مجاهد أنه جاء الحارث بن سويد فأسلم عند النبي ﷺ ثم كفر فرجع إلى قومه نادما، فأنزل الله: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْما كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) فحملها إليه رجل من قومه، فقال الحارث: (إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة) ثم رجع وأسلم (١)، وروي عن الحسن البصري أنه قال: إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصاوى الذين رأوا نعت النبي ﷺ في كتابهم وشهدوا أنه حق، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك وأنكروه وكفروا بعد إقرارهم.
وإن هذا هو الذي أميل إليه، فقد قال تعالى في شأن اليهود: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩). وإن قصص القرآن فيه بيان تعصب الَيهود، وَمعاملتهم للمسلمين، وتلقيهم لهداية القرآن، وتواصيهم بالنفاق والكفر.
على أنه مهما يكن سبب النزول فإن الآية تقرر حقيقة ثابتة، وهي أن النفس أتى تشهد بالحق وتؤمن به ثم تكفر للهوى والعصبية لَا يرجى لها هداية إلا أن تزيل منها درن الغرض، وتنخلع عن العصبية الجامحة بالتوبة النصوح.
وفى النص السامي بعض مباحث:
أولها: ما حقيقة الهداية الإلهية في هذا المقام؛ وإنا نقول في الإجابة غير متعرضين لما بين المعتزلة والأشاعرة من خلاف: إن الهداية هنا هي الهداية المطلوبة في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ)، والمذكورة في قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)، وهي بيان الطريق الحق، والإرشاد إلى سبيل المعرفة الحقيقية، وإن من يكون على هذه الحال، وهي الإيمان، والشهادة بالحق ومجيء البينات السابقة - لَا يحتاج إلى بيان فوق ما جاء إليه، بل يحتاج إلى عقاب صارم يجعله عبرة لكل من يكون على مثل حاله.
стр. 1647
ثانيها: قوله تعالى: (وَشَهدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَق) على أي شيء يكون العطف في العبارة السامية (وَشَهدُوا) وقد ذكر الزمخشري موضع العطف، فقال: " فيه وجهان: أن يعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل؛ لأن معناه بعد أن آمنوا، ويجوز أن تكون الواو للحال، بإضمار قد، بمعنى كفروا وقد شهدوا بأن الرسول حق.
ولماذا لَا تكون عطفا على كفروا نفسها ويكون من باب الجمع بين المتناقضات، كما تقول قتل القتيل وبكى عليه، أي أن حال هؤلاء مذبذبة متناقضة، فهم يكفرون بالرسول ويشهدون بأنه حق، والعطف بالواو لَا يقتضي ترتيبا، فيصح أن يكون الكفر في الوقوع متأخرا عن الشهادة ولكن يجيء سؤال: لماذا ذكر الكفر أولا؟ والجواب عن ذلك أن الكفر هو موضع الاستنكار، فكان تقديمه لهذا المعنى.
ثالثا: أن الله تعالى يذكر أنهم شهدوا بأن الرسول حق، وجاء الحق وصفا للرسول، ولعل الظاهر أن يكون وصفا لما جاء به وهو القرآن، ولكن وصف به؛ لأن اليهود ما كانوا ينكرون الشرائع السماوية، وما كان السبب في كفرهم هو ما جاء به النبي ﷺ ، بل كان السبب هو الحسد لشخصه وللعرب، فأشار سبحانه إلى أنهم كانوا يشهدون لشخصه، فأوصافه عندهم، وكانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فشهادتهم منصبة على شخص الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهم يعرفون شخصه من أوصافه فهو في علمهم حق وكل ما جاء به هو الحق.
(وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ذيل الله الآية بهذا النص الحكيم للإشارة إلى أنهم ظالمون، فهم ظلموا أنفسهم، وظلموا الرسول! وظلموا الحقائق وطمسوا على بصائرهم، فلا يمكن أن تدخل الهداية إلى قلوبهم، وفي النص الكريم إشارة إلى أن الظلم يحدث في نفس الظالم ظلمة شديدة لَا ينفع معها ضوء. فتغلق كل الأبواب التي ينفذ منها النور إلى موضع الإدراك، إذ إن أساس الظلم هو تسلط الهوى والغرض الفاسد والحقد والحسد على النفس،
стр. 1648
فتنحرف عن مدارك الحق ومشارق العرفان، فلا يمكن أن يكون للهداية موضع في النفس، فلا يهديه الله سبحانه، وإن الظلم بطبيعته يفسد الإدراك كله؛ لأن إدراك الحقائق يستلزم صدق النفس في طلبها، وصدق النفس في طلب الحقائق لَا يمكن أن يكون مع الظلم. الذي يجعل الهوى مسيطرا، فالظلم ظلمات في النفس، وظلمات يوم القيامة.
* * *
стр. 1649
(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)
* * *
بعد أن شرح الله سبحانه نفس الذين سيطر الهوى عليهم بين الله جزاءهم في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ) إشارة إليهم في أوصافهم السابقة، فالإشارة ليست إلى أشخاصهم؛ لأنه لم يذكر أشخاصا، إنما ذكر أوصافا، فالإشارة إلى من عندهم هذه الأوصاف، وقد ذكر سبحانه في هذه الآية الكريمة الجزاء الأول لهم، وهو اللعنة المؤكدة الثابتة المجمع عليها، وهي لعنة من الله، وهي أعلاها، ولعنة من الملائكة، ولعنة من الناس أجمعين، أي أنها لعنة من الخالق والمخلوقين العقلاء سواء منهم من كانت طبيعته روحية ملكية، ومن كانت طبيعته إنسانية لها صلة بأعلاق الأرض ولها صلة بالروحانية السماوية؛ ذلك بأن الظلم أبغض الصفات الإنسانية عند الله والناس، فالله سبحانه قد كتب العدل على نفسه، ولذا روى أنه ورد في حديث قدسي: " ياعبادي إني قد حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا " (١)، والظالمون الذين سيطر الغرض والهوى على نفوسهم فلا يؤمنون بشيء، ولا يذعنون للحق إذا عارض أهواءهم الظالمة، لَا يحبهم أحد، فإن من غلب عليه هواه، وأحب نفسه أبغضه الناس.
ولكن ما اللعنة التي ضربها الله على الذين اتخذوا إلههم هواهم؛ قال علماء اللغة: إن اللعن في الأصل معناه الطرد، وإذا أسند إلى الله تعالى كان المراد الطرد من رحمته، وإني أرى أنه قد يستعمل بمعنى غضب الله تعالى وسخطه، وهذا
стр. 1650
معنى لازم للطرد الذي هو الأصل في المعنى اللغوي؛ لأن الطرد يترتبط عليه السخط والمقت والغضب؛ إذ لَا يُطرد من ﵁، ولا يُطرد محبوب، وعلى ذلك تكون اللعنة هنا بمعنى سخط الله تعالى وغضبه، وسخط الملائكة وغضبهم، ولا مانع من أن يراد الطرد من رحمته إذا اجتمع مع الغضب في مثل قوله تعالى: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْه وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا). فهذه معان متلازمة مترتب بعضها علَى بعض، فيترتب على الغضب الطرد من الرحمة، ويترتب على الطرد من الرحمة عذاب السعير، فإنها للجنة أبدا، أو للنار أبدا، كما قال ﷺ (١).
