← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ... (٣٢) * * * التمني تصور ما لَا حقيقة له وطلب ما لم تتخذ الأسباب لتحصيله، ويتضمن معنى الطمع فيما في يد الغير، والحسد له، وإن ذلك يؤدي إلى شقاء النفس وفساد الخلق والدين، وإن الله تعالى فضل بعض الناس بالعقل والذكاء، وبعضهم بالجاه، وبعضهم بالقدرة على إدارة شئون الدولة، وبعضهم بفضل من المال. والفضل معناه الزيادة لَا ترتيب الدرجات، فقد يكون المفضول أعلى درجة عند الله ممن زاد عليه. ومعنى النص الكريم: لَا تتمنوا ولا تطمعوا وتتطلعوا إلى ما زاد الله به بعضكم على بعض في المال أو الجاه أو العمل أو الجهاد، فإن ذلك يجعلكم في اضطراب وبلبال مستمر وقلق دائم يزعجكم ويزعج المجتمع بكم، وما كانت الانقلابات الاجتماعية والفتن المخربة إلا بسبب تطلع كل إنسان لما أعطاه الله غيره من فضل ليس عنده، فذو المال يحسد ذا العقل والتدبير، والفقير يحسد ذا المال، وهكذا يكون كل إنسان في انزعاج بسبب تمنيه وتطلعه لما لَا يستطيع. وإن الله قد سهل عمل الخير لكل إنسان، وله من نتائج عمله الجزاء على قدر العمل، وإن التكليف على قدر الطاقة وعلى مقتضى التكوين الإلهي للأشخاص والأنواع، ولذلك قال سبحانه: (لِّلرِّجَالِ نَصيبٌ ممَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممَّا اكتَسَبْنَ) إن للرجال حظا مما اكتسبوا من أعمال قاموا بها من جهاد في سبيله، وإدارة لشئون المسلمين، وفصل في الخصومات، وقيام بالتكليفات العامة، وللرجال حظ من الأموال بمقدار ما يكلفون من أعمال اجتماعية، وللنساء نصيب وأجر مما اكتسبن، فلهن جزاء على آلام الحمل وآلام الوضع، وآلام التربية والسهر على الطفل والرعاية لشئونه، والصبر على هذه الرعاية، ولهن الجزاء الأوفى على القيام على مملكة البيت التي هي راعيتها، ولهن من المال في الميراث بمقدار ما يكلفن من تكليفات اجتماعية، فليرض كل من الرجال والنساء بحظهم الذي يتفق مع تكوينهم وكل له جزاؤه في الواجبات العامة لكلا الصنفين، والواجبات الخاصة بأحدهما، ولا يتمنَ أحد ما ليس له.

стр. 2137

(وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ) أي لَا تتمنوا ولا تتطلعوا إلى ما لم تتخذوا الأسباب له، واتجهوا إلى الله تعالى علام الغيوب الرزاق ذي القوة المتين، واسألوه ما يتفضل به عليكم، وما يزيدكم به من حظوظ الدنيا والآخرة، فإنكم عندئذ تطمئنون وتستقر نفوسكم، ويبعد عنكم القلق والانزعاج، والله سبحانه هو المعطى الوهاب. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) إن الله تعالى ذو الفضل العظيم وهو يعطي من فضله بمقدار علمه وبمقدار تكوينه للأشياء وتقديره لما يصلح، وإنه سبحانه وزع الأرزاق والمواهب بمقتضى علمه، فجعل من الناس الغني والفقير؛ إذ لو كان الناس سواء في الغنى والفقر ما كان من يعمل بيده ويزرع الأرض، ويقيم العمران وينمي الزرع والحرث، ولو كان الناس جميعا ذوي مواهب عالية ما وجد من ينفذ ما يفكر فيه أولئك العلماء، ولو كان الناس جميعا ساسة ما وجد من يسوسونه، ولكان الاختلاف ولا يكون الناس أمة واحدة، وإن الناس كهرم قاعدته أوْسَعه ساحة، ثم يعلو حتى يضيق أعلاه، والقاعدة هي أساس البناء، وإن ذلك التنظيم هو مقتضى العلم ومقتضى النظر، اللهم إليك الأمبر والنهي والتقدير، قد فوضنا كل أمورنا إليك، وإنك نعم المولى ونعم النصير. * * * (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ

стр. 2138

نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) * * * في الآيات السابقة ذكر أنه جعل لكل من الذكور والإناث حظه مما اكتسب، رجالا ونساءً، فليس لأحد أن يتمنى ما فضل به غيره عليه، وإلا عبث الشيطان بعقله وقلبه، فالأماني الكاذبة مطايا الشيطان دائما. وفى هذا النص الكريم يبين أنه جعل كذلك حظوظ الميراث بما قدر ، وقد جعله في الأولياء النصراء الذين كان يستنصر بهم في حياته، ويأمن بهم من الاعتداء والجور، ففي ظلهم وقربهم كان كسبه، فيكون لهم بعد وفاته ما قدره العليم بكل شيء. وقد قدر سبحانه الميراث بنوع القرابة وقربها، لَا بآحادها كالشأن في كل الشرائع والقوانين، تقدر أحكامها بالأنواع لَا بالآحاد، ولذا قال تعالى:

стр. 2139

(وَلِكلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكمْ) المولى هو النصير؛ الصديق والقريب، ويقول الأصفهاني في مفرداته: " الولاء والتوالى أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد "، وأقرب المعاني هنا أن يكون الموالى هم الذين يخلفون الشخص في ماله وشخصه، فتكون حياتهم امتدادا لحياته، وهم الوارثون. والمعنى كما يبدو من النص الكريم: ولكل أحد ممن يتركون هذه الحياة

стр. 2140

الدنيا إلى الحياة العليا جعلنا خلفاء له في ماله من أقرب الناس له، وأكثرهم نصرة، ويكون لكل من هؤلاء الأولياء حظ من ماله يأخذه، وهؤلاء هم أبناؤه وأقاربه والذين عقدت أيمانكم. وفي النص الكريم بعض مباحث لفظية ومعنوية. فالنص يشير أولا إلى أن الذين يخلفون الآباء والأقربين والذين عقدت الأيمان هم النصراء والأقارب الأدنون؛ لأنهم شاركوه في الجهد بنصرتهم وقرابتهم، ولأن بقاء شخصه يكون ببقائهم، والنص يشير ثانيا إلى أن المال الذي يتركه موزع بين هؤلاء لايستبد به قريب دون قريب، إذا اتحدت درجة القرابة وقوتها؛ لأن الميراث يتبع الاقربية، فهو للأقرب فالأقرب. ويشير ثالثا إلى سبب الميراث، وهو القرابة ويدخل فيها الزوجية هنا، لأن الزواج يوجد ارتباطا نفسيا يكون كالقرابة، بل يكون أقوى من بعضها، فتصير المرأة بضعة من الرجل. والسبب الثاني هو عقد اليمين، ويقال عَقَدَتْ الأيمان لكل عقد قوى موثق، والأيمان هنا هي الأيدي جمع يمين، وهي اليد اليمنى، لأن العقد الموثق يضع فيه يده في يد الآخر عند عقده، ولذلك يقال للبياعات الصفقات؛ لأن كل عاقد يصفق بيمينه على يمين الآخر. ومن هم (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) كما جاء في النص؛. لقد نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد عبده أنه قال: إن المراد الأزواج؛ لأن سبب الميراث هو عقد الزواج والقرابة، والأكثرون بل الجميع من المتقدمين على أن المراد عقد الولاء، وهو أن يعقد الشخص مع رجل أقوى منه نصيرا على أن تكون له نصرته، وأن يرثه إذا لم يكن له وارث، فالأقوى ينصر الأضعف، ويرثه إذا مات، وقد كان ذلك واقعًا. وقال بعض الفقهاء: إنه نسخ الميراث به، كما نسخ الميراث بالإخاء، وقال الحنفية ومعهم بعض الفقهاء: إنه ما زال باقيا لم ينسخ، وهذا ما نميل إليه، ونحن بهذا نخالف ما نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد عبده، ونخالف من ادعوا النسخ، ووجهتنا في الأول أن القرآن الكريم لم يعبر عن أحد الزوجين بمن عقدت أيمانكم، لأن الحياة الزوجية ليست العلاقة فيها مجرد تعاقد بين الرجل والمرأة، بل هي بعد استقرارها تكون ازدواجا نفسيا، فتكون هي قطعة

