← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

المنصوص عليه في الآية هو ربا الجاهلية، وهو الذي ذكره النبي ﷺ في خطبة الوداع، إذ قال: " ألا إن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب " (١) ويبين بهذا أن المضاعفة هي في الزيادة لَا في أصل الدَّين، فهي التي لتضاعف سنة بعد أخرى، وذلك هو معنى اللفظ في واضح معناه؛ لأن المضاعفة في الآية موضوعها الربا، والربا ليس هو أصل الدَّين، إنما هو الزيادة عليه، وإن كلمة الربا مرادفة لكلمة الفائدة في لغة الاقتصاديين، فإذا قال قائل: لا تأكلوا الفائدة أضعافا مضاعفة، أفيكون المراد مضاعفة الدين أم مضاعفة الزيادة؟ وإن ضِعف الشيء معناه مثله ومعنى الإضعاف إضافة أمثاله، ومعنى ضاعفها أكثر من الإضعاف سنة بعد أخرى. وهذا النوع من الربا هو الذي يسمى في لغة الصحابة والفقهاء بالنسيئة، وهو حرام لَا شك، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل إنه يكفر من يجحد تحريمه، وقال ابن عباس: لَا ربا إلا ربا النسيئة. ويقابل ربا النسيئة ربما البيوع، وهو المنصوص عليه في حديث: " البُر بالبُر مثلا بمثل يدا بيد، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد، والفضة بالفضة مثلا بمثل يداً بيد، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزداد فقد أربى " (٢) وقد اتفق العلماء على أن بيع هذه الأصناف لابد أن يكون بغير زيادة إذا كانت بمثلها كقمح بقمح، ولابد من قبضها، وإذا اختلف الجنس كقمح بشعير جاز الزيادة، ولابد من القبض في المجلس، والتأخير يسمى ربا النَّساء، والزيادة المحرمة تسمى ربا الفضل، وما يماثل هذه الأصناف يكون لها مثل حرمتها كالأرز، والزيت ونحو ذلك، وقد اختلفوا في تعيين من يماثلها اختلافا طويلا قد دون في كتب الفقه، وأقرب الآراء في نظري هو قول حذاق المالكية: " إن علة التحريم هو الثمنية والطعم معا قبل

стр. 1787

الادخار؛ لأن نظام المقايضة في هذه الأموال يؤدي إلى احتكارها في يد منتجيها، ويريد الإسلام الاتجار فيها بتوسيط النقدين لكيلا يكون تغرير ولا غرر، ولذلك قال بعض الصحابة للنبي ﷺ : عندي تمر وأريد رطبا، فقال ﵊: " بع التمر واشتر الرطب " (١). ولا شك أن ذلك يمكن من ليس عنده تمر ولا رطب من أن يأكل، ولأن السعر يكون مضبوطا، وتحريم المقايضة في الذهب والفضة إلا بالمثل لأنهما مقاييس لضبط قيم الأموال فلا يصح أن تكون موضع اتجار حتى لا يقيد التقويم. وربا الجاهلية المنصوص عليه في الآية يحرم كل زيادة قلت أو كثرت، أيا كان سبب الدين، إذ يقول سبحانه في آخر البقرة وهيِ آخر آيات الربا نزولا: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ). وقد ادعى بعض الذين يريدون أن يطوعوا الشريعة لتخضع للنظام الربوي اليهودي القائم - أن ربا القرآن هو ربا الديون الاستهلاكية أي الديون التي تقترضها لغرض: ليأكل أو ليسكن أو ليشترى ثيابا، وذلك قول باطل؛ لأن تخصيص عموم القرآن لَا يكون بالتحكم في عباراته، بل يكون تخصيصه بنصوص، أو بقواعد مستمدة من نصوص الدين عامة، ولأن العرب لم تكن حياتهم عريضة،؛ لأن عيشهم كان ساذجا ولم يكن معقدا، إذ حياتهم تقوم على التمر واللبن وسكنى الأخبية، فلماذا يكون الاقتراض للاستهلاك؟! ولأن ربا الجاهلية كان حيث التجارة، فقد كان في مكة والمدينة وهما يتجران كما هو ثابت في التاريخ إذ ينقلان بضائع الروم إلى الفرس، وبضائع الفرس إلى الروم عن طريق القواقل في الصحراء، وقد قال الله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)، ولأن الدائنين الذين كانوا يرابون في الجاهلية لَا يتصور منهم أن يجيئهم محتاج للمال ينفقه في حاجاته الضرورية

стр. 1788

فيمتنع عن إعطائهم إلا بربا، فهذا العباس الذي كان يسقي الحجيج جميعا نقيع الزبيب والتمر لَا يتصور منه أن يجيء إليه محتاج، فلا يعطيه إلا بفائدة، إنما يتصور أن يعطي تاجرا يتجر في ماله ولا يحد له الكسب إلا بزيادة محدودة مستمرة لَا بنسبة من الربح؛ ولأن المدينين الذين جاءت الأخبار بذكرهم لم يكونوا من الفقراء، بل كانوا من التجار، فبنو المغيرة الذين كانوا مدينين لبعض ثقيف هم تجار لَا فقراء. وبهذا يتبين أن تحريم الربا في الإسلام لإيجاد نظام اقتصادي تمنع فيه الأزمات، وقد بينا ذلك من قبل في عدة بحوث ومقالات، ولذا قال سبحانه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكمْ تفْلِحُونَ). أي اجعلوأ بينكم وبين غضب الله تعالى وقاية، فأطيعوه في أوامره ونواهيه، ولا تحاولوا التخلص منها بما تزعمون من أوهام لَا أصل لها، فلا تأكلوا الربا، ولا تعينوا عليه، ولا تحرفوا الكلم عن مواضعه، لعلكم تفلحون، أي لترجوا أن تنالوا الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة، وهذه إشارة إلى أن تحريم الربا فيه صلاح الدنيا، وأن أولئك الذين يزعمون أن المصلحة في إباحته في عصرنا ويتأولون الشريعة ليخضعوها لتلك المدنية الآثمة، واهمون في معنى المصلحة، لأن علماء الاقتصاد يقررون أن نظام الفائدة هو سبب الأزمات، وهو نظام مؤقت حتى يجدوا ما يحل محله، وعندنا نظامنا، وأكثر البلاد الخاضعة للنظام الروسي أو آخذة به حرمته، والاشتراكية الوطنية الألمانية قبل الحرب حرمته، ولم يضر مصلحتها شيء، بل حمت مصالح البلاد:

стр. 1789

(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي اجعلوا بينكم وبين النار التي أعدها الله تعالى للكافرين وقاية من الطاعة، ولا تنحرفوا عن الشرع ومقاصده إلى أهواء الكافرين ومنازعهم، وقد اقترنت هذه الآية بآية تحريم الربا لتهديد المعاندين أو الذين يمارون في الشرع ويجادلون فيه، وهذا كقوله تعالى في آية تحريم الربا في البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)

стр. 1790

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. . .)، فالذين يأكلون الربا أو يدعون إليه، أو يسهلون أمره أو يوطئون أحكام الشريعة لأحكام الكافرين يحاربون الله ورسوله. * * *

