة، وهذا التهديد الشديد مقابل للنتيجة الحسنة التي تكون ثمرة التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهي الثابتة بقوله تعالى: (وَأولَئِكَ هُم الْمُفْلِحُونَ). فالافتراق نتيجته خسران في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة.
стр. 1706
وقد بين سبحانه حالهم في ذلك اليوم فقال:
* * *
стр. 1707
(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... (١٠٦)
* * *
والتعبير عن الحق بالبياض، وعن الباطل بالسواد، مجاز عربي مشهور، كوصف الحق بأنه نور، ووصف الباطل بأنه ظلام، ووصف الوجوه بالبياض مجاز عن إشراق القلوب بالمعرفة، وامتلائها بالنور؛ ووصف الوجوه بالسواد مجاز من إظلام القلوب، وانطفاء نورها، ولقد قال الزمخشري في تحقيق هذا المعنى اللغوي: " البياض من النور، والسواد من الظلمة، فمن كان من أهل نور الحق وُسِم ببياض اللون وإسفاره وإشراقه وابيضت صحيفته، وأشرقت، وسعى النور بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وُسِم بسواد اللون وكسوفه وكمده، واسودت صحيفته وأظلمت، وأحاطت به الظلمة من كل جانب. نعوذ بالله وبسعة رحمته من ظلمة الباطل وأهله ".
ثم بين سبحانه حال الذين اسودت وجوههم وعقابهم بقوله تعالت كلماته: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكفُرُونَ).
هذا تفصيل لما أشار إليه الإجمال، وفيه بيان العقوبة وسببها، وقوله تعالى: (أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) بيان لحالهم، أي أن حالهم حال من يستفهم عنها استفهام إنكار وتعجب فيقال لهم: أكفرتم وجحدتم الحق وأنكرتموه بعد إيمانكم به وإذعانكم، وهذا حقا موضع عجب، كمن يكون في روضة من الرياض فيها النعيم، ويتركها إلى الكفر والجحيم، فهم كانوا في روضة الإيمان، وبتفرق أهوائهم وتنازعهم وعصبيتهم انتقلوا إلى جحيم الكفر، وإذا كانوا كذلك فكفرهم كان كفرا عن علم بالحق وهم لذلك [لا يعذرون]، ولذا ترتب عليه العقاب فقال: (فَذُوقوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكفرُونَ) أي فادخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه كما ذقتم حلاوة الهوى، وكان ذلك العذاب بسبب استمراركم على الكفر، وموتكم عليه، ودل غلى الاستمرار التعبير بـ (كُنتُمْ)، فإن (كان) تدل على الاستمرار، وقد استمروا على حال الكفر في أقبح صوره، وهو الكفر بعد الإيمان، وبعد هذا بين حال الذين ابيضت وجوههم فقال:
* * *
стр. 1708
(وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)
* * *
أي أن الذين أشرقت نفوسهم بنور الحق، وأدركت قلوبهم معنى الإيمان، وذاقت حلاوته، في رحمة الله تعالى، ورحمة الله تعالى تتسع لكل معاني النعيم المقيم، ورضوانه العظيم وهو أكبر الرحمة، ثم خصهم سبحانه بالخلود في هذا النعيم الذي لَا يُحد بحد، ولا يُرسم برسم، ولا تبلغ العقول مداه، فقال سبحانه: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). أي هم في الرحمة باقون دائمون.
ويجب التنبيه هنا إلى أمرين:
أولهما: أنه ذكر بياض الوجوه قبل، ثم ذكر حال الذين اسودت وجوههم قبل الذين ابيضت، ليختتم الآية برحمته، كما اختتم الآية السابقة ببيان من يفوز بهذه الرحمة.
الأمر الثاني: أنه سبحانه ذكر وصف الخلود في النعيم، ولم يثبت الخلود لمقابله، وقد صرح به في غير هذا الموضع، وذلك أيضا من باب الرحمة ورجاء التوبة.