وكون اللعنة تكون من الناس أجمعين معناه أن الفطرة الإنسانية السليمة كلها تتنكر وتلعن تلك القلوب المنحرفة التي لَا تخضع لحق، ولا تؤمن للبينات، بل تتجه إلى طمس المعالم التي تنير وتهدي، فالمراد المعنى الإنساني العام لَا الإحصاء والجمع لآحاد بني الإنسان.
* * *
стр. 1651
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)
* * *
هذا تأكيد للجزاء الأول وتصريح يلازمه، فاللعنة دائمة مستمرة، وهم فيها خالدون لَا تزايلهم ولا تنفصل عنهم أبدا، فهم في سخط من الله مستمر، وسخط من الملائكة والناس دائم، وإنه يترتب على سخط الله عذابه، وإذا كان سخط الله دائما فعذابه دائم لا يقبل التخفيف، ولذا قال سبحانه: (لا يخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) لأن تخفيف العذاب لازم لتخفيف الغضب والسخط، وإذا انتفى الملزوم فقد انتفى اللازم.
وهذا العذاب في الآخرة عاجل لَا يقبل التأخير، ولذا قال سبحانه: (وَلا هُمْ يُنظَرونَ) أي لَا يؤجلون ولا يؤخرون لمعذرة يعتذرون بها أو ليتمكنوا من إصلاح خطئهم، فإن الآخرة دار جزاء عما عملوا في الدنيا.
стр. 1652
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
* * *
إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يتوب ويحسن التوبة، كما قال : (قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. . .)، فباب التوبة مفتوح، والتوبة أحب إلى الله من العقاب، ولذلك فتح باب التوبة لهؤلاء، التي كانت حالهم ما بينا، استثنى التائبين في هذا النص الكريم، والمعنى أن اللعنة مستمرة، والعذاب لَا يخفف إلا للذين تابوا من بعد إجرامهم وأصلحوا، ومعنى ذلك أن يقوموا بعمل صالح، فالتوبة الحقيقية مظهرها العمل الصالح، وهو ركن من أركانها وغايتها الجوهرية، فمن ادعى التوبة من غير عمل، فهو كاذب فيها، ومن تاب تلك التوبة النصوح (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي بمقتضى اتصافه البالغ بالغفران يقبل التوبة، وبمقتضى الرحمة يَجُبُّ ما كان من سيئات، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)
* * *
بين الله حال أولئك الذين أَرْكَسُوا أنفسهم في الضلالة وقد جاءتهم البينات من ربهم، وشهدوا أن الرسول حق، بين حالهم في الدنيا وحالهم في الآخرة، وأن مصيرهم إلى النار، إلا إذا تابوا وعملوا عملا صالحا، فإن الله تواب رحيم، وإن الآيات السابقة تشير إلى احتمال توبتهم بيقظة الضمير بعد
стр. 1653
غفلته، فإن النفس قد تظلم وتشتد ظلمتها، ثم ينبثق إليها النور من إحدى النوافذ، فتكون الهداية بعد الضلال، والإيمان بالحق بعد الباطل، وذلك مشروط بألا يمعن الشخص في طريق الضلال فيزداد كفرا وشرا، أما الذين يمعنون في الغواية، ولا يقفون فيها عند نهاية، فإنهم يستمرون في غيهم يعمهون، ولا يتوبون؛ ولذا قال تعالى فيهم:
стр. 1654
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ).
فهذا كما أشرنا قسم ممن كفروا بعد إيمان؛ لأن أولئك قسمان أحدهما يرجى توبته، وذلك هو الذي لم يوغل في طريق الكفر والإمعان فيه، وقد أشار سبحانه بقبول توبته بقوله تعالى مستثنيا له: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُواِْ)، والقسم الثاني هم الذين كفروا بعد أن آمنوا، ولم يكتفوا بذلك بل لجوا في العناد، واسترسلوا في الغيّ، واستمروا في مقاومة الحق، فإنهم كلما أوغلوا في الباطل بعُدوا عن التوبة والرجوع، ومثلهم كمثل من يسير في صحراء وقد ضل الطريق، فإنه كلما أوغل فيها ازداد ضلاله. وهذا القسم لَا تقبل توبته، لأنه لَا يتوب توبة نصوحا، وقد عبر سبحانه عن إيغالهم في الشر بقوله: (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) أي أن الكفر درجات، وكل إيغال فيه ازدياد، ذلك لأن الكفر جحود القلب مع قيام الأمارات والأدلة، وكلما اشتد العناد اشتد الجحود، واستغلظت الحجب التي تحول بين المرء والهداية، فإذا كان الحجاب عن الإيمان بالحق رقيقا أولا، فبالإمعان في العناد يغلظ الحجاب، ويستمر في الغلظ حتى يحكم الإغلاق، وهو الذي عبر الله عمن تصاب قلوبهم به بقوله تارة: (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. . .)، وتارة (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. . .)، وقوله تعالى مرة ثالثة: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وأولئك قال تعالى فيهم: (لَن تُقْبَلَ نَوْبَتهُمْ)، فنفَى قبول توبتهم، ولنا أن نفسر نفي قبول التوبة على ظاهره بمعنى أنه قد تقع منهم توبة
стр. 1655
ولكنها ليست التوبة التي تُقبل، ونص على قبولها في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ. . .)، وعدم قبول توبتهم هذه لأنها بظاهر من القول، أو لأنها فلتات نفسية تحدث أحيانا في حال كرب أو شدة، ثم يعودون لما كانوا عليه كما قال تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. . .). أو تكون التوبة في آخر رمق في الحياة كتوبة فرعون وقد أدركه الغرق، فقد حكى الله تعالى ذلك عنه إذ يقول: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١).
فإن هذه التوبة لَا تقبل؛ لأن الله يقول (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨).
هذا هو الفرض الأول في تخريج الآية الكريمة، وهو عدم قبول التوبة إن وقعت، والفرض الثاني أن نقول إن النفي المؤكد منصب على عدم وقوع التوبة، بله على عدم قبولها، فالمعنى لن تقبل توبتهم، لأنه لَا توجد لهم توبة قد استوفت شروط القبول، ومؤدى الفرضين واحد، لأنه على تسليم وجود توبة في الفرض الأول يجب أن نقرر أنها كلها توبة، وقد أكد سبحانه النفي بكلمة (لن) التي تدل على تأكيد النفي، كما أكده ببيان استمرار ضلالهم فقال سبحانه: (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ): وفى هذه الجملة السامية أكد سبحانه ضلالهم بثلاثة أمور: أولها الجملة الاسمية، وثانيها ضمير الفصل الذي يدل على تأكيد النسبة بين المسند والمسند
стр. 1656
إليه، وثالثها القصر والتخصيص، فقد قصر عليهم الضلال كأنه لكماله فيهم لا يوجد في غيرهم، وإن السبب في استمرار ضلالهم هو لجاجتهم وعنادهم، فهم كلما لجوا في مقاومة الحق ازدادت نفوسهم بعدا عنه. وكلما بعدوا عنه أوغلوا في الضلال، والإشارة في قوله سبحانه (أولئك) هي إليهم متصفين بما اتصفوا به من كفر بعد إيمان، وازدياد ولجاجة في هذا الكفر والجحود، فتلك الصفات هي السبب في هذا الاستمرار وتأكد الضلال، وإن هؤلاء الضالين سيموتون بلا شك وهم كفار فيندرجون تحت حكم الآية الكريمة الآتية:
* * *
стр. 1657
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ... (٩١)
* * *
إن هذه الآية تبين مآل الذين يموتون وهم كفار، أي أنهم يستمرون على كفرهم حتى يلقوا ربهم، فالواو في قوله سبحانه: (وَهُمْ كُفَّارٌ) واو الحال وهي تفيد أنهم ماتوا وهم على حال لهم مستمرة ملازمة لم تفارقهم، وهي الكفر والضلال، وإن أولئك في اليوم الآخر يلقون جزاءهم على ما قدموا من سيئات وجحود بالحق موفورا كاملا، وذلك الجزاء ذو شطرين، أحدهما سلبي والآخر إيجابي، أما السلبي فهو أن كل ما عملوا من خير وأنفقوا من مال لا يكافأون عليه، كما قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثورًا)، والسبب في فقد الجزاء عليه أن أساس الجزاء في الدين النية، والنية لَا تكون سليمة إلا إذا كان فعل الخير قد قصد به وجه الله ، وذلك لَا يكون ممن لَا يذعن لدين الله؛ لأنه لو طلب وجه الله لأجاب نداءه، وقد عبر سبحانه عن ذلك بقوله: (فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا) أي لن يقبل منهم أي إنفاق، ولو كان بمقدار ما يملأ الأرض من ذهب، فمهما يفعلوا من عمل، هو في ذاته خير، فقد أفسدوه بنياتهم الآثمة، وتمردهم على الحق إذ دُعوا إليه.
