← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

يتحملونه مع ما فيه من ابتلاء واختبار قد يكون شديدا، وقد حبب الله تعالى لعباده الجهاد في سبيل رفع الحق، فقد جاء على لسان نبيه ﵊: " أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر " (١) وقال ﵇: " ألا لَا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لَا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق " (٢). وقال ﵇: " لا يحقرن أحدكم نفسه، بأن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه " (٣). (ذَلِكَ فَضْل اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) الإشارة في هذا النص السامي، إما أن تكون لكل ما سبق من إيمان صادق، ومحبة من الله ورضوان منه، ومحبة من العبد ومعها الطاعة المطلقة لله ولرسوله، وتعاطف وتراحم بينهم، وشدة على أعدائهم وجهاد سبيله، وإما أن تكون لأقرب مذكور، وهو الجهاد في سبيل الله، واطراح لوم اللائمين وعدم الالتفات إليهم، وإنه على الاحتمالين ذلك من فضل الله تعالى، الذي يصطفي من عباده من يكون أهلا لذلك، ويعمل بإرادته ليصل إلى هذه، وكانت هذه الصفات من فضل الله تعالى؛ لأن الإخلاص لله تعالى، والفناء في محبته نعمة لَا يدركها إلا من يذوق حلاوتها، والتآلف بين المؤمنين والتعاطف والبر فضل كبير تعتز به الأمم، والوقوف أمام الأعداء، والجهاد في سبيله، والرضا به، والعمل فيه فوز عظيم لأنه حماية للحوزة، ومنع للذلة. وقد ذيل النص بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

стр. 2907

أى والله ﷻ واسع الفضل والجود والرحمة، يجود بفضله على من يشاء من عباده، وهو عليم بمواضع الفضل ومن يستحقه ومن لا يستحقه، وأطلق الوصف لله تعالت ذاته المقدسة للإشارة إلى السعة في كل شيء، فهو يوسع في الرزق لمن يشاء، وييسر من يشاء للجهاد بنفسه أو بلسانه أو بماله، وهو يسع الناس جميعا برحمته، اللهم اجعلنا في سعة رحمتك. * * * (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) * * * الكلام السامي موصول في بيان نهى المؤمنين عن أن يتخدوا نصراء من اليهود والنصارى وسائر الكفار، وفي هذا النص الكريم يبين سبحانه أن هؤلاء

стр. 2908

اليهود والنصارى لَا تصح موالاتهم لَا للأسباب السابقة من أنهم يوالي بعضهم بعضا ولا يوالونكم، ومن أنه لَا يواليهم إلا من يكون في قلبه مرض، ومن أن موالاتهم تؤدي إلى استحسان ما عندهم، وإن ذلك يؤدي إلى الارتداد، ولا من أن موالاتهم مناقضة لولاية الله ورسوله والمؤمنين، وهم الأولياء حقا وصدقا، لا تصح موالاتهم لهذه الأسباب فقط، بل لها ولأمر واقع منهم، مستمر فيهم، وهو الاستهزاء بدينكم، واللعب به، والعبث المستمر، ومن يواليهم وهم على هذه الحال، فقد تخلى عن دينه وإيمانه، ولقد قال تعالى:

стр. 2909

(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الولي هنا النصير الموالي، وولي الأمر الكالئ الحامي، والأنيس الذي يرجى في الشدائد، ويرجع إليه في الكروب، والملجأ والمعاذ. وقد قصرت الولاية على هؤلاء بأداة القصر " إنما "، والمعنى أن الله تعالى ورسوله والمؤمنين الصادقين في إيمانهم الذين لم يعترهم زيغ ولا ضعف، ولا استخذاء واستكانة للذل، واستسلام للأعداء، ولا ولي للمؤمن غير هؤلاء، فلا يصح للمؤمن أن يطلب بأي صورة النصرة من غيرهم؛ لأن قلوبهم مهما يكونوا مطوية على ضغن شديد، وحقد مستمكن، وهم لَا يريدون بالإسلام وأهله إلا الهوان، بل الفناء. وفى هذا النص عبرة للمعتبرين الذين يرتمون في أحضان أعداء الإسلام، ويوالونهم، وهم الذين يؤذون المسلمين، ويخرجونهم من ديارهم، ويظاهرون على إخراجهم، والنبي ﵇ يقول: " المسلم أخو المسلم لَا يحقره، ولا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله " (١). (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعونَ) هذه أوصاف المؤمنين الجديرين بأن يكونوا مع الله ورسوله في ولاية المؤمنين، وقد ذكرت لهم أوصافا

стр. 2910

ثلاثة: كل واحد منها يومئ إلى معنى اجتماعي يدخل في تكوين الجماعة الربانية التي لَا تعمل إلا لله، ولا تقوم إلا له، الوصف الأول إقامة الصلاة، أي أداؤها مقومة كاملة لَا اعوجاج فيها، لتؤدي غايتها وهي تربية الوجدان الاجتماعي الذي يكون معه الإيثار، والسيطرة على الأهواء المردية المخزية، وهي الصلاة التي قال الله ﵎ فيها: (. . . إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. . .). والوصف الثاني أنهم يؤتون الزكاة، أي يعطونها سمحة بها نفوسهم، راضية بعطائها قلوبهم يحسبون أن عطاءها مغنم لَا مغرم، وذلك هو التعاون المادي المنبعث من القلب. وإذا كانت الصلاة مبعث التآلف الروحي، فالزكاة مظهر التعاون المادي الخالص. والوصف الثالث ذكره بقوله: (وَهُمْ رَاكِعُونَ). لقد قال كثير من المفسرين: إن هذه الجملة حالية من قوله تعالى: (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ). أي أن إعطاء الزكاة يكون في حال الركوع، ويقولون: إن سبب ذكر ذلك أن إمام الهدى عليًّا أعطى صدقة وهو راكع، ولا نرى ذلك؛ لأن ذلك قطع للصلاة وانصراف عنها، ولا يكون ذلك من على كرم الله وجهه، وثانيا - أن اللفظ، ومؤدى ذلك أنه يكون محمودا من المؤمنين أن يؤدوا زكواتهم وهم يركعون ركوع الصلاة. والذي نراه أن الركوع هنا ليس هو ركوع الصلاة المفروضة، إنما هو الخضوع المطلق لله تعالى في كل أعمالهم، في مصانعهم، ومتاجرهم ومزارعهم، وسياستهم، بحيث يكون كل شيء لله تعالى؛ ويتحقق فيهم قول النبي ﵇: " لا يؤمن أحدكم، حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا لله " (١). سبحانه في الغدوات والروحات.

