← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

هذه الجملة بيان للاستبشار السابق، والتخريج في معنى كلمة الاستبشار الذي ذكرناه في النص السابق يجري فيها. والمعنى أن هؤلاء الشهداء يطلبون البشرى بنعمة من الله تعالى، وهي نعمة جزيلة كريمة فاضلة لأنها صادرة عن مانح النعم لهذا الوجود كله ومسديها لكل حيّ، والنعمة هنا هي نعمة الانتصار، والفضل هو ما يسبغه الله تعالى على أهل الحق من عزة، وطلب له شاعرين بأن الموت في سبيل الله هو عين البقاء، والحياة في باطل هي عين الفناء، فالاستبشار من هؤلاء الأطهار استبشار بالعزة لدينهم وللحق الذي افتدوه بأجسامهم وخفقت من بعد ذلك أرواحهم، فهم يستبشرون بنعمة النصر وفضل العزة للذين جاءوا من بعدهم، فنعمتهم هم وفضل الله عليهم في نصرة الإسلام بعدهم، وكون الله تعالى لَا يضيع أجر المؤمنين، بأن يعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم، وليس الاستبشار هنا بما ينالونه هم، بل بما ينال الإسلام والمؤمنين من بعدهم، والدليل على ذلك أن الاستبشار هنا بيان للاستبشار الذي سبقه، والاستبشار الذي سبقه كان لأن الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم لَا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأيضا فإن المؤمنين الذين لَا يضيع جزاؤهم في الدنيا بالنصر، ولا في الآخرة بالنعيم المقيم، بينوا بأنهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: * * *

стр. 1927

(الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ... (١٧٢) * * * أصل استجابوا: طلبوا الإجابة، والمعنى هنا أنهم عالجوا أنفسهم وطلبوا إجابة داعي الله إلى النصر، فأجابوا، فالاستجابة لأن السين والتاء للطلب تدل على أنهم راضوا نفسهم على إجابة الله تعالى، ونالوا ذلك الشرف العظيم؛ إذ أجابوا داعي الله ورسوله من بعد ما أصابهم ذلك الجرح ولم ينهنه من قوتهم، بل استرسلوا في قوة وصبر وعزيمة، واستثارهم الجرح ولم يضعفهم، وأنهم أجابوا الداعي فور الواقعة، فإنه يروى في ذلك أنه لما رجع المشركون قالوا: (لا محمدًا

стр. 1928

قتلتم، ولا الكواعب أردفتم (١)، بئسما صنعتم، ارجعوا). فسمع رسول الله ﷺ بذلك فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد، ولكن خذل الله المشركين، وقوى المؤمنين، فرجع المشركون من حيث جاءوا، ويروى أن النبي ﷺ عندما ندب المؤمنين أذن مؤذن رسول الله بطلب العدو، وأذن مؤذنه " ألا يخرجن معنا إلا من حضر أُحدا (٢)، فخرجوا فهؤلاء هم الذين استجابوا لله والرسول، لأنه لم تأخذ الهزيمة من نفوسهم، وإن أصيبوا بكلوم في أجسامهم، وقد قال في جزائهم. (لِلَّذِينَ أَحْسَنوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْر عَظِيمٌ) اختص من أولئك الذين جاهدوا ولم يستشهدوا بعد بأن لهم أجرا عظيما، وهنا يلاحظ ثلاثة أمور: (أولها) أن الله لم يذكر الأجر لهم جميعا، لأنهم كانوا أحياء، والحيّ قد يغير ويبدل، فكان لابد من التقييد بالإحسان والتقوى، أي يستمر على ما هو عليه. (وثانيها) أن الإحسان هنا غير التقوى، إذ الإحسان هو إجادة الخطة، واتباع المنهج المستقيم في القتال، وذلك لابد منه في الانتصار، والطاعة المطلقة للقائد من إحكام الخطة. (ثالثها) أن التقوى - وهي وقاية النفس من الغرض والهوى والاتجاه إلى الله وإخلاص وقلب سليم خال من الشوائب - أساس الأجر العظيم، والله بكل شيء عليم. * * *

стр. 1929

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) * * * الكلام متصل بالكلام في أعقاب أحد، وقد ذكر الله الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابتهم الجراح، ولم تمنعهم هذه الجراح من أن يجيبوا داعي الله، ويستعدوا، ويتقدموا؛ ويتغلبوا على روح التردد والهزيمة التي كان يبثها المنافقون، وترشح لها الجراح، وإن أبا سفيان قد هم أن يرجع إلى المدينة، فخرجوا للقائه، ولكن ثبطه الله، فعادوا، ولقد كان أولئك الذين استجابوا لداعي الجهاد، وهم في تلك الحال، لهم موقف آخر جليل ذو شأن في الجهاد، وأثر في الإسلام، ولقد ذكر الله ذلك الموقف بقوله تعالت كلماته:

стр. 1930

(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهًمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا). وقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) الموصول فيها بدل من الموصول في قوله تعالى: (الَّذينَ استجابوا لله والرسول) فهم طائفة واحدة لم تتعدد، ولكن تعدد عملهم، فهم في الأول لم تثقلهم الجراح عن أن يجيبوا الرسول ﷺ ، وهم في الثاني لم ترهبهم أقوال الناس. . المتضافرة عن أن يتقدموا للقتال، وقد

стр. 1931

تكاثرت أسباب الرهبة، وأخبار الاستعداد، فهذا موقف آخر، وإن كان الذين نالوا الفضلين طائفة واحدة، وذلك الموقف هو أن أبا سفيان ومن معه لما رجعوا لا يلوون على شيء، قال للنبي ﷺ : موعدكم بدر القابل فقبل النبي ذلك التهديد، وكان ذلك في شوال من السنة الثالثة، وكان تجار قريش يقدمون إلى بدر في ذي القعدة، ويسمون ذلك بدرا الصغرى، فاستعد النبي ﷺ للقائهم بعد نحو شهر من أحد، وخرج أبو سفيان في أهل مكة ولكن ألقى الله الرعب في قلوبهم، فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا، فقال: يا نعيم إني أوعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن وقد بدا لي، ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فالحقْ بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل، ويروى أن الذين دسهم أبو سفيان ليبثوا الهزيمة في قلوبهم هم ركب عبد القيس، ويظهر أنه تكرر ذلك الدس من أبي سفيان، ولذلك قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهم النَّاسُ) أي تضافرت الأخبار من هؤلاء الناس الذين اندفعوا يثبطون، ويقولون إن الناس - أي مشركي مكة - قد جمعوا لكم، وكانوا يقولون في أخبارهم المثبطة الملقية بالرعب لمن لَا يعتمد على الله تعالى وقد وجدوا المؤمنين يتجهزون للمعركة: (ما هذا برأى، آتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم أحد إلا شريدا، أفتريدون أن تخرجوا، وقد جمعوا لكم عند الموسم؛ فوالله لا يفلت منكم أحد) فقال ﷺ : " والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد " (١) فخرج في سبعين راكبا، وقيل ألف راكب. وقوله تعالى حكاية عنهم: (قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) قد حذف فيه المفعول، فلم يقل جمعوا جيشا، وذلك ليذهب الخيال كل مذهب في مقدار ما جمعوا من

