← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) ذكر في هذا النص أمورا أربعة اثنان من الرخص المسقطة لاستعمال الماء، واثنان من الأسباب الموجبة لاستعمال الماء مع عدم وجوده من غير مرض أو سفر، أما الأمران المرخصان لعدم استعمال الماء، فهما المرض الذي يضره الماء كالأمراض الجلدية، أو يمنع من الوصول إليه أو استعماله، كبعض الأمراض التي توجب عدم الحركة أو تمنعها، فهاتان رخصتان تسوغان استعمال التراب بدل الماء، والسفر رخصة لذلك، لأنه مظنة عدم وجود الماء، أو لأنه إذا وجد فلحاجة بدنية أخرى غير الوضوء، وهي تقدم عليه لأنها تدفع الموت عطشا أو احتماله، والله غفور رحيم. ثم ذكر الله قاعدة لتسويغ التيمم، وهي ما إذا حدث المسبب الموجب ولم يوجد الماء، فقال: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) واللفظان الكريمان كنايتان عن أمور يستهجن ذكرها في بليغ الكلام، فمعنى جاء أحد منكم من الغائط كناية عن كل نواقض الوضوء التي تخرج من السبيلين، والغائط: هو الأرض التي يذهب إليها الرجل ليقضي حاجته. ومعنى لامستم النساء: كناية عما يكون بين المرء وزوجته مما يوجب الاغتسال، وهي كناية قرآنية علَّم الله الناس منها حسن التعبير وعدم الرفث في القول. وهنا إشارتان بيانيتان: إحداهما: في التعبير بـ " أو " في قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم) بدل الواو، إذ إن " أو " فيها معنى الإضراب والانتقال من الخاص إلى العام، وكأنه قيل إذا كنتم في مرض أو سفر لَا يمكن معهما استعمال الماء بيسر وسهولة أو بشكل عام حدث ما يوجب الوضوء أو الاغتسال، فلم تجدوا ماء فتيمموا إلى آخره - الثانية: أن قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم مِّنَ الْغَائِطِ) بلفظ المفرد إشارة إلى وجوب الذهاب إلى قضاء الحاجة فرادى، والعودة فرادى للاستتار.

стр. 2662

(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) التيمم: القصد، والصعيد: التراب الذي يكون على ظاهر الأرض أو نحوها، والطيب: الذي لا نجاسة فيه، والتيمم لَا بد فيه من النية باتفاق الفقهاء، وله ركنان: أحدهما: مسح الوجه، والثاني: مسح اليدين إلى الرسغين أو إلى المرفقين على الخلاف في ذلك، ويكون التيمم بضربة واحدة، وقيل بضربتين، وقد ذكرنا ذلك في مثل هذه الآية في سورة النساء، وبينا ما يتعلق بمعاني التيمم في هذه الآية. (مَا يُرِيدُ اللَّه لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذا الكلام يفيد النفي المؤكد بأنه ليس في الدين حرج، أي ضيق ومشقة، وقد تأكد النفي بنفي الإرادة، وهي نقيض نفي الوقوع، وبحذف موضوع الإرادة، وهذا يقتضي عمومه والمعنى لَا يريد الله سبحانه أي أمر فيه مشقة أو ضيق لكيلا يترتب عليه أن يكون عليكم حرج وضيق في الدين، وتأكد النفي باللام في قوله: (لِيَجْعَلَ عَلَيْكم) فهي التي تسمى لام الجحود أي النفي المؤكد، والمعنى: ما كان من أمر الله تعالى في عباده أن يجعل الدين عليهم فيه مشقة مجهدة أو ضيق وحرج؛ ولذا شرع التيمم بدل الوضوء، وغير ذلك مما ييسر العبادات ويسهلها، كما قال تعالى: (. . . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكمُ الْعُسْرَ. . .)، ولكن يريد الله لكم طهارة الجسم من الأرجاس، وليرحض عنه الأوساخ، وطهارة النفس وتزكيتها بالإخلاص لله تعالى، وليتم نعمته عليكم بالتيسير والتسهيل والمداومة على الطاعات، والتأليف بالعبادات بين جماعتكم (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي يعدكم ذلك الإعداد الطاهر النزه في الجسم والروح لتكون حالكم حال من يرجى منه شكر النعمة، والاستمرار على طاعة الله وتنفيذ أوامره. . اللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين. * * *

стр. 2663

(وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) * * * ذكر الله ما به غذاء الأبدان، وهو كل طيب لَا خبث فيه، ثم أشار إلى ما فيه غذاء الأرواح وطهارة الأبدان، وهو الصلاة والوضوء لها، والاغتسال عند الإقدام عليها، فذكر الأطعمة الحلال، وذكر ما به بقاء أنس البشرى، وهو الزواج، ثم الوضوء وأركانه، والاغتسال والتيمم، وبعد أن ذكر ذلك الغذاء الفردي من جسم وروح ذكر الثمرة الطيبة لذلك، وهي بناء مجتمع إنساني سليم، أساسه الثقة والعدالة، وابتدأ بذكر نعم الله، ثم بذكر العدالة التي هي قوام هذا الوجود الإنساني، فقال تعالى: (وَاذْكرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكمْ وَمِيثَاقَهُ الَذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) الخطاب في هذه الآية للذين آمنوا، فهو امتداد للسياق الذي كان يتعلق بالصلاة، وما قبله من بيان الحلال والحرام كان يتعلق بالذين آمنوا، فالآية الكريمة سائرة على هذا النسق البياني الرائع، والأمر في الآية لطلب تذكر أمرين جليلين، وهما نعمة الله تعالى التي أنعمها على المؤمنين، وهي آلاء جليلة عظيمة، وتشمل نوعين من النعم، عامة وخاصة، فالعامة تعم الناس جميعا مشركهم ومؤمنهم، وهي نعمة الوجود، وتسخير الكون بكل ما فيه لبني الإنسان، والخاصة ما أسداه الله تعالى إلى المؤمنين، إذ هداهم وإذ كانوا قليلا فكثرهم، وكانوا متفرقين

стр. 2664

فجمعهم، وكانوا أذلاء فأعزهم، وكانوا فقراء فأغناهم، وكانوا مستضعفين فيِ الأرض، فمكَّن لهم فيها بمنه سبحانه وفضله، كما قال تعالى: (. . . فَأَلَّفَ بَيْن قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ. . .). والأمر الثاني الذي ذكرهم الله تعالى به هو الميثاق الذي عقدوه مع الله تعالى، والميثاق في اللغة: هو العقد الموثق المؤكد بيمين الله تعالى، وقد كان العهد من جانبهم يوجب عليهم السمع والطاعة فيما يأمرهم به الله تعالى، وفيما ينهاهم عنه، فالعهد فيه التزام من جانبهم، وهو السمع والطاعة، ووعد من جانب الله تعالى بأن يوليهم نعمه، ويهبهم النصر من لدنه، وهو العزيز الحكيم، وقد أكد ذلك العهد، بقوله: (الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ) أي الذي عقده معكم، وتبادل معكم توثيقه وتأكيده؛ إذ إن واثق تقتضي المبادلة، فالله تعالى ذو الجلال والإكرام هو الذي تولى ذلك الميثاق. والمفسرون يتكلمون في الميثاق ما هو؛ قيل: هو الميثاق الذي أخذ بمقتضى الفطرة، ولكن ذلك الميثاق لَا يخص المؤمنين، بل يعم البشر، وقيل: إنه الميثاق الذي كان بين النبي ﷺ وأهل يثرب في العقبة (١)، ولكن هذا يخص الأنصار، ولا يعم المؤمنين، والحق أنه الميثاق الذي كان التواثق فيه على أساس التزام المؤمنين بالسمع والطاعة، كما عين النص الكريم موضوعه إذ قال سبحانه: (إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي في الوقت الذي التزمتم فيه بالسمع والطاعة، وقد اختار ذلك ابن جرير (وهو قول ابن عباس) وقال في اختياره: " وأولى الأقوال بالصواب في تأويل

стр. 2665

ذلك قول ابن عباس وهو أن معناه واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله تعالى عليكم التي أنعمها بهدايته للإسلام، وميثاقه الذي واثقكم به، يعني وعهده الذي عاهدكم به، حين بايعتم رسوله محمدا ﷺ على السمع والطاعة له في المنشط والمكره، والعسر واليسر إذ قلتم: سمعنا ما قلت لنا، وأخذت علينا من المواثيق، وأطعناك فيما أمرتنا به، ونهيتنا عنه ". . . إلخ. وكان التذكير بهذين الأمرين ليقوم المؤمنون بحقهما، فيما يتعلق بمعاملة الغير، وفي علاقتهم بالناس من حيث إقامة العدالة لذات الله تعالى لَا يريدون إلا وجهه الكريم، وليكون القسط والميزان أساس أعمالهم. (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بعد أن ذكر الله عباده المؤمنين بنعمه عليهم وميثاقه الذي واثقهم عليه، على أساس السمع والطاعة، طلب إليهم أمرا آخر هو أساس الاستجابة للميثاق، وهو تقوى الله تعالى بأن يستشعروا دائما عظمته، ويتخذوا وقاية لأنفسهم من معصية الله تعالى، فإن التقوى هي أساس الطاعة، وهي لب الاستجابة لما جاء في ميثاق الله تعالى، وهو أعلى ميثاق في الوجود، لَا ميثاق يدانيه إلا إذا كان مشتقا منه، بأن يكون أساسه السمع والطاعة لله في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر، وإن التقوى لله موضعها القلوب، وهي التي تحرك الجوارح، فلا طاعة إلا إذا انبعثت من القلب عن طواعية ورضا واطمئنان؛ ولذا قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) وتكرار ذكر الله تعالى لإشعار المؤمنين برقابته، وإلى أنه فوقهم ومطلع عليهم، ومراقبتهم بجلاله وعظمته ، والله تعالى عليم علما لَا يدرك كنهه بكل شيء بما تخفيه وما تكنه الأفئدة. وذات الصدور هي: الأمور الملازمة للصدور التي تخفيها ولا تظهرها، فهي بالنسبة للصدور كالصاحب بالنسبة لصاحبه يلازمه ولا يبعد عنه، ولا ينكشف. فهي من ناحية أنها لَا تخرج من الصدر تعد مصاحبته، ويعبر عنها بذات الصدر، كما يقال: فلان ذو مال. أي ملازم له.

стр. 2666

وذكر إحاطة علم الله تعالى في هذا فيه إشارة إلى وجوب تطهير القلوب من الدنس، وتنظيفها من الشر، حتى لَا تربد به وتطمس، وفيه تنبيه إلى أنه من يريد السمع والطاعة عليه أن يتجه إلى قلبه، ويشعر بأن الله عليم به، مطلع عليه، لا تخفى عليه خافية. * * *

стр. 2667

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ... (٨) * * * معنى النص الكريم: يَا أيُّهَا الذين اتصفوا بالإيمان بالله والخضوع، وكان ذلك الإيمان عنوانهم الذي يعرفون به، وشرفهم الذين يتشرفون به، كونوا قوامين لله، أي اجعلوا أنفسكم وإحساسكم ومشاعركم مطبوعة على أن تقوم لله ولأجل محبته سبحانه وطلب رضاه، لَا لهوى النفس ومنازع الشهوات، وكونوا شاهدين بالحق، لَا تطلبون سواه، وهذا هو المعنى الجلي المقرب لما اشتمل عليه النص الكريم، وهو أعْلى من أن تتسع عبارتنا لمعناه. وهنا ملاحظات بيانية يجب اعتبارها والإشارة إلى كمال الحكمة في عمومها: الأولى: (كونُوا) فهو أمر بالكينونة بأن يجعلوا القيام لله تعالى، والاعتبار به، والأخذ بهديه جزءا من كيانهم، وذلك بأن يستمروا على الطاعة ويديموا عليها، فإن الدوام على الفعل والاستمرار عليه يجعل النفس تنطبع به، ويكون جزءا منها، فالأمر بـ " كونوا " يتضمن الاستمرار والدوام، وأحب الأعمال إلى الله تعالى ما أمكن الاستمرار عليه، ليكون عادة للنفس بمنزلة الطبيعة، فالعادة طبع ثان، ولقد قال النبي ﷺ : " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ " (١). ثانيهما: قوله تعالى: (قَوَّامِينَ لِلَّهِ) فإن قوام معناها: من يبالغ بالقيام بالشيء وإتقانه والإتيان به على الوجه الأكمل، وكونه لله تعالى معناه أن تكون تلك المبالغة في الفعل لأجل الله تعالى، لَا شيء سواه، وهذا يتضمن " أمرين "

стр. 2668

أحدهما: أن يعمل الشخص على إتقان ما يعمل والمبالغة، فإن كان عبادة أتي بها على أكمل وجوهها، فالصلاة تكون كاملة، وكذلك الصوم. . إلخ. وهذا يشمل ما يعمله الإنسان في الحياة، سواء أكان عبادة أم كان أمرا من أمور الدنيا، وقد ورد أن النبي ﷺ قال: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " (١). وثانيهما: أن يكون ذلك لله، بأن يكون أصل العمل لله، وأن يكون إتقانه لله تعالى، فيتجه في كل الأعمال إلى الله تعالى، فالعامل في المصنع يعمل لله إن قصد بذلك نفع عباده، والتاجر كذلك، وإذا قصد بأعماله وجه الله، وما فيها من خير للعموم كان في عبادة مسستمرة، وليست العبادة مقصورة على الصلاة والصوم والحج، بل كل عبادة إذا قصد بها وجه الله تعالى، ولقد قال النبي ﷺ : " لا يؤمن أحدكم، حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا لله " (٢). الثالثة: في قوله تعالى (شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) فإن شهداء تدل على الحضور، وعلى الإثبات وأداء الشهادة، وعلى الحكم وهي في النص الكريم تشمل كل هذا، فالمعنى: لَا يحكمون إلا بالقسط أي العدل، ولا يشهدون إلا بالعدل ولا يشهدون الزور، ولا يحضرون، إلا مايكون قسطا وعدلا، وما يكون قسطاسا مستقيما لاتحيّف فيه ولا انحراف، والمؤدى أن يكون حضورهم في القسط، ونطقهم بالقسط، وحكمهم بالقسط، وعملهم بالقسط، فلا يكون إلا للخير، وفي سبيل الخير دائما. وعبر بالقسط، لأنه شامل للخير كله، ولأن العدل ميزان الخير، ولذا قال من بعد: (وَلا يَجْرِمَنَّكمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا). الجرم في أصل معناه اللغوي: القطع، فيقال جرم الثمار أي قطعها، ثم أطلق على الكسب، وغلب على الكسب الإثم، ومنه أجرم بمعنى ارتكب إثما، لأنه كسبه، وقد يتضمن معنى الحمل معِ اشتماله على معنى الكسب الآثم، وهذا هو القريب من المعنى هنا، فمعنى (وَلا يجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ) لَا يحملنكم حملا آثما

стр. 2669

شنآن قوم ألا تعدلوا، والشنآن: البغض الشديد مصدر شنأه بمعنى أبغضه، والمعنى لا يحملنكم البغض الشديد لقوم على ألا تعدلوا معهم، بل أعطوهم حقوقهم، ومكنوهم مما يستحقون، وفي صدر هذه السورة يقول سبحانه: (. . . وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا. . .). والمعنى هناك: أنه لَا يصح أن يحمل البغض بسبب الصد عن المسجد الحرام على الاعتداء، ففيها أمر بعدم الاعتداء - أما هنا، فإن فيها أمرا بالعدالة حتى مع الأعداء، فالعدالة نظام هذا الوجود الإنساني، وبجمع الآيتين، يكون المعنى المقرب لمراد الله سبحانه أنه لَا يصح أن يكون البغض الشديد حاملا على الاعتداء، ولا أن يكون البغض الشديد حاملا على منع الحقوق، بل يعطي كل ذي حق حقه، ولو كان عدوا مبينا، فالحق ليس منحة من شخص لشخص يسلبه إن أبغض، ويعطيه إن أحب، بل إن التكمين منه واجب مقدس أمر الله به، وحث عليه، وقد روي في الحديث القدسي: " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " (١). ولا ينتظم الوجود الإنساني بغير العدل، وقد روى الطبراني عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " إذا ظُلم أهل الذمة كانت الدولة دولة العدو " (٢) ومعنى هذا الحديث: أنه لَا يصح أن يظلم غير المسلم الذي يعيش مع المسلمين، والدولة إذا ظلمت رعاياها من غير المسلمين لا تكون دولة الإسلام بل تكون دولة الأعداء. وازنوا بين حكم الإسلام وحكم الأقوياء في هذا الزمان الذين يستبيحون كل شيء من غير حريجة من أخلاق أو دين. (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) الضمير في قوله " هو " يعود إلى العدل الذي تضمنه قوله تعالى: (اعْدِلُوا) وقوله تعالى من قبل: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى

стр. 2670

أَلَّا تَعْدِلُوا) والمعنى: اعدلوا، فالعدل أقرب للتقوى، وفي النص انتقال من النهي إلى الأمر، ففي النص الأول نهى عن أن يحملهم البغض على عدم العدل، وفي هذا النص أمر بالعدل، ولا شك أن النص الأول يتضمن الأمر بالعدل، لأن النهي عن الشيء أمر بنقيضه، فالنهي عن الظلم أمر بالعدل، فكان ثمة تكرار هؤكد، وكان مع التكرار فائدة وهي طلب معالجة النفس، ومحاولة ترويضها على العدل، فإن قوله تعالى: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) فيه أمر بعلاج النفس، وحملها على البقاء في دائرة الاعتدال، وتقوية للإرادة، حتى لَا يستولي عليها الغضب، فتجمح وفي الجموح سير وراء شيطان الغضب، ووراء ذلك منع الحقوق، والظلم. وقوله تعالى: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) فيه بيان قرب العدالة من التقوى، مع أن العدل من صميم التقوى، فلماذا عبر بالقرب من العدالة مع أن العدالة في ذاتها تقوى مؤكدة، وخصوصا في حال المغالبة النفسية والبغض الشديد؟ والجواب عن ذلك أن قلب المؤمن في معاملته مع غير المؤمن قد تعتريه حال يرى فيه أن من التقوى ألا يعطيه حقه، لأنه في ميدان القتال يستبيح ماله ويستبيح دمه، فيظن حال السلم كحال الحرب، ويظن ذلك قريبا من التقوى، فبين له القرآن الكريم أن القرب من التقوى أن يحسن معاملته، وأن يعطي كل ذي حق حقه، فذلك دفعا للخاطر بمثله، أو بما يقرب إليه المعنى في التعبير، ولأن كمال التقوى بعيد المنال، وأنها إذا كانت مطلوبة، فإن الله يعفو عن كمالها، ويكتفى منا بقربها، ولذلك قال ﷺ : " لن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه، ولكن سددوا وقاربوا " (١) فالله ﷻ غفور رحيم يطلب منا المقاربة بعد أن نسدد ونقارب ولقد طلب سبحانه منا أن نسدد، فقال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أمرنا الله تعالى بالتقوى في كل الأمور في ذات أنفسنا بأن نراقب الله في كل عمل نعمله، فلا نعمل إلا طيبا، ولا نقول إلا طيبا، ولا نأكل إلا طيبا، ونخشى الله حق خشيته، ونقوم بعبادته

стр. 2671

مسددين مقاربين، ونتقي الله فيما بيننا، ونكون عباد الله إخوانا، ويكون التعاون الحكم بيننا، ونتقي الله تعالى في مخالفينا، فلا يكون منا عليهم اعتداء ولا ظلم، بل تقريب وائتلاف، وإن كان منهم اعتداء دفعناه من غير أن نتجاوز حد الدفع. وقد ذيل الله الأمر بالتقوى، بما يدل على علم الله تعالى بكل أعمالنا، حتى خلجات صدورنا، وما يحوك في قلوبنا، فقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). أي أن الله ﷻ عليم علما دقيقا، فالخبرة: هي العلم الدقيق الذي لَا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، عليم، هذا النوع من العلم بكل ما نعمل، وما ظهر منه وما بطن، وهو يجازينا بما نعمل، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ومن ينوي الخير، فهو محتسب له، ومن ينوي الشر، ويعدل عنه اختيارا لَا يحتسب عليه إثم. . اللهم وفقنا لتقواك، واهدنا لما يرضيك، وقربنا ولا تباعدنا إنك عليم حكيم. * * * (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) * * * بين الله غذاء الأبدان بطيب الأطعمة، وغذاء الأرواح بالصلاة، فذكر مقوماتها، ثم ذكر ، التكليفات الشرعية التي هي

стр. 2672

بناء الجماعات الإنسانية، وأنها ميثاق الله تعالى واثق به عباده، فوعدهم بالثواب عليه، وتعهدوا موثقين العهد بالسمع والطاعة، والاستجابة لما كلفوا القيام به، ثم بين أن أساس العلاقات الإنسانية العامة العدالة، وليس الحب والبغض: فإنهما يسيران أحيانا وراء الهوى، والهوى فساد، والعدالة صلاح، وهي التقوى، وما يقرب إليها ويدنى منها، وفي الآية الآتية وما يليها بين سبحانه جزاء المهتدين، وعقاب الكافرين، وهو الوعد الذي وعد به عباده، ويبين سبحانه أنه لا يصح أن تؤدي قوة أهل الإيمان إلى ترك العدل، وذكرهم سبحانه بحالهم أيام كانوا مستضعفين في الأرض، وهم المشركون أن يبسطوا أيديهم بالأذى فكفها عنهم، فقال:

стр. 2673

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) هذا هو الوعد الذي وعد الله تعالى به عباده المؤمنين، وهو الذي واثقكم به من جانبه، ﷻ ، في نظير السمع والطاعة والاستجابة لما أمر الله تعالى به ونهى عنه. وإن ذلك الوعد إنما يستحقه الذين قاموا بما ألزمهم به الميثاق، وهو الإيمان والطاعة، إذ قالوا سمعنا وأطعنا، وقد عبر الله تعالى عن السمع والاستجابة للسماع والإنصات للأدلة والإذعان لها بالإيمان، فالإيمان: هو العماد الذي يقوم عليه الميثاق الذي التزمه المؤمنون، والطاعة لأوامر الله تعالى ونواهيه هي التي عبر الله تعالى عنها بقوله تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وما من مقام ذكر فيه المؤمنون بالمدح إلا اقترن به قيامهم بالعمل الصالح، لأن العمل الصالح ثمرته، ومثل الإيمان من غير عمل صالح يقدمه المؤمن كمثل شجرة جرداء لَا تثمر ثمرا ولا تظل مستظلا، والأكثرون من العلماء على أن الإيمان ناقص إذا لم يصحبه عمل، لأن الإيمان يزيد وينقص عند كثيرين ويزيد ولا ينقص عند آخرين، وعند هؤلاء يكون الإيمان من غير عمل إيمانا غير كامل.

стр. 2674

والعمل الصالح الذي هو الطاعة، والذي هو استجابة لأوامر الله تعالى ونواهيه هو العمل الذي يكون فيه نفع للناس، ودفع للفساد في الأرض، وليس فيه ما يسوء أهل الخير، وقد جاء في كتاب غريب القرآن للأصفهاني: " الصلاح ضد الفساد، وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القرآن تارة بالفساد، وتارة بالسيئة قال تعالى: (. . . خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. . .)، وقال تعالى: (. . . وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا. . .). وقال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) في مواضع كثيرة. . . وإصلاح الله تعالى الإنسان يكون تارة بخلقه إياه صالحا، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد إصلاحه، وتارة بالحكم له بالصلاح. . . ". وإذا كان عمل الصالحات هو استجابة المؤمن لأمر الله ونهيه، أو تنفيذ لقول المؤمنين: " سمعنا وأطعنا " فمؤدى ذلك أن الله تعالى لَا يكلف عباده إلا ما فيه صلاح أمورهم ورفع الفساد عنهم، فما من أمر كلف الله تعالى عباده أن يقوموا به إلا كان فيه صلاح لهم ومنفعة، وما من أمر نهاهم عنه إلا كان فيه مفسدة، وعلى مقدار ما في الشيء من نفع تكون قوة المطالبة به، وعلى مقدار ما فيه من شر يكون مقدار النهي عنه، وبذلك يتبين أن الشرع الإسلامي كله جاء لخير العباد وصلاحهم، والرحمة بهم، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالمِينَ)، وعلى ذلك لَا يصح لمؤمن بالله واليوم الآخر، أن يقول: إن نصوص القرآن أو السنة جاءت بأحكام فيها مضرة؛ فإن ذلك أقصى العناد، وغاية ما يريده أهل الفساد، وما يبتغيه الذين يريدون أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم. وقد ذكر ما وعد به الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال: (لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ). فهذا النص الكريم هو بيان للوعد الذي وعد الله تعالى به عباده المؤمنين، فذكر الوعد بهما في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). ثم ذكر البيان، وفي ذكر البيان بعد الإبهام فضل تمكين للإعْلام،

стр. 2675

وتثبيت للمعرفة، والوعد الذي وعد الله تعالى به يتكون من أمرين عظيمين: أحدهما مغفرة عظيمة، والثاني أجر عظيم، أما المغفرة فمعناها: ستر الذنوب وإخفاءها، وإخفاء الذنوب من الله تعالى معناه ألا يقيم لها وزنا ويعفو عنها ويكفر السيئات ولا يجازى عليها، وأما إخفاؤها في الدنيا، فذلك لأن العمل الصالح يلقي في النفس نورا فيذهب أعتامها، إذ إن المرء إذا ارتكب سيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا استمرت السيئات ولم يكن ثمة عمل صالح، تكاثرت النكت السوداء حتى يربد القلب ويسود، وإن كان العمل الصالح أشرق النور فاختفت السيئات، وهذا معنى قوله تعالى: (. . . إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .). ونكرت كلمة " مغفرة " للدلالة على عظمتها، وأنها مغفرة عظيمة لَا تحيط بها المدارك البشرية. هذا هو الأمر الأول، أما الأمر الثاني: فهو الأجر العظيم، وهو الثواب، وسماه الله تعالى أجرا، أي أنه استحقاق على عمل صالح، وذلك كان من الله تكرما وفضلا، فكل شيء بفضل الله تعالى، وهو ذو الفضل العظيم. * * *

стр. 2676

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) * * * بعد أن ذكر سبحانه جزاء الذين آَمنوا وعملوا الصالحات ذكر سبحانه الذين كفروا وكذبوا بآيات الله تعالى، رهذا النص الكريم يشتمل على وصف الذين لم يؤمنوا، وجزائهم. وإن أولئك الذين لم يؤمنوا يتصفون بوصفين: أولهما: الكفر، وثانيهما: تكذيب آيات الله تعالى القائمة حجة على رسالة الرسول الذي أرسل إليهم، وقد ذكر الكفر سابقا على تكذيب الآيات مع أن الظاهر أن الكفر نتيجة لهذا التكذيب؛ وذلك لأن الكفر هنا معناه: جحود القلب، وطمس معالم الإدراك فقلوبهم غلف، قد غطيت عنها الحقائق، وغاب عنها الفهم الصحيح، والإنكار يكون مرتكزا في النفس، فلا تذعن ولا تصدق، وإذا كانت النفوس على هذا النحو، فإنه يكون التكذيب لكل ما تدل عليه الآيات الحسية، والمعجزات القطعية؛ لأن

стр. 2677

القلب قد شاه وفسد، فلا يرى الحقائق ويكذب بها، كما أن العين إذا شاهت وعشيت أصبحت لَا ترى النور المبصر، وإن عمَّ صاحبَها، وإن التكذيب بالمعجزات أكبر ما يكون عن فساد في الإدراك، إذ يكون لهم قلوب لَا يفقهون بها، ولهم أعين لَا يبصرون بها، ولهم آذان لَا يسمعون بها، وكان التكذيب جرما عظيما؛ لأنه تكذيب بآيات الله تعالى التي كانت للدلالة على الرسالة، والإذعان للحق، فلم يفعلوا، وكان الجزاء ما عبر عنه سبحانه بقوله تعالى: (أُوْلَئكَ أَصْحَاب الْجَحِيم). أي أولئك الذين كان منهم الكفر والجحود ثم التكذيب للآيات، وقد جاءت معلمة واضحة بسبب ذلك كانوا الملازمين للجحيم، أي النار المتأججة الشديدة اللهب التي تشوي الأجسام والوجوه شيا، فمعنى أصحاب الجحيم: الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه الذي لَا يفترق عنه، وكلاهما جدير بصاحبه. * * *

стр. 2678

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) * * * هذا متصل بالأمر بالعدالة مع الأعداء كالعدل مع الأولياء، ففي هذا النص أمر بالتذكير بحال ضعفهم عندما كانوا يلتمسون العدالة، ليعتبروا بماضيهم، ويتخذوا منه عبرة لحاضرهم، فيتذكروا حال الضعف في حال القوة، ليعلموا نعمة الله تعالى عليهم، ولكي يعدلوا مع غيرهم كما كانوا يلتمسون العدل إذ كانوا مظلومين يتخطفهم الناس، وينزل بهم البأس، فالآية تدعو إلى التذكير بنعمة الله ليشكروها، ولكيلا يشتطوا مع غيرهم، وبسط اليد معناه بالقوة والأخذ والسيطرة والصولة، وقد قال تعالى: (. . . وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ. . .)، فالبسط هنا بسط للصولة والقوة، والسيطرة، ومعنى النص الكريم: يَا أيُّهَا الذين أذعنوا للحق واستمسكوا به، واستجابوا لأمر ربهم تذكروا نعمة الله التي أنعمها عليكم إذ هم قوم أن يمتدوا بيد الأذى ويبسطوها، فكفها عنكم وبدلكم من بعد الضعف قوة،

стр. 2679

ومن بعد الذلة عزة، ومن بعد أن كنتم تُظلَمون، وتُرامون بالسوء، صرتم يطلب الإنصاف منكم. وقد أكد أنه هو سبحانه الذي رد الأذى وئدبير الشر، فقال مكررا كلمة الأيدي (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ) وفي ذلك إشارة إلى أنه سبحانه هو الذي قضى على موضع قوة أعدائهم، ومناط شدتهم، وهي الأيدي التي يكون بها البطش والصولة. ولقد تكلم مفسرو الأثر وغيرهم في سبب نزول هذه الآية، وخصصوا، واللفظ عام، فقالوا: إن يد البطش والغدر كان قد هم بها ناس للاعتداء على شخص النبي ﷺ ، والاعتداء عليه اعتداء على المسلمين، وكف الاعتداء عنه نعمة على كل المسلمين، وقالوا في ذلك روايات مختلفة تنتهي إلى خبرين: أولهما: أنه روى من حديث جابر وغيره أن رجلا من بني محارب قام على رأس رسول الله ﷺ في وقت الراحة ومعه السيف، وقال للرسول من يمنعك؟ قال الرسول ﷺ : " الله " فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ وقال: " من يمنعك مني "، فقال الرجل: كن خير آخذ. قال الرسول ﷺ : " تشهد أن لَا إله إلا الله، وأني رسول الله " قال: " أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع من يقاتلونك، فخلى سبيله، فجاء إلى قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس " (١). ثانيهما: أن النبي ﷺ ذهب إلى بني النضير ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، يطلبون منهم الإعانة على دية رجلين قتلا، وكان للنبي ﷺ عقد مع بني النضير عهدا على ألا يحاربوه، وأن يعينوه على الديات، فلما طالبهم بحكم هذا العهد أظهروا القبول، وأخفوا الغدر، فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك، ونعطيك الذي سألتنا،

стр. 2680

فجلس بجانب جدار لهم، وقال لهم حُيي بن أخطب: لَا ترونه أقرب منه الآن؛ اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه، فهمّوا أن يطرحوا عليه صخرة، وقد أُعلم النبي ﷺ بنية الغدر، إذ أعلمه جبريل، فانصرف قبل أن ينفذوا ما دبروا (١). هاتان روايتان في أسباب النزول، ويكون القوم هم الذين دبروا قتل النبي ﷺ فرادى وجماعات، ويكون كف أيديهم نعمة عظيمة على أهل الإيمان. والذي نراه هو تذكير المؤمنين بما هَمَّ به الأقوام من الاعتداء على النبي ﷺ في هاتين الواقعتين، ومن قبلهما بتدبير قتله يوم الهجرة النبوية، ومن الاعتداء على المؤمنين في غزوة أحد، ومن تضافر العرب في الجزيرة العربية على الذهاب إلى المدينة قصبة الإسلام، واقتلاعها في غزوة الأحزاب، وقد كف الله في كل هذا تلك الأيدي المبسوطة بالشر، فلا تخصيص في النص، بل يترك على عمومه. (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) بعد التذكير بهذه النعمة التي جعلت للمؤمنين كيانا مستقلا عزيزا كريما ينتصف من الظالمين، ولا يظلم أحدا أمر الله بالتقوى، وتقوى الله تعالى هي: الشعور بعظمته، والإحساس بجلاله، وامتلاء القلب به، واطمئنانه إليه، ورجاء ثوابه، وخشية عذابه، وعبادته كأنه يراه كما ورد في الأثر: " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (٢). هذه كلمات تقرب معنى تقوى الله تعالى، وهي تتضمن ذكر النعمة، وتتضمن شكرها، وهي في الشكر نص، ولا يكون الشكر من غير تذكر. وقد ختم الله الآية الكريمة بقوله تعالت كلماته: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنونَ) وفي هذا طلب الله تعالى من عباده المؤمنين أن يتوكلوا عليه،

стр. 2681

ولا يتوكلوا على سواه، وقد صيغ الطلب في صيغة الخبر، للإشارة إلى أنه حال ملازمة للمؤمنين لَا ينفصلون عنها؛ لأن من تقوى القلوب ألا يعتمدوا إلا على علام الغيوب، فالتوكل على الله وحده في السراء والضراء، في الشدة وفي الضعف من لب عبادته . والتوكل على الله ليس هو التواكل وترك العمل، بل هو الأخذ في الأسباب، ثم الاعتماد في الوصول إلى النتائج على الله تعالى وحده، فإن الأسباب لَا تنتج وحدها، ولكن لَا بد من فضل الله تعالى بالتوفيق، ولطف التقدير. وفى الجملة الكريمة: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنونَ) إشارات بيانية واضحة منها ذكر لفظ الجلالة، فإنه يشير إلى عظمة من يعتمد عليه إذ يعتمد على منشيء الوجود ومسيره ومبدعه، وفيها لفظ (عَلَى) فإنه يشير إلى علو من يعتمد على الله وسموه، وعدم ذلته لمخلوق، ومنها تقديم الجار وما بعده، فإنه يشير إلى الاقتصار في التوكل على الله، فلا يتوكل على غيره؛ لأن ذلك لَا يخلو من شرك؛ ولأن التوكل من العبادة، والعبادة لله وحده، ومنها لفظ الفاء التي ربطت الكلام، ولا تخلو من معنى السببية، فإنها تدل على أن من ثمرات التقوى التوكل على الله تعالى. هذا ونكرر أن التوكل على الله تعالى حق التوكل يوجب العمل (. . . رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). * * *

стр. 2682

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ

стр. 2683

وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) * * * في الآيات السابقة بَيَّنَ سبحانه طيبات ما أحل الله تعالى، وهي تصور متعة الجسد التي تكون حلالا، سواء أكانت طعاما يؤكل أم كانت تتعلق بما يكون بين الرجل والمرأة، ثم بَيَّنَ طهارة الأجساد والقلوب، بالصلاة وما يتقدمها من وضوء وتيمم، وذلك لتكون متعة الجسد في دائرة الطهارة والسمو، فيتهذب الفرد وينمو، ويقوى، وبذلك يكون قوة في بناء المجتمع الإنساني الذي يبتدئ بمجتمع الأمة أو القوم من غير تعصب ظالم، ولا انحراف لغير غاية فاضلة، وبين أن العدالة هي نظام العلاقات الإنسانية، وهي التي تنسقها، وكل تنسيق لَا يبنى عليها هو مِعْول هدام، ينقض القائم، ويفسد الصالح، والعدالة الحقيقية لَا تفرف بين عدو مشنوء مبغض، وولي محبوب مقرب، وذكر المؤمنين من بعد ذلك بأوقات ضعفهم، حتى لَا يشتطوا في أوقات قوتهم، ومن بعد ذلك وثق الله هذه المبادئ الإنسانية العالية التي هي شريعة النبيين أجمعين، وإن يخالفوها ينقض بنيانهم، وتذهب وحدتهم أوزاعا؛ ولهذا ذكر أخذ الميثاق بها على بني إسرئيل وكيف نقضوه، فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) الميثاق: أصله من وثق، وهي تدل على معانٍ فيها الاطمئنان، فيقال: وثقت به، أي اطمأننت إليه، ومنها الشد، وربط شيئين، ومنه قوله تعالى: (. . . فَشدّوا الْوَثَاقَ. . .)، ومنها ربط الكلامين ربطا موثقا، ومنه هذه الكلمة السامية ميثاق

стр. 2684

الله تعالى، وهي تتضمن معنى التشديد في العهد، لأنه مأخوذ مع الله ، وأي عهد أقوى وأوثق من عهد يكون بين العبد والرب؛ ويتضمن ميثاق الله تعالى معنى الاطمئنان، والثقة؛ لأن الاعتماد فيه على الله ، وهو المعاذ الذي يعاذ به، ويلجأ إليه . وميثاق الله تعالى الذي أخذه على بني إسرائيل هو التكليفات التي كلفهم إياها، من صلاة وزكاة، وطاعة للرسل في المنشط والمكره، والسلم والحرب، يروى في ذلك عن ابن إسحاق قال: " أُمر موسى أن يسير ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة وقال: إني كتبتها لكم دارا وقرارا ومنزلا، فاخرج إليها وجاهد مَنْ فيها من العدو، فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا، من كل سبط نقيبا يكون على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، وقل لهم: إن الله يقول: إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي. . . ". فالميثاق كما تدل الروايات يتضمن التكليفات كلها، وأخصها الجهاد، وموضوعه يبينه الله تعالى بالنص في قوله تعالى: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ). ومعنى قوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا) أن الله اختار منهم اثني عشر رئيسا على حسب بطونهم، ليوقعوا الميثاق، أو ليتلقوا العهد، فالبعث أصل معناه: الإثارة ثم أطلق على الإثارة التي يتبعها فحص، ثم اختيار، والنقباء جمع نقيب، وأصل النقب: الخرق في الجدار ونحوه، ويقال: نفب عليهم صار نقيبا لهم، أي رئيسا مختارا بما يشبه الانتخاب الطبعي، أي أن رياسته بمقتضى التكوين الفطري فهو رئيس، وإن لم يعين بسلطان، ويقول ابن جرير في تفسير معنى النقيب: " النقيب في كلام العرب كالعريف على القوم غير أنه فوق العريف، يقال منه نقب على بني فلان فهو ينقب نقبا، فإذا أريد أنه لم يكن نقيبا فصار نقيبا، قيل قد نقب نقابة ". وفسر بعض العلماء النقيب بمعنى الأمين، وإن هذا التزامي لتفسير النقيب على النحو السابق، لأنه لَا يكون له المنزلة السابقة إلا إذا كان أمينا له سابقات في

стр. 2685

المكارم والمعارف والصدق والأمانة؛ إذ إن هذه الصفات هي أسس السيادة على الناس، والسيادة بغير ذلك تكون نوعا من العلو والجبروت، ولا تكون نقابة سامية. ومؤدى القول أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق بالطاعة، والإذعان بما أمرهم به، وبأنه كان في سبط من أسباطهم الاثنى عشر نقيب له عليهم فضل النقابة والشرف يدعوهم إلى تنفيذ ميثاق الله تعالى، والقيام على عهده، وكان ذلك لأن بني إسرائيل توالت عليهم القرون، وهم في حكم فرعون وقهره، وقد استمر العذاب والهوان، وانحلت إرادتهم وعزائمهم، وأصبحوا لَا يؤمنون بفضيلة ولا عقيدة، فكان لَا بد من مذكِّر مستمر من بينهم، ومحرض دائم منهم، ومثل من بينهم تكون عيانا مستمسكة بالخلق والدين، حتى تتربى إرادتهم، وتقوى عزائمهم، ألم تر أنهم مع إنقاذ الله تعالى لهم على يد موسى ﵇، وفلق البحر لهم حتى صار كل فرق كالطود العظيم، ومع توالي البينات الشاهدة المثبتة للرسالة والوحدانية قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فالحس قد استولى عليهم، والمادية قد استغرقتهم؛ لذلك كان مع ميثاق الله تعالى الذي واثقهم به النقباء الذين كانوا فيهم مع الرسول موسى ﵇، وأخيه هارون الذي شد أزره في رسالته. وفي النص الكريم إشارتان بيانيتان: إحداهما: أن الله تعالى نسب الميثاق إليه ﷻ بلفظ الجلالة لزيادة توثيقه، ولعظيم توكيده، ثم التفت بنسبته بعث النقباء إليه من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم العظيم؛ لبيان عظم مقام النقباء، فإسناد بعثهم إليه سبحانه هو الذي بينهم وهو الذي كونهم. والإشارة الثانية يتضمنها قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ) وهنا كان الالتفات إلى لفظ الحاضر مرة ثانية، وذكر معية الله تعالى تفيد أمرين، أولهما: أن الله تعالى يعلم حالهم من طاعة أو عصيان عِلْم المصاحب لهم، فإنه لَا يخفى عليه أمرهم، وإنه محاسبهم على تنفيذ العهد والميثاق، وإنه يجزي

стр. 2686

بالحسنة الحسنى وبالسيئة السوءى والأمر الثاني أنه إذا كان جهاد، فالله تعالى معهم مؤيدهم بنصره، إن اعتزموا ونصروه. وقوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ) ذكر القول ونسبته إلى الله ، وذلك فضل تأكيد بالمعية والمصاحبة، والمراقبة والمناصرة؛ لأن الله تعالى هو الذي أخبر بذلك عن نفسه. (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) هذا بيان الميثاق الذي واثقهم الله تعالى به، وقد ذكره مؤكدا بالقسم فضل تأكيد، إذ إن التأكيد بالقسم تبعه لغة التأكيد باللام، والتأكيد بالنون التي تدخل هي واللام في الجواب، وهو هنا قوله تعالى: (ولأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ). وقد فهم بعض المفسرين أن قوله تعالى: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ) داخل في مقول القول في قول الله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ) فيكون ذلك خير تأكيد للعهد بالنسبة لله تعالى، وهو جواب القسم، وعندي أن هذا النص استئناف بياني فيه بيان موضوع الميثاق، فهو عهد بين العبد وربه، كان الالتزام على بني إسرائيل، هو ما اشتمل عليه النص الكريم، وما وعد الله تعالى هو ما جاء في قوله سبحانه: (لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ). والالتزام الذي أوجبه ميثاق الله تعالى عليه يتصل بتهذيب النفوس، والتعاون الاجتماعي، والجهاد والإيمان، وقد ذكره في خمسة أركان: أولها: ما قاله سبحانه في صدر العهد: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ) فالصلاة هي الركن الأول من الميثاق الرباني الإلهي، وابتدئ بذكرها، لأنها طهارة النفوس، وتزكية القلوب، وبها تربية الضمير الذي يكون جماعة مؤتلفة، وإقامتها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتربي في النفس روح الخير، والإحساس بعظمة الله تعالى، ولا يمكن أن يكون الوفاء بالميثاق الإلهي من غير إقامة الصلاة؛ فإنها ركن كل دين

стр. 2687

وروح التدين الصحيح وقوامه، وعبر بإقامتها دون أدائها، فقد قال: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ)؛ لأن الصلاة التي تأتي بثمراتها هي الصلاة الكاملة، التي يأتي بها صاحبها مقومة غير ملتوية يتجه فيها بالنية إلى الله تعالى، ويخلص فيها، لَا التي تكون رئاء الناس، أو تؤدى على وجه العادة، لَا على وجه العبادة. الركن الثاني: من أركان ميثاق الله تعالى على بني إسرائيل، وهو ميثاقه على خلقه عامة لَا على بني إسرائيل، هو إيتاء الزكاة، وإذا كانت الصلاة تربية القلوب وتهذيب الوجدان ليندمج المؤمن في جماعته، فالزكاة فريضة تعاونية لسد خلة الضعفاء، ولإيجاد تعاون بين الغني والفقير، فلا يكون الغني مملوء الجيب، والبطن، والفقير فارغ الجيب، أخمص البطن، فهي التعاون الكامل، وهذا يدل على أن الزكاة ليست في الإسلام فقط، بل هي في كل الأديان السماوية، وهي جزء منْ الميثاق الديني في كل الرسالات السماوية، فليس لأهل دين سماوي أن يفر منها باسم أنها ليست في دينه، وإذا كانت النظم تختلف أحيانا في بعض الشرائع عنها في الآخر، فالأصل ثابت وهو مشترك في الجميع، ولعل الصلاة أيضا قد تختلف أشكالها، ولكن لبها ثابت في الجميع، وليس لأهل دين أن يغير في أمر الله تعالى. الركن الثالث: ذكره الله بقوله: (وَآمَنتم بِرُسُلِي) والإيمان بالرسل معناه: الإذعان والتصديق، فمن ميثاق الله تعالى على بني إسرائيل وغيرهم الإيمان برسل الله تعالى بتصديقهم، والإذعان لَا يدعون إليه فلا يقبلون لبعضهم البعض، ويرفضون الآخرين، فيؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض؛ لأن رسالة الله واحدة، ورسل الله تعالى جاءوا جميعا بشرع واحد في أصله، وإن اختلف في بعض فروعه، وقد أضاف الرسل إليه، فقال: (وَآمَنتُم بِرُسُلِي) لتأكيد معنى رسالة هؤلاء الرسل، وللإشارة إلى أن عدم الإذعان لهم، والتصديق بهم تمرد على الله تعالى، وتكذيب، فمن يطعهم فقد أطاع الله تعالى، ومن يعصهم فقد عصاه سبحانه، فإضافة الرسل إليه لتعظيم شأن رسالاتهم، وبيان آثار طاعتهم ومغبة عصيانهم.

стр. 2688

وقد يقال: إن الإيمان بالرسل مقدم على طلب إقامة الصلاة، وطلب إيتاء الزكاة، فلماذا أخر في الذكر عنه؟ وإن الجواب عن ذلك: أن الميثاق مفروض أنه بعد الإذعان لرسالة موسى ﵇، فكان أخذه ثمرة من ثمرات تلك الرسالة، فهناك إيمان ضمني مقدر في ثنايا القول، وإن لم يكن مذكورا، وإن الإيمان بالرسل المذكور من بعد هو الإيمان بالرسل الذين يجيئون من بعد موسى، كعيسى ومحمد صلى الله تعالى عليهما وسلم، حتى لَا يحسبوا أن الرسالة مقصورة على موسى، وأنهم لَا يؤمنون إلا بها، وأن يقولوا: أن غيرهم ليسوا على شيء فإن فعلوا يكونوا بذلك قد نقضوا الميثاق الذي واثقهم الله تعالى. والركن الرابع من أركان ذلك الميثاق القدسي: عبر الله تعالى عنه بقوله تعالى: (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ) أي قويتموهم ونصرتموهم، فذلك فتح باب الجهاد الواجب لنصرة الرسل، ونصرة الحق دائما، فالتعزير هو النصر، ويطلق على العقاب المانع من الضرر، ويقول صاحب المفردات: إنها من باب واحد، فيقول في ذلك: التعزير النصرة مع التعظيم قال تعالى: (. . . وَتُعَزِّرُوهُ. . .)، (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ)، والتعزير ضرب دون الحد، وذلك يرجع للأول، فإن ذلك تأديب، والتأديب نصرة، لكن الأول نصرة بقمع ما يضره بالدفاع عنه، والثاني نصرة بقمعه عما يضره، فمن قمعته، فقد نصرته، وعلى هذا الوجه قال ﷺ : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قال قائل: أنصره مظلوما، فكيف أنصره ظالما؛ فقال ﷺ : " كفه عن الظلم " (١). والخلاصة، أن التعزير في الآية النصرة مع التوقير والتعظيم، وعدم التهجم عليهم أو الاستهزاء بهم أو السخرية منهم.

стр. 2689

والركن الخامس: هو ما عبر عنه الله بقوله: (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) والمراد من إقراض الله تعالى في هذا المقام هو الإنفاق في سبيل الله تعالى عندما تحتاج نصرة الحق إلى جهاد في سبيله، وإعطاء الضعفاء الذين هم عيال الله تعالى في هذه الأرض، فمن أعطاهم ابتغاء مرضاة الله تعالى فقد أعطى الله ، ومن إقراض الله تعالى قرضا حسنا القيام بما طالب به من طاعات، بأداء ما عليه من واجب؛ لأن من يفعل ذلك ابتغاء مرضاته سبحانه فكأنما أقرض الله قرضا حسنا، والله سبحانه سيضاعفه في الأداء له أضعافا كثيرة. وهنا نجد إشارات بيانية تستوجب ذكرها إجمالا من غير تعرض لتفصيل: الأولى: أن الله سمى القيام بالواجبات، والإنفاق في سبيله، وإعطاء المحتاجين - إقراضا له تعالى، وهو الغني، والناس هم الفقراء، وكانت تلك التسمية تحريضا على هذه الخيرات، وتشريفا لمقام القائم؛ وإعزازا لعمله، وكانت التسمية فوق ذلك تأكيدا للجزاء؛ لأن المقترض لَا غني في الوجود سواه، فهو وحده القادر على الجزاء، وأتى تأكيدا للجزاء على الحسنة بأقوى من هذا، وقد صرح بمضاعفة الأداء في آية أخرى، فقال سبحانه: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥). الثانية: أن " قرضأ في قوله تعالى: (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) المراد بها العطاء؛ أي الشيء الذي قدمه العبد، وإن كان في إعرابه يصح أن يكون مفعولا مطلقا، ونرى أنه مفعول به (١). الثالثة: أن الله تعالى وصف القرض بأنه حسن، والحسن في كل شيء يناسبه، ففي الوجوه تَنَاسُبُهَا، وإشراقها، وفي الأشياء تناسقها وتآلفها، وفي الأعمال خلاصها من شوائب الرياء والنقاق، وهو في القرض الاتجاه به إلى الله

стр. 2690

تعالى وطلب مرضاته، والشعور بالشكر له سبحانه، فهو المنعم وهو المعطي، وهو صاحب الفضل العميم. وقد بَيَّنَ سبحانه بعد ذلك ما وعد به، فقال تعالت كلماته: (لأكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) هذا جواب القسم الذي أقسم به رب العالمين، منشئ هذا الوجود، وهو يتضمن ما وعد الله به بني إسرائيل إذا قاموا بما يوجبه الميثاق عليهم، وهو يتضمن أمرين أحدهما: غفران ما ارتكبوا من سيئات، وثانيهما: جزاء ما فعلوا من خيرات، وقد عبر عن الغفران بقوله: (لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) أي لأسترن ما قدموه من أعمال هي سيئة في ذاتها، وهي سيئة لهم، ولمجتمعهم، ومعنى تكفيرها سترها، فلا تفضح بالعذاب، إذ العذاب كشف لها، وإعلام بها، والغفران ستر وعطاء، وقد أكد سبحانه الغفران بلام القسم والنون المؤكدة توكيدا شديدا. وعبر عن الجزاء بقوله: (وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِها الأَنْهَارُ) وأكد العطاء بمثل ما أكد الغفران، وقد قدم سبحانه الغفران على الثواب؛ لأن الغفران تطهير، والتطهير مقدم على غيره، أو كما يقول العلماء: " التخلية مقدمة على التحلية ". (فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أي أنه من يجحد بآياته ونعمه وآلائه وبيناته بعد ذلك الميثاق الغليظ الذي أخذ عليهم، والوعد الأكيد الذي وعدهم الله به فقد بَعُدَ عن السبيل المستوية المُعَبَّدَةِ المسلوكة، وسار في متاهات الضلال التي لَا هداية بعدها، فمعنى سواء السبيل الطريق المستوية التي توصل، ومعنى ضلالها البعد، وهذا إنذار لله تعالى بعد الميثاق بأنه هو الطريق السوي، فمن حاد عنه، فقد ضل وغوى، وقد كانوا كذلك. اللهم اهدنا، ووفقنا لاتباع سبيلك السوي، إنك الهادي والنصير. * * *

стр. 2691

(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) * * * أخذ الله على بني إسرائيل الميثاق أن يقوموا بالتكليفات التي كلفهم إياها، وألزمهم بمقتضى هذا الميثاق أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وأن يقوموا بالخير الذي رغبهم فيه سبحانه بأن سماه إقراضا له، وهو المنعم بكل شيء الغني الحميد، ووعدهم سبحانه بأن من يقوم بحق الميثاق يستر سيئاته، ويدخله جنات النعيم الدائم الذي لَا يحول ولا يزول، وأوعدهم بأن من يكفر بالميثاق ينال جزاء الضالين، وأشار لهم بأن الميثاق هو الطريق المستقيم، وأن الخروج عن منهاجه هو الضلال المبين، ولكن ذكر بعد ذلك أنهم اختاروا الضلالة على الهدى ونقضوا الميثاق، وضلوا وبعدوا عن طريق الحق، فطردوا من نعمة الإيمان، واستولى الشيطان على قلوبهم؛ ولذا قال سبحانه:

стр. 2692

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) أي بسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم، والتزاموا بأحكامه طردهم الله تعالى من رحمته، وذلك

стр. 2693

لضلالهم عن طريق الهداية؛ لأن من ترك طريق الله الذي سنه، فقد ضل، وبهذا الضلال المبين طردوا من طريق الرحمة، وهو الطريق المستقيم الذي يوصل إلى جنات النعيم، فمعنى لعناهم: طردناهم، والطرد هنا هو السير في متاهات الضلال، وفي ذلك تشبيه لحال من يسلك سبيل الضلال بعد أن فُتِح له باب الهداية، وأرشد إلى الطريق المستقيم بحال من يكون في مكان آمن مستقر فيه، قد مكن له في الإقامة ومهد له، ثم طُرد منه مذءوما مدحورا مبغوضا مكروها. وإنهم إذا ساروا في طريق الغواية، وتركوا منهاج الهداية تفسد مداركهم، فيطمس على عقولهم، وتجمد قلوبهم فلا تلين لحق، ولا يدخل إليها نور؛ ولذلك قال تعالى: (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) أي جعلنا قلوبهم غليظة صلبة كالحجارة، منزوعة منها الرأفة والرحمة؛ وذلك لأنهم لما مردوا على العصيان والمخالفة صلبت قلوبهم، فأصبحت لَا تنفتح لإدراك حق، كما قال في شأن هؤلاء اليهود عندما أخذوا في طريق العصيان: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤). والقراءة المشهورة عند البصريين هي: (وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) وهناك قراءة أخرى وهي مشهورة عند الكوفيين، وهي: (وجعلنا قلوبهم قَسِيَّة) (١) وقد خرجها بعض المفسرين على معنى القراءة السابقة، بيد أن فيها مبالغة؛ لأنها على وزن فعيلة فهي تدل على تمكن صفة القسوة فيهم، وذكر ابن جرير الطبري لهذه القراءة وجها آخر، وقال: " إنما القسية في هذا الموضع القلوب التي لم يخلص إيمانها، ولكن يخالط إيمانها كفر، كالدراهم القسية، وهي التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص " ثم قال ﵁: " وأولى التأويلين في ذلك بالصواب،

стр. 2694

تأويل من تأول فعيلة من القسوة، كما قيل نفس زكية وزاكية، وامرأة شاهدة وشهيدة، لأن الله تعالى جل شأنه وصف القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به ولم يصفهم بأي شيء من الإيمان، حتى تكون قلوبهم موصوفة بإيمان يخالطه كفر، كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش " والحق عندي أن كلتا القراءتين قرآن، وما دامت متواترة فالجمع بينهما ضروري، والجمع بجعل إحداهما تأتي معنى ليس في الأولى يكون أولى وتكون كلتاهما متممة للأخرى، وبالجمع يكون المعنى: وجعلنا قلوبهم قاسية، لأنه اختلط فيها الزيف بأصل الإيمان، فعندهم إيمان بالله من غير إذعان لأحكامه، ولا تصديق لرسله، ولا قيام بالتكليفات، والزيف أكثر من الأصل، والنحاس أكثر من الفضة، فصلبت. وإن قسوة القلب وفساده يترتبان على الانحراف عن الطريق السوي الذي عبر عنه بالطرد، لأن من ضل الطريق كلما سار في الضلال تاه عن وغاب عنه، ولأن القلب كلما أركس في الشر أربد وأظلم، وصارت غشاوة من الباطل تغطيه فلا يدرك، وتحجره فلا يلين. وهنا بحث لفظي، وهو في قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ) فإن الفاء هنا تسمى بفاء الإفصاح، وهي تفصح عن شرط مقدر تقديره: فإذا ضلوا ونقضوا الميثاق، فبسجب ذلك يُطردون من طريق الرحمة ومنهاج الاستقامة، و " ما " زيدت في الإعراب لتأكيد معنى السببية بين نقض الميثاق والضلال. (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) أي يحيلون بالكلام عن الموضع الذي نزل فيه ولأجله، والمعنى المقصود منه إلى طرف بعيد عن لبه، وعن معناه، فالحرف للشيء طرفه الذي يبعد عن قلبه وعن قطبه الذي يدور حوله، والتحريف كما جاء في عبارات المفسرين قسمان، قسم يغيرون به معاني الكتاب، فيتجهون بها إلى أمور ربما يحتملها الكلام، ولكن لَا يحتملها إلا على بعد من موضوعها، كبعد طرف الشيء عن قطبه، وقسم آخر يغير ذات الكلام بزيادة ألفاظ فيه تذهب بأصل المعنى، أو بحذف ألفاظ يذهب بالمقصد من القول، وقد كان من اليهود القسمان،

стр. 2695

فهم غيروا معاني الكتاب الذي أنزل وأبعدوه عن معانيه التي قصدت من سَوْقِهِ، وأريدت من شرعه، وهم غيروا وبدلوا في عباراته حتى تذهب تكاليف الكتاب وتطمس معالم أحكامه، ومن ذلك مثلا أنه جاء في كتبهم تحريم الربا بمثل هذا الكلام (أخاك لَا تقرض بالربا) فزادوا كلمة الإسرائيلي: (أخاك الإسرائيلي لا تقرض بالربا) وبذلك تغير المعنى تغيرا جوهريا، والكلم: المراد بها الكلام، فهو اسم جمع يدل على الجمع بحذف التاء، كشجر وشجرة، وتمر وتمرة. وجاء قوله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) ثمرة لقسوة القلوب والطرد بالضلال؛ وذلك لأنهم لما ضلوا وفسدت قلوبهم واختلط فيها الزيف بالجوهر حتى غلب الزيف، ماتت ضمائرهم، وصاروا كذابين يكذبون على الله تعالى، وعلى الناس، فيغيرون معاني التنزيل، ويزيدون فيه وينقصون على حسب هواهم وشهواتهم، وارتكبوا بهتانا عظيما. ومع التحريف الذي قصدوه، وشوهوا به التوراة التي نزلت على رسولهم قال الله تعالى عنهم: (وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) والنسيان معناه الترك، أو الغفلة عنه. وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهاني ما نصه: " النسيان ترك الإنسان ما استودع إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد، حتى ينحذف عن القلب ذكره " وهذا يستفاد منه أن النسيان ترك عن غفلة أو ترك عن قصد، وقد يكون النسيان سببه أمر خارج عن إرادة الناس، كأن يخفى عدو قاهر ما عند الشخص فيتركه مكرها. وقد كان عند اليهود - قبحهم الله - الأنواع الثلاثة، فهم قد أصابتهم الغفلة عن كتابهم بسبب فساد قلوبهم، وهم قد تركوا بعضه، وجعلوه مهجورا، لأنه لَا يتفق مع أهوائهم، وقد نزل بهم من الشدائد ما ضيع كتبهم، ولم يبق منها إلا القليل، كما فعل ذلك بختنصر معهم، حتى إذا عاد جمعهم لم يبق من كتبهم إلا متناثرا، لَا يكون مجموعا متناسقا.

стр. 2696

وهنا لفظان نقف عند المعاني التي يشيران إليها: أولهما: معنى " حظ " فنقول: الحظ هو النصيب الكبير الذي يعد محظوظا من يأخذه، وهذا يدل على أن الجزء الذي نسي هو جوهر الدين ولبه، وحسبك أن تعلم أن التوراة التي بأيدينا ليس فيها ذكر لليوم الآخر، وما يكون فيه من نعيم مقيم وعذاب أليم، وثاني اللفظين: هو " مما ذكروا به " فإن ذلك يشمل تعاليم موسى وتعاليم الأنبياء من قبله، وكل هذا نسوا الحظ الأكبر منه. (وَلا تَزَالُ تَطَّلِع عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) الجماعات الإنسانية تتوارث عادات وأخلاقا، حتى تصير كأنها طبائع وجِبِلَّة، فالكلام في بني إسرائيل الذين سبقوا عصر النبوة، ولكن الذين عاصروا النبي ﷺ يحملون الصفات التي كان أسلافهم عليها؛ ولذلك اعتبروا منهم أو مثلهم، فخاطب الله تعالى نبيه ﵊ بأنه ﷺ يرى في الحاضرين صورة السابقين، ويرى فيهم طائفة منهم، وإن تباعدت الأزمان، وإذا تخالفت الشخوص لَا تتخالف الصفات؛ ولذلك قال تعالى: (ووَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ منْهُمْ) أي أن صفاتهم مستمرة وهم بذلك مستمرون، فلا تزال تطلع على طائفة خائنه منهم خيانة أسلافهم، فيهم قسوتهم، وفيهم ضلالهم، وفيهم انحرافهم. و (خَائِنَة): وصف لمحذوف تقديره بقية خائنة، أو طائفة خائنة، أو نفوس خائنة منهم، وفسر بعض المفسرين خائنة بمعنى خيانة، والمعنى على ذلك لَا تزال تطلع على خيانة، والمؤدى واحد؛ لأن الاطلاع على فرقة أو بقية خائنة اطلاع على الخيانة، والاطلاع على الخيانة اطلاع على قوم متصفين بها، وفي الكلام إشارة إلى أن هؤلاء اليهود في ماضيهم قد خانوا الله تعالى، وخانوا أنفسهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ موثقا مؤكدا عليهم، فلا تعجب إذا كانوا قد خانوا العهد معك، ونقضوا الحلف الذي حالفوك عليه، على أن أمنك أمنهم، وأمنهم أمنك، وأن تكون العلاقة بينك وبينهم حسن الجوار، والمودة الحسنة.

стр. 2697

ولما كان اليهود منهم أمة مقتصدة، وأن كثيرا منهم ساء ما يعملون، اسْتُثْنِيَ أهلُ الخير من أن يكونوا خائنين، كسائرهم، فقال: (إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) ولقد أجمع المفسرون على أن هذا القليل منهم: اليهود الذين دخلوا في الإسلام، وآمنوا بمحمد ﷺ وما جاء به، ويصح أن نعد منهم عددا قليلا محدودا من اليهود قد خالفوا سائرهم عندما كانوا يهمون بنكث العهد مع النبي ﷺ ، فهؤلاء، وإن لم يسلموا يصح أن يستثنوا من الذين يخونون وينكثون العهد، ولقد أمر الله تعالى نبيه بأن يأخذ الناس بالعفو والصفح الجميل، ولذا قال تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِن اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) العفو معناه في مثل هذه: عدم مقابلة الإساءة بمثلها، والتجافي عنها، وترك المؤاخذة عليها، والصفح معناه: ترك المؤاخذة، وترك اللوم والتثريب، بل ترك العتاب عليها؛ ولذلك قالوا: إن الصفح أعلى رتبة من العفو، وقال في ذلك الراغب الأصفهاني في مفرداته: وهو - أي الصفح - أبلغ من العفو؛ ولذلك قال تعالى: (. . . فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا. . .)، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ولكن لَا يمكن أن يتحقق صفح من غير عفو، إذ العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرا، وقد يكون في النفس شيء، أما الصفح فإنه يتناول السماحة النفسية، واعتبار الإيذاء كأن لم يكن، في المظهر والقلب. والإحسان يطلق على الإتقان، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، ويطلق على الإنعام على الغير، ومن ذلك قول القائل: " أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم " والإحسان في هذه الآية يشمل المعنيين، والإحسان فوق العدل؛ لأن العدل مع غيرك إعطاؤه الحق الذي له، والإحسان إعطاؤه الحق وزيادة، ومعنى النص الكريم: إذا كانوا على هذه الصفة التي ذكرناها فلا تعاملهم بمثل أخلاقهم، بل عاملهم بأخلاق النبوة التي تدعو إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، فاعف عنهم ولا تؤاخذهم بذنوبهم، فلا تعاملهم بالمثل إلا دفاعا عن الحوزة وأصفح الصفح الجميل، ولا تجعل في قلبك غلا

стр. 2698

ولا ضغنا، حتى يخلص قلبك من كل ما يعكره، لتصفو الدعوة، وإن الله تعالى يحب الذين يتقنون أعمالهم بسلوك سبيل الدعوة الصحيحة، وأخذ الناس بالرفق، ومعاملتهم بالتي هي أحسن، والإنعام عليهم بالعفو، وخلوص النفس من كل الشوائب بالصفح الجميل. ولكن من هم الذين يستحقون ذلك العفو والصفح، أو بعبارة أخرى من الذين أمر النبي ﷺ بالعفو عنهم والصفح الجميل لهم. قال بعض المفسرين: هم العدد القليل الذين استثناهم الله تعالى بقوله تعالت كلماته: (إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ). وإنا نرى أن ذلك، ولو أنه مستقيم مع سياق اللفظ هو غير مستقيم في سياق المعاني؛ لأن هؤلاء لم يسيئوا ولم يكونوا خائنين، حتى يكون للعفو والصفح موضع. وقال بعض المفسرين: إن الذين أُمر النبي ﷺ بالعفو عنهم هم اليهود جميعا، ولكن نُسخ هذا بقوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ. . .)، وهؤلاء منهم، ولكن يرد عليه بأن النسخ لَا يصار إليه إلا إذا لم يمكن الجمع. وقال آخرون: إن المراد اليهود ولا نسخ؛ لأن العفو والصفح كان بمساكنتهم وبقبول الجزية منهم مع معاشرتهم للمسلمين على أن يكون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وفي ذلك النظر وجاهة. والذي نراه أن الأمر بالعفو والصفح عام لليهود، لكي يؤدي النبي ﷺ واجب الدعوة، وكذلك الشأن في كل داع إلى دعوة؛ لأنه إذا كانت النفس يشوبها الغضب والألم والإحن ويبدو ذلك في اللسان، فإنه لَا تستقيم الدعوة، ولا تقوم الحجة على من يدعوهم؛ لأن الله تعالى يقول: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. . .)، ويقول سبحانه: (ولا تجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بالَّتِي هِي أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا منْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، ولا يمكن أن يكون ذلك قد

стр. 2699

نسخ؛ لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا؛ ولأن التوفيق غير متعذر، ولأن الأمر بالعفو والصفح لَا ينافي القتال، لأنه إذا اعتدت طائفة وجب فلّ شوكتها، وقد اعتدت قينقاع وخانت الحلف، ولا يمكن ائتمانها في وقت قتال، فوجب إجلاؤها، وكذلك بنو النضير، واستحقت قريظة ما نزل بها، وما كان ذلك إلا دفاعا عن النفس، وتأمينا لما وراء الظهر، وفي غير هذه الأحوال الاستثنائية يكون العفو والصفح واجبا ليؤدي النبي ﷺ واجب التبليغ، ولا يعمل الأمر بالعفو عند موجب القتال للدفاع؛ إذ إن ذلك يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة، ويطبق الأمر بهذا الشكل في عصرنا، فاليهود الذين يخربون في ديارنا تكَفّ أيديهم ويُخرجون منها، وغيرهم نعاملهم بالخلق الحسن إلا أن يظاهروا الأشرار فيهم، وقليل من لم يظاهروهم. * * *

стр. 2700

(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ... (١٤) * * * في الآيات السابقة بَيَّنً الله الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل، ونقضوه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وفي هذا النص الكريم يذكر الميثاق الذي أخذ على قوم عيسى ﵇، وهو يشمل ما جاء به ذلك النبي الكريم، والرسول الأمين ﷺ من بيان وحدانية الله تعالى، وأنه ليس بوالد ولا ولد، وأنه ليس له صاحبة، ومن إحياء للتوراة الحقيقية ووصاياها وتكليفاتها، وقد صدَّق الصادق منها. ولكن النصارى نسوا حظا مما ذكروا، أي نسوا قدرا كبيرا هو لب الديانة المسيحية، وهو التوحيد، وكثير من وصايا عيسى ﵇، وما دعاهم إليه من تسامح وحب للسلام. وسبب نسيان حظ أي نصيب كبير مما ذكروا به هو اضطهاد النصارى اضطهادا شديدا في عهد الرومان، حتى ضاعت كتبهم، ولم يعرف شيء منها إلا قليل غير سليم بعد مائتي سنة من ترك المسيح هذه الدنيا، ثم ظهرت هذه الأناجيل التي يتدارسونها، ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات
следующие страницы →