стр. 2911

جاء في مفردات الأصفهاني ما نصه: والركوع يطلق بمعنى الخضوع لله. " الركوع: الانحناء، فتارة في الهيئة المخصوصة في الصلاة، كما هي، وتارة في التواضع والتذلل، وإما في غيرهأ. والله أعلم. * * *

стр. 2912

(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦) * * * الحزب معناه: الجمع المتضافر المتآزر القوي الذي يمانع ويقاوم، سواء أكان في الخير أم كان في الشر، وحزب الله تعالى حزب الخير، ولا خير أعلى مما يجتمع عليه. ومعنى النص الكريم: من يجعل نصرته من الله ورسوله وولاءه لهما، وأمره إليهما، فإنه سيكون حزب الله المتضافر على الخير، وسيكون هو الغالب إن شاء الله، وهنا إشارتان بيانيتان ننوه عنهما: إحداهما - أن قوله تعالى: (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). يومئ إلى مقدر محذوف من القول يُبيِّن في المعنى، وهو أن الذي يتولى الله ورسوله يكون من حزب الله القوي المتضافر على الخير، وإن حزب الله وجماعته هم الغالبون. الثانية - أنه في قوله: (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ). لم يذكر اسم الرسول ﷺ ، وفي ذلك إشارة إلى أن الرسول لَا يعمل إلا بأمر من الله، فيكتفى هنا بذكر الله؛ لأنه المسيطر الغالب القاهر فوق عباده، اللهم اجعل ولايتنا لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، اللهم اجعلنا من حزب الله دون غيره. * * *

стр. 2913

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ... (٥٧) * * * النداء للمؤمنين بالوصف الذي ميزوا به، واختصوا به دون الناس، وهو مناط رفعتهم وجامع وحدتهم، وإذا كان الدين هو الجامع لهم فالذين يسخرون منه، ويستهزئون به يصيبونهم في صميم ما عليه جتمعون، وبه يعملون، وفي سبيله قدَّموا، ويقدمون الفداء، والمعنى: يا أيها الذين اتصفوا بالإيمان، لَا تتخذوا نصراء وأحبابا أولئك الذين يسخرون من دينكم بجعله لعبة يلعبون بها، ومسلاة يتسلون في عبثهم بها، ويستهزئون به مستخفين، فهذا النص تحريض على عدم الانتماء إليهم

стр. 2914

بذكر ما هو سر اجتماعهم، وفيه إشارة جلية إلى أنهم لَا يمكن أن يكونوا نصراء يريدون العزة لهم؛ لأن ما به عزتكم واجتماعكم يتخذونه سخرية يلهون به ويعبثون. وهنا مباحث لفظية في بيانها تقريب لمعنى النص السامي. أول هذه المباحث - التفرقة بين الهزء واللعب؛ فهما في النص الكريم معطوف أحدهما على الآخر، وبمقتضى هذا العطف هما متغايران، وإن كانا ينتهيان إلى معنى واحد، وهو السخرية بالاستهزاء، والعبث، فهم يسخرون من الدين، ويسخرون من أهله، ويستهزئون بأهله، ويتعابثون به ويلعبون بحقائقه. والهزء معناه المزح في خفة، أو المزح في مقام الجد للسخرية بموضوعه، والعبث به، وقد يكون بالقيام بظاهر بعض الأعمال، وهو يخفي نقيضها، كما قال عنِ المنافقين (وَإذَا لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). وعلى هذا يكون معنى الاستهزاء أو الهزء مشتملا على معاني الاستخفاف والتهكم، والمزح العائب. واللعب أصل معناه من لعاب الطفل، ويقال عن الطفل لعب بفتح العين إذا سال لعابه، ومعناه - على العموم - العمل الذي لَا يقصد به نفع، ولا طلب ثمرة، بل يقصد به مجرد إزجاء الفراغ، والتسلية. والمعنى الجملي للفظين: أنهم يسخرون من الدين باتخاذه موضع استهزاء ومزح، وموضع لعب وعبث لَا يقصدون نحوه بشيء إلا بما يقصد به اللاعب للعبته وهذا أبعد ما تكون عليه الاستهانة، فهل يجوز لمؤمن أن يقبل موالاة هؤلاء، وهو لايزال على صفة الإيمان. وقد وصف عملهم بأنهم اتخذوا الدين هزوا، أي جعلوه هزوا ولعبا، أي جعلوه مستهزئا يمزحون به ولعبة يلعبون بها، وقد قدر بعض العلماء محذوفا، وهو أن يكون موضع استهزاء ولعب.

стр. 2915

المبحث الثاني من المباحث اللفظية - قوله تعالى: (مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ) و (مِّنَ) هنا بيانية فيها بيان لأولئك الذين يستهزئون ويلعبون بدين الله دين الحق، وهم اليهود والنصارى، وعبر عنهم بـ " أوتوا الكتاب "؛ لأن أصل شرعهم ينتمي إلى كتاب منزل، وإن حرفوا فيه الكلم عن مواضعه وغيروا وبدلوا ونسوا حظا مما ذكروا به، وهم كفار، وليس كفر أعظم من كفر، إلا أن تكون بقية علم عندهم، وهي لا تجعل لهم مقاما أدنى في الكفر، ولو كانت تجعل في الإمكان التلاقي في بعض المعلومات الدينية التي لم يعبثوا بها. وقد تكلم العلماء فقال الأكثرون: إن الكفار هم المشركون، وأطلق عليهم الكفار دون إطلاقه على أهل الكتاب، وقد علله بعضهم بأن كفرهم أشد، وعندي أنهم جميعا كفار، لقوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُئم الْبَيِّنَةُ) أالبينة]. وليس كفرهم أعظم من كفر أهل الكتاب؛ لأن كفرهم عن جهل، وكفر المشركين عن علم، ولا يمكن أن يكون الجهل عنصرا مشددا، والعلم عنصرا مخففا، ولكن ذكروا بوصف الكفار؛ لأنه لا وصف لهم غيره، إذ لم يؤتوا بكتاب. على أننا نرى أن عطف الكفار على أهل الكتاب من باب عطف العام على الخاص، فكلمة كفار تشمل كل كافر بمحمد ﷺ ، على أنه خص أهل الكتاب بالذكر، لأنه الموضوع من الأصل في عدم موالاة المؤمنين لليهود والنصارى، ثم عمم الحكم على الجميع ممن كفروا بمحمد ﷺ . المبحث الثالث - في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). وكان الأمر بالتقوى في هذا المقام، للإشارة إلى أن ذلك هو الحصن الحصين الذي يغني عن طلب الأولياء، لأن معنى التقوى اتخاذ الله وقاية دون شر الأشرار إذ إن النصرة لَا تكون إلا منه، وهو المعاذ، والملجأ والناصر والولي، ولأن اجتلاء النفس بتقوى الله تعالى وخشيته تجعل كل قوى مهما تكن

стр. 2916

سطوته لَا يصل إلى إضعاف قلب المؤمن، ولأن اتخاذ غير الله تعالى وليا ينافي تقوى الله، واستشعار عظمته وجبروته سبحانه. وقد بين سبحانه أن ذلك وصف أهل الإيمان، ولذلك قال سبحانه: (إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ). وقد أخذ سبحانه يبين بعض أوقات استهزائهم، قال سبحانه: * * *

стр. 2917

(وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ... (٥٨) * * * هذا تصوير لبعض مواضع استهزائهم، ولعبهم بالدين، وقد صور الله حالهم في أمر واقع، وهو عند النداء للصلاة، أي نداء المسلمين بالصلاة، وهو الأذان، وليس مجرد النداء، وكان موضع استهزائهم الصلاة، والدعوة إليها بالأذان، فالضمير في قوله تعالى: (اتَّخَذُوهَا هُزُوًا) يعود إلى الصلاة ومقدمة الصلاة وهو الدعوة إليها، وقد روي أنهم اتخذوها هزوا ولعبا، فمنهم من كان يتخذ النداء أداة استخفاف بمحاكاة صوت المؤذن، واللعب بتقليده تهكما وتعابثا، ومنهم من اتخذ شكل الصلاة الإسلامية موضع تعابث وسخرية واستهزاء. فقد روى الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - في مسنده أن عبد الله بن محيريز وكان يتيما في حجر أبي محذورة، وقد كان أبو محذورة من مؤذني رسول الله ﷺ وقد سأله ابن محيريز عن تأذينه لرسول الله ﷺ فقال: سمعنا صوت المؤذن، ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه، ونستهزئ به فسمع رسول الله ﷺ فقال: " أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع، فأشار القوم كلهم إليَّ، وصدقوا، فأرسلهم، وحبسني إليه، وقال: " قم فأذِّن " ثم علَّمه الرسول ﵇ الأذان وقال له: " بارك الله فيك، وبارك عليه " فهداه الله تعالى، وصار مؤذن رسول الله ﷺ ، بمكة، وهكذا ابتدأ كافرا مستهزئا بالأذان ساخرا منه، وانتهى مؤمنا صادقا مؤذنا لرسول الله ﷺ (١).

