← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

بها، وكل هذه مشاق يحتاج احتمالها إلى جهد في دائرة الطاقة، و (لا يكَلفُ اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. . .). ولقد أشار إلى أن المؤمن الصادق الإيمان يعرف طريق الجنة، وأن الموت في سبيلها هو شكر لنعمة الله تعالى فيما أنعم في الحياة الدنيا، وفيما ينعم في الجنات في الحياة الآخرة، وإن الذين قاتلوا في غزوة أحد الذين سيقت لهم هذه العبر يعلمون ذلك ويعرفونه ويؤمنون به، وينفذونه، ولذا قال : * * *

стр. 1822

(وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ... (١٤٣) * * * كان المؤمنون يتمنون الموت حقا وصدقا، وصدق الله العظيم، ذلك أنهم كانوا يتشوقون للشهادة ويريدونها ويطلبون أسبابها، وفي غزوة أحد بالذات ما كان للنبي ﷺ رأى في الخروج من المدينة، ولكن شباب المجاهدين أرادوا اللقاء خارجها، فنزل ﵊ على حكم الشورى وقادهم، وما كانوا يريدون عرضا من أعراض الدنيا، ولا غاية لهم إلا أن ينالوا إحدى الحسنيين الظفر أو الشهادة، وفي كلتيهما إعلاء كلمة الحق، وخفض كلمة الباطل. ومعنى تمنى الموت: تمنى لقاء سببه وهو الحرب، وكان الله ينبههم إلى أنهم بتمنيهم لقاء الأعداء في الميدان يجب أن يفرضوا أن الموت ينالهم كما أن الحياة العليا قد ينالونها، فكان عليهم أن يتوقعوا الموت عند تمنى اللقاء، وأن يعلموا أن تمنيهم للقاء هو في ذاته تمن للموت، وأن تمنى الموت هو سبيل النصر وطريق الظفر، فإن الشجاع هو الذي يدخل الميدان طالبا الشهادة، فإنه لا يموت إلا إذا قتل عددا، ولقد وُصِفَ فارس الإسلام علي ﵁ بأنه كان إذا تقدم إلى الميدان لَا يدري أيقع على الموت أم يقع الموت عليه، فكان يقع ﵁ على الموت يصيب به أعداء الله وأعداءه. ولقد أورد الزمخشري في الكشاف اعتراضا خلاصته: كيف يتمنى المؤمنون الموت، وفي الموت غلبة ونصرة للأعداء فكأنهم يتمنون ذلك النصر لأعدائهم؟ وقد أجاب عن ذلك بأنهم يتمنون فضل الشهادة من غير نظر إلى ما يجره ذلك

стр. 1823

على الأعداء من ظفر، ونحن نجيب جوابا آخر، وهو أن تمنى الموت هو تمنى الحرب في سبيل نصرة الله، ومن دخل الحرب متمنيا الموت فإنه لَا يترتب على قتله نصر للأعداء بل يترتب عليه هزيمة لهم، كما أشرنا قريبا، وقد كان السبيل الحق إلى النصر أن يدخل المجاهدون غير حريصين على حياتهم، إنما يحرصون على النصر، ولو كان يموت آحاد منهم، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كان كل واحد لا يحرص على الحياة، ولكن يطلب الموت، وَإِنَّ طلب الموت يؤدي إلى الحياة، كما قال الصدِّيق: (اطلب الموت توهب لك الحياة، وفر من الشرف يتبعك الشرف)، وإن الحرص على الحياة يؤدي إلى الجبن، والجبن يؤدي إلى الهزيمة، وإن المجاهد الذي يستحق شرف هذا الاسم يتقدم مريدا عزة الحق، وقابلا الموت، بل يتمناه ليكون شهيدا، وإذا وقع يكون أمرا قد توقعه، ومن بقي من بعد عليهم أن يجددوا العزيمة، ويعيدوا الكرة عليهم، ولذا عتب الله على المؤمنين إذ أصابهم الغم عندما اشتدت شديدة الحرب عليهم فأصابهم ما أصابهم بل أمرهم أن يثبوا مرة أخرى، وإذا كانوا قد تمنوا الموت، فقد وقع لبعض منهم ما تمنوا، ولذا قال : (فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ). الفاء هنا للإفصاح، فهي تفصح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام، ومعناه: إذا كنتم تمنيتم الموت فقد رأيتموه رأي العين وشاهدتموه، فوقع ما توقعتم، وقوله تعالى: (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) تأكيد لحال الرؤية أو تصوير لرؤيتهم؛ لأن الجملة حالية والتعبير بالمضارع يفيد التصوير، وإحضار الصورة الواقعة في الماضي كأنها واقعة في الحاضر، فيستحضرها العقل كما وقعت، وكما ظهرت في الوجود، والنظر الذي قرره سبحانه بقوله تعالى: (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) يتضمن النظر إلى الموقعة كلها، وكيف كان الانتصار في ابتداء الأمر عند الطاعة، ثم كيف كان الانهزام عند المخالفة إرادة عرض الدنيا من بعضهم كما قال تعالى: (مِنكم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مٌن يُرِيدُ الآخِرةَ. . .). ويتضمن النظر بعد وقوع الانهزام كيف تفرقت الإرادات، وقد كانت إرادة واحدة، وكيف تضعضعت بعض الهمم، وكيف كثرت الظنون، وكيف أصابكم

стр. 1824

الغم، ولم تفكروا في إعادة الوثبة، ولذلك كان قوله تعالى: (وَأَنتُمْ تَنظُرُون) متضمنا تأكيد الرؤية ومصورا لها، ومتضمنا مع ذلك العتب أو اللوم؛ لأن حالهم لم تكن متفقة مع ما كانوا يتوقعونه من قبل، إذ إن حالهم من بعد انتهاء الموقعة تفيد أنهم كانوا يريدون النصر رخاء سهلا من غير عقبة تحول يجب تذليلها، ومن غير شدة عنيفة يجب الصبر عليها. ولقد حدث في أثناء الموقعة أن زاغت الأبصار، فظن بعض المجاهدين أن النبي ﷺ قتل، فاضطربت عزائم، واسترخت همم، واستضعف أقوياء، وقد لامهم الله تعالى على ذلك أشد اللوم، وكأنما كان الظن الذي غلبهم ليبين الله لهم حقيقة غابت عنهم، وهي أن محمدا بشر كالبشر، يموت كما يموتون، ويحيا كما يحيون، ولذا قال سبحانه: * * *

стр. 1825

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ... (١٤٤) * * * تقرير لحقيقة ثابتة وأمر واقع، وهو أن محمدا بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وقد قرر هذه الحقيقة ومعها دليلها، وذلك ببيان حقيقتين كل واحدة منهما تصلح مقدمة في دليل لإثبات أنه ميت لَا محالة كما قال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتون). الحقيقة الأولى أو المقدمة الأولى: أن محمدا رسول فقط فليس أكبر من رسول، ولذا قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ) أي ليس له صفة تميزه على الناس إلا الرسالة، والحقيقة الثانية: أن الرسالة لَا تقتضي البقاء، فقد مضى رسل من قبله وماتوا، وقد قررها سبحانه بقوله: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ). ومن مجموع الحقيقتين يثبت أن محمدا سيموت؛ لأنه إذا كان ليس إلا رسولا، والرسل من قبله قد ماتوا، فهو سيموت لَا محالة. وإذا كان محمد سيموت لَا محالة فإن رسالته لَا تموت من بعده، ولا يصح أن ينقلب المؤمنون من بعده، بل عليهم أن يحملوا العبء من بعده، وقد بلغ

