وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ... (٦٩)
* * *
الباعث لأهل التقوى على الجلوس والاستماع إلى الظالمين، وهم يخوضون في الآيات البينات الثابتة الدالة على صدق محمد ﷺ منكرين، جاحدين مستهزئين، لاجِّين في عنادهم هو رغبتهم الملحفة في الهداية فأشارت الآية الكريمة أنه لَا رجاء فيهم، ولا غضاضة على أهل التقوى في ذلك؛ لأنهم ما عليهم إلا التذكير، وما عليهم من تبعات أعمالهم شيء إنما تبعات أعمالهم عليهم.
وهذا النص الكريم الذي نتكلم في معناه يبين أن الذين يتقون الله تعالى حق تقاته، ويجعلون بينهم وبين غضبه وقاية ليس عليهم تبعة عن أعمال الذين يخوضون في آيات الله تعالى، فالمراد من حسابهم أي أعمالهم المحسوبة عليهم، فهو من إطلاق المصدر على اسم المفعول باعتبار أن العمل هو السبب في الحساب، وهو من إطلاق اسم المسبب، وإرادة السبب، والمعنى ما دمتم قد أديتم واجب الإرشاد والتذكير، فما عليكم من تبعة أعمالهم من شيء. ولقد قال في معنى (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ) الأصفهاني ما نصه: وقوله تعالى: (. . . مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ. . .).
فنجد قوله تعالى: (. . . عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. . .)، أي أن المعنى ما دام أهل التقوى قد أدوا، فلا حساب عليهم، ولا ينالهم أذى من حسابهم، وقوله: (مِن شَيْءٍ) " من " هنا للدلالة على عموم النفي واستغراقه، أو تأكيد استغراقه، أي ما عليكم أي قدر - ولو ضؤل - من تبعات أعمالهم ما دمتم قد ذكرتموهم العاقبة لما هم عليه، فالواجب عليكم التذكير، ولذا قال سبحانه:
стр. 3327
(وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
هذا النص الكريم يبين ما على النبي والمتقين من بعد إلا التذكير الثابت الدائم المستمر، وفي أوقات يرجى فيها الإنصات والالتفات، والعناية بما يلقى عليهم، وذلك التذكير لرجاء أن يكونوا في حال من يتوقع إيمانهم، والتذكير بذاته موجب للإيمان إذا زالت الموانع، وأشد الموانع أن يسبق الجحود، وأن تغلف القلوب، فالرجاء في قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ليس من الله تعالى، ولكن لتصوير حالهم إذا استقامت قلوبهم، وخلصت من الشمر والجحود نفوسهم، وهو أنه يرجى إيمانهم، ولكنهم أحلوا محل الرجاء الجحود، والإصرار على الكفر، والعناد. . وقانا الله شر ذلك، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
* * *
(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى
стр. 3328
وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)
* * *
بين الله قدرته القاهرة، وأنه الملجأ في الكرب، ومع ذلك كانوا يخوضون، ويعبثون، والله يأمر نبيه بأن يعرض عنهم ولكنهم يستمرون في استهزائهم بالمتقين إذ كانوا ضعفاء فيسخرون منهم، وبذلك اتخذوا دينهم الذي كان يجب عليهم أن يعتنقوه لعبا، وذلك من غرورهم بالحياة، وظنهم أن الحياة الدنيا هي الباقية، أو لَا حياة بعدها؛ ولذا قال تعالى بعد أن أمر نبيه بالإعراض عن مجالسهم قال آمرا له:
стр. 3329
(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا).
" ذَرْ " بمعنى اترك، وقال علماء النحو: إن " ذر " و " دع " لَا ماضيَ لهما، ولكن لهما مضارع وأمر، ولكن وجدنا في أساس البلاغة للزمخشري أن ماضيها حيٌّ يستعمل، فقد جاء فيه إذا قيل للقوم: ذروا هذا، قالوا: وذرناه.