اللهم مُنَّ علينا بهدايتك، وأنعم علينا بنعمة الإيمان الدائم، واشرح صدورنا لكل ما تأمر به، واصرفنا عما نهيت عنه، فإن القلوب بيدك وأنت مقلب القلوب.
* * *
(تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)
* * *
стр. 1709
بعد أن بين ما كان من اليهود في ماضيهم، وكيف أضلهم الهوى، والعصبية العنصرية، ومنعتهم من أن يصل نور الحق إلى قلوبهم، حتى إنهم ليرون النور يمشي بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وشمائلهم، ومع ذلك يصمون آذانهم عن سماعه، ويحجبون أضواءه عن نفوسهم؛ ذكر سبحانه أنه بين ذلك في آياته ليعتبر من يعتبر، ولينتفع الحاضرون بنتائج ما وقع فيه الغابرون، فيستبصروا ويستبينوا ويتعظوا ويعتبروا، ولذا قال سبحانه:
стр. 1710
(تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ).
الإشارة في الآية الكريمة إلى ما كان من آيات سابقات بينت فيها أحوال النفوس التي ضلت وعميت عن الحق، وكانت الإشارة بالبعيد لعلو منزلة هذه الآيات في بيانها للحق، وإعلانها له، وصدقها فيما حكت وأعلنت، ومعنى (نَتْلُوهَا): ننزلها عليك متلوة مقروءة واضحة مبينة سهلة الفهم لمن يريد الحق ويبتغيه، وقوله تعالى: (بِالْحَقِّ) أي متلبسة بالحق مبينة له موضحة، والحق هو الأمر الثابت الذي لَا مجال للشك فيه، ولا تختلف فيه العقول السليمة، والمدارك القويمة، ولا يوجد أمر ثابت كالحق، وهو ميزان الأفكار ومقياس الأشياء، وعليه قامت السماوات والأرض وما بين الناس. وإضافة التلاوة إلى الله تعالى والإظهار في موضع الإضمار، فقد قال سبحانه: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا) لكي يكون التصريح باسم الله مربيا في النفس الهابة والإجلال له، وهو المستحق وحده لوصف الألوهية، فلا إله سواه، ولا معبود بحق غيره، وهو ذو الجلال والإكرام، وهو المنشئ الموجد لهذا الكون وما فيه ومن فيه، وهو العلي القدير، فالتصريح باسمه الكريم يزيد البيان جلالا، ويتضمن معنى الحساب لمن يعرض عن آيات ربه، ويجعل النفس لَا تسير وراء الهوى، ويتضمن معنى القدرة على إنزال العقاب والثواب بعد الحساب، وإنه إذا كان كل شيء في هذا الوجود أوجده ربه بالحق، وأخبر عنه، فالظلم منفي عنه ، ولذا قال سبحانه:
стр. 1711
(وَمَا اللَّه يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ) هذا نفي للظلم عن الله سبحانه، والتصريح بلفظ الجلالة في موضع الإضمار هنا، كان لمثل ما ذكرنا لتربية المهابة، وليكون ذلك تأكيدا لنفي الظلم، إذ كيف يظلم الموصوف بالألوهية، وحده، وكيف يريد الظلم مانح العالم كله الوجود؛ وقال: (لِلْعَالَمِينَ) وهم العقلاء في هذا الكون، لأنهم هم الذين يحسون بوقع الظلم وآلامه، ويشعرون بمتاعبه وآثامه، وأصل الظلم معناه النقص، ومن ذلك قوله تعالى: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا. . .)، ثم أطلق على نقص الحقوق وهضمها، ومن ذلك قوله تعالى: (فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا)، وقوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. . .)، ثم أطلق الظلم على وضع الأمر في غير موضعه، حتى لقد قالوا فيمن حفر الأرض، ولم تكن موضعا للحفر إنه ظَلمها، ويقال عن التراب المظلوم، وعن الأرض المظلومة، ولقد قال الراغب في معنى الظلم: (الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء: وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته ومكانه). والظلم الذي نفاه عن نفسه عام لَا يخص نوعا دون نوع، وهو نكرة في موضع النفي، ومن المقررات اللغوية أن النكرة في مقام النفي تعم ولا تخص، فالمعنى لَا يريد الله ظلما قط أي ظلم كان، فقد خلق السماوات والأرض بالحق، وربطهما وما فيهما بميزان لَا يتخلف بإرادته ، فليس فيهما شيء إلا في موضعه، ودبر أمور الكون والناس بدقة وإحكام، وهو العليم الحكيم اللطيف الخبير السميع البصير، وأنزل سبحانه الشرائع بالحق والميزان، فليس فيها شيء إلا وهو عدل لَا ظلم فيه، وأساس الشرائع السماوية كلها العدل الذي يستطيعه الإنسان، وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهُ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي. . .). وبهذا نفَى الله الظلم عن نفسه، ونفَى أن يكون نظام شرعه فيه إباحة لظلم العباد فيما بينهم، ولذا قال سبحانه في حديث
стр. 1712
قدسي: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " (١).
