← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وهنا لفظان نقف عند المعاني التي يشيران إليها: أولهما: معنى " حظ " فنقول: الحظ هو النصيب الكبير الذي يعد محظوظا من يأخذه، وهذا يدل على أن الجزء الذي نسي هو جوهر الدين ولبه، وحسبك أن تعلم أن التوراة التي بأيدينا ليس فيها ذكر لليوم الآخر، وما يكون فيه من نعيم مقيم وعذاب أليم، وثاني اللفظين: هو " مما ذكروا به " فإن ذلك يشمل تعاليم موسى وتعاليم الأنبياء من قبله، وكل هذا نسوا الحظ الأكبر منه. (وَلا تَزَالُ تَطَّلِع عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) الجماعات الإنسانية تتوارث عادات وأخلاقا، حتى تصير كأنها طبائع وجِبِلَّة، فالكلام في بني إسرائيل الذين سبقوا عصر النبوة، ولكن الذين عاصروا النبي ﷺ يحملون الصفات التي كان أسلافهم عليها؛ ولذلك اعتبروا منهم أو مثلهم، فخاطب الله تعالى نبيه ﵊ بأنه ﷺ يرى في الحاضرين صورة السابقين، ويرى فيهم طائفة منهم، وإن تباعدت الأزمان، وإذا تخالفت الشخوص لَا تتخالف الصفات؛ ولذلك قال تعالى: (ووَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ منْهُمْ) أي أن صفاتهم مستمرة وهم بذلك مستمرون، فلا تزال تطلع على طائفة خائنه منهم خيانة أسلافهم، فيهم قسوتهم، وفيهم ضلالهم، وفيهم انحرافهم. و (خَائِنَة): وصف لمحذوف تقديره بقية خائنة، أو طائفة خائنة، أو نفوس خائنة منهم، وفسر بعض المفسرين خائنة بمعنى خيانة، والمعنى على ذلك لَا تزال تطلع على خيانة، والمؤدى واحد؛ لأن الاطلاع على فرقة أو بقية خائنة اطلاع على الخيانة، والاطلاع على الخيانة اطلاع على قوم متصفين بها، وفي الكلام إشارة إلى أن هؤلاء اليهود في ماضيهم قد خانوا الله تعالى، وخانوا أنفسهم بنقضهم الميثاق الذي أخذ موثقا مؤكدا عليهم، فلا تعجب إذا كانوا قد خانوا العهد معك، ونقضوا الحلف الذي حالفوك عليه، على أن أمنك أمنهم، وأمنهم أمنك، وأن تكون العلاقة بينك وبينهم حسن الجوار، والمودة الحسنة.

стр. 2697

ولما كان اليهود منهم أمة مقتصدة، وأن كثيرا منهم ساء ما يعملون، اسْتُثْنِيَ أهلُ الخير من أن يكونوا خائنين، كسائرهم، فقال: (إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ) ولقد أجمع المفسرون على أن هذا القليل منهم: اليهود الذين دخلوا في الإسلام، وآمنوا بمحمد ﷺ وما جاء به، ويصح أن نعد منهم عددا قليلا محدودا من اليهود قد خالفوا سائرهم عندما كانوا يهمون بنكث العهد مع النبي ﷺ ، فهؤلاء، وإن لم يسلموا يصح أن يستثنوا من الذين يخونون وينكثون العهد، ولقد أمر الله تعالى نبيه بأن يأخذ الناس بالعفو والصفح الجميل، ولذا قال تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِن اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) العفو معناه في مثل هذه: عدم مقابلة الإساءة بمثلها، والتجافي عنها، وترك المؤاخذة عليها، والصفح معناه: ترك المؤاخذة، وترك اللوم والتثريب، بل ترك العتاب عليها؛ ولذلك قالوا: إن الصفح أعلى رتبة من العفو، وقال في ذلك الراغب الأصفهاني في مفرداته: وهو - أي الصفح - أبلغ من العفو؛ ولذلك قال تعالى: (. . . فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا. . .)، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ولكن لَا يمكن أن يتحقق صفح من غير عفو، إذ العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرا، وقد يكون في النفس شيء، أما الصفح فإنه يتناول السماحة النفسية، واعتبار الإيذاء كأن لم يكن، في المظهر والقلب. والإحسان يطلق على الإتقان، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، ويطلق على الإنعام على الغير، ومن ذلك قول القائل: " أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم " والإحسان في هذه الآية يشمل المعنيين، والإحسان فوق العدل؛ لأن العدل مع غيرك إعطاؤه الحق الذي له، والإحسان إعطاؤه الحق وزيادة، ومعنى النص الكريم: إذا كانوا على هذه الصفة التي ذكرناها فلا تعاملهم بمثل أخلاقهم، بل عاملهم بأخلاق النبوة التي تدعو إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، فاعف عنهم ولا تؤاخذهم بذنوبهم، فلا تعاملهم بالمثل إلا دفاعا عن الحوزة وأصفح الصفح الجميل، ولا تجعل في قلبك غلا

стр. 2698

ولا ضغنا، حتى يخلص قلبك من كل ما يعكره، لتصفو الدعوة، وإن الله تعالى يحب الذين يتقنون أعمالهم بسلوك سبيل الدعوة الصحيحة، وأخذ الناس بالرفق، ومعاملتهم بالتي هي أحسن، والإنعام عليهم بالعفو، وخلوص النفس من كل الشوائب بالصفح الجميل. ولكن من هم الذين يستحقون ذلك العفو والصفح، أو بعبارة أخرى من الذين أمر النبي ﷺ بالعفو عنهم والصفح الجميل لهم. قال بعض المفسرين: هم العدد القليل الذين استثناهم الله تعالى بقوله تعالت كلماته: (إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ). وإنا نرى أن ذلك، ولو أنه مستقيم مع سياق اللفظ هو غير مستقيم في سياق المعاني؛ لأن هؤلاء لم يسيئوا ولم يكونوا خائنين، حتى يكون للعفو والصفح موضع. وقال بعض المفسرين: إن الذين أُمر النبي ﷺ بالعفو عنهم هم اليهود جميعا، ولكن نُسخ هذا بقوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ. . .)، وهؤلاء منهم، ولكن يرد عليه بأن النسخ لَا يصار إليه إلا إذا لم يمكن الجمع. وقال آخرون: إن المراد اليهود ولا نسخ؛ لأن العفو والصفح كان بمساكنتهم وبقبول الجزية منهم مع معاشرتهم للمسلمين على أن يكون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وفي ذلك النظر وجاهة. والذي نراه أن الأمر بالعفو والصفح عام لليهود، لكي يؤدي النبي ﷺ واجب الدعوة، وكذلك الشأن في كل داع إلى دعوة؛ لأنه إذا كانت النفس يشوبها الغضب والألم والإحن ويبدو ذلك في اللسان، فإنه لَا تستقيم الدعوة، ولا تقوم الحجة على من يدعوهم؛ لأن الله تعالى يقول: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. . .)، ويقول سبحانه: (ولا تجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بالَّتِي هِي أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا منْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، ولا يمكن أن يكون ذلك قد

стр. 2699

نسخ؛ لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا؛ ولأن التوفيق غير متعذر، ولأن الأمر بالعفو والصفح لَا ينافي القتال، لأنه إذا اعتدت طائفة وجب فلّ شوكتها، وقد اعتدت قينقاع وخانت الحلف، ولا يمكن ائتمانها في وقت قتال، فوجب إجلاؤها، وكذلك بنو النضير، واستحقت قريظة ما نزل بها، وما كان ذلك إلا دفاعا عن النفس، وتأمينا لما وراء الظهر، وفي غير هذه الأحوال الاستثنائية يكون العفو والصفح واجبا ليؤدي النبي ﷺ واجب التبليغ، ولا يعمل الأمر بالعفو عند موجب القتال للدفاع؛ إذ إن ذلك يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة، ويطبق الأمر بهذا الشكل في عصرنا، فاليهود الذين يخربون في ديارنا تكَفّ أيديهم ويُخرجون منها، وغيرهم نعاملهم بالخلق الحسن إلا أن يظاهروا الأشرار فيهم، وقليل من لم يظاهروهم. * * *