стр. 2918

وروي أن اليهود كانوا إذا قامت الصلاة صلوا مع المسلمين استهزاء ونفاقا، ومنهم من كان يقول للرسول عندما يرى الركوع والسجود: يا محمد لقد ابتدعت شيئا لم يسمع فيما مضى، فإن كنت نبيا فلم خالفت فيما أحدثت جميع الأنبياء، وكانوا مع ذلك يتضاحكون ويتخذون من شكل الصلاة الإسلامية موضوعا لسخرياتهم وعبثهم، ولقد علل الله تعالى ذلك بقوله سبحانه: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) الإشارة هنا إلى ما كان منهم من استهزاء وسخرية واتخاذ الأعمال الإسلامية لعبة يتلاعبون بها، والمعنى: أن هذا الذي كان منهم سببه أن أحلامهم قد سفهت، وصاروا لَا يدركون الأمور على وجهها فلا يفكرون في الأمور تفكير العقلاء الذين يتدبرون بعقولهم، وقد قام لديهم البرهان العقلي القاطع، والدليل الساطع على أن ما جاء به محمد لَا يقبل الإنكار لمن يفكر بعقله، ويتدبر في مبادئ الأمور وعواقبها. ولماذا كان اليهود وبعض النصارى على هذه الشاكلة يتصرفون تصرف من لا عقل عنده، إذ يطمسون الحقائق، ويسخرون مما لَا سخرية فيه؟ الجواب عن ذلك أنه قد طمس على قلوبهم، والحقد قد ران على مداركهم، فأصبحوا لَا يدركون ما يوجبه العقل السليم، والفكر المستقيم، ولا شيء يذهب بلب اللبيب وإدراك العقل السليم أكثر من الحقد، ذلك بأن تمني الشر، وحسد غيره على ما في يده من نعمة، وما آتاه الله تعالى من خير يلقي حجابا على عقله فلا يدرك، وعلى قلبه فلا يؤمن ولذا قال سبحانه من بعده: * * *

стр. 2919

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ ... (٥٩) * * * نقم منه معناه عاب عليه أمرا، وأنكره، ومنه الانتقام بمعنى العقاب، وذلك لأن العقاب لَا يقع إلا من أمر ينكره المعاقب ويعيبه، فيتبعه العقاب، فهو نتيجة الاستنكار لمن يقدر على العقاب، ويرى فيه حكمة توجبه. والاستفهام هنا استفهام إنكاري لنفي الواقع، فهو توبيخ مؤكد بالاستفهام، والمعنى أن الله تعالى يأمر نبيه الأمين أن يسألهم موبخا منكرا عليهم أنهم لا

стр. 2920

يعيبون عليه إلا أنه والمؤمنين معه آمنوا بالله ورسوله حق الإيمان، وأن أكثرهم فاسقون، وهنا بعض مباحث لفظية نذكرها لتقريب معنى النص السامي الكريم. المبحث الأول - كيف يعيبون الإيمان مع أنهم كافرون، وإنما يحسد على الإيمان من يدركه، ويعرف مزاياه ويحقد على المؤمن؛ لأنه حرم منه، والجواب عن ذلك أن أهل الكتاب يعرفون الرسالة والرسل، ومنهم موحدون يدركون معاني التوحيد، وهم يحسدون المؤمنين على ذلك، وخصوصا اليهود والمنافقين، وقد قال تعالى فيهم: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذوا منْهُمْ أَوْليَاءَ. . .). وقال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩). فهؤلاء الكافرون من أهل الكتاب يستنكرون على المؤمنين إيمانهم، والباعث على ذلك أمران: أحدهما - حسد مستكن في قلوبهم، وهم يرون أن النبوة نعمة كانوا يرجونها فيهم، فكانت في غيرهم، وأن الإيمان نعمة وخير، وهم يحسدون الناس دائما على ما آتاهم من فضله، وقد قتلهم الحسد، وأفسد مداركهم. الأمر الثاني الذي بعثهم على النقمة على أهل الإيمان أنهم يرونهم في قوة نامية، وهم في خسة هاوية، وهم كفار منزعجون، وأولئك مؤمنون مطمئنون. المبحث الثاني - إن في النص الكريم حصرا لسبب النقمة على المسلمين، ولذلك كان الاستنثاء في قوله تعالت كلماته: (هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ). المبحث الثالث - أن إيمان المؤمنين شامل للرسالات الإلهية كلها، فهم يؤمنون بما أنزل على محمد ﷺ وما أنزل من قبله، واليهود كانوا يأخذون على المؤمنين أنهم يؤمنون بكل الأنبياء، ومنهم من قتلوهم، ومنهم من حاولوا قتله، ولم يستطيعوا أن ينالوا منه، وقد روي عن ابن عباس ﵄ أن

стр. 2921

بعض زعماء اليهود ذهبوا إلى النبي ﷺ يسألونه عما يؤمن به فقال ﵊ أومن بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم لَا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " فلما ذكر عيسى ﵇ جحدوا نبوته، وقالوا: لَا نؤمن بمن آمن به ". المبحث الرابع - أن الله تعالى قال: (وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ). ولم يقل سبحانه وأنتم فاسقون، إنصافا للذين يقتصدون منهم، وقد قال تعالى: (. . . مّنْهُمْ أُمَّةٌ مقْتَصدَةٌ وَكَثِيرٌ منْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ). وقال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥). وإن الأكثرين منهم فاسقون، بل إنه يكون منهم ما هو شر من الفسق في ذاته، فيقعون مع الفسق في أشد مظاهر الخسة، ولذا قال سبحانه فيهم: * * *

стр. 2922

(قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ... (٦٠) * * * أمر الله تعالى نبيه أن ينبههم إلى عظيم شرهم، والاستفهام هنا للتنبيه، الخطير في ذاته، والتنبيء به ذكره مؤكدا. والإشارة عند الأكثرين إلى ما نقمه اليهود على النبي ﷺ والمؤمنين معه من أنهم يؤمنون بالرسالات الإلهية كلها لَا فرق بين رسول ورسول، ولو كانوا هم قد قتلوه أو حاولوا قتله، والمثوبة في أصل معناها الجزاء الثابت على العمل، سواء أكان شرا أم كان خيرا، ولكن شاع استعمالها في الخير، وهي في لغة القرآن لا تكون إلا في الخير كالثواب فإنه مقابل العقاب. وهنا يرد سؤالان: أولهما - كيف يكون الإيمان شرا، ويوجد ما هو أعظم شرا منه؟. وكيف يعبر عن جزاء الشر بالثوبة؟. والجواب عن السؤالين: إن في التعبير عن ثمرات شرهم بالمثوبة من التهكم بهم، والازدراء بتفكيرهم، وإن التعبير