стр. 1791

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) * * * جاء الأمر بالطاعة لله ولرسوله بعد ذلك النهي القاطع، لأن ما يتعلق بالأموال يتحكم فيه الأهواء، وتستولي عليه المنازع المختلفة فيكون مظنة العصيان بتأويل فاسد، أو تحريف مقصود، أو انحراف بسبب الطمع فينساق الشخص في طاعة من لَا يطاع، ويترك طاعة الله والرسول، وفى ذكر طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله في قرن واحد إشارة إلى أن طاعة الرسول طاعة الله، وأن الرسول مطاع فيما يقول عن الله، ومعنى النص: أطيعوا الله والرسول رجاء أن تكونوا في رحمة لَا في شقاء، وفي هذا إشارة إلى أن تحريم الربا فيه رحمة عامة شاملة، اللهم اجعلنا في طاعتك وطاعة رسولك دائما. * * * (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) * * *

стр. 1792

هذه الآيات موصولة بالآيات التي قبلها إذ الآيات التي قبلها ختمت بالأمر بطاعة الله ورسوله، فقد قال سبحانه: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكمْ ترْحَمونَ) وفى هذه الآيات بيان معنى هذه الطاعة المطلوبة التي تؤدي إلى التراحم والتواصل والتواد، ولذلك كانت هناك رواية بالقراءة من غير وصل بالواو (سَارِعوا) (١) بدل) وَسَارِعوا. وإن رواية القراءة من غير وصل واضحة من حيث النسق في أنها تفصيل لمعنى الطاعة المطلوبة، والقراءة المشهورة التي عليها القراء السبعة فيها ما يدل على أنها لبيان معنى الطاعة بالمعاني لَا بالنسق.

стр. 1793

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ من رَّبِّكُمْ) المسارعة هنا معناها المبادرة والاتجاه الذي لا تراخي فيه، ومعنى المسارعة إلى مغفرة الله تعالى المبادرة باتخاذ طريقها، بأن يطهر قلبه من المعاصي ونفسه من الأدران، ويتجه إليه سبحانه بقلب سليم قد رحض عنه المعاصي كما رحض الثوب من الأوساخ، ولقد فسر ذو النورين قوله تعالى (إِلَى مَغْفِرَةٍ من رَّبِّكُمْ) بالإخلاص، أي بادروا بالإخلاص وتنقية القلوب إلى مغفرة الله تعالى فإن ذلك هو الطريق المستقيم لطلب رضا الله تعالى، ولقد عظَّم شأن المغفرة التي ينبغي طلبها والاتجاه إليها فذكر بأنها تجيء من ربكم الذي خلقكم ونماكم ورعاكم، فهي مغفرة تعلو بعلو مصدرها وهي الأمان والاعتصام. ويلاحظ أن القرآن يعدى المسارعة في الخير بـ " إلى "، والمسارعة في الشر بـ " في "، فيقول سبحانه: (يسارعون في الكفر)، ويقول هنا: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ)، لأن المسارعة في الكفر تنقُّل في براثنه فهم في قبته المظلمة التي تحيط بهم يتنقلون بالضلال في أرجائها، وهم في مرتبة واحدة، أما المسارعة إلى الخحِر، فإنها انتقال من رتبة إلى رتبة، ومن مقام صالح إلى مقام أصلح منه.

стр. 1794

(وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) هذا عطف على مغفرة، وفيها إشارة إلى أن مغفرة الله سبحانه تُطلب وحدها؛ لأن فيها طلب رضا الله تعالى، ورضا الله تعالى أكبر غايات المتقين، ولذا قال تعالى في جزاء المتقين: (وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكْبَرُ). فأكابر المتقين يطلبون رضا الله لذاته لا خوفا من ناره ولا طمعا في جناته. فالمطلب الأكبر هو المغفرة، والمطلب الذي يليه هو " جنة عرضها السماوات والأرض " وهو ما يطلبه الذين دون الصدِّيقين والشهداء، والعَرض ضد الطول، وهو أقصر منه في الغالب، والنص لبيان سعة الجنة، لأنها رحمة الله تعالى بعباده الأتقياء، ولذا عبر عن هذه السعة بأوسع ما يدركه الحس، وأوسع ما يعلمه الناس من خلقه سبحانه، وقد يقول قائل: لِمَ ذكر العرض، ولم يذكر الطول، وهو أدل على الانفراج والبسط؟ والجواب عن ذلك أن ذكر العرض أبلغ في الدلالة، لأنه إذا كان عرضها كعرض السماوات والأرض فإنه يذهب العقل في إدراك طولها كل مذهب، ويتصور الكثير من الصور، وذلك كقول الله تعالى: (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ. . .)، فإنه إذا كانت البطانة من الحرير الثمين فكيف يكون ما فوق البطانة مما تراه الأعين ويسر الناظرين؛ وقد يقال إن ذكر العرض ذكر للطول فإن تنسيق البيان يوجب المساواة بين طول الجنة وطول السماوات والأرض، كما أن عرضها كعرضهما، ويكون ذلك من الإيجاز البليغ. وقد فسر أبو مسلم الأصفهاني - العرض هنا - بالأشياء القيمية المعروضة للبيع التي جمعها عروض، ومن ذلك قول النبي ﷺ : " ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس " (١)، ويكون المعنى على هذا التفسير أن الجنة في قيمتها وعلوها وسموها ومكانتها تعادل السماوات والأرض في قيمتهما، فهي الحياة وهي النعيم المقيم الدائم: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَقِينَ) أي هيئت ووضعت للمتقين، وهم

стр. 1795

الذين جعلوا بينهم وبين الشر وقاية أي جعلوا أنفسهم في حصن فلا مدخل للشيطان إليها، ولا سارب له في قلوبهم، وصار ذلك شأنا من شئونهم حتى كان وصفا وحالا دائمة مستمرة لهم. وقد أخذ بعد ذلك يبيّن الصفات التي رفعتهم إلى هذه الرتبة، والتي جعلتهم يصلون إلى هذه المنزلة فذكر خمس صفات كلها ذات صلة وثيقة ببناء مجتمع سليم قوى ثابت، وقد ذكر الصفة الأولى فقال سبحانه: * * *