стр. 1932

أسلحة، ومقدار من جمعوا من الرجال وأموالهم، فيكون ذلك أشد تخويف، ولكن لم يثبط ذلك من عزيمة المسلمين وإرادتهم القتال، وقد حكى سبحانه حال المؤمنين بقوله تعالى: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ). أولئك المثبطون الدساسون قالوا ما قالوا، وقالوا: اخشوهم، أي قَدِّرُوا أنهم سينزلون بكم الأذى الشديد والقتل الذريع إن خرجتم، فهو إفزاع عن المستقبل، والفرق بين الخوف والخشية أن الخوف يكون من أمر حاضر، والخشية من أمر متوقع، وهي إن كانت في الحاضر تكون خشية من قوى لما يكون منه في القابل. وكان أثر ذلك الدس المرهب أمرين: أحدهما: زيادة الإيمان، والثاني التفويض إلى الله تعالى. فأما زيادة الإيمان هنا فمعناها قوة اليقين ومحدم تضعضع الثقة في الله تعالى. والأمر الثاني الذي كان أثرا لذلك الكلام المدسوس المثبط أنهم قالوا: (حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكيل) ومعنى حسبنا أي كافينا، أي إذا كانوا هم يستنصرون بقواتهم يحشدونها، وعددهم يستكثرون به، ويعدون ذلك كفايتهم، فنحن كفايتنا من الله تعالى، وقد وعدنا بالنصر، وهو نعم النصير المعاون، فالوكيل هنا معناه النصير الكفيل المعاون، والوكيل الذي يستعان به في الدنيا إنما يكون لفضل قوته أو خبرته أو حكمته، فكيف يكون والمستعان هو الله ، وهو نعم المولى ونعم النصير، فالوكيل هنا هو القادر الذي توكل إليه الأمور. ويتكلم العلماء حول قوله تعالى: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) فيقولون هل الإيمان يزيد وينقص؟ لقد قال بعض العلماء إنه لَا يزيد ولا ينقص لأنه اعتقاد وإذعان، وتلك حقيقة ثابتة إما أن توجد كاملة وإما ألا توجد، ويكون معنى الزيادة على هذا الرأي ليست زيادة أصل الإيمان، إنما زيادة الثقة بنصر الله تعالى وعونه، وذلك من ثمرات الإيمان، لَا من أصله، وهو شعبة منه، وليس جوهره.

стр. 1933

وقال آخرون وهم الأكثرون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقد قال الزمخشري في تصوير ذلك الرأي من هذه الآية: لما أخلصوا النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام كان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى لاعتقادهم، كما يزداد الإيقان بتناصر الحجج، ولأن خروجهم على أثر التثبيط - إلى العدو طاعة عظيمة، والطاعات من جملة الإيمان لأن الإيمان اعتقاد وإقرار وعمل، وعن ابن عمر ﵁ أنه كان يأخذ بيد الرجل، فيقول: قم بنا نزدد إيمانا، وعنه: " لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح ". ولقد قالوا: إن قوة الإيمان بإشراقه في القلب، وشدة ذلك الإشراق، وروي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. عن النبي ﷺ : " إن الإيمان ليبدو لَمْظَة بيضاء في القلب، وكلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة " (١). أي كثر الصفاء وأشرق البياض، وكان العمل الصالح. والإيمان هو اليقين الجازم القاطع واليقين وهو من حيث أثره في النفس ثلاث مراتب: أولاها: علم اليقين، وهي أن تتوافر الأدلة والاطمئنان حتى يكون اليقين الجازم القاطع الذي لَا يكون معه شك ولا ريب، ولا إنكار أو جحود، بل تسليم وإذعان من غير مماراة. وثانيها: عين اليقين، وهو أن تكون أعماله كلها وفق ذلك الاعتقاد الجازم، فيكون اليقين قد رؤى عيانا في الجوارح والأعمال. والثالثة، وهي المرتبة العليا: حقيقة اليقين، وهي أن يصل إلى درجة تشبه المشاهدة أو تكون من جنسها وهي التي قال فيها النبي ﷺ : " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (٢) وهذه مرتبة المشاهدة ولقد وصل إليها الأبرار من أصحاب النبي ﷺ مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ولقد قال علي كرم الله

стр. 1934

وجهه (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا) لأنه ﵁ وصل إلى مرتبة المشاهدة. وفي الجملة فإننا نرى أن الإيمان يزيد وينقص والله عليم بذات الصدور. * * *

стр. 1935

(فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ... (١٧٤) * * * بعد أن خرج أولئك الأبرار الأطهار، وقد استعدوا إلى اللقاء عادوا من بدر إذ لم يجدوا (١)، فمعنى انقلبوا عادوا. والانقلاب في العودة تصوير للحال الحسية عند العودة، لأنهم بعد أن كانوا مستقبلين بدرا استدبروها وبعد أن استدبروا استقبلوها، وهذا التعبير يدل على أنهم عادوا كما خرجوا لم يقتلوا ولم يقاتلوا، ولكن صحبهم في هذه العودة أمور أربعة: أولها - نعمة الله عليه إذ خذل أعداءهم وثبطهم وألقى الرعب في قلوبهم وأحسوا بأنهم وحدهم لَا قِبَلَ لهم بمحمد ﷺ والذين آمنوا معه، ولذلك لما عادوا إلى القتال ومحاولة ضرب المدينة ضربة قاصمة جمعوا العرب بشتى قبائلهم في غزوة الأحزب في العام الثاني، وثانيها - الفضل من الله، وقد فسر كثيرون الفضل بأنه فضل مالي؛ لأن المسلمين لما لم يجدوا قتالا اتجروا في بدر، ويروى أن عيرا كبيرة مرت ببدر في هذا الموسم من سوقها فاشتراها النبي ﷺ فربح مالا، وقسمه بين أصحابه وذلك الربح هو الفضل، وقد روى البيهقي ذلك عن ابن عباس ﵄ (٢) ولا مانع من أن نعتبر ذلك الفضل معنويا، وهو فضل الجهاد والنية المحتسبة وقد باعوا أنفسهم لله تعالى، ولعل الأولى أن نقول: إن الفضل يشمل النوعين الربح المالي، والشرف المعنوي، وكلاهما قد نالوه. وثالث الأمور - أنهم عادوا سالمين، وهذا معنى: (لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) أي لم تنزل بهم جراح، بل إنه حتى الأمر الذي يسوءهم لمْ يمسَسْهم بل قد عادوا

стр. 1936

فرحين مستبشرين، ورابع الأمور - أنهم اتبعوا رضوان الله، أي اتبعوا أمر الله تعالى، وساروا في الطريق الذي يكون فيه رضوانه ﵎، ورضوان الله أعظم ما يناله المؤمن، وحسبه أن يكون في عمل فيه رضوان الله الذي هو أكبر النعم لينال حظي الدنيا والآخرة، وإن هذه النعم التي نالوها هي من فضل الله تعالى: (وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) ختم الله هذه الآية الكريمة بذلك النص السامي وهي تصف المولى العلي الكريم بأنه صاحب فضل عظيم لَا تكتنه حقيقته، ولا يحده الحصر، وقد بدا فيما أسبغه الله تعالى من نعم على الناس أجمعين، وما أنقذ به عباده المؤمنين من شر الكافرين، وما وفقهم له من طلب رضوانه وما نصرهم به من نصر مؤزر، والتنكير في الفضل ووصفه لإفادة كثرته وقوة أثره. ومن أفضل نعم الله أنه ثبت قلوب المؤمنين، فلم يفزعوا عندما دست الأخبار لإفزاعهم وترويعهم، فلم يروعوا لأن الله حاميهم وهم اعتمدوا عليه وهو وليهم؛ والترويع من الأوهام إنما يكون لأولياء الشيطان، ولذلك قال سبحانه موازنا بين أهل الإيمان وأهل الكفر والشيطان: * * *