стр. 2700

(وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ... (١٤) * * * في الآيات السابقة بَيَّنً الله الميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل، ونقضوه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وفي هذا النص الكريم يذكر الميثاق الذي أخذ على قوم عيسى ﵇، وهو يشمل ما جاء به ذلك النبي الكريم، والرسول الأمين ﷺ من بيان وحدانية الله تعالى، وأنه ليس بوالد ولا ولد، وأنه ليس له صاحبة، ومن إحياء للتوراة الحقيقية ووصاياها وتكليفاتها، وقد صدَّق الصادق منها. ولكن النصارى نسوا حظا مما ذكروا، أي نسوا قدرا كبيرا هو لب الديانة المسيحية، وهو التوحيد، وكثير من وصايا عيسى ﵇، وما دعاهم إليه من تسامح وحب للسلام. وسبب نسيان حظ أي نصيب كبير مما ذكروا به هو اضطهاد النصارى اضطهادا شديدا في عهد الرومان، حتى ضاعت كتبهم، ولم يعرف شيء منها إلا قليل غير سليم بعد مائتي سنة من ترك المسيح هذه الدنيا، ثم ظهرت هذه الأناجيل التي يتدارسونها، ولا يزالون يغيرون ويبدلون فيها على حسب الطبعات

стр. 2701

المختلفة، بعد أن دخل قسطنطين إمبراطور الرومان فيها، وغير وبدل في مجمع نيقية الذي انعقد في سنة ٣٢٥ ميلادية، وقد ذهب لب الديانة وهو التوحيد. وهنا نكتة بيانية أساسها بيان السبب في أن الله تعالى عبر عنهم بقوله تعالت كلماته: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) ولم يقل النصارى للإشارة إلى أن ادعاءهم النصرانية التي هي الدين الذي دعا إليه المسيح ﵇ قول يقولونه بأفواههم ولا يتبعونه بقلوبهم؛ إذ هجروا لب تعاليم المسيح، وهو الوحدانية. (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) " الفاء " هنا للسببية أي أنهم بسبب نسيان كتبهم، وذهاب مصدر دينهم اختلط الباطل بالحق فيما يعتقدون فتفرقوا شيعا، وكانت بينهم العداوة، فمن قائل إن المسيح إله وهو ابن الله، ومنهم من قال إنها بنوة نعمة، ومنهم القائلون بالحق وهم الذين أنكروا ألوهيته كأريوس وأتباعه، ثم الذين قالوا بالألوهية اختلفوا أَوَلِدَتْ مريم اللاهوت من الناسوت، أم ولدت الإنسان فقط، ثم اختلفوا في الإرادة التي تكون من المسيح أتكون منهما أو من أحدهما، وكل فرقة تكفر الأخرى وتعاديها وتضطهدها وترميها بالكفر، حتى إن الملكانيين كانوا يذيقون اليعقوبيين سوء العذاب، ولم ينقذهم من أيديهم إلا الحكم الإسلامي العادل الرشيد، وكانت العداوة في العصور الأخيرة بين الكاثوليك والإنجيليين، وأريقت فيها الدماء، وإن تلك العداوة ستستمر إلى يوم القيامة. وهنا بحث بياني وهو التعبير بـ أغرينا، فإن الإغراء من الغراء وهو ما يلصق به، والمعنى كان الالتصاق والارتباط الذي يربطهم عداوة ظاهرة بالجدل أو المحاربة، وبالكراهية المستكنة بالنفس وهي البغضاء، أي البغض الشديد الذي يسكن القلب، ولا علاج له، وقد بَيَّنَ الله عاقبتهم بقوله: (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُم اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) أي أنهم يستمرون في ريبهم يترددون، وفي عداواتهم يلجون، حتى يوم القيامة، وفي هذا يخبرهم الله تعالى الخبر العظيم بنتيجة ما كانوا يعملون ويصنعون من غير تفكير ولا تدبر، وسوف

стр. 2702

هنا لتأكيد الخبر، وبيان أنه وإن تأخر آت لَا محالة اللهم ألهمنا قول الحق والنطق به، وقنا شر أهل العداوة والبغضاء من عبيدك، إنك سميع الدعاء. * * * (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) * * * بيَّن الله الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل، وقد وثقه بشهادته ، وبعث اثني عشر نقيبا عليهم يمثلون أسباطهم، ومع ذلك نقضوه، فطردهم الله من رحمته، فقست قلوبهم إذ مردت على العصيان، وأطفأت النور الذي جاء إليهم من الله تعالى، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وأهملوا العمل بالباقي وجعلوا شرع الله تعالى نسيا منسيا، وامتلأت نفوسهم بالخيانة، وابتلى الله تعالى محمدا ﷺ بذريتهم التي ورثت عنهم أخلاقهم ومروقهم عن الحق، مروق السهم من الرمية، ثم كان من الذين نسبوا أنفسهم للنصرانية بعض ما كان من اليهود، فنسوا حظا من الكتاب الذي جاء به عيسى ﵇ إليهم، وأطفأوا نور الحق الذي جاء به في قلوبهم، وتفرقوا فيما

стр. 2703

بينهم، وأغريت بسبب هذا التفريق العداوة والبغضاء بينهم، بعد هذا بين لهذين الفريقين وغيرهما الطريقة المثلى، والصراط المستقيم فقال سبحانه:

стр. 2704

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكمْ رَسُولُنَا يبَيِّنُ لَكمْ كَتِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفونَ مِنَ الْكِتَابِ) الخطاب لليهود والنصارى الذين نسوا في الماضي حظا مما ذكروا به وحرفوا في الماضي الكلم عن مواضعه، والذين طردوا أسلافهم من طريق الحق لنقضهم الميثاق، وقست قلوب الماضين منهم. . وقد انتقل البيان القرآني من الكلام عن ماضيهم إلى مخاطبة الحاضرين الذين يجري في أوساطهم ما كان يجري في أوساط الذين تقدموهم، فالالتفات من الكلام عن الغائب إلى مخاطبة الحاضر، لأن البيان للحاضرين والتكليف القائم للقائمين، وإن كان يجري في أوساطهم ما كان يجري في أوساط ماضيهم، ولكن لَا بد من أنه يجهر بالحق في أوساطهم، فهم مخاطبون بما جاء به محمد ﷺ . وقد أفرد الكتاب، والنصارى واليهود لهم كتب وأسفار لَا كتاب واحد، وكان الإفراد لأحد أمرين أو لهما معا - أول الأمرين - أن الكتاب يطلق ويراد به الجمع، لأن (أل) هنا للجنس، كما يقال: السوق، أو: أهل العلم، ويراد العلوم. وثاني الأمرين: أن العرب كانوا قسمين: أُميين لَا يقرءون، أو ليست الكتابه رائجة عندهم، وأهل كتابة وعلم بالكتاب، ومن ذلك قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥). فالأميون هنا العرب الذين لم تكن الكتابة والقراءة كثيرة عندهم. وعلى ذلك تكون كلمة " أهل الكتاب " ليست مقابلة فقط للمشركين وعبدة الأوثان، بل هي مقابلة للأميين. وأهل الكتاب الذين صاحبهم الكتاب وكانوا له كالأهل الذين يرتبطون فيه. وفى نداء اليهود والنصارى فائدتان:

стр. 2705

إحداهما: ما يمتازون به عن المشركين بالعلم، وأنهم ليسوا أُميين، بل هم مدركون عمن دونهم. والفائدة الثانية: تقريعهم ولومهم بأنهم مع أنهم معروفون بعلمهم بالكتابة ومصاحبتهم لهم قد أخفوا كثيرا. وقوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا) فيه ما يومئ بأنهم مختصون بالخطاب، مع أن النبي ﷺ بُعث للناس أجمعين عربهِم وعجمهم، وأسودهم وأبيضهم، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِّلنَّاسِ بَشِيرَا وَنَذِيرًا. . .)، ولكن كان الإيماء بالاختصاص لَا يتضمنه البيان الذي من بعد ذلك، من أنه يبين كثيرا مما كانوا يخفون، فكان هذا نوع اختصاص لهم، وإن كان القرآن قد جاء لعامة المكلفين لَا فرق بين كتابي وأمي، ولا بين من كانت له ديانة سماوية ومن لم يكن له بلاغ من قبل، وكان التعبير بقوله تعالت كلماته بـ (جَاءَكُمْ) بدل " بُعِثَ لكم " للإشارة إلى أنه يحاضرهم ويخاطبهم ومعهم جاء إليهم يرونه ويراهم، وإضافة رسول إلى الله تعالى في قوله سبحانه (رَسُولُنَا) فيه إشارة واضحة إلى أن البيان من الله ، وكأن المعنى، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى: قد جاءكم يحاضركم ويخاطبكم رسولنا الذي ينطق باسمنا، ويتحدث عنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون. (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) هذا النص الكريم صريح في أنهم كانوا يخفون أمورا من علم الكتاب الذي نزل على موسى، وما جاء به عيسى ﵉، وقد قال تعالى في شأنهم: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤). وهنا نتساءل ما الذي أخفوه وبينه القرآن، والجواب عن ذلك: هو كل ما جاء في القرآن من تكليفات دينية تتصل بالفطرة الإنسانية، ولا تختص بقوم دون قوم، مثل الصدق، وحسن المعاملة للناس، وإعطاء الناس حقوقهم لَا فرق بين

