(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)
* * *
أي ذلك العذاب الشديد الأليم بسبب ما قدمت أيديكم وما تكلمتم به، والتعبير بـ (بِمَا قَدَّمَتْ)، وتخصيص الأيدي بالذكر؛ للدلالة على التمكن من الفعل وإرادته، ولأن أكثر الشر يكون ببطش اليد، ولأن نسبة الفعل إلى اليد تفيد الالتصاق به، والاتصال بذاته.
وإذا كان ذلك العذاب لأجل هذا العمل، فهو لَا ظلم فيه، وفوق ذلك فإنه لو أهمل حسابهم لكان الله ظلاما لعباده بتسوية المحسن بالمسيء، فكان العذاب لينفي عن ذات الله تعالى الظلم، وأبلغه وأقصاه بأن يتساوى الحسن والمسيء، وقد نفى الله عن ذاته الكريمة تلك التسمية، كما قال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ). ربنا إننا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.
* * *
стр. 1962
(الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
* * *
الكلام مستمر في وصف اليهود وأخلاقهم واستيلاء المادة عليهم، وغلظ قلوبهم وقسوتها، حتى لقد بلغ بهم الجحود أن يقولوا عن الله تعالى وقد سمعوا من الرسول ﷺ أن من يتصدق يقرض الله قرضا حسنا - إن الله فقير ونحن أغنياء، وفي هذه الآيات يبين أن من نتائج جحودهم أن يطلبوا معجزة غير المعجزة التي جاء بها النبي ﷺ ، فيطلبون دليلا غير الدليل الذي قام حجة عليهم، ولقد سألوا موسى من قبل أكبر من ذلك، فقالوا: أرنا الله جهرة، ومع أنه قد جاء على يد موسى ﵇ من المعجزات الحسية العدد الكثير كانوا يطلبون غيرها، لأنهم معاندون والمعاند لَا يزيده الدليل البين إلا عنادا وكفرا وجحودا. لقد سألوا النبي معجزة، وكذبوا فيها فقال الله فيهم:
стр. 1963
(الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ).
تذكر كتب التفسير أن من معجزات بعض الرسل الذين جاءوا من قبل أن يُقَدمَ القربان، وهو الصدقة من التعم، فتكون أمارة قبوله أن تنزل نار من السماء
стр. 1964
بيضاء تأكله، وقد ادعى اليهود أن ذلك عُهد من الله عهد إليهم، وهو ادعاء باطل، فهذا الأمر إذا كان معجزة لرسول لَا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول، وآيات الله تعالى لإثبات رسالات الرسل متعددة النواحي، مختلفة المناهج، لكل أمة منهاج من الإعجاز يناسبها، وكون هذا كان حجة من الحجج الدالة على الرسالة وصدق الرسول في زمن - لَا يقتضي أن يكون حجة في كل الأزمان.
ولا شك أن ذلك النوع من الإعجاز قد وقع، وذلك لأن الله تعالى يقول: (قلْ قَدْ جَاءَكمْ رُسُلٌ من قَبْلِي بِالْبَياتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ)، والذي قالوه هو أن يأتي هم بقربان تأكله النار.
ولتتميم الكلام في النص لابد أن نتعرض لتفسيرات لفظية لبعض الكلمات، ومن هذه الكلمات كلمة (نؤمن لرسول)، وكلمة (قربان)، وكلمة (يأتينا)، وكلمة (تأكله).
ومعنى (نُؤْمِنَ لِرَسول): أي نذعن لما يدعو إليه ونخضع؛ إذ المطلوب منهم هو الإذعان للحق والخضوع له والتسليم به، لَا التصديق الجرد الذي يصوره مجرد إيمان، فالفرق بين الإيمان بالرسول والإيمان له أن الأول يتضمن معنى التصديق، وإن لم يكن معه إذعان والتسليم والخضوع لما يدعو إليه.
ومعنى (يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) أن الرسول هو الذي يأتي بالقربان من النعم وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى من النعم، ويقدمه هو، تنزل النار البيضاء من السماء فتأكله، فليسوا هم الذين يقدمون القربان الذي تأكله النار، بل الذي يفعل ذلك هو الرسول إعجازا، ولبيان أنه رسول، ولا يقال حينئذٍ إنه إذا كان كل قربان تأكله النار لَا تكون ثمة فائدة يستفيدها الفقراء من القرابين، بل هذه حال خاصة يأتي ها النبي من الأنبياء، ويقوم بها فتكون تلك الأمارة التي على التأييد من السماء، كانقلاب العصا حية، وانبجاس الماء من الحجر، وانفلاق البحر اثنا عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم.
стр. 1965
ولقد بين أن هؤلاء الذين سألوا النبي ﷺ قوم يتعنتون والمتعنت لَا يُلْتَفَتُ إلى مطالبه، وقد ذكر سبحانه الرد مع الدليل على تعنتهم، فقال: (قلْ قَدْ جَاءَكمْ رُسُلٌ من قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).
الخطاب للنبي ﷺ و " البينات " المراد منها الحجة المبينة المثبتة لرسالة الرسل، و " بالذي قلتم "، والمعنى بموضوع القول الذي قلتموه، وهو الإتيان بقربان تنزل عليه نار بيضاء من السماء فتأكله، وقد يطلق القول ويراد منه موضوع القول، كأن يقول قائل: قلت لك إن الأمر سيكون على وجه كذا، وقد كان ما قلت، أي قد كان معنى القول الذي قلت وتحقق موضوعه.
والمعنى: إن عليك يا محمد أن تقول في محاجتهم ولبيان تعنتهم قد جاءكم رسل بالبينات من قبل، وتحقق من الأنبياء ما تطلبون، وهو أنهم أتوا بقربان تأكله النار، فلم تؤمنوا ولم تصدقوا، وقد دل على هذا المعنى بقوله تعالى: (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) إذ إن القتل لَا يكون إلا أثرا من آثار التكذيب العنيد، والجحود الشديد، فيكون نسق القول الكريم هكذا: لقد كذبتم وأبلغتم في الكذب بادعائكم أن إيمانكم مرتبط بالقربان تأكله النار، فقد جاءكم هذا ولم تؤمنوا، بل كذبتم وأعنتم حتى بلغ بكم الأمر والاستهانة بالداعي أن قتلتموه، ولو كنتم صادقين في ادعائكم ارتباط الإيمان بالإتيان بقربان تأكله النار فَلِمَ كان القتل؟.
فالصدق المنفي هو صدق الارتباط بين الإيمان وتلك الحجة التي يطلبونها، والاستفهام إنكاري ينفي أن يكون ثمة مبرر للقتل على أي وجه كان المبرر، وينفي أيضا صدقهم.