стр. 2141

منه ويكون هو قطعة منها وتكون بينهما لُحمة أقوى من لُحمة النسب، إذا أعقبا أولادا يتكونون من أجزائهما، فيريان فيهم شخصيهما قد اندمجا، فكانا ذلك الحي الذي هو خِلْبُ الكبد. وأما وجهتنا في عدم نسخ الميراث بالولاء، فهي أنه لا يوجد دليل ناسخ، وما وجد من السنة هو ظني أولا، والظني لَا ينسخ القطعي، وقد ورد في نسخ الإخاء، وقد حلت القرابة محل الإخاء، والميراث بالولاء لا يتعارض مع الميراث بالقرابة؛ لأنه يكون إذا لم يكن الشخص أحد من الأقارب قط، وبذلك لَا يكون للولاء قوة القرابة، ولكن تكون له قوة الوصية التي تتأخر عن القرابة والزوجية، وإن أقصى ما يدل عليه عقد الولاء أن يقدم على بيت المال، وهو مؤخر عن الوصايا الصريحة إذا كانت لَا تزيد على الثلث، وبذلك تكون النصرة الخاصة مقدمة على النصرة العامة؛ إذ عَقْدُ الولاء سبب للنصرة الخاصة والأمة هي النصير العام، وإن بيت المال يأخذ المال الضائع، وما دام قد جعل المال لواحد من بعده فإنه لَا يعد ضائعا. (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) إذا كان توزيع التركات بِجَعْل الله تعالى وتقديره، فيجب أن يؤتى كل واحد حظه منه، إذ هو نصيب لم يكن بمنحة من أحد، ولكن بعطية من الله تعالى، فليس لأحد أن يمنع ذا حق حقه، إذا كان ذلك الحق قد قرره مالك الملك، فلا يجوز للذكور أن يحرموا الإناث من نصيبهم فإن ذلك يكون ظلما مبينا، ولا يجوز للقوي من الوارثين أن يُطَفِّفَ من نصيب الآخرين، كما أنه لَا يجوز لحاكم أن يغير ميراث الله تعالى، ولا أن يمنعه، فكل من ملك مالا أو حقا فلورثته، كما قال النبي ﷺ : " من ترك مالا أو حقا فلورثته " (١). وقد أكد الله أمره بمنع الظلم في الميراث بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدًا) أي أن الله تعالى ذا الجلال والإكرام

стр. 2142

يشاهد كل شيء، ويشهد عليه، فيعرف الظالم الذي يأخذه ومآله معرفة الشاهد المعاين، فمن أراد إخفاء مال، أو أكل الحق من صاحبه، فليعلم أن الله تعالى سيأخذه أخذ عزيز مقتدر. * * *

стр. 2143

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ... (٣٤) * * * يقال قام على الشيء وهو قائم عليه وقوام عليه، إذا كان يرعاه ويحفظه ويتولاه بعنايته والمحافظة عليه، وليست القوامة مطلق الرياسة، بل إن الرياسة تسمى قوامة إذا كان الرئيس يقوم على رعاية المرءوس والمحافظة على حقوقه وواجباته، ومن هذا المعنى قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) فإن المعنى أن الرجال يقومون على شئون النساء بالحفظ والرعاية والكلاءة والحماية، فيقوم الآباء على رعاية بناتهم والمحافظة على أنفسهن وأخلاقهن ودينهن، والأزواج يقومون على شئون زوجاتهم بالحفظ والرعاية والحماية والصيانة، ومن هنا تجيء الرياسة، بل إني أقرر أن قيام الرجل على شئون الزوجة ليس فيه رياسة، إنما فيه حماية ورعاية وهو من قبيل توزيع التكليفات، فإذا كان للرجل رياسة عامة، فللمرأة أيضا رياسة نوعية، ولذا قال النبي ﷺ : " الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها " (١). وقد ذكر سبب تكليف الرجل هذه الرعاية دون المرأة، فبين سببين: أولهما: قال فيه (بِمَا فَضَّلَ اللَّهَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، والتفضيل هو الزيادة في القوة الجسمية والمعرفة، واختصاص الرجال بالرسالة الإلهية، والولايات الكبرى، وقد تبع هذا تكليفات كثيرة على الرجل، منها الجهاد ودفع الأعداء، وما عرف التاريخ أن امرأة قادت الحروب، ومهما يكن من عمل للمرأة في الحروب فهو من قبيل الأعمال الثانوية، لَا الأعمال الأصلية، والتفضيل هو تفضيل الجنس

стр. 2144

على الجنس، لَا تفضيل آحاد، فمن النساء من هي أقوى من الرجال عقلا، ومعرفة، بل قوة جسم في بعض الأحيان، وقال: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) ولم يقل: بما فضلهم الله عليهن أولا للإشارة إلى البعضية المشتركة، وأن الرجال من النساء والنساء من الرجال، فاللحمة الواصلة واحدة، وللإشارة إلى أن ذلك التفضيل لصالح الجميع، وكلٌّ يؤدي عمله الذي خلقه الله له. والسبب الثاني في القوامة والرعاية والحفظ والصيانة هو ما عبر الله عنه بقوله: (وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، وذلك لأن تكليف الرجل بالإنفاق، وجعله حقا للمرأة عليه، يجعله مكلفا أيضا أن يرعاها ويصونها؛ إذ إن ذلك التكليف استوجب أن يكون عمل المرأة داخل المنزل، وعمل الرجل خارجه؛ فهي عاكفة على شئون الأطفال وإعداد البيت ليكون جنة الحياة، وهو مكلف رعاية الجنة وحمايتها وصيانتها. (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه) إن رعاية الرجل للمرأة والعمل على صيانتها وحفظها تختلف باختلاف المرأة، والمرأة المتزوجة نوعان: إحداهما الصالحة، والثانية من ليست كذلك، وهنا يبين هذا النوع. ومعنى الصالحة النافعة المستقيمة في خلقها ودينها، فهي صالحة في نفسها وزوجيتها، وقد وصفها الله بوصفين ظاهرين يميزانها، ويكشفان عن صلاحها، في نفسها ودينها: أحدهما أنها قانتة. وقانتة معناها مطيعة عن طيب نفس، واطمئنان قلب، لَا عن قسر وإكراه، وهي مطيعة لله تعالى في كل مظاهرها، ومن طاعة الله تعالى طاعة زوجها في غير معصية. ولم يبين في اللفظ من تطيعه للإشارة إلى أن من طبيعتها الطاعة لصاحب الطاعة. وصاحبها هو الله، وهو مصدر الطاعات كلها. والوصف الثاني أنها حافظة للرجل في غيبه، وقد عبر الله سبحانه عن ذلك بقوله: (حَافِظَاتٌ للْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه) أي يحفظن الأمور المغيبة المستترة، فلا يفشين ما يكون بينهن وأزواجهن، ولا يكتمن ما خلق الله في