стр. 1937

(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ... (١٧٥) * * * الخطاب في الآية للمؤمنين الأقوياء أي إن الإرهاب والإفزاع يكون من أولياء الشيطان (١)، وهو يخوف أولياءه ونصراءه بهذا التخويف وذلك الإفزاع، لأن أولئك لَا يهمهم إلا الحياة الدنيا، ودائرة سلطان الشيطان في أن يحملهم على ألا يؤمنوا بالحياة الأخرى، وما دامت الدنيا همهم اللازم، فإنه لَا يهمهم إلا الفوز الحاضر، ومن هنا يجد الشيطان موضع ثقته ووسوسته، فأولياء الشيطان إذا كانوا قد خوَّفوا المؤمنين بالكثرة والعدد والهزيمة القريبة، فذلك هو منطقهم ومنطق الشيطان، أما المؤمنون فهم أولياء الله ولا يعتمدون إلا عليه، ولهم إحدى الحسنيين إما النصر العاجل

стр. 1938

ومعه الجزاء، وإما الاستشهاد والثواب المقيم، ورضوان الله أكبر، وهو ثابت في الحالين، ولذلك لَا يفزعهم مثل هذا التهديد الذي حملته رسل أبي سفيان، ويكون المعنى على هذا، إن تخويف الشيطان المبني على الإفزاع والإرهاب إنما يكون أثره في أوليائه من الكافرين والمنافقين، ولا يمكن أن يكون له أثر في قلوب المؤمنين، والإشارة في قوله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكمُ) هي للعمل الذي قام به أولئك الذين دسوا القول المفزع المثبط في النبي ﷺ والذين آمنوا معه، وجعل المسند إليه من قبيل ذكر السبب وإرادة المسبب، فالمعنى: إنما ذلكم القول المدسوس هو الشيطان أي عمله وتدبيره، ولا يمكن أن يكون إلا في أوليائه، والله ولي الذين آمنوا، والشيطان على هذا هو إبليس اللعين الذي أضلهم ويخوفهم، هم ومَن هم على شاكلتهم من المنافقين. ولقد أكد الله سبحانه ولايته لهم، ونصرته لهم فقال ﵎: (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) أي فلا تخافوا تهديدهم الذي هو تدبير الشيطان، فإنه إذا كنتم أولياء الله، ولا يهمكم إلا رضاه، ولستم أولياء الشيطان، ولا أثر له في قلوبكم، فلا يصح لكم أن تخافوا أولياء الشيطان، ولا تدبيره، والله معكم، ولذلك لَا تخافوا سواه ما دام الإيمان شأنكم ووصفكم، فضعوا في نفوسكم ولاية الله ونصرته وتقواه، وضعوا أيضا في نفوسكم خشية عقابه ورجاء رضاه، فإن فعلتم خفتم الله وأرضيتموه، واتبعتم طريق السداد، وكنتم في أمن من الشيطان وأوليائه. والخوف أمر نفسي لَا قدرة للإنسان على منعه، فكيف يكون النهي عنه؛ والجواب عن ذلك أن النهي عن الخوف نهى عن أسبابه، ودعوة إلى رياضة النفس على الصبر؛ وذلك لأن سبب الخوف والجبن حب الدنيا وكراهية الموت، وعدم عمران القلب بذكر الله وعدم الإحساس بولاية الله تعالى، وضعف الثقة بالنفس وبالله، فالله إذ نهى المؤمنين عن الخوف من الشيطان فمعناه النهي عن أسباب الخوف والأخذ في أسباب القوة، بالتقوى وذكر الله تعالى، والاتكال

стр. 1939

عليه تعالى بعد الأخذ في الأسباب، والإيمان بأن الله تعالى ناصر دينه، وناصر من استمسك به وأخذ بعروته ولم يتركها قط. والمقابلة بين النهي عن الخوف من أولياء الشيطان، والأمر بالخوف منه سبحانه، فيها بيان علاج النفس إذا ضعفت وخافت من الشيطان وأوليائه، فدفع الخوف من أولياء الشيطان يكون بالخوف من الله تعالى، فمن خاف الله تعالى حق الخوف منه لَا يخاف أحدا من العباد إذا عاندوا وحادوا الله ودينه، لَا يخاف أهلَ الضلال من يخافُ الله (١). ولقد كان المشركون بعنادهم المستمر ومقاتلتهم النبي ﷺ وأصحابه بعد فتنتهم يوغلون في الكفر، والنبي ﷺ تذهب نفسه عليهم حسرات، فهو لَا يخاف منهم، ولكن يشفق، ويتمنى أن يجيئوه مؤمنين، بدل أن يأخذهم مقتولين، ولقد نهاه سبحانه عن الحزن عليهم فقال تعالى: * * *

стр. 1940

(وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ... (١٧٦) * * * والمعنى لَا يحزنك ولا تكن في نفسك حسرة على الذين يسارعون في الكفر أي يوغلون فيه وينتقلون من درجة إلى درجة فينتقلون من الضلال والجحود إلى التضليل ومن التضليل إلى الفتنة ثم القتال، ثم التدبير الخبيث والمكر السيئ، ولقد فسر الزمخشري كلمة (يُسَارِعُون فِي الْكُفْرِ) بمعنى الوقوع فيه سريعا من غير تريث وتدبر وتفكير، والأول عندي أوضح، لأن الكلام ليس في الذين وقعوا فيه من جديد، وإنما هو في الذين مردوا عليه وأوغلوا فيه واستمروا عليه، والنهي عن الحزن نهي عن الاسترسال فيه، ونهي عن أسبابه، وهو الظن بغلبة الضلال على اليقين والكفر والإيمان، ولقد طمأن الله تعالى نبيه تأكيدا للنهي، ونفيا لمبرراته، فقال سبحانه: (إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) أي إنهم مهما يتماد شرهم وطغيانهم وفتنتهم الناس عن دينهم، فلن يضروا الله شيئا من الضرر ولو صغيرا. فلن ينقص كفرهم