وسياق الخطاب الموجه للنبي ﷺ هو لبيان تعنتهم، وأنهم لَا يطلبون حجة لنقص الدليل، بل يتعنتون، وأنهم فعلوا مع من أتوا لهم بهذا الدليل أشد مما فعلوا معك وهنا أمر يجب التنبيه إليه، وهو أن القتل والتكذيب مع هذه الحجة كان من أسلافهم، والخطاب للذين حضروا عصر النبي ﷺ ، ومن يجيء بعده ممن على
стр. 1966
شاكلتهم، ولقد وجهت إليهم جريمة الماضين منهم؛ لأن وصف التعنت الذي أدى إلى ما كان من الأسلاف قائم في الأخلاف، ولأنهم راضون عن أعمالهم، فكان حقا أن يخاطبوا بجريمتهم؛ ولأنهم تكلموا عن الماضين منهم بأنهم منهم فقالوا: إن الله عهد إلينا، مع أن الأمر كان في هؤلاء الماضين لَا فيهم، لذلك كان عليهم أن يتحملوا وصف الإجرام الذي وقع من الماضين حتى يتخلصوا من تلك الأمة الخاسرة، ويدخلوا في أمة الإيمان وأهل الإذعان.
ولقد بين الله لنبيه أن هؤلاء جنس قائم بذاته تعود التكذيب، فلا تبتئس بما كانوا يفعلون، ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 1967
(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)
* * *
البينات هي الآيات المبينة للحق، الموضحة له، وهي الأدلة التي يتحدى بها النبي من الأنبياء قومه ليثبت لهم رسالته، والزبر جمع زبور، وهو الصحيفة أو الكتاب أو هو جَمْعُ جَمْع لزَبْر، وهو الأمر الشديد، وخص الزبور بالكتاب المنزل على داود ﵇ وقال تعالى: (وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا)، وقُرئ (زُبُورًا) بضم الزاى (١) كقولهم في جمع ظريف ظروف، أو يكون جمع زَبْر وزبْر مصدر سمي به كالكتاب، ثم جمع على زُبُر كما جمع كتاب على كتب، وقيل بل الزبور كل كتاب صعب الوقوف عليه من الكتب الإلهية، وقال بعضهم: الزبور اسم للكتاب المقصور على الحكم العقلية دون الأحكام الشرعية، والكتاب اسم لا يتضمن الأحكام الشرعية.
وخلاصة القول أن الله تعالى يخفف عن نبيه ﷺ تكذيب أولئك الضالين الجاحدين فيبين أن الأنبياء قبله قد جاءوا بالمعجزات القاطعة المثبتة للرسالة، ومعهم الأوامر الإلهية المشددة الزاجرة، ومعهم الكتاب المبين التي اشتمل على ما فيه مصلحة الدنيا والآخرة، ومع ذلك كفروا بآيات ربهم، وأنكروا الرسالة مع قيام
стр. 1968
الأدلة التي لَا مجال لإنكارها، ومع أن ما يدعو إليه معقول في ذاته، وفيه مصلحتهم في الدنيا والآخرة، وإذا كانت الطاعة في الدنيا غير ثابتة، فإن الله جعل الآخرة دار الطاعة والقرار، ودار الجزاء والثواب والعقاب، وما الحياة الدنيا إلا سبيل لما يكون يوم القيامة، ولذا قال سبحانه:
* * *
стр. 1969
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... (١٨٥)
* * *
ذكر هذه الكلية الثابتة لبيان الجمع الحاشد يوم القيامة الذي يتقدم فيه كل امرئٍ بما قدم من عمل، إن خيرا فجزاؤه خير، وإن شرا فجزاؤه شر، وهنا إشارات بيانية رائعة ككل إشارات القرآن؛ وذلك لأنه عبر عن إقبال الموت بذوقه، للإشارة إلى أنه عند ذوق الموت سيكون المذاق إما مرا حنظلا يومئ إلى ما يتبعه من عقاب، وإما أن يكون المذاق حلوا هنيئا، فيكون إيماء إلى ما يكون يوم القيامة من نعيم مقيم، والتعبير عن حلول الأجل في الدنيا بذوق الموت فيه استعارة بتشبيه الموت عند إقباله الرهيب أو الرغيب بالأمر الذي يذاق فيؤلم، أو يذاق فيسعد.
وهنا إشارة بيانية أخرى رائعة هي أنه أسند ذوق الموت إلى النفس، ولم يسنده إلى الشخص؛ لأن النفس روح، والشخص جزءان جسم ونفس، وإن النفس تبقى بعد مفارقة الجسم، فهي التي تذوق الموت، كما ذاقت الحياة الدنيا، فإسناد الذوق إليها لأنها باقية، وقد تغيرت حياتها من حال إلى حال، فبعد أن كانت في غلاف من جسم من الطين، قد تجردت أبدا منه حتى تلتقي به يوم البعث والنشور.
وبعد أن تذوق النفس طعم تلك النقلة من متاع الدنيا الزائل إلى الآخرِة، يكون الجزاء من نعيم أو جحيم، ولذا قال سبحانه: (وَإِنَّمَا تُوَفَوْنَ أُجورَكمْ يوْمَ الْقِيَامَةِ).
والأجر هو العطاء خيرا أو شرا، والقيامة هي قيام الساعة لرب العالمين، وتقويم أعمالهم من خير وشر بالميزان الدقيق، والحساب الذي لَا يترك صغيرة ولا
стр. 1970
كبيرة إلا أحصاها. فيوم القيامة هو الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين، وتقوم أعمالهم من بين أيديهم وتنطق بها جوارحهم، وتُقَوَّم تلك الأعمال بقيمتها الحقيقية، ويذهب الزيف ولا يكون إلا الحق الخالص، ومعنى توفية الأجور إعطاؤها كاملة لَا نقص فيها، وإذا قلنا إن الأجر هو العطاء فإن مجازاة المسيء بقدر إساءته هو العطاء العدل.
والخطاب هنا للأشخاص لَا للنفوس وحدها، فذوق الموت للنفوس، ولكن الجزاء للأشخاص إذ تلتقي الجسوم بالنفوس، ولذلك خاطب الأشخاص فقال سبحانه: (وَإِنَّمَا تُوَفَوْنَ أجُورَكُمْ).
وإن السياق الذي ذكرنا عليه أكثر المفسرين وهو أن توفية الأجر تشمل الثواب والعقاب، ولكن أرى أن روح الآية وما اقترن بها من بعد يدل على أن الجزاء هنا هو العطاء الصرف بنعيم يوم القيامة لمن يستحقونه، فالخطاب للمؤمنين تعزية للنبي ﷺ والمؤمنين عند تكذيب الكذبينِ، ولذا قال سبحانه إن أول عطاء هو البعد عمت النار، فقال سبحانه: (فَمَن زُحْزِح عَنِ النَّارِ وَأدخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ).