والمعنى أعرض عن الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، والدين المضاف إليهم هو عبادة الأوثان التي عبدوها كأنهم اتخذوها لعبا ولهوا، واللعب هو الفعل الذي ليس مقصد يقره أهل العقل، واللهو ما يتلهى به، ويشغل به عن الأمر الجاد المنتج المثمر، الذي يكون له غرض مقصود مطلوب، فهؤلاء في اتخاذهم الأوثان التي يصنعونها ولا تنفع ولا تضر آلهة تعبد كأنهم يلعبون إذ يعملون عملا لَا يقره أهل
стр. 3330
العقل والإدراك، ويلهون لأنه عبث يحبثون به، ولا غاية له عند أهل الفكر والمنطق، ولا على أن يفسر الدين بما هم عليه من عبادة الأوثان.
ويرد على ذلك التفسير أن هذا ليس جديرا بأن يسمى دينا، ولو كان مضافا إليهم.
ورأى بعض المفسرين أن المراد من دينهم الإسلام؛ لأنه الدين الذي جاء إليهم، وهم مخاطبون به، ومكلفون أن يتبعوه، فهو دينهم الذي جاء به رسول منهم، وهو الذي ارتضاه لهم أن يكون دينا، وقد اتخذوا ذلك الدين لعبا ولهوا، إذ لم يفهموا ما هم عليه، ومعنى اتخاذه لعبا ولهوا أنهم سخروا بمن اتبعه، وتهكموا على أهله، وأخذوا يخوضون فيه لعبا في مجالسهم، ولهوا عن الحق، يزكي ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضونَ فِى آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ. . .). وقال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠).
وإن هذا اللعب وذلك اللهو وتعابثهم بالمؤمنين سببه هو غرورهم بالحياة الدنيا، وفهمهم لها أنها غاية الوجود ونهايته، ولذلك قال تعالى عاطفا على قوله تعالى: (اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). أي خدعتهم هذه الحياة، وما اتخذوه فيها من مباهج غير ملتفتين للحياة الآخرة، ولا مؤمنين بها، ولا بالبعث والنشور، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ للَّذينَ يَتَّقُونَ).
خدعوا بالحياة الدنيا، فكان منهم ما كان من العبث بالحقائق الدينية والسخرية بأهلها، ولذا أمر الله تعالى نبيه - وإن ذلك فيه معنى التهديد لهم - بأن يتركهم في غيهم حتى يفاجئوا بمآلهم، ولكن مع ذلك أمر الله تعالى نبيه
стр. 3331
رحمة بهم، أن يذكرهم دائما رحمة لمن يهتدي، ويطلب الحق، ويشغل به نشحه، فقال تعالى: (وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ).
الضمير في " به " قال أكثر المفسرين: أنه يعود على القرآن، والقرآن في حضور كل ذهن فكأنه مذكور يعود الضمير عليه، وأميل إلى أن الضمير الذي يعود إلى الدين الذي هم مكلفون أن يأخذوا به، ويتبعوا هديه، وإن الله تعالى مع أمره نبيه أن يتركهم فلا يلتفت إلى هزلهم وعبثهم واستهزائهم بالمؤمنين، أمره بأن يستمر في تذكيرهم بالدين تبليغا لرسالته التي أنزلت عليه، ولا يأخذنه الأذى الذي ينزلونه به وبمن معه، فذلك هو ما يصيب دعاة الحق، ولكن يجب مع الإعراض عن لعبهم ولهوهم أن يستمر في دعوته ومثله معهم كمثل المربي الكامل الذي لَا يهمه عبث تلاميذه، يعرض عنه، ولكن يستمر في هدايته لهم.
وذكر بالدِّين كراهة أن تبسل نفس بما كسبت، والابتسال: معناه في اللغة الإسلام إلى الهلاك، وأن تؤخذ بسوء ما اختارت.
والمعنى الجلي لَا تشغل نفسك بلهوهم وعبثهم، ولا يمنعنك ذلك من أن تستمر في تذكيرهم، حتى لَا يسلموا إلى الهلاك ويمنعوا من الخير، ويكون نصيبهم جهنم وبئس المصير، وإنك منذر، ولكل قوم هادٍ.
وإنه في هذه الحال لَا منجاة لهم منها، فلا ينقذهم منها ولي يناصرهم، ولا شفيع يشفع لهم، إذ هي الهلاك الدائم والعذاب المستمر؛ ولذا قال تعالى: (لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِى وَلا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا) وإذا أسلموا إلى الهلاك في جهنم لَا يكون لهم من غير الله ولي يناصرهم أو يواليهم بمقتضى القرابة أو العصبة التي كانوا يتنادون بها، أو شفيع يشفع، ويترضى عنهم، وإن يقدموا ما يستطيعون من فداء لَا يقبل منهم فلا ولاية ولا شفاعة ولا فدية من عذاب أليم، فالعدل: هو الفداء الذي يعادل ما ارتكبوا، ويخرجون به من النار والعذاب، ومعنى (وَإِن تَعْدِلْ)، وإن تقدم فداء؛ يكون عدلا، لَا يؤخذ منهم.
стр. 3332
وقوله تعالى: (مِن دُونِ اللَّهِ) أي من غيره، والتعبير بقوله " من دون " إشارة إلى أنه مهما يكن في نظرهم فهو دون الله، والله هو العلي المسيطر على كل شيء.
وقد بين بعد ذلك هذا العقاب الذي لَا مناص منه، ولا منجاة ولا خلاص، فقال تعالت قدرته: (وأُوْلَئكَ الَّذينَ أُبْسلُوا بمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ منْ حَميمٍ وَعَذَابٌ أَليمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ).
والإشارة إلى الذين يخوضون في آيات الله تعالى، الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وكانوا يسخرون من الذين آمنوا وهم يذكرون بالدين الذي بعث به رسوله إليهم، وقد كانوا بفعلهم هذا (أُبْسِلُوا) أي أسلموا أنفسهم للهلاك والبوار، وأتوا إلى النار، ذلك بما كسبوا من عبث وكفر، وعتو، واستهانة، وعبر سبحانه بقوله: (بِمَا كَسَبُوا) للإشارة إلى أنهم قد فعلوا ذلك يريدون الكسب، فكان ذلك العذاب، فهم اشتروا العذاب والضلالة بالهدى، وهذا العذاب شديد يحيط بكل أجسامهم، النار في بطونهم وفي جلودهم، لهم شراب من حميم أي ماء يغلي يدخل بطونهم، فيمزق أمعاءهم، وهو نار في جوفهم، ونار تكوى جلودهم (. . . كُلَّمَا نضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ. . .). ولهم بذلك عذاب أليم وذلك العذاب بما كانوا يكفرون أي بسبب كفرهم المستمر الذي كان يتجدد، فكانوا يحدثون كل وقت من مظاهر ما أوجب استحقاقهم لهذا الألم؛ فمرة يسخرون من النبي ﷺ ومن معه، ومرة يؤذون المستضعفين من المؤمنين، ومرة يقطعون عنهم الميرة (١)، ويقاطعونهم وأهلهم، ومرة يؤذون النبي ﷺ ، وأخرى يخوضون في آيات الله تعالى، ويتخذون الدين الذي بعث به رسول منهم لعبا ولهوا، فهو كفر مستمر متعدد الوجوه أساسه الجحود، والآيات قائمة.
стр. 3333
وإن ذلك كله الأصل فيه ضلال استهواهم، وهو عبادة أحجار لَا تضر ولا تنفع، قد صنعوها بأيديهم ثم عبدوها بقلوبهم، ولذا قال الله تعالى:
* * *
стр. 3334
(قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا ... (٧١)
* * *
الله يأمر نبيه بأن يقول مصورا ضلالهم، وفساد تفكيرهم في أن يعود محمد وأصحابه إلى عقيدتهم، فيقول: (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا).
ذلك أن قريشا بذلوا ما بذلوا في سبيل حمل محمد ﷺ على أن يرجع عن دعوته، عرضوا عليه المال، وعرضوا عليه الإمرة عليهم، وعرضوا عليه كل ما يظنون أنه يرغبه في العود إليهم، كما يتصورون، ليرتاحوا في ذات أنفسهم حاسبين أن ما يدعوهم إليه يضرهم في عصبيتهم وجاهليتهم، وأنه يمنعهم مما كان عليه آباؤهم.
