قد حفظه بنصه وقراءاته، وطريق تلاوته، فالله هو الذي رتله ترتيلا، بتعليم النبي ﷺ ذلك كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا).
(فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) الفاء هنا للإفصاح؛ لأنها تومئ إلى شرط مقدر، والمعنى على هذا: إذا كان الكتاب قد أنزل إليك من لدن الله العلي القدير عالم غيب السماوات والأرض، وأنه يهيمن على الكتب السابقة ومحفوظ بحفظ الله تعالى إلى يوم الدين؛ فاحكم بين اليهود والنصارى ومن يعاصرونك من الناس بهذا الذي جاء به، لأنه نزل لتحكم به أنت ومن يتولى الحكم من بعدك، ولم يقل لتحكم به، بل ترك الضمير، وعبر بالموصول للإشارة إلى أن السبب الموجب للحكم أنه منزل من عند الله، إذ إن الموصول إذا كان في ضمن حكم تكون الصلة هي علة الحكم، والسبب فيه، وعلى ذلك يكون حكم القرآن وهو حكم الله تعالى الذي لَا يختلف باختلاف العصور، ولا يتغير بتغير الأوقات؛ لأنه شريعة الله الذي هو بكل شيء عليم، يعلم الناس وما يصلح لهم في ماضيهم وقابلهم، وهذا يفيد أن اليهود الذين عاصروا النبي ﷺ ومن جاءوا بعدهم مخاطبون بشريعة القرآن، وأنه نسخ ما قبله من الشرائع، إلا ما جاء النص بوجوب العمل به كالقصاص، أو ما لم يثبت أنه نسخ، والمعول في الحالين هو القرآن وما جاء به محمد ﵊، ولقد روى أنه ﵇ ذكر أن موسى لو كان حيا ما وسعه إلا الإيمان به ﵊. (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) الضمير في قوله تعالى: (أَهْواءَهُمْ) يعود إلى اليهود الذين تحاكموا إلى النبي ﷺ ، وأرادوا أن يحكموا بما لم ينزل من عند الله، مع أن الحكم عندهم في التوراة التي بأيديهم منصوص عليه، ولم ينسخه القرآن الكريم، وكان مما بقي وهو القصاص العادل.
وقوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) فيه إشارات بيانية نتكلم فيها، وذكرها فيه بيان معنى النص الكريم.
стр. 2872
أولاها - " قوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) أكثر العلماء قالوا إن قوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ). متضمن معنى لَا تنحرف، بدليل أنه تعدى بعن في قوله تعالى: (عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ). والمعنى في الجملة لَا تتبع أهواءهم منحرفا عما جاءك من الحق، وهو ما نزل به القرآن الكريم، ولذلك نرى أن قوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهمْ). لَا تضمين فيها، بل قوله تعالى: (عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ). يتعلق بحال محذوفة، والمرمى من هذه الجملة السامية أن الخروج عما أنزل الله تعالى باتباع أهوائهم الفاسدة المردية فيه انحراف عن الحق، وخروج عن الجادة المستقيمة، وبعد عن الإنصاف في ذاته، وكذلك الشأن فيمن يعدل عن حكم الله تعالى اتباعا لأهواء الناس، وإرضاء للشهوات والرغبات المنحرفة.
الإشارة البيانية الثانية - في قوله تعالى: (عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ). فيه إشارة إلى أن الذي يبتلى بأمثال هؤلاء اليهود ومن سار على طريقهم في هذه الأرض يكون بين أمرين، إما أن يطيع الهوى والشهوة وفيهما الفساد، وإما أن يطيع ما جاء من عند الله، وفيه العدل والهدى والرشاد، وأي الطريقين أهدى للوصول إلى الصلاح الذي لَا فساد يعكره.
الإشارة الثالثة - فيها بيان أن ما يحكم به النبي ﷺ هو الحق والعدل في ذاته، وبذلك يكون حكم النبي ﵊ قد تأيد بأمرين: أحدهما - أنه الحق في ذاته الذي لَا مرية في أنه العدل والأمر الثابت الذي لَا تجوز مخالفته في ذاته، ثانيهما - أنه جاء من عند الله الذي لَا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو بكل شيء عليم.
(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) الخطاب لليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم من الذين أوتوا كتابا نزل بشريعة من عند الله تعالى، ويكون في الكلام التفات، فقد كان الخطاب للنبي ﷺ والمتحدث عنهم أولئك الذين اتبعوا وحرفوا الكلم عن مواضعه، والمعنى على هذا لكل نبي من الأنبياء السابقين شرعة يسير نحوها، ويتجه إليها، ومنهاج واضح بين يسير في طريقه، ولا يلتوى عنه،
стр. 2873
ولا يخرج منه، فإن ما عداه متاهات لَا يلتفت إليها، والذين يعاصرونه هم الذين يخاطبون بشرعته، ويسيرون في منهاجه، فالذين نزل فيهم القرآن مخاطبون بما جاء في القرآن، وشرعته ومنهاجه لهم؛ لأن شرعة الأنبياء السابقين ومنهاجهم قد انتهيا بمبعث محمد ﷺ وبقي من شرائعهم ما يقره القرآن، وما جاء النص بإقراره.
وتفسير الشرعة قد اتفق الفقهاء على أن المراد بها الشريعة، وهي ما جاء من أحكام تكليفية يجب العمل بها أمرا ونهيا وندبا وإباحة، والمنهاج على هذا هو الطريق الواضح لتنفيذها، وبيان مجملها، وتفصيل أحكامها الجزئية؛ ولذلك روي عن ابن عباس ﵄ أن الشرعة هي النصوص التي تجيء في أصل الكتاب المنزل، والمنهاج هو ما يبينه النبي الذي أنزل عليه الكتاب، وفصل به الأحكام الجزئية (١).
هذا كله على أساس أن ضمير الخطاب قد وجه إلى اليهود والنصارى ممن كان لهم كتاب منزل، وقد يرد على هذا أن الرسالة الإلهية واحدة، فكيف يجيء فيها الاختلاف، وقد قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. . .).
ونقول في الإجابة عن ذلك: إن الوحدة الجامعة بين الرسالات الإلهية هو ما يتعلق بالعقيدة منْ إيمان بالوحدانية ونفي للوثنية، وإيمان باليوم الآخر، وما يجري فيه من حساب وعقاب، ونعيم وجنات تجري من تحتها الأنهار، وجحيم وسعير إلى آخر ما ورد في الغيبيات. أما الشرعة التي يجيء فيها الاختلاف فهو الأوامر والنواهي، وبعبارة عامة فهي التكليفات من حلال وحرام، فقد يشدد الله تعالى على بعض الأقوام لغلظ قلوبهم، ويخفف على آخرين، كما قال تعالى:
стр. 2874
(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦).
والمنهاج يختلف، فمن الأنبياء من دعا دعوته، وكان فريسة لاعتداء أعدائه من غير أن يقاوم بالسيف، ومنهم من شرع له أن يدفع الاعتداء بالسيف، وهكذا.
هذا الكلام كله على أساس أن الخطاب موجه إلى أهل الكتاب الذين سبقوا بكتاب أنزل عليهم، ونسخته شريعة القرآن، وقد جاء بعض المفسرين فقرر أن الخطاب لأمة محمد ﷺ ، أي للمسلمين في حاضر أمرهم وقابله، وقد ذكر هذا الرأي ابن كثير في تفسيره، فقد قال: " وقيل المخاطب بهذه الآية هذه الأمة، ومعناه لكل - جعلنا القرآن - منكم أيتها الأمة شرعة ومنهاجا، أي هو لكم كلكم تقتدون به " ومؤدى هذا الكلام جعلنا القرآن شرعة ومنهاجا لكل منكم، أي واحد منكم، فليس المضاف إليه المحذوف من بعد كل الأمم بل الآحاد، أي أن كل واحد من أمة محمد ﵊ مخاطب بتكليفات الشريعة، وتنفيذ منهاجها المستقيم، الذي لَا عوج فيه ولا أمت.
والعلماء على التخريج الأول وهو ظاهر اللفظ ولا يخرج المعنى عن ظاهر اللفظ الذي يتبادر ويتجه إلى غيره إلا لعيب بياني في الظاهر، ومعاذ الله تعالى أن يكون ذلك في كلام الله جل وعز.