الزحزحة عن النار الإبعاد عنها، والتنحية عنها، وهو تكرار الزح بمعنى الإبعاد، والمعنى أن من أبعد عن النار بعد تكرار التنحية عنها فقد فاز فوزا مطلقا، والنص يشير إلى أن أعمال الإنسان ترديه ولا تنجيه، وأنه لكي يبعد عن النار ويتجنبها يكون كالمحتاج لمجهود، وتكرر الزح والتنحية كشيء ثابت ملازم لها، لا يبعد عنها إلا بمجهود، وذلك تصوير دقيق لعفو الله ورحمته وغفرانه، وأن المرء لا يبعد عن النار إلا بعد تكرار الرحمة والمغفرة، وأن البعد عن النار ثم دخول الجنة هو أي الفوز، وهذا كله على أساس أن الزحزحة والتنحية في الآخرة التي هي دار الجزاء، ويصح أن يكون المعنى في الدنيا، بالأخذ في أسباب التوقي من النار، ودخول الجنة، ويكون السياق هكذا: من غالب شهواته وجاهد أهواءه وإنها لصعبة المراس تحتاج إلى صبر وضبط، فإنما يزحزح نفسه عن النار بتوقي أسبابها، ويدخل نفسه الجنة، واتخاذ الوسائل الموصلة إليها، فالزحزحة هي جهاد الأهواء التي هي أسباب النار، وليس ذلك التفسير ببعيد، وإن كان الأول أوضح وأبين.
стр. 1971
ولقد بين سبحانه أن سبب العذاب هو الغرور في الدنيا، ولذا قال : (وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
في هذا النص الكريم قصر الحياة الدنيا على حال واحدة، وهي أنها متاع يستمتع به الإنسان ويغريه حتى ينسيه متاع الآخرة، إن استولى عليه واستغرق حسه ونفسه، والمعنى ليست هذه الحياة القويبة منا التي نشاهدها ونراها، وهي في ذاتها الحد الأدنى للحياة، إلا متاعا يستمتع به المغتر بها الذي يظن أنها كل شيء، وأما من يؤمن بأنها قنطرة الآخرة، فإنها تكون جهاد النفس، والسيطرة على الأهواء، ولقد قال الزمخشري في تفسير متاع الدنيا: " شبه الدنيا بالمتاع الذي يُدلس به على المُسْتام (١)، ويغره حتى يشتريه، ثم يبين له فساده ورداءته، والمدلس هو الشيطان الغرور، وعن سعيد بن جبير: إنما هذا لمن آثرها على طلب الآخرة ".
اللهم لَا تغرنا بهذه الدنيا، ووفقنا لأن نطلب ما عندك، وامنحنا ياذا الجلال والإكرام رضوانك، فهو أعلى ما يبتغيه المؤمن؛ إذ رضوانك أكبر من كل ما في الوجود يا رب الوجود.
* * *
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)
* * *
стр. 1972
لقد بين الله في الآيات السابقة أن محنة أُحد كانت فيها العِبَر، وكانت تمحيصا لقلوب المؤمنين وصقلا لنفوسهم، وبين الله في تلك الآيات أيضا أنه سبحانه لَا يذر المؤمنين على ماهم عليه حتى يتبين الخبيث من الطيب، وقوى الإيمان من ضعيفه، وذكر سبحانه ما كان يلقيه المشركون واليهود من أقوال جارحة، وبعضها يمس ذات الله تعالى، كقولهم - لعنهم الله - إنَّ الله فَقِير ونحنُ أغنياءُ.
ولقد ذكر سبحانه من بعد ذلك أن المستقبل سيكون من جنس الماضي، وأنه سينزل بالمؤمنين ضروب من البلاء كالتي نزلت أو أقوى، وأن واجب التبليغ والإيمان يتقاضاهم أن يتحملوا ذلك بصبر وتقوى واحتياط، ولذلك قال :
стр. 1973
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا).
ففي هذا النص السامي إخبار لهم بأن البلاء الذي ذاقوا بعضه مستمر، وهو خير لهم، وذلك ليستعدوا لتلقيه من غير فزع ولا جزع، فإن الشدة المتوقعة يسهل احتمالها، أما الشدة التي تقع من غير توقع، فإنه يصعب احتمالها، وقد ذكر مواضع الابتلاء، وكلها عزيز يحرص عليه، وهذه المواضع هي المال والنفس، والدين.
والمال والنفس قال فيهما : (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ)، وقد أكد سبحانه وقوع الابتلاء بالقسم، واللام الموطئة للقسم، ونون التوكيد الثقيلة، وقد أكد بهذه التأكيدات ليكون الوقوع مستيقنا، وليستعدوا بالصبر والمجاهدة، والاعتماد على الله تعالى؛ والابتلاء في المال بإنفاقه في سبيل الله تعالى، وتبديده بغارات الأعداء، وبالتكليفات الكثيرة المتعلقة به، وقد ابتدأ به لأنه أدنى الدرجات، فالترتيب في الابتلاء متدرج يبتدئ من الأدنى، وهو المال، والاختبار فيه شديد قاس، والاحتمال يحتاج إلى صبر وعزم، وقد يكون الاختبار في المال بالجوائح تنزل به، فكل هذا اختبار بالمال، وإنه ليسمى نفيسا؛ لأنه قرين
стр. 1974
النفس، وإن كان دونها، وهي أغلى منه، والمعنى: ليست أحوال المؤمن رخاء دائما، بل فيها شدة وبلاء يقتضي الصبر، وفيها نعمة وإحسان يقتضي الشكر.
والابتلاء في الأنفس يكون بالخوف من مساورة (١) الأعداء، وتربصهم دائما، وبالجوع، وبهلاك النفوس في الحروب، وبالشدائد فيها، والابتلاء في المال والأنفس قد ذكره بهذه الآية، وفي كثير من الآيات.
والدرجة العليا من الابتلاء هي ما يخص الدين، وقد خصها بالذكر المؤكد، فقال: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا) والأذى الذي كانوا يسمعونه هو الافتراء على الله تعالى، والتهكم على القرآن، والسخرية من الشرع الإسلامي، من مثل قولهم: (إِن اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ. . .)، ومثل قول المشركين: (أَئطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ. . .)، وهكذا مما يمس الحقائق الدينية، وقد جعله الله في المرتبة العليا من الابتلاء، لأن المؤمن يسهل عليه التأذي في ماله ونفسه، ولا يسهل عليه الأذى في دينه، وإنه يحتمل كل شيء في سبيل الدين، فإذا اتخذت الحقائق الدينية ذاتها هزوا ولعبا فإن ذلك فوق الاحتمال، ولذلك لم يحتمل أبو بكر الصديق كلام (فنحاص) عندما تهجم على ذات الله فضربه وشج رأسه (٢)، مع ما اشتهر به الصديق من رقة وعطف، حتى شبهه النبي ﷺ باللبن السائل للينه وسهولته.