стр. 2706

جاهل وعالم، وأمي وغير أمي، وقوم وقوم وجنس وجنس، وتحريم الربا وأكله من القريب والبعيد، والقصاص العادل والعقوبات الزاجرة، وقد قال بعض العلماء: إن الذي أخفوه هو عقوبة الرجم، ويروي ذلك ابن جرير الطبري فيقول بسنده: إن نبي الله تعالى أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، واجتمعوا في بيت قال: أيكم أعلمكم؛ فأشاروا إلى ابن صوريا فقال: أنت أعلمهم، قال: سل عما شئت، قال: أنت أعلمهم قال: إنهم يزعمون ذلك، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور، وناشده بالمواثيق التي أخذت عليهم حتى أخذه أَفْكَلْ (١)، فقال: إن نساءنا نساء حسان، فكثر فينا القتل فاختصرنا فجلدنا مائة. وقد يكون هذا مما أخفوه، ولكن لَا يمكن أن يكون كل الذي أخفوه، فإن الله تعالى يقول: (يُبَيِّنُ لَكمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفونَ) ولا يمكن أن يكون الشيء الواحد كثيرا، بل إن الكثرة تقتضي التعدد، وأنهم أخفوا كثيرا، فقد أخفوا البشرى بالنبي ﷺ ، وحرفوا القول لكيلا تُعلم للناس، وأخفوا العلم بما يكون بعد الموت من بعث ونشور، والحساب والثواب والعقاب والجنة، والنار وما فيها من عذاب أليم، حتى إنك تقرأ التوراة التي بأيدينا، فلا تجد ذكرا للحياة الآخرة، وما يكون من جزاء على ما عمل المرء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وأخفوا تحريم أكل الربا من كل إنسان، وحرفوه وقصروا المنع على أكل الربا من الإسرائيلي، وأخفوا محاولتهم عبادة الأوثان عقب إخراجهم مستنقذين من فرعون، وهكذا فقد أخفوا كثيرا، وبين الله تعالى في القرآن الكريم كثيرا مما يتصل بلب الرسالة الإلهية. هذا بعض مما أخفوا، وهذا بعض مما بين الرسول الكريم ﷺ وأنه سبحانه بَيَّنَ الجوهر الذي أخفوه وهو كثير، لأنه لب الرسالة الإلهية. ولقد قال تعالى: (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) أي يترك كثيرا ما كنتم تخفون من غير بيان إذا لم يكن في تركه إهمال لحقيقة دينية، ويكون فيه افتضاح لأمركم كادعائكم أن لوطا ﵇ زنى بابنتيه، وكادعائكم أن داود أحب امرأة قائد

стр. 2707

فأرسله إلى الميدان ليخلو له وجه زوجته، وغيره مما اشتملت عليه توراتكم التي ألفتموها، وفيها الحق والباطل، وفي التعبير بكلمة " العفو " إشارة إلى أن هذا الترك يتضمن معنى الصفح والغفران إن أحسنتم في حاضركم؛ لأنه ترك لأمر في ذكره مضرة وتحقير لكم. وقال الحسن البصري: إن معنى (وَيَعْفُو عَن كثِيرٍ) أي لَا يؤاخذكم عليه، ولا يعاقبكم لأجله إن أحسنتم في حاضركم، وإن النسق البياني يقتضي أن يكون موضع الترك مقابلا لموضع البيان، والمقابلة تقتضي أن يكون الترك الكثير كالبيان الكثير، وكل ذلك داخل في عموم ما كانوا يخفونه ولا يبينونه، وذلك هو الظاهر المتفق مع السياق، وغيره ليس متفقا مع السياق. (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مبِينٌ) هذه الجملة بيان للجملة السابقة؛ ولذلك كان الفصل بينهما لكمال الاتحاد، إذ الثانية في معنى الأولى مع وصف جديد فيه بيان الحقيقة؛ لأنه إذا كان مجيء الرسول فيه بيان المختفى، وكشف المستور، فهو نور، وبعثه نور، وقد سجل ذلك النور في كتاب مبين، أي واضح في ذاته مبين للشرع الشريف، ولما أخفاه أهل الكتاب وطمسوه من معاني الوحدانية الخالصة، ومن الشرائع المحكمة، وفي هذا النص تأكيد لمعنى الرسالة عن الله تعالى التي ثبتت بقوله تعالى (رَسُولُنَا) وفي هذا النص تصريح بأن ما يجيء به الرسول من نور كاشف هاد، وكتاب مسجل للشريعة هو من الله تعالى، وقد صرح بذلك في قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّه نُورٌ وَكتَابٌ مُّبِينٌ). وللمفسرين في بيان معنى (نُورٌ) و (كِتَابٌ) كلام أساسه أن النور يجب أن يكون غير الكتاب؛ لأن العطف بينهما يقتضي التغاير بين حقيقتهما، إما من حيث الذات، أو من حيث الوصف، أو النتيجة، فإن الشيء الواحد قد يكون له وصفان متغايران، وبمقتضى هذا التغاير يكون العطف.

стр. 2708

وقد خَرَّجَ بعض المفسرين العطف على أساس التغاير في الذات، ففسروا النور بالرسول الكريم ﷺ فهو نور الأنوار، كما عبر الآلوسي (١)، والكتاب بأنه القرآن الكريم، فهو سجل الإسلام لَا يغادر شيئا منه إلا بَيَّنَه، إما بالتفصيل، أو بالإجمال الذي بينته السنة. وفسر آخرون النور بأنه القرآن الكريم، كما فسر الكتاب المبين به على أساس المغايرة من حيث الأثر والبيان، فالقرآن نور؛ لأن فيه بيان الحق الذي لا تنكره العقول، والشرع الجامع الذي أتت به كل الرسائل، وهو من ناحية أخرى الشيء المكتوب المسجل الباقي إلى يوم القيامة لَا يعتريه تغيير ولا تبديل، فالمغايرة في العطف مغايرة وصف وأثر لَا مغايرة ذات، إذ القرآن المبين نور، وكتاب مكتوب مسجل باق إلى يوم القيامة. وقد اختار هذا الوجه الزمخشري ولم يذكر غيره. والذي نراه في تفسير النص السامي، هو أن هذا فيه بيان لعمل الرسول ﷺ ، وهو أنه أتى بعلم كاشف هو نور، فرسالة محمد ﷺ نور في ذاتها، وأتى بكتاب معجز دال على رسالته، ومشتمل على شريعته، وهو حجته إلى يوم القيامة. وقد بين الغاية الكبرى من رسالته إلى أهل الأرض، ومن النور الذي جاء به الرسول والكتاب الذي أنزله، فقال: * * *

стр. 2709

(يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ... (١٦) * * * هذه هي الثمرات التي ترجى من الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض، وكونها نورا يهتدي به الساري، وفيه شريعة قائمة في كتاب محفوظ إلى يوم القيامة، وهذه الثمرات ثلاث أولها: هداية إلى الحق، وإخراج من الظلمات إلى النور، ويهدي به الله سبحانه إلى صراط مستقيم لا عوج ولا أمت.

стр. 2710

أما الأولى - فقد عبر الله عنها بقوله تعالت كلماته: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ) والضمير في قوله تعالى: (بِهِ) يعود إلى مجموع ما ذكر، أو يعود إلى القرآن وحده، والظاهر ذلك؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وفي عود الضمير إلى القرآن تضمين لكل ما ذكر؛ لأن القرآن هو وعاء الشريعة، وحجة النبي ﷺ القائمة إلى يوم القيامة، وهو مصباح النور المحمدي الذي لَا ظلام فيه، وقد ذكر سبحانه من يهتدي بالقرآن، وموضع الهداية، فليس كل إنسان أهلا لهداية القرآن والانتفاع به، فإن من يهتدي لَا بد أن يكون فيه عقل يدرك لم تظله غشاوة رانت عليه، وبصيرة نافذة، وقلب قد استقام لطلب الحكمة، وقد ذكر سبحانه أن الذي يهتدي بالحق والنور الكاشف من اتبع رضوانه، واتباع رضوان الله تعالى: طلبه ذلك الرضوان، ومعنى طلب ذلك الرضوان: أن يكون قلبه مخلصا لطلب الحق، لم يرنق قلبه بغرض باطل أو أهواء مردية، أو انحراف في طلب عن الغاية، بل يتجه اتجاها مستقيما إلى الحق لَا يبغى سواه، ولا يطلب إلا رضوان الله ﵎، فإن الإخلاص يجعل العقل يشرق، والقلب يمتلئ بالحكمة. وأما ما يهتدي إليه فهو سبل السلامة، والصفاء وعدم وجود البغضاء، فالسلام هو: السلامة من كل أدران الحقد والحسد، والسلامة من كل ما يؤدي إلى البغضاء والعداوة، وسبلها هو: الأعمال الصالحة، فيعمل للدنيا بأخلاق مستقيمة، ونفس لَا يخالطها فساد، ولا تستولي عليه الشهوات، فيكون مع الناس في أمن وسلام، وفي الآخرة يكون في دار السلام، كما قال تعالى في شأن المتقين المهتدين: (لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عندَ رَبِّهِم. . .)، وكما قال تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤). وأما الثانية - فقد عبر عنها تعالى بقوله: (وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ) ومرجع الضمير هنا هو مرجع الضمير في الجملة السامية السابقة، فالقرآن والنور والهداية المحمدية كل هذا يخرج الناس من ظلمات الباطل إلى النور