стр. 1826

رسالات ربه، وأتم بيان دينه، ولذا وبخ المؤمنين على ما كان منهم يوم أحد إذ ذاع في وسطهم أن محمدا قد قتل، فقال تعالى: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ). الفاء هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أو للإفصاح عن شرط مقدر، والاستفهام للتوبيخ، والمعنى: أإذا مات وقد علمتم أن موته حق لَا ريب فيه، أو قتل في الميدان والقتل طريق من طرق الموت، انقلبتم على أعقابكم، أي عدتم كفارا بعد أن آمنتم، وعباد أوثان بعد أن صرتم من أهل التوحيد، وضلالا بعد أن اهتديتم، والتعبير عن ذلك بقوله تعالى: (انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) تصوير سامٍ لمن ضل بعد أن اهتدى، فهو تصوير لمن يرجع إلى الوراء وبصره إلى الأمام، وأعقابه هي التي تقوده، وهو منكس جعل رأسه في أسفل وعقبه في أعلى، وذلك أقبح منظر يكون للإنسان. ولكن هل وقع ذلك الضلال أو كان ما يدل على احتمال وقوعه. يروى في ذلك أن عبد الله بن قمئة الحارثي أقبل يريد قتل النبي ﷺ ، فتصدى له مصعب بن عمير حامل راية المؤمنين فقتله المشرك، وظن أنه الرسول فأذاع ذلك في المشركين، وانتقل الخبر إلى بعض المؤمنين، إذ قد اختلط الحابل بالنابل، فريعت قلوب بعض المسلمين وولوا مدبرين، وانطلق المنافقون يقولون: لو كان نبيا ما قتل، وثبت المؤمنون الصادقون، وقد مر أنس بن النضر، ووجد قوما خارت عزائمهم فقال لهم: يا قوم إن كان محمد قتل فإن رب محمد حي لَا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه. . اللهم أعذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. وقد مر بعض المهاجرين بأنصاري يتشحط (١) في دمه، فقال له: أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال: إن كان قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا على دينكم، ولقد صاح بعض المجاهدين في وسط ذلك البلاء: يا معشر المؤمنين إن كان محمد قد أصيب أفلا تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به.

стр. 1827

وبهذا يتبين أن المحاربين كانوا فريقين: أحدهما رعب واضطرب، والثاني ثبت وجاهد، ولقد ذكر اللَّه حال الفريقين، ومقام كل واحد من الحق ودعوته فقال تعالت كلماته في الفريق الأول: (وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا). أي ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبي ﷺ فلن يضر دين الله تعالى في شيء، ولأن دين الله تعالى بعد أن بلغ النبي رسالة ربه، وأكمل البيان لهذا الدين، قد ظهر وصار حقيقة ثابتة في الوجود، فلا عبرة بمن يخرج، كما قال تعالى: (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. . .). وفى هذا تنبيه إلى ثلاثة أمور: أولهما: أن من يجاهد عليه أن يجاهد لحقيقة من الحقائق الثابتة الخالدة التي لا تفنى ولا تنتهي، ولا يقاتل لأجل الأشخاص الذين ينتهون ويفنون، فالمعاني خالدة، والأشخاص ميتون. الثانية: أن من يفسد قلبه فيرتد بعد إيمان ويكفر بعد يقين، لَا يضر دين الله بل يضر نفسه؛ لأن الضال المضل يضر نفسه قبل أن يضر غيره. ثالثها: إخبار الله تعالى بأن هذا الدين خالد ثابت باقٍ إلى يوم القيامة؛ لأنه سبحانه قد قرر أنه لَا يضره من يخرج عنه أو يمرق عن أحكامه، أو يتركها مستهينا، فإن للإسلام ربا يحميه، ورجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ثم بين سبحانه من بعد ذلك جزاء الصابرين الذين لم يرعبوا ولم يضطربوا، فقال سبحانه: (وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ). أي وسيجزي الله الذين صبروا في هذه الشديدة وشكروا الله تعالى في السراء والضراء، فلم يزعجهم البلاء كما لم تبطرهم النعماء، فصفة الشكر كصفة الصبر كلتاهما تظهر في السراء والضراء معا، فالصبر يكون في النعمة بالقيام بحقها، وفي الكريهة باحتمالها، من غير تململ وتضجر.

стр. 1828

وقد يقول قائل لماذا عبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين، والصبر هنا هو الأظهر؟ فنقول: إن الشكر في هذا المقام هو أعلى درجات الصبر، وذلك أنهم لم يحتملوا البلاء فقط، بل تجاوزوا حد الصبر إلى حد الشكر على هذه الشديدة، فالشكر هنا صبر وزيادة، وقليل من يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال تعالى: (وَقَلِيلٌ منْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). وإنا نضرع إلى الله تعالى أن يجعلنا من الصابرين في البلاء، الشاكرين في الضراء والسراء معا، إنك سميع الدعاء. * * * (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) * * * الكلام في هذه الآيات موصول بالآيات قبلها، ففي الآيات السابقة أشار سبحانه إلى اضطراب بعض المؤمنين عندما بلغهم كذبا أن النبي ﷺ قد قتل، فضعفت نفوس، ووهنت قلوب، واضطربت عقول، فبين الله أن محمدا رسول من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وأن له أجلا ملموسا، وأن الدعوة الإسلامية كاملة ما دام النبي ﷺ قد بلغها وأتم تبليغها، وبهذا

стр. 1829

أتم ما عهد إليه، فإذا مات حمل هذه الأمانة مَن بعدُه ونقلوها إلى الأخلاف، ثم أشار إلى أن النفوس جميعها بيد الله، وأنه سبحانه قد جعل لكل أجل كتابا.

стр. 1830

(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا) والمعنى ما تحقق وما ثبت لنفس أن تموت إلا بإذن الله تعالى، وقد كتب لها كتابا مؤجلا، ومعنى الإذن هنا يتضمن أن لله تعالى الإرادة المطلقة في قبض النفوس وإرسالها، فهي لَا تموت إلا بمشيئته، ولا تحيا إلا بإرادته، وقد عبر عن الإرادة بالإذن، وذلك للإشارة إلى أنه إذا كان القتل في الحروب سببا للموت، فإنه ما دام لم يجئ الإذن الذي يعلن مشيئة الله تعالى وإرادته فإن المقاتلين مهما يكونوا أقوياء لَا يمكن أن يصيبوا نفسا لم يشأ الله تعالى قتلها، فهذا النص الكريم يؤكد معنيين: أحدهما: أن الموت بالإرادة الأزلية، وبالمشيئة الإلهية، فما لم يأذن فلا موت. والثاني: أن القتال مهما يكن شديدا فلن تموت نفس لم يكتب الله تعالى لها الموت، وهناك إشارات في الآية كثيرة: منها أن الموت لَا يحتاج بالنسبة لله تعالى إلى أسباب، فليس إلا أن يأذن بقبض الروح فيكون الموت من غير أي مجهود يبذل، ومنها تحريض المؤمنين على الجهاد، وتشجيعهم على لقاء الأعداء، فإن الحذر والحرص على الحياة لَا يمنعان ما قدر الله تعالى، فإذا كان قد أذن للنفوس أن تلقى ربها فلا مانع يمنعها، ولا دافع يدفع عنها أسباب المنايا، ومنها الإشارة إلى حفظ الله تعالى لنبيه ﷺ وقد تربص به الأعداء، وأحاطوا به من كل جانب، وصار قريبا من نهزة المختلس، ولكن الله تعالى أحاطه بكلاءته وعنايته، ومنها بيان أن الله قابض نبيه ﷺ مهما يطل الأمد أو يقصر. وقوله تعالى: (كتابًا مّؤَجَّلًا) مفعول مطلق لفعل محذوف معناه: كتب كتابا مؤجلا، أي له أجل معلوم لَا يتقدم ولا يتأخر، وهو آت لَا محالة. (وَمَن يرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نؤْتِه مِنْهَا) وإذا كان الأجل مكتوبا، فإن ذلك لَا يمنع أن العمل مكسوب، فعلى كل أن يعمل، وكلٌّ