وفى النص الكريم إشارات بيانية نبينها، فإن في بيانها ذكرًا لمرامى النص الكريم:
أولها: أنه عبر عن المخالفين الذين كفروا بالنبي ﷺ بما يشير بأنهم قسمان: قسم أوتي علم الكتاب الذي نزل على بعض الأنبياء من قبل النبي ﷺ ، والقسم
стр. 1975
الثاني المشركون الذين لَا يؤمنون بكتاب، ولا يهتدون بهدي، وقد جمع القرآن القسمين في أمر واحد، وهو معاداة النبي ﷺ .
وقد دفعتهم المعاداة إلى الجحود، وما كانت المعاداة لشخصه، بل كانت لما جاء به، وما يدعو إليه، وفي الجمع بين العالم بالكتاب والجاهل به إشارة إلى أنه عند وجود المعاندة يستوي العالم والجاهل، فإن الجاهل يَعْمهُ في عمياء جهالته، والعالم يطمس الله تعالى على قلبه، فيكون هو والجاهل سواء.
والثاني: الإشارة إلى أنه إذا كان سبب معاندة المشركين جهلا فسبب معاندة الكتابيين هو الحسد، إذ يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، ذلك أنهم بمقتضى كونهم أوتوا الكتاب من قبل ظنوا ذلك اختصاصا اختصوا به، وأنهم أولى أن تكون الرسالة فيهم دون غيرهم، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .)، وبذلك سكن قلبهم الحقد والحسد، وحيث كان الحسد كانت العداوة وكان العمى عن إدراك الحقائق.
الثالث: التعبير عن نزول الأذى بسماعه، وقال سبحانه:
(وَلَتَسْمَعنَّ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا) والذي يُسمع هو كلام، وعبر عنه بالأذى لأنه يؤدي إلى أذى، وموضوعه أذى، وهو في ذاته أذى، فكأن الأذى في ذات القول، ولذلك كان مفعولا للسماع، ووصفه بأنه أذى كثير، وذلك ليبين لهم ما يوجب استعدادهم لسماعه، من أذى ليس بقليل في مقداره، ولا في نوعه، ولا في موضوعه، فالكثرة ليس المراد منها المقدار فقط، بل الكثرة تشمل المقدار والنوع، والطريقة والموضوع.
وقد بين العلاج في هذا البلاء: (وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).
الصبر ضبط النفس وحبسها عن الجزع، وحبسها على العمل واتخاذ الأهبة، وحبسها أيضا مع أهل الإيمان كما قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
стр. 1976
رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .)، فالصبر يتضمن ضبط النفس عن الجزع، وقوة الاحتمال، والتضافر مع الجماعة، وقد وصف النبي ﷺ صبر الأنصار فيما روي عنه من أنه قال فيهم: " يقلون عند الطمع، ويكثرون عند الفزع " (١).
(تَتَّقُوا) معناها أن تتخذوا الوقاية بطلب رضا الله تعالى، ورجاء ما عنده، وأن تستعدوا، وتدفعوا الاعتداء بالحق وتعملوا على الخروج من المحنة، فليس شأن المؤمن استسلاما للمصائب تنزل به، بل شأنه صبر من غير جزع، وعمل من غير طمع، وجد وجهاد ودفع للشر.
وقد بين سبحانه أن التقوى والصبر هما من الأمور التي أمر الله تعالى بها لأنها تؤدى إلى النجاح، ولذلك قال سبحانه: (فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) أي إن ذلك مما يعقد الأمور ويربطها ويوثقها ويؤكدها، ويجعلها قوية منتجة مثمرة، فالصبر والتقوى بهما النجاح في الأمور.
وقد بين سبحانه أن أهل الكتاب فيما يصنعون قد خالفوا ما أخذ عليهم من مواثيق، فقال تعالى:
* * *
стр. 1977
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ... (١٨٧)
* * *
الميثاق هو العهد الموثق المؤكد، وقد أخذ الله على الذين أوتوا الكتاب العهد المؤكد الذي لَا يقبل تأويلا ولا احتمالا أن يبثوا علم الكتاب ويعلنوه، ولا يقصروا العلم به على طائفة من الناس خاصة، والضمير في (لَتُبَيِّنُنَّهُ) يعود إلى الميثاق، ويكون المراد من العهد الذي وثقه الله تعالى هو تعاليمه وشرعه ونوره، وعلى ذلك يكون ثمة احتمالان في عود الضمير، أحدهما أن يعود إلى الكتاب، والثاني أن يعود إلى الميثاق نفسه، والأظهر أنه يعود إلى الكتاب، والالتفات من الغائب إلى الخطاب؛ إذ إنه كان متحدثا عنهم، ثم فسر
стр. 1978
الميثاق بالخطاب، لتأكيد أخذ الميثاق بإعلان أنهم ما كانوا غائبين عند أخذه، بل كانوا حاضرين مخاطبين، فالعهد قد أخذ عليهم بألسنتهم، وقوله تعالى: (وَلا تَكْتُمُونَهُ) معطوف على قوله تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ) وهنا يسأل سائل: لماذا أكد قوله تعالى: (لَتُبَيِّنُنَّهُ للنَّاسِ) بعدة توكيدات، بالقسم وبلامه، وبنون التوكيد الثقيلة، ولم يؤكد (ولا تَكتمونه)؛ وذلك لأن طلب البيان مشدد ومؤكد، وبذلك يتأكد عدم الكتمان بتأكد طلب البيان، ولو أن أدوات التوكيد لحقت " ولا تكتمونه " لأوهم الأسلوب أن المنفي هو الكتمان المؤكد المبالغ، أما غيره فلا ينفي، فلو قيل: " ولا تكتمنه " لأوهم الأسلوب أن المراد النهي عن المبالغة في الكتمان، فغير المبالغة في موضع الإباحة، وذلك غير معقول، ومع هذا العهد الموثق لم يبينوا، ولذلك قال سبحانه: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا).
النبذ الطرح، والتعبير بوراء ظهورهم كناية عن أنهم لن يعودوا إلى ما نبذوه، والكلام تصوير لعملهم في عدم الوفاء بعهد الله الذي أخذه عليهم، إذ إنهم أهملوه، ولم يفكروا في العودة، وأهملوه إهمال استخفاف واستهانة، كما ينبذ الشيء الحقير.
والضمير في " نبذوه " على هذا يعود إلى الميثاق، باعتبار أنه هو موضع الحديث ابتداء، ويصح أن يعود إلى الكتاب، لأن الميثاق هو الشرائع والأحكام والكتاب وعاؤها، فنبذ الكتاب نبذ للعهد، فهم لم يكتفوا بالامتناع عن البيان لغيرهم، بل أضافوا إليه إهمال الكتاب إهمالا مطلقا.