стр. 1796

(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ... (١٣٤) * * * ومعنى النص السامي أنهم ينفقون، ويتجدد إنفاقهم آنًا بعد آنٍ، ولذا عبر المضارع؛ لأن التعبير بالمضارع يفيد التجدد المستمر، والتعبير بالماضي يفيد الواقع المنقضي، ومعنى قوله تعالى: (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) أنهم ينفقون في حال مسرتهم، وحال مساءتهم، وهذا يشمل أحوالا كثيرة، فهم ينفقون في حال الغنى والفقر واليسر والعسر، وكل حال بمقدارها، وفى حال الصحة والمرض، وفي السرور والحزن، وحال عرس أو مأتم أو حبس، والمغزى في هذا أنه لَا تشغلهم أنفسهم عن حاجة الناس إليهم أو إلى أموالهم، ولا تشغلهم همومهم الخاصة عن هموم الناس، والإنفاق منهم ليس لمناسبات تعرض وتزول، ولا لأحوال تجيء ثم تحول، بل هو لطبيعة ثابتة فيهم مستقرة غير مفترقة لَا تزايلهم. وقدم الإنفاق على غيره من الصفات، لأنه وصف إيجابي وما عداه سلبي أو يتصل به، والإيجابي في أكثر أحواله أشق من السلبي، ولأنه أدل على الإخلاص، ولأنه في صدر الإسلام كان المجتمع أشد احتياجا إليه من غيره، إذ كان الفقر كثيرا، وكانت الحاجة إلى المال في الجهاد أشد؛ إذ كان ذلك ابتداء دولة، ولذلك قرن الأمر بالإنفاق بالنهي عن التعرض للتهلكة، فقال تعالى: (وَأَنفِقوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلكَةِ. . .). (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) كظم الغيظ أن يمسك على ما في نفسه، فيحملها على الصبر، ولا يظهر أثر لهذا الغيظ، ولقد قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: (الغيظ أشد الغضب وهو الحرارة التي يجدها

стр. 1797

الإنسان من فوران دم قلبه). والغيظ بلا شك يدفع إلى الثورة وهي مظاهر الغضب فكظمه إبقاؤه في النفس وعدم ظهور آثاره في القول أو في الفعل، وأصل كظم من كظم السقاء إذا ملأه وسد فاه، والكظامة ما يسد به مجرى الماء، وكظم البعير إذا لم يجتر. وإن هذا الوصف ليس فيه منع للألم الذي يحدث من الأذى، بل إنه يدعو إلى كبح جماح الغضب ومنع نفسه من الاسترسال في مجاوبة الشر بمثله، وإن هذا لَا ينال إلا بشق الأنفس وقوة الإرادة: ولذلك قال النبي ﷺ : " ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " (١) ولقد اعتبر النبي ﷺ أقرب القربات ألا يغضب، واعتبر أن إبعاد المؤمن الغضب عن نفسه إبعاد لغضب الله تعالى عليه، فقد سأله أنس ﵁ عما يبعد غضب الله تعالى، فقال له ﵊: " لا تغضب " (٢). وإن غضب المؤمن يجب أن يكون لأجل حقوق الله، وغيظه يجب أن يكون لانتهاك حرمات الله تعالى. ولقد قال النبي ﷺ : " ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله تعالى " (٣). هذا هو الوصف الثاني من أوصاف المتقين، أما الوصف الثالث فهو العفو، وهو ثمرة لكظم الغيظ، وإنه يجب أن يكون معه لأن الغيظ الشديد إذا لم يصحبه عفو فإنه يمض القلب، ويفسد النفس، وينهك القوى فلابد أن يقترن بالكظم العفو لمصلحة الشخص ولمصلحة الناس، ولكيلا تتولد الإحن (٤)، وتتكاثر المحن، وليس العفو هو الستر على الجرائم العامة، فإن الجرائم العامة إذا ظهرت وجب

стр. 1798

العقاب لأنه تقليم لأظفارها، وقطع لآثارها فلا يصح العفو عن زان يعلن جريمته، ولا عن سارق اعتاد السرقة واستهان بالحرمات، وروع الآمنين، كما لا يصح العفو عن فساق الألسنة، الذين يقذفون الناس، ويرمونهم بالسوء، ويعملون بذلك على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فإن العفو في هذه الأمور استهانة بحرمات الله تعالى، إنما العفو المطلوب هو الذي يكون في أنواع الأذى الشخصي وهي التي ينطبق عليها قول الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، وقوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، ولقد ذكرت عائشة في وصف النبي ﷺ أنه كان لَا يغضب إلا أن تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لَا يقوم لغضبه شيء حتى ينتقم لله (١). ولقد ختم سبحانه هذه الآية بقوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وهي الصفة الرابعة، وقد ذكرها الله بهذه الصفة لتوجيه النظر إليها، ولبيان أنها أعلى منازل التقوى، وأنها تنال بها محبة الله تعالى، والإحسان معناه الإتقان والإجادة، وهو يطلق في عبارات القرآن الكريم بإطلاقين: أحدهما أن يراد به الإجادة المطلقة في كل ما يطالب الله تعالى به عباده، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، وقوله ﷺ إحسان العبادة: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (٢). والثاني: أن يكون العمل أكثر من المكافأة، فهو لَا يكافئ بالعدل بل يزيد، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإيتَاءِ ذي الْقرْبَى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ. . .)، وقوله تعالى: (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ. . .)، والإحسان بالإطلاق الأول يتعدى بنفسه ويذكر بجواره العمل، والثاني يتعدى بـ " إلى " ويذكر بجواره المحسن إليه، وأقرب الإطلاقين في

стр. 1799

الآية الكريمة هو الثاني، فإنها تومئ إلى أن البر التقي يكظم غيظه، ويعفو عمن ظلمه بل يحسن إليه إن كان للإحسان موضع، وإن الله أمر أهل الفضل بألا يذهب غيظهِم بإحسانهم فقد قال تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. . .)، فقد نزلت هذه الآية عندما حلف أبو بكر ألا يعطي بعض قرابته الذين خاضوا في حديث الإفك بالنسبة لعائشة زوج رسول الله ﷺ وإن هذه الدرجة هي أقصى ما تصل إليه السماحة البشرية، وهي لا تكون إلا لنفس محبة للناس، ولذلك كانت المكافأة هي حب الله تعالى: * * *

стр. 1800

(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ... (١٣٥) * * * هذا هو الوصف الخامس من أوصاف المتقين الذين أعدت لهم الجنان التي عرضُها كعرض السماوات والأرض، والفاحشة هي المعصية الزائدة التي تكون خارجة على مقتضى الطبيعة الإنسانية الفاضلة، وقد غلبت على الزنا، وبذلك فسر بعض العلماء الفاحشة هنا، وعلى هذا الرأي يكون المراد من قوله تعالى: (أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) كل ذنب غير المعصية، وقال آخرون: الفاحشة الذنب الكبير، وظلم النفس الذنب الصغير، وبعض المفسرين يقول الفاحشة ما يتعدى أذاها إلى غيره، وظلم النفس ما لَا يتجاوز الأذى نفسه، ويكون هذا كقوله تعالى: (وَمن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ. . .)، وهذا كله على أن الفاحشة وظلم النفس أمران متغايران؛ وبعض العلماء على أنهما وجهان للمعصية، وأن كل معصية كبيرة فيها هذان الوجهان وتكون " أو " بمعنى " الواو "، ويكون المعنى: من يرتكب فاحشة ويظلم نفسه، ويتذكر ألله عند ارتكابها فيعود إلى ربه يكون من المتقين؛ وإلى هذا نميل، والتعبير بصيغة الشرط (إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ) يفيد اقتران الجواب بالشرط، أي أن ذكر الله يكون عند الارتكاب ولا يكون بينهما تراخ يجعل الشر يفرخ في النفس، فالتوبة إلى الله تكون فور الارتكاب لَا تراخي بينهما ولا يستمر في المعصية حتى تحيط به خطيئته، وهذا ما صرح الله تعالى به في