стр. 2711

الواضح بإذن الله تعالى وبعلمه وتقديره، فالإذن هنا معناه العلم والإرادة، أي أن ذلك الإخراج من ظلمات الضلالة إلى نور الهدى بعلمه تعالى وإرادته، وإرادته لا تكون إلا على مقتضى حكمته في خلقه، وهو العزيز الحكيم، اللطيف الخبير، السميع البصير، تعالت أسماؤه الحسنى. وقد ذكر الله الضلال بالجمع والنور بالإفراد؛ وذلك لأن طرق الشيطان مختلفة، وكل طريق منها ظلمة في ذاته، فالشرك ظلمة، والبغضاء ظلمة، والمعصية ظلمة، وأكل مال الناس بالباطل ظلمة، ووأد البنات ظلمة، واسوداد الوجه بالكآبة عند ولادة المرأة ظلمة، والظلم ظلمات قد تعددت فنونه، وتباينت أقسامه والنور والقرآن والهدى المحمدي هو الذي يكشف هذه الظلمات، وينير الطريق للخروج، بإذن الله تعالى وعلمه وإرادته يخرجهم النور من هذه الظلمات المتكاثفة. وأما الثالث - فقد قال تعالى: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرِاطٍ مسْتَقِيم) والمعنى أن الله تعالى يهدي طالب إلى طريق مستقيم لَا التواء فيه، والهداية في الحقيقة من الله تعالى، فهو الذي يهدي ويرشد، والمهتدي هو من يطلب الحق إرضاءً لله تعالى، ونسبت الهداية إلى القرآن؛ لأنه الذي اشتمل على ما فيه الهداية من أحكام، وفضائل، وبيان لمعنى الرسالة الإلهية؛ ولأنه هو المعجزة الكبرى للنبي ﷺ ، والطريق المستقيم هو دين الله تعالى القيم، دين التوحيد، دين الإسلام والتسليم والتفويض لله تعالى بعد القيام بالعمل، وهو دين الخير في الدنيا والآخرة، فمن اتبعه فقد رشد، ومن تركه فقد ضل، وهو وإن تعددت أنواع العمل طريق واحد موصل للغاية من أقرب اتجاه، وهو طريق الله تعالى، وقد قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣). [الأنعام (١)] اللهم اهدنا صراطك المستقيم.

стр. 2712

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) * * * ذكر الله في الآيات السابقة أن اليهود حرفوا الكلم بتبديل عبارات التوراة، وتحريف معانيها وتفسيرها بغير ما يراد منها، ثم بإخفائهم كثيرا مما اشتملت عليه من أحكام تكليفية، ثم تحللهم من أحكام الباقي، وأن النصارى مثلهم نسوا حظا مما ذكروا به، بل أهملوا لب الدين، وحقيقة التوحيد فيه، وتفرقوا فرقا مختلفة وأغريت بينهم العداوة والبغضاء، فكان في الماضي التذبيح بين الملكانية واليعقوبية، وكان من بعد ذلك ما كان بين غيرهم، حتى تركوا الدين من حياتهم، ولم يبق منه عندهم إلا ما يعاند الوحدانية، ويضطهدون به أولياءها وأنصارها، وقد جاء الإسلام منذ تبليغ النبي ﷺ به، يبين كثيرا مما أخفوا، وحقيقة الرسالة التي تنزل من الله تعالى لخلقه، والتي هي لب اليهودية الأولى، ونصرانية المسيح ﵇، وفي هذه الآيات المتلوة يبين سبحانه لب ما غيروا فقال تعالى:

стр. 2713

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندهم فيه عنصر إلهي، وفي عصور الإسلام الأولى كان النسطوريون منهم يقولون: إن المسيح ليس ابن الله تعالى في الألوهية، ولكنها بنوة النعمة، وقد ذهبت هذه الفرقة في عبر التاريخ، أو تكاد، فلا تكاد تسمع ذلك الصوت الآن إلا عند بعض الموحدين الذين ظهروا في طائفة البروتستانت، ولكنهم عدد نادر، لَا يعترف بهم على أنهم نصارى. وإذا كان الأمر المعروف عندهمْ أن يسوع ابن الله، وفيه عنصر إلهي، فقد قالوا: إن الألوهية قد حلت فيه، ولازم ذلك القول أن يكون هو الله، أو هو إله يعبد، ومهما يكن فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه، وقد قال في ذلك البيضاوي: " هم الذين قالوا بالاتحاد منهم، وقيل لم يصرح به أحد منهم، ولكنهم لما زعموا أن فيه لاهوتا، وقالوا لَا إله إلا واحد، لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم " وذلك بلا ريب ينتهي إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله، وإن لم يصرحوا بذلك، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الألوهية فيه مع الله. وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد في اعتقاد الألوهية، وأنه ابن الله، وبذلك يكون قوله تعالى في هذه السورة سورة المائدة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ فَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ. . .) متلاقيا مع هذا النص الكريم، فهنا صرح بلازم قولهم، وهنالك صريح بذات قولهم. والحقيقة أن النصارى اليوم - وهم لَا يزالون يغيرون ويبدلون - يصرحون بأن الأقانيم ثلاثة، وأنها شيء واحد، وينتهون إلى أن المسيح هو الله، والله هو المسيح، والله هو روح القدس، فقد قال الدكتور " بوست " في تاريخ الكتاب المقدس: " طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر: الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الآب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير، غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الأعمال

стр. 2714

على السواء، أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم، كما هي في العهد الجديد ". ومن هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو الله، ولا يكون الكلام بطريق اللازم لقولهم، بل بطريق الصريح منه، فهم يصرحون بأن الله هو الابن، كما أن الله هو الآب، كما أن الله هو روح القدس. وذكر الله الإخبار عن المسيح بأنه الله؛ لأن فيه إشارة واضحة إلى بطلان العقيدة، لأن المسيح وُلِد، ورئي يتحدث مع الناس، وأكل وشرب، وقتل وصلب في زعمهم! فكيف يكون هو الله تعالى؟!. والحقيقة أن فكرة ألوهية المسيح ﵇ ما سادت الفكر النصراني إلا في عهد قسطنطين، وقبل ذلك كان الأكثرون موحدين، ولكن وجد بجوارهم من بقايا الفلسفة الأفلاطونية الحديثة من زعم أن القوى المسيطرة على الوجود ثلاثة، ولننقل لك ما قاله ابن البطريق المسيحي في كتابه " تاريخ البطارقة " قال في مجمع نيقية الذي أعلن ألوهية المسيح ما نصه: " كتب الملك قسطنطين إلى جميع البلدان، فجمع البطارقة والأساقفة، فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة، وكانوا مختلفين في الآراء والأديان. . فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم البربرانية، ويسمون " المريميين ". . ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الآب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية. . ومنهم من كان يقول لم تحبل به مريم تسعة أشهر وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب؛ لأن الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها، وهي مقالة إليان وأشياعه. . ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت، كواحد منا في جوهره، وان ابتداء الابن من مريم، وأنه مصطفى ليكون مخلصا للجوهر الإنسي صحبته النعمة الإلهية، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة؛ ولذلك سمي ابن الله، ويقولون: إن الله جوهر قديم واحد، وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة

стр. 2715

أسماء، ولا يسمونه الكلمة، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية وأشياعه، ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل صالح وطالح وعدل بينهما، وهي مقالة مرقيون اللعين وأصحابه، وزعموا أن مرقيون رئيس الحواريين، وأنكروا بطرس، ومنهم من كان يقول بألوهية المسيح، وهي مقالة بولس الرسول ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ". وذكر فكرة أرتوس، وكانت شائعة، وهي إنكار ألوهية المسيح، والإيمان بالوحدانية، واختار قسطنطين من (٢٠٤٨) الثمانية والأربعين والألفين عدد (٣١٨) الذين قالوا بألوهية المسيح، وبذلك ساد هذا القول بسلطان قسطنطين. وإن ذلك القول بلا ريب باطل، فالله هو الخالق، وهو الذي يحى ويميت، وقد أمر الله نبيه بالرد عليهم بأمر محسوس. (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) أمر الله تعالى رسوله محمدا ﷺ أن يرد عليهم ادعاءهم، بإثبات القدرة لله تعالى، فإن صفة الله الذي يعبد لأجلها أساسها القدرة على الإنشاء وعلى الإفناء من غير قيد يقيدها ولا مانع يمنعها، فإذا كان المسيح لَا يملك أن يدفع عن نفسه الإعدام، فهو أولى بألا يستطيع الإنشاء ولا الإفناء. والمعنى: قل لهؤلاء الذين يدعون الألوهية للمسيح: من يملك من دون الله أمرا يستطيع أن يمنعه سبحانه بأي قدر من قدرته تعالى إن اتجهت إرادته العالية إلى إهلاك المسيح وأمه، وفي الجملة السامية إشارات بيانية: منها - في قوله: (فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) لأن (يملك) معناه يتضمن معنى يمنع، أي من يمنع من قدرة الله وأمره شيئا، وتنكير كلمة " شَيْئًا " للتصغير، أي قدرا ولو كان ضئيلا. ومنها - أن التعبير بـ " يملك " يستفاد منها أن قدرة الله تعالى قدرة من يملك، وليست قدرة مستعارة أو مأخوذة من غيره.