стр. 2923

عن الإيمان، وهو خير، بالشر من قبيل المشاكلة لتفكيرهم، كأنه قيل إذا كنتم تنقمون على رسول الله ﷺ إيمانه وتحسبونه شرا لَا خير فيه فشر منه عاقبة ومآلا ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله، ومن وقوع في غضبه ومن مسخكم قردة وخنازير. وقيل: إن الإشارة إلى فسقهم، ومؤدى الكلام على هذا أن هناك ما هو شر من فسقهم وجحودهم، وهو ثمرة فعلهم، وتلك الثمرة هي اللعن والطرد من رحمته، ومسخهم قردة وخنازير، وكأن قوله: (أَكْثَرَكمْ فَاسِقُونَ) فيها حكم بالفسق الدائم المستمر في اليهود الذي يتوارثونه جيلا بعد جيل، حتى صار ذلك كالجبلة فيهم والغرائز الموروثة، وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ شَر مَّكَانًا) بيان لثمرة فسقهم. ولكن الظاهر هو الأول؛ لأن المقابلة واضحة في هذا النص الأخير، إذ فيه مقابلة ما عليه أهل الإيمان بما آل إليه أمرهم. وقد ذكر الله حالهم في الدنيا والآخرة، فقال تعالت كلماته: (مَن لَّعَنَه اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْه وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغوتَ) المقابلة هنا بين من آمنوا بالله ورسَله، وبين من أنزل بهم سبحانه ما أنزل، وقد ذكرهم مقرونين بما أنزله سبحانه، ومعنى من لعنه الله، أنه طردهم من رحمته، رحمة الإيمان وإدراك الحق والقرار والاطمئنان في الدنيا، وضرب الذلة عليهم إلا بحبل من الناس، وإن استقروا زمانا فإلى طرد مستمر، هكذا كان ماضيهم، وهكذا يكون حاضرهم إن شاء الله تعالى، وإنهم في الآخرة في السعير يدوم عليهم عذابها. والأمر الثاني - الذي ينزله تعالى بهم هو غضبه عليهم، وسيعاملون في الدنيا والآخرة على مقتضى حكمته في غضبه وعدم رضاه. والأمر الثالث - أن الله جعل منهم القردة والخنازير، وقد سار الفسرون على الأخذ بظاهر اللفظ، وقالوا: إن الله تعالى مسخهم قردة

стр. 2924

وخنازير حقيقة، بل أفرط بعضهم فزعم أن القردة والخنازير خلفوا نسلا لهم، ولكن الحقيقة أن القردة والخنازير كانت قبلهم، وقوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ) مبالغة في المشابهة بينهم، حتى كأنهم الأصل في هذين النوعين من الأحياء. ومع أن المفسرين قد أخذوا بظاهر الألفاظ من غير تأويل، قد روي عن مجاهد الذي تلقَّى التفسير عن ترجمان القرآن ابن عباس أن المراد بمسخهم قردة وخنازير مسخ قلوبهم، فصاروا في نزواتهم، واستيلاء الشهوات على نفوسهم وعبثهم بكل مقدرات القيم الخلقية كالقردة، كما صاروا في قذارات نفوسهم، وتطلبهم للقذر من المكاسب كالخنازير إذا يطلبون القذارات يأكلونها، وتنمو أجسامهم عليها. وقد قال ابن كثير في تفسيره ما نصه عن مجاهد: " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين، فقال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة، وإنما هم مثل ضربه الله تعالى: (. . . كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. . .). وهذا سند جيد عن مجاهد وهو قول غريب (الجزء الأول من تفسير ابن كثير ص ١٠٥ طبع التجارية). وعندي أنه لَا غرابة، وإن كان الأكثرون يستغربونه، وإنه قد وردت أحاديث قد تفيد هذا، فقد روي عن ابن مسعود أنه قال: " سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؛ فقال ﷺ : " إن الله لم يلعن قوما قط فمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان فلما غضب الله تعالى على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم " (١).

стр. 2925

وإنه قد يستفاد من الحديث أن المثلية في النفوس لَا في الأجساد، وهذا هو الذي نميل إليه، واللفظ يحتمله ولذا نختاره. والأمر الثالث الذي منى الله تعالى به اليهود أنهم عبدوا الطاغوت، والطاغوت فعلوت من الطغيان وهم يعبدون الطغيان دائما، فهم يعبدون الحاكم الطاغي، ويكونون أدواته، وهم يعبدون المال الطاغي المأخوذ من غير حله، وهم يعبدون الهوى ويتخذون هواهم إلها يعبدونه. وقد سجل الله الحكم مؤكدا فقال سبحانه: (أُوْلئِكَ شَرٌّ مكَانًا وأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) أي أولئك المتصفون بالفسق الذي أنزل الله تعالى عليهم سخطه، وقرر طردهم من رحمته، ومسخ قلوبهم حتى صارت قلوبهم كقلوب القردة والخنازير، وعبدوا الطغيان، ولم يؤمنوا بالحق، هؤلاء شر مكانا، أي مكانهم في الدنيا شر مكان إذ يأكلون من المحرمات، كما تأكل الخنازير من القاذورات، وهم في ذلة، ولو أوتوا قوة وسلطانا بسبب اتصالهم بأشرار الأرض، فهم في ذلك بالتبعية، وهم أبعد عن الطريق السوي المستقيم، فهم في ضلال مستمر، وإن سكنوا واطمأنوا أياما فسيذيقهم الله تعالى وبال أمرهم، ويحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. * * * (وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) * * *

стр. 2926

ذكر في الآية السابقة بعض صفات اليهود، وضعف من يواليهم، ويركن إليهم، إذ يركن إلى الذين ظلموا فتمسهم النار، وذكر طبائعهم الحيوانية التي تشبه الخنازير في شراهتها، والقرود في نزواتها، بين بعض ما يترتب على هذه الدخيلة من مظاهر في أعمالهم، وأولها النفاق في أقوالهم، وأكلهم سحت المال في معاملاتهم، ومسارعتهم إلى كل معصية وعدوان، ولذا قال سبحانه:

стр. 2927

(وَإذَا جَاءُوكمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) الخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين، وقد كان ذلك يتكرر منهم استهزاء وسخرية أو نفاقا، ومخادعة أو الأمران معا، كان ذلك يتكرر منهم، ولم يكن مرة أو اثنتين، بل كان يتكرر من غير عدد، ولذلك قال سبحانه في أحوالهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧). وقال فيهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥). وكان الخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين ليذكرهم بصفات المنافقين واليهود، وليؤكد لهم أنهم لَا يصلحون أن يكونوا أولياء لكم؛ لأن الولي النصير أو المحب يجب أن يفتح قلبه لك، ويخلص لك الود، ويمحض لك المحبة، واليهودي ومحبته للناس نقيضان لَا يجتمعان، فلا تتخذوا منهم معشر المؤمنين أولياء، لأنه لَا ولاء لمنافق، ولا محبة من حقود حاسد، وقد كان ذلك تصويرا لحالهم، في نفاقهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وقد صور ذلك سبحانه بقوله تعالت كلماته: (وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ). أي أنهم كانوا على ما هم عليه عندما دخلوا وعندما خرجوا دخلوا كافرين، وقد قال النحويون: تكون للتكثير أو للتقليل عندما تدخل على المضارع، وتكون للتقريب أو التحقيق عندما تدخل على الماضي،