ويلاحظ أن النص القرآني لم ينف فقط الظلم عن الله سبحانه، بل نفَى عنه إرادة الظلم، فهو أمر لَا يليق بذاته، ولا يتصور وقوعه منه. وإنه مالك كل شيء، فهو مانح الحقوق ومعطيها (وَخَلَقَ كلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا)؛ ولذا قال سبحانه بعد أن نفَى عن نفسه إرادة الظلم:
* * *
стр. 1713
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
* * *
كل ما في السماوات من أفلاك وأجرام ونجوم وكواكب وأبراج وعوالم لَا يحصيها إلا خالقها هو لله تعالى، أبدعها على غير مثال سبق، وأنشأها بإرادته، نظم مسالكها وما يربطها بحكمته، وكل ما في الأرض من سهل وجبل، وصحراء وماء، وأقاليم مختلفة، ومزارع وأغراس تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وكل ما يحتويه باطنها من معادن سائلة، وفلزات متماسكة، وأحجار تبهر الأنظار، ملك لله تعالى أبدعه وأنشأه، وإذا كان هو المبدع المنشئ لكل ذلك، وهو الذي وضع لكل شيء نظامه المحكم، وسيره النظم، فإنه لَا يتصور منه سبحانه أن ينقص شيئا أو حقا، أو يضع أمرا في غير موضعه، فهو خالق النظم، وخالق الأوضاع، والمسيطر على كل شيء.
وكما أن المبدأ منه فالعود إليه سبحانه، ولذا قال سبحانه: (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ) فكل أمر ونظام مرد بقائه وإنهائه إليه، كما كان إبداعه وإنشاؤه منه؛ وكل تصرفات الناس راجعة إليه يوم القيامة، وهم محاسبون عليها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فهو مالك الميزان والقسطاس المستقيم في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 1714
وإن الله سبحانه قد نفَى عن ذاته الكريمة إرادة الظلم، وبين أنه يضع الأمور في مواضعها؛ ليصحح الأفهام التي تتوهم أن النبوة تكون في قبيل دون قبيل، ولبيان أن كل شيء له ميزان ومقياس، وأن رقي الأمم ورفعتها يكون بميزان ثابت، وأن الله تعالى لَا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما كان في أمة إلا وقاها الآفات الاجتماعية، وأنه لَا تتركه أمة إلا تردت في مهاوي الفساد، وأدال الله من قوتها، ذلك هو الميزان الذي وضعه العلي القدير لرفعة الأمم، ولذا قال سبحانه في وصف الأمة المثلى:
* * *
стр. 1715
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... (١١٠)
* * *
والخطاب في هذه الآية للمؤمنين الذين تلقوا الوحي من النبي ﷺ والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، و " كان " في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) يصح أن تكون بمعنى وُجِد، أي وجدتم خير أمة لهذه الأوصاف ما تحققت فيكم، ويصح أن تكون ناقصة، ويكون المعنى قدرتم في علم الله تعالى خير أمة إن قمتم بهذه الأمور، ويصح أن تكون بمعنى صار، أي تحولتم معشر المؤمنين الذين عاصرتم النبي ﷺ من جاهليتكم إلى أن صرتم خير أمة أخرجت للناس بسبب الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن نميل إلى أن تكون بمعنى وُجِد أو ناقصة، والمعنى فيهما متقارب، ليشمل النص المخاطبين بتلك الحقائق في عصر النبي ﷺ ومن يجيئون بعدهم ويتبعونهم بإحسان إلى يوم القيامة.