стр. 2716

ومنها - أن ذكر الإهلاك في هذا المقام فيه دلالة مادية في زعمهم على بطلان ما يدعون؛ لأنهم زعموا أن عيسى أهلكه الرومان بتحريض وشهادة الزور من اليهود لعنهم الله، فكيف يكون إلها، وهو لَا يملك حماية نفسه، مع أن وصف الإله يوجب أن تكون قدرته على الإهلاك والإبقاء ثابتة. ومنها - أنه ذكر المسيح مضافا إلى أمه، على أنه متولد منها، فكيف يكون من الفاني الإله الباقي، وهو ابن الله في زعمهم، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وإن الذي يستمسكون به بالباطل في هذا الزعم الباطل أنه خلق من غير أب، وقد رد زعمهم في قضية عامة بقوله تعالى: (وَللَّه مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ). هذه الجملة السامية مع إبطالها لزعمهم في مقام الحال من الجملة السابقة، فهي مؤيدة لمعنى القدرة على الإبقاء والإهلاك والإحياء، ورادة على زعمهم أن عيسى خلق من غير أب، فيكون ابنا لله، تعالى الله عند ذلك. والمعنى أن لله الملكية التامة للتصرف في السماوات بطبقاتها المختلفة، والنجوم ومداراتها وما بين السماء والأرض من فضاء تجري فيه السحب بأمره، ويطير فيه الطير، ويسبح فيه، ثم ما يصنعه الإنسان من طائرات تقطع أجواء الفضاء، كل ذلك مملوك ملكية تامة لله تعالى، ولا توجد ملكية تامة في شيء من الأشياء إلا لله ، فكل مالك من الناس ملكيته نسبية، وليست تامة أو مطلقة، بل هي مقيدة. وإرادته مطلقة في خلق الأشياء؛ ولذلك قال تعالى: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ). وهذه الجملة في مقام الثمرة والنتيجة لما قبلها من قدرة مطلقة لَا حد لها، ومن ملكية مطلقة لَا قيد يقيدها، فهو يخلق ما يشاء ويريد، فيخلق ذكرا أو أنثى فهو يجعل لهذا ذكرانا، ولهذا إناثا، ويجعل من يشاء عقيما، ولا قيد يقيد إرادته، في طريقة الخلق والتكوين، فيخلق الناس من أب وأم، ويخلق آدم من غير أب ولا أم، ويخلق عيسى من أم، ومن غير أب. . وهكذا.

стр. 2717

(وَاللَّه عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هو قادر على كل شيء في هذا الوجود، يفعل به ما شاء، يفنيه ويبقيه على ما يشاء، وقد وجد كل شيء بالقدرة والإرادة، لا بالعلية والسببية، فلا يقال: إن الأب سبب للابن، فإن وجد له من غير أب فالله سبحانه أبوه، لَا يقال ذلك؛ لأن الله تعالى لَا يتقيد بالأسباب، فهو خالق الأسباب وخالق المسببات وخالق نواميس الكون، وكل ما فيه، وهو القاهر فوف عباده، فهو خالق عيسى وليس أباه، وإن النصارى واليهود مع أنهم يخطئون في جنب الله، ولا ينزهونه كمال التنزيه، ولا يطيعونه يزعمون أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه؛ ولذا قال سبحانه: * * *

стр. 2718

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ... (١٨) * * * اليهود يعلنون للناس أنهم شعب الله المختار، والنصارى يعلنون أنهم هداة هذا الوجود، وأنه لَا سلامة إلا في دينهم على الوضع الذي وضعوه، وعلى الزعم الذي زعموه، وبذلك يعتبرون أنفسهم أبناء الله وأحباءه، وعلى هذا يكون المراد بالبنوة بنوة مزية الاتصال بالله أكثر من اتصال غيرهم به، وأن الاتصال اتصال إيمان به وإدراك له، وأنهم اختصوا بنعمة المحبة، فالبنوة بنوة الاتصال والمحبة، ويكون عطف أحباء من قبيل عطف التفسير المشير إلى معنى البنوة. وهناك احتمال آخر، وهو أن تكون البنوة هي البنوة التي زعمها اليهود لعزير إذ قالوا: عزير ابن الله، وهم أتباعه وشيعته، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وهم أتباعه، فهم أبناء الله بهذا الاتباع، وقد قال الزمخشري في توضيح هذا الاحتمال: " أبناء الله أي أشياع ابني الله عزير والمسيح، كما قيل لأشياع أبي خبيب، وهو عبد الله بن الزبير، وكما يقول رهط مسيلمة: نحن أنبياء الله، ويقول أقرباء الملك وذوو حشمه نحن الملوك؛ ولذلك قال مؤمن آل فرعون: (. . لَكُم الْمُلْكُ الْيَوْمَ. . .). وفى الحق أن كلا من اليهود والنصارى ادعو أن لهم صلة خاصة بالله، وأنهم دعاة الحق، وأنهم وحدهم أحباب الله، وأهل الاتصال به، ولهذا رجح الأول.

стр. 2719

(قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) " الفاء " هنا فاء الإفصحاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر، والمعنى إذا كنتم كما زعمتم أحباء الله تعالى وأبناءه فلم يعذبكم إن ارتكبتم ذنوبا تؤثمكم؛ فأنتم كسائر الناس تذنبون، ولو كنتم متصلين بالله أكثر من غيركم ما أذنبتم، ولو أذنبتم ما عُذِّبتم، وفي كتبكم التي بأيديكم أنكم تعذبون على ما تقترفون من آثام. وقد أقر اليهود بأن العذاب سيقع بهم، إذ قال الله تعالى عنهم: (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً. . .)، وإن النصارى يقرون بأنه سيُديِّن الناس يوم القيامة، ويجازي المحسن على ما أحسن، والمسيء على ما أساء. وقد رد الله سبحانه أصل الادعاء بقوله تعالى: (بَلْ أَنتُم بَشَرٌ ممَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) أي أن صلة الله تعالى بكم هي صلته بخلقه، وأنتم بعض منهم، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، فهو يغفر لمن يشاء، واقتضت حكمته الغفران له لتوبته ولصغر ما ارتكب، ووازن حسناته بسيئاته، وأن الحسنات يذهبن السيئات، ويعذب من يشاء بمقتضى حكمته؛ لأن الخطيئة أحاطت به، ولم يقلع عما ارتكب وأساء، والله عليم حكيم، وغفور رحيم. (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) هذه الجملة من تتمه الرد عليهم، ويحتمل أن تكون من كلام النبي ﷺ الذي أمر أن يقوله، ويحتمل أنها من كلام الله تعالى تأكيدا لحكمته تعالى وكمال سلطانه، وقد تأكد الرد بقوله تعالى: (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) أي أنه سبحانه وحده هو الذي تصير إليه أمورهم يوم القيامة، وهو الذي يعلن حينئذ محبته. لمق استحق محبته بالطاعة والتقوى، ويكون مآله إلى الجنة والنعيم المقيم، ولن تكون للذين غيروا وبدلوا في دينه وأشركوا به - تلك المحبة التي ادعوها، ولا ذلك النعيم الذي وعد به، وسيكون العذاب لمن عصى أمر ربه، وغالى في تقديس عباد الله تعالى وأشرك به، والله هو الذي يتولى الفريقين بعدله وحكمته. .