стр. 1831

ميسر لما خلق له، وكل يكون جزاؤه في الدنيا والآخرة، فمن يرد ثواب الدنيا أي جزاءها والنتائج المطلوبة فيها، ويسلك السبيل القاصد الذي يوصل إلى الغاية، وينتهي إلى النهاية، يمكنه الله تعالى من الأسباب، ويسهل له الحصول على النتائج، ومن كان يريد الآخرة ويقصد وجه الله تعالى في كل ما يعمل، ويقصد إلى الدنيا لَا لذاتها، بل على أنها مزرعة الآخرة، فإن الله تعالى يؤتيه من ثواب الأخرة ما ادخره لعباده المتقين، وهذا كقوله تعالى: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ. . .). وكقوله تعالى: (من كَانَ يُرِيدُ حَرْث الآخِرةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ومن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ومَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ). فالنص الكريم يثبت أن الدنيا لها وسائل، والنجاح فيها له أسباب توصل إلى النتائج، والآخرة لها أسباب وذرائع، وعلى ذلك لَا يكون النجاح في شئون الدنيا دليلا على القرب من الله تعالى، ولا الفشل فيها دليلا على البعد عن الله تعالى، ذلك قول الفجار، الذين يتخذون من سطوة الكفار مع كفرهم دليلا على أنهم أقرب إلى الله من المؤمنين، ويغفلون عن قول الله تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥). وفى النص الكريم إشارات بينات، فهو يشير إلى الذين اتبعوا الغنائم وتركوا طاعة الرسول يوم أحد بأنهم أرادوا الدنيا، ولكن لم يسلكوا مسالكها، ويشير إلى الذي يقاتلون طلبا للغنائم، وأنهم لَا ينالونها إلا إذا استقاموا على مناهج القتال الصحيحة، ويشير إلى فضل الذين صبروا ويصبرون في الحرب، ويطلبون بها وجه الله تعالى لَا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، ويشير إلى أن القتال يجب أن يقصد به وجه الله تعالى، لعمارة الأرض ومنع الفساد فيها، ثم يبين سبحانه أن أولئك هم الذين ينالون الجواب، ولذا قال تعالى:

стр. 1832

(وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) شكر النعمة القيام بحقها، وأداء ما ينعم الله تعالى به من نعم في مواضعه، فإذا أُعطي فشكر العطاء بإنفاقه في مواضع الإنفاق، وإذا منح القوة فشكرها أن يجعلها لنصرة الحق وخفض الباطل، وإذا أُعطي نعمة الحكمة والفكر السليم، فيكون الشكر بتسخير ذلك لنفع العباد، وهدى الناس، وإرشادهم إلى طرق البحث وتذليل الأرض لهم، وأن يكون ما ينتجه للعمارة لا للخراب. وهنا نجد النص لم يبين الجزاء، ولم يبين من الذين يتصفون بالشكر من طلاب الدنيا أو طلاب الآخرة، وقد ترك الجزاء من غير بيان ليعم الجزاء الدنيوي، والجزاء الأخروي، فمن طلبوا الدنيا واتخذوا أسبابها، ونصروا الضعيف، وخذلوا القوى، وعمروا الأرض ولم يفسدوها، ولم يطرحوا ما عند الله تعالى بل طلبوه، كانوا من الشاكرين. واستحقوا الجزاءين: جزاء الدنيا بأن يصلوا إلى النتائج التي قصدوها، وهي العلو في الأرض من غير طغيان، والجزاء في الآخرة عند تجلي الرحمن. ولم يبين سبحانه من هم الشاكرون؟ أهم طلاب الدنيا أم طلاب الآخرة، وذلك لأن المطلبين ليسا متضادين، بل إنهما يتلاقيان، وإنه عند التحقيق لَا يعد طالب الدنيا سالكا طريقها إلا إذا طلب الآخرة فيها، وأذعن لقدرة الخالق في طلب الحياة الدنيا، فكل شيء عنده بمقدار، فمن اعتمد على الأسباب الدنيوية وحدها من غير تفويض الله معها فإنه يعاند قدرة الله، ولا ينجح له تدبير، ولا ينتهي إلى غاية في تفكير، (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ). ولذلك كان الشكر مشتركا عند طلاب الدنيا إن طلبوها على وجهها وطلاب الآخرة، وإنه عند التحقيق أيضا طلب الآخرة لَا ينقطع تماما عن طلب الدنيا، فإن الزهد في الإسلام طلب الحلال وليس إعراضا عن الدنيا، وإن من

стр. 1833

يحتطب لقوت أهله أَعْبَدُ ممن ينقطع في صومعة للعبادة، ولذلك ورد في بعض الآثار " رهبانية أمتي في الجهاد " (١). * * *

стр. 1834

(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ... (١٤٦) * * * كلمة (وَكَأَيِّنْ) بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثرة، أي كثيرون من الأنبياء قاتل معهم ربيون كثيرون، وهناك قراءة و " كائن " (٢)، وهي لغة جائزة في كأين، وقد جمع بينهما الشاعر في قوله: كَأَيِّنْ أَبَدْنَا مِن عَدُوٍّ بعزِّنا ... وَكَائِنٌ أجَرْنَا مِنْ ضَعِيفٍ وخَائِفِ والربيون هم المؤمنون الصادقون الإيمانَ الذين يقاتلون ابتغاء ما عند الرب، فهم منسوبون للرب لخلوصهم له، واتجاه قلوبهم إليه وحده، وقال الزمخشري: إنها نسبة غير فيها النسب، وقد قرئ بفتح الراء وضمها وكسرها، ولذا قال الزمخشري: " والربيون هم الربانيون، وقرئ بالحركات الثلاث، فالفتح على القياس والضم والكسر من تغييرات النسب ". والمعنى كثيرون من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون صادقو الإيمان وكانوا يصابون، والقتال يتعاور فيه المقاتلون الجروح والدماء، فليس القتال ريحا رخاء سهلا، بل هو عاصفة وملحمة بشرية يدال بين المقاتلين في الميدان، فكانوا بهذه الجراح راضين صابرين لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا ويذلوا، وهذا الكلام للاعتبار بحال الماضين الذين قاتلوا من قبل مع الأنبياء، ما ضعفوا عندما أصابهم القرح، فكذلك أنتم ما كان يليق أن تضعفوا إذا أخطاتم فجرحتم يوم أحد.

стр. 1835

وقد فهم بعض العلماء أن المراد أن بعض الأنبياء قتل في الميدان فما وهن جيشه بقتله ولا ضعف، فما كان يسوغ لهم أن يضطربوا ذلك الاضطراب يوم أحد. ولكنا نرى أنه ليس في الآية ما يشير إلى هذا المعنى، حتى يتعين مرادا لها، والحق أن العبرة في كون النبيين كانوا يقاتلون ومعهم مؤمنون صادقو الإيمان، يصيبهم جراح، وتصيب أعداءهم، وما كانت جراحهم توهنهم أو تضعفهم أو تجعلهم يستكينون ويذلون، وقد نفَى الله تعالى عن أولئك الربانيين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع الإيمان: أولها: الوهن فقد نفاه بقوله تعالى: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) والوهن اضطراب نفسي، وانزعاج قلبي، فهو يبتدئ في الداخل، وإذا وصل إلى الخارج كان ضعفا وتخاذلا، وإذا أنتج الضعف نتائجه كانت الاستكانة والذل، ولذلك ابتدأ بنفي الوهن، وقرن نفي الوهن بكون سببه ما أصابهم في سبيل الله للإشارة إلى أن الوهن ينافي قوة الإيمان، لأن من كان يقاتل في سبيل الله عليه أن يعلم الغاية من القتال، وهي توجب تحمل كل الشدائد، والعاقبة للمتقين. الوصف الثاني: الضعف والتخاذل الذي يوجبه اليأس والاضطراب، وهذا كما قلنا نتيجة للوهن. والوصف الثالث: الاستكانة، وهي الرضا بالذل والعيش مع الهوان، وذلك ليس شأن المؤمن. وقد نفَى سبحانه هذه الأوصاف الثلاثة مع أن واحدا يكفي نفيه لنفيها، لأنها متلازمة، لبيان قبح ما يقعون فيه لو سلطوا وصفا منها على نفوسهم فاستمكن فيها.