стр. 1941

من سلطان الله، ولن يزيد إيمانكم من سلطان الله تعالى، فالله غالب قاهر فوق عباده، فعظمة الله لَا يُنقصها كفر، وقد زكى سبحانه النهي عن الحزن بأمر آخر وهو بيان أن الله أراد لهؤلاء ما هم عليه، وإن كان باختيارهم، ولذا قال سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ) أي أنه لَا يصح أن تحزن لمسارعتهم في الكفر وانحدارهم في مهاويه؛ لأن الله سبحانه هو الذي لم يجعل لهم حظا في الآخرة، فما عصوا الله تعالى غالبين لإرادته، بل عصوا بإرادتهم وإرادته سبحانه، وإن كان لَا يرضى لعباده الكفر، وفرق ما بين الرضا والإرادة، فالله لم يرد أن يجعل لهم حظا في الآخرة، ولكنه لَا يحب الكفر ولا يرضاه. فالمعنى أن كفرهم ليس مراغمة لله - سبحانه - حتى تحزن وإنما هو بإرادته لأنه أراد ألا يكون لهم حظ من الخير في الآخرة ولهم بدل الحظ من الخير عذاب عظيم، ولذلك قال سبحانه: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم)، لتهديدهم بما يستقبلهم فوق الخزي العظيم في الدنيا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. * * * (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) * * *

стр. 1942

النص الكريم في بيان معاملة الله تعالى للذين تركوا الحق، ويتبعون الضلال، ويُحادُّون الله ورسوله سرا وإعلانا، وقد بين سبحانه في الآية أنه لا يصح أن تكون مسارعة الكفار في الكفر وتنقلهم من حال إلى حال فيه سببا في حزنك، وإلقاء الغم في قلبك، لأنهم لَا يضرون إلا أنفسهم ولن يضروك شيئا ما دام الله سبحانه معك، ولن يتخلى عنك، وفي هذه الآيات يبين معاملة الله تعالى لهؤلاء الكافرين، واختباره سبحانه للمؤمنين، وأنه قد قدر كل ذلك في علمه المكنون الذي لَا يطلع عليه أحد، وقد قال سبحانه في أوصاف الكافرين:

стр. 1943

(إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). هذه الآية تبين حال الذين عاندوا الرسول، ولم يخلصوا في طلب الحق، وهؤلاء أقبلوا على الكفر راغبين فيه طالبين له، حتى إنهم ليجعلون الإيمان الذي أودعه الله تعالى النفوس في تكوينها، وجعله موضع النور في كيانها - ثمنا يقدم في نظير الكفر الذي يأخذونه، وفي هذا دلالة على أمرين: أولهما: أن الكافرين طمس على قلوبهم فاستبدلوا بفطرة الإيمان التي فطر الله الناس عليها كفرا قامت الدلائل على بطلانه فكان هذا دليلا على تمكن الضلال، وكل ما يقع منهم بعد ذلك من شر يجب أن يكون متوقعا، فيهون أمره، ويضعف في النفس أثره. ثانيهما: أن الإيمان في ملك كل إنسان، وهو الأصل الذي يجب أن يهتدى إليه عندما تلوح ظواهره وبيناته فإن الله تعالى قد ألهم كل نفس فجورها وتقواها، والبينات الشاهدة الواضحة المؤيدة الهادية تجعل الإيمان في قبضة يد طالب الحق، فإذا فتح قلبه للكفر، فقد باع أغلى شيء في الوجود، وهو الإيمان، بأحقر شيء في الوجود وهو الكفر، والكلام بعد ذلك فيه استعارة تمثيلية، وهي تصوير الكافر الذي يترك بينات الله وآياته، وإنها لكثيرة، ويختار الضلال مع قيام الأدلة على بطلانه، بمن يكون في يده أجود بضاعة، ويبيعها بأرخص الأثمان، بل بشيء

стр. 1944

لا يفيد قط، وفيه إشارة إلي أن الكافرين يعلمون أم ما هم عليه هو الباطل، ولكنه العناد والطغيان، وقد ذكر ذلك بقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ. . .). وقد بين سبحانه أن هؤلاء الذين اتجروا بإيمانهم وجعلوه سلعة تباع - مغبة فعلهم عليهم وحدهم دون سائر الناس، ولن يضروا المؤمنين إلا أذى والعاقبة للمتقين، ولذا قال سبحانه: (لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) أي ليس في طولهم ولا في طاقتهم أن يضروا دين الله تعالى ولا رسول الله ﷺ ، ولا المؤمنين بالله تعالى شيئا من الضرر الذي تكون عاقبته انتصارهم إلى النهاية، فإن الله تعالى ناصر دينه خاذل أعداء الحق، فإضافة إرادة الضرر إلى الله تعالى على حذف مضاف، أي وتقديره دين الله أو رسوله أو المؤمنين بالله، وفي حذف المضاف إشارة إلى أن ما يفعله المشركون ويوجهونه إلى المؤمنين إنما يوجهونه إلى الله تعالى رب العالمين، وذلك إعلاء للدين وللرسول وللمؤمنين. وإذا كان أولئك لَا يضرون الله فهم لَا يضرون إلا أنفسهم، وبين سبحانه الضرر الذي يلحقهم بقوله سبحانه: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي عذاب مؤلم شديد الإيلام لهم في الدنيا وفي الآخرة، فآلامهم في الدنيا هزائم تتلوها هزائم، وخزي وسقوط لهم عن علياء طاغوتهم إلى الدرك الأسفل، وفعيل هنا بمعنى فاعل، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ. . .)، بمعنى مبدع. ولقد يسأل سائل: لماذا يتمتع هؤلاء بالسلطان، ولماذا ينتصرون أحيانا؛ فبين سبحانه أن ذلك إملاء لهم، فقال: * * *

стр. 1945

(وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ... (١٧٨) * * * قد يرد على الخاطر: إذا كان أمر الله هو الغالب فَلِمَ يترك هؤلاء في هذا النعيم؟ فقال سبحانه ذلك النص الكريم.

стр. 1946

الإملاء: الإمهال والتخلية بين العامل والعمل ليبلغ مداه، من قولهم: أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء، ويطلق الإملاء على طول العمر، وهو من أملى بمعنى أعطاه ملاوة أو مهلة من الزمان. جاء في مفردات الراغب الأصفهاني: " الإملاء: الإمداد، ومنه قيل للمدة الطويلة ملاوة من الدهر، وملى من الدهر ". وهنا في النص الكريم قراءتان إحداهما بالياء أي: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ) ويكون النهي عن الظن متجها للذين كفروا، والمعنى على هذا لَا يجل بخواطر أولئك الكافرين أن إملاءنا لهم بإعطائهم نعيما في الدنيا، وإرخاء العنان لهم، وتمتيعهم وعدم القضاء عليهم دفعة واحدة - فيه خير لهم، ويكون مفعولا يحسب قد سد مسدهما " أنْ " المصدرية و " ما " بعدها فإن ذلك كثير في القرآن وكثير من كلام العرب، كقولك عن شخص: لَا يحسب أنه عالم. وعلى القراءة الثانية (١)، (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) يكون الخطاب بالنهي متجها إلى النبي ﷺ ، ويكون المفعول الأول هو (الَّذِينَ كَفَرُوا)، و (أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأَنفسِهِمْ) بدل من الذين كفروا، وسد مسد المفعول الثاني، ويصح أن يكون هو المفعول الثاني، ويكون المعنى على هذا: لا تظن يا محمد ولا يظن أحد من أمتك الذين كفروا قد أُمْلِي لهم لخير يأتي هم، ويكون توجيه الظن إلى الذين كفروا له فائدة؛ لأن الظن قد سبق إلى المؤمنين من أشخاصهم، وما أوتوا من مال وقوة وعزة نفر، وبقاءهم على هذا أمدا طويلا. وقد صرحِ سبحانه من بعد ذلك بنتيجة الإملاء فقال سبحانه: (إِنَّمَا نمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مهِينٌ).