وإن هذا النبذ للكتاب وتعاليمه، وللميثاق المؤكد وإعلانه - سببه الهوى الدنيوي، وحب السلطان والغلب، والاستطالة على الناس بما عندهم، والإدلال عليهم بالعلم من غير أن يعملوا به، ولذلك قال سبحانه: (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي تركوا كتاب الله تعالى والعمل به وبشرائعه، وإعلانه، في نظير ثمن تافه قليل، وكل ثمن للإعراض عن كتاب الله تعالى والعمل به هو قليل مهما يكبر في نظر التاركين، ولذا قال سبحانه: (فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) أي أنه مذموم قبيح ما يطلبون من أعراض الدنيا في نظير إهمال الشريعة والعهد الموثق.
стр. 1979
وإن هذا الكلام يدل على وجوب إعلان الحقائق الدينية والدعوة إليها، ومجابهة مخالفيها بإثم المخالفة، ومن أحسن ما قرأت في ذلك ما قاله الزمخشري في التعليق على هذا: (كفى به دليلا على أنه مأخوذ على العلماء أن يبينوا الحق للناس، وألا يكتموا منه شيئا لغرض فاسد، من تسهيل على الظلمة، وتطييب لنفوسهم، واستجلاب لمسارّهم، أو لجرِّ منفعة وحطام دنيا، أو لتقية، أو لبخل بالعلم وغيره من أن ينسب إلى غيرهم، وعن النبي ﷺ : " من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار " (١).
* * *
стр. 1980
(لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ... (١٨٨)
* * *
هذا وصف آخر لليهود في ماضيهم، وفي حاضرهم، فهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ويفرحون بما أتوا، وتلك طبيعة الضال دائما، فالضال يفرح بكل ما يعمله، ويزين له سوء عمله فيراه حسنا، ويحب أن يحمد بما لم يفعل، فيدعي لنفسه من المحاسن ما شاء، وينكر محاسن غيره. والنهي موجه للنبي ﷺ ، وهو نهي مؤكد عن حسبان الخير فيهم فالتأكيد في قوله تعالى: (لا تَحْسَبَن الذِين يَفْرحُونّ) هو تأكيد للنهي، وليس بتوكيد للظن، فليس النهي منصبا على الظن المؤكد، وغيره لَا يكون منهيا عنه، بل التوكيد هو لأصل النهي، أي ينهى الله نبيه نهيا مؤكدا عن أن يظن فيهم خيرا، أو يصيبهم خير، و " تحسب " لها مفعولان أصلهما مبتدأ وخبر، والمفعول الأول هو (الذين يفرحون بما أتوا) إلى آخره، والمفعول الثاني محذوف دل عليه ما بعده، وتقدير الكلام هكذا: ولا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا موفقين أو مهتدين، أو صالحين، وحذف لدلالة ما بعده عليه، وليذهب العقل كل مذهب فيما يتناسب مع الوصف الذي وصفهم سبحانه به، وهو أنهم يزينون أعمالهم، ويرغبون في المدح الكاذب، فإن ذلك هو الضلال البعيد، وليرتب السامع عليه ما شاء من عدم الهداية وعدم التوفيق، والبعد عن الخير والنفع، فكل ذلك وغيره يتضمنه الكلام المحذوف.
стр. 1981
وقد صرح سبحانه بهلاكهم، فقال سبحانه: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ منَ الْعَذَابِ) أي إذا كانوا بهذا الوصف الذي وُصفُوا به، وهو الضلال المبين فلا تَحْسبنَّهم بمفازة أي بمنْجَاة من العذاب، والتعبير عن النجاة من العذاب الأليم بقوله تعالى: (بِمَفَازَةٍ) الإشارة إلى أن أقصى ما يكون لهم من فوز أن ينجوا من العذاب الأليم أي المؤلم، ولكنهم لن ينجوا منه أبدا، ولذا أكد النهي بالخبر، فقال: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي عذاب مؤلم أشد الإيلام، أو بكل ما يتصور العقل من إيلام، ولذلك جاءت كلمة أليم نكرة، فذكر سبحانه عذابهم الأليم بالسلب والإيجاب، فنفي أولا أنهم بمنجاة منه وأخبر ثانيا بأنهم واقعون وهنا بيان لطرق الشيطان إلى النفس. إنه يجعل الشخص يحمد كل ما يأتيه أي يصدر عنه، ويجعل نفسه هي مقياس الخير والشر، ويحبب إليه الثناء بغير الحق، وذلك هو الغرور، وهو الضلال، وهو الضعف النفسي، والفرح بما لم يفعل، وإن الثناء الكاذب ضار بمن يكون موضع الثناء، وضار بالمجتمع ولذلك قال ﷺ : " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب " (١)، وقال ﷺ : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله " (٢) اللهم اكفنا شر النفاق، وامنعنا من الغرور، وثبت قلوبنا وألسنتنا وأقلامنا على قول الحق، إنك سميع الدعاء.
* * *
стр. 1982
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)
* * *
أنذر في الآيات السابقة وبشَّر، وأرشد وزجر، وبين غرور الذين كفروا بزخارف الدنيا، والتمكين لهم فيها مما دلاهم بغرور، وجعلوا يعتقدون أن السلطان فيها دليل السلطان في الآخرة. وفي هذه الآية الكريمة يبين سلطانه سبحانه، وهو الذي وعد وأوعد، وهدد وحرض، ولذلك قال :
стр. 1983
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
أي لله وحده سبحانه ملك السماوات والأرض بما فيهما ومن فيهما، وتقديم لفظ الجلالة لإفادة الاختصاص والانفراد، وفي ذلك إشارة إلى أنه وحده المتصرف، وهو الذي يعطي ويمنع ويحاسب ويعاقب، وقد أعطى من أعطى في الدنيا ليتمتعوا حتى حين، وأبقى ما أبقى في الآخرة ليجزي الصابرين، وينال
стр. 1984
عهده المتقون، وإن عطاءه لحكمة، ومنعه لحكمة، وفيه إشارة إلى كمال قدرتها، وأنه إن أوعد بالعقاب، ووعد بالثواب فهو القدير على تنفيذ ما وعد وأوعد.
وبعد أن بين سبحانه ملكه للسماوات والأرض أشار إلى ما فيهما من عبر، فقال تعالى:
* * *
стр. 1985
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)
* * *
وقد قال فخر الدين الرازي في علاقة هذه الآيات بما قبلها: " اعلم أن المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق، فلما أطال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء والجلال فذكر هذه الآيات ".