فالله أمر نبيه أن يستنكر ما يدعونه إليه، ويبين في استنكاره بطلان ما يعتقدون، وأنه انحدار في الإنسانية، وذلك من الجدل الحكيم، والدعوة إلى الإسلام في رفق وتواضع، فيقول: (أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا) أي لا يملك نفعا ولا ضرا، ولا يملك من أمره شيئا، ولا يملك موتا ولا حياة، وإن هذا إهمال لحكم العقل، نترك عبادة ما يضر وينفع، وهو مالك كل شيء وهو القاهر فوق عباده، وهو الذي نلجأ إليه في شدائد البحر والبر، كيف نترك عبادته إلى ما تدعونا إليه من أوثان لَا تنفع ولا تضر، وإن الله تعالى قد هدانا إليه سبحانه، وإن ما تدعوننا إليه نكسة بعد تقدم، ورجعة بعد الهداية، ولذلك قال تعالى فيما أمر به نبيه: (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ) أي أنرد إلى الضلال بعد الهدى، وإلى الباطل بعد الحق، وإلى الظلمات بعد النور، وعبر عن ذلك بقوله وأن نرد على أعقابنا. العقب ما وراء القدم، أي أنرجع مدبرين على أعقابنا، منكسين بعد أن أبان الله الحق واهتدينا بهديه، وامتلأت قلوبنا بوحدانيته في العبادة، فلا نعبد سواه.
стр. 3335
وقوله تعالى: (أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا) وقد فسر الزمخشري (ندعو) بنَعْبُد، وهو حسن، ويصح أن نفسر (ندعو) بكل دعاء بالعبادة وبالاستغاثة، وبالاستعانة في النصر، وغير ذلك مما يدعون به أصنامهم. وقدم نفي النفع على نفي الضرر؛ لأن نفي النفع أجلب للترك، إذ إن من يدعو إنما يدعو لنفعه لَا للضرر ولذا قدم عليه.
والاستفهام هذا إنكاري بمعنى النفي، أي لَا ندعو ما لَا ينفعنا ولا يضرنا، وهو نفي فيه معنى التوبيخ لمن يدعو ما لَا ينفعه ولا يضره.
وقد صور الله تعالى حالهم في دعوتهم إلى الباطل من اهتدى، ومن تنزل عليه أسباب الهداية كحال الشياطين التي تستهوي الضال بدعوتهم إلى ما لَا هداية فيه؛ بجوار أن له أصحابا يدعونه إلى الطريق اللاحب (١)، والسير فيما فيه النجاة فقال تعالى: (كَالَّذِى اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطينُ فِى الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا).
استهواه أي طلب هواه واستولى عليه يوجهه كيف شاء، كالذين يصنعون ذلك بالنوم، والاستيلاء على الحس، والشياطين هم الذين يضلون، ومن ذلك الأوهام التي تعتري من يسير في صحراء قفراء يتلمس المرشد في مهامه الأرض (٢)، فيسمعه الوهم نداء يسير به في طريق الضلال، وسماهم الله تعالى شياطين تستهوي الأنفس، فيسيرون وراء هذه الأوهام والضلال كما قال المفسرون، وفى الوقت نفسه له أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم، وهو حيران متردد بين دعوة الأوهام والدعوة الحق، فهو تشبيه حال المؤمن الذي يرى الأوهام ويرى الهادي.
стр. 3336
وهذا تصوير من الله تعالى لحال من يترك الحق إلى أوهام، ويكون حيران أي مترددا بين الضلال والهدى، وبين النور والظلمة.
وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم بعد هذا التشبيه البين المبين: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي إن هدى الله تعالى هو وحده الهدى أي لَا هدى غيره، وقد بين سبحانه أن الهدى هو حق الله وحده، بالعبارة الدالة على القصر، وهي تعريف الطرفين، وضمير الفصل، الذي يدل على أنه لا هداية غير هداية الله، ومن عُدِم هذه الهداية فهو في ضلال مبين.