стр. 1801

قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧). ومعنى قوله تعالى: (ذَكَرُوا اللَّهَ) أي تذكروا أوامره ونواهيه وتذكروا عظمة الله تعالى وجلاله وقوته، ولذكر الله تعالى مرتبتان (إحداهما) ذكر أوامره ونواهيه وما أعده للمذنبين وما أعده للمتقين (والثانية) وهي العليا ذكر جلاله وعظمته وعلمه بما تخفي الصدور وهذه لَا ينالها إلا الأبرار المقربون. وإن ذكر الله تعالى لابد أن يتبعه لَا محالة الاستغفار والإنابة، ولذا عقبه سبحانه بقوله: (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) فهو ثمرة ملازمة ونتيجة محتمة للذكر. (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوِا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الكلام موصول بالكلام السابق، وقوله تعالى: (ومن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) فيه بيان إجابة الاستغفار وفِيه بيان أنه لَا مفزع من الله إلا إليه، ولذا يقول الزمخشري في قوله تعالى: (ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه) " وصف لذاته بسعة الرحمة وقرب المغفرة، وإن التائب من الذنب عنده كمن لَا ذنب له، وإنه لَا مفزع للمذنبين إلا فضله، وأن عدله يوجب المغفرة للتائب لأن العبد إذا جاء في الاعتذار والتنصل بأقصى ما يقدر عليه وجب العفو والتجاوز، وفيه تطييب لنفوس العباد وتنشيط للتوبة وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وإن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل وكرمه أعظم ". وذلك كلام مستقيم لولا أنه أوجب المغفرة حيث التوبة، والله تعالى لا يجب عليه شيء، وإن رحمة الله بعباده مع علمه بطبيعة تكوينهم الذي يتنازعه الخير والشر جعلت المغفرة قريبة، ولذا ورد عن النبي ﷺ أنه قال: " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم " (١) وشرط الاستغفار المجاب ألا يصر المذنب على ذنبه، ولذا قال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي لم يصروا على الفعل الذي فعلوه بأن تكون

стр. 1802

عندهم النية إلى العودة إليه، وقد فعلوه وهم يعلمون أمر الله تعالى فيه ونهيه، ولذلك قال العلماء: (لا توبة مع الإصرار) وإن الاستغفار مع الإصرار ذنب في ذاته وقد قال الحسن البصري: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار) وإن من الإصرار على الذنوب أن يعلن التوبة، وللناس عنده مظالم لَا يردها، فحقوق العباد لا تقبل التوبة فيها إلا بعد ردها إلى أصحابها، وإن التائب المعترف بذنبه المستكبر له التائب عنه مقرب إلى ربه حتى إن الصوفية يقولون: (إن معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت دلا وافتخارا). * * *

стр. 1803

(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ... (١٣٦) * * * أي أولئك الذين اتصفوا بهذه الصفات بسببها قد استحقوا برحمة الله تعالى جزاءهم وهو ثلاثة: أعلاها مغفرة من ربهم الذي خلقهم وهذه المغفرة دليل رضاه، وهو أعلى جزاء، والثاني الجنات التي تتوافر فيها أنواع النعيم، وثالثها الخلود، فهو نعيم ليس على مظنة الانتهاء، إذ إن توقع الزوال ينقص من قدره، ولذلك قال بعد ذلك سبحانه: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) أي ذلك الجزاء جدير بأن يُرغب فيه، ويتنافس فيه المتنافسون، ويطلبه كل عارف لحقيقته لم تلهه الدنيا بما فيها، فذلك المدح للحث على طلبه والعمل على استحقاقه وعدم التخلف عن الاتجاه إليه، اللهم اغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. * * * (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) * * *

стр. 1804

أشار سبحانه في الآيات السابقة إلى غزوة أحد وإمداد الله بالملائكة للمؤمنين في الحروب إن صبروا في اللقاء، ولم يختلفوا على قائدهم في المعركة، وجعلوا ما عند الله تعالى الغاية والمرمى، ثم ذكر من بعد ذلك سبحانه ما هو دواء القلوب، وغذاء الإيمان، وهو الطاعة والتعاون، وألا يأكل أحد حق أخيه أو ماله بالباطل، وأن المال الحلال هو قوة الحروب، والمال الحرام كمال الربا سُحت، وطلبه من ضعف الإيمان، ويربي خور العزائم إذ إن شهوة المال، والشجاعة وحب الفداء خلال لَا تجتمع في قلب رجل واحد، ثم بين سبحانه أن أعظم الذخائر هو تربية النفوس على التقوى وطلب مغفرة الله . ولقد جاء بعد ذلك الكلام على أثر غزوة أحد في نفوس المؤمنين، وقد نهاهم سبحانه عن الضعف والوهن والحزن، وأمرهم أن يتخذوا من الهزيمة سبيلا للنصر، وإنها سنة الله في خلقه فعليهم أن يخضعوا لها ويقروا في ذات أنفسهم بها، ولذا قال سبحانه:

стр. 1805

(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ). " خلت " معناها مضت وثبتت وتقررت، والسنن جمع سنة، وهي تطلق بمعنى الطريق المسلوك المعبد، وتطلق بمعنى المثال الذي يتبع، ولقد قيل إنها من قولهم سن الماء إذا صبه صبا متواليا فشبهت العرب به الطريقة المستقيمة المتبعة المستمرة، والمعنى أنه قد مضت وتقررت من قبلكم سنن ثابتة ونظم محكمة فيما قدره الله من نصر وهزيمة، وعزة وذلة، وعقاب في الدنيا وثواب فيها، فالحق يصارع الباطل، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنَّه سبحانه من سنة في النصر والهزيمة، من طاعة للقائد، وإحكام في التدبير، وقوة إيمان، واستعداد للفداء، وهكذا، (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩). وإن من سنن الله تعالى الثابتة ألا يمكن من الظلم وأن ينتصر أهل الحق إذا عملوا على نصرته، وتضافروا على إقامته ولم ينحرفوا عن طاعته، وأن أهل الباطل قد ينتصرون إن اتحدوا واستعدوا، فينالون الظفر لتخاذل أهل الحق