وفى الحق، إن هذه الآيات تدعو إلى التدبر والتفكر في هذا الكون العظيم، وصانعه الحكيم، ومبدعه ومنشئه من العدم، والآيات: الأمارات الواضحة الدالة على قدرة الصانع وسلطانه وكمال حكمته، واختلاف الليل والنهار هو تعاقبهما، مع تخالف مظاهرهما، فهذا نور ساطع، وذلك ظلام حالك، وفي النهار الشمس التي تمد الأرض بحرارتها وأشعتها، وبها يحيا النبات ويحيا الإنسان، وفي الليل النجوم الزاهرة، والقمر الباهر، وأولو الألباب هم أهل العقول المدركة التي تنفذ إلى لب الأشياء، ولا تكتفي بظواهرها، وما أحسن ما قاله الزمخشري في وصف أولي الألباب: " الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عن عجائب الفطرة، وفي النصائح الصغار: " املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأَجِلهما في جملة هذه العجائب، متفكرا في قدرة مقدرها متدبراً في حكمة مدبرها، قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر " وليس كل أولي الألباب يفهمون الآيات، بل لابد من قلب خاشع، وعقل متفكر، ولذلك ذكر لأولي الألباب أوصافا أخرى لهم: أولها - نوه إليه سبحانه بقوله:
* * *
ذكر الله تعالى استحضار عظمته والإحساس بجلاله، واستشعار النفس بنعمه، وقد يدخل هذا في معنى قول النبي ﷺ : " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (١) فذكر الله يتضمن كل معاني العبودية والإحساس بالألوهية والنعم التي أسبغها على خلقه ظاهرة وباطنة، وذكر الله لب كل عبادة، وغاية كل نسك، لذلك قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعونَ)، وقد وصف الله تعالى أولي الألباب الذاكرين بأنهم يذكرون الله تعالى في كل أحوالهم، فهم يذكرونه قائمين، وقاعدين، وهم على جنوبهم، فقوله تعالى: (قِيَامًا وقُعودًا وَعَلَى جُنوبِهِمْ) إشارة إلى أن الذكر يكون في عامة أحوال الإنسان في الحياة، وظن بعض المفسرين أن المراد بالذكر الصلاة لما روى أن النبي ﷺ قال لعمران بن الحصين: " صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب " (٢) والحق أن الذكر أعم من الصلاة، وأن الصلاة الحقيقية التي تثمر ثمراتها ضرب من ضروبه، وكل العبادات من مسالكه، وقوله تعالى: (قِيَامًا وَقُعُودًا) مصدران وضعا موضع الوصف وموقعهما في الإعراب أنهما حالان.
وذكر الله تعالى على هذا النحو من أكمل العبادات، ولو ذكر المؤمن ربه في عامة أحواله لساد المجتمع الإنساني كله الوئام، وما كثر الخصام، وما امتشق الناس الحسام، بل ما تنازع اثنان، وفوق ذلك من يذكر الله يعلو عن آلام الحياة واضطرابها وما ينزعج له الناس ويتحيرون فيه، ولذا قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقلُوبُ).
(وَيَتَفَكُّرونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) هذا هو الوصف الثاني بعد أوصاف أولي الألباب الذين يدركون آيات الله الدإلة على جلاله وعظمته في خلقه، والتفكر: ترداد الفكرة في النفس لتصل إلى أقصى ما تؤدى إليه، وقد جاء في
стр. 1988
مفردات الأصفهاني: " الفكرة قوة مطرقة للعلم، والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة قى القلب، ولهذا روى: " تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله، إذ كان الله منزها عن أن يوصف بصورة. . " (١) قال بعض الأدباء: (الفكر مقلوب عن الفرك، لكن يستعمل الفكر في المعاني، وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى حقيقتها).
والتفكر في السماوات والأرض له ثلاث درجات بعضها أعلى من بعض، أدناها أن ننظر إلى السماء وما فيها من نجوم وكواكب وشمس وقمر وأبراج، وما فيها من نظام بديع محكم، وهذه هي النظرة العامة التي تكون لذوي الألباب وغيرهم، لأن هذه النظرة أساس الحس وإشراق المحسوس.
والمرتبة الثانية التفكر في خلقها وأسرار وجودها ونواميسها وقوانينها، وهذا ما يفكر فيه علماء الكونيات الذين يعرفون ما اشتمل عليه الكون من قوى وما أودعها الخالق من أجرام وقوانين لسيرها.
المرتبة الثالثة وهي أعلاها، وهي النظرة التي تتجه إلى الخالق من وراء المخلوق، فيتدبر الكون وما فيه ليدرك عظمة المبدع، فيتعرف من جمال الصنعة جلال الصانع، وهذا النوع هو المذكور في هذه الآية وهو أعلى مراتب العبادة، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " لا عبادة كالتفكر " (٢) وقد كان بعض الصحابة يقول: " إن ضياء الإيمان التفكر ".
وإن هذا النوع الأخير مِن التفكر يجعل القلب يخضع واللسان يخشع فينطق مستشعرا عظمة الله قائلا: (ربَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
стр. 1989
تلك الضراعة التي بدت على الألسنة هي أولى ثمرات التفكر، لقد وصلوا بمفكرهم إلى إدراك ربهم فقالوا (ربنا) ونادوه سبحانه بذلك النداء الخاضع الضارع الشاكر لنعمائه، وقد وصلوا بتفكيرهم وتدبرهم إلى أن هذا الكون لَا يمكن أن يخلق باطلا، أي لَا يكون لغير غاية، ولا لغير حكمة، فمعنى البطلان هنا العبث وعدم الغاية وإنهم ليعلمون أن ذلك مستحيل على الله تعالى، ولذا أردفوا هذا بقولهم: (سبحانك)، أي تنزهت ذاتك وتقدست، وبذلك ارتفعوا إلى مقام التقديس وهو كمال العبودية والألوهية، ثم اعترتهم وقد وصلوا إلى هذا النوع من العلمِ خشية العلماء، مصداقا لقوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عزِيزٌ غَفُورٌ)، ولذلك غلب عليهم الخوف من عذاب الله تعالى فقالوا مرتبين على تفكرهم ما أدى إليه: (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) فهذه ضراعة إلى الله تعالى أن يقيهم عذاب النار، والوقاية من عذاب النار تكون بأمرين: أولهما - أن يوفقهم لتجنب ما لَا يرضيه، والثاني - أن يغفر لهم ما أفرطوا في جنبه .
وقد كان ترتيب الخوف على التفكر له موضعه لأن نهاية التفكر هو الخوف، إذ ينتهي إلى أعلى درجات الشعور بالمهابة لله تعالى، وهو يجعل المؤمن يستصغر حسناته، ويستكثر سيئاته، وإن الصوفية الحق يبالغون في التفكر، حتى إنهم يفضلونه على صلوات النفل فهو من أفضل مقامات العبودية.