стр. 2145

أرحامهن، ولا يعتدين عليه، ولا يضعن في الوديعة التي أودعها الله إليهن ما لا يجوز أن يكون فيها، وقوله تعالى: (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (ما) إما مصدرية وإما موصولة، والمعنى على أنها مصدرية: حافظات للغيب بحفظه تعالى، أي بالصورة التي حفظ الله بها ذلك الأمر وجعله غيبا مكنونا. وعلى أنها موصولة: حافظات للأمور الغيبية الستورة بالأمر الذي حفظها الله تعالى في تكوينه وشرعه. والخلاصة على التخريجين أن المرأة الفاضلة الصالحة مع طاعتها لزوجها تحفظ غيبه وستره وعرضه، وقد جاء الوصفان في قول النبي ﷺ : " خير النساء من إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته " (١). هذا هو القسم الأول من النساء المتزوجات، والقسم الثاني ما بينه بقوله: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُن وَاهْجُروهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) ذلك القسم هو غير الطائع وغير الصالح بلا ريب، والنشوز خروج الزوجة عما توجبه الحياة الزوجية من طاعة الزوجة لزوجها، وقيامها على شئون بيتها، وأصل النشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع في وسط الأرض السهلة المنبسطة ويكون شاذا فيها، فيكون نشوز المرأة ترفعا أو إعراضا عن الحياة الزوجية الطيبة وشذوذا فيها، وقال سبحانه، (تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ) ولم يقل " ينشزن " للإشارة إلى أمرين: أولهما علاج الداء قبل أن يستفحل، وذلك بأن يكون العلاج عند وقوع بوادر النشوز وظهور أماراته، حتى لَا يصل إلى أقصى درجاته، وهو أن تهجر الزوج، وتخرج من منزله، لأن ذلك العلاج يكون وهي في ظل العُش الزوجي لم تغادره - والأمر الثاني استكثار وقوع النشوز بالفعل، وهو أن تترك البيت على من فيه وما فيه، وكأنه لَا يتصور أن تقع زوجة في ذلك، ولو لم تسم في لغة الشرع زوجة صالحة. وقد ذكر الله لهذا النوع من النساء ثلاثة أنواع من العلاج:

стр. 2146

أولها - ما ذكره سبحانه بقوله تعالى: (فَعِظُوهُن) " الفاء " هنا واقعة في خبر الموصول؛ لأنه في معنى الشرط فدخلت الفاء في خبره الطلبي، كما تدخل في جزاء الشرط إذا كان طلبا. والوعظ القول الذي يؤثر في النفس ويوجهها إلى الخير، وقد قال الخليل بن أحمد: " الوعظ هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب " فالوعظ توجيه إلى الخير بذكر نتائج الشر، وهو مراتب أعلاها التوبيخ، وهو أيضا مراتب. ولكل امرأة من النساء ما يليق بمثلها، فذات الإحساس الرقيق إذا كان منها ما لَا يستحسنه، يقال مثلا: أفعلت هذا؛ كأنه ينكر أن يكون حدث منها، أو يقول: ما تصورت أن يكون هذا من مثلك. ثم يذكرها بشرف أسرتها، ثم يذكرها بحق الله تعالى، ثم يوبخها، ومنه اللوم، وهو في كل هذا لَا يقسو ولا يعنف. والثاني - الهجر في المضجع، والمضجع في المجاز هو المسكن كله، والهجر المطلوب هو الهجر الجميل، وهو الهجر من غير جفوة. والهجر مراتب: أدناها أن يكون الهجر في موضع النوم، وهو المضجع الحقيقي، والآخر مجازي بأن يدير لها ظهره ولا ينام، فإن علا نام في منام آخر، فإن علا ترك حجرة النوم إلى حجرة أخرى من غير مجافاة ولا مخاصمة، ولكل حال نوعها من النساء ونوع من أمارات النشوز وعلاماته التي تكشف عن توقعه إن ترك حبلها على غاربها. الثالث - من دواء النشوز، الضرب، وهو أقصاها، ولا يلجأ إليه إلا عند فشل الدواءين السابقين. وقد ثبت أن الضرب المباح يكون عندما تبلغ الحياة الزوجية درجة يخشى عليها من النشوز والافتراق، وقد قيدته السنة بقيدين. أحدهما: أن يكون غير مبرح، وأن يكون غير مشين بألا يضرب الوجه، فقد صرحت بذلك السُّنة (١)، وسئل ابن عباس عن الضرب غير المبرح، فقال: هو

стр. 2147

الضرب بالسواك أو مثله. وهذا هو الضرب المباح، فهو رمز لاستحقاق الضرب، وليس بضرب. وقد نص في مذهب مالك على أن الزوج إذا ظلم زوجته وشكته إلى القاضي، وعظه، فإن تكررت الشكوى حكم لها بالنفقة ولم يحكم له بالطاعة زمنا، فإن شكته بعد ذلك عزره بالضرب ليستقيم، وهذه عقوبات ثلاث تقابل عقاب الزوج لزوجته، ولكنها أشد وأعنف، فالضرب لَا يكون غير مبرح. (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) البغي الطلب الشديد، ومعنى النص الكريم: فإن أطاعت الزوجات فلا تطلبوا طريقا من طرق العقاب أيا كان باغين عليهن به ظالمين، والمغزى أن كل عقاب مع الطاعة ظلم وبغى لَا يقصد ولا يطلب، بل يقصد الزوج إلى اسْتِدْنَاء مودتها بالرحمة والعطف والتقريب والتحبب بكل أساليبه. وقد ذيل الله الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا)، للإشارة إلى قوته القاهرة، وأنه إذا استعلى الرجل على امرأته فالله العلي الكبير فوقه، وهو مؤاخذه وآخذه بعذاب أليم. * * *

стр. 2148

(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) * * * هذه حال ثالثة للحياة الزوجية، وهي حال خوف الشقاق، وهي غير حال خوف النشوز، لأن خوف النشوز يكون والزوجة في بيت زوجها له نوع سلطان عليها، وهناك مودة بينهما، فتكون تلك المودة من سبل العلاج، ولذلك كان من العلاج الهجر الجميل، إذ لَا يصلح عقابًا إلا عند قيام المحبة، أما الشقاق فإنه يكون عندما تنشعب المودة، ويكون كل واحد من الزوجين في شق، وهذه حال لَا يتولى إصلاحها الزوج؛ لأن القلوب تنافر ودها، ولهذا كان العلاج لَا بد أن يكون من طريق آخر، وقد بينه الله تعالى بقوله: (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَأ، والبعث معناه الإثارة، وهو هنا الإثارة مع التخير؛ لأنه ليس كل إنسان يصلح طبيبَا معالجا للنفوس المتنافرة، والحكم من له حق الحكم والفصل، وعمل الحكم يتجه إلى أحد أمرين: أحدهما الإصلاح بينهما ورد النفوس الشاردة إلى مستقر الحياةَ الزوجية، وإن ذلك يقتضي