стр. 2928

ورأى أن أكثر استعمال القرآن الكريم لها للتحقيق، لَا للتقليل ولا للتكثيرِ، ولذلك يقول سبحانه: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ولا يَأتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا). ويقول تعالت كلماته: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّه لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ. . .). وواضح أن (قَدْ) في الماضي للتحقيق في قوله تعالى حكاية عن قول سيدنا المسيح يوم القيامة: (. . . قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ. . .). ألا ترى أن قد دخلت على علم الله تعالى وهو مؤكدا إذا حصل موضوعه. و (قَدْ) هنا قال المفسرون للتقريب، أي أنها قربت الماضي من الحال القائمة، والجملة الماضوية لَا تكون حالا إلا إذا جاء معها قد، ليكون معنى التقريب قائما، وهو تقريب الحال القائمة من الماضي المستقر، والمعنى أنهم دخلوا كافرين، وخرجوا كافرين. وأرى أن (قَدْ) هنا للتحقيق، وتأكيد المعنى، والباء للمصاحبة، والمعنى دخلوا مصاحبين لكفرهم المؤكد وخرجوا مصاحبين للكفر المؤكد، وقد تأكدت حالهم الأولى بالتعبير بقد، وتأكدت حالهم وهي الخروج بالكفر بقد وبهم، فكان تأكيد مصاحبتهم للكفر وهم خارجون أقوى من تأكيدها وهم داخلون، وهذا للإشارة إلى أنهم ما دخلوا بقلب سليم، بل دخلوا مخادعين منافقين، ودخولهم على هذه النية المحتسبة عليهم تزيدهم كفرا ونفاقا، لأنهم كلما لاح دليل زادهم عنتا، وزادهم كفرا على كفرهم، والتعبير بـ (هم) الدالة على القصر فيه إشارة إلى أنهم مقصورون في خروجهم على الكفر ليس لهم حال سواه، وذلك فضل تأكيد. (وَاللَّه أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ) صدر الله النص الكريم بلفظ الجلالة لتربية المهابة، ولبيان أنه الناصر والولي الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، وأن تدبيره فوق كل تدبير، وعلمه فوق كل علم،

стр. 2929

وأفعل التفضيل ليس على بابه، لأنه لَا يوجد من يكون علمه من جنس علمه، حتى يكون علم أكبر وأعظم، بل المراد - والله العليم - أن الله تعالى يعلم ما يخفون علما لَا يدانيه علم، وليس فوقه علم، وهو أعلى ما يتصور من علم، فعبر بافعل التفضيل تقربيا لَا تحقيقا. والتعبير بقوله تعالت كلماته: (بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ). بالجمع بين الماضي والمستقبل يفيد أنه يعلم بما كتموه في الماضي، وما يكتمونه في الحاضر والقابل، فهو سبحانه يعلم ماضي أمرهم، وحاضره، ومغيبه، ولفظة كانوا على هذا المعنى تفيد العلم المستمر. بعد ذلك بين الله سبحانه أخلاقهم بعد أن بين معاملتهم لأهل الإيمان فقال تعالت كلماته: * * *

стр. 2930

(وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... (٦٢) * * * في هذا النص توجيه النبي ﷺ إلى ما عليه كثير من اليهود من مفاسق ومفاجر وعدوان، وقد كانت عبارات التنبيه موجهة واضحة وموضوعها بيِّن يُرى بالعين أو بما يشبه العين لوضوحه، فأنت ترى الكثرِين منهم يخوضون في الشر خوضا، لَا يرعوون، ولا يجتنبون سوءا بل يقدمون على كل حرب وشر. وحكم الله تعالى عدل دائم، وينبه سبحانه إلى العدل في الأحكام، فهو سبحانه لم ينبه النبي ﵇ إلى أنهم جميعا فيهم الشر مستحكم، بل في الكثير، لَا في الكل ولا في القليل، ومعنى المسارعة في الإثم والعدوان المعاجلة وعدم التردد، فهم لَا يترددون في ارتكاب الإثم والعدوان، وربما يترددون كل التردد في الخير ونفع الناس لذات النفع، والتعدية بـ في تشير إلى أنهم مغمورون في الآثام ينتقلون فيها مسارعين من حال إلى شر منه، فهم يرتعون فيها دائما. وقد تكلم العلماء في معنى الإثم والعدوان، فقال بعضهم: الإثم هو الكذب، والعدوان هو تعدي حدود الله تعالى، والاعتداء على محارمه.

стр. 2931

ولكن ابن جرير الطبري فسر الإثم بالمعاصي، والعدوان بالتعدي، أو ما يتجه نحو ذلك. والذي نراه أن الإثم كما هو الأصل اللغوي له في الجملة هو ما يبطئ عن الخير، والكذب إثم لأنه يبطئ عن فعل الخير، فالإثم هو ما عند اليهود من تباطؤ عن الخير، وعصيان للأوامر التي يكون في أدائها نفع الناس، والنص يبين أن هؤلاء يعملون أعمالا من شأنها أن تبطئ عن فعل الخير، ويعوقونه، وهم مع ذلك يعتدون على غيرهم، فهم محرومون من الخير سلبا وإيجابا لَا يفعلونه ويفعلون نقيضه، والله تعالى من ورائهم محيط. وإنهم لفساد نفوسهم، واستيلاء الشر على قلوبهم فسدت مداركهم، حتى أنهم يحسبون أن ما يفعلونه من آثام وعدوان هو خيرا، وهو فساد في الأرض عظيم، ولذلك عبر سبحانه عن عملهم السوء في عجلة وتسرع من غير مواناة بالمسارعة مع أن أكثر استعمال المسارعة في الخير، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفرَةٍ مِّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةِ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ للْمُتَّقينَ). وكما قال تعالى: (. . . وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ. . .). وقوله: (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ. . .). وذلك لأنهم يحسبونه خيرا فعبر عنه باللفظ الذي يدل على الخير، إذ إنهم لفساد قلوبهم يأثمون ويؤذون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأوضح اعتداءاتهم على الناس أكلهم أموالهم بالباطل، ولذلك قال سبحانه عاطفا على سوء عملهم: (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ). السحت: ما يستأصل من قشور الأشياء، وسحته معناه استأصله، والسحت والإسحات الاستئصال، كما قال تعالى: (. . . فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ. . .). وقد أطلق السحت على كل محظور؛ لأنه يستأصل أخذه كل علاقة اجتماعية تربط الناس بعضهم ببعض وتفسد أمورهم، كالربا، والرشوة، وأخذ الأموال بالغش والتزوير والنصب، والاحتكار الآثم الذي قال فيه النبي ﷺ : " المحتكر خاطئ " أي آثم.

стр. 2932

وإن اليهود لانقطاعهم عن الاتصال الأدبي بالناس، والتألم لآلامهم، كانوا يعتبرون الناس وأموالهم نهبا مقسوما لهم دون غيرهم، فكانوا يأكلون أموال الناس؛ لأن من عداهم أميون، وهم المختارون، فكانوا يقولون: ما علينا في الأميين. وإن اليهود بسبب بغضهم الشديد الذي توارثوه جيلا بعد جيل، قد انفصلوا عن الناس بقلوبهم، وقد عاشوا مضطهدين في وسط النصارى أذاقوهم الويل والذل أكؤسا، فكوَّنوا الجماعات السرية ليفتكوا بالوحدات الاجتماعية، وليفسدوا العلائق بينها، وما من دعوة مخربة إلا كان اليهود دعامتها، وأخذوا يكتنزون الأموال بالطرق المحرمة، فهم الذين نشروا الربا في الأرض، وهو من أخبث أنواع السحت واتخذوا الرشوة سبيلا لبسط سلطانهم في الأرض، واتخذوا الاحتكار ذريعة لتجويع الناس، والناس جميعا في نظرهم أعداؤهم، واتخذوا النصب والاحتيال والغش والخديعة ذريعة لأكل أموال الناس بالباطل، وإن تظاهروا بفضيلة مالية، لكي يكتسبوا من هذا المظهر، وبذلك أفسدوا الضمائر وهتكوا حمى الفضائل، وأزالوا أو حاولوا أن يزيلوا كل المقومات الخلقية، ليفسدوا المجتمعات، ويزيلوا كل القيم، وإن الذلة تلاحقهم إن شاء الله تعالى، وقد حكم سبحانه على أعمالهم بقوله تعالت كلماته: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ذلك حكم صارم قاطع يذم أعمالهم، والله حكم ذلك الحكم القاطع على أعمالهم باستحقاقها للمذمة؛ لأنها مخالفة لأوامر الله تعالى ونواهيه، وهي شر في ذاتها، وهي مقوضة لكل مقوم للأخلاق والفضائل والعلاقات الإنسانية. والحكم على ما كان منهم وما هم مستمرون فيه من عمل، ولذلك عبر بالماضي والحاضر، فذكر كان بلفظ الماضي، و (يعملون) بلفظ المضارع الدال على الحال والمستقبل، ومؤدى ذلك الجمع، أي أن ذلك كان منهم في الماضي وهو مذموم، واستمروا عليه في الحاضر والمستقبل، وذلك أشد شرا، وأوغل فسادا.

стр. 2933

وقد أكد سبحانه ذلك الحكم بالقسم، وباللام الموطئة للقسم، وبكلمة بئس الدالة على شدة الذم. والله يتولى الناس، ويدفع عنهم شرهم، ويرد عنهم كيدهم، وإنهم منذ أخرجوا من مصر مستنقذين على يد كليم الله تعالى موسى ﵇ ونفوسهم في الشر، يبدو منهم وتتوالى مقاومة الناس لهم، ولذلك قد تولد معه إحساس بالكمال دون الناس، حتى توهموا أنهم الشعب المختار في هذه الأرض، ولكي يفرضوا سلطانهم لم يجدوا سبيلا إلا المال، فأكلوه سحتا، وأنفقوه سحتا وتوارثوا ذلك خلفا عن سلف، حتى إن المستقرئ لتاريخ الأمم لا يجد جماعة من الناس تشابه حاضرها بماضيها، تشابه حاضر اليهود بماضيهم، حتى إن القرآن الكريم كان يخاطب الحاضرين منهم بأعمال الماضين؛ لأنهم مثلهم تماما وعلى شاكلتهم، وهم غير قابلين للتغير. وما عندهم من بقية من التوراة كتابهم، لَا يغير طباعهم، فلا يتكون عندهم رأى عام إلا من تعاليم السابقين، وعلماؤهم يجارونهم، ولا يبينون لهم، فكان رأيهم العام فاسدا لشيوع الفساد فيه، وعدم وجود من يرشدهم إلى الصواب، ولذا قال تعالى: * * *

стр. 2934

(لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ ... (٦٣) * * * الربانيون هنا هم العلماء الذين يحاولون أن يكون علمهم لله، ويتصلون بربهم حتى ينسبوا إليه ولا يكون لهم وصف إلا نسبتهم إليه سبحانه، يزعمون ذلك في أقوالهم ويظهرونه في أْعمالهم، والأحبار هم الفقهاء أو العلماء الذين يفسرون أحكام الكتاب، ويعرفون الناس بشئون دينهم، وقد يكون من يجمع بين الوصفين، ولكن لكل وصف جانب من العمل. و (لَوْلا) هنا للحض على الفعل في المستقبل، والتوبيخ في الماضي على عدم فعله، وهو هنا للتوبيخ على تقصيرهم في الماضي وتخاذلهم عن أدائه، وإلا ما كان ذم حالهم، واستنكار أمرهم، والمعنى: هلا كان من هؤلاء الذين كان

стр. 2935

يتبعهم اليهود ويستمعون إليهم، ويستجيبون لهم من يرشدهم إلى الحق ليتبعوه وينهاهم عن الظلم ليجتنبوه، وقد اتخذوا أولئك الأحبار والربانيين وسطاء بينهم وبين الله ليتعرفوا حكمه عن طريقهم، ولكنهم لم يفعلوا. ولقد كان الموضع الذي كان ينبغي أن ينهوا عنه هو قولهم الإثم وأكلهم السحت، فالنهي الواجب منصب على أمرين: أحدهما - قول الإثم، أي القول المبطئ المانع من الخير، والثاني - أكل السحت، والأمران جماع الرذائل - فإن الذي يدفع إلى الشر قول ذميم يحرض على الفساد ويدفع إليه، ويجري الناس عليه، ويتضمن ذلك ارتكاب الشهوات، بكل أجزائها، لأن أول الشر استحسانه، واستحسانه يكون غالبا بالقول المشجع عليه والدافع له، ثم استمرءوا من بعد ذلك بقوله يزينه ويزكيه، ويكون من بعد ذلك ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا. والأمر الثاني - طمع لما في أيدي الناس وحسد على ما آتاهم الله من فضله، ووراء ذلك أكل لمال الناس بالباطل، وشره لما في أيديهم، واتخاذ المال ذريعة لإفساد ذات البين بينهم، والتحريض على الشر، والتحكم المرذول. ولعل ذكر نهي الأحبار للعامة عن السحت تعريض بهم، لأنهم كانوا لا يتعففون عن الرشا بكل أنواعها، كما أن ذكر النهي عن قول الإثم تعريض آخر بأحوالهم، فإن من قول الزور تحريف الكلم عن مواضعه، والنطق بالزور في الشرع، وكان يقع منهم، ولذلك ذم سبحانه صنيعهم، وهو لَا يخلو من فساد حكمهم وتغيير حكم الشرع لهوى الأقوياء منهم، فقال تعالت كلماته: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ذم الله تعالى صنيعهم، وهو عملهم الشر بدقة وإحكام، لا بمقتضى الغرائز الحيوانية من غير تفكير، وفي الماضي، وما هم عليه في الحاضر، وما يكون منهم في المستقبل. وهنا يتكلم المفسرون في التفرقة بين ذم أْعمال اليهود عامة من دهماء وغيرهم بقوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وذم أعمال الربانيين والأحبار بقوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).

стр. 2936

وخلاصة هذه التفرقة: أن العمل يكون عادة بانبعاث شهوة من طمع في مال، أو لذة جسد، أما الصنيع، فإنه يكون بمهارة وتدبير وتعرف للغايات والنتائج ولو كانت آثمة، وأن الصنيع يكون بالعمل وغيره، ومن أحسن من قال في التفرقة فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، فقد قال موضحا ما ذكره الزمخشري وغيره، والمعنى أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعامتهم عن المعاصي، وذلك يدل أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه؛ لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد، بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى؛ لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت: لبئس ما كانوا يعملون، وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر: لبئس ما كانوا يصنعون، والصنع أقوى من العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقرا راسخا متمكنا فجعل جرم العاملين ذنبا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي ذنبا راسخا، والأمر في الحقيقة كذلك، لأن العصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته، وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال ". وإن هؤلاء الربانيين والأحبار لم يكن ما أخذ عليهم هو السكوت عن النهي فقط، بل إنهم رتعوا فيما رتع فيه غيرهم، وبذلك ضلوا، وكانوا سببا في فساد الجمع كله، ولعنهم وطردهم كما قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩). ولقد قال ابن عباس في هذه الآية: (لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ) إنها أصعب آية في كتاب؛ لأنها تبين إثم الذين يقصرون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما عصام الأمر، ومانعا الإثم، وبهما صلاح الجماعة الإنسانية، روى الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: " ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي وهم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من عنده ".

стр. 2937

وروى يحيى بن معمر أن الإمام علي بن أبي طالب خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فأمروا بالمعروف انهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لَا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا ". وإن ما توقعه إمام الهدى على - كرم الله وجهه - قد وقع، فإن الذين يتخذون من المؤمنين مكان الأحبار باسم الإسلام، قد سكتوا عن النهي عن قول الإثم، بل منهم من أيد المنكر، بعد أن ارتضاه ومنهم من مالأ فى دينه، يحسب أن قول الحق قد يقطع رزقا، أو يضيع أملا، وبذلك وقعت معاص من غير استنكار، وترك الواجب في استهتار، ولا منادى بالحق، اللهم وفقنا لقول الحق واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الراحمين. * * * (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) * * *

стр. 2938

بين الله أحوال اليهود ومعاملتهم للمؤمنين، وهي تدل على مقدار حقدهم على أهل الإيمان وتعصبهم ضدهم، ونفاقهم في ذات أنفسهم ومعاملتهم للمؤمنين بالخداع، واستهزائهم بالحقائق الإسلامية، واتخاذهم الدين هزوا ولعبا. وفى هذه الآية يبين سبحانه حالهم في جنب الله تعالى، وأنهم إن أعطوا أشروا وبطروا النعمة، وإن منعوا كفروا، وقالوا قالة لَا تليق بذات الله تعالى، وإن هذا ليس هو الطريق الأمثل لمن أوتوا الكتاب وبلغوا رسالات النبيين، ولذا قال سبحانه:

стр. 2939

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) أصل الغل: توسط الشيء وتدرعه، والغل ما يفيد به الشخص ويجعل الأطراف وسطه، وقيل للبخيل هو مغلول اليدين، ومن ذلك ما حكاه الله عن اليهود أنهم قالوا يد الله مغلولة، وهي تحتمل عدة معان متلاقية في مؤادها، وإن اختلفت فيما يقرر سبب قولهم لعنهم الله، فقد قيل: إنهم لما علموا أن كل شيء مفدر بقدر، وأنه قضى كل شيء فقدره تقديرا تهجموا بهذا القول غير الكريم، فقالوا: إن يد الله مغلولة، أي في حكم المقيدة، وقيل: إنهم كانوا يرون المؤمنين الصادق إيمانهم في غير ثروة، وهم يعتمدون على الله، فقالوا مقالتهم، وقيل: إنهم بسبب كفرهم وإيذائهم للمؤمنين وتغير الأحوال قتر عليهم في الرزق، فلم ينسبوا ذلك إلى أسباب واقعة، بل قالوا مقالتهم في شأن ربهم. والذي نراه أن اليهود في هلع دائم وطمع، وحسبوا أن الفقر لَا ينالهم أبدا، فإن أعطوا خيرا نسبوه لأنفسهم وحيلتهم وعلمهم، وإن لم يعطوا اتهموا ربهم، وذلك غير شأن المذعنين لله المؤمنين به الذين يعلمون أنه يعطي ويمنع، ويعز ويذل بحكمة وتقدير. ولفظ: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) مجاز عن البخل، وهو من قبيل الاستعارة التمثيلية إذ شبهت حال من قبضت يده عن العطاء، فلا يعطي بحال من غلت يده،

стр. 2940

وربطت على وسطه، فلا يستطيع تحريكها، وعبر باليد؛ لأنها هي التي يكون بها العطاء، ولقد قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩). وليس المراد باليد الجارحة، بل الكناية عن المنع والإعطاء، وقد قال في ذلك الزمخشري: (غل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود) ومنه قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كلَّ الْبَسْطِ). ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط حتى يستعمله في قليل لَا يعطي بيده عطاء قط، ولا يمنعه إلا بإشارته من غير استعمال يده وبسطها وقبضها، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلا لقالوا: ما أبسط يده بالنوال؛ لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين، وقد استعملوه حيث لَا تصح اليد كقوله: جاد الحمى بسط اليدين بوابل ... شكرت نداه تلاعه ووهاده وقد فُسرت اليد المنسوبة لله تعالى بالمعنى المجازي المناسب في كل آية في القرآن الكريم على ما اختاره الغزالي وغيره، حتى أنه قال في قوله تعالى: (. . . يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. . .). بالسلطان والقوة، كما يقال وضع الأمير يده على المدينة، ولو كان مقطوع اليدين، والكلام في هذه المسألة مشهور في كتب علم الكلام. (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا) هذه الجملة معناها الدعاء عليهم، وهذا تعليم من الله لنا بأن ندعو على من فسدت قلوبهم، وذهب بهم الطمع والجشع إلى نسيان ما يجب لذات الله العلية، وما ينبغي، فقالوا كلمتهم التي قالوها، وهي تدل على استهانة بالحقائق وذات الله سبحانه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فعلمنا الله أن ندعو عليهم بغل اليد، وبالطرد وهو دعاء مستجاب ما داموا على هذا الحال من الأثرة المردية التي تنسيهم حقائق التدين والإيمان. والدعاء عليهم بغل الأيدي معناه الدعاء عليهم بالشح المرير الذي يجعلهم مبغضين للناس، منحرفين عن طريقهم مطرودين من المجتمع، ويصح أن يفسر

стр. 2941

قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ). بالدعاء عليهم بالغل الفعلي بأيديهم بأن يمنعوا عن العمل الحر، ويعيشوا أسارى أو كالأسارى في ذل، ويكون التعبير من قبيل الجناس بالمشاكلة اللفظية، وإنا نميل إلى هذا، ويرشح له التعبير بأيديهم ب؛ لأن العرف اللغوي جرى على أن التعبير بالأيدي يفيد البطش، والتعبير بالأيادي يفيد النعمة، فيقال لفلان الأيادي على فلان، ولا يقال له الأيدي عليه، والمعنى على هذا الدعاء عليهم أن تغل أيديهم الباطشة فلا يقووا على غيرهم بل يكونون أسارى أو كالأسارى، وما ينالون من قوة ظاهرة أحيانا، فليست منهم، وهي إلى حين، وما كان ذلك إلا من فساد غيرهم. (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ينفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) هذا رد عليهم، وبسط اليد هنا مجاز عن الجود والفيض والإنعام من الله تعالى على خلقه، وعبر هنا بالمثنى، فقال سبحانه (يَدَاهُ)، للإشارة إلى كثرة الفيض والإنعام، والعطاء العميم كأنه يعطي بيدين لَا بيد واحدة، ولكن إذا كانوا لم يدركوا فيض نعمته، فإنهم لم يدركوا معنى حكمته فإن الله تعالى يبسط يديه بالعطاء على الطريقة التي يراها، وبالحكمة التي يريدها، ولذا قال تعالى: (ينفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ). وهذه الجملة السامية تدل على أمرين: أحدهما - عموم عطائه. وثانيهما - أن شكل العطاء يختلف، فأحيانا يكون لبعض الناس عميما ليختبرهم بكثرة العطاء، وليحاسبوا عليه وتكون النعمة الكثيرة ابتلاء، وأحيانا يعطي حينا ويمنع حينا ليذوقوا النعمة بعد فقدها، ويختبر صبرهم بإيمانهم، كما قال تعالى: (. . . وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. . .). والمؤمن الصادق الإيمان يصبر في الإعطاء والحرمان، والكافر يطغى بالعطاء بالعطاء ويكفر في الحرمان، ولقد قال تعالى في وصف النفس البشرية: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١).