стр. 1806

وانقسامهم، أو إرادتهم عرض الدنيا، أو عدم الصبر على طاعة القائد العظيم كما كان الشأن في أحد. وإن من سنن الله تعالى أن يجعل العاقبة للصابرين الصادقين، فإن أَمْلى للكافرين سنة فإنه سيأخذهم من بعد أخذ عزيز مقتدر، وينصر عليهم أهل الحق، وإنما قدر الله تعالى نصرتهم الوقتية على أهل الحق ليصقل أهل الإيمان، وليهديهم هداية عملية إلى طريق الانتصار، وليميز من بينهم ضعيف الإيمان، ويظهر نفاق أهل النفاق، وبذلك تتبين الصفوة المختارة التي يعتمد عليها، ويذهب الذين مردوا على النفاق بنفاقهم، فلا ينخدع بهم أحد، ولا يرجفون بكيدهم في الجماعة، ولقد بين سبحانه لأهل الإيمان عاقبة المكذبين تثبيتا لقلوبهم، وتأييدا لهم فقال جل من قائل: (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذبِينَ). أي أنه إذا كانت سنة الله تعالى في خلقه، أو العاقبة دائما للمتقين، فسيروا في الأرض، فانظروا الحال التي قد انتهى بها الكاذبون. والتعبير بلفظ (كيف) الدال على الاستفهام يقصد به التصوير وتوضيح الحال في صورة تدعو إلى العجب وتثير الاستغراب، أي أن عاقبتهم التي انتهوا إليها من تدمير ديارهم، وتعفية آثارهم بعد أن طغوا وبغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، تثير العجب والدهشة لمن ضعف إيمانه، وتلقي بالطمأنينة والصبر والرضا لمن قوى إيمانه. وفى هذه الآية وأمثالها من الآيات التي تدعو إلى السير في الأرض والبحث لمعرفة أحوال السابقين دعوة إلى أمرين: أحدهما - دراسة تاريخ الأمم بشكل عام، فإن التاريخ كتاب العبر، وسفر المعتبر، وهو رباط الإنسانية التي يربط حاضرها بماضيها. والأمر الثاني - دراسة أحوال الأمم من آثارها فإنها أصدق من رواية الرواة وأخبار المخبرين، فقد يكون التاريخ المكتوب أكاذيب، أما الآثار فصادقة لمن يعرف كيف يستنطقها، وإن الملوك وأشباههم يزيفون الأخبار المنقولة، وإنه ليحكى أن

стр. 1807

أحد الملوك كلف كاتبا أن يكتب تاريخ دولته فسأل بعض أصحاب الكاتب عما يكتب فقال: " أكاذيب ألفقها وأباطيل أنمقها ". * * *

стр. 1808

(هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) * * * الإشارة في النص السامي إلى ما تضمنته الآية السابقة من الحث على السير في الأرض وتعرف سنن الله تعالى من آثار المكذبين الذين طغوا أولا ثم ذلوا وأُخذوا من حيث لَا يحتسبون - وقد ذكر أن هذا بيان للناس أجمعين، يدركه كل من له بصر يبصر به، وفهم يفهم به، وتحقق البيان لَا يقتضي تحقق أثره وهو المعرفة التي تهدي إلى الإيمان وتوجب الاتعاظ، إنما تكون الهداية من البيان والاتعاظ به للمتقين دون غيرهم، ولذلك جعل سبحانه البيان للناس جميعا، والهداية والموعظة للمتقين منهم فقط؛ إذ إن الهداية بالبيان تقتضي إشراقا روحيا، واستعدادا قلبيا، وإخلاصا في طلب الحقيقة، والموعظة وهي الاستفادة من العبر، تقتضي قلبا متفتحا لإدراك الحقائق والاتجاه إليها بقصد سليم، وذلك كله لَا يتوافر إلا للمتقين الذين أخلصوا أنفسهم لله، وطلبوا الحق، وسلكوا سبيله لَا يبغونه عوجا، ومثل البيان مثل البذر يلقى في الأرض، فإذا أصاب صحراء قاحلة جف ولم ينتج، وإذا أصاب أرضا خصبة أنبتت نباتا حسنا، وقد مثل النبي ﷺ العلم بالغيث وبين اختلاف الناس في تلقيه، فقال: " مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ " (١). وإذا كان الله قد بين هذا البيان فيجب على المؤمنين أن يعتبروا بسنن الله تعالى وأن يعرفوا أن ما أصابهم في أحد فبسنن الله، وعليهم أن

стр. 1809

يأخذوا الأهبة للمعركة القابلة، ولا تأسر تفكيرهم المعركة السابقة إلا بمقدار ما فيها من عظة وعبرة، ولذا قال سبحانه: * * *

стр. 1810

(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) * * * الوهن: ضعف النفس، وقد يؤدي إلى ضعف الجسم عن العمل، والحزن ألم نفسي يصيب الإنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه، أو عند نزول أمر يهم النفس، ويجعلها في هم دائم، ومعنى النهي عن الوهن والحزن - وهما أمران نفسيان - هو النهي عن الاسترسال في الألم مما أصابهم، والمغزى: لَا تسترسلوا في الهم والألم مما كان يوم أحد، فإن ذلك يؤدي إلى ضعفكم عن القتال، فليس النهي منصبا على أصل الوهن والحزن، ولكنه منصب على سببهما الذي هو في قدرة المؤمن وهو الاسترسال في الوهن والحزن. والآية الكريمة تضمنت ذلك النهي، وتضمنت بشارة وتسلية، كما تضمنت فوق ذلك بيان سبب النصر وهو صدق الإيمان. فاما النهي فقد بينا ما يتجه إليه، وأما البشارة والتسلية، فهي قوله: (وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ) فهي تسلية للنبي وأصحابه من حيث إن فيها بيانا لأنهم أعلى، ومعنى العلو أنهم قد كان لهم غلب أكثر مما كان للمشركين، فقتلى المشركين يوم بدر أكثر من قتلى المؤمنين يوم أحد، والمؤمنون في أحد ذاتها قد كانوا أعلى منزلة من الكفار؛ لأن قتلى المؤمنين في الجنة، وقتلى المشركين في النار؛ ولأن قتال المؤمنين في سبيل الحق، وقتال المشركين في سبيل الطاغوت، وأي علو للإنسان أكثر من أن يشعر بأنه يقاتل لنصرة الحق، ويغالب في سبيله، فإن الحق في ذاته عزة وعلو، وفوق ذلك في النص بشارة بأن العاقبة للمتقين، وهو العلو في الأرضِ كما قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةَ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ). وأما سبب النصر فهو صدق إيمان المؤمنين، فإن صدق الإيمان يصفي النفوس من أدرانها ويبعد عنها آثامها، ويجعل القصد هو إعلاء كلمة الحق، فيقدم

стр. 1811

المؤمن على القتال وهو يعلم أنه يفوز بإحدى الحسنيين الشهادة أو النصر، وكلتاهما غاية الطلب. فالآيات تساق لمقاصد سامية منها إلقاء البشرى، والتسلية والتعزية، فقد بيّن الله سبحانه أن ما أصاب المسلمين في أحد قد أصاب المشركين مثله، وفي ذكر ذلك دعوة إلى تجديد الجهاد بقلوب مستبشرة، ونفوس مطمئنة، فقال تعالى: * * *

стр. 1812

(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ... (١٤٠) * * * القَرْحُ بفتح القاف: الجرح، وبضمها: الألم الذي يترتب عليه، وقال الكسائي والأخفش: اللغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره، وبهما قرئت الآية (١)، ولقد جاء في المفردات للأصفهاني: (القرح الأثر من الجراحة من شيء يصيبه من الخارج، والقرح أثرها من الداخل، كالبثرة ونحوها). فالقرح على هذا أثر الجراحات في الظاهر، وبالضم أثرها في الباطن وإذا كان القرح هنا معنويا، فيصح أن نقول: إنه بالفتح ما يعقب المعركة من ألم واضح للهزيمة، وهو بالضم الغم والحزن الذي يستولي على النفوس حتى يكون النصر من جديد، وإن الظاهر هنا أن الفتح أوضح؛ لأن الله عبر عن أثره بأنه مس فقال: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) والمس إنما يتناول الظاهر فقط. والقرح الذي أصاب المشركين هو يوم بدر، وما أصاب المسلمين هو يوم أحد، وقد قرر الزمخشري أنه يجوز أن يكون القرح الذي أصاب المشركين هو يوم أحد، لأن المشركين قتل منهم عدد، فكان فيهم مقتلة كما في المسلمين فقد قال الله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّه وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهم (٢) بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تحِبُّونَ. . .).