والجزاء الإيجابي هو العقاب الذي لَا يكون منه مناص ولو بفدية مهما كبرت أو عظمت، كما قال تعالى مخاطبا المنافقين: (فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا
стр. 1658
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئسَ الْمَصيرُ)، وقد أشار إلى هذا العذاب بقوله سبحانه: (وَلَوِ افْتَدَى بِه) أي لو افتدى نفسه من عذاب الآخرة بمثل الذهب الذي يملأ الأرض. والواو هنا تفيد أنه لَا يقبل منه أي إنفاق يقدمه ولو كان ذلك الإنفاق قدمه ليفتدي به نفسه من عذاب الله. ثم بين سبحانه العذاب بقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ).
أي أولئك الذين ماتوا وهم كفار بسبب الكفر الذي لازموه حتى موتهم، لهم عذاب مؤلم شديد الإيلام مستمر، وليس لهم ناصر، و (من) هنا لاستغراق النفي، أي ليس لهم أي ناصر مهما يكن، فمن كانوا يتخذونهم شفعاء لَا يشفعون لهم، والرسل الذين كانوا يتعلقون بهم لَا يعرفونهم، ولا نجاة لهم من عذاب الله، لا بفدية يفتدون بها أنفسهم، ولا بناصر ينصرهم من دون الله، وبذلك يكونون حطب جهنم والنار مأواهم وبئس المصير، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وهنا بحث لفظي أثاره إمام اللغة الزمخشري، وهو لماذا عبر في الآية السابقة في الخبر من غير فاء، في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) وفي هذه الآية أتى بالفَاء فقال: (إِنَّ الَّذين كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ) إلى آخره، وقد أجاب عن ذلك بقوله: " قد أوذن بالفاء أن الكلام بني على الشرط والجزاء، وأن سبب امتناع قبول الفدية هو الموت على الكفر، وبترك " الفاء " أن الكلام مبتدأ وخبر ولا دليل فيه على التسبب، كما تقول: الذي جاءنى له درهم، لم تجعل المجيء سببا في استحقاق الدرهم، بخلاف قولك: فله درهم.
وإن ذلك الكلام مغزاه أن الله أراد أن يبين لهم أن هذا الجزاء نتيجة للعمل، وأنه مسبب عنه لأن الجزاء من جنس الفعل دائما، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وأما في الآية الأولى فلأن عدم قبول التوبة ليس جزاء، إذ معناه عدم وجود توبة صالحة للقبول، أجرى القول مجرى الإخبار كأنه وصف ملازم لحالهم، أو هو حال أخرى من أحوالهم، وإذا كان الجزاء من جنس العمل دائما، فإن الله بعد أن بين جزاء الشر بين سبحانه جزاء الخير فقال تعالت كلماته:
* * *
стр. 1659
(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ... (٩٢)
* * *
الخطاب عام وقد صدر بتأكيد النفي المنصب على نيل البر، والمعنى لن تنالوا وصف الأبرار الأخيار حتى تنفقوا مما تحبون، وفي هذه الآية حث على الإنفاق، وعلى القيام بالأعمال التي تكون فيها مخالفة للهوى ومنازعات النفس، وقد تكلم المفسرون في معنى البر المذكور في هذه الآية، فقال بعضهم: إن المراد الاتصاف به كقوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن توَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ. . .)، إلى آخره، فالمعنى لن تنالوا وصف البر الذي هو خاصة الأخيار إلا بأن تنفقوا مما تحبون، وهذا ما نختاره، وهو الأوضح مما عداه، ولكن لم يذكر على هذا جزاء الآخرة. ونقول إن ذلك حكم من الله تعالى بأن الذين يفعلون ذلك من الأبرار.
ولن ينال ذلك الوصف إلا المنفقون، وقد كنى بهذا اللفظ (مما تحبون) عن المال، لأن جميع الناس يحبون المال. وقيل: معناه ما تحبون من نفائس أموالكم، دون أرذلها كقوله تعالى: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ. . .). وقد روي أنَّ عليا ﵁ اشترى ثوبا فأعجبه فتصدق به وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من آثر على نفسه آثره الله يوم القيامة بالجنة، ومن أحب شيئا فجعله لله، قال تعالى يوم القيامة قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف وأنا أكافئك اليوم بالجنة " (١).
ثم اعلموا أن الله يعلم كل ما تفعلون، ويعلم ما في نياتكم، ثم هو الذي يجازيكم على هذه الأعمال والنيات، فاختاروا لأنفسكم، إذا كنتم ترجون أحسن ما عند الله، فقدموا لأنفسكم أحسن ما عندكم، نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضي
* * *
стр. 1660
(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)
* * *
هذه الآيات الكريمة متصلة بمحاجة اليهود، ومجادلتهم في ذات الشرع الإسلامي، وذات النبي ﷺ ، فقد بين الله في الآيات السابقة عدم استقامتهم في طلب الحق، وأنهم كانوا يتواصون فيما بينهم ألا يؤمنوا ولا يذعنوا للحق إذ جاء إليهم، وكانوا يقولون: آمِنُوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره، وقد اعترضوا على النبي ﷺ بالباطل وما اعترضوا عليه بحق قط، وما دفعهم إلى ذلك إلا تعصبهم المردي وظنهم أنهم أولياء الله وأحباؤه، وأن الناس جميعا مهما تكن منزلتهم دونهم، ولقد روي في الآثار، وكما تدل عبارة التوراة أنهم كانوا يحرِّمون على أنفسهم لحوم الإبل وألبانها، ويظهر أنهم كانوا يُعيّرون العرب بأن طعامهم لحم الإبل وألبانها، وأن غذاءهم الجوهري، هو ذلك اللبن والتمر، ولذلك بين الله أنه حلال لهم أيضا أن يأكلوه، وأنه طعام لهم كما هو طعام عند العرب، وأنهم إذْ حرِّموهُ على أنفسهم قد خالفوا الفطرة وخالفوا التوراة ثم ادّعوا أن تحريم لحوم الإبل كان شِرْعة إبراهيم؛ ولقد رد الله عليهم ذلك بقوله:
стр. 1661
(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ أن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) " حِلٌّ " معناها حلال، ومعنى النص السامي أن كل الطعام قبل التوراة كان حلالا لبني إسرائيل حتى غلظت أكبادهم، واستولت عليهم الماديات،
стр. 1662
فأراد الله أن يَفْطموا نفوسهم عن أهوائها ليكبحوا جماح شهواتهمِ ولكيلا يندفعوا في الظلم والأهواء المردية، ولذا قال سبحانه: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِين هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ. . .).