стр. 1836

(وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) الله يشير بهذا إلى أن الذين لا يصيبهم وهن بسبب اشتداد المعركة ولا ضعف ولا ذل ولا استكانة واستسلام هم الصابرون حقا وصدقا. والله يحبهم. ونقف هنا وقفة قصيرة عند معنى الصبر، واستحقاقه للمحبة لَا لمطلق الجزاء، إن الصبر ليس هو احتمال الشدائد، فقط، بل هو ألا يتضعضع عند نزولها، وألا يضطرب التفكير عند اشتداد الشديدة، وأن تنفي مطامع النفس إلا ما كان منها إجابة لداعي الحق ونصرته، وأن تخلص القلوب عن شوائب الشهوات فلا تخضع لها ولا تذل، بل تتحكم كل نفس في أهوائها، وألا يكون أنين ولا شكوى ولا ضجيج، وهذا هو الذي سمى الصبر الجميل، والصبر على هذا المعنى هو أجل الصفات الإنسانية وأكملها؛ لأنه ضبط النفس، وكمال العقل، وسيطرة الحكمة وقوة الجنان، وهو يتضمن في ثناياه معنى الشكر، فهو عنصر من عناصره، ومظهر من مظاهره، وكان الجزاء أعلى جزاء، وهو المحبة من الله، ومحبة الله تعالى تتضمن رضوانه، وتتضمن ثوابه، وهي مرتبة أعلى منهما، ولا ينالها إلا الصابرون. * * *

стр. 1837

(وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ... (١٤٧) * * * أي أن هؤلاء الصابرين ليس لهم شأن في ميدان القتال وفي عموم الأحوال إلا الاتجاه إلى ربهم ضارعين شاعرين بالتقصير في جنب الله ، فمعنى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا) وما ثبت وتحقق لهم من قول إلا أن قالوا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا) فنفى الله تعالى عنهم كل قول إلا الاستغفار وطلب النصر، فلم تكن منهم صيحات الفزع والاضطراب، ولا صيحات الأخذ من الأسلاب والغنائم، إنما قولهم هو في علاج نفوسهم والطب لأدوائها، وطلب النصر من ربهم على أعداء الحق الكافرين به، وتلك غاية الغايات عندهم.

стр. 1838

ولقد كانت ضراعتهم إلى ربهم بالدعاء تتجه إلى ثلاثة أمور: أولها: طلب غفران الذنب والإسراف، والذنب هو التقصير في حق الله تعالى، والإسراف في الأمور هو تجاوز الحد في الأمور، وأمرهم هو كل ما يتعلق بإجابة الله تعالى، فهم يستغفرون من التقصير في حق الله تعالى، وتجاوز حدود الله تعالى، وإن ذلك الدعاء مناسب للقتال لأن المقاتل إما أن يقصر فيتخاذل، وإما أن يتجاوز الحد فيقتل في غير حاجة إلى القتال، فكان هذا الدعاء في موضعه، وإن الإسراف في القتل من غير حاجة إلى القتل مؤاخذ عليه كالتقصير، فمن يقتل امرأة أو عاملا غير مقاتِل أو شيخا هرمًا لَا رأى له في القتال، أو يقتل أسيرا، أو يقتل بعد الأمان، يكون مسرفا في أمره، فيكون مؤاخذا، ولذلك طلبوا الاستغفار من الأمرين: التفريط والإفراط. وإن طلبهم هذا يدل على سلامة قلوبهم، واستصغار عملهم، وذلك شأن الأتقياء، ولذا جاء في الكشاف في هذا المقام: (هذا القول، وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين كان هضما لها واستقصارا) ولقد كان دعاء النبي ﷺ : " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني " (١). الثاني: طلب تثبيت الأقدام بألا يهزموا ولا يفروا، بل يلاقوا الأعداء بصدورهم ولا يولوهم الأدبار، وفي تقديم الدعاء بالغفران إشارة إلى أنهم يقدمون طهارة نفوسهم وتزكية القلوب واعتبارها أساس الثبات والصبر في مواطن القتال، وجاء في الكشاف: " والدعاء بالاستغفار مقدما على طلب تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع وهو أقرب إلى الاستجابة ".

стр. 1839

الثالث: طلب النصر على الكافرين، وهو غاية القتال؛ لأن الانتصار عليهم رفع لاعتدائهم، وتمكين لأهل الإيمان في الأرض، ومنع للفتنة في الدين، وإزالة الحواجز التي تحول بين النبي ودعوته، وذلك نصر لحق الله تعالى. * * *

стр. 1840

(فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ... (١٤٨) * * * الفاء هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنهم بسبب ذلك الصبر والاطمئنان نالوا جزاء الدنيا وثوابها بالنصر والغنيمة وجعل كلمة الله تعالى هي العليا، ومكن لهم في الأرض، وبسبب هذا أيضا نالوا حسن ثواب الآخرة، أي نالوا النعيم المقيم، وجنات عدن، وما فيها مما لَا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ونالوا ما هو أعلى من ذلك وهو رضا الله تعالى ثم محبته، وهي أعلى الدرجات، ووصف ثواب الآخرة بالحسن؛ لأنه الثواب الذي لَا يعكره معكر، ولا تكليف فيه، ولا مشقة تحتمل في سبيله، فهو حَسَن بإطلاق، وأما ثواب الدنيا فحسنه إضافي إذ فيه تكليفات ومشقات، إذ الدنيا قد اختلط حلوها بمرها، وسراؤها بضرائها، وشقاؤها براحتها، ولذلك كان ثوابها غير حسن إلا حسنا إضافيا نسبيا، أما ثواب الآخرة فحسن باستمرار وإطلاق (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ذيَّل الله الآية التي تتعلق بالجزاء باعظم جزاء وهو محبته الكريمة، وأشار إلى أن هؤلاء الربانيين قد استحقوه بسبب إحسانهم وإتقانهم لما عملوا وما جاهدوا فيه، وصبرهم في الشدائد والمكاره، وتلقيهم للأحداث بجنان ثابت وقلب رابط. وإننا نجد أن الله تعالى وصف المؤمنين بثلاث صفات، وكل واحدة منها قد استحقت جزاء، فالوصف الأول أنهم شاكرون، فقال: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)؛ لأن الشكر أول أبواب الطاعة، والرغبة في الفداء؛ إذ هو الإحساس بحق المنعم فيما أنعم به. والوصف الثاني هو الصبر؛ لأن الإيمان الذي هو أول ثمرات الشكر يقتضي ضبط النفس عن أهوائها ومنع الاضطراب في (الصدمات) والرضا بكل شديدة من

стр. 1841

غير أنين، والصابرون يحبهم الله، والوصف الثالث الإحسان، وهو نتيجة للصبر، وهو أن تكون النفس كلها لله، تراقبه في كل عمل تعمله، وكل قول تقوله، وكأنها ترى الله، وقد قال النبي ﷺ : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك " (١) وبذلك يكون ممن يحبهم الله، ولقد قال النبي ﷺ عن ربه في العبد الذي يحبه: " إذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها " (٢). اللهم إنا ما عملنا عملا نستحق به محبتك، ولكنَا مع ذلك نطمع فيها، فإن أعطيتها فبفضلك، وإن منعتها فبحقك، وإنا لنضرع إليك من بعد ألا نكون ممن غضبت عليهم وسخطت أعمالهم، إنك غفور رحيم. * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) * * * كانت غزوة احد فيها العبر، وهي عركة نفسية عركت بها قلوب المؤمنين، وتميزت فيها نفوس المترددين، وقد اتخذ القرآن الكريم منها درسا نبه المجاهدين إلى ما ينبغي أن يعلموه في المواقع والحروب، نبههم إلى أن النجاح في الأعمال