стр. 1813

ولكن الظاهر هو الأول، ليتحقق معنى قوله تعالى في بيان سننه إذ قال: (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ). هذه هي الفائدة الأولى التي تستفاد مما أصاب المسلمين يوم أحد، وهذه الفائدة هي أن يروا سنة الله قائمة، فلا نصر يدوم، ولا هزيمة تدوم، لأنه لو دام النصر لكان الغرور، ومع الغرور الطغيان، ووراء ذلك الترف، وإذا أصاب الترف نفوس الشعوب ذهبت نخوتها وضؤلت قوتها كما توقع الصِّدِّيق خليفة رسول الله ﷺ للعرب عندما يتوالى انتصارهم: (والله لتألمن من النوم على الصوف الأذربى (أي صوف أذربيحان) كما يتألم أحدكم من النوم على حسك السعدان) (١). والداولة معناها تبادل النصر، وقد كان ذلك في أول الإسلام مرة واحدة لكيلا يأخذ الترف السابقين من المؤمنين، وفسر الزمخشري مداولة الأيام بتبادل النصر وقال: (المراد بالأيام أوقات الظفر والغلبة. نداولها: نصرفها بين الناس نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء)، وأصل كلمة نداول من الدولة، وهو مصدر لدال يدول بمعنى انتقل من حال إلى حال، أو من يد إلى يد، ومن ذلك قوله تعالى: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ. . .)، أي يتدولون المال فيما بينهم، ولا يصل إلى أيدي الفقراء منه شيء. والمعنى الجملي: فعلنا ذلك إجراء لسنة من سن ألله التي خلت من قبلكم وهي مقررة في قوله تعالى: (وَتلْك الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا) ولذا عطف عليه قوله تعالى: (ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ): هاتان فائدتان أخريان لما أصاب المسلمين يوم أحد، فأولاهما - تحقق علم الله تعالى وإظهاره المؤمنين الثابتين، والذين ينافقون، فمعنى علم الله تعالى هو تحقق ما قدره في الأزل، فيعلمه الناس، ويعلمه الله تعالى واقعا حاضرا، ولقد

стр. 1814

ذكر الزمخشري في تفسير علم الله في هذا المقام أنه على وجهين: أحدهما أن يراد تمييز قوى الإيمان من ضعيف الإيمان فيتميز الخبيث من الطيب، ويكون هذا من قبيل التمثيل، أي فعل الله تعالى ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم من غير الثابت، والوجه الثاني - أن يكون علم الله الذي ثبت بالواقعة هو علم الجزاء أي يتحقق فيهم جزاء الله تعالى وفي الحق أن المؤدى في الأقوال كلها واحد وهو أن يظهر صادقو الإيمان وينكشف نفاق المنافقين، ويعلن بذلك للناس علم الله تعالى المكنون. والفائدة الأخرى في الآية هي اتخاذ شهداء - أي وقوع الشهادة في المؤمنين أي قتل المؤمنين الذين يشهد لهم بالجنة ويشهد لهم بالفداء، وإن هذه فائدة؛ لأن هؤلاء يكونون مُثُلًا عليا في الفداء يَقتدِي بهم غيرُهم، ويستهينون بالموت في سبيل إعلاء كلمة الحق، وخفض كلمة الباطل، ولأن هذا يجعل المجاهدين يعلمون أن الحرب مع نصر الله غير خالية من الشدائد والاستعداد لها، والإصابة فيها. (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) إذا كان من هؤلاء الذين تقدموا للقتال من كانوا من أهل الحق، ومنهم من كان من أهل الدنيا، وقد علم الله تعالى الفريقين، فإنه لا شك أن الذين لم يثبتوا على القتال وقد دخلوا، والمنافقين الذين ثبطوا الذين آمنوا حتى همت طائفتان منهم أن تفشلا - ظالمون، وإذا كانوا ظالمين، فمن نتائج المعركة أن يتميزوا وأن يعلموا أنهم ليسوا من أهل الله، لأنهم فقدوا محبته، وفي هذا النص إشارة إلى ظلم الذين اتبعوا الغنائم، وتركوا موضع الرماية وكشفوا ظهر المؤمنين إذ إن هذا كان سبب الهزيمة، والله لَا يحب الظالمين، ولا يحب أفعالهم، ولذلك قدر الهزيمة مع هذا الفعل، فعلى القائد أن يختار جنده من الصفوة دون غيرهم، وبهذا يكون ذلك النص فائدة رابعة. * * *

стр. 1815

(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) * * * هاتان فائدتان، أولاهما تمحيص الذين آمنوا، والتمحيص هو التخليص، أي تخليص المؤمنين من ذنوبهم والمنافقين، وقد جاء في أساس البلاغة للزمخشري: " محص الشيء محصا،

стр. 1816

ومحصه تمحيصا خلصه من كل عيب، ومحص الذهب بالنار خلصه مما يشوبه "، والمعنى على هذا أن هذا القرح الذي أصاب المؤمنين خلصهم مما كان يشوب قلوبهم من أعراض الدنيا، وخلصهم ممن كانوا يخالطونهم من ضعاف الإيمان والمنافقين، إذ تبين خبثهم، فصاروا لَا يجدون لقولهم سامعا، ولا لدعوتهم إلى التردد والهزيمة مجيبا. والفائدة الأخرى قررها الله بقوله: (وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) أي ينقصهم، إذ المحق معناه النقصان، ومنه المحاق لآخر الشهر، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفي، والمعنى أن هذه الإصابة التي ترتب عليها تخليص المؤمنين من الشوائب يترتب عليها أن يختفي عَلَم الكفر فلا يظهر، وتنقص قوتهم فلا ينتصرون من بعد، لأن العزائم قد تحفزت حذرة لمنازلتهم، فكانت الهزيمة سبيلا للنصر، وكان الجرح سبيلا لإعلاء كلمة الله تعالى. هذه عبرة ساقها العزيز القدير لهزيمة المؤمنين يوم أحد، وقد نبه سبحانه إلى طريق الاستفادة من الهزيمة، بأن نخلص أنفسنا من شوائبها، ونمحص جماعتنا، فهل لنا أن نستفيد من ذلك؟! إن الله تعالى يداول بين الناس وقد دالت علينا الأزمان بما فعلنا وبما ظلمنا أنفسنا وباستخذائنا وضعفنا، وقد بدت البشائر بأن الدولة أوشكت أن تعود إلينا، اللهم أجعلنا ننتِفع بمواعظ القرآن، وهداية الرسول ﷺ : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦). * * * (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَمَا مُحَمَّدٌ