والطعام هو ما يطعمه الإنسان ويستسيغه ويطلبه راغبا فيه، وهو في عمومه يشمل البُر والذرة والشعير، وكل المواد النباتية والحيوانية، ولذا قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ. . .). وقال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لهُمْ. . .)، والمراد ذبائحهم. وبمقتضى هذا النص السامي يكون كل طيب مطعوم مرغوب فيه حلالا ولا يحرم إلا الخبائث من الميتة والخنزير وغيرهما، وأن ذلك كان شريعة إبراهيم ﵇، وأنه ما كانت لحوم الإبل ولا ألبانها من المحرمات لأنها من الطيبات، وإبراهيم وذريته على هذه الشريعة الفطرية، حتى قست قلوب بني إسرائيل ففطمها الله بذلك التحريم المؤقت.
إذن فلم يكن شيء من الإبل محرما، ولم يكن شيء من الطيبات محرما على بني إسرائيل من قبل التوراة، إلا ماحرمه إسرائيل على نفسه، وإسرائيل اسم ليعقوب بن إسحاق ﵉، وقد اختلف العلماء في تخريج قوله تعالى: (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ) ما المراد بِإِسرائيل أهو القبيل كله، وهم اليهود؟ أم المراد ذات يعقوب الذي هو أبو القبيل، وإليه ينتمي؟.
ذكر الزمخشري التخريجين، ورجح أن المراد ذات يعقوب ﵇، ويكون المعنى: إن كل الطعام كان حلالا لبني إسرائيل إلا ماكان يحرمه إسرائيل على نفسه باجتهاد منه لشخصه: إما لعلاج جسمي بأن وجد أن هذا الطعام يضره ويؤذيه، وأن الابتعاد عنه ينفعه ويجديه، كما نرى من ناس يتجنبون بعض الأطعمة لأنها لَا تناسب حالهم بإشارة طبيب أمين أو بتجربة شخصية، وكل امرئ طبيب نفسه. وإما لعلاج نفسي كأن يمتنع عن بعض ألوان الطعام قناعة وفطما
стр. 1663
للنفس، وما كان يتخذ ذلك شريعة تتبع بل اتخذه علاجا شخصيا لجسمه أو لنفسه، ولقد قال النبي ﷺ : " من الإسراف أن تأكل كل ما تشتهي ". هذا هو التخريج الأول.
أما التخريج الثاني فإن مقتضاه أن بني إسرائيل هم الذين حرّموا بعض الأطعمة على أنفسهم كما كان العرب يحرمون على أنفسهم بعض أنواع الأطعمة، كتحريم البَحيرة (١) ونحوها مما نعاه القرآن الكريم عليهم.
ولعل القبيل كان يحرم على نفسه الإبل مثلا تقليدا ليعقوب فيما لَا يجب التقليد فيه.
ولكنهم ادّعوا أن تحريمهم لبعض الأطعمة التي لم يحرمها الله تعالى عليهم كان في التوراة منسوبا لإبراهيم، ولذلك تحداهم الله بقوله: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) الخطاب للنبي ﷺ ، وهو تكليف منه تعالت قدرته بأن يطلب إليهم أن يأتوا بالتوراة ليبيِّنوا النص الذي كان به التحريم أهو يدل على أنه كان قبل التوراة، أم كان بعدها؟، وأيدخل في عموم التحريم تحريم لحوم الإبل وألبانها؟ و " الفاء " في قوله: (فَأتُوا بِالتَّوْرَاةِ) هي التي تسمى فاء الإفصاح، وهي تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانت دعواكم تحريم الإبل في شريعة إبراهيم وقبل التوراة فأتوا بها أي احْضِروها، و " الفاء " في قوله: (فَاتْلُوهَا) فاء العطف، أي فأحضروها، واتلوها عقب إحضارها، وتلاوتها أي قراءتها بإمعان، وتبين التحدي في قوله تعالى: (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) والتعبير بـ " إن " للإشارة إلى عدم صدقهم؛ لأنها تدل على الشك في الشرط، وعدم ترتب الجواب عليه، أي هم ليسوا صادقين فيما يدَّعون، ولذلك لَا يتلون ولا صقرءون.
والمؤدَّى: أنكم لو جئتم بها وأمعنتم في تفهمها، لكذَّبتْكُم وَلأثْبَتَت افتراءَكم على الله ، وإن من افترى الكذب على الله تعالى ظالم لنفسه وللناس، ولذا قال تعالى بعد ذلك:
* * *
стр. 1664
(فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)
* * *
الفاء هنا للإفصاح كسابقتها، والمعنى إذا كنتم مصرين على قولكم فأنتم ظالمون؛ لأن من افترى على الله الكذب فهو ظالم، وافتراء الكذب معناه القصد إليه وتعمده، والقطع بالقول فيه من غير تردد، مأخوذ من فَرَى يفري بمعنى قطع. وأولئك باستمرارهم على قولهم هذا قد كَذَبوا على الله، فادّعوا أنه حرم، وهو لم يحرم، وادعوا أن ذلك في شريعة إبراهيم ﵇ التي نزلت من عند الله تعالى، وليست منها في شيء.
ومن قصد إلى الكذب قاطعا به من غير دليل ولا حجة (بل قام الدليل على نقيض ما يقول) فهو ظالم، ولذا قال تعالى:
(فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الإشارة إليهم محملين وصف الافتراء على الله تعالى وعلى النبيين، وهذا الوصف هو سبب الحكم بالظلم، وقد أكد الله تعالى وصف الظلم بقصر الظلم عليهم بضمير الفصل، وهم ظالمون للحقيقة إذ أخفوها وكذبوا، وظالمون لأنفسهم لأنهم يخادعون الله الذي لَا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهم إذ يخادعون الله تعالى، يخادعون أنفسهم ويضلونها باستمرارهم على السير في طريق الغواية،، إذ كلما أَوْلَجُوا فيه بعُدُوا عن طريق الهداية، وظلموا بغمطهم الحق والناس، وحسدهم لهم على ما آتاهم الله من فضله.
وإن أولئك الذين يتمسحون بذكر إبراهيم لم يتبعوه، ولم يهتدوا بهديه، بل خرجوا عن منهاج الفطرة الذي هداه الله تعالى، ولذلك أمرهم الله باتباعه فقال تعالت كلماته:
* * *
стр. 1665
(قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ... (٩٥)
* * *
الأمر للنبي ﷺ ، فقد أمره أن يذكر لهم صدق الله تعالى فيما أخبره به من أن إبراهيم ما حرم الإبل ولا ألبانها، وأن بني إسرائيل من قبل التوراة كان كل الطعام الطيب حلالا لهم غير حرام عليهم.
стр. 1666
وفى ذلك إشارة إلى أنهم يعاندون الله تعالى بأخبارهم الكاذبة، وأن كلامهم لَا يروج عند مؤمن، لأنه إما أن يصدِّق الله تعالى ذا الجلال والإكرام، المنفرد بحق العبودية، والمنفرد بالألوهية، وإما أن يصدق أخبارهم الكاذبة التي تتنزى بالحقد والحسد الدفين.