وإن هذه الخيرية التي قدرها سبحانه لهذه الأمة منوطة بتحقيق أمرين أحدهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثاني: الإيمان المطلق بالله والإذعان له وتفويض الأمور إليه بعد الأخذ في الأسباب، واعتقاد أنه لَا قوة في هذا الوجود غير قوته، ولا معبود بحق سواه، ولا خضوع لأحد كائنا من كان غيره تعالت قدرته، فليست الخيرية التي خاطب الله بها المهاجرين والأنصار والذين يتبعونهم؛ لأنهم مسلمون فقط، أو لأشخاصهم وذواتهم، بل لأنهم متصفون
стр. 1716
بأوصاف هي علة هذه الخيرية، ومناط تلك الرفعة الإلهية، وتلك الأوصاف هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وقوله تعالى: (تَأمُرُونَ بِالْمَعْروفِ) موقعها من الإعراب إما أن تكون جملة حالية من ضمير الخطاب، وإما أن تكون كلاما مستأنفا مفصولا، ولذا قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: " اعلم أن هذا الكلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية كما تقول: زيد كريم، يطعم الناس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه: " أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف؛ فهنا حكم بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ثم ذكر عقيبه علة هذا الحكم ".
هذا، ويصح أن نقول: إن الحكم بالخيرية مبهم، وقد بينه سبحانه بقوله: (تَأمُرُونَ بِالْمَعْروفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) فالخيرية التي حكم بها هي هذه الأوصاف، وهذا ينطبق على المثل الذي ساقه الرازي، وهو، فلان كريم: يطعم ويكسو، فإن يطعم ويكسو تفسير لمعنى كرمه، وبيان له، فالاستئناف إذن ليس لأن جملة " تأمرون " علة للخيرية، بل هي بيان للخيرية، ولذلك لَا ينطبق الحكم بالخيرية على من لَا يتصف بهذه الصفات، فالجماعات التي تهمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يكون فيها إيمان، لَا يمكن أن تكون خير أمة، بل لا توصف بالخيرية قط؛ لأنه لَا خير إلا في الفضائل والحق والعدل، ولا تقوم هذه الأمور إلا بالإيمان وقيام رأى عام مُهذِّب لائم يقوم المعوج، وتنزوي فيه الرذائل انزواء، إذ يقتلها نوره المشرق وشمس الحقيقة الناصعة.