стр. 1817

إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) * * * هذه الآية موصولة بما قبلها؛ لأن موضوعهما واحد، إذ الكلام في أثر غزوة أحد في نفوس المؤمنين، ومداواة العزيز الحكيم لهذه النفوس بالعبر يسوقها، وسننه تعالى يبينها، وآياته في الآفاق والأنفس يكشفها، وقد بين في الآية السابقة مداولة الله سبحانه في الأمم بالنصر والهزيمة، وأن العاقبة للمتقين، وفي هذه الآيات يبين أن الجماعات تصقل بالمحن، والمجاهدين يتميزون عند وجود الشدائد، وأنه لَا تخلص النفوس وتطهر إلا بالاختبار الشديد، ولذا قال تعالى:

стр. 1818

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنةَ وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكمْ) " أم " هنا إما أن تكون للإضراب، ويكون المعنى: بل حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، والإضراب هنا معناه الانتقال من طريق للبيان إلى طريق آخر، ففي الأول بين العبر والسنن بطريق التقرير، وفي هذه الآية يبين سنة أخرى بطريق الاستفهام الإنكاري، وفيه فضل تنبيه وفضل تقرير، والمعنى: أن سنة الله تعالى في نعيمه أنه لَا يستحقه على كماله إلا من بذل المهجة في حياته، وصبر في السراء والضراء، وهذا كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ. . .). وكقوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْثَنونَ). ويصح أن تكون " أم " هنا. للمعادلة، أي تكون متصلة لَا منقطعة، ويكون المعنى على هذا: أعلمتم أن لله تعالى سننا في خلقه وأنه يداول النصر بين الناس،

стр. 1819

وأن الحرب لَا تخلو من فرح ونكاية، أم حسبتم وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير أن يصيبكم الجرح، وتدموا (١) في الحروب، ويكون منكم شهداء. وقوله تعالى: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ). المراد من العلم فيها المعلوم، أي ولا يستبن لكم أمركم، ويظهر لكم جهاد المجاهدين وصبر الصابرين، فالمعنى ظهور علم الله الواقع فيكم وبيانه لكم، وذلك لأن الله يعلم الأمور قبل وقوعها، فلا يتصور أن يكون غير عالم حتى تقع، بل المراد وقوع ما علمه الله تعالى وظهوره وكشفه وإعلانه مُحَسا واقعا، بعد أن كان خفيا لَا يعلمه إلا علام الغيوب، وقد تكلموا في الحكمة في أن الله تعالى عبر في نفي المعلوم الواقع بنفي العلم الثابت، فقال: (وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ) ولم يقل: ولا يقع معلوم الله، ونقول: إن حكمة ذلك هو تعليمنا بألا نحكم إلا بما يظهر ويقوم عليه الدليل المحسوس، ولا يحكم أحد بما يتوقع، فالله العليم بكل شيء يرشد إلى أنه يترك الحكم في الأمر حتى يقع ما حكم به محسوسا ملموسا. وقد نفى الله تعالى " العلم " بكلمة " ولا " وهي في معنى لم، بيد أنها تمتاز عنها بأنها تنفي الآمر في الماضي والحاضر، وتؤمى إلى وقوعه في المستقبل، ففي الآية إيماء إلى أن المعلوم وهو المجاهدون، لم يكونوا معلومين قبل الاختبار، وكانوا بعد الاختبار، وظهرت تلك الصفة فيهم. (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ). أي ويقع المعلوم الثاني الذي قدره الله تعالى، وهو أن يتميز الصابرون من غيرهم، فالابتلاء الشديد أظهر نوعين من الرجال: أولهما - المجاهدون الذين يخالدون ولا يفرون ولا يولون الأدبار، ولا يذهب ببأسهم قوة عدوهم، وفشل فريق من إخوانهم. والفريق الثاني الذي أظهره هم الذين صبروا ولم تذهب قلوبهم شعاعا، ولم يذهب تفكيرهم، ولم يضع رشدهم، ولم تطش أحلامهم، وقد يقول قائل: إن الجهاد يتضمن الصبر، كما قال النبي ﷺ : " إنما الصبر عند

стр. 1820

الصدمة الأولى " (١)، وإن الصبر عدة الجهاد الأولى، فلماذا خُصَّ الصابرون بالذكر، وخص الصبر بالتنويه، ونقول في الإجابة عن هذا السؤال: إن الصبر ولو أنه عدة الجهاد ينفرد بمعنى آخر غير الجلد والصبر تحت حر القتال وفي بريق السيوف، فإن الصبر يتضمن ثبات الفكرة واطمئنان القلب إلى الحقائق المقررة، وعدم طيش الأحلام، فإن الأخبار التي تثبط العزائم في الحروب إذا كانت كاذبة قد يصدقها المجاهد، ولكن شجاعته تدفعه إلى مواصلة القتال، وعدم التأثر، والصابر المطمئن النفس يمحص الأخبار في وسط الاضطراب النفسي، فإذا أشيع في ميدان القتال أن القائد قد قتل، كان الأبرار من الجند فريقين: أحدهما - المجاهدون الشجعان الذين يستمرون على القتال، ولو كان الخبر صادقا، ويندفعون في الميدان. والفريق الثاني المجاهدون الذين نالوا حظ الأولين وكان لهم مع ذلك قدرة على التأمل أصادق الخبر أم كاذب، وإذا كان صادقا حثوا غيرهم على الاستمرار وبينوا لهم أن الواجب صار أشد وأقوى وألزم، فهذا فريق الصابرين، وإن هذا النوع من الصبر هو أعلى أنواع الصبر؛ لأنه ثبات الجنان، وتحمل التبعات بأبلغ أحوالها وأشد صورها، فهو صبر في جهاد الفكر، وجهاد النفس، وتحمل عبء الجاهلين الأغرار، وتولى إرشادهم وتوجيههم. والنص يفيد أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان، إنما هو محفوف بالمكاره والشدائد، ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا، ولذا قال النبي ﷺ : " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات " (٢) وذلك لأن المعاصي أسبابها اندفاع الشهوات الإنسانية، وانطلاق الغرائز المنحرفة، فليس فيها جهاد بأي نوع من أنواعه، بل فيها تلذذ وانحراف، وأما الجنة فسبيلها جهاد للنفس ومغالبة للهوى، ومنازلة بين الحق والباطل، وتكليفات يجب القيام

стр. 1821

بها، وكل هذه مشاق يحتاج احتمالها إلى جهد في دائرة الطاقة، و (لا يكَلفُ اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. . .). ولقد أشار إلى أن المؤمن الصادق الإيمان يعرف طريق الجنة، وأن الموت في سبيلها هو شكر لنعمة الله تعالى فيما أنعم في الحياة الدنيا، وفيما ينعم في الجنات في الحياة الآخرة، وإن الذين قاتلوا في غزوة أحد الذين سيقت لهم هذه العبر يعلمون ذلك ويعرفونه ويؤمنون به، وينفذونه، ولذا قال : * * *