* * *
стр. 1990
(رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢)
* * *
هذا في مقام التعليل لضراعتهم بالوقاية من النار، وهو تعظيم لأمر العقاب يوم القيامة، وفيه فوق ذلك شعور بالعدالة إذا وقع العقاب، إذ إنه يكون من ظلم المرتكب، وفيه أيضا بيان أن العقاب إن أراده الله فلا مناص منه، ولا منجاة بنصر ناصر، أو شفاعة شفيع، وأعظم العقاب ما فيه من الخزي أمام الله واهب الوجود، ومولي النعم وذي الجلال والإكرام، والخزي في أصل معناه الوقوع في بلية، وقد يطلق على الوقوع في البلايا المعنوية بأن يكون قد ارتكب أمرا يتعير به أمام الناس
стр. 1991
ولا مناص لرد اعتباره، وقوله تعالى (فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) يتضمن هذه المعاني، فقد أوقعهم سبحانه في بلية لَا يستطيعون التخلص منها، وهم في عار معنوي لأنهم نالوا سخط الله تعالى، وذلك بظلمهم، وقد أكدوا استحقاق المجرمين، وعدم خلاصهم منه بقولهم (وَمَا لِلظالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) أي أن المذنبين ظالمون فهم معاقبون بحق ولا ناصر لهم، و (مِنْ) دالة على استغراق النفي، أي لَا ناصر لهم أيا كان، وفى ذلك إشارة إلى انفراد الله تعالى بالسلطان.
* * *
стр. 1992
(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا ... (١٩٣)
* * *
إذا كان ذكر الله يربي القلب، والتفكر يهديه، وهما معا يرفعان المؤمن إلى مرتبة الخوف من الله، فإن التذكر لله والتفكر في خلقه يفتح أيضا القلب للتصديق والإذعان للحقائق الدينية، ولذلك كان من ثمرات التفكر إجابة نداء الحق، والإيمان بالله ورسوله والغيب، ولذلك كان شأن أولئك المتذكرين المتفكرين في خلقه أنهم بمجرد أن سمعوا نداء الإيمان أجابوا. . وهنا بحوث لفظية:
أولها: أن أولئك سمعوا نداء المنادي، ولكن أسند السمع إلى الشخص لكمال الانتباه إليه، ولأن شخص المنادي له أثر في حسن الاستماع لأنه رسول من عند الله، فما اقتنعوا بالحق لذات الحق فقط، بل لأن الداعي صادق أمين.
ثانيها: أنه أطلق المنادي، ثم ذكر بعد ذلك أنه ينادِي بالإيمان وذلك لما فيه من إبهام بعده بيان، فيكون البيان أكثر ثباتا، ولأن الإطلاق أعطى المنادي تفخيما وتكبيرا، ولأن النداء إلى الحق اعتبر كالعنوان له.
وثالثها: أن الإيمان ذكر مطلقا على أنه إيمان بالرب، وذلك للدلالة على الإذعان المطلق لله وللحق والهدى. . اللهم هبنا إيمانا بالحق وإذعانا له، وقد أجابوا نداء الإيمان فقالوا (فآمنا).
وسماع النداء لَا يلزم أن يكون من شخص المنادي، بل يعم السماع من شخصه وتتبع رسالته من بعده.
стр. 1993
(رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُئوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنَا وَتَوَفَنَا مَعَ الأَبْرَارِ) كان التفكر والتذكر لله سببا في قوة إحساسهم بهفواتهم ونسيانهم حسناتهم وتواضعهم أمام ربهم خاضعين خاشعين، ولذلك طلبوا ثلاثة أمور: أولها: الغفران إحساسا بتقصيرهم وفضل ربهم. وثانيها: تكفير السيئات، أي الأمور التي تسيء في ذاتها، والفرق بين الذنب والسيئة، أن السيئة عصيان فيه إساءة، والذنب فيه تقصير وتبطؤ عن الخير والغفران، والتكفير كلاهما ستر، ولكن الأول يتضمن معنى عدم العقاب، والثاني يتضمن ذهاب أثر الإساءة. والمطلب الثالث الذي طلبوه هو أن الله يتوفاهم مع الأبرار، أي يميتهم مع الأبرار بأن يسلكوا طريق الاستقامة في الدنيا حتى يخرجوا منها مع المستقيمين الأبرار الأخيار.
* * *
стр. 1994
(رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... (١٩٤)
* * *
لقد ترقوا في الطلب، فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب، فمعنى النص الكريم: أعطنا يوم القيامة ما وعدتنا به على ألسنة رسلك الأكرمين، وقد أخروا ذلك لشعورهم بهفواتهم أكثر من شعورهم بحسناتهم التي يستحقون عليها الثواب، وقوله: (عَلَى رُسُلِكَ) على حذف مضاف أي ألسنة رسلك، وقالوا على رسلك، ولم يقولوا على رسولك للإشارة إلى أن ثواب المطيع وعقوبة العاصي مما جاء به كل الرسل، ولتأكيد طلب إعطاء الثواب، ومع بلوغهم مرتبة الرجاء كان يغلب عليهم الخوف، ولذلك أردفوا الرجاء بقولهم: (وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وختموا ضراعتهم بقولهم: (إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ). وقد أكدوا رجاءهم في أن يوفوا أجرهم وتغفر لهم ذنوبهم.
هذا وننبه إلى أمرين:
أولهما: أنهم كرروا في ضراعتهم كلمة (ربنا) وذلك لأن تفكيرهم وذكرهم أداهم إلى الاعتراف بكمال الربوبية.
ثانيهما: أن النبي ﷺ تلا هذه الآيات، ثم قال: " اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا،
هذه إجابة الدعاء المتكرر الذي ابتهلوا به لربهم، وقد تكررت ضراعتهم لله تعالى بتكرار كلمة (ربنا)، إذ قد تكررت خمس مرات، وقد قال الحسن البصري: (ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم) وقال الإمام جعفر الصادق: (من حزبه أمر، فقال خمس مرات (ربنا) أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد، قيل: وكيف كان ذلك؛ قال: اقرءوا إن شئتم: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤).
والمراد من قول حفيد الرسول ﷺ أن نذكر (ربنا) ضارعين خاضعين خاشعين، مدركين معنى الربوبية والألوهية، ومذعنين لأحكامه.