стр. 1842

مهما يكن أساسه التنسيق والتوزيع، وتخصيص كل طائفة لما تحسن، حتى تتلاقى الجهود كلها في ثمرات مفيدة للجماعة، والجهاد عمل من الأعمال، فلا بد أن تنسق فيه الأعمال، ويكون كل لما يخصص له، فإذا خرج عما هيئ له وأُسند إليه، انتثر العقد، واضطربت الأمور، وخفت الثمرات، وذلك ما كان في أحد، ولقد قرر الله تعالى أن يصاب المسلمون بذلك الجرح الدامي لتكثير العبر، فقد افترى من افترى فادعى أن النبي ﵊ قد قتل، فاضطربت الأفهام، إذ لو كان الخبر صادقا لأوجب على المجاهدين أن يتضافروا على حمل العبء لَا أن تذهب نفوسهم شعاعا. ولقد أصابت الهزيمة قلوبهم، وأصابهم غم شديد، فأخذ يبين الله أن القتال تتعاوره الهزيمة والنصر، وأن الهزيمة بسبب خطأ لا توجب الوهن، ولكن توجب تجنب الخطأ. ولقد وجد ناس وقد اشتد البلاء، وأظلمت نفوس، وذهب ما فيها من أضواء الحق، فتنادى بعضهم أن يوسطوا المنافقين ليتخذوا لهم عند أبي سفيان زعيم الشرك إبان ذاك عهدا بالأمن والاستسلام، وقد بين الله سبحانه بعد ما بين من عبر أن هذه هي الخطة الذليلة، وهي المنزلة الدون، والمكان الهون، فقال عز من قائل:

стр. 1843

(يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَردُّوكمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) النداء للمؤمنين بوصف كونهم مؤمنين، وفيها بيان أنه لَا يليق بهم بوصف كونهم مؤمنين أن يطيعوا الذين كفروا؛ فإن الكفر والإيمان نقيضان لَا يجتمعان، ولا يكونان في قلب رجل واحد، ولقد أشار سبحانه إلى بعد احتمال أن يطيع المؤمنون الكافرين بالتعبير في أداة الشرط بـ (إن) دون (إذا)؛ إذ إن: (إذا) للتحقق أي تحقق الشرط، وتحقق الجزاء، أما (إن) فإنها لَا تفيد تحقق الشرط، وبالتالي لَا يتحقق الجزاء. والمعنى في هذا هو التحذير من مسايرة الكافرين بأي نوع من أنواع المسايرة؛ إذ كل مسايرة طاعة، ولا يليق بالمؤمن أن يطيع كافرا؛ لأنه يجب أن يكون في حذر دائم، وإنه لو فرض وأطاعوهم فإنهم يرتدون على أعقابهم خاسرين.

стр. 1844

والنداء متجه ابتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا أُحدا، ووجد بينهم المنافقون ينادون بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويرجفون في المدينة، ووجد أيضا المترددون الضعفاء الذين استجابوا أو كانوا على استعداد للاستجابة، إذ دعا بعض المنافقين بأن يتوسطوا عند أبي سفيان لينجوا بأجسامهم. ومع أن الخطاب ابتداء لهؤلاء له وجه عام، وهو نداء المؤمنين في كل الأجيال وفي كل الأحوال بألا يسايروا الكافرين، رجاء نصر، أو تحقق نفع، وألا يمالئوهم بأي نوع من أنواع الممالأة، فإن الكافرين في كل العصور لَا يريدون بالمؤمنين إلا خبالا، ولا يرجون لهم إلا أن يكونوا قوما بورا، فالآية الكريمة تحذر المؤمنين تحذيرا عاما بألا يطيعوا الكافرين، ولا يستنصروا بهم، ولا يجعلوا لهم ولاية عليهم، لأن ولايتهم غير ولاية الله، وولاية الله هي الولاية الحق، وهم موضع غضب الله تعالى دائما، والذي يتولاهم ويستنصر بهم، فإنما يتولى قوما غضب الله عليهم، والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣). وقد ذكر الله نتيجة إطاعة الكافرين في أي عصر من العصور إن كان هناك احتمال لذلك. فذكر في جواب الشرط نتيجتين، كلتاهما مترتبة على الأخرى، أولاهما: أشار إليها بقوله سبحانه: (يَردُّوكمْ عَلَى أَعْقَابكمْ)، والثانية المترتبة عليها: أشار إليها بقوله عز من قائل: (فَتَنقَلِبوا خَاسِرِينَ). ولنتكلم بكلمة موجزة في كل واحدة من هاتين النتيجتين المتلازمتين اللتين يقتضي وجود إحداهما وجود الأخرى: فالنتيجة الأولى، وهي ردهم على أعقابهم، معناها أن يرجعوا إلى موضع الذلة الذي كانوا فيه قبل أن يؤذن لهم بالجهاد أو يرجعوا إلى ما كانوا عليه في غير انتظام وفي اضطراب، والمضطرب دائما لَا يملك زمام نفسه، والأعقاب جمع عقب، وهو مؤخر القدم، والتعبير بـ: (يَرُدُّوكمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)، فيه إشارات إلى أمور ثلاثة، أولها: أن هذا مطلب للكافرين، فإن أطعتموهم فقد حققتم لهم

стр. 1845

مقصدهم، وهو أن يردوكم، ولذا أسند الرد إليهم، ولم يقل ارتددتم، وثانيها: أن طاعتهم التي يترتب عليها ما ذكره سبحانه هي أقصى الهزيمة وهي الكبوة التي لا قيام بعدها، ولذلك عبر عن هذا بالرجوع على الأعقاب، فهو رجعة إلى الوراء وليس وثبة إلى الأمام، والأمر الثالث الذي يشير إليه النص هو أن زمام المؤمنين يكون نهائيا بأيدي الكافرين إذا أطاعوهم، وهذا هو ما آل إليه أمر المسلفين في العصور الأخيبرة، وفي هذا تذكرة لمن يخشى. والنتيجة الثانية هي الانقلاب خاسرين، والتعبير بالانقلاب في قوله سبحانه: (فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ) يفيد أن إطاعة الكافرين يكون حتما فيها تغيير حال أهل الإيمان، ولكنه تغيير هو انقلاب، وجعل أعلى ما فيهم أسفل، فهو نكسة تصيبهم، ويعز عليهم من بعد أن يعودوا مستقيمين يضعون أغلى ما فيهم وهو الإيمان في موضعه، وإن ذلك الانقلاب تلابسه لَا محالة الخسارة المؤكدة التي لا احتمال فيها؛ إذ يخسر المؤمنون إيمانهم، ويخسرون من وراء ذلك الآخرة، وينطبق عليهم قوله تعالى: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين)، وإن أولئك الذين يستخذون للكافرين ويسايرونهم، بل يطيعونهم وينتقلون من العزة والكرامة إلى الذلة والمهانة ويعتقدون القوة في الكافرين فيعطونهم الولاية، ينسون الله تعالى وولايته، ولذلك قال سبحانه مطمئنا المؤمنين الصادقين الذين لَا يرضون بولاية الكافرين: * * *

стр. 1846

(بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) * * * المولى هنا هو النصير، وإذا كان الله ناصره، فإنه لَا محالة غالب، فهو نعم المولى ونعم النصير. والمولى لَا تدل على النصرة فقط، بل تدل على كمال الصلة والمحبة والقرب، والنصرة تجيء لازمة لهذه المعاني، و " بل " هنا للإضراب وهو إضراب انتقالي؛ إذ هو انتقال من الكلام في موالاة الكافرين، وما يترتب عليها من نكوص على الأعقاب، واضطراب بين الحق والباطل، واستكانة وذلة وخسران مبين، إلى الكلام فيما هو سبب العزة والرفعة والكرامة والقوة والسؤدد والنصر المؤزر الثابت، وهو موالاة الله تعالى، وعبر عن ذلك بقوله تعالى: (اللَّهُ