وإذا كانوا يتمسحون بإبراهيم فعليهم أن يتبعوه في أخص شريعته ولبها، ولذا قال: (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) أي اتبعوا منهاجه وشرعته وطريقته، وقد كان طريقه هو طريق الفطرة السليمة، ولذلك وصفه بقوله " حنيفا " أي متجها إلى الحق لَا ينحرف عنه إلى غيره، ولا يسلك غير سبيل المؤمنين يجيب داعي الحق إذا دعي إليه.
وإذا استمروا على طريقهم من معاندة الحق ومنازلته، وإثارة غبار الشك حوله، فإنهم بعيدون عن إبراهيم، كما بعد عنه المشركون، وقد أكد سبحانه بعْد إبراهيم عن الشرك بقوله:
(وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هذا نفي الإشراك عن إبراهيم ﵇ نفيا مؤكدا وهو مؤكد بالجملة الأسمية، وبالفعل " كان "، فهو نفي للكينونة أي الوجود، فهو لم يوجد مشركا ولا يمكن أن يكون مشركا، أو يدخل في صفوف المشركين، وفي ذلك بيان براءة إبراهيم من مشركي قريش براءته من اليهود، فليس لأحد الفريقين أن يتمسح به، وأن يذكر أنه يسير على ملته، وهو لَا يخلص في قول ولا يجعل وجهته رب العالمين.
اللهم اهدنا بهديك، وخلص قلوبنا، وأصلح أحوالنا، ووفقنا إلى الإخلاص في القول والعمل إنك سميع الدعاء.
* * *
стр. 1667
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)
* * *
بين الله بطلان ما كان يحتج به أهل الكتاب في الآيات السابقة، ورد عليهم بما يرشدهم إلى الصواب لو كانوا طلاب هداية، وباحثين عن الحقيقة لَا يبغونها عوجا، وفي هذه الآية وما وليها، يرشدهم إلى الأمر الجامع الذي يلتقون فيه مع العرب، وهو الاتصال بإبراهيم الذي يعتزون بنسبتهم إليه، وهو جد إسرائيل الذي كان منه الأسباط، وكان منه عن طريقهم من ينتمي إليهم من النبيين الذين أنشأوا بيت المقدس، وأقاموا الدولة المقدسة في الأرض المقدسة، والتي لم يحسن اليهود مِن بعدهم القيام عليها، بل عثوا فيها بالفساد، حتى مزقهم بُختنصَّر شَرَّ ممزق، وشرد الرومانُ بعد ذلك بهم من خلفهم، حتى جاء المسلمون فأعادُوا إلى الوادي المقدس شريعة الله المقدسة، وهي الإسلام الذي كتب له أن يعمره بها إلى يوم القيامة (١): (وَكانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا)، ولقد ذكر الله سبحانه ذلك الأمر الجامع في بيان شرف بيت الله الحرام فقال:
стр. 1668
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا) البيت المقصود به هنا هو البيت الحرام، وهو الحرم المكي العامر إلى يوم القيامة، وقد عرفه بأنه الذي ببكة، وبكة هي مكة. وفي لغة العرب قلب اليم باء في أحوال كثيرة من غير انضباط، ولقد جاء في تفسير الزمخشري ما نصه:
(مكة وبكة لغتان فيها نحو قولهم: النبيط والنميط في اسم موضع بالدهناء ونحو: من الاعتقاب أمر راتب، وراتم، وحمى مغمطة ومغبطة. وقيل: مكة البلد، وبكة موضع المسجد، وقيل اشتقاقها من بكَّهُ إذا زحمه؛ لازدحام الناس فيها). وقيل: بك بمعنى دك؛ وذلك لأن الله يدق عنق كل من يرومها بسوء.
وعرف البيت بأنه الذي ببكة للإشارة إلى أن مكة ذاتها هي مثابة الشريعة الباقية وهي شريعة النبيين أجمعين، وهي خالدة إلى يوم القيامة، وهي الإسلام جماع كل الشرائع السماوية؛ وهو الذي وصى الله به إبراهيم وموسى وعيسى.
وما معنى أولية البيت الحرام؛ أهي أوليته من ناحية أنه أول بيت بني للعبادة؟ أم أنه أول بيت بني بإطلاق.
قيل: إنه أول بيت بني في الأرض؛ فقيل إن الملائكة بنته لآدم؛ كما ورد في بعض الآثار؛ وليس ثمة مانع عقلي؛ إن الذي يبدو من خلال الآيات: أنه أول بيت من بيوت العبادة القائمة؛ فهو أسبق من بيت المقدس وجودا؛ وهو أجمع للديانات السماوية من بيت المقدس؛ لأن إبراهيم أبا الأنبياء أصحاب هذه الشرائع الباقية هو الذي بناه؛ بينما بني بيت المقدس في عهد داود وسليمان ﵉ (١).
стр. 1669
فوجود مقام إبر اهيم بالبيت الحرام، وآثار أقدامه الشريفة دليل على مكانة هذا البيت من ملة إبراهيم ﵇، وأما ما يدعيه اليهود من وجود آثار هيكل سليمان تحت المسجد الأقصى، فلم يقم عليه دليل ولا بينة.
ووصفه بأنه مبارك؛ أي فائض الخيرات كثير الثمرات المادية والمعنوية؛ فمن بركاته المادية أنه يفد إليه الحجيج من كل فج عميق؛ ويعتمرون فيه في كل أيام أشهر السنة، حتى أنه لَا يمر عليه يوم من غير وفود تجيء إليه، ومع هذه الوفود خيرات الأرض؛ وكان ذلك إجابة لدعاء إبراهيم في قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧).
وقد كان في البيت تلك البركة المادية بتلك الوفود؛ وبالثمرات التي كانت في باطن الأرض حوله أو على مقربة منه فقد كشفت على مقربة منه فلزات الأرض وسيول الغاز، مما كان خيرا وبركة على سدنته ومن يعيشون حوله، وبذلك أجاب الله تعالى دعاء إبراهيم ﵇، وبقي على الذين يتنعمون بهذه الثمرات أن يشكروا الله: (لَعَلَّهُمْ يَشْكرُونَ).
هذه هي البركة المادية، أما البركة المعنوية فهي أنه موضع لأكبر عبادة جامعة وهي الحج، وهو مبعث محمد ﷺ ، وفيه منازل وحيه، وإليه يتجه الناس في كل بقاع الأرض، وتلتقي عنده قلوب الأجناس والألوان المختلفة في عباداتهم، ولذا وصفه سبحانه بقوله: (وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ):
هذا عطف على قوله سبحانه (مُبَارَكًا) أي أن الله جمع لهذا البيت الكريم حالتين خاصتين به لم تجتمعا في بيت غيره، فهو قد اشتمل على الِبركة المادية والمعنوية، وحماه الله تعالى من اعتداء المعتدين، ولهذا قال: (وَهُدَى لِلْعَالَمِينَ) أي هو بذاته مصدر هداية للعالمين أي للناس أجمعين؛ ففي وسط الشرك كانوا يلتحمون ويتقاتلون حوله، فإذا جاءوا إليه كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يمسه بسوء لعظم حرمة البيت في قلبه، وإن مس الشرك نفسه.