وهنا قد يسأل سائل: لماذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان؟ ولماذا اقتصر في الإيمان على الإيمان بالله، ولم يذكر الإيمان بالرسل والملائكة واليوم الآخر والحساب والعقاب وغير ذلك مما يوجبه الإيمان، ولا يعد الشخص مؤمنا إلا به؟ ويجاب عن السؤال الأول: بأن ذكر الأمر بالمعروف والنهي
стр. 1717
عن المنكر مقدما لبيان أنه مطلوب لذاته، وأنه فضيلة لَا تختلف فيها الأمم ولا الجماعات، فهو كالصدق والعدل والحق تتفق عليها الأفهام وبل ولا يمكن أن يتحقق بنيان جماعة من غير تحققه، وإلا كانت كالذئاب الضارية، أو كانت كالوحوش في الغابة، والإيمان سياج الجماعة وحمايتها من أن تضل، وكأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي يقوم به بناء الجماعة، والإيمان هو الذي يحميها ويسدد خطاها، فذكر مايقوم به البناء ثم ذكر ما يكون به ذلك البناء في دائرة الفضيلة والأخلاق الكريمة وهو الإيمان، وفي الحقيقة هما متلازمان، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق يتبعه إيمان الشذاذ الخارجين، والإيمان الحق بالله تعالى والإذعان لأوامره ونواهيه يتبعه حتما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا هو الجواب عن الجزء الأول من السؤال، أما الجواب عن الجزء الثاني، وهو لماذا اقتصر على ذكر الإيمان بالله؛ فهو أن الإيمان بالله هو لب الإيمان بكل أجزائه وعناصره، فالإيمان بالله هو الإذعان المطلق لقوة غيبية تسيّر هذا الكون وتدبره، وتقوم على كلاءته وحمايته، والإيمان بقوة غيبية يقتضي الإيمان برسالتها للناس، ويقتضي الإيمان بالأرواح الطاهرة المطهرة، والإيمان بأن الله لم يخلق هذه الأشياء عبثا، وإن ذلك يقتضي الإيمان بقدرة الله على الإعادة كما بدأ الخلق بالتكوين، وبأن هنالك يوما آخر فيه الحساب، وإن من يؤمن بالله ولا يؤمن بهذه العناصر كلها لَا يكون مؤمنا بالله حق الإيمان، ولا مذعنا لأحكامه حق الإذعان، ولذا كان أهل الكتاب الذين أعلنوا إيمانهم بالله، وأنكروا رسالة الرسول ﷺ مع قيام البينات عليها غير مؤمنين، وغير مذعنين للحق الذي ارتضاه الله.
ويجب التنبيه هنا إلى أمرين: أولهما: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غيرت تغيير المنكر، وغير العمل بالفعل على منعه، فالأمر والنهي إرشاد وتوجيه ونصح وتنبيه، والتغيير يكون بالعمل المنظم والأحكام الرادعة، وذلك يتولاه الحكام، إلا إذا تقاصرت همم الحكام، فإنه يجب تغييرهم ليتولى من يقيم حدود الله، وينفذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 1718
والأمر الثاني الذي يجب التنبيه إليه أنه ليست الخيرية مرادفة للقوة، فالخيرية هي أن يكون المجتمع فاضلا يقوم بحق العدل، وأن يكون كل شيء فيه بقسطاس مستقيم، وأن تسوده الأخلاق الكريمة والسلوك القويم، وأما القوة فالأمر فيها لسيطرة المادة والغلبة والاستعداد الحربي، وإنا نرى أقوى الأمم الآن أشدها انتهاكا لحرمات الفضيلة في داخلها وخارجها، ومن الأمم الضعيفة ما يكون للفضيلة فيها موضع، وللأمانة فيها سلطان، وللحق فيها أنصار، ولا شك أنها أقرب إلى الخير من تلك الأمم القوية، وفي الجملة، إن القوة تستمد من المادة إذا انفصلت عن الفضيلة، والخيرية تستمد من الحق والعدل والفضائل الإنسانية، والمساواة بين بني الإنسان من غير عصبية جنسية أو إقليمية، وهما في عصرنا الحاضر متمايزان لسيطرة المادة على الأقوياء، وفقدانهم قوة الإيمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد قلنا: إن الإيمان بالله يقتضي الإيمان بكل رسول إذا قامت الأدلة على رسالته؛ ولذا نفَى الله الإيمان عن بعض أهل الكتاب، فقال تعالت كلماته:
(وَلَوْآمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم) و " لو " هنا هي التي يقول عنها علماء النحو: إنها حرف امتناع لامتناع، أي امتنع الخير فيهم لأنفسهم لامتناع الإيمان الكامل، وقد ذكر نفي الإيمان عنهم مطلقا مع أنهم يقولون إنهم يؤمنون بالله، ويقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، وذلك لأنهم إذ لم يذعنوا لأحكام الله تعالى وأوامره - وقد فسروها على حسب أهوائهم ومنازعهم العصبية والجنسية، واعتقادهم أنهم شعب الله المختار - قد فقدوا الإيمان، إذ الإيمان كل لَا يقبل التجزئة، فليس بمؤمن بالله من يكذب رسالة الله التي جاءت بها البينات، وقامت عليها الدلائل؛ وفي نفي الإيمان نفيا مطلقا ما يومئ إلى أن الذين يجعلون هواهم مسيرا لاعتقادهم وفكرهم لَا يؤمنون بحقيقة من الحقائق إلهية كانت أو إنسانية.