стр. 2942

ولقد بين بعد أخلاق اليهود، ومن يشاكلهم من أهل الكتاب، فقال: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) في هذا النص الكريم يبين عدم رجاء الإيمان من أكثر اليهود، ذلك أن اليهود ليسوا طلاب حق، فيهتدوا إن بدت معالمه، وظهر نوره، بل هم قوم أكل الحقد قلوبهم، واستولى الحسد على نفوسهم، فهم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فإذا جاءهم النور ممن يحسدونهم لَا يزيدهم ذلك إلا بغيا وظلما وكفرا. وقد أكد فساد قلوبهم بالقسم المطوي باللام الموطئة له، وبنون التوكيد الثقيلة لكي ينتفي الرجاء في إيمانهم، وليعاملهم النبي ﷺ ومن بعده من المؤمنين على أساس مكنون نفوسهم، وخبايا أحاسيسهم، والطغيان: الظلم الذي يتجاوز كل حد معقول، والذي يبعث عليه الشره وفساد النفس، وزيادة الطغيان، وسببه أن ما أنزل إلى النبي جاء على غير ما يريدون، وأنهم حاسدون، وزيادة بالكفر بالإصرار عليه، وبزيادة مقدار ما يكفرون به من آيات، وبالعناد واللجاجة التي استولت عليهم. (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). (بَيْنَهم) يعني في جمعهم؛ لأن البين هو الفاصل الذي يكون بين شيئين، ويطلق البين ويراد به ما يلقى أمام الشخص، ومن ذلك قوله تعالى: (. . . مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ. . .). وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّموا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرسوِله. . .). وقوله تعالى (. . فَقَدِّموا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً. . .). والعداوة هي البغضاء المعلنة التي يناوئ فيها المبغض من يبغضه جهارا، والبغضاء هي الكراهية المستكنة والمعلنة، وعندي أنهما معنيان مختلفان، فالعداوة المناوأة الظاهرة، والمقاومة المعلنة، والبغضاء هي الكراهية التي تكون في القلب،

стр. 2943

فهما معنيان متغايران، وإن كانا متلازمين أحيانا، فلا عداوة من غير بغضاء، ولكن قد يفترقان فتوجد البغضاء من غير إعلانها، أي من المناوأة والمقاومة. والضمير في قوله تعالى: (بَيْنَهمُ) يعود على اليهود، لأن الحديث عنهم، ولا يدخل فيه النصارى، وقد فهم بعض المفسرين أنه يعود على اليهود والنصارى، والعداوة بين الفريقين مستحكمة إلا عند الذين غللوا من نصرانيتهم وكادوا يكونون يهودا في أعمالهم. والواضح أن الضمير يعود على اليهود وحدهم، وقد ألقى الله تعالى بينهم العداوة والبغضاء فقد افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فمنهم الجبرية والقدرية، والشبهة ومنهم من ينكر البعث، ومنهم الربانيون والقراءون، وبينهم العداوة مستحكمة، وهم ينكرون أن يكون اليهود من غير بني إسرائيل، حتى إنهم لَا يعترفون بيهودية من يدخل في دين موسى من غيرهم، فيعادون السامرة الذين لم يكونوا من أصل إسرائيلي. ويصح أن نفسر قوله تعالى: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُم الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). بأن تستقبلهم بين أيديهم العداوة والبغضاء كالبين في قوله: (. . . مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ. . .). وفي قوله تعالى: (. . . لَا تقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسولِهِ. . .). والمعنى على هذا ألقينا بين أيديهم عداوة وبغضاء تكون منهم للناس، ومن الناس لهم ذلك بأن ما في نفوسهم من حسد لجوج، ومادية شرسة، وأثره حاقدة. جعلتهم في عداوة مستمرة مع الناس، وجعلتهم مبغضين إليهم دائما، فهم مكروهون من الناس كارهون لهم يعادونهم ويبغضونهم ولا تجد في قلب أحد محبة لهم، ولو كانوا يناصرونهم أحيانا، لأن نصرنتهم لأنفسهم ليكونوا آلة ينفذون بها مآربهم، والله من ورائهم محيط. (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ) إن هؤلاء اليهود لحسدهم المستمر للناس، ولكراهيتهم لهم يثيرون الحروب بين الناس، فهم يثيرونها على غيرهم إذا

стр. 2944

كانت فيهم قوة، أو أحسوا أن فيهم قوة، أو اتخذوا ذريعة للإيذاء، وإذا لم يكن فيهم قوة ولم يحسوها، كان عملهم إيقاظ الأحقاد بين الشعوب، وإثارة العداوات التي تعقبها الحروب، هذا شأنهم الدائم المستمر يدفعهم إلى إثارة أسباب الحروب. والتعبير بقوله تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ). يجري على ما كان عليه العرب من أنهم كانوا إذا أرادوا حربا بالإغارة على غيرهم إما انتقاما أو اعتداء أوقدوا نارا يسمونها نار الحرب، ومهما يكن ما عند العرب من عبارات في هذا، فإن التعبير مجاز، إذ عبر عن إثارة الحروب لإيقاد نارها، باعتبار أن الحروب في ذاتها وبما تشتمل عليه من مذابح بشرية تشبه النار المسشعرة. وإن اليهود يوقظون الأحقاد ويثيرون الفتن، ويوقدون نيران الحروب، والله من ورائهم محيط وإنما يطفئ ما يوقدون ويحبط ما يدبرون. (وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) وإنهم إذ يثيرون الفتن، ويشعلون الحروب، لَا يقصدون إلا السعي في الأرض فسادا فكلما مكن لهم في الأرض أفسدوا ولم يصلحوا، وإذا علوا أفسدوا ولم يصلحوا، حتى إذا طغوا وبغوا أرسل الله عليهم شدائد جزاء لفسادهم، ولقد قال تعالى في بيان ما قرره كتابهم وهوِ التوراة والقرآن بشأنهم: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨). وهذا النص الكريم يفيد أولا - أنهم دأبوا على الفساد من بعد موسى ومن جاء من النبين كداود وسليمان، وأن نتيجة هذا الفساد كانت وبالا عليهم، فجاء

стр. 2945

بختنصر، وأزال سلطانهم ثم جاء من بعده الرومان فأزالوا سلطانهم، وجعلوهم أذلاء في الأرض. وتدل ثانيا - على أن الرسول ﷺ اجتثهم من بلاد العرب (١)، وتدل ثالثا - على أنهم سيدخلون المسجد الحرام كما دخلوه أول مرة، وتدل رابعا - على أنهم سيفسدون فيه كشأنهم، إذ يتبرون ما علوا تتبيرا، وتدل خامسا - على رجاء رحمة الله تعالى بعباده المسلمين إذا عادوا إلى التقوى فيعود عليهم بالنصر، لأن اليهود دائما مفسدون. وقد ختم الله النص الكريم بقوله تعالت كلماته: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين). فالله تعالى لَا يحبهم كما يزعمون ويتوهمون إذ يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه؛ لأنه يحب من يعمر الأرض، ولا يفسدها، وأولئك تجار الحروب يفسدون ولا يصلحون، ألم تر أنهم يمنعون كل صلح بين الناس ليتمكنوا من الكسب في صناعة أدوات الحرب، وليستعيدوا مهمتهم في إفساد ما بين الناس. * * *
следующие страницы →