стр. 1670
والذين أرادوه بسوء ما إن جاءوا إليه حتى ارتدوا على أدبارهم خاسئين؛ وبذلك ثبتت حرمته، وأشع نوره لغير العرب، كما امتلأت قلوب العرب بحرمته، وبعد الإسلام كان قبلة المسلمين في كل العالمين ومزارهم وموضع مؤتمرهم الأكبر، وإلى البيت الحرام يَأْرِزُ الإسلام، فكون هذا البيت العتيق مصدر هداية ثبت جاهلية وإسلاما، وهدايته في الإسلام مطلقة، وهدايته في الجاهلية نسبية:
* * *
стр. 1671
(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ... (٩٧)
* * *
في هذا النص السامي بيان عظمة البيت الحرام، ومكانته والأدلة على قدمه وبركته؛ ومعنى النص الكريم: فيه علامات واضحة تبين شرف منزلته وقدمه وطهارته، وفيض الله عليه بالنور وأسباب الهداية، وأنه لَا بيت يدانيه في منزلته عند الله، وإن كان هذا البيت الآخر تشد إليه الرحال (١). وقد قالوا إن قوله تعالى: (مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ) بيان لهذه الآيات البينات، ويصح أن نعتبرها وحدها بيان هذه الآيات من حيث الدلالة على قدمه، وأن بانيه إبراهيم، وأن آثار أقدامه واضحة خالدة فيه، وقد وضح هذا المعنى الزمخشري أتم توضيح فقال:
(فإن قلت كيف صح بيان الجماعة بالواحد؟ قلت فيه وجهان؛ أحدهما: أن يُجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة، لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى ونبوة إبراهيم ﵇، ومن تأثير قدمه في حجر صلد. . والثاني: اشتماله على آيات كثيرة؛ لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء آية، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف السنين آية).
وهذا الكلام على اعتبار أن مقام إبراهيم هو موضع الآيات البينات ولكن الذي نراه وقد ذكره الزمخشري أيضا أن هذه الآيات البينات ليست مقام إبراهيم
стр. 1672
وحده، ولكنها مقام إبراهيم وكونه أمْنَ الناس ومثابتهم، وكونه المكان الذي يحج إليه المسلمون إلى اليوم، وكان العرب يحجون إليه ويقومون بكثير من المناسك، وإن خالطوها بشرك.
ولقد ذكر سبحانه الآية الثانية البينة لمقام البيت عند الله تعالى وعند العالمين بقوله:
(ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) أي آمنا من الأذى والقتل. وهذه آية لَا شك فيها، فالعرب كانوا يحترمونه كما نوهنا، وكانت هذه نعمة أنعم الله بها عليهم، وبقيت حتى في شركهم؛ ولذا يقول سبحانه:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ. . .).
وأنعم عليهم سبحانه بأن حماه من كل من يغير عليه معتديا. حتى إن أبرهة عندما أغار بجيشه وأفياله ليهدمه، ارتد خاسئا كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥).
وتلك آية من آيات الله الكبرى في البيت.
ولقد حماه الله في الإسلام، حتى إن النبي ﷺ عندما فتح مكة احترم أمنها فكان مناديه ينادي: من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل البيت الحرام فهو آمن (١) ووصف يوم الفتح بقوله: " هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة " (٢).
(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) هذه آية لتعظيم الله شأن بيته المقدَّس، وحرمه الآمن إلى يوم القيامة، وذلك أنه
стр. 1673
سبحانه فرض الحج إليه على من يستطيع، وجعله موضع المؤتمر الإسلامي الأكبر، كما قال تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأتِينَ مِن كُلِّ فَجًّ عَميقٍ).
والحج بالمعنى الشرعي هو القصد إلى أداء المناسك ونية العبادة به، وهو في أصل معناه اللغوي القصد المجرد إلى مكان معين، وتقرأ كلمة " حَجَّ " بفتح الحاء، وهي لغة أهل الحجاز وبها قرأ أكثر القراء، وبكسر الحاء وبها قرأ الكسائي وحفص (١).
وقوله تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). بدل من (النَّاسِ)، فالفرضية العينية منصبة على من يستطيع دون غيره ولكن تصدير الكلام بإضافة الفرضية إلى الناس، ثم البدل منهم بالمستطيعين يدل على أن عامة المسلمين عليه فرضية عامة، وإن لم تكن كفرضية المستطيعين، وهذه الفرضية نفسرها بأمرين.
أولهما: بالتكليف العام الذي يدخل في عموم فروض الكفاية، بمعنى أن عامة المؤمنين عليهم أن يسهِّلوا تلك الفريضة على من يريدها ويستطيعها، ويبتغي بها مرضاة الله تعالى؛ فعلى ولي الأمر الذي يمثل جماعة المؤمنين أن يسهل هذه الفريضة لطلابها؛ وعلى جماعة المؤمنين أن يعملوا على إقامتها كل في طاقته وفي حدود قدرته.
وثانيهما: ما يقرره الفقهاء من أن أصل الوجوب ثابت ما دام الشخص مكلفا؛ ولكن وجوب الأداء هو الذي يشترط فيه الاستطاعة. فمن لَا يستطيع هذا العام قد يستطيع في قابل وهكذا.
والاستطاعة التي توجب فرضية الأداء هي الحد الأدنى من الاستطاعة، ولذلك قال النص الكريم: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).
стр. 1674
أى استطاع بأي سبيل للوصول إلى الحج، فليست الاستطاعة الموجبة للحج هي الاستطاعة الواسعة المعنى التي لَا تكون إلا للأغنياء، ولذا فسرها الفقهاء بالقدرة البدنية، والقدرة على الزاد والراحلة أي ما يمكن أن يصل به؛ ولابد أن يكون ذلك فاضلا عن حاجاته الأصلية وعمن يقوتهم، فإن ترك من يقوتهم بلا مال إثم، فقد قال ﵊: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " (١).
والفرض لَا يؤدي بالإثم. ومن استطاعة المرأة ألا تكون ذات أطفال صغار يخشى عليهم الضيعة إن تركت حضانتهم ولا حاضن لهم سواها، كما أن من استطاعتها أن يكون معها زوجها أو ذو رحم محرم منها.
والحج عند الأكثرين فرض على التراخي، ولكن المالكية يقررون أنه لَا يسع من تجاوز الستين أن يؤخر عن قدرة، وإن كان أصل التراخي ثابتا لصريح الآثار الواردة في ذلك، والحج فرض مرة واحدة في العمر، والحج هو مؤتمر الإسلام الأكبر، وقد بيناه مرارا.
(وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِي عَنِ الْعَالَمِينَ) في معنى هذا النص اتجاهان؛ أحدهما: أن يكون الكلام في تارك الحج ويكون المعنى من ترك الحج جاحدا له منكرا لفرضيته فقد كفر وأضاع مصلحة نفسه ومصلحة أمته بالإجماع في المؤتمر الأكبر؛ والله سبحانه غنى عن العالمين أي عن الناس أجمعين. فهم محتاجون إليه، وهو غير محتاج إليهم.
والاتجاه الثاني: أن يكون الكلام متجها إلى اليهود الذين أنكروا فضل البيت وقدمه وبناء إبراهيم له. ويكون المعنى: ومن أنكر تلك الحقيقة الثابتة وجحدها بعد البينات فقد أركس (٢) نفسه والله سبحانه غنى عن العالمين.
اللهم اهدنا إلى الحق ووفقنا للإيمان به.
* * *
стр. 1675
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)
* * *
في الآيات السابقة بين الله شرف البيت، وأنه أول بيت بني للعبادة، وضعه إبراهيم ﵇، وأن على كل مؤمن أن يحج إليه، وكان ذلك في مساق الرد على اليهود الذين أنكروا فضل البيت الحرام، وادعوا أن بيت المقدس أقدم منه عبادة، فبين سبحانه أنه أول بيت وضع للناس، وقد ذكر أن هؤلاء اليهود كانوا يحاولون دائما تضليل المؤمنين، وما كانت مجادلتهم هذه لأنهم يتشككون، بل لأنهم لَا يذعنون للحق بعد إذ عرفوه، ويريدون أن يكون الناس جميعا على طريقتهم العوجاء، وعلى ما هم عليه؛ لأنهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولقد أثاروا كثيرا من الشك في مجادلاتهم ليُوهِنُوا أمر العقيدة في قلوب المؤمنين، فلم يجدوا بين المؤمنين آذانًا مصغية، ولا قلوبا مفتوحة لظلامهم، بعد أن أشرق فيها نور الحق، فإنه لَا يلتقي في قلب واحد نور الله وظلمات الباطل، ولقد انتقلوا من التشكيك في العقيدة إلى إثارة الفتنة بين المؤمنين، لتعود العادات الجاهلية كما بدأت، فإنه يروى أن رجلا يهوديا قد عتا في الجاهلية، وكان شديد الضغن على المؤمنين - أراد أن يثير الفتنة بين الأوس والخزرج فأمر فتى بأن يجيء إليهم، وينشدهم بعض الأشعار التي كانوا
стр. 1676
يقولونها في الجاهلية متفاخرين، ففعل، فتذاكروا يوم بعاث، وهو يوم حرب من أيامهم في الجاهلية، وتكلموا في ذلك فتنازعوا وهَمَّ الحيَّان أن يتقاتلا، حتى جاءهم النبي ﷺ يقول لهم: " يا معشر المسلمين، الله الله، أتدعون بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بينكم، أترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا؟ " (١).
هذا فعل اليهود، كفروا بالحق بعد أن جاءتهم البينات، ولم يكتفوا بالكفر، بل أخذوا يصدون ويمنعون عن الحق أو الاستقرار فيه غيرَهم؛ ولذا قال سبحانه:
стр. 1677
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) الأمر للنبي ﷺ ، وقد أمره أن يوبخهم على ما كان منهم، وأمره أن يناديهم بـ " أهل الكتاب " للمبالغة في التوبيخ والاستنكار؛ لأن علمهم بالكتاب كان يتقاضاهم الإيمان، وأن يذعنوا للحق، فإنه لَا يستوي من يعلم ومن يجهل؛ فإن كانوا مع علمهم بأخبار النبوات يكفرون، فهو دليل على فساد قلوبهم، ويقول سبحانه: (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) والآيات هنا هي الآيات القرآنية، والكفر بها هو عدم الإذعان لأحكامها وإنكار صدقها، ومنازعة أهل الحق في معانيها، أو نقول: آيات الله تعالى هي الأمارات التي ساقها الله لإثبات الحق في الرسالة المحمدية، فهم لإيغالهم في الجحود والإنكار لَا يكتفون بإنكار الحق، بل ينكرون الدليل الذي قام عليه، وثبت به، وهم بذلك يغلقون قلوبهم، فلا يصل إليها نور الحق، وإذا كانوا ينكرون كل دليل يصلهم بالهداية، فقد سارعوا إلى الكفر، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) أي عالم علم المعاين الحاضر القائم الحاكم على ما يعملون دائما، سواء أكان العمل عمل القلب أم كان العمل عمل الجوارح.
стр. 1678
والإنكار في الآية الكريمة منصب على كفرهم مع هذه الحال، والمعنى: يا أهل الكتاب الذين أوتوا علم النبوات لمَ تكفرون بالأدلة القائمة على صدق رسالته، والحال أن الله تعالى شهيد عالم معاين حاكم قوام على ما تعملون من خير ومن شر، فالنص السامي يتضمن توبيخا على الكفر، وتهديدا بالعقاب الشديد على ما يعملون، لأن الله تعالى إذا كان شهيدا على ما يفعلون، وهو الحكم العدل القادر على الثواب والعقاب، فإنه بلا ريب مجازيهم على فعلهم، ومحاسبهم على مقاصدهم في أقوالهم وأفعالهم.
* * *
стр. 1679
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ... (٩٩)
* * *
ذكرنا أنهم لَا يكتفون بكفرهم، بل يبغون في غيرهم إبعاده عن الحق، فيصدون عن سبيله، وقد كرر سبحانه بالحق الذي أنكروه، ويضع أيديهم على حالهم التي ألفوا فيها الباطل، حتى غلقوا به أبواب الحق على أنفسهم وقوله تعالى: (لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) معناه لِمَ تصرِفون الناس عن سبيل الله تعالى وهو سبيل النور وسبيل الحق، فالصد هو الصرف والمنع، والحيلولة بين الشخص والوصول إلى الأمر؛ و " سبيل الله " هي السبيل التي وضّحها وبينها سبحانه، وهي الصراط المستقيم الذي يوصل إلى رضاه سبحانه، وإذا كان أولئك يحاولون منع الناس من الطريق الذي رسمه العلي الكريم وحد حدوده فقد عاندوا إرادة الله وحادوه، ومن يحادّ الله تعالى فإنه مغلوب لَا محالة، وقد وصف حالهم في الصد عن سبيل الله فقال: (تَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي ترغبون العوج لها، أي تريدون أن تكون ملتوية غير واضحة ولا بيّنة في أعين المهتدين، كما التوت نفُوسُكم، وحالت عيونكم، فلم تدرك الحق مستقيما بعد أن قامت بيناته، أو المراد تبغونها أي تطلبونها معوجة حائلة، أي لَا تتجهون في طلبها بقلب سليم، فتكون معوجة لاعوجاجكم.
وقد قال الزمخشري في معنى هذه الجملة السامية: " فإن قلت: كيف تبغونها عوجا، وهو محال؟ قلت: فيه معنيان؛ أحدهما: أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها عوجا بقولكم: إن شريعة موسى لَا تنسخ، وبتغييركم
стр. 1680
صفة رسول الله ﷺ عن وجهها، ونحوا ذلك. والثاني أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لَا يتأتي لكم من العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم ".
وهذا الكلام في جملته قريب منه ما بيناه آنفا.
ومعنى قوله تعالى: (وَأَنتمْ شُهَدَاءُ) والحال أنكم شهداء عالمون بالحق علم من يعاين ويشاهد ويحكم بأنه الحق والصواب، فهو جحود عن علم، وكفر ليس عن جهل، وإيغال في الكفر بالصد عن سبيل الله، وبينات الحق بين أيديكم وأماراته مُعلِنَة له في أيديكم.
والاستنكار التوبيخي متجه إلى جملة حالهم، ومعنى كلامه السامي سبحانه: لِمَ تصرفون الناس عن طريق الحق، وتبغون الاعوجاج، أو توهمون الناس أن فيه عوجا والتواء، والحال أنكم تشهدون بالحق الذي اشتمل عليه، وتعلمه علم المعايش الذي يراه ويحسه، ولقد أنذرهم سبحانه بعد ذلك بقوله تعالى:
(وَمَا اللَّه بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ) هذا نفي مؤكد لإهمال الله تعالى عملهم، وغفلته عنهم ومما يضمرون ويفعلون، وقد تأكد النفي بالباء الزائدة التي تفيد توكيد النفي، وكان ذلك النفي المؤكد لبيان عاقبة أعمالهم، فإذا كان ما يفعلون في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فإنهم مجزيون به، محاسبون عليه، وهو من جنس ما صنعوا، وما صنعوا بكفرهم وصرفهم الناس عن طريق الله تعالى، وطريق الحق - إلا شرا، وإلا خسارا يعود عليهم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يعود بالفشل والذلة، وفي الآخرة عذاب الهون بما كانوا يكسبون.