стр. 1822

(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ... (١٤٣) * * * كان المؤمنون يتمنون الموت حقا وصدقا، وصدق الله العظيم، ذلك أنهم كانوا يتشوقون للشهادة ويريدونها ويطلبون أسبابها، وفي غزوة أحد بالذات ما كان للنبي ﷺ رأى في الخروج من المدينة، ولكن شباب المجاهدين أرادوا اللقاء خارجها، فنزل ﵊ على حكم الشورى وقادهم، وما كانوا يريدون عرضا من أعراض الدنيا، ولا غاية لهم إلا أن ينالوا إحدى الحسنيين الظفر أو الشهادة، وفي كلتيهما إعلاء كلمة الحق، وخفض كلمة الباطل. ومعنى تمنى الموت: تمنى لقاء سببه وهو الحرب، وكان الله ينبههم إلى أنهم بتمنيهم لقاء الأعداء في الميدان يجب أن يفرضوا أن الموت ينالهم كما أن الحياة العليا قد ينالونها، فكان عليهم أن يتوقعوا الموت عند تمنى اللقاء، وأن يعلموا أن تمنيهم للقاء هو في ذاته تمن للموت، وأن تمنى الموت هو سبيل النصر وطريق الظفر، فإن الشجاع هو الذي يدخل الميدان طالبا الشهادة، فإنه لا يموت إلا إذا قتل عددا، ولقد وُصِفَ فارس الإسلام علي ﵁ بأنه كان إذا تقدم إلى الميدان لَا يدري أيقع على الموت أم يقع الموت عليه، فكان يقع ﵁ على الموت يصيب به أعداء الله وأعداءه. ولقد أورد الزمخشري في الكشاف اعتراضا خلاصته: كيف يتمنى المؤمنون الموت، وفي الموت غلبة ونصرة للأعداء فكأنهم يتمنون ذلك النصر لأعدائهم؟ وقد أجاب عن ذلك بأنهم يتمنون فضل الشهادة من غير نظر إلى ما يجره ذلك

стр. 1823

على الأعداء من ظفر، ونحن نجيب جوابا آخر، وهو أن تمنى الموت هو تمنى الحرب في سبيل نصرة الله، ومن دخل الحرب متمنيا الموت فإنه لَا يترتب على قتله نصر للأعداء بل يترتب عليه هزيمة لهم، كما أشرنا قريبا، وقد كان السبيل الحق إلى النصر أن يدخل المجاهدون غير حريصين على حياتهم، إنما يحرصون على النصر، ولو كان يموت آحاد منهم، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان كل واحد لا يحرص على الحياة، ولكن يطلب الموت، وَإِنَّ طلب الموت يؤدي إلى الحياة، كما قال الصدِّيق: (اطلب الموت توهب لك الحياة، وفر من الشرف يتبعك الشرف)، وإن الحرص على الحياة يؤدي إلى الجبن، والجبن يؤدي إلى الهزيمة، وإن المجاهد الذي يستحق شرف هذا الاسم يتقدم مريدا عزة الحق، وقابلا الموت، بل يتمناه ليكون شهيدا، وإذا وقع يكون أمرا قد توقعه، ومن بقي من بعد عليهم أن يجددوا العزيمة، ويعيدوا الكرة عليهم، ولذا عتب الله على المؤمنين إذ أصابهم الغم عندما اشتدت شديدة الحرب عليهم فأصابهم ما أصابهم بل أمرهم أن يثبوا مرة أخرى، وإذا كانوا قد تمنوا الموت، فقد وقع لبعض منهم ما تمنوا، ولذا قال : (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ). الفاء هنا للإفصاح، فهي تفصح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام، ومعناه: إذا كنتم تمنيتم الموت فقد رأيتموه رأي العين وشاهدتموه، فوقع ما توقعتم، وقوله تعالى: (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) تأكيد لحال الرؤية أو تصوير لرؤيتهم؛ لأن الجملة حالية والتعبير بالمضارع يفيد التصوير، وإحضار الصورة الواقعة في الماضي كأنها واقعة في الحاضر، فيستحضرها العقل كما وقعت، وكما ظهرت في الوجود، والنظر الذي قرره سبحانه بقوله تعالى: (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) يتضمن النظر إلى الموقعة كلها، وكيف كان الانتصار في ابتداء الأمر عند الطاعة، ثم كيف كان الانهزام عند المخالفة إرادة عرض الدنيا من بعضهم كما قال تعالى: (مِنكم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مٌن يُرِيدُ الآخِرةَ. . .). ويتضمن النظر بعد وقوع الانهزام كيف تفرقت الإرادات، وقد كانت إرادة واحدة، وكيف تضعضعت بعض الهمم، وكيف كثرت الظنون، وكيف أصابكم

стр. 1824

الغم، ولم تفكروا في إعادة الوثبة، ولذلك كان قوله تعالى: (وَأَنتُمْ تَنظُرُون) متضمنا تأكيد الرؤية ومصورا لها، ومتضمنا مع ذلك العتب أو اللوم؛ لأن حالهم لم تكن متفقة مع ما كانوا يتوقعونه من قبل، إذ إن حالهم من بعد انتهاء الموقعة تفيد أنهم كانوا يريدون النصر رخاء سهلا من غير عقبة تحول يجب تذليلها، ومن غير شدة عنيفة يجب الصبر عليها. ولقد حدث في أثناء الموقعة أن زاغت الأبصار، فظن بعض المجاهدين أن النبي ﷺ قتل، فاضطربت عزائم، واسترخت همم، واستضعف أقوياء، وقد لامهم الله تعالى على ذلك أشد اللوم، وكأنما كان الظن الذي غلبهم ليبين الله لهم حقيقة غابت عنهم، وهي أن محمدا بشر كالبشر، يموت كما يموتون، ويحيا كما يحيون، ولذا قال سبحانه: * * *

стр. 1825

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... (١٤٤) * * * تقرير لحقيقة ثابتة وأمر واقع، وهو أن محمدا بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وقد قرر هذه الحقيقة ومعها دليلها، وذلك ببيان حقيقتين كل واحدة منهما تصلح مقدمة في دليل لإثبات أنه ميت لَا محالة كما قال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتون). الحقيقة الأولى أو المقدمة الأولى: أن محمدا رسول فقط فليس أكبر من رسول، ولذا قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) أي ليس له صفة تميزه على الناس إلا الرسالة، والحقيقة الثانية: أن الرسالة لَا تقتضي البقاء، فقد مضى رسل من قبله وماتوا، وقد قررها سبحانه بقوله: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ). ومن مجموع الحقيقتين يثبت أن محمدا سيموت؛ لأنه إذا كان ليس إلا رسولا، والرسل من قبله قد ماتوا، فهو سيموت لَا محالة. وإذا كان محمد سيموت لَا محالة فإن رسالته لَا تموت من بعده، ولا يصح أن ينقلب المؤمنون من بعده، بل عليهم أن يحملوا العبء من بعده، وقد بلغ
следующие страницы →