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكمْ) فعل المشيئة محذوف دل عليه ما بعده، وهو جواب لو، والمعنى لو شاء سبحانه أن يجعلكم أمة واحدة لجعلكم كذلك، والمعنى على هذا لو شاء تعالى أن يجعل الإنسانية كلها أمة واحدة، يصلحها شرع واحد، وتتفق بالتكليفات الموجهة، لاتفاق الإنسانية الموحدة، لفعل ، ولكنه عاملكم معاملة الختبر لكم بما آتاكم من مواهب مختلفة، وفيما ينزل عليكم من خيرات السماء، وفيما تجود
стр. 2875
الأرض من زروع وثمرات، وفي اختلاف الأجواء، والإرادات الإنسانية ليتم التكليف، ويكون الاختبار.
وبيان ذلك أن الناس يختلفون أمما وعناصر، وقد توزعتهم أقاليم الأرض، فقوم تعالج قلوبهم الغليظة بما يفطمها عن شهواتها، ويجعلها في جادة الاعتدال، وأخرى تعالج بالتخفيف ليحيي موات النفوس فيها، وثالثة تعالج ببعض الحرمان، ورابعة بالاعتدال، وهكذا كانت الشرائع السابقة علاجا لأهواء النفوس التي تعامل معاملة المختبرة بتنازع الإرادات وسيطرة الأجواء، ومنازع الأهواء، ومضطرب الأحوال، فمن سلك الجادة وصل إلى الحق، ومن خالف كان له جزاء مخالفته، ولما جاءت رسالة محمد ﷺ ومعها القرآن كان العقل البشرى في طريق الكمال، وكانت بكلياتها صالحة لكل زمان، وكان الابتلاء قائما في منازعة الهوى، ومغالبة النفس الأمارة بالسوء، والتي ألهمت فجورها وتقواها.
وإن الابتلاء في الماضي والحاضر بالتخالف في الطبائع، وتخالف جزئيات الشرائع، وبعد رسالة محمد ﷺ كالتخالف في الإرادات والمنازع، وفي كل هذا الابتلاء، والنجاح في هذا الامتحان الفطري هو بطلب الخيرات؛ ولذا قال سبحانه: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ).
إذا كان الله يعامل الناس في الماضي والحاضر معاملة الذين يختبرهم وهو العليم بحالهم، ومآل أمورهم، وهم يشعرون بكمال اختيارهم، وأنهم يختارون، ويتخيرون، فإن عليهم أن يحسنوا الاختيار ويسرعوا إلى الخير.
واستبقوا في أصل معناها: التسابق، ولكن لتضمنه السبق والابتدار تعدى من غير إلى، كما في قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ. . .). أي حاول كل واحد منهما الابتدار والوصول إلى الباب قبل الآخر، ومرمى النص أنه ليس لليهود أن يقولوا: نتبع شرعنا، بل عليهم أن يبتغوا الخير، ويسرعوا إليه، وهو في ذاته معلوم ببدائة العقول تدركه من غير عوج، وفوق ذلك فإن الدليل قد قام بما لَا يقبل الشك على رسالة محمد ﵊ وهي الخير كله،
стр. 2876
فليتركوا اللجاجة في هذا الأمر، وقد كانوا يتطاولون على المشركين بمبعثه، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
(إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفونَ) أي إليه وحده جل جلالة، وعظم ملكه مرجع الناس أجمعين من أهل الملل والنحل قبل القرآن والذين استمروا بعده فهم جميعا سيلقون الله تعالى يوم لَا ملك إلا ملكه، ولا سلطان إلا سلطانه ويخبرهم بالخبر العظيم الشأن، والنبأ الخطير الذي كانوا يتساءلون عنه في الدنيا، فيعلمهم بالصدق، وفي ضمن هذا الصدق جزاء ما عملوا إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فهو إنباء القول والعمل، حيث تجزى كل نفس ما كسبت، ففي هذا النص إنذار لمن بغى وعصى، وتبشير لمن أطاع وعدل واتقى، اللهم أحسن إلينا ووفقنا في أعمالنا، واغفر لنا ذنوبنا، واجعل نتيجة الابتلاء خيرا لنا برحمتك وعفوك إنك أنت الغفور الرحيم العفو الكريم.
* * *
(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
* * *
في الآيات السابقة ذكر سبحانه الأحكام في الكتب السماوية وأن اتباعها واجب لمن أرسلت إليهم، وقد أشار إلى أحكام خالدة، ومنها شريعة القصاص، لأنها شريعة العدل والمساواة، إذ فيها أن العقوبة كفاء الجريمة وأن العقوبة من جنس الجريمة، فمن أجرم فإن فعله يطوي في ثناياه استحقاقه للعقوبة على ما ارتكب، وله المثلاث فيما ارتكب.
стр. 2877
ثم ذكر سبحانه أن التوراة لأهل التوراة، وأن الإنجيل لأهل الإنجيل، ولكل شرعة ومنهاج، أما القرآن فهو المهيمن على الجميع، ويجب أن يسود حكمه الجميع بلا استثناء ولو كان لكل شريعة ومنهاج، وقد أمر بالحكم به بين اليهود، وبين جميع الناس، لَا فرق بين يهود وغيره، ولا بين أبيض وأسود، ولقد كرر الأمر بالحكم بالكتاب، فقال تعالت كلماته:
стр. 2878
(وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ). وكان تكرار الأمر بالحكم لتأكيده في مقام يستدعي التأكيد، لأنه جاء في الكلام ما ربما يوهم أن لكل قوم شريعة خاصة بهم، وأن حكم القرآن وما نزل على النبي ﷺ ليس له صفة العموم فكان ذكر الأمر بالحكم مرة أخرى نفيا لهذا الوهم، وتأكيدا لمعنى عموم شريعة القرآن، وأن منهاج القرآن الكريم هو منهاجهم وأنهم قوم محمد ﵊ وأن شريعة موسى وعيسى قد انتهت بنزول القرآن، يبقى منها ما يبقى ويشتمل عليه، ويبين ما انتهى حكمه بنزول القرآن الحكيم، وأنه لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبع النبي ﷺ (١).
وهنا بحث لفظي فيه تقريب لمعنى النص الكريم، ذلك هو بيان المعطوف عليه في قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُم) فلذلك عدة تخريجات كلها تتلاقى في تأكيد الأمر بالحكم بما أنزل الله تعالى.
أول هذه التخريجات أن تكون " وأن احكم " معطوفة على الكتاب، وتفسير الكلام على هذا التخريج أن يكون المعنى فيه وأنزلنا إليك الكتاب، وقولنا أن احكم - أي أنزلنا الكتاب، وقد اقترن به الأمر بأن تحكم بين الناس به، وبما أنزلناه عليك من وحي أوحى به إليك.
ثاني هذه التخريجات أن تكون " أنْ " مصدرية، وقد جوز الزمخشري دخول " أنْ " على أي فعل، ويكون المعنى: وأنزلنا إليك مع الكتاب والحكم بما أنزل الله تعالى، فما كان كتابا معطلا لمجرد التلاوة، بل كان شرعا معلوما متبعا مأمورا
стр. 2879
باتباعه، وكان دخول " أنْ " المصدرية على الفعل الأمر، للدلالة مع المصدرية على الطلب وتأكيد معناه، وهي معطوفة على: " بالحق ".
ثالث هذه التخريجات هو أن تكون " أنْ " هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن اسمها محذوف، أي الحال والشأن أن تحكم به بينهم، وتكون معطوفة على الكتاب، و " أنزلناه " بمعنى أعلمناك، لأن العلم هو الغاية.
وقد كان النهي عن اتباع أهوائهم فيه إشارة إلى أن الحكم إما أن يكون بما أنزل الله تعالى وأعلمه بحكمته وهدايته، وإما أن يكون اتباعا لأهواء الناس ورغباتهم، وذلك لأن القوانين البشرية تتبع الأعراف الاجتماعية للناس، وما تواطئوا عليه وما ارتضوه لذات أنفسهم، وقد يكون ظلما طبقيا، وقد يكون هضما لحقوق ذوي الحقوق التي اكتسبوها بما ينمي ثروة الجماعة ويزيد خيراتها، وشرع الله تعالى مخالف لحكم الهوى والشهوة وهو الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال.
(وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) هذا أمر موجه للنبي ﷺ وهو موجه إلى الأمة الإسلامية، ولعل توجيه الخطاب للنبي ﷺ وهو المعصوم الذي يوحى إليه، ليكون تحذيرا لغيره؛ إذ غيره أولى أن يَغُره الغرور، وتفتنه الفتن، من شهوات مسيطرة، وأهواء متحكمة، وبذلك يكون الخطاب لجميع المخاطبين بالقرآن الكريم في كل العصور، ومختلف الدهور؛ لأنه إذا كان النبي ﵇ يجب أن يحذر من أن يُفتن فلا ينفذ أحكام الإسلام في الحكم بين الناس، فغيره الحذر عليه أوجب، وأشد إلزاما.
والفتنة هنا معناها وقوع البلاء والشدة بعدم الحكم بما أنزل الله، ولقد قال في معنى هذا النص وما يشبهه الأصفهاني في مفرداته: " وقال تعالى: (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ) أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفهم إياك عما أُوحي إليك ".
فالفتنة المراد بها هنا النتيجة المترتبة عن ترك الحكم بما أنزل الله تعالى، وأنه ليسبق تلك النتيجة إغراء من جانب الذين يتبعون أهواءهم، ويحاولون أن يكون
стр. 2880
الحق تبعا لما يهوون، لَا أن يكون هواهم تبعا للحق، وكان إغراؤهم من الفتنة لأنه يؤدي إلى وقوع الشدائد، ولأن الإغراء، كيفما كانت صورته فيه اختبار للنفوس، فالهداية البالغة أقصى الحكمة ترد الإغراء كيفما كانت صورته، وضعفاء النفوس أو العقول يفترون، فيقعون في البلية والشدة، وفي التفسير المأثور، أن بعض أحبار اليهود، قال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: يا محمد، إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود، ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل (وَأَن احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ).
وإننا نرى في عصرنا بعضا من هذا الصنف، فلا تزال تطلع على طائفة منهم يقولون: إن التشدد في الأخذ بأحكام القرآن وما جاء به محمد ﵇ ينفر الناس من الإسلام، ويبعدهم منه، وإنا لنسمع كلام هؤلاء وليسوا من غير المسلمين بل المسلمون تتلوى بذلك ألسنتهم، فمنهم من ينفر من تحريم الإسلام للربا، لأنه ضد الاقتصاد، ومنهم من يمنع إقامة حدود الله، ويقولون: إن ذلك يتنافى مع الحضارة، وينفر الناس من الإسلام. . . يرددون ذلك في مجالسهم، ويقولونه وهم على الأرائك متكئون، ويغمزون في القول لمن يتشدد، وجاراهم مع الأسى بعض من يتكلمون باسم العلم الإسلامي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد حذر الله تعالى النبي ﷺ ، وبالأولى المؤمنين من أن يفتنوا عن بعض ما أنزل الله تعالى، وتشديد التحذير من الفتنة في البعض، يتضمن التحذير من الفتنة في كل ما أنزل الله تعالى، إذ الفتنة في الكل أشد إيجابا للتحذير من الفتنة في البعض، هذا وإن الفتنة في بعض ما أنزل الله تعالى تؤدي إلى الفتنة في كل ما أنزل الله سبحانه، لأن ما أنزل الله وأوجب الأخذ به مرتبط الأجزاء متماسك، فإذا حلت عروة منه انحل سائره، كالبنيان المرصوص، وإذا تهدم جزء منه تداعت لبناته وانهار البنيان، وصار أجزاء منثورة لَا تربطها رابطة.
стр. 2881
وإن الوقائع بين أيدينا مُعْلِمةً شاهدة، فمن يوم أن ترك المسلمون أمورهم لحكام يعصون، ولم يلتفتوا إلى ما يدعوهم إليه ما أنزل الله تعالى على نبيهم ﷺ . ذهب حكم الإسلام، وتداعت أركانه، وصار المسلمون مستضعفين في الأرض، ودينهم يدعوهم إلى أن يكونوا ذوي بأس شديد، أشداء على غيرهم رحماء بينهم.
ومن أجل ذلك جاء التحذير من الفتنة في البعض لكيلا يستسهل ويستصغر، فيجيء الأكبر، وهو حل عرا الإسلام عروة، عروة، وقد حذر الله سبحانه من عاقبة الذين يعرضون عن أن يحكموا بما أنزل على نبيه، فقال تعالت كلماته:
(فإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يصِيبَهم بِبَعْضِ ذنُوبِهِمْ) ظاهر السياق أن الضمير في قوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا) إلى آخره يعود على اليهود، ومن لَفَّ لَفهم ممن يسيرون في الحكم على هواهم، وعاصروا النبي ﷺ ، وعندي أن الضمير يعم كل من يخاطبهم القرآن، وهم أمة محمد ﷺ في كل الأجيال، وفي كل الأزمان، وإن كان اليهود وغيرهم ممن عاصروا النبي ﷺ داخلين في حكم عموم الأمة ابتداء، والمعنى فإن أعرضوا عن تنفيذ حكم الله تعالى، فإنه سينزل بهم من الشدائد ما يتناب مع جعل شرائع الله تعالى معطلة لَا يقام العدل الذي تتضمنه، بل يكون حكم الهوى، وحسب ذلك فسادا (١).
стр. 2882
وهنا يتكلم العلماء في بعض الذنوب التي سببت ما أصابهم الله تعالى، وما هي هذه الإصابة التي يصيبهم الله تعالى، وقد ذكروا وجهين، وأرى وجها ثالثا.
الوجه الأول - ما ذكره الزمخشري: أن هذه الذنوب التي هي بعض ذنوبهم، إهمالهم لحكم الله تعالى، واختيارهم حكما جاهليا يخضع للهوى، لا للعدل، والإصابة التي يصيبهم بها هي هذا الذنب الذي ارتكبوه، وما يترتب عليه من ظلم يقع، وشر لَا يدفع، لتنفيذ حكم الله مع أنه طاعة وهو العدل، والعدل إذا ساد عاشت الجماعة كلها في أمن وسلام، ورحمة واطمئنان، وعدم تنفيذ حكم الله هو الظلم والاضطراب والفساد.
الوجه الثاني - هو ما ردده أكثر المفسرين من أن الذنوب التي ارتكبوا بعضها يعاقبهم الله تعالى عليها بالشدائد تنزل بهم، ومن أعظم هذه البلايا أن يعم الفساد، وتصير أمورهم فوضى، لَا ميزان يضبطها ولا قسط يقيمها، وتكون الجماعة متدابرة متنازعة.
الوجه الثالث الذي اختاره، أن عدم تنفيذ العدل أو عدم الخضوع لأحكام الشرع هو في الواقع ثمرة لمفاسق تسبقه، فالنفس تتردى في مهاوي الرذائل، وتحيط بها الخطايا، ويتحكم فيها الهوى، وتصير أمة للذات والشهوات فتتمرد عن حكم الله تعالى، ويكون ذلك نتيجة لإصابتهم بذلك الذنب الكبير الخطير، وهو الإعراض عن حكم الله، وهو ذاته إصابة وكارثة، لأنه العدل والقسطاس، وأي جماعة تعرض عن العدل والقسطاس مآلها الخراب والدمار، وذهاب القوة، وإصابتها بالذلة، فلا عزة إلا عزة الحق، ولا ذلة إلا في الظلم.
وإننا رأينا هذه الحقيقة ثابتة، فأولئك الذين يتمردون على حكم القرآن والسنة قد مست نفوسهم معاص جعلتهم يستبيحون المحرمات من زنى وشرب للخمر، وإدمان في الربا، أو بناء الاقتصاد عليه، وهذه الذنوب هي التي منعتهم من إطاعة حكم الله، وإن الله يصيبهم بنتائج ذلك وهو الخراب الناشئ من
стр. 2883
الظلم، والفساد الذي يعم وأولئك كثيرون، ولذلك قال سبحانه (وَإِنَّ " كَثِيرًا مِّنَ النًاسِ لَفَاسِقُونَ).
هذا النص فيه عزاء للنبي ﷺ من تمرد الناس على حكم العدل وحكم الحق، وعزاء لكل داع للخير من بعده، لكيلا ييئس داع؛ لأنه يحسب أن الخير يسير بمنطق مستقيم في النفوس، كما هو في ذات نفسه، فالله ينبه دعاة الخير إلى أنهم لَا يتوقعون الاستجابة من الأكثرين، كما قال تعالى لنبيه: (وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ). وقال سبحانه: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. . .). ولأن دعوة الخير لا تجد الاستجابة بيسر، وكانت جهادا، وكانت تعبا، وعلى الداعي ألا تذهب نفسه حسرات إذا لم يجد الأكثرين يجيبونه، وليعلم أن دعوة الحق لها صدى يسمع في الأجيال وإن كانت لَا تسمع في زمان صاحبها.
والفسق معناه في الأصل خروج اللب عن قشرته التي تحميه من الفساد، وأطلق على الخروج عن الحق والتمرد عليه؛ لأن الحق هو الذي يحمي النفوس، ويكلؤها من عفن الرذيلة وفسادها، ومؤدى الكلام أن الذين ينغضون رءوسهم عن سماع الحق ودعوته، وعن الخضوع لحكمه ليسوا عددا قليلا ولكنهم كثير، وقد أكد كثرتهم بـ " إنَّ "، وبـ " اللام " في خبرها، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل، وقد استنكر سبحانه فعل الفاسقين، ولو كانوا كثرة كاثرة، فقال تعالت كلماته:
* * *
стр. 2884
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ... (٥٠)
* * *
هذا استفهام إنكاري توبيخي، أي أنه إنكار للواقع الذي يقع من الفاسقين عن أمر ربهم، وعن الحكم الذي يحكم به الله تعالى، والفاء هنا هي التي تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا يخرجون فهم يبغون حكم الجاهلية، وقدمت الهمزة على الفاء، لأن الاستفهام له الصدارة في الذكر دائما، ولو كان استفهاما إنكاريا لاستنكار الواقع، وسوق الكلام بشكل الاستفهام الإنكاري فيه تأكيد لمعنى ابتغائهم حكم الجاهلية، ثمة تأكيدان آخران، لارتضائهم الحكم الجاهلي: أولهما - تقديم
стр. 2885
المفعول على الفعل، وفي ذلك إشارة إلى أنهم بإعراضهم عن حكم القرآن لا يبتغون ولا يريدون إلا الحكم الجاهلي، أي أنه لَا يخضع الشخص إلا لأحد نوعين من الحكم حكم القرآن، والثاني حكم الجاهلية - وقد يقال: بينهما ثالث، وهو حكم العقل والقسطاس، ونقول: إن من يبني حكم العقل والقسطاس لا يمكن أن يتولى عن حكم القرآن، إنما يتولى عن حكم القرآن من يريد حكم الهوى والشهوة، وحكم العقل وحكم الشهوة نقيضان لَا يجتمعان.
والتأكيد الثاني لارتضائهم حكم الجاهلية - هو التعبير عن رضاهم عنه بقوله تعالى: (يَبْغُونَ)؛ لأن البغي هو الطلب بشدة تؤدي إلى الظلم.
وإنه لَا وسط بين حكم الجاهلية وحكم القرآن؛ لأن حكم القرآن هو العدل وهو النظام، وهو المساواة في الحقوق والواجبات، لَا يعفى من حكمه شريف، ولا حاكم، وليس فيه مَن ذاته مصونة لَا تُمس، بل الجميع أمام الله تعالى على سواء، وأما حكم غير القرآن ففيه التفاوت بالطبقات، وفيه السيطرة التي لا يسوغها منطق ولا عدل، ولا نظام، وفيه أكل أموال الناس بالباطل، كالربا، وسائر أنواع السحت، وقد قال بعض التابعين: من حكم بغير الله فهو حكم الجاهلية.
وقد جاء في التفسير الأثري لابن كثير المحدِّث والمؤرخ ما نصه:
" ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، كما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم " الياسق "، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية، والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله. . . .
стр. 2886
وما أشبه " الياسق " الذي وضعه جنكيزخان بـ " قانون نابليون " وما جاء بعده من قوانيننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.
(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) الاستفهام هنا إنكاري فيه إنكار للوقوع، أي أنه بمعنى النفي المؤكد، كأنه استفهم عن أن يكون ثمة من هو أحسن حكما من الله، فأجيب بالنفي المؤكد الذي لَا يتصور فيه أن يكون من هو أحسن حكما، والمعنى لَا أحد أحسن حكما من الله لقوم يوقنون، وهنا يرد سؤال هو لقد ذكر أنه لَا أحد أحسن حكما من الله لقوم يوقنون، مع أنه سبحانه أحسن حكما لمن يوقنون ومن لَا يوقنون، إذ هو العدل والمصلحة. وبها ينتفع البر والفاجر، والسليم والسقيم، فهو الخير الوارف الظلال، فلماذا القيد بقوله تعالت كلماته: (لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)؟. والجواب عن ذلك يتكون من جزءين: أولهما - أن أولئك هم الذين ينتفعون به، فكان الأحسن لهم والأقوم، أما غيرهم فهم قوم بور، وهم في غيهم يعمهون.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)
* * *
стр. 2887
فى الآيات السابقات ذكر كتب اليهود الأولى، وكتب النصارى الأولى التي لم يعرها تغيير وتبديل، وبين أن القرآن هو الحاكم المهيمن على ما جاء قبله من الكتب، وأنه الحاكم عليها، وأنه المتبع ولا شريعة من الله سواه، بعد أن نزل على محمد ﷺ ، وأن الذين يتبعون غيره خارجون عن مبدئه، ويبغون حكم الجاهلية، إذ فارق ما بين حكم الجاهلية وحكم العدل هو الحكم بالهوى، وإذا كان ما مضى من آي كريمة قد تعرض لعلاقات الكتب فكان من المناسب أن يبين القرآن الكريم علاقة الجماعة الإسلامية بغيرها من الجماعات اليهودية والنصرانية، فجاء قوله تعالى ناهيا:
стр. 2888
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) الأولياء جمع ولي، والولي يطلق بمعنى الودود المحب، أو الصديق، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). ويطلق بمعنى النصير الحافظ، ومن ذلك قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. . .).
وهو في هذا النص الكريم يجمع بين النصرة والمحبة، والتوفيق والهداية، ويطلق الولي بمعنى من يتولي الأمر، ومن يكون صاحب الولاية، كما قال تعالى: (إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. . .). وما المراد من اتخاذ الأولياء المنهي عنه في هذه الآية، يفسره الزمخشري بأنه الاستنصار والمودة والمحبة، ونفسره بأن يجعلوا ولايتهم لغيرهم في الانتماء، والنصرة، ويقبلوا أن يكونوا هم أهل ولايتهم التي ينتمون إليها، وينضوون تحت لوائها، فهي مثل قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨).
وهذا الرأي يؤيده ما جاء في سبب النزول، وتذكره كتب التفسير وهو أن بعض الأنصار كان يتولى بعض اليهود لما كان يرى فيهم من عدد كثير، وما عندهم
стр. 2889
من سلاح. فتبرأ منهم لما نهي عن أن يكون عليه أو له أولياء غير المؤمنين واستمر على ولايتهم بعض المنافقين، فدل هذا على أن المراد بالولاية هنا الاستنصار بهم، والاندماج في ولايتهم، ولو سرا.
وهنا يرد سؤال أيجوز لنا أن نتخذ منهم بطانة ومعاونين؟ والجواب عن ذلك أنه لَا يجوز، وقد ورد بذلك النص القرآني، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨).
ولقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ينهى عن أن يستخدم غير المسلمين في الدولة الإسلامية، ويروى في ذلك أن أبا موسى الأشعري كان له كاتب نصراني، فأرسل إليه أمير المؤمنين عمر ينهاه عن ذلك، وجاء في آخر كتابه: (لا تقرِّبوهم إذ أقصاهم الله) فرد عليه أبو موسى يقول له: (لا قوام للبصرة إلا به). فكتب إليه عمر مرة أخرى كلمة موجزة: (مات النصراني والسلام) وقد فسر الزمخشري تلك الكلمة الموجزة بقوله: (يعني أنه قد مات، فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره).
والسؤال الثاني الذي يرد؛ أيجوز للمسلم أن تكون بينه وبين غير المسلم مودة؛ أم يجب التباعد عنه ما أمكن؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إنه قد ورد في هذا نصان يبدو أنهما بادي الرأي متعارضان، أولهما - قوله عليه الصلاة وأتم التسليم: " لا تراءى ناراهما " (١) أي لَا تجمعهما نار يستدفئان بها أو يستضيئان بضوئها، أي لَا يجتمعان على مودة واصلة. والثاني - قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨).
стр. 2890
والتوفيق بين النصين أن الأول جاء في الذين يشاقون الإسلام، ويتآمرون عليه، والثاني بصريحه جاء في الذين لم يأتمروا بالإسلام وأهله.