стр. 2149

أن يكون عند الزوجين نية إزالة الخلاف أو على الأقل لَا يمانعان فيه، ولذا قال تعالى: (إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) أي إذا كان كلا الزوجين مع وجود النفرة يرغب في إزالتها. فإن الله موفق بينهما، بأن يجعل كل قلب يلتقي مع الآخر، والتوفيق يقتضي أن يفتح كل واحد جزءا من قلبه ليدخل فيه أو يلتحم معه القلب الثاني. والأمر الثاني التفريق بينهما، وقد كان الخلاف بين الفقهاء في جوازه، فقال أبو حنيفة والشافعي؛ لَا يجوز ذلك إلا بتوكيل من الزوج، لأن النص بيّن أن عملهما في الإصلاح، فإن عجزا عنه فقد انتهت مهمتهما، ولأن الطلاق حق الزوج وحده، ولا يتولاه غيره إلا بالنيابة عنه، وقال مالك وأحمد: لهما التفريق إن عجزا عن الإصلاح؛ لأن الله تعالى سماهما حكمَيْن، والحكم هو الذي يحسم الخلاف، فإن عجزا عن الإصلاح حسما الخلاف بالتفريق، ولأن عليا ﵁ عندما بُعِثَ حكمان لحسم الخلاف بين عقيل بن أبي طالب وامرأته قال: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. وعليٌّ أحق من فسَّر القرآن. وبعث الحكمين يكون بأمر القاضي، والبعث يكون عند خوف الشقاق؛ لأن الشقاق يكون بالانفصال التام، والخوف قبله. وقد ذيل الله الآية الكريمة بقوله تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) أي أنه متصف بصفة العلم الدقيق المحيط الذي يعلم أحوال النفوس وطرف علاجها، ويعلم ما يقوم به الناس، ويعلم ما تخفي الصدور، وعنده الجزاء والعقاب وهو على كل شيء قدير. * * * (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ

стр. 2150

وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) * * * في الآيات السابقة من أول السورة وردت أحكام الأسرة، وواجبات الأقوياء فيها بالنسبة لضعفائها، والدعائم التي تقوم عليها، والحقوق المتبادلة بين آحادها، وأشير إلى الآفات التي قد تعروها، ثم بينت عناصر تكوينها سليمة، وأشير إلى المعاملات المالية بينها من غير تفضيل، ثم بُيِّن علاج ما يكون بين الزوجين من أسباب النزاع التي قد تهدد المودة الواصلة بينهما بالقطع، وفي هذه الآيات ذكر سبحانه الأسس التي تقوم عليها المعاملات العامة والخاصة، وذكر وجوب الإحسان إلى كل من يتصل بالشخص بقرابة أو جوار، ثم بين حال الذين يقطعون العلاقات بين الناس، وبين أن أساس التعامل الفاضل هو عبادة الله تعالى وحده، من غير إشراك، وأن أساس التعامل الفاسد هو أن يريد الشخص بعبادته غرضا من أغراض الدنيا من غير اتجاه إليه سبحانه، ومراعاة حق الناس عليه. ولذا قال سبحانه:

стр. 2151

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) هذا أول الخط الذي يسير فيه الفاضل في علاقته بالله وبالناس، وهو أول الخط المستقيم، والعبادة معناها خلوص النفس لله تعالى، والاتجاه إليه وحده، والإخلاص في كل ما يعمل

стр. 2152

لله تعالى، وهي بهذا المعنى تشمل العبادات من صلاة وحج وصوم، وصدقات. والصلاة لب العبادة، وهي ذات صور مختلفة في الديانات، ولكنها في صميمها لا تكون صلاة إلا إذا تحققت فيها الضراعة التامة، والاتجاه إلى الله وحده، وعدم الانشغال عنه سبحانه بأي عرض من أعراض الدنيا. وهذه هي العبادات المفروضة، وبعدها يكون الاتجاه إلى الله تعالى في كل مقصد وعمل، ولا يحس بالالتجاء إلا له، فالدعاء له وحده، لَا يشرك معه أحدا في دعائه، ولذلك ورد عن النبي ﷺ أنه قال: " الدعاء مخ العبادة " (١). ويلي هذه المرتبة في سمو العبادة ألا يفعل الأعمال إلا لله، ولا يحب إلا في الله ولا يبغض إلا في الله. وهذه المرتبة يصورها قول النبي ﷺ : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لا يحبه إلا لله " (٢). هذه هي العبادة، أو إشارات إلى أنواعها ومراتبها. وإن الأخذ بها يجعل كل الأعمال في دائرة الفضيلة، وينير البصيرة، وإن نقيض العبادة الخالصة لله تعالى الشرك، وهو منهي عنه. وكما أن العبادة مراتب فالشرك مراتب أيضا، أعلاها الشرك الأعظم، وهو اعتقاد شريك لله تعالى في ألوهيته واستحقاقه للعبودية، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. . .)، ويليه أن يعتقد أن أحدا ينفع ويضر من دون الله، والالتجاء إلى غير الله والخضوع لغير الله وبغير ما أمر الله تعالى. والمرتبة الثالثة الإشراك في القُرُبات، بأن يصلي مرائيا، أو يزكي مباهيا، أو يصوم متعاليا، ولا يقصد وجه الله بصومه، وقد قال ﷺ : " من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك " (٣)، ويسمى هذا النوعُ الشركَ الخفي. وقد روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: " إن أخوف ما أتخوف

стр. 2153

أمتي: الإشراك بالله، أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا، ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية " (١). وإن النهي عن الشرك يشمل الإشراك بالله في أي شيء أو أي حال، ولذا قال تعالى (وَلا تُشْرِكُوا بِه شَيْئًا)، أي شيء وعلى أي نحو كان، سواء أكان شركا ظاهرا أم كان شركا خفيا. وإن الإشراك في كل صوره يضعف الضمير، والإيمان بالله يقوي الضمير، وإن أول مظاهر قوة الضمير التي توجدها عبادة الله وحده، البر بالناس، ولذا عقب طلب البر والإحسان بالنهي عن الإشراك فقال تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) وقد قرن الله النهي عن الإشراك بالإحسان إلى الوالدين، ومن وليهما، وقد جاء في آيات أخرى ذكر الإحسان بالوالدين فقط بعد النهي عن الإشراك، كما قال تعالى: (وَقَضي رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، لأن أحق من يستحق الإرضاء بعد الله الوالدان، ولا يستحق غيرهما بعد الله الشكر، ولذا قال تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ. . .)، وقال ﵊: " رضاء الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين " (٢)، والإحسان إلى الوالدين بالصحبة الكريمة، وسد حاجتهما، والقول الحسن، وعدم التململ من حياتهما إن بلغا الكبر، وتعبا تعب الشيخوخة، وصارت حياتهما عبئا على أولادهما، ولذا قال : (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤). والإحسان إلى ذي القربى من هذا الصنف، فعلى القريب أن يحسن بقريبه، بسد حاجته، ويكرم صحبته، ويصله ولو قاطعه، ولذا قال النبي ﷺ : " ليس

стр. 2154

الواصل بالمكافئ إنما الواصل من يصل رحمه عند القطيعة " (١)، ويكون في عونه دائما في دفع الملمات، والمواساة في الشدائد. والإحسان باليتيم، يكون بإيوائه، والعطف الذي يقوم مقام عطف أبيه، وسد حاجاته، والاختلاط به بالرحمة، فيجعله مع أولاده مختلطا بهم، مؤتنسا معهم، ويسوّي بينهم وبينه، لكي ينشأ أليفا مألوفا مع المجتمع الذي يعيش فيه، وقد ورد في الأثر: " إن خير بيوت المسلمين بيت يكرم فيه يتيم، وشر بيت من بيوت المسلمين بيت يقهر فيه يتيم " (٢)، وإن قهر اليتيم وإذلاله ينشئه نافرا شاذا، فيكون عدوا للجماعة لَا يألفها، ويكون منه الإجرام، والإيذاء، وقد قال الله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ). والمساكين هم الفقراء والذين لَا طاقة لهم على عمل، لمرض مزمن أو شيخوخة فانية، أو آفة في جسمهم تجعلهم غير قادرين، أو تعطُّل لَا يجدون معه عملا يعملون، والإحسان بهم سد حاجاتهم، وكفالة الراحة لهم. وبعد أن بين سبحانه الإحسان اللازم المطلوب الذي لَا مناص عنه، وهو دفع الآفات الاجتماعية، اتجه إلى الإحسان إلى المجتمع القريب، والإحسان في المعاملة بشكل عام، فقال: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) هو الجار الذي يتصل بالإنسان بصلة الرحم والقرابة، وهذا له مع حق الجوار حق الرحم، فقد ثبت له الإحسان من ناحيتين:

стр. 2155

إحداهما: من ناحية القرابة، فهو داخل في ذي القربى، والثانية: الجوار، وقد يقول قائل: لماذا أمر بالإحسان به في الجوار مع أنه مذكور في القرابة؟ والجواب عن ذلك أن الجوار قد يوجد احتكاكا، تكون معه الشحناء، فللحرص على بقاء المودة الواصلة، نبّه - سبحانه - إلى أن الجوار يوثق الإحسان ولا يباعده، فهو يجعله أوجب وألزم. (وَالْجَارِ الْجُنُبِ) هو الجار الذي يكون مسكنه أو متجره، أو مزرعته بجنبك، والإحسان إليه بألا يكون منه أذى له بأي نوع من أنواع الأذى، فلا يزعجه في أمنه، ولا يمنع الماء عنه، ولا يرسل إليه الماء غير الصالح، ويلقى عليه مزابل بيته. ثم من الإحسان به مواساته في شدائده، ومعاونته في حاجاته، وأن يحفظ سره، ولا يكشف عورته، ولا يعلن منه ما يخفى على الناس. ومن الإحسان إليه أن يهدي إليه ما يعجز عن شرائه لأولاده من حلوى وفاكهة ونحو ذلك. وإن الإحسان إلى الجار هو الأمر الذي يدعو إليه التآلف الإسلامي في المجتمعات الصغيرة، وقد أكثر النبي ﷺ من الحث على الإحسان بالجار (١). (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) هو الصاحب الذي يكون بجنبك في عمل أو سفر، أو طريق، أو مركب، وقد قال جار الله الزمخشري في ذلك: " الصاحب بالجنب هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد، أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه. فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان " وإن من الإحسان إلى الصاحب الذي يكون بجنبك، ألا تؤذيه بمنظر كريه أو ريح كريهة، وأن تحافظ على الحياء في مجلسك،

стр. 2156

فلا تجعل نعلك يحف بثيابه أو بحيث يؤذيه، وأن تعاونه إن كان محتاجا إلى معاونتك. (وَابْنِ السَّبِيلِ) هو المنقطع عن أهله ولا مال له، فكأن الطريق تبناه، والإحسان إليه بإيوائه وإطعامه وتسهيل الحياة له حتى يعود إلى أهله. وقد أوجب الإسلام إعداد مأوى لهؤلاء من بيت مال الزكاة، وإمدادهم بالطعام والكساء حتى يثوبوا إلى أهلهم. (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) هم العبيد والإماء الذين ملكت رقابهم في الحروب العادلة، فهم في سيطرة المالك لهم، وكأن رقابهم في يمينه يسيرها كما شاء. والإحسان إليهم يكون من مالكهم بالإطعام والكساء والمأوى، وعدم إيذائهم بأي نوع من أنواع الأذى، فلا يضربون، ولا يلطمون، وقد قال ﵊: " من كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإنْ كلفتموهم فأعينوهم عليه " (١). وفى سبيل الإحسان بهم نهى النبي عن أن يقول المالك عبدي وأمتي، فقال: " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، بل ليقل فتاي وفتاتي " (٢)، ونهى عن ضربهم: " من لطم عبده فكفارته عتقه " (٣)، وقال بعض الحنابلة: إنه بمجرد اللطم يكون عتيقا.

стр. 2157

وهنا بحث لفظي في الكلمة السامية: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، فقد قالوا: إن " أحسن " تتعدى بنفسها وذلك بالنسبة للأعمال، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، وقول النبي ﷺ : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يحسنه " (١) وقول عليّ ﵁: (الناس أبناء ما يحسنون). ويتعدى بالباء، وبإلى وباللام، وتكون بمعنى الإنعام والإكرام. وقالوا: إنها في تعديها بالباء تكون بمعنى الإكرام مع الاتصال والمودة والقرب ممن أحسن إليه. (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) المختال هو ذو الخيلاء أي الكبر، وذلك لأن المتكبر يتخيل لنفسه من الصفات والسجايا والأفعال ما ليس فيه، فيستعلي على الناس، والفخور هو الذي يكثر من ذكر مزاياه ويبالغ فيها، ويحب أن يحمد بما لم يفعل. وإن هذين الوصفين يتلازمان، فحيث كان الكبر كان الفخر الكاذب، والله تعالى لَا يحب هؤلاء، لأنهم يستنكفون عن الاتصال بالناس، ويغمطون حقوق الناس، ولا يقومون بحق النعمة التي أنعم الله بها عليهم، ولذا قال ﵊: " الكبر بطر النعمة وغمط الناس " (٢). وكان ذكر ذلك النص الكريم بعد طلب الإحسان للإشارة إلى أن المتصف بهاتين الصفتين لَا يمكن أن يكون محسنا لأحد - هو إيذاء بصفاته وبأفعاله، وهو مصدر الشر والتفرق في الجماعات، وقد بين الله حقيقتهم بأوصافهم، وذكرها صفة صفة، فقال: * * *

стр. 2158

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٣٧) * * * وإن من صفة هؤلاء المختالين أنهم بخلاء، ويحرضون الناس على البخل، ويكتمون ما أعطاهم الله من فضله. والبخل أن يضن الشخص في مواضع الخير، فليس البخل مرادفا للاستمساك بالمال، إذ إن الإنفاق في الشر والضنّ على الخير يسمى بخلا في لسان الشرع والعقل، كما أن الإنفاق في سبيل البر مهما يكثر لَا يكون إسرافا، فتبرع أبي بكر بكل ماله في الحرب لَا يسمى إسرافا، ومثل ذلك تبرع عمر ﵁ بالشطر من ماله، وكذلك تبرع عثمان بالأموال الضخمة للمسلمين، ولهذا روي عن عبد الله بن عباس: " درهم في الشر إسراف وألف في الخير ليس بإسراف " فلا غرابة إذن إذا وجدنا المختالين، ينفقون الألوف في المظاهر والاستعلاء، ومع ذلك وصفهم الله تعالى بالبخل، ولا تناقض بين وصفهم بالبخل، وكونهم مثل الذين ينفقون رئاء الناس؛ لأن كلا الوصفين ينبع من نفس واحدة، وهي الشح في الخير. ودأب هؤلاء أن يبخلوا وأن يحرضوا على طريقهم الذي سلكوه، ويسخروا ممن يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، لأنهم في طبيعتهم لَا يحسون إلا بأنفسهم، ولا يؤمنون بحق الغير عليهم. وقوله تعالى: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، المراد بها كتمان المال في موضع البر، فهم أشحة على الخير يحسبونه مفنيا لمالهم، فيكتمون ما أعطاهم الله من مال بفضله، وعلى هذا سار بعض المفسرين، وحجته أن الكلام في المال، فالكتمان فيه. وقال آخرون: إن المراد كتمان العلم الذي أُوتُوه بفضل الله عليهم، وإرسال رسل كثيرين فيهم، ويكون النص في اليهود لأنهم يتصفون بكل هذا، ويرشح لذلك قوله تعابى في ختام الآية: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِين عَذَابًا مُّهِينًا) وأرى أن يفسر الكتمان تفسيرا عاماً يشمل العلم والمال.

стр. 2159

وقوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) معناه: وهيأنا للجاحدين لرسالة محمد ﷺ ولوحدانية الله تعالى عذابا يهينهم ويذلهم، فإذا كانوا قد استكبروا وطغوا واستعلوا واختالوا في الدنيا، وهي متاع قليل، فالذل الدائم والهوان المستمر لهم في الآخرة. وتعقيب هذا النص السامي للأوصاف السابقة يشير إلى أن تلك الأوصاف أوصاف الكافرين الجاحدين بنعيم الله، لَا أوصاف المؤمنين المقربين بأنعمه، وقد وصف سبحانه أمثال هؤلاء بقوله: * * *

стр. 2160

(وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ... (٣٨) * * * الرئاء مصدر راءى يرائي مراءاة، ورياء، ورئاء، وهو أن يعمل العمل، أو ينفق المال يظهر للناس أنه يقصد الخير، وهو يقصد بذلك الظهور أمام الناس والشهرة بالخير، وهو من صنف مماثل للبخلاء أو هو منهم؛ لأنه ينفق لنفسه لَا لغيره، فكأن أولئك المختالين الفخورين صنفان: صنف لَا ينفق على الناس قط، ولا يعين بأي نوع من العون في طريق البر، وصنف يعطي في سبل النفع، ولكن لَا يقصد وجه الله تعالى، بل يقصد ما عند الناس، من رجاء مَحْمَدَة، أو تفاخر، أو استعلاء، أو طلب جاه لدى ذي جاه، كأولئك الذين ينفقون النفقات العظيمة، ويتصدقون بالصدقات الكبيرة، تملُّقا لذوي الجاه، أو رجاء لما عندهم، وإن هذا النوع يكون إنفاقه إلى بوار عليه، ولا ثواب عليه، ولو كان من أهل الإسلام. وقد قال ﵊ في المرائين الذين ينفقون رياء: " يقول صاحب المال يوم القيامة لربه: ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله تعالى: كذبت إنما أردت أن يقال جواد، فقد قيل " (١)!.

стр. 2161

وقد ذكر سبحانه بجوار الإنفاق رياءً عَدم الإيمان، فقال في أوصافهم: (وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) وهذا وصف يعم الذين يراءون، ويشمل الكافرين، وهو حقيقي في الكافرين الذين لَا يذعنون للحق، فيؤمنون بالله واليوم الآخر، ودائم معهم بدوام كفرهم، وبالنسبة للمرائين من أهل القبلة ثابت لهم وقت رئائهم؛ لأن من يتصدق راجيا ما عند العباد من جاه أو ملق أو استعلاء، لا يؤمن بحق الله عليه وقت تبرعه، ولا يؤمن بأن وجه الله هو الذي يقصد، ولا ينظر إلا إلى متاع الدنيا، ولا يؤمن في عمله هذا باليوم الآخر، ولو كان يؤمن بالله في عمله هذا لقصد وجهه الكريم، وما يكون من ثواب مضاعف على فعله، وإن هذا كله من عمل الشيطان. (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) الشيطان هنا كل ما يحرض على الشر من وسوسة نفس، وصاحب مفسد، ومن تسلط على عباد الله تعالى لإغوائهم، وفي النص القرآني إيجاز بالحذف معجز، إذ المعنى: وقد دفع هؤلاء إلى الرياء في إنفاقهم وإلى البخل والكتمان قرناء السوء من شياطين الإنس والجن، والقرين هو الصاحب اللازم الذي يخلط نفسك بنفسه، ويقرنها بها حتى تصيرا كأنهما شيء واحد، ومعنى قوله: (وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) من يكن الشيطان صاحبا ملازما له قد اختلط به ومازج نفسه، فما أسوأه من قرين محرض على الشر يدفع إليه بصحبته، وملازمته وإغوائه، والعدوى التي تسري إليه. وفي النص إشارة إلى أن قرناء السوء يفسدون الأخلاق؛ لأن عدوى الأخلاق تصل بالمجاورة كما تصل عدوى الأمراض. * * *

стр. 2162

(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ... (٣٩) * * * هذا النص توبيخ للذين يؤثرون رضا الناس على رضا الله، فلا يبتغون ما عنده، ويبتغون ما عند الناس، فيراءون ويمنعون الخير لذات الخير. والمعنى: ماذا يكون عليهم من مغبة أو تبعة أو ضرر، لو أنهم آمنوا بالله حق الإيمان وباليوم الآخر الذي يكون فيه الجزاء الحقيقي، ولم يأخذهم زخرف الحياة الدنيا فلا يرعوا سواها؛ إنه لَا ضرر

стр. 2163

بلا شك في الاتجاه إلى الله، وإنفاق بعض رزقه الذي أعطاه إياهم؛ إذ لَا ينفقون إلا بعض ما أعطى، ومع عدم الضرر هناك نفع عظيم جليل، وهو رضا الله، وثواب يوم القيامة، وصلاح حالهم صلاحا حقيقيا في الدنيا. وبمقارنة ذلك بما عليه حالهم من رياء أو بخل أو كتمان، يتبين أنهم اختاروا الصفقة الخاسرة؛ لأن في انفاقهم لأجل الرياء أو بخلهم، إغضابا لله، وتعرضا لعقابه وإفسادا لمجتمعهم، وما ينالون من نفع ضئيل بجوار ما ينالهم من ضرر خطير. ولم يذكر ما ينالون من نقع في دنياهم؛ لأنه لَا يعد في حقيقة الأمر نفعا، فضررهم مؤكد، ولا نفع، وإذا اتجهوا إلى الله فالنفع ثابت ولا ضرر. (وَكَانَ اللَّهً بِهِمْ عَلِيمًا) هذه إشارة إلى الضرر الذي ينالهم، وهو عقاب الله تعالى لهم، وهو عليم بأحوالهم يعلم سرهم وما يخفى من شئونهم، وإنه سيجافلهم بعملهم، فالعقاب لاحق بهم لَا محالة، وقانا الله تعالى شر نفوسنا، وجعلنا لله لَا لأحد سواء. * * * (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) * * *

стр. 2164

فى الآيات السابقة بين وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة، سواء أكانت هذه العبادة في التكليفات التي خصصت للعبادة ذاتها، أم كانت من المعاملات بين الناس التي لابد من نية القربة فيها. فالإنفاق لابد أن يخلص لله تعالى، كالصلاة لابد أن تكون خالصة لله. فالنية في الأقوال والأفعال أساس الجزاء من عقاب وثواب. وفى هذه الآية الكريمة بين الجزاء الأوفى من خير أو شر، وأن الشر لا يجازى إلا بمثله، وأن الحسنة تكون بأضعافها، ولذا قال سبحانه؛

стр. 2165

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) المثقال - معناه المقدار الذي له ثقل يحتمل أن يوزن، والذرّة الغبار الذي لَا يرى في أكثر الأحوال، والمعنى اللفظي أن الله لا ينقص عاملا حقا وزن ذرة، وهي لَا تعلى الميزان ولا تخفضه، إلا أن يكون ميزانا دقيقا جدا، وهذا النوع من الموازين لَا يوجد في الدنيا، ولكن يوجد في الآخرة، فعندئذ تكون الموازين القسط التي لَا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا قومتها. ومعنى النص في مرماه أن الله ، لَا ينقص أحدا من ثواب عمله أي مقدار ولو ضؤل، فهذا الكلام فيه استعارة مؤداها أنه لَا ينقص عمل عامل، لقوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨). وإن النص عام يشمل المؤمن وغير المؤمن في ظاهره، ولذا تكلم العلماء في أعمال الخير التي تقع من الكافر إذا قصد بها وجه الله تعالى مع كفره وضلاله، وقال الأكثرون إن الله لَا يغفر الشرك، ويعطي الكافر ثواب الخير في الدنيا، أما المسلم فيؤتيه ثواب الخير في الدنيا والآخرة، واستندوا في ذلك إلى ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله لَا يظلم مؤمنا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى بها إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها " (١).

стр. 2166

وإن ذلك نظر حسن يفسره ما نراه للكافرين من نعم مادية في الدنيا تجري عليهم، فلعلها ثمرة لما عملوا من بعض الخيرات في التعاون الإنساني، وثمرة لاتخاذهم أسباب الرزق على وجه كامل. ويميل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إلى أن الكافر إن عمل خيرا يقصد به وجه الله أو سبيل الخير المجردة، لَا يضيعه الله تعالى عليه يوم القيامة، ولكن ينقصبه من سيئاته، غير الكفر والإشراك فإن هذين لَا يكفرهما شيء. ويؤيد نظره هذا بأن الآثار قد وردت بأنه يخفف عن أبي طالب لكفالته النبي ﷺ ، وحمايته له (١)، وقد كان في ذلك حماية للدولة الإسلامية. وقد روى أيضا أنه يخفف عن أبي لهب لعتقه ثُوَيْبَة حين بشرت بمولد النبي ﷺ (٢)، وأبو لهب هذا هو الذي قال الله تعالى فيه وفي امرأته: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) إلى قوله (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥). فحسنات الكفار تكفر السيئات التي دون الشرك والكفر، على هذا النظر، فالكفر لَا يغفر، ويذهب من السيئات الأخرى بمقدار الحسنات، ونحن لا نرى في ذلك خروجا عن حكم الإسلام، وهو معقول في ذاته يتفق مع عموم النصوص، وإن كنا نميل إلى الأول.

стр. 2167

(وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) وإن الله عفوٌّ غفور رحيم بعباده، لَا يكتفي بمنع الظلم عمن يحسن، بل إنه يضاعف الأجر لمن يحسن، و " تَكُ " أصلها " تكن " حذفت النون و " كان " هنا ناقصة، والمعنى: وإن تكن الفعلة حسنة تكون مضاعفة، ومعنى يضاعفها أي يكون بدلها أمثالا كثيرة لها. وقد قيل: إن الفرق بين المضاعفة والتضعيف أن المضاعفة تكون بأضعاف كثيرة، والتضعيف يكون بضعفين اثنين، والمؤدى أن الحسنة تكون بأمثال كثيرة لها كقوله تعالى: (مَن ذَا الَّذِي يقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً)، وقوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)، فالله لَا ينقص من عمل الخير شيئا بل يضاعفه في الآخرة، وإن الله فوق هذا الجزاء المضاعف أضعافا كثيرة يزيد المحسن من عطائه، ولذا قال سبحانه: (وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) أي أن الله تعالى يعطي عطاءً كثيرا، غير ملاحظ فيه المثلية والمضاعفة، بل إنه سبحانه فوق مضاعفة الحسنة بأمثالها، يعطي عطاءً سمحا غير مقيد بالمضاعفة، بل إنه يكون سماحا، وكرما من الله تعالى. وسمى ذلك العطاء أجرا، وهو في الحقيقة ليس في مقابل عمل؛ لأن مقابلة العمل كانت بالأمثال السابقة؛ لأن الأجر قد يطلق على مطلق العطاء، وإن لم يكن له مقابل، وتفضل الله تعالى في كرمه فسماه أجرا، وإن لم يكن له نظير، فهو أجر غير ممنون. وقد عظم الله ذلك العطاء غير المنون بوصفين. أحدهما: أنه عظيم في ذاته ذو جلال وشأن، فهو رضوان الله تعالى، ونعيم مقيم، وجنات فيها ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والثاني: أنه عطاء من لدن الله تعالى، فهو قد نال شرفا إضافيا بأنه من الله تعالى.

стр. 2168

وكانت عظمة العطاء على ذلك الوجه ليقدم المؤمن على العمل الصالح. وقد بين الله أن كل ما يكون يوم القيامة من حساب، أدلته ثابتة من نطق الجوارح بما صنعت، ومن شهادة الأنبياء بالتبليغ والبيان، فالجرائم معها دليل وقوعها، والقانون الذي نظم العقاب وجرمها قائم بشهادة الذين أعلنوه وبينوه، ولذا قال تعالى: * * *

стр. 2169

(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) * * * الاستفهام هنا للتنبيه، وبيان ما سيكون يوم القيامة من حساب يتبعه عقاب عادل، أو ثواب يتبعه جزاء سابغ وعطاء غير ممنون. والمعنى تنبهوا أيهؤلاء الذين يجحدون الأدلة القائمة، والرسالات الثابتة، وتصوروا حالكم، وأعمالكم تنطق بها ألسنتكم وجوارحكم، ومعكم النبيون يشهدون عليكم بالتبليغ والبيان، وأنه لم يكن لكم حجة في كفر، ولا معذرة في جحود. والشهيد هو الشاهد الناطق بالحق، المتحري المستقصي الذي لَا يترك حقا لم يبينه. ومعنى قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) أنه يؤتى لكل أمة من الأمم بشهيد منها هو نبيها الذي بعث فيها ودعاها إلى الحق، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فكل نبي يشهد على قومه بالتبليغ والبيان. وما من أمة إلا كان لها نذير، فقد قال تعالى: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فيهَا نَذِيرٌ)، وقال تعالى: (. . . وَمَا كنَّا مُعَذّبينَ حتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وقد اختلف في الإشارة في قوله تعالى: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، فقال بعض المفسرين: إن الإشارة في هؤلاء إلى النبيين السابقين، فالنبي ﷺ باعتباره خاتم النبيين، وأن رسالته خالدة إلى يوم القيامة، ولتكريم الله تعالى، يكون شاهدا على كل النبيين السابقين، والشهادة عليهم بمعنى أداء الشهادة بأنهم بلغوا، وكانت التعدية بعلى للإشارة إلى معنى المحافظة على أصول الشرائع السابقة لاشتمال القرآن الكريم عليها، ونشرها خالصة سائغة واضحة بينة للأجيال.

стр. 2170

هذا هو القول الأول - والقول الثاني أن المشار إليهم في النص الكريم هم أمة محمد ﷺ ، وهي أكثر الأمم عددا؛ لأن محمدا ﷺ أكثر الأنبياء تابعا؛ إذ دينه لم يحرف ولم يبدل، فقد حفظت أصوله في القرآن الكريِم، وهو نور الله تعالى الباقي إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وإن الكثيرين على الأول، لأن النبي ﷺ شهادتان إحداهما شهادته للرسالات السابقة بالصدق والبيان، وقد اطلع على هذه الشهادة المسلمون ببيان القرآن، والثانية شهادته على أمته، وقد جمع الشهادتين قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، وإن تلك منزلة عالية للنبي ﷺ والمؤمنين به إيمانا صادقا الذين يذعنون للحق دائما، وكان النبي ﷺ يستعظم أمر هذه الشهادة، فقد روى أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه، والترمذي والنسائي في سننهما، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: " قال رسول الله ﷺ : اقرأ عليَّ، قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: " نعم أحب أن أسمع من غيري "، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا)، فقال: " أمسك "، وفي رواية: " حسبك الآن "، فإذا عيناه تذرفان (١). وكأن رسول الله ﷺ لفرط إيمانه بالله تعالى تخوف يوم الحساب والعقاب، واستعظم تلك الشهادة التي وضعت في عنقه، وهي أعظم أمانة، فسالتْ عبرات عينيه ﷺ (٢). * * *

стр. 2171

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ... (٤٢) * * * يومئذ - هي ظرف مضاف إلى الظرف، ودخله التنوين على غير ما يقرره قياس النحويين، لبيان عظم ذلك الزمان الثاني وهوله، وأضيف الظرف إلى الظرف لتأكيد وجود ذلك الزمان، فهو يوم مؤكد الوقوع وهو على الكافرين عسير، ولشدته يحب ويتمنى الذين كفروا وعصوُا الرسول محمدًا ﷺ أو عصحوا أي رسول بعث إليهم - وتكون اللام للاستغراق - أن يكونوا ترابا كالأرض؛ كما قال تعالى: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ ترَابًا)، وهذا معنى تسويته بالأرض. ويصح أن يكون المعنى أن يدفنوا ويعودوا إلى القبور، وتسوى بهم الأرض كما كانوا من قبل. ويصح أن يكون المراد ألا يبعثوا وأن يستمروا مقبورين، والأرض مسوّاة عليهم. والباء في قوله تعالى " بهم " على التخريجات السابقة التي تنتهي إلى معنى واحد، للملاصقة، أي يستمرون ملاصقين للأرض على أنهم جزء منها أو في داخلها. وإن هذا التمني الذي تدل عليه " لو " سببه عصيانهم وكفرهم بالأنبياء، وشهادة النبيين عليهم بالتبليغ وشهادة جوارحهم عليهم بالارتكاب، وقد قال سبحانه من بعد ذلك:

стр. 2172

(وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) أي لَا يكتمون يوم القيامة حديثا من أحاديث أنفسهم، فكل ما يجول بخاطرهم تنطق به ألسنتهم وجوارحهِم، وإذا كذبت الألسنة صدقت الجوارح. وقوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) عطف على (يَوَدُّ) في النص السابق، والمعنى أنهم يودون لو تُسوَّى بهم الأرض، ولا يكتمون مع ذلك حديثا، أي حال التمني هذه ربما كانت تسوغ لهم الكذب، ولكنهم مع ذلك لَا يتمكنون منه، وإن كذبت الألسنة شهدت سائر الأعضاء. وقيل إن الواو في قوله تعالى: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) للحال، والمعنى على هذا: أنهم يودون لو تسوَّى بهم الأرض، والحال أنهم مع ذلك لَا يكتمون حديثا من أحوالهم في الدنيا. والمؤدى على التخريجين واحد، فلا مناص من ثبوت جرائمهم. وشهادة الأنبياء بالتبليغ. اللهم إنا نضرع إليك أن تجنبنا الزلل، وأن تغفر لنا خطايانا، وأن تغمرنا برحمتك يوم المطلع والحساب والعقاب، كما غمرتنا بها في الدنيا، فإنك الغفور الرحيم. * * *

стр. 2173

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) * * * أمر الله فيما سبق من قول حكيم بعبادته وحده، وألا يشرك العبد به شيئا، ثم أمر بعد ذلك بحسن المعاملة، بالأقربين، ثم بالناس أجمعين،

стр. 2174

وبالأخذ بيد الضعيف، وبإخلاص النية له سبحانه في القول والعمل، وأن الرياء ينافي الاتجاه إلى الله وحده. وفي هذه الآية الكريمة بين طريق المعاملة الكريمة، وتربية الإخلاص له ، وهي الصلاة، وقد ذكرها بذكر ما يجب من مقدماتها، وهو تطهير الجسم والقلب، فقال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) يذكر المفسرون في معنى لَا تقربوا الصلاة تأويلين: أحدهما: أن المعنى لَا تقوموا بها، أو لَا تغشوها واجتنبوها وأنتم سكارى، كما قال سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيم)، وكما قال تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّه كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا). والثاني: أن معنى قرب الصلاة قرب مواضعها، أي لَا تقربوا مواضع الصلاة وأنتم سكارى، وإذا كان النهي عن قرب الموضع قائما، فهو بلا ريب متضمن النهي عن الفعل نفسه، فهذا التأويل يزيد المعنى فيه عن الأول بالنهي عن دخول السكران المسجد حتى يستفيق، وفي ذلك احترام للمسجد وتكريمٌ لبيوت أذن الله تعالى أن يرفع ذكره فيها. والنهي هنا نهى عن الصلاة في حال السكر؛ لأن ذلك يتنافى مع الخشوع والقصد وإخلاص النية في كل جزء من أجزائها لله تعالى. وقد حُدَّ النهي بنهاية معينة، وهي الاستفاقة وفهم ما يقول، ولذا قال سبحانه: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) أي حتى تقصدوا قصدا حقيقيا بنية خالصة، عالمين موقفكم من الله تعالى، وعالمين بما يشير إليه لفظ التكبير، ولفظ التسبيح، ومعاني الفاتحة التي هي دعاء القرآن وضراعة المؤمن لربه، ومعاني الآيات التي تتلى في الصلاة، فهذا هو ما يقال في الصلاة. فليس العلم الذي هو الغاية التي ينتهي عندها هو مجرد الإدراك والفهم، وذهاب غيبوبة السكْر، بل العلم هو هذا اليقين والإدراك العالي الذي به تقام الصلاة، ويكون حسن إقامتها. وقد يقال: كيف يخاطب السكران بهذا النهي؟ والجواب عن ذلك أنه خطاب له وهو في وعيه بحيث يعمل على تجنب السكر في وقت الصلاة، ولا

стр. 2175

قُرْبَ وقتها، " فكان النهي يتضمن الأمر بتجنب الشرب في أوقات الصلاة وما قبلها، بحيث يتحرى ألا يجيء وقت الصلاة إلا وهو مدرك إدراكا تاما. وإنه يؤيد هذا قوله: (وَأَنتمْ سُكَارَى) فإن هذا التعبير يفيد النهي عن القرب من الصلاة وهم بهذه الحال، فهو يفيد النهي عن السكر قبلها، حتى يكون صاحيا وقتها. وإنه يترتب على هذا مراعاة أن يكون السكر في غير أوقات الصلاة، وأن يتأكد أن وقت الصلاة لَا يدركه إلا وهو يعلم ما يقول، فلا يسكر الشخص قط في أثناء النهار، لأنه لَا يمكن أن يضمن الصحو في وقت الصلاة، إذا شرب مسكرا في أثناء اليوم. ولا يتمكن من السكر إلا بعد العشاء، وإنه يجب أن يعلم أن الصحابة الذين كان يقع منهم الشرب أحيانا قبل التحريم الشافي، منهم من كان يتهجد في الليل، وإذا تردد بين الشرب والتهجد آثر صلاة الليل. وإن ذلك كله قبل التحريم القاطع المنهى لحال العفو عن الشرب، وقد قالوا: إن ذلك قبيل كان من التدرج حتى يألفوا اجتناب الخمر، ويستأنسوا بتحريمها تحريما قاطعا. (وَلا جُنُبًا إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) والجنب هو من أتى النساء ولم يغتسل، وتكون المرأة أيضا جنبا، وهو يستعمل وصفا، وأصله مصدر، ولذلك يطلق على المفرد والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، ولفظ جنب هنا المراد به الجمع، وهو عطف على الحال، وهو: (وَأَنتُمْ سُكَارَى). والمعنى: النهي عن قرب الصلاة جنبا، كالنهي عن قرب الصلاة (وهم سكارى). وإذا كان النهي في الأول مؤداه الأمر بتجنب السكر وقت الصلاة. فكذلك الأمر هنا مؤاده تجنب ما يكون سببا للجنابة وقت الصلاة. وقوله تعالى: (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ)، قال بعضهم: إنه المسافر، لأن المسافر يعبر الطريق ولا يتوقف بل يسير. وقد استبعد الأستاذ الشيخ محمد عبده أن يعبر عن المسافر بـ " عابر سبيل " بل التعبير القرآني الشائع هو كلمة " على سفر ". وقالوا
следующие страницы →