* * *
стр. 1997
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ... (١٩٥)
* * *
الفاء للترتيب، فالاستجابة معقبة لهذا الدعاء الضارع، والاستجابة معناها هنا الإجابة، وأصل معنى الاستجابة التحري والتهيؤ للجواب، وإذا كان معناها هنا الإجابة، فالمؤدى أنها إجابة مهيأة معدة لهم قد محصوا قبلها، وإجابة الله لهم دليل على استحقاقهم لرحمته، وقد أجابهم سبحانه إجابة تدل على كمال عدله، فقد قال سبحانه: (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ منكم) فإذا كان سيجزيهم الجزاء الأوفى فلأنهم عملوا خيرا، وسبحان الله الشاكر العليم، هم يطلبون الجنة منحة من الله، لأنهم لا يعتقدون أن عملهم يدخلهم الجنة استصْغارا لأعمالهم بجوار نعمة رب العالمين عليهم، والله الكريم المنان يبين لهم أن ما ينالون من خير من عملهم، وأن الله إذا لم يثبهم لكان مضيعا لعمل ابخير الذي قاموا به، وإن الله لَا يضيع أجر من أحسن عملا، ففي الآية الكريمة إشارة إلى عدله ورحمته، وبيان القانون الأمثل للعدل، وهو أن يكون الجزاء من جنس العمل (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨).
стр. 1998
وبين سبحانه تعميم الجزاء لكل عامل بذكر النوعين اللذين خلقهما الله تعالى في هذا الوجود، فقال: (مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) فلا فرق في الجزاء بين الذكر والأنثى. ويروى أن السيدة أم سلمة ﵂ قالت: يا رسول الله ألا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل الله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيع عَملَ عَامِلٍ منكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) (١).
وفى التعبير باللفظ السامي (ربهم) إشارة إلى أن الذي يجزيهم هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم، وفيه مشاكلة بين لفظ الدعاء والإجابة، ومعنى قوله تعالى: (بَعْضُكُم مِّنْ بعْضٍ) أي أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، فأنتم جنس واحد يتمم بعضه بعضا، فلا تُحرَم الأنثى جزاء ولا يحابى الذكر دونها، فهذا النص السامي فيه تعليل لمعنى التسوية في الجزاء بين الذكر والأنثى. وبعض العلماء فسر قوله تعالى: (بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ) أنها لعموم أجناس الناس، أي أنكم جميعا أيها الناس بعضكم من بعض لَا فرق بين عربي وأعجمي، ولا أسود ولا أبيض، فالجزاء من جنس العمل أيا كان العامل (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ. . .)، وهذا النص الكريم يشير إلى عدة معان سامية:
أولها: أن المرأة ليست شيطانة ولا نجسا، بل لها كل ما للرجل وإن كان له درجة في الدنيا لتنظيم الحياة.
وثانيها: أن العمل له جزاؤه من غير نظر إلى قبيلة العامل أو لونه.
ثالثها: أن استجابة الله ثابتة من وقت عمل العامل.
وقد بين سبحانه الأعمال التي استحقت الإجابة من هؤلاء الأبرار، فقال: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ).
стр. 1999
في هذا النص تعداد للأعمال الصالحات التي قام بها هؤلاء المؤمنون الأولون، واستحقوا بها نعيم الجنة، وتوقوا بها عذاب النار، وهي أمور ثلاثة: آخذ بعضها بحجز بعض، ومتلاقية في معناها ومغزاها.
أول هذه الأمور أنهم هاجروا وأخرجوا من ديارهم فهم هجروا مغانيهم التي تربوا فيها غير راغبين ولا محبين للخروج، بل ملجئين مضطرين، ولذلك روى أن النبي ﷺ قال مخاطبا مكة عندما خرج منها: " إنك أحب أرض الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت " (١) ويروى أن ورقة بن نوفل قال للنبي ﷺ : ليتني أكون جذعا إذ يخرجك قومك. فقال له ﵊: " أو مخرجيّ هم " قال: ما أوتى أحد بمثل ما أوتيت إلا عودي (٢) والله تعالى يقول: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ. . .)، فكان الإخراج سبب الهجرة.
ولقد جاء في التفسير الكبير للفخر الرازي أن كلمة هاجروا يراد بها الهجرة اختيارا، والإخراج هو الإخراج اضطرارا، وإني أقول: إن هذه التفرقة لم تكن في عصر النبي ﷺ ، وربما تكون من بعد ذلك، فمن الناس من يخرج من ديار الشرك أو الكفر مختارا ليكون قوة لأهل الإسلام، ومنهم من يخرج اضطهادا وإيذاء، كما فعل كفار اليوم باللاجئين المسلمين.
والأمر الثاني الذي استحقوا به الجزاء الأوفى هو أنهم تحملوا الأذى في سبيل الله تعالى، فهم أوذوا في مكة قبل الهجرة، واستمر الإيذاء بعدها، وكل ذلك في سبيل الله، وفي سب بل الحق وإعلائه، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، وإن هذا يزكي الخير فيهم، فإنهم ما أخرجوا من ديارهم، وهجروا أحباءهم وذويهم إلا في سبيل الله تعالى.
стр. 2000
والأمر الثالث أنهم قاتلوا في سبيل الله تعالى فجاهدوا الأعداء واستشهدوا في هذا القتال، فلهم فضلان: فضل القتال والتقدم، وفضل الاستمرار فيه والشهادة في سبيل الحق، وقد بين الجزاء بقوله تعالت كلماته: (وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ).
السيئات هي ما تسوء، ومعنى تكفيرها المبالغة في سترها، حتى تعتبر نسيا منسيا، وهذا أولى الجزاء، والثاني: إدخالهم الجنة، وقد صورها بأقرب صور نراها للنعيم في الدنيا، وهي الجنة التي تجري الأنهار من تحتها. هذا، وإن نعيم الجنة حسي، وهو فوق ما نراه في الدنيا، وإن كان تصويره لَا يكون إلا بما نراه، فإن فيها ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفي تقديم تكفير السيئات على إدخال الجنة ما يسميه العلماء التخلية قبل التحلية، أي تطهيرهم مما كان منهم من سيئات، ثم تحليتهم بأعظم نعيم يكون في الآخرة.
وقد أكد ذلك الجزاء بـ " اللام " الدالة على القسم، و " بنون التوكيد " الثقيلة، وبتوكيد معنى الكلام كله بالمصدر (ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ) إذ هو مصدر لما تضمنه معنى (لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) ومعناه: لأثيبنهم ثوابا، وقد أكد ذلك الثواب بأنه من عند الله تعالى ذي الجلال والإكرام، وإذا كان من عند الله فهو يتضمن رضوانه، ورضوانه أكبر، كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَر. . .).
والثواب أصله من رجوع الشيء إلى حالته، فكأن الجزاء على العمل رجوع بالعمل إلى الحال التي يكون عليها أو يستحقها، وقد قال الراغب في ذلك: " والثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله، فيسمى الجزاء تصورا أنه هو هو (أي أن الجزاء هو ذات العمل) ألا ترى كيف جعل الله الجزاء نفس العمل: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)، ولم يقل جزاه، والثواب يقال في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير، وعلى هذا قوله : (ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).