стр. 1947

والمعنى أننا لَا نملي للذين كفروا إلا لنتيجة واحدة مقررة ثابتة، وهي أن يزدادوا إثما، وينالهم عذاب مهين مذل لهم في الدنيا والآخرة، فإنهم إن كانوا قد نالوا في هذا الإملاء نعيما وعزا، فإنهم بعد ذلك سينالهم العذاب الأليم المهين الذي لَا يكون لهم قِبَلٌ بدفعه. و" اللام " هنا لبيان العاقبة لَا للتعليل والغاية وذلك كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا. . .)، وذلك بيان للنتيجة، لأن نتيجة الالتقاط كانت كذلك، وإن كان الباعث في الحقيقة هو أن يتخذوه لهم وليا وموضع سرور، وبهذا تكون الآية مبينة لغاية عملهم، وأن النتيجة شر لهم لا محالة. وقد يقول قائل: إن من الكافرين من تكون زيادة الإملاء له سببا في زيادة خير يقوم به وإن كان كافرا، وإن من هؤلاء الكافرين من يؤمن ويحسن إيمانه، فكان حقا أن الإملاء أنتج خيرا إذ مكنهم من الإيمان. ونقول في الإجابة عن الأول إن زيادة الإثم، لَا تمنع وجود فعل خير، وهم يزداد إثمهم باستمرارهم على الكفر ومشاقة الله ورسوله على أن ما يفعلون من خير يحبطه جحودهم وإنكارهم ومعاندتهم لله سبحانه إذ تنقصهم عند فعل الخير النية الطيبة. وعن الثاني نقول: إن زيادة الإثم مشروطة باستمرارهم على الكفر، لأن الإملاء ينقطع بإيمانهم، وإن الإملاء إنما هو لأجل مشاقة الله ورسوله وإعلان الكفر ومحادة الحق، وبإيمانهم تنتهي هذه المشاقة فيزول سبب الإملاء، وإن زيادة الإثم إنما هي منوطة بوصف الكفر، فبانتهائه تزول الزيادة، بل يغفر الله ما سبق كما قال تعالى: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَروا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ. . .).

стр. 1948

وقد وصف عذاب هؤلاء بأنه مهين ليتعزى المؤمنون عما يرون من عزة هؤلاء وسلطانهم ببيان أنهم سيكونون من بعد في أشد الذلة؛ لأن عذاب الله سبحانه سيريهم الهوان الحقيقي الدائم الذي لَا رفعة معه. وقد بين سبحانه أن تلك الشدائد التي تنزل بالمؤمنين هي خير لهم ليتبين الطيب من الخبيث، ولذا قال سبحانه: * * *

стр. 1949

(مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... (١٧٩) * * * كانت هذه الشديدة التي نزلت بالمسلمين في غزوة أحد سببا في أن عُرف المؤمنون الصادقون من المنافقين وضعاف الإيمان، وقد بين سبحانه أن شأن الله تعالى في عباده أن يختبرهم، ويصهر جماعتهم بالشدائد لينفصل عنهم الخبث، كما ينفصل الخبث عن الذهب بصهره، و " يذر ": معناها يترك، وقوله: (عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْه)، من اليسر، وعدم التعرض للشدائد، ومعنى (يَمِيزَ) يفصل، وقرئ (يميِّز) (١) أي يحدد ويبين، والطيب هو الصادق الإيمان، والخبيث هو المنافق ومن يثق به من ضعاف الإيمان، ومعنى النص الكريم: ما كان من شأن الله تعالى وسنته في عباده، ومعاملته لأهل الإيمان والصدق أن يتركهم في حال من اليسر الذي لَا صعوبة معه، فإن ذلك يجعلهم مختلطين لَا مميز يميز من دخل في الإيمان وأشرب قلبه حبه، ومن دخل في الإسلام ولم يذق حلاوته، ومن أضمر الكفر وأظهر الإيمان، وما كان الله تعالى ليتركهم غير متميزين حتى يبين الخبيث من الطيب، وتنفصل الأقسام، وتتميز كل جماعة بحقيقتها. وهذا على أن قوله تعالى: (عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْه) من نصر مستمر، لَا مشقة فيه ولا ابتلاء، وعلى أن قوله تعالى: (عَلَى مَا أَنتَمْ عَلَيْهِ) بمعنى مختلطين غير متميزين يكون السياق واضحا، وقد بينه الزمخشري بقوله: (لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب بأن يكلفكم التكاليف الصعبة التي لَا يصبر عليها إلا الخلَّص الذين امتحن الله قلوبهم كبذل الأرواح في الجهاد، وإنفاق الأموال في سبيل الله، فيكون عيارا

стр. 1950

على عقائدكم، وشاهد بضمائركم، حتى يعلم بعضكم ما في قلب بعض من طريق الاستدلال، لَا من جهة الوقوف على ذات الصدور والاطلاع عليها فإن ذلك مما استأثر به علم الله). وإن أولئك المنافقين الذين يتخذون من الهزيمة دليلا على عدم صدق الرسول لكاذبون، لأن الله لَا يطلع على غيبه أحداً، وماكان لكم معشر المؤمنين أن تعلموا حقيقة المنافقين وضعاف الإيمان فإن ذلك من الغيب. (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) الغيب ضد المشاهد، وهو ما غيب عنا مما لَا نعلمه بطريق الحس ولا تصل عقولنا المجردة إلى معرفته، كالعلم بما يكون في المستقبل، وحقيقة الملائكة وذواتهم، وغير ذلك مما غيب الله عنا علمه، و " اجتبى " معناها اختار واصطفى، والمعنى: من شأن الله تعالى أن لَا يطلع عباده المؤمنين على الغيب من الأمور، حتى يعرفوا ما يكون لهم في الغد، بل إنه يغيب المستقبل عنهم ليجدّوا ويجتهدوا، ويعلموا، وسيرى الله عملهم ورسوله والمؤمنون، ومع ذلك يصطَفي من رسله من يطلعهم على بعض الغيب، كما كان يطلع رسوله أحيانا على بعض ما يدبر له كاطلاعه على ما دبره اليهود لاغتياله، وكاطلاعه على من حملت رسالة إلى قريش تخبرهم بسر غزوته لهم، وكمكاشفته بالوحي لجبريل الأمين، وهكذا من شئون الغيب، ويستفاد من هذا أن الله قد اختص بعلم الغيب، كما فقال تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ. . .)، وأن الأنبياء قد يصطفي الله منهم من يعطيه علم بعض المغيبات، فما يعطيهم يعلمونه، وإنه لنزر قليل لا يعد شيئا ولقد قال سبحانه على لسان نوح ﵇: (وَلا أَقُول لَكمْ عِندِي خَزَائِن اللَّه وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُول إِنِّي مَلَكٌ. . .)، وقال تعالى عن النبي ﷺ : (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ. . .). (فَآمِنًوا بِاللَّهِ وَرُسُلِه وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي إذا علمتم أن الله تعالى لَا يطلع على غيبه أَحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يتعين أن تؤمنوا بالله