стр. 1847

مَوْلاكمْ) أي أن الله الخالق لكل ما في الوجود، والذي بيده مقاليد كل شيء، والمسيطر القوي الجبار القاهر فوق عباده هو مولاكم، فعليكم أن تطلبوا ولايته، ومن اعتصم به فقد آوى إلى ركن ركين، وحصن حصين، وذكر هذا الأمر بصيغة الخبر للإشارة إلى أن المؤمن بمقتضى كونه مؤمنا هو في ولاية الله تعالى فلا يخرج عنها، وولاية الله تعالى تقتضي أن يكون في ولاية المؤمنين، لَا يخرج عن جماعتهم ولا يسلك غير سبيلهم، ولا يطيع أعداءهم، أو يمالئهم، أو يسايرهم، فإن ذلك يكون محادة لله ولرسوله ومشاقة لله ولرسوله، والله تعالى يقول: (لا تَجدُ قَوْمًا يؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَن حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. . .)، ويقول سبحانه جلت حكمته: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥). وإذا كانت النفوس الضعيفة تجد في الالتجاء إلى الكافرين بعض الحماية فلتعلم أن المعاذ والنصرة من عند الله؛ ولذا قال سبحانه: (وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ). أي أن الله تعالى هو الذي ينصر المؤمنين، ونصره هو المؤكد المحتوم الباقي، وهو نصر مالك القوى كلها، والمسيطر على العالم بكل ما فيه ومن فيه وما تجري به الأسباب، وما ارتبطت به شئون الناس والكون، ولذلك كان نصره خير نصر، إذ هو أدومه وأقواه، وما عند الناس من نصر فهو ظاهري، ولا يتحقق إلا بأسباب قدَّرها، فهو المسيطر المريد لكل ما يقع في الكون، ونصر الله تعالى معه العزة، ونصر الناس معه الذلة، فمن استنصر بالله عز، ومن استنصر بالناس ذل، وهذا على أن، خير " وهي من أفعل التفضيل على بابه، وقيل: إن أفعل التفضيل هنا على غير بابه، وأن المعنى أنه لَا ناصر إلا الله، ولا ناصر سواه، فنصره هو النصر، ونصر غيره ليس بنصر. ثم بين سبحانه بعضا من أسباب نصره، فقال: * * *

стр. 1848

(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ... (١٥١) * * *

стр. 1849

الرعب الخوف والانزعاج، أو استلاء النفس بالخوف والانزعاج، حتى تضعف الجماعة مع وجود أسباب القوة، وأصله من الملء مع الاضطراب، يقال سيل راعب، يملأ الوادي ويضطرب به، ورعبت الحوض ملأته، ومعنى إلقاء الله تعالى بث روح الخوف والفزع في قلوبهم، وإن إلقاء الله تعالى الرعب في قلوب المشركين كانت له مظاهر شتى: منها أن يضع فيهم الفزع، فيخافون عند النصر لهم من متابعته، كما كان عقب أحد، فإن المشركين سارعوا بالعودة وبينما هم في الطريق ندموا وقال قائلهم: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى لم يبق منهم إلا الشريد ثم تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم، ولما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا لايلوون على شيء، ومن مظاهره النصر بالريح، كما كان في غزوة الأحزاب، فقد جاءت إلى المشركين ريح شديدة قذفت في قلوبهم الرعب، فعادوا ولم ينالوا شيئا، وقال تعالى في ذلك: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا). وقد روى في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس جميعا " (١). وقد ذكر السبب في إلقاء الرعب في قلوب أعداء أهل الإيمان فقال : (بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) والسلطان هنا هو الحجة والدليل، كما قال تعالى: (الَّذَينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ. . .)، وكما قال تعالى: (فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبينٍ)، وقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ).

стр. 1850

فالمعنى أنهم أشركوا بالله أحجارا لم ينزل الله بها حجة مثبتة لصحة عبادتها، لأنه لَا دليل على سلامة هذه العبادة، ولا يوجد دليل قط يؤيدها. ويصح أن يفسر السلطان هنا بمعنى القوة والتمكن، والمعنى على هذا أنهم أشركوا بعبادة الله تعالى أشياء لم ينزل أي لم يجعل فيها قوة تنفع وتضر، فهم يعبدون ما لا يملك نفعا ولا ضرا، ويشركونه في العبادة مع الذي يملك كل شيء، وهو الذي ينفع ويضر من غير شريك. والسببية التي أشار إليها في قوله: (بِمَا أَشْرَكوا بِاللَّهِ) لها توجيهان: أحدهما: أن الله تعالى يلقي الرعب في قلوبهم لأنهم عاندوا الله سبحانه، وحادوه، وأشركوا معه في العبادة، ولأنهم ينشرون بهذا التفكير الفاسد الشر والفساد في الأرض، والله تعالى لَا يحب الفساد، وهو ينصر الخير على الشر، والصلاح على الفساد، فالسببية هي إرادة الله تعالى التي بها قوام كل معوج وصلاح كل فاسد. وثانيهما: أن السبب في إلقاء الرعب من حالهم هم، ذلك لأنهم يعبدون ما لا ينفع ولا يضر، ولا تقوم عندهم حجة ولا شبه حجة على صلاحية ما يعبدون للعبادة، ويكون الوهم هو الذي سيطر، والهوى هو الذي تحكم، ومن تتحكم فيه أهواؤه وأوهامه يكون مضطرب النفس مزلزل القلب تزعجه الكوارث، ويضطرب عند نزول أي حادث، فكان الشرك وتحكمه في النفس هو السبب في الرعب والخوف والفزع، إذ هم يخافون من غير مخوف، ويفزعون في غير مفزع. تلك هي حال الكافرين الذين ناوءوا أهل الإيمان، كان سبحانه يلقي الرعب في قلوبهم، ويثبت قلوب المؤمنين، فهل هذه سنة أهل الإيمان مع المشركين وأشباههم دائما؟ والجواب عن ذلك: أنه شأن المؤمنين حقا وصدقا إذا لم يضعفوا ولم يذلوا، ولم يوالوا أعداء المؤمنين على المؤمنين، بل يأخذون الأهبة، ويغلبون الهدى على

стр. 1851

الضلال، ويجعلون الله مولاهم، فإذا رأينا الحال قد تغيرت، فليس ذلك لتغير سنة الله في خلقه، ووعده لأنبيائه والصديقين معهم، بل لتغير حال المؤمنين، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)، ولقد تنبأ ﷺ بما آل إليه المسلمون، وبين أن ذلك سببه الوهن الذي يتولد عن حب الدنيا، وكراهية الموت، وإنه عندما تصاب القلوب بهذه الإصابة ذكر النبي ﷺ أن الله ينزع من قلوب أعدائهم المهابة منهم، فقال ﵊: " ولينزعن من قلوب عدوكم المهابة منكم " (١). فإذا كنا نرى المؤمنين قد أُلقي في قلوبهم الرعب بدل الكافرين، فليس في هذا مخالفة لوعد الله؛ لأن بعض المسلمين في هذه الأيام وَالَوْا الكافرين على المؤمنين، وذلُّوا تحت ولايتهم واستخذوا لهم واستَعْدُوهم على أهل الإسلام، فنزع الله المهابة من أهل الإيمان، فكان ما كان، وشرط إلقاء الرعب في قلوب الكافرين ألا نطيعهم، فقد وقعنا إذن في المنهي عنه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَردّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ كَمَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ). ولقد أطعناهم وواليناهم دون المؤمنين، ولم نتخذ الله مولى لنا، فخسرنا خسرانا مبينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) المأوى اسم مكان من أوى يأوي وهو الذي يرجع إليه الشخص ويعود إليه، ويقيم فيه إقامة طويلة، والمثوى اسم مكان من ثوى يثوي أي أقام إقامة لَا نهاية - لها، والمعنى أن الكافرين إذا ألقى الله في قلوبهم الرعب خسروا وباءوا بخسرانهم في الدنيا، وليس لهم مأوى في الآخرة إلا النار، وبئس هذه النار موضع إقامة دائمة لهم، وقد أظهر الاسم في موضع الإضمار، فلم يقل تعالت كلماته: وبئس النار مثواهم، بل