стр. 2720

اللهم اجعلنا من أهل محبتك ورضوانك وإذا لم نستحق، فاجعلنا من أهل غفرانك. * * *

стр. 2721

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) * * * بينت الآيات السابقات حال أهل الديانتين السابقتين على الإسلام، والذين يذكرون أنهم يتبعون رسولين من أولي العزم من الرسل، وهما عيسى وموسى ﵉، وكيف نسوا حظا مما ذكروا به، وكيف أخفوا كثيرا مما ذكروا به، وكيف انحرفوا عن أصل التوحيد الذي هو لب الدين ودعوة كل النبيين الذين بعثوا من رب العالمين، ثم ادعوا مع ذلك التغيير والتبديل والانحراف أنهم الأقربون إلى الله تعالى، وقد رد الله تعالى عليهم قولهم، فبين سبحانه أنهم بشر ممن خلق، وأنه لَا فضل لهم على أحد إلا بالاستجابة لأمر الله تعالى، وفي هذه الآية التالية يبين سبحانه مقام الرسالة المحمدية وأنها جاءت في إبانها، وفي وقت الحاجة إليها، فقال عز من قائل: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) الفترة هي الزمن بين زمنين متغايرين في الحوادث، ويكون فيها سكون عما يكون في هذين الزمنين، وقد قال الراغب الأصفهاني في معنى الفترة: " الفتور سكون بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ منَ الرُّسُلِ) أي سكون خالٍ عن مجيء رسول الله ﷺ وقوله تعالى (. . . لَا يَفْتُرونَ)،

стр. 2722

أى لَا يسكنون عن نشاطهم في العبادة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " لكل عمل شِرَة، ولكل شرة فترة، فمن فتر إلى سنتي فقد نجا، وإلا فقد هلك " (١) فقوله ﵊: " ولكل شرة فترة " إشارة إلى ما قيل: للباطل جولة ثم يضمحل، وللحق دولة لَا تذل ولا تقل، وقوله: من فتر إلى سنتي أي سكن إليها، والطرف الفاتر فيه ضعف مستحسن ". ويستفاد من ذلك الكلام القيم أن الفترة سكون بين عملين بارزين، فهي سكون بين زمني عمل، ولا شك أن عدم وجود رسالة في زمن بين رسالة مضت، ورسالة آتية، وهو سكون نسبي في الزمن بينهما، وإن كان العمل واجبا بالشريعة السابقة، حتى تنسخها الشريعة اللاحقة، ويكون التكليف منها. وهنا مباحث لفظية تشير إلى نواحي البيان العالي في النص الكريم: المبحث الأول - في التعبير بقوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ) بدل أن يقال " جاء إليكم " لأن التعدية بغير " إلى " فيها معنى الملاحقة والملازمة، وأنه لَا مناص من اتباعه، ففرق بين أن يقال جاء إليه، وأن يقال جاءه، لأن الثانية تضمن الملازمة، وأنهم لَا يستطيعون الخروج عما جاء به إلا إذا أذنبوا. الثاني - وإضافة كلمة الرسول إلى الذات العلية في قوله تعالت كلماته: (رَسُولُنَا) إشارة إلى معنى قدسية هذه الرسالة ومكانتها، وأنها ممن لَا تسوغ مخالفته، ولا الخروج عن طاعته. الثالث - ابتداء الخطاب بقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) تنبيه لهم بأن مصاحبتهم للكتاب، وكونهم أهل معرفة يوجبان عليهم الطاعة، والاستجابة، لأنهم عرفوا رسالة الله تعالى إلى خلقه، وأنه ما خلقهم عبثا، ولا يتركهم هملا، وأنهم إن

стр. 2723

خالفوا ما جاءهم به الرسول يكون اللوم لهم أشد، إذ يكون عصيانهم عن بينة ومعرفة. الرابع - في قوله: (يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ) فالفعل " يبين " قدَّر له بعض العلماء مفعولا وتقديره: يبين لكم الأحكام، والتكليفات، والأوامر الخالدة، وبعض العلماء لَا يقدر له مفعولا، على أساس أنه منزل منزلة اللازم، وعلى هذا يكون المعنى: جاء رسولنا بالبيان الكافي المشرق الكاشف للظلمة التي وقعتم فيها، وبذلك يشمل كل التكليفات، وكل ما تشتمل عليه رسالة محمد ﷺ ، وذلك البيان كان بالقرآن الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، وقد روي عن قتادة أنه قال في هذا المعنى: " (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) وهو محمد ﷺ ، جاء بالفرقان الذي فردا الله به بين الحق والباطل، فيه بيان الله تعالى، ونوره وهداه، وعصمة لمن أخذ به ". الخامس - في قوله تعالى: (عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ) يقول الزمخشري: إن الجار والمجرور متعلق بقوله تعالى: (جَاءَكُمْ) أي جاءكم على فترة من الرسل، وعندي أن المتعلق يكون بأقرب فعل، وهو " يبين "، والمعنى يبين لكم على فترة من الرسل، أي بعد فترة لم يكن فيها بيان، وقد جاء الرسول الكريم بهذا البيان، ويزكي هذا قوله تعالى: (أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ) ويفسر كثيرون من المفسرين أن قوله تعالى: (عَلَى فَتْرَةٍ) معناه حين فترة، وعندي أن تفسيرها بظرف آخر، وهو " عند "، يكون أدق، لأن الرسالة كانت نهاية الفترة، فهي كانت عندهم في نهايتها، ولم تكن في حينها ووقتها، والتعبير بقوله تعالى: (عَلَى فَتْرَةٍ) فيه معنى فوقية الرسالة على الفترة، وعلوها عليها كعلو البيان على الجهل، والنور على الظلمة، وفيه لوم، لأنه يشير إلى أنه لَا يسوغ لهم أن يجحدوا رسالة محمد ﷺ ، لأنهم ينزلون من الأعلى إلى الأدنى. (أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِير) المقصود الواضح من هذا النص هو بيان أن حكمة مجيء الرسول هو قطع العذر على من يحتج بالجهل، وعدم معرفة

стр. 2724

أوامر الله تعالى ونواهيه، فالمعنى على هذا هو أن رسولنا قد جاءكم يبين لكم الطريق المستقيم وطريق الحق القويم لكيلا تقولوا: ما جاءنا من بشير يبشر بالخير عند الطاعة، وينذرنا بالعذاب عند المعصية، بل إن الله تعالى قطع العذر عليهم وأبلغ الحجة، فلا عذر لجاهل، ولا اعتذار لمتجاهل. وهذا التعبير: أن تقولوا ما جاءنا من بشير. . . مثله قوله تعالى: (. . . يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، كثير في القرآن الكريم، وفيه يكون التعليل مقتضيا تقدير محذوف، فإن قولهم بنفي البشير لا يمكن أن يكون علة لإرسال الرسول إلا بتقدير محذوف ويقدره الكوفيون بتقدير لا النافية محذوفة، فيكون المعنى جاءكم رسولنا يبين لكم لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير، أو كيلا تقولوا: ما جاءنا من بشير، وقد اختار الطبري ذلك التقدير، ويقدره البصريون بمصدر محذوف مناسب، ككراهة أن تقولوا أو اتقاء أن تقولوا، والمعنى على ذلك، جاءكم رسولنا يبين لكم كراهة أن تقولوا، أو اتقاء أن تقولوا، وقد اختار هذا التقدير الزمخشري. والحق عندي: أن الآية الكريمة واضحة، ومدلولها بين، لَا إبهام فيه، والمراد منها جليّ، وهو قطع العذر عليهم وإنما هذه التقديرات تخريجات نحوية لتستقيم قواعد النحو، لَا ليستبين معنى الآية، فهي بينة واضحة. والبشير: المبشر الذي يدعو إلى الحق، ويبين الثمرات الحسنة لمن تبعه في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يبين أن المصالح تتحقق فيما يدعو إليه، وأن العزة الحقيقية تكون لمن اتبعه، والحياة الكريمة الفاضلة تكون لمن أخذ به، وفي الآخرة يبين جزاء الإحسان من جنات تجري من تحتها الأنهار، ونعيم مقيم لَا يبلى، والنذير هو الذي يبين العواقب السيئة لمن يخالف الحق، إذ يكون في اضطراب لا اطمئنان معه، وانزعاج لَا أمن معه، ويعيش في آثام مبطئة، وأوزار مثقلة، وفي الآخرة يكون العذاب الأليم، والمقت والسخط من الله تعالى.

стр. 2725

و " من " في قوله تعالى: (مِنْ بَشِير) لتأكيد النفي، والتنكير في بشير ونذير للتصغير لَا للتكبير، وإنما كان للتصغير لأن النفي بعمومه شامل، والمعنى: ما جاءنا أي بشير ولو صغيرا، ولا نذير ولو كان ضئيلا، فقد حرمنا من الهداية وما حرموا منها. (فَقَدْ جَاءَكم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ) الفاء هنا تفصح عن كلام مقدر قبلها، قد يكون شرطا، وقد يكون غير شرط، والمعنى لَا عذر لكم، وقد قطع السبيل عليكم، فقد جاءكم الرسول الذي أرسلناه مبشرا بالحق وغايته وثمرته في الدنيا والآخرة، ومنذرا من يرتكبون المعاصي بالهوان وسوء العقبى، والاضطراب في الدنيا، والعذاب الأليم، فعليكم أن تطيعوا، ولا تحسبوا أن الخير أماني تتمنى، من غير عمل يعمل. لقد روي في السنة عن ابن عباس أنه قال: " دعا رسول الله ﷺ يهود، فرغبهم وحذرهم فأبوا عليه، فقال لهم معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقبة بن وهب: " يا معشر يهود اتقوا الله، فوالله لتعلمن - أنه رسول الله ﷺ لقد كنتم تذكرونه قبل بعثه، وتصفونه لنا بصفته، فقال وهب بن يهوذا: إنا ما قلنا لكم هذا وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا بعده. فأنزل الله هذه الآية ". وسواء أصح هذا سببا للنزول أم لم يصح، فإن الآية قد سيقت لقيام الحجة عليهم فيما ينكرون، وأنهم مأخوذون بما يدعون إليه، فإن قاموا بحق الإسلام، واستجابوا للرسول ﷺ فقد نجوا، وإلا فقد هلكوا، والتنكير هنا للتعظيم في شأن الرسول ﷺ ، ولتعظيم بشارته وإنذاره، والمعنى قد جاءكم بشير ونذير هو أعلى المبشرين المنذرين، لأنه خاتم النبيين؛ ولأنه آخر لبنة في صرح النبوة، ولأن تبشيره وإنذاره قائمان إلى يوم القيامة، فلا نبوة بعده، ولا وحي ينزل على أحد من بعده فرسالته خالدة باقية، وبشير ونذير وصفان، وقد عطف ثانيهما على الآخر لتغايرهما في المعنى والمؤدى وإن كانا وصفين لشخص واحد، كما قال تعالى:

стр. 2726

(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، وكان التعدد لمعنى آخر؛ لأن التبشير عمل غير الإنذار، وكلاهما وظيفة النبوة، فكان العطف بالواو لهذا المعنى، فليسا وصفين ذاتيين ولكنهما وظيفتان متغايرتان للرسالة. وإن هذا الخطاب لأهل الكتاب وبخاصة اليهود مع ما فيه من بيان الحقائق، وضع الاعتذار فيه تهديد، وفيه إشارة لسلطان الله تعالى، ولهذا ختم الآية الكريمة بهذا النص الكريم: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). كان هذا ختام الآية الكريمة، وفيه إشارة إلى أمور ثلاثة: أولها - أن الله هو الذي يختار الرسل، ويختار معجزاتهم، وعلى ذلك لَا يصح لأحد أن يدعي أنه رسول، ولا يأتي أحد من بعده إلا إذا أخبر هو عن إرادته العالية، كما هو الشأن بالنسبة لمحمد ﷺ أما موسى ﵇، فلم تكن رسالته خاتمة الرسائل، ولو كان حيا ما وسعه إلا اتباع محمد. ثانيها - أن تغير المعجزات في دائرة قدرة الله تعالى، فهو خالقها، وهو الذي يختارها بحكمته بما يناسب كل رسول، وليس لمن كانت الرسالة موجهة إليهم أن يختاروا على الله تعالى، فهو المريد المختار، الذي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. ثالثها - أن الله تعالى هو وحده القادر على تنفيذ ما أمر به رسوله من تبشير وإنذار، فهو المعطي، وهو المعاقب، وهو المانح وهو المانع، وسيكون العقاب الشديد نازلا بهم إن عصوا، وليس بأمانيهم ولا أماني أهل الكتاب. اللهم اغفر لنا ونجنا من عقابك، ولا تحرمنا من رحمتك وعفوك إنك أنت العفو الغفور. * * *

стр. 2727

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) * * * في الآيات السابقة بين الله تعالى لجاجة أهل الكتاب في عنادهم وطغيانهم، ونقضهم العهود التي وثقت عليهم، ولَعْنَ الله تعالى لهم وطردهم من رحمته، ومكان العز لهم، وأشار إلى أن محمدا ﷺ لَا يزال يرى طائفة من أخلاف الحاضرين تسير على خطة السابقين من خيانة، وتظهر بما اتسموا به من قسوة جعلت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، وذكر سبحانه للنبي ﷺ ما كان منهم لنبي الله موسى ﵇ الذي أجرى الله تعالى على يده إنقاذهم من فرعون الذي كان يذئح أبناءهم ويستحيى نساءهم، ويسومهم سوء العذاب، ولقد قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في معنى هذا: " وهذا من تعريف الله لنبيه محمد ﷺ بتمادي هؤلاء اليهود في الغي، وبعدهم عن الحق، وسوء اختيارهم لأنفسهم، وشدة خلافهم لأنبيائهم، وبطء إنابتهم إلى الرشاد مع كثرة نعم الله عندهم، وتتابع أياديه وآلائه عليهم، مسليا بذلك نبيه محمدا ﷺ ، عما يحل به من علاجهم، وينزل به من مقاساتهم في ذات الله تعالى، يقول الله تعالى له ﷺ : لَا تأس على ما أصابك منهم، فإن الذهاب عن الله تعالى والبعد عن الحق من عاداتهم وعادات أسلافهم.

стр. 2728

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) هذا النص وما يليه فيه عزاء للنبي ﷺ ليصبر على ما يصيبه من المشركين وأهل الكتاب عامة، ومن اليهود خاصة، ففيها بيان لما أصاب موسى ﵇، وهو من أولي العزم من الرسل، في سبيل الدعوة، مع ما أجراه الله تعالى على يديه من نعم وآلاء، ومع ذلك جبنوا عندما دعاهم إلى الحق، وكان منهم أعداء له، فمهما ينزل بالنبي من الكفار عامة واليهود خاصة يجب أن يصبر عليه، صبر المتوقع له، الذي ينتظره، كما قال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أولوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. . .). ومعنى النص الكريم: اذكر يا محمد حال موسى مع قومه، بعد أن رأوا الآيات المحسوسة، وبعد أن نزل عليهم من النعم والآلاء، وحال قومه معه. لقد دعاهم إلى الجهاد بقوله: (يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) ابتدأ بالنداء بقوله: (يَا قَوْمِ) تذكيرا لهم بما يربطهم من رابطة الدم والقرابة التي تجعله منهم، يهمه ما يهمهم، ويسعده ما يسعدهم ويعزه ما يعزهم، فوق أنه رسول الله تعالى إليهم، وهو بهذا يقربهم إليه، ليقرب إلى نفوسهم، والتذكير كان بنعمة الله تعالى عليهم التي توجب عليهم الطاعة، وقد ذكر نعما ثلاثا بقوله تعالى: (إِذْ جَعَلَ فِيكمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) نعم ثلاث بينات واضحات، فالنعمة الأولى أنه سبحانه جعل فيهم أنبياء، أي أنه سبحانه بعث فيهم أنبياء منهم يهدونهم ويرشدون، وكانوا كمصابيح في ديجور الظلام، ونورا في عمياء الضلالة، ولا منة أجل من الهداية والسير في طريق الحق، ولا نقمة أشد من نقمة الضلالة والسير في طريق الفساد. والتنكير في قوله تعالى: (أَنْبِيَاءَ) للكثرة، اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء كثيرين، ويكون ما اختصوا به هو كثرة الأنبياء قبل موسى وبعده، ولا يقال: إن الأنبياء كانت فيهم وحدهم، لآن الله تعالى يقول: (. . . وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ)، ويقول سبحانه: (. . . وَمَا كنَّا مُعَذِّبِين حَتَّى نَبْعَثَ

стр. 2729

رَسُولًا)، والنعمة الثانية عبر سبحانه عنها بقوله تعالت كلماته: (وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا). ويلاحظ أنه في النعمة الأولى قرر أنه جعل فيهم أنبياء، أي جعل بعضا منهم أنبياء، أما النعمة الثانية، فقد قال سبحانه: (وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا) أي لم يجعل الملك في بعضهم، بل جعلهم جميعا ملوكا، ولقد أوّل ذلك بعض العلماء بأن المراد جعل فيهم زعماء منهم مسيطرين على أمورهم، موجهين لشئونهم، كما طلبوا ذلك من بعد، فقد قال الله تعالى عنهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . .). والمراد أن يبعث عليهم كبيرا يتبعونه في القتال، ويظهر أن ذلك كان منهم من بعد موسى ومن قبله، والقائد إذا كان من الشعب أو من الجماعة كانوا جميعا ملوكا ومسيطرين على أمورهم، لأنه ينفذ إرادتهم، ويسير مع إحساسهم، ويعمل لمصلحتهم ماظهر منها وما بطن. وقد يفسر الملك بأنه خروجهم في عهد موسى من ربقة العبودية التي فرضها عليهم فرعون، فقد صارت لهم إرادة حرة، وتوجيه لعامة أمورهم، واختيارهم لحكامهم، وبذلك صاروا ملوكا، وفوق ذلك قد أوتوا رغد العيش وصاروا أحرارا في بيوتهم، بعد أن كان فرعون يذئح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وفي الآثار أن الرجل إذا كان له ما يكفيه وأهله بالمعروف كان ملكا. سأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؛ قال: نعم، قال ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء،