стр. 1719
وقد نفَى سبحانه عنهم الإيمان بأي شيء، ولذلك لم يكن ثمة حاجة بعد هذا إلى نفي القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن ذلك يقتضي الإيمان بالفضائل والمعاني الإنسانية، وهم لَا يؤمنون بشيء منها، وإن ذلك ليس خيرا لهم في شيء؛ لأنهم بذلك تنحل جماعتهم، وتتفرق وحدتهم، ونفي الإيمان عن أهل الكتاب ليس نفيا له عن الكل، بل هو نفي عن الأكثر؛ لذا قال سبحانه: (مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) المؤمن هو المذعن للحق إذا قامت بيناته أو دلت أماراته، وهو ينشأ عن استقامة القلب، والتزام الجادة، والاتجاه دائما إلى الطريق المستقيم بإخلاص ونزاهة نفس عن الهوى، ولذلك كان غير المؤمن خارجا عن الاستقامة، ولذا يسمى فاسقا، باعتباره خرج عن منهاج الاستقامة، وترك طريق الحق، وسلك سبل الشيطان، ويسمى كافرا باعتباره جحد الحق، وستر ينابيع الإدراك في نفسه، وناسب أن يذكر وصف الفسق بالنسبة لغير المؤمنين من أهل الكتاب، لأنهم خرجوا عن منهاج الكتاب المنزل، وفسقوا عن أمر ربهم وتركوه وراءهم ظهريا.
وإن منهاج القرآن هو العدالة في الحكم دائما، ولذا لم يصفهم كلهم بالفسق وإن كان قد عمهم، بلِ وصف بعضهم وإن كان الأكثر، ومثل ذلك قوله تعالى:
(مِنْهُمْ أُمَّةٌ مقْتَصِدَةٌ وكثيرٌ منْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)، ولكن من هم المؤمنون ومن هم الفاسقون؛ سنبين ذلك في تفسير الآيات الآتية، والله هو وحده العليم بالصواب.
* * *
(لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ
стр. 1720
بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
* * *
بين الله في الآيات السابقة منزلة المؤمنين من غيرهم إذا أخذوا بأحكام الإسلام واهتدوا بهديه، وكوَّنوا منهم جماعة فاضلة تؤمن بالله تعالى حق الإيمان، وتذعن لشريعته حق الإذعان، وتتواصى بينها بالحق والصبر، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبين أن ذلك هو عصام الأمة وجامع وحدتها، والرابط بينها بأرسان (١) من الهداية الربانية، فيستتر الشر ويختفي، ويظهر الخير وينكشف، وإن تلك المنزلة جعلها الله تعالى خير المنازل، وبين سبحانه أن أهل الكتاب الذين عادوا المسلمين، وهم يعلمون أنهم أهل الحق وأهل الإيمان لو آمنوا بما أنزل على الذين آمنوا لكان خيرا لهم، ولكن آثروا مجافاة الحق على اتباعه، وعداوة أهل الإيمان على موادتهم، ولقد بين سبحانه من بعد أن عداوتهم - لَا تضر المؤمنين ضررا بليغا له أثر، ما دام أهل الإيمان مستمسكين بما رفع منازلهم وأعلى درجاتهم، ولذا قال تعالى: