فيها من الكرامة والاحترام والشرف ما للأم الرءوم العطوف، لذلك اشترط في التحريم الدخول بها.
والحكمة في التحريم واضحة، لأنه لو كانت الإباحة، فيباح للرجل أن يطلق الأم المدخول بها ويتزوج ابنتها، ويطلق البنت ويتزوجها، لأدى ذلك إلى إلى تقطيع الأرحام بين الأم والبنت، ولأدى إلى التضييق في الأسرة، فلا يباح للرجل أن يضم إليه أولاد امرأته، ولا يباح له أن يعطف على بناتها، ويؤويهن عنده إن كن في حاجة إلى إيواء، خشية أن يؤدي ذلك إلى الرغبة في الزواج بواحدة منهن.
والطائفة الثالثة بين تحريمها بقوله: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة التي تحل، والأبناء يشملون الأولاد من الطبقة الأولى والطبقات الأخرى، وقد انعقد الإجماع على ذلك، فمن كانت زوجة ابنه أو ابن ابنه أو ابن بنته لَا تحل له لأنها كانت حليلة لأحد هؤلاء، والتحريم ثابت سواء أدخل بها فرعه أم لم يدخل، وقوله تعالى (مِنْ أَصْلابِكُمْ) - معناها من ظهوركم، وكان في ذكر كلمة (أبنائكم) ما قد يغني عن ذكر (أَصْلابِكُمْ)، ولكنها ذكرت ليخرج الذين يُتَبَنَّوْنَ، فقد كان العرب يعتبرون المتبنَّى ولدا له كل حقوق الأولاد، ويحرمون على أنفسهم الزواج من أزواج التبنين، وقد سماهم القرآن أدعياء، ولذلك قال الله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥).
ومن أجل إباحة الزواج بمن كانت زوجة المتبنى أمر الله نبيه بأن يتزوج امرأة زيد بعد أن يطلقها لأنه كان متبنى للنبي ﷺ في الجاهلية، ولذا قال سبحانه عند الأمر بزواجها: (فَلَمَّا قَضي زَيْدٌ فِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
стр. 2102
حَرَج فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا).
(وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) هذا نوع جديد من التحريم المؤقت، وهو ألا يجمع الرجل بين امرأة وأختها في عصمته، فلا يصح أن يتزوج أخت زوجته، وهي في عصمته، أو يكون قد افترق عنها وعدتها لم تنته، فإن ذلك حرام؛ لأنه يؤدي إلى قطع الرحم بينهما، ومثل الجمع بين الأختين الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها وابنة أخيها وابنة أختها، وقد ثبت تحريم الجمع بين هؤلاء لقول النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة: " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا المرأة على ابنة أخيها، ولا ابنة أختها "، وزاد في بعض الروايات: " إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم " (١)، وقد انعقد إجماع من يعتدّ بإجماعهم على ذلك. وقد قال بعض المفسرين: إن تحريم الجمع بين هؤلاء يثبت من نص القرآن في قوله تعالى: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَينِ)؛ ذلك لأن التحريم لخشية إيحاش قلب الأختين بالعداوة، ويكون بينهما ما بين الضرائر من مبادلة الأذى، وإن ذلك أظهر في الجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها، فأولى أن يكون التحريم في الجمع بينهما، ولأن العمة والخالة بمنزلة الأم.
(إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) يظهر أن هذا كان يقع من العرب في الجاهلية، ومنهم بعض الذين آمنوا، ولذلك بين الله سبحانه أن ذلك موضع
стр. 2103
عفو الله تعالى، ولذا قال سبحانه: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) والاستثناء هنا منقطع، و (إلا) بمعنى (لكن) والمعنى: لكن ما قد سلف منكم في جاهليتكم قبل ذلك التحريم موضع عفو الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى غفور رحيم، فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفورًا رَّحِيمًا) في موضع التعليل لعفو الله في هذا الاستثناء المنقطع، والمعنى أن الله يعفو، لأنه كان وما زال غفارًا للذنوب رحيما بعباده، ومن رحمته بعباده ألا يعذبهم من غير نذير، وألا يؤاخذهم على ما اكتسبوا إلا بعد بيان واضح، وإن كان العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، والله بكل شيء عليم.
* * *
стр. 2104
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)
* * *
قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ) بالضم معطوف على أمهاتكم في آية التحريم السابقة التي صدرت بقوله تعالى: (حرِّمَتْ عَلَيْكمْ أُمَّهَاتُكُمْ)، فهذه الآيات تتمّة لبيان المحرمات. ثم بعد ذلك بيَنت المحللات من النساء بعبارة جامعة، ثم بعبارة مفصلة لحل الإماء. وأحْصَنْ متلاقية في المعنى مع كلمة الحصن، وهو المكان المحكم الذي يُتقى به أذى العدو، فمعنى أحْصَنَ المرأة جعلها في حصن الفضيلة، وقد جاء في مفردات الأصفهاني: (يقال حصان للعفيفة، ولذات حرمة، وقال
стр. 2105
تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا. . .). وقال تعالى: (وَفَإِذَا أُحْصِنَّ. . .)، أي تزوجن، و " أُحْصِنَّ " زُوِّجن، والحَصَان في الجملة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها).
وبهذا يتبين أن المرأة المحْصَنة هي التي صانت نفسها وتحصنت بحصن الفضيلة والبعد عن الفحشاء، وإحصانها بزواجها، أو بعفافها المجرد، أو بحريتها وشرفها، ولذلك تطلق كلمة المحصَنَات، ويراد بها أحيانا العفيفات، وتطلق بمعنى الحرائر، وفي هذه الآيات استعملت كلمة المحصنات بالمعاني الثلاثة، فقوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) المراد المتزوجات، وقوله تعالى (الْمُحْصَنَات الْمُؤْمنَات)، المراد الحرائر، وقوله (مُحْصَنَاتً غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)، المراد العفيفات، وقوله تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن الْعَذَابِ) المراد بهن الحرائر.
(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكمْ) المحصنات هنا المتزوجات اللائي يكنّ في عصمة أزواجهن، ويدخل في عموم المحصنات المعتدات، فزوجة الغير ومعتدته لَا تجوز، وتحريمهن ثابت بمقتضى الفطرة والطبيعة الإنسانية، وسنَّة الله تعالى في الخلق والتكوين، ولكن استثني من ذلك الدخولُ بغير الزوجات المملوكات، فإنه يجوز الدخول بهن، والاستثناء هنا منقطع بمعنى لكن،، لأن الكلام في العقد لَا في الدخول، إذ إن قوله تعالى: (حُرِّمتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتكُمْ) إلى قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ) كل هذا في تحريم العقد، لَا في تحريم الدخول فقط، فالاستثناء بعد ذلك في الدخول بملك اليمين، لَا يكون على منهاج الاستثناء المتصل، وقد قرر العلماء أن السبايا اللائي يدخلن في الرق لَا يلتفت إلى زواجهن السابق، بل تصير ملكا يحل للمالك أن يدخل بها بمقتضى الملك، لقوله تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)، وهذا متفق عليه، وهو مما ينطبق عليه النص الكريم، فقط ينتظر حتى تستبرئ رحمها من الحمل.
стр. 2106
وهناك صورة أخرى قد اختلف فيها الفقهاء، وهي الأمة التي تكون مملوكة ثم عُقِد عَقْد زواجها، وبعد ذلك باعها مالكها: أيلزم المشترى الجديد بهذا الزواج، قال بعض العلماء إنه يفرق بينهما بعد هذا الشراء؛ لأن الذي عقد هو وليها الأول، ولا يلزم بعقده الثاني، وقال بعض الفقهاء: يلزم الثاني؛ لأن الزواج سابق على الشراء، فيكون قد اشتراها ملتزما بما كان من قبل. ويظهر أنه من المتفق عليه أن مالكها إذا زوجها فهو ملزم بهذا الزواج لَا يبطل بإبطاله، لأنه التزم به، فلا ينقض أمرا تم من جهته. ومن المقررات الفقهية أن من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه.
ويتبين من هذا أن الاستثناء الخاص بالدخول بملك اليمين مقصور على حال السبى بالاتفاق، وقد قيل إن الآية نزلت في ذلك، وادعى بعض الفقهاء أنها تشمل حال المشتراة التي سبق زواجها.
(كتَابَ اللَّه عَلَيْكُمْ) جاء هذا النص بعد بيان المحرمات من قوله تعالى:
(حرِّمَتَْ عَلَيْكُمَْ أمَّهَاتُكُمْ) إلى قوله: (وَالْمُحْصَنَات) وكان سياقه لتأكيد التحريم وتوثيقه، و " كتاب الله "، لها في الإعراب تخريجان، كل واحد منهما يشير إلى معنى مستقيم: أولهما - أن يكون (كتاب) مصدر كتب، والمعنى: كتب الله تعالى التحريم كتابا مفروضا بأحكامه عليكم، فليس لكم أن تتخلوا عنه. وثانيهما - أن يكون المراد القرآن، والمعنى: الزموا كتاب الله الذي هو حجة عليكم إلى يوم القيامة، وهو الذي بين شريعة تحريم المحرمات فأطيعوه.
فكلا التخريجين يؤدي إلى توثيق التحريم وتوكيده بنسبته إلى الله تعالى، إما باعتباره كَتَبَه وفَرَضه هو، وإما لأنه نص عليه في كتابه الخالد الباقي إلى يوم القيامة، ولم يترك بيانه لرسول أو نبي.
(وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) في الآيات السابقة بيان المحرمات، وفي هذا النص الكريم يشير بلفظ عام إلى الحلال من النساء، فـ (ما) هنا المراد بها النساء، وقالوا تكون لما لَا يعقل و (من) تكون لمن يعقل؛ وهي هنا لمن يعقل، لأن العموم
стр. 2107
يعبر عنه بها. وفي الحق أن المستقرئ لاستعمال القرآن يتبين له أن (مَا) و (مَنْ) يتبادلان من يعقل وما لَا يعقل، فمن استعمال (ما) لمن يعقل هذا النص، ومن استعمال (من) لما لَا يعقل قوله تعالى: (فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ)، ولذلك أرى أنه لَا ضرورة لتعيين إحداهما للعقلاء والأخرى لغير العقلاء، ثم التمحّل (١) من بعد ذلك، فكتاب الله تعالى هو حجته الفصحى، وليس من حجة تقاربه.
وكلمة (وراء) المراد بها غير هؤلاء، وهي في أصل استعمالها للخَلْف، وكأن المعنى أن المحرمات مقدمات إلى الأمام، والمحللات خلفهن، وفي ذلك إشارة إلى أن التحريم كان للتكريم والتشريف، وملاحظة المودة، فليس التحريم إيذاء، ولكنه تكريم. وقد قيل إن الآيات السابقة لم تشمل كل المحرمات، فالجمع بين المرأة وخالتها أو عمتها، حرام، ولم ينص عليه في المحرمات، فكأن الجمع جائز بينهن، ولقد فهم هذا بعض الذين لَا يأخذون بالسنة المشهورة، وقد أجيب عن ذلك بإجابتين:
الأولى: أن هذا النص جاء بصدد بيان المحللات بذواتهن، بخلاف التحريم - لعارض الجمع فقد بينته السثُنة، فإن الخالة وحدها حلال (٢)، وبنت الأخت وحدها، وكذلك بنت الأخ والعمة، كل واحدة حلال بذاتها، إنما التحريم هو في الجمع، والنص بين المحللات لذواتهن، وهذه الإجابة بينها الشافعي في الرسالة.
الثانية: أن التحريم ثابت في الجمع بالنص السابق، لأن النص السابق قال الله فيه سبحانه فحرم الجمع بين الأختين بالنص، وثبت تحريم الجمع بين الخالة وبنت أختها والعمة وبنت أخيها بالأولى، لأن الخالة صِنْوُ الأم، وكذلك العمة،
стр. 2108
فإذا كان الجمع بين الأختين حراما، فأولى بالتحريم الجمع بين البنت ومن هي بمنزلة أمها، وقد انعقد الإجماع على ذلك.
(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) هذا بيان ضرورة المهر لشرف المحل، ولإعزاز المرأة وتكريمها، ولتستعين به فيما تتأهل به للزواج، ومعنى النص الكريم أن الإحلال يقتضي أن تبتغوا، أي أن تطلبوا الزواج أشد الطلب، وأن ترغبوا فيه أشد الرغبة، متقدمين في ذلك بأموالكم، فإن المال يكون دليل الرغبة.
ثم أشار سبحانه إلى فرق ما بين الزواج والفاحشة، فقال: (مُّحْصنينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي ابتغوا الزواج واطلبوه حالة أنكم تحصِّنون به أنفسكم، ونُطَفكم، وتحفظون به أولادكم، فمعنى الإحصان هنا الإعفاف، وما يتضمنه من حفظ النطف والولد. وجعل في مقابل الذين يحصنون أنفسهم ونطفهم الذين يسافحون، والسفاح من سفح الماء أو الدم أساله، ومنه قوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا. . .)، والزاني يسفح النطفة ويلقيها ويسيلها على تراب الرذيلة. فالسفاح على هذا إلقاء للنطفة الإنسانية، وهي الجوهر المادي للإنسان، والزواج تحصين لهذه النطفة، ووضع لها في حرْثها الذي أعده الله تعالى لها.
(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) الاستمتاع الاستيلاء على ما فيه متعة وخير ومتاع، وقد كان الرجل في الجاهلية يتزوج المرأة، ويستمتع بها، ثم يتركها خالية الوفاض (١)، فذكر الله تعالى ضرورة إعطاء المهور التي فرضت وقدرت وقت العقد، وقد سماها الله تعالى هنا أجرا، والأجر هو الجزاء على ما قدم الإنسان من عمل، وقد يطلق على معنى العطاء، كما هو ظاهر قوله تعالى: (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنون)؛ لأن اقتران كلمة الأجر بعدم المَن يرشح لأن يكون المراد بها العطاء، إذ هو الذي يجري فيه المن والأذى، وعلى أي حال فإن الظاهر في كلمة الأجر هنا هو الجزاء، وقد يقال: لماذا عبر هنا بالأجر، وفي
стр. 2109
أصل فرضية المهر بما يفيد أنه عطاء، فقد قال تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)؟ والجواب عن ذلك أن الآيات التي بينت أصل الوجوب تبين القصد من الشرعية، وهو كونه هدية واجبة لبيان شرف العلاقة بين الرجل والمرأة، وللمعاني التي شرع من أجلها المهر، أما الآيات التي سمَّت أجرا (١) فهي لبيان الأداء بعد أن تأخر عن ميقاته، فلتأكيد الأداء سمي أجرا، وأصبح المُؤَدِّي غير جدير بأن يسمى معطيا أو ناحلا أو مانحا.
وهذا النص قد تعلق به بعض المفسرين الذين لم يفهموا معنى العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة، فادعوا أنه يبيح المُتْعَة، وهي عقد بين الرجل والمرأة يستمتع بها مدة معلومة في نظير مهر معلوم، أو في نظير أجرة معلومة، ولو تخلفت المرأة في بعض المدة ولم تسلم نفسها نقص من مهرها، أو بالأحرى من أجرتها والنص بعيد عن هذا المعنى الفاسد بُعْدَ من قالوه عن الهداية، لأن الكلام كله في عقد الزواج، فسابقه ولاحقه في عقد الزواج، والمتعة حتى على كلامهم لا تسمى عقد نكاح أبدا، وقد تعلقوا مع هذا بعبارات رواها مسلم عن النبي ﷺ أنه أباح المتعة في غزوات ثم نسخها، وبأن عبد الله بن عباس كان يبيحها في الغزوات (٢)، وهذا الاستدلال باطل، لأن النبي ﷺ نسخها، فكان عليهم عند تعلقهم برواية مسلم أن يأخذوا بها جملة أو يتركوها، وجملتها تؤدي إلى النسخ لا إلى البقاء، وإذا قالوا: إنا نتفق معكم على الإباحة ونخالفكم في النسخ فنأخذ المجمع عليه ونترك غيره، قلنا لهم: إن النصوص التي أثبتت الإباحة هي التي أثبتت النسخ، وما اتفقنا معكم على الإباحة، لأننا نقرر نسخ الإباحة، على أننا نقول إن ترك النبي ﷺ المتعة لهم قبل الأمر الجازم بالمنع ليس من قبيل الإباحة، بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس القلوب بالإيمان، وتترك عادات الجاهلية،
стр. 2110
وقد كان شائعا بينهم اتخاذ الأخدان، وهو ما نسميه اتخاذ الخلائل، وهذه هي متعتهم، فنهى القرآن الكريم والنبي ﷺ عنها (١). وإن الترك مدة لَا يسمى إباحة، إنما يسمى عفوا، حتى تخرج النفوس من جاهليتها، والذين يستبيحونها باقون على الجاهلية الأولى. ومثل ذلك الخمر، فما أبيحت، ولكن تركت عفوا حتى جاء النص القاطع بالتحريم، وابن عباس ﵁ قد رجع عن فتواه، بعد أن قال له إمام الهدى علي كرم الله وجهه: " إنك امرؤ تائه، لقد نسخها النبي ﷺ ، والله لَا أُوتي بِمسْتَمْتِعَين إلا رجمتهما " (٢).
(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) الجنوح معناه الميل، والجناح الإثم، والفريضة المهر المقدر، والتراضي من بعده إما على زيادته، وإما على نقصه، والمعنى لَا ميل إلى الإثم في الأمر الذي تتراضون عليه من بعد المهر الذي سميتموه وفرضتموه على أنفسكم، وعليكم أن تلتزموا بما التزمتم من بعد العقد، قليلا كان أو كثيرا، مع ملاحظة أن المرأة إذا تركت بعض مهرها من بعد الفريضة فيجب أن يكون ذلك بطيب نفسها، كما قال تعالى: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا)، فلابد من طيب النفس، وقد ذكرنا ذلك من قبل.
стр. 2111
وقد ذيل الله آيات المحرمات بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) لبيان أن ما شرعه هو مقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، ومقتضى حكمته التي تضع كل شيء في موضعه، وهي مقتضى جلاله ﵎، ومقتضى ألوهيته، ولذا صدّر الكلام بلفظ الجلالة. وقد أكد الله وصفه سبحانه بالعلم والحكمة بـ " إن "، وبلفظ الجلالة، وبـ " كان " الدالة على الدوام والاستمرار، فعلينا أن نعلم حكمة الله تعالى فيما شرع، وفيما أمر ونهى، فهو أعلم بمصلحتنا منا، ولنخضع لما أمر، ولا نحاول أن نخلع الربقة (١)، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) المحصنات الحرائر، والفتيات الإماء، فإن الإسلام لا يعبر عن العبد إذا أضيف إلى مولاه بالعبد، بل يعبر عنه بالفتى، وهذا من أدب الإسلام وتكريم الإنسان، ولذا ورد في الحديث الصحيح: " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي " (١). كما نهى النبيّ العبد عن أن يقول: سيدي وسيدتي، بل يقول: مولاي ومولاتي. والطَّول: القدرة والسعة في المال والجسم، ومعنى ملك اليمين، أن تكون في ملكه، وعبر باليمين لإفادة السلطان، فإن يمين الرجل مظهر قوته، وبها يكون الصَّفْق في البياعات، فأضيف الملك إليها لأنها سببه. والآية بمضمونها أفادت أنه لَا يحل الزواج من الإماء إلا إذا لم يكن في طوله أن يتزوج حرة. وقد اختلف الفقهاء في حدود الطول والقدرة، فقال أبو حنيفة: الطَّول أن يكون متزوجا حرة، فمن كان عنده حرة لَا يجوز أن يتزوج أمة، وإن عقد كان عقده باطلا. وقال مالك: الطول السعة والقدرة على المهر والنفقة، فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له زواج الأمة، ولو كانت عنده حرة. وقال الشافعي، وهو قول عند مالك: إنه يجوز له زواج الأمة بشرطين، أحدهما: عدم القدرة على زواج الحرة، والثاني: أن يخشى العنت أي المشقة الشديدة إن لم يتزوجها. وفسر بعض العلماء عدم الطَّول بأن يتعلق بها وتهواها نفسه، بحيث يخشى على نفسه أن يقع معها في زنا إن لم يتزوجها.
واشترط الشافعي ومالك وأحمد لإباحة زواج الأمة أن تكون مؤمنة كنص الآية، وأبو حنيفة أباح الزواج من الأمة الكتابية إن لم يكن عنده حرة. وشدد الإسلام في إباحة الزواج من الإماء لحمل المالكين على عتقهن، فمن رغب في أمة فليشترها، وليعتقها ثم يتزوجها؛ ولأن الولد يتبع أمه في الرق، فلمنع كثرة الرقيق
стр. 2114
قيد الزواج من الإماء بحيث لَا يدخل بهمت إلا أولياؤهن فيكون الولد حرا، ويعتق أمه، كما هو مدون في الفقه، أو تعتق ثم يكون الزواج منها.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) هذه جملة معترضة بين إباحة نكاح الفتيات المؤمنات، وصورة العقد عليهن. وهذه الجملة السامية فيها فائدتان: أولاهما: التفتيش النفسي عن القلب، وما تخفيه الصدور بحيث يكون الشخص دائم التفتيش عن عيوبه؛ لأن الله تعالى أعلم بإيماننا منا، وهو سيحاسبنا على ما يعلم، وأفعل التفضيل في قوله تعالى: " أعلم " على بابه، فهو أعلم منا بأنفسنا، أو نقول إنه للعلم المطلق الذي لَا يصل علم مهما يكن إلى مقداره، فيكون أفعل التفضيل على غير بابه. والفائدة الثانية: بيان أن الناس جميعا من دم واحد وأنه لا يصح أن يستعلي حر على عبد، ولا حرة على أمة، فإن بعضنا من بعض، فقوله تعالى: (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) أي أنكم جميعا تضمكم إنسانية واحدة، وكل له حقوقها وعليه واجباتها. فالعبيد من الأحرار؛ لأنهم من أصل حر، والأحرار قد يكونون من العبيد، والله فوق الجميع بالعدل، فلا يظلم بعضكم بعضا.
(فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْروفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) النكاح العقد ولا يستعمل في القرآن إلا بهذا المعنى، والمعنى: فاعقدوا عليهن عقد الزواج بإذن أهلهن، وأهلهن في هذا المقام هم المالكون لهن. وعبر عن المالكين بالأهل حملا للناس على الأدب في التعبير، ولأنه يجب أن تكون العلاقة بين العبد ومالكه علاقة أهل لَا علاقة رق، ولذا يجب عليه أن يعطيه كل حقوق قرابته من مأكل ومسكن وملبس، ولذا قال النبي ﷺ : " إخوانكم خَوَلكُم (أي مكنكم الله من رقابهم) قد ملككم الله إياهم، ولو شاء لملكهم إياكم، أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تكسون " (١). وأمر
стр. 2115
سبحانه وتعالى بإعطاء المهور، وشدد في ذلك، وقال (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالقدر الذي لَا يستنكره العرف، فلا يتخذ من كونها أمة سبيلا لغمط حقها، وتصغير شأنها. وبين أن إعطاء الأجر يكون للأمة نفسها، وهذا يدل على أنها تملكه وهو حقها، وهي تحتاج إليه في إعداد نفسها للزواج، وبذلك يثبت أن العبيد أهل للملكية، وقد أثبتت الملكية للعبيد والإماء - الظاهرية، وذلك ظاهر القرآن الكريم، كما تدل الآية الكريمة، إذ فرقت الآية بين العقد والمهر، فالعقد يتولاه المولى، والمهر تعطاه هي.
- وقوله: (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) حال من قوله: (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ)، وهنا وصف بالإَحصان، أي العفة، الزوجات دون الأزواج، وذلك لأن الزوجات من الإماء، وهن مظنة الانزلاق، إذ الرق والضعف وفقدان الحرية يكون معها الهوان، وحيث كان الهوان كانت الرذيلة قريبة؛ لأنه لَا شيء كالهوان يفتحِ السبيل للشيطان، ولذلك طالبهن الله تعالى وقد كرمهن بالزواج أن يُحَصِّن أنفسهن به، وأن يباعدن السفاح، ولهذا المعنى كانت الجريمة من الإماء أقل شأنا من الجريمة من الحرائر، وكانت العقوبة عليهن أقل. ومعنى اتخاذ الأخدان اتخاذ الخليل الملازم من غير زواج، ولو باتفاق على مهر ونفقة، فالخدن هو الخليل، وهذه هي المتعة التي حرمها القرآن والنبي ﷺ .
(فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) معنى الإحصان هنا الزواج، فمعنى قوله تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) إذا تزوجن.
وجاء الشرط بـ " إذا " الدالة على تحقق الشرط، لوقوع ذلك الإحصان وللترغيب فيه، والفاحشة هنا الزنا، والعذاب هو الحد، والمحصنات هنا الحرائر، وعبر سبحانه في جانب شرط الفاحشة بـ " إن " في قوله (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ)، و " إن " تدل على الشك في وقوع الشرط؛ لأن الفاحشة غير متوقعة وهي أمر منفور منه غير متصور أن يكون مرغوبا فيه، وخصوصا من زوجة حرة أو غير حرة.
ومرمى النص الكريم أن الأمة إذا ارتكبت الفحشاء تكون عقوبتها نصف عقوبة الحرة؛ لأن الجريمة تهون بهوان مرتكبها وتعلو بعلو مرتكبها. وإذا علَتْ
стр. 2116
الجريمة علت معها العقوبة، وإذا نقصت نقصمت معها العقوبة، وهذا دليل على عدل الشريعة، وعلو الأحكام الإسلامية عن القانون الروماني وغيره من قوانين أهل الدنيا، ففي القانون الروماني كان العبد إذا زنا بحرة قتل، وإذا زنا الشريف حكم عليه بغرامة، فكان هذا ظلمًا، ولكن الإسلام قال إن عقوبة العبد على النصف من عقوبة الحر، فإذا زنا الحر الشريف جلد مائة أو رجم، وإذا زنا العبد عوقب بخمسين جلدة (١).
وإن الزواج من الإماء هو عند خشية العنت والمشقة، ولذلك قال سبحانه:
(ذَلِكَ لِمَنْ خَشِي الْعَنَتَ مِنكُمْ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيمٌ) العنت المشقة الشديدة التي يخشى منها التلف أو الوقوع في الزنا، والإشارة في قوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ) للزواج من الإماء المنوه عنه بقوله تعالى: (وَمن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) و (خشي) معناها خاف من أمر متوقع هو قريب من الواقع، فالرق بين الخوف والخشية أن الخشية تكون من أمر متوقع قريب الوقوع أو واقع بالفعل، فكان زواج الإماء لَا يباح إلا للضرورة أو للحاجة الشديدة، ومع ذلك فالصبر أولى، ولذا قال: (وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لكُمْ) فتحملوا مشقة الحرمان أولى من زواج الإماء؛ لأن الولد يكون رقيقا، وفي ذلك تكثير للرق، ولأنه لَا يمكنه أن يقوم على تربيته وشئونه، ولأنها لَا يتكون منها مع بقائها على رقها بيت زوجية صالحة؛ إذ ستكون مطالبة بخدمة وليها، فالحياة
стр. 2117
الزوجية لَا تكون كاملة، ولذا روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت " (١).
ومن هذا يكون السبيل للزواج بهن شراءهن وإعتاقهن، وبذلك يقل الرقيق، ويكثر الأحرار، وإذا دخل بها مولاها كان ابنه حرا وكان سبيلا لحريتها ومنع بيعها، فيكثر الأحرار. وقد ختم الله سبحانه الآية بقوله: (وَاللَّه غَفورٌ رحِيم) للإشارة إلى عظيم رحمته بعبادِه فيما شرع، وإلى عظيم غفرانه لمن يرتكب إثما ثم يتوب، وإلى أن غفرانه من رحمته، إنه غفار لمن اهتدى. فاللهم اجعلنا من التوّابين الذين ينالون مغفرتك، إنك أنت التوَّاب الرحيم.
* * *
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)
* * *
بين سبحانه في الآيات السابقة المحرمات، ونبه إلى ما كان يقع فيه أهل الجاهلية من استباحة بعض هذه المحرمات، كزواجهم ممن كانوا أزواجا لآبائهم،
стр. 2118
وكاستباحتهم الجمع بين المرأة وأختها. وفي هذا النص الكريم يبين سبحانه أن ما قرره هو الهداية، وهو سنة الفطرة، وهو شريعة النبيين أجمعين. ثم بين سبحانه بالإشارة والعبارة أن تحصين الفروج مطلب ديني سام، وأن الإحصان حماية لمعنى الإنسانية وترفع عن الحيوانية. وفي هذا النص يبين سبحانه أن الذين يدعون إلى اتباع الأهواء والشهوات لَا يريدون بأهل الإيمان الخير، ولكن يريدون أن تتحكم الأهواء والشهوات، وتسيطر وتدفع إلى العبث والحيوانية. وقد قال سبحانه:
стр. 2119
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) معنى هذا النص الكريم أن الله تعالى يريد، بما شرع من أحكام، وما ذكر من محرمات، أن يبين ما فيه خيركم، وما فيه صلاح مجتمعكم، وما يعلو بكم من دَرْكَةِ الحيوان إلى سمو الإنسان، وما يحمل العلاقة بين الرجل والأنثى علاقة معنوية روحية، ولا تكون مادية حيوانية فقط، وما يحفظ النوع الإنساني متدرجا في سبيل الرقي، والسمو الروحي. ويريد سبحانه أن يبين سُنَنَ الذين من قبلكم، أي الطريقة المثلى التي كانت تسير عليها المجتمعات الفاضلة قبلكم، وما جاء به النبيون، وهدى إليه المرسلون، فيبين أن هذا هو سنن الذين من قبلكم وهو سنة الفطرة. ولم يصرِح بأن ذلك هو ما جاء به النبيون، وإن كان ذلك مفهوما، بل صرح بأن هذا هو سُنن الذين من قبلكم للإشارة إلى أنه أمر مشتق من الفطرة الإنسانية. وأن من يخالفه إنما يشذ عن مقتضى الفطرة وحكم العقل، وسنة الإنسانية. فبعض الملوك أو الأمم الذين استباحوا المحرمات كانوا في حكم الأجيال الإنسانية من الشذاذ؛ لأنهم خرجوا عن سنة الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
وفى النص القرآني الكريم مباحث لغوية لابد من الإشارة إليها لتقريب المعنى السامي:
أولها - معنى اللام في قوله تعالى: (يرِيدُ اللَّه لِيبَيِّنَ)، فإن له تخريجات مختلفة، منها أن المعنى: يريد الله تعالى ذكر ما ذكر من محرمات ويقصد إليه ليبين لكم، فاللام على هذا تكون للتعليل، و " أن " مضمرة بعدها - ومنها أن اللام
стр. 2120
زائدة، وأن النصب بـ " أنْ " المحذوفة، وزيدت اللام لبيان أحكام إرادة الله في بيان ما يبين توثيق هذا البيان، وهذا ما اختاره الزمخشري في الكشاف - ومنها أن اللام هي الناصبة للفعل، وأنها بمعنى أنْ. فإن اللام قد تقوم مقام أن، وذلك إذا كان الفعل قبلها يدل على الإرادة أو الأمر، ومن ذلك قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْوَاهِهِمْ. . .)، وفي معناه في نصف آخر: (يُرِيدونَ أَن يُطْفِئوا نُورَ اللَّه بِأَفْوَاهِهِمْ. . .)، وفي الأول ذكرت اللام بدل " أن ". وقوله تعالى: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وفي معنى قريب منه: (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ. . .)، وقوله تعالى: (وَأُمِرْت لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ. . .)، وهذا التخريج الأخير هو عند الكوفيين، والأولان عن البصريين، ونسب ثانيهما لسيبويه. وإن مفعول " يبين " محذوف، وقد دل عليه السياق، والمعنى يبين لكم ما فيه مصلحتكم، وتكوين جماعتكم الفاضلة العفيفة النَّزِهة الطيبة.
وثانيها - قوله تعالى: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم)، نرى أن " هَدَى " قد تعدت بنفسها هنا، ولم تعدب " إلى " ولا باللام، وإن ذلك جائز، فالفعل " هدى " يتعدى بنفسه كما في هذا النص، وباللام كما في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا. . .)، وقوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، ويتعدى بـ " إلى " كما في قوله تعالى: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطِ مُّسْتَقِيمٍ)، وقوله تعالى: (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ)، وقوله تعالى: (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ. . .). وفي الواقع أن اختيار القرآن الكريم للتعبيرات المختلفة من حيث إنه يعبر أحيانا بالتعدية بـ " إلى "، وأخرى باللام، وثالثة بنفسها، يكون لمعان اقتضاها المقام. ويصح أن يقال إنها تعدت هنا بنفسها لتضمنها معنى البيان وقبول الفطرة السليمة لهذا البيان، فمعنى يهديكم سنن الذين من قبلكم: بينها لكم بيانا مشفوعا بالقبول منكم لأنه الفطرة.
стр. 2121
وثالثها: معنى سن الذين من قبلكم: السنة هي الطريقة، وفي أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق، وسق الذين من قبلكم قيل هي شرائع النبيين، والذي نراه هو أن السن هي طرائق الذين سبقوكم من الأمم التي سارت على الفطرة، فحرمت هذه المحرمات بوصايا الأنبياء السابقين، وأحكام العقل المستقيم والطبع السليم.
(وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) قرن التوبة بعد هذا البيان لسببين:
أحدهما - أن يبين أن الله تعالى فاتح باب التوبة دائما، فمن تاب من الذنوب صغيرة أو كبيرة، فإن الله يتوب عليه، ويغفر له ما تقدم من ذنبه إذا كانت توبته نصوحا.
وثانيهما - أن الآيات السابقة تتضمن تحريما لأمور كان أهل الجاهلية يستبيحونها، فقد كانوا يستبيحون نكاح زوجات الآباء، ويستبيحون الجمع بين المحارم، ويستبيحون اتخاذ الأخدان، وهو ما يسمى اتخاذ الخلائل في عصرنا، وكانوا يثبتون بذلك النسب، فبين الله حرمة هذا كله، ولا تزال تطلع على طائفة من الناس يعيشون عيشة أهل الجاهلية في اتخاذ الأخدان، ويستبيحونها، وقد ذكر لهذا أن الله بين الحلال والحرام، وعلى المرتكب لأي محرِم أن يقلع، وإن الله تعالى يتوب عليه، والتعبير عن قبول التوبة في كل المواضع (يتوبَ عَلَيْكُمْ) في التعدي بـ " على "؛ للإشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب، ومنع لكشفها، فهي غطاء على المعاصي يمنعها من الظهور، حتى يذهب تأثيرها في النفس، وقد ختم الله الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) للإشارة إلى أن الله ذا الجلال والإكرام والإنعام المستحق وحده للعبودية مطلع على كل ما يعمل الإنسان من خير وشر، وهو يعلم الذنوب التي يقع فيها العباد، وهو الذي يغفرها عند التوبة، وإنه حكيم يضع الأمور في مواضعها، فيغفر ويقبل التوبة من عباده إذا أخلصوا النية، واعتزموا الخير وأقلعوا عن الشر. وقد بين سبحانه محبته للتوبة فقال:
* * *
стр. 2122
(وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ... (٢٧)
* * *
" هذا النص يفيد إرادة الله قبول توبة عباده، وستر ذنوبهم وغفرانها، وذلك إذا أقلعوا عن هذه الذنوب، وتابوا إلى الله توبة نصوحا؛ لأن الله تعالى يريد التوبة من عباده عما أسلفوا من ذنوب، وقد بين لهم طريق الحق، والوصول إليه، وأن الماضي من الذنوب لَا يعوق عن الاتجاه إلى الله ولا يكون سببا للقنوط من رحمته، كما قال تعالى: (قُلْ يَا عبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنًّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وعلى ذلك تكون إرادة الله تعالى للتوبة عليهم متضمنة بيان الهداية لهم، ووجوب سلوك طريق الفطرة المستقيمة، وتسهيل الرجوع إليه سبحانه لتتطهر نفوسهم وتصغي إلى الحق أفئدتهم، وغفران الذنب إن أحسنوا التوبة وأخلصوا النية، واعتزموا السير في طريق الحق، وإنه في الوقت الذي يريد الله للناس الهداية والتوبة - يوجد - من إخوان إبليس من يحرضون على الغواية، ولذا قال سبحانه:
(وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) هذه إشارة إلى كمال المباينة بين دعوة الحق التي يدعو إليها الله ، ويبين سبلها، ودعوة أولياء الشيطان، فإن دعوة الله تعالى هي دعوة إلى الفطرة السليمة التي لم تنحرف، ولم تخرج عن النجد السوي، ليس فيها تحريم للطيبات ومتع الحياة وليس فيها انطلاق إلى الأهواء والشهوات والخروج عن سنن الفطرة المستقيمة.
وأما دعوة أولياء الشيطان، فهي دعوة إلى الانحراف، والميل إلى جانب الشهوة ميلا عظيما، ينحرف به عن سبيل الإنسانية المهذبة. وهذا الكلام يدل على أن الناس في كل عصر يوجد فيهم داعيتان: أحدهما إلى الحق والاعتدال، وأولئك يدعون بدعاية الرحمن، وهداية الأديان لَا تحرم ما أحل الله من طيبات، ولكن بقدر لَا اعتداء فيه ولا انحراف، وآخرون هم داعية الشيطان، وهؤلاء يكونون بأعمالهم وأقوالهم وأشعارهم في الماضي وصحفهم في الحاضر داعين إلى الانحراف، وعبر عن هؤلاء سبحانه بقوله: (وَيُرِيدُ الَّذِين يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) أي
стр. 2123
أنهم، بسبب استغراق الشهوات لنفوسهم وصيرورتها قائدا لهم يتبعونه، قد أصبحوا يريدون أن يكون الناس على شاكلتهم من الانحراف. وقد بين سبحانه إرادتهم للمهتدين فقال: (أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا)، والميل أصله الانحراف من الوسط إلى جانب من الجوانب، ولما كان الاعتدال فيه العدل أطلق الميل على الجور والاعتداء، وهؤلاء لَا يكتفون بمجرد اليل يريدون الناس عليه، بل يريدون أن يميلوا ميلا عظيما، أي يريدون أن ينحرفوا انحرافا مطلقا فيبتعدوا عن الاعتدال إلى أقصى الانحراف.
سبحانك ربي، ما أصدق بيانك وأحكم قرآنك! إننا نجد الآن كما كان في الماضي الذين يتبعون الشهوات ويريدون من أهل الحق أن يميلوا ميلا عظيما، فهؤلاء الآن يدعون إلى مجونهم، مرة باسم الوجودية، وأخرى باسم التحرر، وثالثة باسم الحرية، وقد كتبوا في ذلك كتبا، ونشروا قصصا مثيرة يدعون إلى أن يميل الناس كل الميل، واسترسلوا في ذلك استرسالا بكل وسائل الدعاية، فمن خيَّالة تُرِي المناظر المثيرة، ومناظر في الطرقات تحرض على الفسق والمجون، ومن استباحة علنية لكل ما يخالف الدين والخلق لتتحقق إرادتهم، ولكن إرادة الله تعالى غالبة بعونه سبحانه.
* * *
стр. 2124
(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ... (٢٨)
* * *
يريد الله تعالى بهذه الأحكام التي ليست فيها شدة تنوء بها القوى الإنسانية، وليس فيها حرمان من الطبائع البشرية، كما أنها لا تفتح باب الشهوات والعبث والمجون، يريد سبحانه أن يخفف عنكم، فلا يكون فيكم الحرمان من متع الحياة، ولا يكون فيكم الانطلاق الذي يحل جماعتكم، ويسلط عليكم الأهواء والشهوات، فترديكم، وتذهب ريحكم، فشرع الله تعالى إباحة الطيبات، ومن حرمها فقد خالف أمر ربه إذ قال سبحانه: (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. . .)، وقال تعالى: (قُلْ مَنْ حرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .)، وقال ﷺ : " كلوا
стр. 2125
واشربوا والبسوا من غير سرف ولا مخيلة " (١)، وليس في الإسلام رهبانية، ولا انقطاع عن النساء، ولكن ليس فيه إباحة مطلقة، وكان ذلك التخفيف في التكليف ليسهل على الإنسان الاحتمال، وقد قال تعالى:
(وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) أي خلق الله تعالى الإنسان والضعف ملازم له، وليس الضعف المذكور هو الضعف البدني فقط، بل يشمل الضعف النفسي، فالتكليفات يلاحظ فيها ذلك الضعف، ولذلك كانت كل التكليفات يسهل تعويد النفس عليها، ولا يصعب احتمالها والمداومة عليها، وقد حث الإسلام على السهل من الأعمال التي تمكن المداومة عليها، ولذا قال ﵊: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ " (٢)، ولضعف الإنسان أبيح له من الشهوات ما لَا يجعله عبدا لشهوته، بل يكون سيدا عليها، وإن أبرز مظاهر الضعف الإنساني يكون أمام النساء، ولذا أبيح له مثنى وثلاث ورباع، من غير بغي ولا ظلم.، ولقد قال سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا آتاهم من قبل النساء، فقد أتى عليَّ ثمانون سنة، وذهبت إحدى عيني، وأنا أعشو بالأخرى، وإن أخوف ما أخاف عليَّ فتنة النساء (٣)! وقانا الله تعالى شر ضعف نفوسنا، وقوى عزائمنا وهدانا إلى الحق، والله يتولانا برحمته.
* * *
стр. 2126
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)
* * *
في الآيات السابقة بين الأسس التي يقوم عليها بناء الأسرة، وكيف يختار كل واحد من الزوجين صاحبه، وبين الآفات التي قد تعتري الأسرة في ابتداء تكونها، وبين أن دعائم الأسرة التي يقيمها عليها هي من الفطرة، وهي سنن الذين كانوا قبل الإسلام. وبعد هذا انتقل إلى العلاقات الاجتماعية العامة، وذلك تدرج من الخاص إلى العام، فالعلاقات في الأسرة خاصة والعلاقات بالمعاملات المالية علاقة عامة، ولذا قال:
стр. 2127
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) أكل المال معناه أخذه، وأطلق الأكل وأريد به الأخذ للإشارة إلى الأصل في وظيفة المال الإنسانية وهو أن يكون وسيلة لمتع الحياة التي أخصها الأكل، وإذا تحول المال من كونه وسيلة لنيل المطاعم إلى أن يقصد لذاته ليكون متعة مطلوبة كالأكل، فعندئذ يكون الشح
стр. 2128
والحرص والتنازع على طلبه بِحِل أو بغير حل، وهذا شأن من يأخذون الباطل يستمتعون به كما يستمتع الآكل بالطعام. وعبَّر بأموالكم للإشارة إلى أن مال آحاد الأمة مال الأمة موزعا بين آحادها بتوزيع الله تعالى الذي قسم الأرزاق، وأن المال كله في حماية المجتمع، ولو كان مملوكا ملكا خاصا. وذكر كلمة (بَيْنَكُم) للإشارة إلى أن التبادل بين الآحاد يكون على أساس من الحق، ولا يكون بالباطل، والباطل هو الطرق الحرمة لجمع المال كالربا والرشوة والسرقة والغصب والنصب والتزوير والغش والتدليس والاحتكار الآثم، وغير هذا من الأساليب التي لا تبيحها شريعة ولا يبيحها قانون.
(إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ منكُمْ) الاستثناء هنا منقطع، والمعنى لكن يباح لكم أخذ المال بالتجارة الناشئة عن تراض، فلا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس أخيه (١)، كما ورد في بعض الآثار عن النبي ﷺ . وقد يسأل سائل: لماذا جاء هذا بعد النهي عن أكل مال الناس بالباطل؟ والجواب عن ذلك أن بعض ما يستباح مما حرمه الله يشّبه بالتجارة، فالذين يأكلون الربا يشبهون الزيادة بالكسب الذي يجيء من البيع والشراء، ولذلك حكى الله سبحانه عن المشركين أنهم قالوا: (. . . إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْل الرِّبَا. . .)، ورد الله قولهم: (. . . وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. . .)، وبهذا بيّن الله حل التجارة حتى لَا يتوهم أحد أن مكاسب التجارة من أكل أموال الناس بالباطل، فإنها مال حلال ما دام أساسها التراضي وطيب النفس.
والتراضي أساس العقود عامة وأساس المبادلات المالية خاصة، فلا بيع من غير تراض ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا. وقد وسع الفقهاء الباب للرضا، فأباحوا للعاقد أن يفسخ العقد إذا خفيت العيوب ولم تظهر، لأن الرضا لم يكن على أساس سليم، وأباحوا للعاقد
стр. 2129
أن يشترط لنفسه حق الفسخ، ومن الفقهاء من أباح له الفسخ طول مدة مجلس العقد، ولو أعلن الرضا، وذلك كله للاحتياط، ولكي يكون الرضا على أساس من العلم الصحيح والجزم القاطع، والبَتِّ القائم على بينة ومعرفة.
وهل التراضي أساس حر للتعاقد من غير قيد يقيده إلا التحريم؛ بمعنى أن كل ما يشترط ويتعاقد عليه المتعاقدون يكون حلالا ملزما للعاقدين ولو لم يرد به نص خاص؛. للفقهاء في ذلك منهاجان مختلفان أحدهما: أن التراضي أساس للإلزام والالتزام ولو لم يرد نص لكل عقد وشرط ما دام لَا نص يمنع، فكل ما يشترطه العاقدان ويتراضيان عليه يكون لازما لَا يصح نقضه، إذا لم يكن نص يحرمه، ولقد قال في ذلك عمر ﵁: مقاطع الحقوق عند الشروط. وأكثر الحنابلة وبعض المالكية على ذلك المنهاج. والمنهاج الثاني: أنه لا يلزم من الشروط والعقود إلا ما جاء الدليل على وجوب احترامه، وهذا منهاج الشافعية والحنفية فعندهم لَا يلزم الشرط إلا إذا قام الدليل على وجوب الوفاء به.
والتجارة باب من أبواب الكسب الطيب وفيها فائدة للناس، وهي تنقل ما فيه الحاجة الإنسانية من مكان إلى مكان، وبهذا النقل تتغير قيمة الأشياء، وزيادة القيمة بهذا النقل تقارب زيادة الأشياء بالزرع، وزيادة قيم الأشياء بالتحويل الصناعي، فإن الحديد مثلا إذا تحول إلى آلة زادت قيمته بما زادت الصناعة فيه، فكذلك بنقل البضائع من مكان إلى مكان تزيد القيمة بهذا النقل.
وإن علماء المسلمين كانوا يرحبون بالتجارة التي تنقل البضائع من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم، ولا يرحبون بالتجارة في البلد الواحد؛ لأن هذا ليس فيه طلب للأرزاق، ولأنه قد يؤدي إلى الاحتكار، وقد جاء في القرطبي: " والبياعات التي تحصل بها الأغراض نوعان: تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربص واحتكار، قد رغب عنه أولو الأقدار، وزهد فيه ذوو الأخطار.
стр. 2130
والثاني: تقلب المال بالأسفار، ونقله إلى الأمصار، وهذا أليق بأهل المروءة وأعم جدوى ومنفعة " (١).
وإن النبي ﷺ قد حث على الاتجار بالنقل من بلد إلى بلد، ومنع الاحتكار وما يؤدي إليه، فقال النبي ﷺ : " المحتكر خاطئ والجالب مرزوق " (٢).
(وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) جاء هذا بعد النهي عن أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن المال عند الناس بمنزلة النفس أو قريب منها، وقد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكمْ) فقال بعضهم: معناه لا يقتل أحدكم نفسه، فإن ذلك إثم، ومن قتل نفسه فقد اعتدى على نفس حرّم الله قتلها، وهذا تأويل غير متفق مع السياق، وإن كان ظاهر اللفظ ربما يفيده، وقال بعضهم: إن المعنى ولا يقتل بعضكم بعضا، فإن قتل واحد منكم للآخر قتل لأنفسكم، وتحريض على الدماء بينكم، وقتل نفس كقتل الناس جميعا، ومن ذلك قوله تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعَا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، وإن السياق على هذا يكون فيه ترقٍّ في النهي عن الاعتداء، ابتدأ بمنع الاعتداء على المال، ثم بمنع الاعتداء على النفس، فهو انتقال من الكبيرة إلى أكبر منها. وقال بعضهم إن المعنى لَا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض، وبارتكاب المعاصي، فإن ذلك مفرق لجماعتكم مفسد لأمركم مذهب لوحدتكم، وبذلك تقتل الأمم والجماعات، وقد ارتضى هذا ابن بشير فقال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكُمْ) أي بارتكاب محارم الله تعالى ومعاصيه، واكل أموالكم بينكم. وإن هذا هو الذي نرتضيه، وهو يتضمن في ثناياه النهي عن القتل بكل ضروبه لأنه داخل في محارم الله.
стр. 2131
وقد ذيل الله النص بقوله تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) للإشارة إلى أن الله نهى عن هذه المحرمات وأباح هذه المباحات من التجارة بكل أنواعها رحمة بكم، فكل شرع الله رحمة، وكل شرع صادر عنِ رحمة الله التي هي شأن من شئونه (١)، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةَ لِّلْعَالَمِينَ).
* * *
стр. 2132
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ... (٣٠)
* * *
الإشارة هنا إلى الأمرين: أكل أموال الناس بالباطل وما يتضمنه من معاصٍ وطرق للشر مختلفة، والثاني ما يترتب عليه من قتل نخوة الأمة وتفرق أمرها، وذهاب وحدتها وتمكن أعدائها منها. والنص تهديد شديد، والعدوان في أصل اللغة معناه مجاوزة الحد المشروع قصدا، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهما متلاقيان في المعنى، والجمع بينهما كان ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب، وليخرج ما كان غير مقصود، فمن الظلم ما لَا يكون مقصودا لمن يتلف مال غيره غير قاصد، فإنه ظالم ويعوض ما تلف، ولكن لَا يكون له ذلك العذاب الشديد.
وقوله: (فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) وإن إنزال ذلك العذاب الشديد ليس أمرا على الله عسيرا، ولكنه على الله تعالى يسير سهل، ولذلك قال: (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) فكل ما في الكون ما غاب منه وما ظهر هو في قبضة يده، وإن بيان يسر هذا العذاب فيه تهديد أشد، وفيه بيان لقوة الله تعالى وعظمته في العقاب وفي الثواب معا.
* * *ـ.
стр. 2133
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ... (٣١)
* * *
بعد أن أنذر ذلك الإنذار الشديد فتح باب التوبة حتى لَا ييئس العباد من رحمته، ولا
стр. 2134
يقنطوا من العودة إليه سبحانه فقال: (إِن تَجْتَنِبُوا)، والاجتناب معناه البعد، حتى تكون المعاصي في جانب وهو في جانب، ولا يتلاقيا قط، ومعنى التكفير ستر السيئات أو إبعادها وإماطة أذاها عن النفس، فإن التوبة الصادقة النصوح كالماء الطهور تطهر النفس. وفي النص إشارة إلى أن المعاصي قسمان كبائر وصغائر، وسمى الصغائر هنا سيئات لأنها تسوء صاحبها وتؤلمه وتسوء في ذاتها، ولا تتعدى في كثير من الأحيان، وسماها في آية أخرى اللَّمم، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. . .) أي ما يلم به الإنسان من غير إصرار عليه، ولا استمرار فيه، ومن هذين الوصفين نستطيع أن نعرف صغائر الذنوب بأنها ما تسوء في ذاتها من غير تعد ويرتكبها الشخص من غير إصرار، فإن الإساءة تتعدى وتفحش، وإن كان ثمة إصرار فليست صغيرة.
وبتعريف الصغائر نستهدي إلى تعرف الكبائر، وقد روي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات "، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: " الشرك بالله، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات " (١)، ولا شك أن هذا الحديث لا يدل على الإحصاء للكبائر، فقد ذكر في أحاديث أخرى أن منها عقوق الوالدين، وشرب الخمر، وقد جاء في حديث آخر أن من أكبر الكبائر الزنا، وأفحشه ما كان بحليلة الجار (٢). وقد قيل لابن عباس: الكبائر سبع، فقال رضي
стр. 2135
الله عنه: هي إلى سبعمائة أقرب. لأنه لَا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
وإننا إذا تتبعنا الكبائر التي ذكرها النبي ﷺ من غير إحصاء، نرى أنها قد اتسمت بسمتين - إحداهما: أنها تهدم أمرا ضروريا من ضروريات المجتمع، فالزنا يهدم الأسرة، والقذف يهدمها ويشيع الفاحشة، وشرب الخمر يفسد العقل وهو ضروري للمجتمع، والسحر يفسد العلاقات الإنسانية، وعقوق الوالدين ينقض بناء الأسرة من قواعده، وهكذا - والسمة الثانية: أن الاعتياد عليها يميت الضمير، ويجعل النفس تمرن على الشر.
ولذلك نقول: إن الكبائر هي المفاسد التي تهدم بناء المجتمع الفاضل، والمعاصي التي يصر عليها الشخص ومن شأنها أن تفسده أو تفسد غيره، ولو كانت في ذاتها هينة؛ لأن استمراء النفس للمعصية الصغيرة يسهل الكبيرة (١).
(وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) وعد الله الذين يباعدون الكبائر عن نفوسهم بأن يكفر عنهم سيئاتهم، وإنه ليس بعد زوال السيئات إلا الثواب، ولذلك قال تعالى: (وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا). " المُدْخَل " اسم مكان من " أدْخَل "، وعبر بالإدخال للإشارة إلى أن ذلك تفضل من الله ورحمة، إذ لم يملكوا الأسباب والمفاتيح إلا بتفضل منه ورحمة، ووصف المكان بالكرم للإشارة إلى أمرين: أحدهما: أنه مكان طيب، ينعم المقيم فيه، ويستطيب الإقامة، والثاني: أن من يحل فيه يكرمه. الله تعالى، ويفيض عليه برضوانه، فهو مكان كريم في ذاته، ولا يدخله إلا كريم مكرَّم يفيض الله تعالى عليه بكرمه ومنَّته.
* * *
стр. 2136
(وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ... (٣٢)
* * *
التمني تصور ما لَا حقيقة له وطلب ما لم تتخذ الأسباب لتحصيله، ويتضمن معنى الطمع فيما في يد الغير، والحسد له، وإن ذلك يؤدي إلى شقاء النفس وفساد الخلق والدين، وإن الله تعالى فضل بعض الناس بالعقل والذكاء، وبعضهم بالجاه، وبعضهم بالقدرة على إدارة شئون الدولة، وبعضهم بفضل من المال. والفضل معناه الزيادة لَا ترتيب الدرجات، فقد يكون المفضول أعلى درجة عند الله ممن زاد عليه. ومعنى النص الكريم: لَا تتمنوا ولا تطمعوا وتتطلعوا إلى ما زاد الله به بعضكم على بعض في المال أو الجاه أو العمل أو الجهاد، فإن ذلك يجعلكم في اضطراب وبلبال مستمر وقلق دائم يزعجكم ويزعج المجتمع بكم، وما كانت الانقلابات الاجتماعية والفتن المخربة إلا بسبب تطلع كل إنسان لما أعطاه الله غيره من فضل ليس عنده، فذو المال يحسد ذا العقل والتدبير، والفقير يحسد ذا المال، وهكذا يكون كل إنسان في انزعاج بسبب تمنيه وتطلعه لما لَا يستطيع.
وإن الله قد سهل عمل الخير لكل إنسان، وله من نتائج عمله الجزاء على قدر العمل، وإن التكليف على قدر الطاقة وعلى مقتضى التكوين الإلهي للأشخاص والأنواع، ولذلك قال سبحانه:
(لِّلرِّجَالِ نَصيبٌ ممَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ممَّا اكتَسَبْنَ) إن للرجال حظا مما اكتسبوا من أعمال قاموا بها من جهاد في سبيله، وإدارة لشئون المسلمين، وفصل في الخصومات، وقيام بالتكليفات العامة، وللرجال حظ من الأموال بمقدار ما يكلفون من أعمال اجتماعية، وللنساء نصيب وأجر مما اكتسبن، فلهن جزاء على آلام الحمل وآلام الوضع، وآلام التربية والسهر على الطفل والرعاية لشئونه، والصبر على هذه الرعاية، ولهن الجزاء الأوفى على القيام على مملكة البيت التي هي راعيتها، ولهن من المال في الميراث بمقدار ما يكلفن من تكليفات اجتماعية، فليرض كل من الرجال والنساء بحظهم الذي يتفق مع تكوينهم وكل له جزاؤه في الواجبات العامة لكلا الصنفين، والواجبات الخاصة بأحدهما، ولا يتمنَ أحد ما ليس له.
стр. 2137
(وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ) أي لَا تتمنوا ولا تتطلعوا إلى ما لم تتخذوا الأسباب له، واتجهوا إلى الله تعالى علام الغيوب الرزاق ذي القوة المتين، واسألوه ما يتفضل به عليكم، وما يزيدكم به من حظوظ الدنيا والآخرة، فإنكم عندئذ تطمئنون وتستقر نفوسكم، ويبعد عنكم القلق والانزعاج، والله سبحانه هو المعطى الوهاب.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) إن الله تعالى ذو الفضل العظيم وهو يعطي من فضله بمقدار علمه وبمقدار تكوينه للأشياء وتقديره لما يصلح، وإنه سبحانه وزع الأرزاق والمواهب بمقتضى علمه، فجعل من الناس الغني والفقير؛ إذ لو كان الناس سواء في الغنى والفقر ما كان من يعمل بيده ويزرع الأرض، ويقيم العمران وينمي الزرع والحرث، ولو كان الناس جميعا ذوي مواهب عالية ما وجد من ينفذ ما يفكر فيه أولئك العلماء، ولو كان الناس جميعا ساسة ما وجد من يسوسونه، ولكان الاختلاف ولا يكون الناس أمة واحدة، وإن الناس كهرم قاعدته أوْسَعه ساحة، ثم يعلو حتى يضيق أعلاه، والقاعدة هي أساس البناء، وإن ذلك التنظيم هو مقتضى العلم ومقتضى النظر، اللهم إليك الأمبر والنهي والتقدير، قد فوضنا كل أمورنا إليك، وإنك نعم المولى ونعم النصير.
* * *
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ
стр. 2138
نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)
* * *
في الآيات السابقة ذكر أنه جعل لكل من الذكور والإناث حظه مما اكتسب، رجالا ونساءً، فليس لأحد أن يتمنى ما فضل به غيره عليه، وإلا عبث الشيطان بعقله وقلبه، فالأماني الكاذبة مطايا الشيطان دائما.
وفى هذا النص الكريم يبين أنه جعل كذلك حظوظ الميراث بما قدر ، وقد جعله في الأولياء النصراء الذين كان يستنصر بهم في حياته، ويأمن بهم من الاعتداء والجور، ففي ظلهم وقربهم كان كسبه، فيكون لهم بعد وفاته ما قدره العليم بكل شيء. وقد قدر سبحانه الميراث بنوع القرابة وقربها، لَا بآحادها كالشأن في كل الشرائع والقوانين، تقدر أحكامها بالأنواع لَا بالآحاد، ولذا قال تعالى:
стр. 2139
(وَلِكلّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكمْ) المولى هو النصير؛ الصديق والقريب، ويقول الأصفهاني في مفرداته: " الولاء والتوالى أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد "، وأقرب المعاني هنا أن يكون الموالى هم الذين يخلفون الشخص في ماله وشخصه، فتكون حياتهم امتدادا لحياته، وهم الوارثون. والمعنى كما يبدو من النص الكريم: ولكل أحد ممن يتركون هذه الحياة
стр. 2140
الدنيا إلى الحياة العليا جعلنا خلفاء له في ماله من أقرب الناس له، وأكثرهم نصرة، ويكون لكل من هؤلاء الأولياء حظ من ماله يأخذه، وهؤلاء هم أبناؤه وأقاربه والذين عقدت أيمانكم. وفي النص الكريم بعض مباحث لفظية ومعنوية.
فالنص يشير أولا إلى أن الذين يخلفون الآباء والأقربين والذين عقدت الأيمان هم النصراء والأقارب الأدنون؛ لأنهم شاركوه في الجهد بنصرتهم وقرابتهم، ولأن بقاء شخصه يكون ببقائهم، والنص يشير ثانيا إلى أن المال الذي يتركه موزع بين هؤلاء لايستبد به قريب دون قريب، إذا اتحدت درجة القرابة وقوتها؛ لأن الميراث يتبع الاقربية، فهو للأقرب فالأقرب. ويشير ثالثا إلى سبب الميراث، وهو القرابة ويدخل فيها الزوجية هنا، لأن الزواج يوجد ارتباطا نفسيا يكون كالقرابة، بل يكون أقوى من بعضها، فتصير المرأة بضعة من الرجل.
والسبب الثاني هو عقد اليمين، ويقال عَقَدَتْ الأيمان لكل عقد قوى موثق، والأيمان هنا هي الأيدي جمع يمين، وهي اليد اليمنى، لأن العقد الموثق يضع فيه يده في يد الآخر عند عقده، ولذلك يقال للبياعات الصفقات؛ لأن كل عاقد يصفق بيمينه على يمين الآخر. ومن هم (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) كما جاء في النص؛. لقد نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد عبده أنه قال: إن المراد الأزواج؛ لأن سبب الميراث هو عقد الزواج والقرابة، والأكثرون بل الجميع من المتقدمين على أن المراد عقد الولاء، وهو أن يعقد الشخص مع رجل أقوى منه نصيرا على أن تكون له نصرته، وأن يرثه إذا لم يكن له وارث، فالأقوى ينصر الأضعف، ويرثه إذا مات، وقد كان ذلك واقعًا. وقال بعض الفقهاء: إنه نسخ الميراث به، كما نسخ الميراث بالإخاء، وقال الحنفية ومعهم بعض الفقهاء: إنه ما زال باقيا لم ينسخ، وهذا ما نميل إليه، ونحن بهذا نخالف ما نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد عبده، ونخالف من ادعوا النسخ، ووجهتنا في الأول أن القرآن الكريم لم يعبر عن أحد الزوجين بمن عقدت أيمانكم، لأن الحياة الزوجية ليست العلاقة فيها مجرد تعاقد بين الرجل والمرأة، بل هي بعد استقرارها تكون ازدواجا نفسيا، فتكون هي قطعة