ونقول في ذلك: إن غير المسلمين أقسام ثلاثة:
القسم الأول - يعيشون مع المسلمين ويسالمونهم، ولا يعملون لحساب غيرهم، وهؤلاء لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وتصح مواداتهم، كنص الآية الكريمة: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ).
والقسم الثاني - الذين يقاتلون المسلمين، ويدبرون لهبم المكايد، وهؤلاء لا تجوز مواداتهم، وقد قال سبحانه في ذلك: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢).
وقال تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجوكُم مِّن ديَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُم الظَّالِمُونَ).
القسم الثالث - طائفة لم تعلن المجاهرة بالعداوة، ولكنهم في قلوبهم يتمنون في ذات أنفسهم خذلان المسلمين، ونصرة غيرهم، فظاهرهم مع المسلمين، وقلوبهم مع أعدائهم وهؤلاء نعاملهم بما عامل به النبي ﷺ المنافقين، نسالمهم، ولا نكشف خبيئة نفوسهم، ولكن نأخذ حذرنا منهم.
ومهما تكن أحوال المخالفين فإنه لَا تجوز الاستعانة بهم في خاصة شئون الدولة الإسلامية حتى لَا يكون منهم بطانة لَا تألوننا خبالا، وقد علل سبحانه النهي عن توليهم بقوله تعالت كلماته: (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
أي أن السبب في منع المؤمنين من أن يستنصروا بهم أو يجعلوا منهم أولياء عليهم أو لهم، أنهم لَا يوالون المسلمين في ذات أنفسهم بل تكون نصرتهم فيما
стр. 2891
بينهم، فالنصارى أولياء ونصراء لإخوانهم النصارى، واليهود أولياء ونصراء لليهود، فكل طائفة تنحاز ولايتها إلى أهل دينها، فالنصارى منحازون في الولاية إلى النصارى واليهود منحازون إلى اليهود.
ويصح أن نفسر النص بأنهم يوالي بعضهم بعضا أي اليهود يوالون النصارى ضد المسلمين، فكلتا الطائفتين تتولى الأخرى.
ويظهر لي أن الآية تدل على المعنيين، فالنصارى يوالي بعضهم بعضا واليهود كذلك، وهما دائما إلبٌ على المسلمين كما نرى في عصرنا الحاضر، فالعالم المسيحي كله يؤيد اليهود في اغتصابهم أرض الإسلام ووضعها تحت أيدي اليهود ومع أنهم يدعون عدم التعصب، يتعصبون ضد المسلمين ويؤيدون قيام دولة على أساس الدين.
(وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنً اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) إن من يجعل نصرته منهم ويخضع بالولاية لهم فهو منهم. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النص يفيد التشبيه أي أنه مثيلهم في معاداة الإسلام وأهله.
ولكن كثيرين من المفسرين يعتبرونهم منهم حقيقة، ولا تشبيه في القول ولا تمثيل، فيقولون: إن من اتخذ منهم نصراء وحلفاء وأولياء دون أهل الإسلام، فإنه منهم في التحزب على الله تعالى، وعلى رسوله والمؤمنين وأن الله تعالى ورسوله منهم بريئان، ويقول في تقرير هذا المعنى ابن جرير: " ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لَا يتولى متول أحدا إلا وهو به وبدينه، وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه ".
وإن ذلك التولي بلا ريب ظلم للنفس. وظلم للمسلمين، ومن أركست نفسه في هذه الضلالة حتى صار لَا يطيق تركها، فقد استضعف نفسه، وظلمها، ثم ظلم المؤمنين، وبعد عن هداية أهل الإيمان، وارتضى حكم الطاغوت ولذلك
стр. 2892
ذيَّل الله النص بقوله تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
وهذا النص بعمومه يشير إلى أن أعداء الإسلام ظالمون مهما يكن تعدادهم، وأن من يواليهم هو من القوم الظالمين، ولا تدخل الهداية قلبه؛ لأنه مرد على النفاق، ولأنه استضعفت نفسه والمسلمين، ولأنه لم يعمر الإيمان قلبه فكان قلبه ظلمات متكاثفة لَا يدخل من خلالها نور، ولا حق مبين، وقد صور سبحانه من يوالونهم، فقال:
* * *
стр. 2893
(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ... (٥٢)
* * *
بعد أن أشار سبحانه إلى أن الذين يجعلون نصرتهم من قبل المخالفين، وولايتهم لهم، ويقبلون أن يكونوا لهم تبعا - أخذ يبين أنه من بين الصفوف الإسلامية من ينتمون إليهم بقلوبهم، وهم بين المسلمين بمظاهرهم سواء أكانت هذه الظاهرة لها صلة بالخضوع الظاهري والحقيقي كضعاف المسلمين، أم كانوا لَا يخضعون لمبادئ الإسلام بأي نوع من الخضوع كالمنافقين الذين لَا يذعنون إذعانا ضعيفا أو غير ضعيف بل يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم.
وهنا نقف أمام العبارات السامية ونحاول أن نذكر بعض ما تشير إليه من بيان، ونتعرض في ذلك لأمور بيانية:
أولها - قوله تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم).
الفاء تفصح عن شرط مقدر، مؤداه أنه إذا كان الذين يتولونهم منهم، فإنك واجد من بين صفوف المسلمين من في قلوبهم مرض يسارعون فيهم. . . إلى آخره. والتعبير بقوله تعالى: (فَتَرَى). تصوير للحال الواقعة من أولئك الضعفاء في إيمانهم، والمنافقين في قلوبهم - بأنها كالمرئية الظاهرة التي لَا تخفى على ذي البصيرة المدركة، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ ، وتنبيه للحال الواقعة ليعالجها بهداية الله تعالى، وما آتي به الرسول ﷺ من حكمة، وليحتاط ﵊ منهم، وليهيمن على توجيه قلوب الضعفاء، وتربية من يصلح منهم للتربية على
стр. 2894
الإيمان، ممن لم يرشدوا ولم تمس بشاشة الإسلام نفوسهم، ولم تشرب قلوبهم حبه.
ثانيها - التعبير بقوله سبحانه: (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يسَارِعُونَ فِيهِمْ). وفي التعبير السامي، إشارة إلى أن الذين يعطون لهم حق الولاية والنصرة دون المؤمنين، سبب هذا الأمر منهم هو أن في قلوبهم مرضا، ومرض القلوب يكون إما من خور العزيمة، وعدم الإحساس بالقوة الدافعة لأن ينتصروا مما يقع عليهم من أذى، وإما من النفاق.
والمسارعة. المبادرة، وتعدى الفعل هنا بـ " في " مع أن المبادرة تتعدى بـ " إلى "، والحكمة في ذلك الإشارة إلى أنهم لَا يدخلون ابتداء فيهم، بل إنهم فيهم بقلوبهم من قبل، فالمسارعة انتقال من حال إلى حال في صفوفهم أي أنهم منغمرون قيهم دائما، ولا يخرجون عن دائرتهم.
ثالثها - أنهم في مسارعتهم وبقائهم على الولاء لهم والانتصار بهم يقولون بأفواههم: (نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَة). الدائرة ما يصيب الجماعات من شدائد ونوازل بسبب أعدائهم، ويقول الواحدي في أصل معناها: الدائرة من دوائر الدهر كالدولة، وهي التي تدور من قوم إلى قوم، والدائرة هي التي تُخشى كالهزيمة والحوادث، ومقتضى كلام الواحدي أن الدائرة كالدولة، إذ تتداول بين الناس، كما قال تعالى: (. . . وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).
والدائرة تدور بين الناس والجماعات، بيد أن الدولة تتداول بالقوة والسلطان والعزة، والدائرة تدور بالهزيمة والجائحات، فهي تدور بين الناس من جماعة إلى جماعة، ومن يخشى الدائرة من الجزع والهلع يتوقع الأذى والشر، ولقد قال الشاعر في معنى الدائرة:
ترد عنك القدر المقدورا ... ودائرات الدهر أن تدورا
وإن أولئك المتصفين بهذه الصفات من مرضى القلوب لَا يثقون بنصر الله، أو على الأقل حالهم ليست حال المطمئن إلى نصر الله، لخور نفوسهم، وضعف
стр. 2895
إيمانهم، أو امتلاء قلوبهم بالنفاق، وإن إنهاء هذه الحال يكون بالنصر المؤزر، ولذا يقول سبحانه في توقع النصر المؤزر، والفتح المبين: (فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ منْ عِندِهِ). الفتح يطلق بمعنى التوسعة، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. . .).
ويطلق بمعنى الفصل بين الحق والباطل، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ. . .). ويطلق بمعنى الظفر والنصر، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا).
والفتح هنا يراد به المعاني الثلاثة، فهو السعة بعد الضيق، والفصل بين حق صادق، وباطل طاغ، والنصر والظفر.
ومعنى الرجاء من الله تعالى الوعد القاطع، لأنه من القادر على كل شيء الذي لَا يصعب عليه شيء، والتعبير بالرجاء لتعليم المؤمنين ألا ييئسوا من رحمة الله ونصر المؤمنين؛ لأنه وليهم وناصرهم، فالله تعالى يعد المؤمنين، وهو الذي لَا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض، فالله ينبه المؤمنين إلى رجاء النصر والسعة والفصل بينهم وبين أعدائهم وذلك كله من الله تعالى.
(أَوْ أَمْرٍ منْ عِندِهِ) والأمر الذي يجيء من عند الله هو خضد شوكة غير المؤمنين، حتى يرجى نصره، ولا يخشى من الدوائر أو تزول دولتهم.
ومعنى النص الكريم أن الله قد وعد المؤمنين بالفتح القريب الذي يرجوه المؤمنون، وأنه سينجز وعده الذي وعد به عباده الصالحين، وعندئذ تكون العزة لله ولرسوله والمؤمنين، ويكون الندم والحسرة على ضعفاء الإيمان، ولذا قال سبحانه:
(فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ) وعند الفتح، أو الأمر الذي يزيل سلطان من يستنصز بهم مرضى القلوب يفرح المؤمنون بنصر الله، ويصبح الذين أسروا في أنفسهم خذلان المؤمنين، ورجاء ما عند غيرهم نادمين على ما
стр. 2896
أسروه، وخيب الله ظنهم فيهم، إذ رجوا ما عند الناس، ولم يرجوا ما عند الله، ورضوا بنصرة الطاغوت، وتركوا نصرة الله تعالى، وهنا نتكلم في أمرين: أولهما - معنى الندم على ما أسروه، أن الندم في هذه هو الظن الفاسد الذي وقعوا فيه، وخيبة الأمل فيما يرجونه، فليس ندمهم كندم التائب الذي يرجع إلى الله، وإنما ندمهم كندم المغيظ المحنق الذي كان يتوقع - أمرا فتبين له غيره.
الأمر الثاني - أن الله عبر عن ندمهم بالوصف لَا بالفعل للإشارة إلى أن هذا الندم حال دائمة مستمرة تتضمن الحسرة والغيظ، والألم المستمر.
* * *
стр. 2897
(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ... (٥٣)
* * *
ذكرنا ما حكاه الله عن المنافقين وضعفاء الإيمان، وفي مقابلة قول الأولين مرضى القلوب الذين استولى عليهم اليأس من رحمة الله تعالى، كان ما قاله أهل الإيمان قبل النصر وبعده، فقبله كان الرجاء يغمرهم، وبعده كان الفرح يملؤهم، وينددون بحال مرضى القلوب، ويستنكرون فعلهم فقد حكى سبحانه استنكار حالهم بقوله:
(أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ) أي هذه حال أولئك الذين أقسموا بالله بأقصى طاقة ما عندهم من إيمان، أنهم لمعكم، أي أن هؤلاء مرضى القلوب أعلنوا مقسمين بأقصى الأيمان، بأن يكونوا مع المؤمنين والرسول في ولايتهم ونصرتهم، ومعاونتهم، وقد أكدوا ذلك بعدة تأكيدات بأقصى الطاقة في القسم وتوثيق الكلام، وأكدوه بـ " إن " وبـ " اللام " المؤكدة، ومع هذه التوكيدات ما كانوا صادقين، بل كانوا خادعين، لأنفسهم وللمؤمنين، كما قال سبحانه: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهمْ وَمَا يشْعُرُونَ).
ولا يمكن أن ينجح من يكون هذا شأنه، ولذا قال سبحانه:
(حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأصْبَحُوا خَاسِرِينَ) تحتمل أن تكون هذه مما حكاه الله تعالى عن المؤمنين، ونميل إلى أنها من كلام الله تعالى، وهو حكم الله تعالى عليهم بثمرة ما كان من فساد قلوبهم، وهو إن ما يتوهمونه وما يعملون على
стр. 2898
أساسه، ومن امتناعهم عن أن يكون ولاؤهم للمؤمنين وموالاة غيرهم دونهم - مآله الفشل والحبوط، وأن الله هو العزيز الذي ينصر من ينصره، ويعز من يعتز به، ومن يعتز بغيره يذل ويهون، وبذلك أصبحوا خاسرين، ولقد قال الزمخشري: إن الجملة في معنى التعجب، أي ما أعجب حبوط أعمالهم وما أعجب أن أصبحوا خاسرين، وهذا الكلام على أساس أن الجملة محكية عن المؤمنين، ونميل أنها حكم الله تعالى وهو العلي الحكيم، اللهم أعزنا بعزة الإسلام، وامنع عن قلوبنا الولاء لأهل الكفر والطغيان.
* * *
стр. 2899
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)
* * *
في الآيات السابقة نهى الله المؤمنين عن أن يتخذوا من اليهود والنصارى نصراء يستنصرون بهم، ويعطونهم حق الولاية عليهم، فيجعلون الولاء لهم، وهم أعداء الإيمان وأعداء المؤمنين، وإن أظهروا الولاء لدولة الإيمان فهم في قلوبهم لَا يألونهم خبالا، وإن ذلك موضوعه علاقة دولة الإسلام بغيرها من الدول التي تعاديها، ولا يدخل في هذا الذميون الذين يعيشون في ظل الإسلام والمسلمين إلا إذا مالئوا الأعداء، فإنهم يكونون قد نقضوا العهد الذي عاهدوا المسلمين عليه.
وفى هذه الآيات، يومئ سبحانه وتعالت كلماته، إلى أن الذين يوالون دولة معادية للإسلام وأهله يسيرون في طريق الردة، لأنهم تركوا ولاية الله
стр. 2900
والرسول والمؤمنين، وولايتهم هي الحق، وهم حزب الله، وحزب الله تعالى هم الغالبون.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ) الارتداد معناه الرجوع من غير هداية وإرشاد، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى. . .). ومن ذلك قوله تعالى: (. . . وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِر. . .).
فالارتداد في الآية الكريمة التي نتكلم في معانيها السامية معناه الخروج عن الدين، ويسمى ذلك ردة؛ لأنه انصراف عن الحق بعد أن اهتدى، ورجوع إلى الظلام بعد أن خرج إلى النور، وهو كمن يرتد على أدباره غير مبصر الطريق الضال الذي يسلكه لأنه لَا يواجهه.
وفى النص إشارة إلى أمرين - أولهما - أن فيه إيماء إلى أن العرب فيهم من سيرتد بعد إيمان، وذلك قد كان، فإنه بعد أن انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى ارتدت قبائل عربية ولم تبق مساجد تقام فيها الصلوات إلا مسجد المدينة ومكة وعبد القيس، وقد تصدى لهم الصديق، وأصحاب رسول الله ﷺ ، حتى أزالوا شوكة الردة، وخيرهم الصديق بين سلم مُخزية أو حرب مُجلية، فاختاروا السلم لتوالي هزائمهم الأولى، وكان منهم من اشترك في الفتوح الإسلامية التي كانت من بعدها كلمة الله هي العليا في المشرق والمغرب، وفتح الله معها قلوب الناس، فدخلوا في الإسلام أفواجا، أفواجا.
وإن الآية الكريمة تومئ ثانيا إلى أن تولى الكفار أعداء الإسلام واتخاذ النصرة منهم على المؤمنين، وجعل الولاية لهم دون المؤمنين طريق إلى الارتداد؛ لأن من يعتز بغير عزة الله تعالى ينقص من إيمانه بمقدار موالاته لأعداء الله تعالى، واستمراره في الموالاة وإعطاء الولاية، ولقد قال سبحانه: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. . .).