стр. 2730

فقال إن لي خادما، قال: فأنت من الملوك، وقد روى أن النبي ﷺ قال: " من كان له بيت وخادم فهو ملك " (١) قد آتى الله بني إسرائيل الحرية، ومنع ذلهم، ومنحهم رغد العيش، وبذلك جعلهم ملوكا بموسى ﵇. النعمة الثالثة - هي النعم التي أفاضها الله تعالى عليهم وقد عبر عنها بقوله تعالى حاكيا (وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ). والعالمون: جمع أُريد به العقلاء من أهل هذه الأرض، ويفترق عن مفرده بأن المفرد يطلق على كل من هو على ظهر الأرض أو في باطنها من جماد ونبات، وحيوان وإنسان، بل إنه يشمل الأرض، والسماوات قاصيها ودانيها؛ ولذلك يقول العلماء: إن المفرد هنا أعم من الجمع، لأن الجمع لَا يشمل إلا العقلاء، بينما المفرد يشمل كل شيء، والمفرد هو العالم. وقد قال العلماء: إن المراد هو العالمون في زمانهم، أما من جاء بعدهم، فقد أعطاهم الله تعالى ما هو أكثر وأبعد أثرا، وذكر الزمخشري هذه النعم، فقال: (مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) من فلق البحر، وإغراق العدو، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ويصح أن يضاف إلى ذلك إنقادهم من أذي فرعون. وهذه نعم منها ما أخذها غيرهم ومنها ما اختصوا بها كفلق البحر اثنى عشر فرقا كالطود العظيم، وإنزال المن والسلوى، فهذه قد اختصوا بها دون العالمين، وإن لم يكن أكبر مما أعطاه غيرهم من نصر مؤزر. * * *

стр. 2731

(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ... (٢١) * * * كان تكرار النداء من موسى ﵇ لعِظَم التنبيه، وخطر ما يدعوهم إليه، وعظم شأنه، وكان تكرار كلمة " يا قوم " للإشارة إلى أن فيما يطلبه منهم عزهم جميعا ورفعة أقدارهم، وقد قيلت أقوال كثيرة في الأرض المقدسة، وقد اتفقوا على أن معنى

стр. 2732

التقديس البركة والنماء، فهي مباركة، ولكن ما هي هذه الأرض التي عناها موسى ﵇ بطلبه، وأصح الأقوال وأولاها هو ما قاله ابن جرير الطبري إذ قال: " وأولى الأقوال عندي بالصواب أن يقال هي الأرض المقدسة، كما قال نبي الله تعالى موسى صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض لَا تدرك حقيقته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به، غير أنها لن تخرج من أن تكون الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، أي أنها تشمل سيناء والشامات كلها بما فيها فلسطين والأردن ولبنان ". ولا شك أن هذا الكلام جدير بالأخذ، لأن هذه الأرض المقدسة طُلب منهم أن يدخلوها بعد أن اجتازوا البحر الأحمر، وعبروه إلى سيناء، وسمي بعضها الوادي المقدس، كما قال تعالى مخاطبا موسى: (. . . إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طوًى)، وقد خصصها الأكثرون بأرض إيلياء بيت المقدس وما حوله. وقد قرر الله سبحانه أنه كتب لهم أن يدخلوا بقوله تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَكمْ) وهنا نجد المفعول غير مذكور، إلا أن المحذوف قد وجد ما يدل عليه، والمعنى كتب لكم أن تدخلوها، أي قدر لكم أن تدخلوها، وفرض عليكم دخولها لإنقاذكم من الأهوال التي نزلت بكم في أرض مصر من فرعون وأعوانه، وقد تعدى فعل كتب باللام، ولم يتعد بعلى للإشارة إلى أن ما فرضه عليهم إنما هو لأجلهم، ولحفظهم، وللإشارة إلى أنه واقع لمنع ضياعهم. ولا يصح أن يقدر المفعول ضميرا، كما نهج بعض المفسرين، فيكون تقدير القول " كتبها لكم "، لأن مؤدى ذلك أن تكون لهم دائما، مع أن النص الكريم لا يقتضيه ولا يصرح به، إذ الذي يصرح به أنه سبحانه قدر لهم أن يدخلوها، لَا أن يكون قد كتبها وسجلها لهم. وقد تمسك شُذَّاب اليهود بأن الله تعالى قد كتب لهم أرض الميعاد، وأن ذلك مذكور في الكتب المقدسة عندهم، والحقيقة أن الله تعالى كتب عليهم أن يدخلوا بعد أن خرجوا مصر ليجدوا فيها مأوى لهم، وإنما الأرض لله يرثها عباده الصالحون، وليسوا منهم.

стр. 2733

(وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) توقع موسى ﵇ أن يتخاذلوا إذ يدعوهم إلى العزة والنصر، فنبههم إلى ما يؤدي إليه التخاذل عن الدخول، وهذا التعبير " ارتد على دبره "، كتعبير " نكص على عقبيه "، وكتعبير " ولوا الأدبار " استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن توافرت أسبابه بحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء بدل أن يسير بمقدمه إلى الأمام، وهذا التعبير يصور قبح التخاذل حسا ومعنى. ولقد كان رجوع بني إسرائيل - إذا لم يعملوا على دخول الأرض المقدسة - أن يعودوا إلى حكم فرعون، ويخسروا ما كسبوا من عزة وكرامة وحرية ويذهب عنهم، فإن البقاء على العزة يحتاج إلى مشقة الحصول عليها، ولئن ارتدوا عن العزة بعد نيلها، فإنهم الخاسرون، إذ لَا يرضي بالعذاب الهون إلا الأخسرون. وإن بني إسرائيل كانوا قد ضعفت همتهم، وماتت عزائمهم؛ ولذلك أجابوا دعوة العزة بقولهم: * * *

стр. 2734

(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ... (٢٢) * * * صح ما توقعه موسى ﵇ منهم، وما نهاهم عنه؛ إذ إن روح التردد والهزيمة قد ملك قلوبهم، واستولى على نفوسهم، فقرروا له أنهم لن يدخلوا؛ لأن فيها قوما جبارين، والجبار في اللغة يطلق على الطويل القوي، والمتكبر، والعاتي، وهو مأخوذ من نخلة جبارة إذا كانت طويلة لَا ينال تمرها، وقد جاء في لسان العرب (الجبار من النخيل، وهو الطويل الذي فات يد المتناول، ويقال جبار إذا كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل) وجاء في مفردات الراغب أن الجبار من جبر، وهو الإصلاح بقهر وقوة. ويكون على هذا معنى جبارين أنهم قوم غلاظ شداد عندهم قدرة على القهر، وقد قيل في الأخبار أنهم بنو عناق الذين يسكنون أمامهم في أدنى الأرض المقدسة إليهم، وهم أولو قوة، وأولو بأس شديد ولعلهم الذين قال تعالى فيهم:

стр. 2735

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦). امتنع بنو إسرائيل عن القتال وأكدوا المنع بثلاثة تأكيدات: أولها - في ندائهم بقولهم يا موسى فإن ذلك النداء فيه نوع من التذليل والاستغاثة، ليسكت عنهم. ثانيها - وصفهم لخصومهم بأنهم جبارون أي أقوياء قاهرون، وأول الوهن الذي يعتري النفوس أن يشعر المجاهد بضعفه أمام خصمه. ثالثها - أنهم أكدوا النفي بقولهم " لن ندخلها " فهذا التعبير بـ " لن " فيه تأكيد للنفي، وجعل غاية النفي أن يخرج هؤلاء منها، وهم أقوياء فمن يخرجهم، فكأن هذا نفي مؤبد. وهم لَا يريدون قتالا،؛ ولذلك قالوا من بعد ذلك النفي (فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ). وهذا يدل على أنهم لَا يريدون قتالا، بل لَا يريدون دخولا؛ لأن احتمال خروجهم بعيد؛ ولذلك كان التعبير بإن الشرطية التي تفيد الشك في الخروج، والتعبير بالوصف في قولهم: (فَإِنَّا دَاخِلُونَ) يدل على إرادة الدخول من غير عمل يعملونه، ومن غير معاناة ومجاهدة. . اللهم هب المسلمين العزة والقوة وأبعِد عنهم الوهن الذي هو داء الضعفاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. * * *
следующие страницы →