стр. 1852

قال: (وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) للإشارة إلى أن هذا المآل جزاء وفاقا لظلمهم فهو عقاب يستحقونه بسبب الظلم؛ إذ قد ظلموا أنفسهم فأضلوها وصدوها عن الحق وسبيله بسبب الغواية التي ارتضوها، وظلموا الحق فصدوا الناس عنه، وظلموا المؤمنين وحاولوا أن يفتنوهم عن دينهم واعتدوا عليهم وعثوا في الأرض مفسدين، وخضبوها بالدماء البريئة، فكان ما لقوه من هزيمة ورعب وخسران في الدنيا بعض الجزاء، والجزاء الأوفى في الآخرة. اللهم قنا عذاب النار، اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وقنا شر ما قضيت. اللهم أعزنا بعزتك، اللهم قنا شر الاستخذاء والولاية لغيرك، إنك سميع الدعاء. * * * (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) * * * في الآيات السابقات إشارات إلى بعض ما كان في غزوة أحد من اضطراب القلوب، والرجفة التي أصابت الصفوف، وشيوع القالة المثبطة للعزائم الممزقة

стр. 1853

للوحدة "، وإنتاج هذه المقالة نتائجها؛ في قلوب ضعيفة، ونفوس مريضة بالنفاق. وفى هذه الآيات وما وليها يذكر الله سبب الهزيمة مقترنا بنتائجها في نفوس المؤمنين الثابتين في إيمانهم، الأقوياء في عزيمتهم، الذين احتسبوا النية لله رب العالمين، فقال سبحانه:

стр. 1854

(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) وعد الله تعالى الذين آمنوا بالنصر وعدا عاما عندما أذن لهم بالقتال، ووعدهم في أحد وعدا خاصا، فقد قال في الوعد العام: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠). والوعد الخاص في أُحد جاء ذكره في قوله تعالى: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥). ونرى الوعد بالنصر في الآية الأولى التي كان الوعد فيها عاما كان مقيدا بأن ينصروا الله في قتالهم، لَا يريدون مأربا دنيويا ولا عرضا من أعراض الدنيا، كما ترى الوعد في أُحد خاصة كان مقيدا بأن يصبروا، وقد تخلف الشرطان في أحد، فإن فريقا منهم أراد عَرَضا من أعْراض الدنيا في أثناء المعركة، ولم يصبِرُوا؛ إذ لم يضبطوا إرادتهم ولم تستحصد عزائمهم في طاعة القائد، فإن طاعة القائد من سبل النصر، وتحتاج إلى صبر وضبط نفس، ولذلك لم يكن في أحد ما ينافي صدق الله وعده لنبيه، وصدق النبي في وعده لهم بإذن من ربه . ومعنى صدق الوعد في قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) أن يقع الأمر في الوجود كما وعد الله تعالى وهنا (صَدَقَ) متعدية إلى مفعولين، والمعنى

стр. 1855

قد أوقع الله الأمر في الوجود، كما وعدكم، بروح منه، ولكنكم أنتم الذين لم تلتزموا الجادة، ولم تكونوا ناصرين الله تعالى في المعركة كلها؛ إذ لم يكن قتالكم لله تعالى في هذه المعركة من مبتدئها إلى انتهائها، ولم تضبطوا أنفسكم، وإن وعد الله تعالى لكم بتأييد الملائكة، وهي الأرواح الطاهرة المطهرة، كان مقيدا بالصبر النفسي، ولم تصبروا أنفسكم وبين وقت النصر، وهو وقت ابتداء الحرب، فقال سبحانه: (إِذْ تَحسُّونَهم بِإِذْنِهِ) ومعنى تحسونهم أي تصيبون حِسَّهم بإزالته، وذلك يكون بقتله، فمعنى حَسَّه أصاب حسه، مثل كبده أصاب كبده، وفأده أصاب فؤاده، وشغفه أصاب شغاف قلبه، ولقَد قال في ذلك الأصفهاني: " حَسَسْت، وحسَيْتُ، وأحسست " يقال على وجهين: أحدهما - يقال أصبته بحسي (أي أدركته بإحساسي، ومنه شيء محسوس) والثاني - أصبت حاسته نحو كبدته، وفأدته، ولما كان ذلك قد يتولد عنه القتل عبر به عن القتل، فقيل: (حسسته أي قتلته). والمعنى كان وعد الله صادقا كل الصدف عندما كنتم تقتلونهم بإذنه، مؤيدين منصورين، ومعنى الإذن هنا يتضمن معنى التأييد والتقوية والتثبيت، ولكنكم أنتم الذين أبعدتم أنفسكم عن نصر الله تعالى، وأشار إلى ذلك سبحانه بقوله: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) أي حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم، وَتنازعتم فيما بينكم أنتبع الغنائم نجمعها، أم نطيع الرسول؟ وانتهى أكثركم إلى العصيان من بعد ما أراكم الله - تعالى - ما تحبون من نصر مؤزر ثابت أو من غنائم تحبونها، وتهواها أنفسكم. وهذا يفيد أن الترتيب النفسي يتفق مع الترتيب في الذكر؛ وذلك لأن الفشل، ومعناه العجز النفسي عن الصبر والاحتمال، ترتب عليه التنازع وعصيان الرسول، ولابد أن نذكر هنا بعض ما روي عن ذلك في غزوة أحد، فقد روى البخاري عن البراء بن عازب: " لما كان يوم أحد، ولقينا المشركين أجلس رسول الله ﷺ أناسا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم: " لا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتموهم قد

стр. 1856

ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم " فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن في الجبل (١) وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا (أي ناس من الرماة) يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال لهم عبد الله: امهلوا أما عهد إليكم رسول الله ﷺ ألا تبرحوا؟ فانطلقوا، فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقتل من المسلمين سبعون رجلا " (٢). وإن الرماة لم يذهبوا جميعا إلى الغنائم يجمعونها، بل بقي منهم عدد قليل، قيل إنهم عشرة، ولكن نسب العصيان إليهم جميعا، بل نسب إلى الجيش كله، مع أن غير الرماة كانوا الفريسة لعصيان كثرة الرماة؛ وذلك لأن ما يعم أثره ينسب إلى الجميع، باعتبار ذلك الأثر، وأنهم جميعا كان عليهم أن يتواصوا بالطاعة المطلقة للقائد الخبير، وذلك كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً. . .)، فعلى كل جماعة أن تتضافر في منع ما يضر أثره بها كلها، لَا بالظالمين فقط منها، وإن إثم الآثمين في الجماعات والأمم، ينشأ من سكوت أهل الحق والعدل، ويعيش في ظل صمتهم، ولذلك ينسب العصيان إلى الجميع، ولقد بين سبحانه أن العصيان وإن نسب إلى الجميع كان فيهم من أراد الحق، وفيهم من أراد الدنيا من غير طريقها، فقال سبحانه: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ). هذا تفصيل للتنازع الذي كان بين الرماة، وما كان في الجيش نفسه، وهو خطاب لجمهور الذين اتبعوا النبي ﷺ . . منكم أيها المحاربون من يريد الدنيا بإرادة الغنائم، والقصد إليها، وقد غلبته على نفسه حتى نسى الطاعة الواجبة والخطة المرسومة، وهو إذ يطلب الدنيا في هذا المقام، إنما يطلبها بغير الأخذ في أسبابها الحقيقية التي توصل إلى الغاية فيها، ولذلك ذهب طمعهم بالغنيمة والنصر معا، ولو صبروا حتى سارت الحرب في طريقها، والخطة إلى غاياتها، لنالوا