стр. 2901
وهنا يسأل سائل عن أمرين: أولهما - ما الموالاة التي تجر إلى الارتداد؟ وثانيهما - ما حقيقة الردة؟ ونقول في الإجابة عن السؤال الأول - إن الموالاة التي تفضى إلى الارتداد مراتب أعلاها أن يستنصر بهم على أهل الإيمان، كما كان يفعل بعض الملوك في الماضي، وكما فعل بعض الوزراء الذين مالئوا التتار على المؤمنين، حتى تمكنوا من أهل بغداد وغيرها من المدائن الإسلامية تقتيلا وتذبيحا، وهذه المرتبة أحسب أنها في ذاتها ردة، وليست ذريعة إليها فقط.
المرتبة المتوسطة - أن يواليهم في أوطانهم، ويستنصر بهم ويجعل ولايته لهم من غير معاونة لهم على أهل الإيمان، ولا تمكين لهم من رقاب المؤمنين، وتكون هذه للمستضعفين في أرضهم، وهؤلاء قد يفيض بهم الاستضعاف إلى أن يكونوا منهم، وبذلك يسيرون في طريق الخروج عن الدين.
المرتبة الأخيرة - أن نقدس تعاليمهم، ونحول مجتمعنا الإسلامي بما يشبه مجتمعهم، حتى يكون ما عندهم أمرا غير قابل للمناقشة، وما عندنا ولو كان من هَدْي الإسلام يكون قابلا للنقض، بل للاستهانة ووضعه دبر الآذان مما نراه من بعض المثقفين الآن في الديار الإسلامية، الذين لَا يتبعون أعداء المسلمين ويقلدونهم في الصناعات والعلوم الكونية، بل يقلدونهم في أهوائهم وشهواتهم ومجونهم، ومعابثهم، ويحسبون ذلك تقدما، وما هو إلا ارتداد إلى الحيوانية البهيمية، والأدهى من ذلك أن يعتبروا قوانينهم محكمة لَا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ويجعلوا شرع الله هملا مطويا في زوايا النسيان.
والجواب عن السؤال الثاني وهو تعرف حقيقة الردة، أن الردة مراتب أيضا.
أعلاها - إنكار ما جاء في كتاب الله تعالى، وإنكار الوحدانية والرسالة، وإنكار كل أمر علم من الدين بالضرورة ككون الصلوات خمسا، وكفرضية الزكاة والحج إلى آخر ما يُعَدُّ إطار الإسلام، من يخرج عنه قد خرج عن الإسلام، ومن ذلك أحكام الزواج والطلاق.
стр. 2902
ووسطها - إهمال الأحكام القرآنية، واستبدال غيرها بها، وزعم صلاحية غيرها، وعدم صلاحية الأحكام القرآنية، ومن ذلك قول الذين يقولون: إن أحكام القرآن خاصة بزمان نزوله دون غيره، وإن للناس أن يبدلوا فيها ما شاء لهم التبديل.
وأدناها - تقليد غير المسلمين فيما عندهم من شر، وجعل القرآن وآدابه، والسنة وما اشتملت عليه أمرا مهجورا.
وإن المرتبة الأولى تبيح قتل معتنقيها، والأخريان يحبس أصحابهما، ويمنعوا من الجهر بنحلهم، وذلك لولي الأمر، وإن ذا النورين الإمام عثمان ﵁ قال: " إن الله يزع بالسلطان ما لَا يزع بالقرآن " (١) وإن الله وعد. وإن وعده لصدق أنه إذا ارتد عن الإسلام من يرتد، فيكون من بعدهم من يعتز الإسلام بهم، ويرفعون شأنه، ولذا قال تعالت كلماته: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).
هؤلاء هم الذين وعد الله بأنهم سيزيدون عدد المؤمنين، إذا خرج من صفوفهم المنافقون، والذين يوالون أعداء الله، وإن (سوف) هنا لتأكيد وقوع الأمر في المستقبل، والتعبير - بـ (يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ) فيه إشارة إلى أمرين: أحدهما - أن الله سبحانه الذي خلقكم، وهو ولي المؤمنين هو الذي يأتي بهؤلاء الأقوام الذين يحبهم ويحبونه. . .، وثانيهما - أنهم يكونون قوما متحدة مشاعرهم وأحاسيسهم، قد كانت قوميتهم نصرة الله ورسوله بنصرة الدين الحكم، ولذا عبر عن هؤلاء بأنهم قوم، أي عنصر قوي متآزر وحدته مكونة من الإيمان، ولا يكونون تابعين لغير دين الله تعالى.
وقد وصف الله تعالى أولئك الذين يأتي بهم في المكان الذي أخلاه المرتدون بأربع صفات هي من نعم الله تعالى عليهم، أولها - أن الله تعالى يحبهم وهم
стр. 2903
يحبونه، وإن محبة الله تعالى للمؤمنين أعلى ما يصل إليه أهل الإيمان من نعمه، ومحبة المؤمنين لله أعلى درجات الطاعة والإيمان.
ومحبة الله تعالى لعباده التي تليق بذاته الكريمة المنزهة عن مشابهة الحوادث، هي أعلى درجات الرضا، فهي ليست الجزاء على النعيم وحده، ولا الغفران وحده، ولكنها مع الرضوان أكبر من ذلك، وقد قال تعالى في جزاء المؤمنين الخالصين لله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالدينَ فيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ منَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وعندي أن مكافأة الله تعالى لعباده بفضل منه ثلاث مراتب: المرتبة الأولى - الغفران والنعيم المقيم، والمرتبة الثانية - رضاه ، والمرتبة الثالثة - وهي أعلى درجات المحبة، وهي الرضوان الكامل، ومحبة الله حال تليق بذاته العلية.
هذه محبة الله تعالى، ومحبة العباد له سبحانه - الإحساس بتجاه النفس إلى الله تعالى، والشعور بأنه ملء نفسه وقلبه، وأنه لَا يدخل في قلبه شيء غير عظمة الله تعالى وجلاله، فلا يحس بأن في الوجود غيره، وأن تلك المحبة ثمرتها القريبة الدانية الطاعة المطلقة لله ولرسوله، فلا يكون محبا من يعصي حبيبه، ولذا قال الله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رحِيمٌ).
فالمحبة لله وطاعته، والقيام بالتكليفات الشرعية أمران متلازمان، فالطاعة لازمة للمحبة، وليس بصحيح ما يجري على ألسنة بعض مدعي التصوف، من أن المحبة لله إذا وصلت إلى أعلى درجاتها، سقط التكليف بالأعمال الظاهرة، بل إن المحبة البالغة تزيد الطاعة تثبيتا، وأحب خلق الله تعالى لله، وأكثرهم محبة له سبحانه هو محمد رسول الله ﷺ ، وما قصَّر في تكليفه قط، ولا يتصور منه ذلك، وقد طالبه الله تعالى بأكثر مما طالب به غيره، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا
стр. 2904
الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦).
الصفتان الثانية والثالثة - هما اللتان ذكرهما بقوله تعالت كلماته: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) والمعنى السامي لهذين الوصفين الكريمين أنهم أرقاء على المؤمنين في معاملتهم يخفضون جناحهم، كما قال تعالى في رفق الولد للأبوين: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرحْمَةِ. . .).
فهي ذلة حانية لأن خفض جناح الأخ لأخيه غير المتحكم فيه هي من قبيل التآلف العاطفي، لَا من قبيل الخنوع الذميم.
ومعنى قوله السامي: (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ). أنهم ينظرون إليهم نظرة العزيز الغالب لَا نظرة الذليل الخانع، فهم لَا يتملقونهم، ولا يترضونهم في غير مرضاة الله، و (عز) في أصل معناها غلب، كما قال تعالى: (. . . وَعزَّنِي فِي الْخِطَابِ). أي غلبني في الخطاب، وسيطر على الخصومة.
وهنا يرد سؤال لماذا تعدت كلمة أذلة على المؤمنين بـ " على " دون اللام، وقد أجاب الزمخشري في الكشاف عن ذلك بقوله: " فيه وجهان: أحدهما - أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف، كأنه قيل عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع - والثاني - أنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم، ونحوه قوله : (. . . أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ. . .).
وخلاصة القول، أن هؤلاء المؤمنين يعاملون إخوانهم برفق ومحبة وبشاشة وعطف، ويعاملون أعداء الإسلام بغلظة وخصوصا في الميدان، كما قال سبحانه: (. . . جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. . .). وقد جاء في
стр. 2905
الآثار في صفة الرسول ﷺ إنه " الضحوك القتال " (١) فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.
الصفة الرابعة بينها بقوله: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ).