стр. 1951

حق الإيمان بأن تعرفوه متصفا بصفات الكمال منزها عن المشابهة للحوادث، ليس كمثله شيء، وأن تؤمنوا برسله فتعرفوا حقيقة رسائلهم وأن تؤمنوا بالله حق الإيمان، وبالرسل وما جاءوا به وتتقوا الله وتجعلوا وقاية لأنفسكم بالطاعات تقومون بها وتؤدونها على وجهها فلكم أجر عظيم. * * * (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) * * * بين الله العبر في غزوة أحد وما كان فيها، وقد أشار سبحانه في آخر بيان العبر إلى ما عليه أهل الكفر من نعيم دنيوي، وتمكين من أسباب الحياة، وأشار بالشدائد، مع رؤية نعيم الكافرين، ليميز الله الخبيث من الطيب، وأشار سبحانه إلى أن هذا الإملاء للكافرين ليس خيرا لهم، بل إن عقباه ستكون شرا لهم؛ لأنهم بهذا العطاء سيستمرئون الشر، ويوغلون فيه إيغالا، ووراء ذلك العذاب الأليم، والخزي في الدنيا والآخرة، وفي هذه الآيات يصرح سبحانه بما يكون منهم في النعمة التي اختبرهم بها؛ إذ إنهم لَا يجعلونها سبيلا للخير، بل يحبسونها على أنفسهم حبسا، فتكون شرا لَا خير فيه لأحد، ولذا قال سبحانه:

стр. 1952

(وَلا يَحْسَبَنَّ الَذين يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّه مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَر لَّهُمْ).

стр. 1953

البخل هو الحرص الشديد فيما يملك الإنسان من مال أو علم أو أي ضرب من ضروب القدرة التي يستطيع أن يعين بها غيره، وعلى ذلك يشمل البخل كل شح، سواء أكان موضوعه المال، أم لم يكن موضوعه المال، وقد فسر بعض العلماء البخل في هذه الآية بكتمان العلم، ذلك أن اليهود كتموا أوصاف النبي ﷺ وتبشير التوراة به، وضنوا بها فلم يعلنوها ليضلوا، أو ليمنعوا الهداية. وقد فسر الأكثرون البخل بمعناه الظاهر المتبادر، وهو البخل في المال، ويتفق هذا مع سياق الكلام، إذ إن الله قد حكى عن هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله، أن منهم من يقول إن الله فقير ونحن أغنياء، ولأن الله ذكر بعد بيان بخلهم أن الله له ميراث السماوات والأرض، والتعبير بكلمة ميراث يومئ إلى أن موضوع البخل هو المال. والنهي عن الظن وأن البخل المالي فيه خير في قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) يدل على النفي المؤكد، فالمعنى لَا يصح لهم أن يظنوا بأي حال من الأحوال أن ذلك البخل فيه خير لهم، بل فيه شر لهم، وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن سبب البخل نسيان أصل المال، إذ أن البخيل يحسب أن ما يأتي إليه من مال إنما هو بجهوده وكسبه فقط، وليس فضلا من الله، وينسى أن الله هو المعطي المانع، وأنه يرزق من يشاء بغير حساب، وأن الرجلين يسعيان ويتخذان الأسباب، فتأتي جائحة لهذا تأكل الأخضر واليابس، وينجو مال ذاك، والله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، ولذا بين الله سبحانه أن المال الذي يجيء إليهم إنما هو بفضل من الله ، ولذلك قال: (يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّه مِن فَضْلِهِ)، فهو يبين لهم أن المال مال الله تعالى، وأن الله تعالى يعطي من يشاء، ويمنع من " يشاء. والضمير في قوله تعالى: (هُوَ خَيْرًا لَّهُم) تأكيد لمعنى البخل المفهوم من قوله تعالى (يَبْخَلُونَ)، ونرى أن الضمير ضمير الفصل لتأكيد نفي الظن في الخيرية.

стр. 1954

وقد بين سبحانه أنه شر لهم، فقال سبحانه: (بَلْ هُوَ شَرٌّ لهُمْ) وفي إعادة الضمير، وذكر الجملة الاسمية تأكيد لمعنى الشر في البخل، والبخل شر في الدنيا وفى الآخرة؛ وذلك لأنه يدفع إلى الحقد في الدنيا، والحقد في الآحاد يؤدي إلى النزاع المستمر، وتقطع العلاقات الأدبية، وهو في الجماعات يؤدي إلى الخراب والدمار. ولقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " (١). (سَيطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) التطويق إما من الطاقة، والمعنى سيكلفون أقصى ما يطيقون ليخسروا المال الذي بخلوا به يوم القيامة، ولكنهم لا يملكون في هذا اليوم من أمرهم شيئا، فلا يستجيبون لنداء، ولا لكلام، لأنهم لا يستطيعون، وذلك على حد قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ). وقد يكون وهو الأرجح من الطوق، والمعنى أنه سيكون ما بخلوا به طوقا في أعناقهم، وغِلا فيها يشعرهم بما كان منهم في الدنيا، وهو طوق مؤلم، مَثَلهُ النبيُّ ﷺ بثعبان، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مُثِّلَ له شجاعا (٢) أقرع له زبيبتان يطوَّقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه (٣) يقول: أنا مالك أنا كنزك ثم تلا قوله تعالى: (سَيطَوَّقُونَ مَا بَخلُوا به يَوْمَ الْقِيَامَةِ) " (٤).

стр. 1955

والنص القرآني والحديث النبوي استعارة تمثيلية لإحاطة البخل بصاحبه يوم القيامة، وإنها إحاطة إيلام، وفيها بيان أن السعادة الوقتية للاكتناز والبخل في الدنيا ستكون يوم القيامة بؤسا شديدا، وشقوة وإيلاما. بهذا النص الكريم تبين قبح البخل، ويتبين مقام الإنفاق في سبيل الله ولكن ما حد البخل؛ وما حد السرف؟ وبهذين الحدين يتبين الإنفاق الحلال والقصد. لقد قرر العلماء أن الإنفاق في سبيل الله تعالى لَا إسراف فيه قط، ولو كان بكل المال وأنه يروى أن عمر بن الخطاب تبرع في إحدى الغزوات بنصف ماله، وأن أبا بكر الصديق تبرع بكل ماله، فسأله النبي ﷺ قائلا: " ما أبقيت لأهلك؟ " فقال صديق هذه الأمة: " الله ورسوله " (١) وقد كان ذو النورين عثمان بن عفان يجهز الجيش كله أحيانا، كما فعل في ساعة العسرة، ولم يعد ذلك إسرافا. وقد اتفقوا أيضا على أن الامتناع عن الإنفاق في سبيل الله تعالى في عسرة الدولة، ومداهمة الأعداء لها، بخل بل هو أقبح البخل وأشده، ولذلك أجاز الفقهاء فرض ضرائب إذا داهمت الأمة الإسلامية الأعداء وامتنع الأغنياء عن الإنفاق، وهذا النوع من البخل هو المقصود بهذا النص الكريم. وقد اتفقوا أيضا على أن كل درهم ينفق في معصية هو إسراف، والخلاصة أن الحد ما بين الإسراف والبخل هو الإنفاق في غير ما أمر الله تعالى، ولذلك يقول ابن عباس: إنفاق ألف في سبيل الله لَا يكون إسرافا، وإنفاق درهم في معصية يكون إسرافا. (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) هذا النص الكريم يفيد أربعة معان تؤكد وجوب الإنفاق في سبيل الخير، والجهاد في سبيل الله تعالى:

стр. 1956

المعنى الأول - أن المال كله لله تعالى، فهو الذي أعطى كما عبر : (بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ)، وأن مآل المال إليه في ضمن ما يئول إليه كل شيء في هذا الوجود، بلا استثناء مطلقا، ومن يبخل لورثة يرثونه، فليعلم أن الميراث كله لله تعالى، وأنه سيعطيهم إن أراد سبحانه، وإن لم يرد لهم عطاء فسينفقونه إسرافا وبدارا. والمعنى الثاني - هو بيان سلطان الله تعالى على كل ما في الوجود، فهو ملكه، وهو الذي يئول إليه، وفي ذلك بيان كمال سلطانه، وتأكيد لمعنى أنه المعطي الوهاب، والقوي الرزاق المتين، ولذلك لم يعبر عن الميراث بأنه ميراث الأموال التي نعرفها، بل ميراث كل ما حوته السماء وما حوته الأرض. والمعنى الثالث - أن العطاء الذي يعطيه الله تعالى بعض عباده، ويختصهم به يوجب عليهم تكليفات مالية فيه، فإذا كان قد ابتلى الفقراء بالفقر، فقد ابتلى الأغنياء بالمال، وأوجب عليهم أن يعطوا، وهم محاسبون على مالهم، (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُم الْمُفْلِحُونَ)، وقد فهم هذا من ذكر علم الله تعالى الدقيق العظيم، ولذلك قال : (وَاللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). والمعنى الرابع - أن الجزاء سيكون شاملا كاملا؛ لأن علم الله دقيق لَا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨). ولذلك عبر سبحانه عن علمه بأعمالنا بأنه خبير، والخبرة هي العلم الدقيق الشامل. ولقد كان الشح في موضع الإنفاق يسرى إلى المسلمين من اليهود الذين كانوا يجاورونهم، ولذلك ذكر بعض شنائع اليهود ليَنْفُر المسلمون منهم، ولا يقلدوهم في خساستهم، فقال : * * *

стр. 1957

(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... (١٨١) * * *

стр. 1958

لقد كان اليهود يحرضون المؤمنين على الشح وعدم الإنفاق في سبيل الله تعالى بطرق شتى، وكانوا يحاولون أن ينالوا من إيمان أهل الإيمان، فلما نزل قوله تعالى: (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا. . .) أخذوا يتهكمون على القرآن، وعلى دعوة الرسول ﷺ ، ويصفون الله سبحانه بما لا يليق، وذلك لِيُوهِنُوا قلوب المؤمنين، ويشككوهم في دينهم، أو ليبعثوا فيهم روح الشح. ويروى في ذلك عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية: (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) جاءت اليهود إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا محمد ربك فقير يسأل عباده القرض (١)، ويظهر أن ذلك قد تكرر منهم، وتجرءوا به على ذات الله سبحانه، أو اتجهوا إلى تكذيب ما في القرآن بالتهجم على ما اشتمل عليه في هذا المقام، ولقد بين سبحانه أنه عليم بقولهم علم من يسمع القول، ولذلك قال سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا. . .) وفي هذا التعبير بيان أن الله تعالى مُطَّلِعٌ عليهم، ومراقب لهم مراقبة من يستمع إليهم، وفي ذلك من التهديد ما فيه، إذ إنه إشعار بأن ذا الجلال القوي القهار القادر على كل شيء والذي يملك الوجود ومن فيه وما فيه، مستمع لما يقال في شأنه، وما يتجرءون به عليه، كما يقول القائل لن يجده يتجرأ على عظيم: إنه يسمع قولك ويعلم به، فارتقب عواقب ما تفعل، واستشعر الهيبة والمخافة والخشية: (ولِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وقد عقب سبحانه ذلك بنتائج تلك المراقبة، وصرح بالتهديد الشديد في قوله تعالى: (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمً الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ). في هذا الكلام تهديد شديد لهم، وذلك لأن المعنى: سنثبت عليهم في سجل الله تعالى قولهم هذا وتجرؤهم عليه سبحانه، وليس المراد مجرد الكتابة، بل المراد نتيجتها وهو الحساب عليها، والجزاء من العذاب الأليم، والتعبير بالكتابة كناية عن العلم المستتر الثابت الذي تترتب عليه نتائجه وثمراته، ولما تضمنته الكتابة

стр. 1959

من معنى العقاب الرادع الذي لَا مناص منه عبر بالمضارع فقال سبحانه: (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) والتعبير بـ (مَا قَالُوا) فيه إشارة إلى ما فيه من تجرؤ على الله تعالى، وتهجم على مقامه الأعلى سبحانه. وقد قرن سبحانه ذلك القول الجرىء بعمل جرىء من أسلافهم، وقد ارتضوه، فكان من الحق أن ينسب إليهم، وهو ما عبر عنه بقوله: (وقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) وذلك لإثبات جرأتهم في الشر، واستهانتهم بالحقائق الدينية، وشرههم إلى الفساد، وقد أثبت الله بذلك فساد فعلهم بهذا القتل الشنيع، وفساد قولهم بذلك القول الفاسد الجرىء على الله . وهنا تثار ثلاثة أمور نتكلم فيها بإيجاز: أولها: في قرن هاتين الجريمتين، وقد أشرنا إلى أنهما من نوع واحد، وهو التجرؤ على الله ، فالقديمة تجرؤ على رسالة الله، والثانية تجرؤ على ذات الله، وبذلك يكونون قد عتوا عتوا كبيرا، وضلوا ضلالا بعيدا. ثانيها: أن نسبة القتل إلى الحاضرين صحيحة لأنهم رضوا به، وإن لم يكونوا قد باشروه، ومن رضي بجريمة فقد فعلها، وقد قال النبي ﷺ : " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها من غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها " (١). وثالثها: أنه وصف قتلهم للنبيين بأنه بغير حق - مع أن هذا النوع من الإجرام لَا يمكن أن يكون بحق أبدا، وذلك للإشارة إلى شناعة أفعالهم، وعظم شرهم، وأنهم لَا يبالون أكان فعلهم في موضعه أم في غير موضعه. وقد قلنا إن هذه الكتابة هي للعقاب، وقد قال سبحانه بعد ذلك مصرحا بالعقاب: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ).