стр. 1857

النصر والغنيمة معا، فإنه لَا غنيمة إلا بالنصر المستقر، ولا نصر إلا بالتزام خطة القائد الرشيد، ومنكم أيها المجاهدون من يريد الآخرة، وهم أنتم الذين ضبطوا أنفسهم عن الغنيمة، ولم يعصوا ما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو ذهبت الغنائم، وأنتم الذين صبرتم في فتنة الهزيمة العارضة بعد أن اضطربت القلوب وأرجف المرجفون، وتنادى الكاذبون بأن محمدا قد مات، فقد صبرتم وصابرتم، وجاهدتم ونازلتم في الشديدة، والقوي حقا من يملك نفسه عندما تضطرب النفس، ويثبت عندما تكون دواعي الهزيمة، وأولئك أرادوا الآخرة؛ لأنهم ما طلبوا غنيمة، وكان ثباتهم في وقت الفزع دليلا على امتلاء قلوبهم بالإيمان بالله واليوم الآخر. وهنا بحث لفظي يثيره العلماء، وموضوعه (إذا) في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتمْ وَتَنَازَعْتمْ). فقد ذكر الزمخشري وغيره أن فيها وجهين: أحدهما - أن تكون " حتي " بمعنى " إلى "، وأن تكون (إذا) لمجرد الوقت أي أن النصر كان حليفكم تقتلون فيه القتل الذريع، إلى وقت أن فشلتم وتنازعتم في الأمر. والوجه الثاني أن تكون شرطية، وجواب الشرط محذوف، وإن كان مفهوما أنه شر لَا خير فيه، وضرر لَا نفع معه؛ لأن ما يكون مقدمه عجزا واضطرابا نفسيا. وتنازعا في أمر، ثم عصيانا يترتب عليه عدم تنفيذ خطة القائد الحكيم - لَا يكون التالي المترتب عليه خيرا قط، ولم يُذكر لتذهب فيه العقول كل مذهب، وللإشارة إلى أنه شر عظيم لَا يكتنه كنهه، ولا يتصورون حقيقته. وإنه كان من نتائج ذلك الضرر أنكم لم تنالوا بغيتكم من المشركين، ولذا قال تعالى: (ثم صَرَفَكمْ عَنْهمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ). أي النتيجة التي صرتم إليها غير المقصد الذي قصدتم إليه، لقد خرجتم إليهم من مدينتكم لتقتلوهم وتنالوا منهم ما نلتموه في بدر، ولم تريدوا أن تكونوا في المدينة يأتون إليكم، بل أردتم أن تواجهوهم في الميدان لَا في الأزقة وبين الجدران، ولكن بسبب ذلك العصيان من بعضكم صرفكم الله عنهم، أي انصرفتم عنهم بمارادة الله تعالى، ورضيتم أن تعودوا مقهورين، وقد خرجتم لتعودوا

стр. 1858

منصورين بتأييد الله، ولتفاوت ما بين المقصد الأصلي، والنتيجة التي انتهوا إليها بسبب هذا الخطأ الجزئي - عطف بـ " ثم " بدل الواو أو الفاء. وكان التعبير بكلمة (صرفكم) بدل (هزمتم) لأن ما حدث في أُحُد لم يكن هزيمة، وإن لم يكن نصراً؛ لأن الهزيمة تقتضي أن يولي المسلمون الأدبار، وأن يتحكم الأعداء، وليس ما حدث أكثر من أن القتلى في المؤمنين كانوا أكثر من القتلى في المشركين، ولم ينل المشركون بذلك مأربا، فكأن الله يشير لهم بأن ما حدث لَا يصح أن تبتئسوا له، ولا يصيبكم الحزن؛ لأنه ليس هزيمة، بل هو نوع من الصرف عن الغاية التي من أجلها خرجتم. وكان هذا لابد منه ليمحص قلوبكم، وليختبركم بالشدائد التي تصقل نفوسكم، وتجعلها مستعدة لما يأتي به القدر، ولبيان أن الطاعة للقائد الحكيم هي أساس الظفر، والعصيان سبب للاندحار. (وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) في هذا النص السامي يبين سبحانه عفو الله تعالى ليرفع من نفوسهم، ويذهب الحسرة من قلوبهم، ويحيي موات العزة التي اختفت في وسط ذلك المضطرب، ولقد أكد عفوه بعدة تأكيدات أولها: بالتعبير بـ " قد "، فإنها للتحقيق، واستعمالها في أكثر آي القرآن للتحقيق، وثانيها: باللام. وثالثها: بالتعبير بالماضي. ولماذا أكد عفوه بهذا التأكيد؛ لأن أولئك الأبرار الذين أخلصوا دينهم لله تعالى قد تجسم في نفوسهم خطؤهم، حتى توهموا أنه غير قابل للغفران، فإن المؤمن التقى يستكثر هفوته، ويستصغر حسنته؛ لأنه يحس بحق الله تعالى عليه، ووجوب شكر النعم التي أنعم بها، وبمقدار قوة الإيمان يغلب المؤمن خوف العقاب على رجاء الثواب. ولقد ذيل سبحانه الآية بقوله تعالى: (وَاللَّهُ ذو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) لبيان فضل الله تعالى العميم على عباده المؤمنين، فكل شيء بفضله، فنصرهم في بدر بفضل منه، ونصرهم في الابتداء في أُحد كان بفضل منه، وخذلانهم بفشلهم

стр. 1859

وتنازعهم فيه فضل بتعليمهم حق الجهاد وواجبه، وعفوه عنهم هو الفضل كله، ولقد تأكد فضل الله تعالى في الآية بقوله: (ذو فَضْلٍ) أي صاحب فضل، والمرمى أن الفضل يلازمه، ولا ينقطع عنه أبدا. * * *

стр. 1860

(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ... (١٥٣) * * * هذا بيان لبعض ما جرى للمسلمين في أحد، بعد أن نزل الرماة إلى ميدان الغنيمة في غير الوقت المحدود، وهو يصور جيش الحق، وقد اضطرب بسبب ذلك الغلط الذي كان يبدو صغيرا لمن وقعوا فيه، وله نتائج خطيرة، والصورة البيانية التي تستمد من النص الكريم ترينا كيف كان المقاتلون يسيرون على غير مقصد يقصدون إليه، لا إلى النجاة بأنفسهم يسعون، وقد أحيط بهم، ولا إلى العدو يقصدون، وقد أظهر أنه استعلى عليهم مؤقتا وظنوا هم في أنفسهم الظنون، ولا فوضى في جند أكثر من أن يسير على غير مقصد، وجيش الإسلام وهو في هذه الحيرة وهذا التيه كان النبي ﷺ في آخره يدعو جنده قائلا فيما روي عنه: " إليَّ عبَادَ الله إليَّ عبَادَ الله، أنا رسولُ الله، من يكرُّ فله الجنة " (١). ومعنى (تُصْعِدُونَ) تسيرون في بطن الوادي؛ لأن الصعود معناه الارتفاع، والإصعاد مغناه السير في بطن الوادي؛ وقال أبو حاتم في هذا: (أصعدتَ إذا أمْضَيْتَ حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره). وقال قتادة: أصعدوا يوم أحد في الوادي. ومعنى (تلوون) تعطفون في سيركم إلى مقصد تقصدونه. ولقد جاء في المفردات للأصفهاني: يقال فلان لَا يلوي على أحد إذا أمعن في الهزيمة. والمعنى: عفا الله عنكم في الوقت الذي وقعتم فيه في الفوضى والاضطراب، وأصبحتم تسيرون في بطن الوادي لَا تقصدون، ولا تبتغون أمرا،
следующие страницы →