ولقد حذر الله سبحانه المؤمنين مما يريدونه بهم. فقال سبحانه:
* * *
стр. 1681
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)
* * *
كان نزول هذه الآية وما وليها من آيات بعد تلك المحاولة التي حاولها الشيخ اليهودي في التفرقة بين الأوس والخزرج، والتي هَمَّ الفريقان بسببها أن يتشاجرا بالسيوف لولا أن نبي الرحمة تداركهم قبل أن يفعلوا، وأدركوا بكلمات
стр. 1682
الرسول أنها نزغة الشيطان، فحذرهم الله تعالى هذه النزغة مرة أخرى، وأمرهم بالحذر الشديد من اليهود خشية أن يكون فعلهم محاولة لما يريد أولئك الأشرار الذين ابتلى الله بهم البرية، ومطاوعة لمقاصدهم الآثمة، وصدر الخطاب بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تنبيها لخطر ما يدعوهم إليه، ولتحريك عناصر الإيمان في قلوبهم، فيكون منهم الحذر واليقظه، فإن الإيمان فطنة (١)، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين (٢)، ولأن علة الإجابة للطلب هي الإيمان، وفي قوله تعالى: (إِن تطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) عبر في الشرط بـ " إن " للإشارة إلى بعد وقوع الطاعة منهم لهؤلاء مع إيمانهم، لأن " إن " الشرطية تفيد الشك في وقوع الشرط، وبالتالي ترتب الجواب عليه، بخلاف " إذا " فإنها تفيد وقوع الشرط أو تؤذن بوقوعه وترتب الجواب عليه، كقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)، وقوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ)، وقوله تعالى: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)، وذكر الذين يحاولون إركاس المسلمين في الفتنة وتضليلهم، بأنهم فريق من الذين أوتوا الكتاب؛ لأنهم لم يكونوا كلهم، ولأنه يرجى الإيمان من بعضهم. بدل الاستمرار على الغي والفساد؛ ووصفهم : بأنهم أوتوا الكتاب للإشارة إلى أن تضليلهم مقصود، وأنهم أهل معرفة، ولكنهم استخدموها للضلال والتضليل، فصاروا بهذا كالأنعام بل أضل سبيلا؛ لأن المعرفة إن لم تكن لنصرة الحق كان الجهل خيرا منها؛ لأنه أدنى إلى المعذرة.
وقد رتب سبحانه على الطاعة المفروضة التي حذر منها نتيجتها إن وقعت، ولا تقع من مؤمن بحمد الله تعالى فقال سبحانه: (يرُدُّوكُم
стр. 1683
بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) وفي هذا يعبر بقوله (يَرُدُّوكم) ولم يقل (ترتدوا) والمعنى متلاق، ولكن الأول في بيان تسلط الكفار على قلوب أهل الإيمان في حال تلك الطاعة، فهو نوع آخر من التحذير منهم؛ لأنهم كالشياطين، فعلى كل مؤمن أن يحذرهم.
أما الارتداد فإنه يكون انبعاثا من نفس المرتد، بضلاله هو لَا بتأثير من غيره.
وفى الجملة النص السامي الكريم سيق لتحذيرهم من ذلك العدو الذي اختلط بهم، وأخذ ينفث سموم الشر، وسموم التفرقة بينهم، وأنهم يعودون إلى الكفر إذا استجابوا لدعوته، ومكنوا لسمومه من أن تصل إلى قلوبهم، ولقد بيَّن سبحانه بعد ذلك أنه ما كان يسوغ لهم أن يستمعوا إلى دعوات الأعداء، ويفتحوا الباب لتدبيرهم الخبيث، ورسول الله فيهم فقال:
* * *
стр. 1684
(وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ... (١٠١)
* * *
الاستفهام هنا للتعجب أو للإنكار، ومعنى التعجب فيه هو أنه لَا يُتَصَوَّر أن يكون منكم كفر، ولو تصور لكان موضعا للعجب والاستغراب؛ لأن آيات الله تتلى عليكم، ورسوله بين ظهرانيكم، ويردكم للحق إن زغتم، وتهديكم آيات الله البينة إن ضللتم، وهذا فيه ما يومئ إلى إلقاء اليأس في قلوب اليهود من أن يصلوا إلى ما يبتغون من إيجاد الفرقة والانقسام بأمر جاهلي، وأما على اعتبار الاستفهام للإنكار فهو إما نفي للوقوع أي أنه لَا يمكن أن يقع منكم الكفر، ورسول الله بينكم، وآيات الله تتلى عليكم، وإما أنه نفي للواقع، فيكون للعتب، والمعنى كيف سوغتم لأنفسكم أن تفتحوا قلوبكم لأسباب الكفر التي ابتغاها اليهود بالاستماع إلى كلماتهم المفرقة، فيكون الإنكار لما وقع باعتباره كان يؤدي إلى الكفر، فيعودون إلى ما كانوا عليه في الجاهلية يضرب بعضهم رقاب بعض)، فإذا كان الإنكار للواقع يكون الإنكار للسبب الذي وقع ويؤدي إلى السبب وهو الكفر، لا أن الكفر قد وقع.
стр. 1685
والإنكار أو التعجب أساسه الحال التي هم عليها، وهي كونهم في حضرة الرسول ﷺ وهو يتلو عليهم الآيات، فالمعنى كيف تكفرون أو يتصور منكم الكفر، أو يسوغ لكم أن تسيروا في أسبابه، وآيات الله تتلى عليكم بلسان رسول الله ﷺ لا بلسان أحد سواه، ويقول الزمخشري في توضيح هذا: (تتلى عليكم على لسان رسول الله ﷺ غضة طرية، وبين أظهركم رسول الله ﷺ ينبهكم ويعظكم ويزيح شبهكم).
والخطاب في الآية: (وَكَيْفَ تَكفُرونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكمْ آيَاتُ اللَّهِ) - كما يبدو من عبارات الزمخشري وغيره - خاص بالمؤمنين في عصر النبي)، وهم الذين شاهدوا النور المحمدي وشافهوا الرسول ﷺ ، وإن ساعة في حضرة النبي ﷺ تغني عن اجتهاد سنين، كما قال أبو حنيفة ﵁. ويصح أن يكون الخطاب لكل المؤمنين، وتكون الآيات تتلى على لسان القراء والعلماء من بعده، وهي ستتلى إلى يوم القيامة: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) وأما وجود الرسول في الأخلاف فإنه يكون بوجود سنته النبوية الشريفة، وإنه إن كان الاحتياط يكون أشد - لَا يخلو من فضل ثواب إن سلم القلب واهتدى العقل وتحصنت النفس، وقد روى البخاري أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوما: " أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا: الملائكة، فقال ﵊: [" وكيف لَا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟!! قالوا: فنحن؟ " وكيف لا تؤمنون، وأنا بين أظهركم؟! " قالوا: فأي الناس أعجب إيمانا؟ قال: " قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها "].
(وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) بعد أن بيّن سبحانه ما يحاوله اليهود وما يتمنونه وهو أن يضلوا المؤمنين كما قال تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩).
- أخذ يبين سبحانه طريق العصمة من مكايدهم، ويغلق أبواب القلب حتى لا يتأثر بما يحاولون أن يفسدوه به، فقال سبحانه: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ) أصل