стр. 1960

الذوق هو الإحساس، وهو هنا الإحساس بالألم، والتأصل في الذوق أن يكون في أمر مرغوب في ذوقه وطلبه، وهو هنا للألم، فالتعبير فيه تهكم عليهم، كما قال تعالى: (فَبَشِّرْهم بِعَذَابٍ أَلِيم)، والحريق النار الملتهبة، وهذا الكلام فيه إيجاز حذف، إذ أن السياق تضمن حذف كلمات دل فيها ما ظهر على ما طوى، إذا المعنى سنكتب ما قالوا وما فعلوا ونلقيهم في جهنم وبئس المصير، ونخاطبهم وهم يَصْلون نارها بقولنا: ذوقوا عذاب تلك النار الملتهبة وآلامها، وذلك مثواهم، وقد صرح سبحانه بالسبب في ذلك العذاب الأليم، وإن كان ما مضى دالا عليه فقال: * * *

стр. 1961

(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) * * * أي ذلك العذاب الشديد الأليم بسبب ما قدمت أيديكم وما تكلمتم به، والتعبير بـ (بِمَا قَدَّمَتْ)، وتخصيص الأيدي بالذكر؛ للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، ولأن أكثر الشر يكون ببطش اليد، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به، والاتصال بذاته. وإذا كان ذلك العذاب لأجل هذا العمل، فهو لَا ظلم فيه، وفوق ذلك فإنه لو أهمل حسابهم لكان الله ظلاما لعباده بتسوية المحسن بالمسيء، فكان العذاب لينفي عن ذات الله تعالى الظلم، وأبلغه وأقصاه بأن يتساوى الحسن والمسيء، وقد نفى الله عن ذاته الكريمة تلك التسمية، كما قال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ). ربنا إننا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. * * *

стр. 1962

(الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) * * * الكلام مستمر في وصف اليهود وأخلاقهم واستيلاء المادة عليهم، وغلظ قلوبهم وقسوتها، حتى لقد بلغ بهم الجحود أن يقولوا عن الله تعالى وقد سمعوا من الرسول ﷺ أن من يتصدق يقرض الله قرضا حسنا - إن الله فقير ونحن أغنياء، وفي هذه الآيات يبين أن من نتائج جحودهم أن يطلبوا معجزة غير المعجزة التي جاء بها النبي ﷺ ، فيطلبون دليلا غير الدليل الذي قام حجة عليهم، ولقد سألوا موسى من قبل أكبر من ذلك، فقالوا: أرنا الله جهرة، ومع أنه قد جاء على يد موسى ﵇ من المعجزات الحسية العدد الكثير كانوا يطلبون غيرها، لأنهم معاندون والمعاند لَا يزيده الدليل البين إلا عنادا وكفرا وجحودا. لقد سألوا النبي معجزة، وكذبوا فيها فقال الله فيهم:

стр. 1963

(الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ). تذكر كتب التفسير أن من معجزات بعض الرسل الذين جاءوا من قبل أن يُقَدمَ القربان، وهو الصدقة من التعم، فتكون أمارة قبوله أن تنزل نار من السماء

стр. 1964

بيضاء تأكله، وقد ادعى اليهود أن ذلك عُهد من الله عهد إليهم، وهو ادعاء باطل، فهذا الأمر إذا كان معجزة لرسول لَا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول، وآيات الله تعالى لإثبات رسالات الرسل متعددة النواحي، مختلفة المناهج، لكل أمة منهاج من الإعجاز يناسبها، وكون هذا كان حجة من الحجج الدالة على الرسالة وصدق الرسول في زمن - لَا يقتضي أن يكون حجة في كل الأزمان. ولا شك أن ذلك النوع من الإعجاز قد وقع، وذلك لأن الله تعالى يقول: (قلْ قَدْ جَاءَكمْ رُسُلٌ من قَبْلِي بِالْبَياتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ)، والذي قالوه هو أن يأتي هم بقربان تأكله النار. ولتتميم الكلام في النص لابد أن نتعرض لتفسيرات لفظية لبعض الكلمات، ومن هذه الكلمات كلمة (نؤمن لرسول)، وكلمة (قربان)، وكلمة (يأتينا)، وكلمة (تأكله). ومعنى (نُؤْمِنَ لِرَسول): أي نذعن لما يدعو إليه ونخضع؛ إذ المطلوب منهم هو الإذعان للحق والخضوع له والتسليم به، لَا التصديق الجرد الذي يصوره مجرد إيمان، فالفرق بين الإيمان بالرسول والإيمان له أن الأول يتضمن معنى التصديق، وإن لم يكن معه إذعان والتسليم والخضوع لما يدعو إليه. ومعنى (يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) أن الرسول هو الذي يأتي بالقربان من النعم وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى من النعم، ويقدمه هو، تنزل النار البيضاء من السماء فتأكله، فليسوا هم الذين يقدمون القربان الذي تأكله النار، بل الذي يفعل ذلك هو الرسول إعجازا، ولبيان أنه رسول، ولا يقال حينئذٍ إنه إذا كان كل قربان تأكله النار لَا تكون ثمة فائدة يستفيدها الفقراء من القرابين، بل هذه حال خاصة يأتي ها النبي من الأنبياء، ويقوم بها فتكون تلك الأمارة التي على التأييد من السماء، كانقلاب العصا حية، وانبجاس الماء من الحجر، وانفلاق البحر اثنا عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم.

стр. 1965

ولقد بين أن هؤلاء الذين سألوا النبي ﷺ قوم يتعنتون والمتعنت لَا يُلْتَفَتُ إلى مطالبه، وقد ذكر سبحانه الرد مع الدليل على تعنتهم، فقال: (قلْ قَدْ جَاءَكمْ رُسُلٌ من قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). الخطاب للنبي ﷺ و " البينات " المراد منها الحجة المبينة المثبتة لرسالة الرسل، و " بالذي قلتم "، والمعنى بموضوع القول الذي قلتموه، وهو الإتيان بقربان تنزل عليه نار بيضاء من السماء فتأكله، وقد يطلق القول ويراد منه موضوع القول، كأن يقول قائل: قلت لك إن الأمر سيكون على وجه كذا، وقد كان ما قلت، أي قد كان معنى القول الذي قلت وتحقق موضوعه. والمعنى: إن عليك يا محمد أن تقول في محاجتهم ولبيان تعنتهم قد جاءكم رسل بالبينات من قبل، وتحقق من الأنبياء ما تطلبون، وهو أنهم أتوا بقربان تأكله النار، فلم تؤمنوا ولم تصدقوا، وقد دل على هذا المعنى بقوله تعالى: (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) إذ إن القتل لَا يكون إلا أثرا من آثار التكذيب العنيد، والجحود الشديد، فيكون نسق القول الكريم هكذا: لقد كذبتم وأبلغتم في الكذب بادعائكم أن إيمانكم مرتبط بالقربان تأكله النار، فقد جاءكم هذا ولم تؤمنوا، بل كذبتم وأعنتم حتى بلغ بكم الأمر والاستهانة بالداعي أن قتلتموه، ولو كنتم صادقين في ادعائكم ارتباط الإيمان بالإتيان بقربان تأكله النار فَلِمَ كان القتل؟. فالصدق المنفي هو صدق الارتباط بين الإيمان وتلك الحجة التي يطلبونها، والاستفهام إنكاري ينفي أن يكون ثمة مبرر للقتل على أي وجه كان المبرر، وينفي أيضا صدقهم. وسياق الخطاب الموجه للنبي ﷺ هو لبيان تعنتهم، وأنهم لَا يطلبون حجة لنقص الدليل، بل يتعنتون، وأنهم فعلوا مع من أتوا لهم بهذا الدليل أشد مما فعلوا معك وهنا أمر يجب التنبيه إليه، وهو أن القتل والتكذيب مع هذه الحجة كان من أسلافهم، والخطاب للذين حضروا عصر النبي ﷺ ، ومن يجيء بعده ممن على
следующие страницы →