المجاهدة المغالبة وبذل الجهد، وهو أقصى الطاقة، في سبيل الله أي: في سبيل رفعة كلمة الحق ونصر دينه وإعلاء شأنه، وكل مجاهدة في إعلاء حق وخفض باطل هي في سبيل الله؛ لأن طريق الله تعالى هي طريق الحق أيا كان موضعه، وأيا كان باعثه؛ لأن شرع الله تعالى يدعو إلى الحق، وإلى صراط مستقيم.
وإن الجهاد تتنوع ضروبه، وتختلف أساليبه، فقد يكون بالسيف لإعلاء كلمة الله، ورد الأعداء عن أهل الإيمان، وقد يكون ببذل المال لنصر الدين والحق، وإعلاء كلمة أهل الإيمان، وقد يكون باللسان ببيان الحقائق الإسلامية، وتأليب الناس على المشركين، ولقد قال ﵇ " جاهدوا المشركين بأنفسكم وألسنتكم وأموالكم " (٢).
وإن الجهاد في الحق يوجب على المجاهد ألا يخشى غير الله، ولذلك وصف الله سبحانه أولئك المجاهدين بأنهم: (وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ). أي لا يخافون لومًا قط من أي لائم كائنا من كان، واللومة هي المرة من اللوم، وكان التعبير باللومة دون اللوم للمبالغة في نفي الخوف لأنها منكَّرة، ومن تصدر عنه منكَّر، أي لَا يخافون أي لومة سواء أكانت شديدة أو كانت رقيقة، ومن أي لائم سواء أكان كبيرا أم كان صغيرا، وسواء أكان ينفع ويضر أم كان لَا خير فيه، هذا ما ذكره المفسرون، ونلتمس وجها آخر للتعبير، باللومة، وهو أن التعبير بفعل المرة يفيد وقوع اللوم، لَا مجرد توقعه، أي أن هؤلاء لَا يخافون اللوم الواقع، بل
стр. 2906
يتحملونه مع ما فيه من ابتلاء واختبار قد يكون شديدا، وقد حبب الله تعالى لعباده الجهاد في سبيل رفع الحق، فقد جاء على لسان نبيه ﵊: " أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر " (١) وقال ﵇: " ألا لَا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لَا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق " (٢). وقال ﵇: " لا يحقرن أحدكم نفسه، بأن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه " (٣).
(ذَلِكَ فَضْل اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) الإشارة في هذا النص السامي، إما أن تكون لكل ما سبق من إيمان صادق، ومحبة من الله ورضوان منه، ومحبة من العبد ومعها الطاعة المطلقة لله ولرسوله، وتعاطف وتراحم بينهم، وشدة على أعدائهم وجهاد سبيله، وإما أن تكون لأقرب مذكور، وهو الجهاد في سبيل الله، واطراح لوم اللائمين وعدم الالتفات إليهم، وإنه على الاحتمالين ذلك من فضل الله تعالى، الذي يصطفي من عباده من يكون أهلا لذلك، ويعمل بإرادته ليصل إلى هذه، وكانت هذه الصفات من فضل الله تعالى؛ لأن الإخلاص لله تعالى، والفناء في محبته نعمة لَا يدركها إلا من يذوق حلاوتها، والتآلف بين المؤمنين والتعاطف والبر فضل كبير تعتز به الأمم، والوقوف أمام الأعداء، والجهاد في سبيله، والرضا به، والعمل فيه فوز عظيم لأنه حماية للحوزة، ومنع للذلة.
وقد ذيل النص بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
стр. 2907
أى والله ﷻ واسع الفضل والجود والرحمة، يجود بفضله على من يشاء من عباده، وهو عليم بمواضع الفضل ومن يستحقه ومن لا يستحقه، وأطلق الوصف لله تعالت ذاته المقدسة للإشارة إلى السعة في كل شيء، فهو يوسع في الرزق لمن يشاء، وييسر من يشاء للجهاد بنفسه أو بلسانه أو بماله، وهو يسع الناس جميعا برحمته، اللهم اجعلنا في سعة رحمتك.
* * *
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)
* * *
الكلام السامي موصول في بيان نهى المؤمنين عن أن يتخدوا نصراء من اليهود والنصارى وسائر الكفار، وفي هذا النص الكريم يبين سبحانه أن هؤلاء
стр. 2908
اليهود والنصارى لَا تصح موالاتهم لَا للأسباب السابقة من أنهم يوالي بعضهم بعضا ولا يوالونكم، ومن أنه لَا يواليهم إلا من يكون في قلبه مرض، ومن أن موالاتهم تؤدي إلى استحسان ما عندهم، وإن ذلك يؤدي إلى الارتداد، ولا من أن موالاتهم مناقضة لولاية الله ورسوله والمؤمنين، وهم الأولياء حقا وصدقا، لا تصح موالاتهم لهذه الأسباب فقط، بل لها ولأمر واقع منهم، مستمر فيهم، وهو الاستهزاء بدينكم، واللعب به، والعبث المستمر، ومن يواليهم وهم على هذه الحال، فقد تخلى عن دينه وإيمانه، ولقد قال تعالى:
стр. 2909
(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الولي هنا النصير الموالي، وولي الأمر الكالئ الحامي، والأنيس الذي يرجى في الشدائد، ويرجع إليه في الكروب، والملجأ والمعاذ.
وقد قصرت الولاية على هؤلاء بأداة القصر " إنما "، والمعنى أن الله تعالى ورسوله والمؤمنين الصادقين في إيمانهم الذين لم يعترهم زيغ ولا ضعف، ولا استخذاء واستكانة للذل، واستسلام للأعداء، ولا ولي للمؤمن غير هؤلاء، فلا يصح للمؤمن أن يطلب بأي صورة النصرة من غيرهم؛ لأن قلوبهم مهما يكونوا مطوية على ضغن شديد، وحقد مستمكن، وهم لَا يريدون بالإسلام وأهله إلا الهوان، بل الفناء.
وفى هذا النص عبرة للمعتبرين الذين يرتمون في أحضان أعداء الإسلام، ويوالونهم، وهم الذين يؤذون المسلمين، ويخرجونهم من ديارهم، ويظاهرون على إخراجهم، والنبي ﵇ يقول: " المسلم أخو المسلم لَا يحقره، ولا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله " (١).
(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعونَ) هذه أوصاف المؤمنين الجديرين بأن يكونوا مع الله ورسوله في ولاية المؤمنين، وقد ذكرت لهم أوصافا
стр. 2910
ثلاثة: كل واحد منها يومئ إلى معنى اجتماعي يدخل في تكوين الجماعة الربانية التي لَا تعمل إلا لله، ولا تقوم إلا له، الوصف الأول إقامة الصلاة، أي أداؤها مقومة كاملة لَا اعوجاج فيها، لتؤدي غايتها وهي تربية الوجدان الاجتماعي الذي يكون معه الإيثار، والسيطرة على الأهواء المردية المخزية، وهي الصلاة التي قال الله ﵎ فيها: (. . . إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. . .).
والوصف الثاني أنهم يؤتون الزكاة، أي يعطونها سمحة بها نفوسهم، راضية بعطائها قلوبهم يحسبون أن عطاءها مغنم لَا مغرم، وذلك هو التعاون المادي المنبعث من القلب. وإذا كانت الصلاة مبعث التآلف الروحي، فالزكاة مظهر التعاون المادي الخالص.
والوصف الثالث ذكره بقوله: (وَهُمْ رَاكِعُونَ).
لقد قال كثير من المفسرين: إن هذه الجملة حالية من قوله تعالى: (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ). أي أن إعطاء الزكاة يكون في حال الركوع، ويقولون: إن سبب ذكر ذلك أن إمام الهدى عليًّا أعطى صدقة وهو راكع، ولا نرى ذلك؛ لأن ذلك قطع للصلاة وانصراف عنها، ولا يكون ذلك من على كرم الله وجهه، وثانيا - أن اللفظ، ومؤدى ذلك أنه يكون محمودا من المؤمنين أن يؤدوا زكواتهم وهم يركعون ركوع الصلاة.
والذي نراه أن الركوع هنا ليس هو ركوع الصلاة المفروضة، إنما هو الخضوع المطلق لله تعالى في كل أعمالهم، في مصانعهم، ومتاجرهم ومزارعهم، وسياستهم، بحيث يكون كل شيء لله تعالى؛ ويتحقق فيهم قول النبي ﵇: " لا يؤمن أحدكم، حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا لله " (١). سبحانه في الغدوات والروحات.