ولقد قال تعالى فيما ترتب على أن الهداية من الله وحده: (وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي أمرنا من الله تعالى الهادي إلى سواء السبيل بألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وأن نكفر بالجبت والطاغوت، وأن نطيع الله تعالى الذي أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث، وأن نكون ربانيين وذلك لنسلم، اللام لام العاقبة أو لام كي للتعليل، ونسلم أي نخلص، ونكون لله تعالى حده، وقد أسلمنا وجهنا لله مخلصين له سبحانه.
وهنا كان البناء للمجهول لأن الآمر معلوم، وهو في صدورنا وأطواء نفوسنا، ولم تذكر المأمورات، ولكن ذكرت نهايتها وغايتها، وهو أن نسلم لرب العالمين الذي خلقنا وربانا، ويقوم على عامة أمورنا وخاصتها، وهو الحي القيوم.
ويلاحظ أن الله تعالى أمر نبيه أن يقول أندعو ما لَا ينفعنا ولا يضرنا، وكل ما كان من بعده بصيغة المتكلم ومعه غيره، وذلك لأن النبي ﷺ كما أمره ربه، كان يتكلم ومعه المؤمنون المخلصون الذين لاقوا الشدائد في مكة حتى هاجر منهم إلى الحبشة من هاجر، وقد آذاهم المشركون يريدون ردهم على أعقابهم بعد إذ هداهم الله.
فالله تعالى أمر نبيه بأن يقول هذا القول عنه وعنهم، ليلقي اليأس في قلوب المشركين من أن يعود أحد إلى الشرك بعد الوحدانية، وإلى الكفر بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان.
стр. 3337
وقد قال من بعد أن ذكرنا ما قرره النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين:
* * *
стр. 3338
(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢)
* * *
حكى النبي ﷺ أمر الله تعالى بالصيغة التي أمره الله تعالى بها، فقال: (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ) وهذا عطف على معنى (لنسلم)، أي أمرنا سبحانه بأن نسلم لله رب العالمين، وأمرنا أن نقيم الصلاة، وكان الأمر بإقامة الصلاة بصيغة قول الله تعالى، لَا قول النبي ﷺ لمكانة الصلاة في الدين، فإنه لَا دين من غير صلاة، فهي عموده، وهي لُبه، وهي مظهره ودلالته، والوحدانية أظهر ما تكون في الصلاة فهي عبادة الله وحده لَا يشرك به شيئا فيها، إلا أن يرائي، فهذه ليست صلاة.
وطلب الله تعالى من المؤمن إقامة الصلاة بأن يأتي بها مقومة كاملة في أركانها الظاهرة، ومعانيها من خشوع وخضوع، يتحقق فيها قوله تعالى: (. . . إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكبَرُ. . .).
وأورد إقامة الصلاة بالأمر بالتقوى فقال تعالى: (وَاتَّقُوهُ) أي اجعلوا بينكم وبين الله تعالى وقاية بينكم وبين غضبه بإطاعته حق الطاعة فيما يأمر وينهى، وأن يملأ نفسه بتقواه دائما، فيذكره في سره وعلانيته، ويملأ قلبه بخشيته، ويحس بأنه يراه دائما، ويعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور، يحس بأنه مع الله دائما، وبذلك يتربى فيه معنى الربوبية.
وذكر تعالى ما يربي التقوى في النفس، فقال: (وَهُوَ الًّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي وآمنوا بأنكم إليه تحشرون وهذا التعبير السامي يتضمن ثلاث حقائق يجب الإيمان بها:
الحقيقة الأولى - البعث وأن الناس يجتمعون بين يديه ، وأن الإيمان بالبعث هو سر الإيمان وهو علو بالنفس الإنسانية إلى المرتبة السامية فلا يكون آكلا شاربا فقط يقول: (إِنْ هِي إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعوثينَ)، بل يعلو بإنسانيته يفعل الخير، ويرجو الجزاء.
стр. 3339
الحقيقة الثانية - أن الملك لله وحده، وأنه في هذا اليوم هو الحكم وحده، فهو مالك يوم الدين، وقد دل النص السامي على ذلك بقوله: (إِلَيْهِ تُحْشرونَ) بتقديم " إليه " على الفعل أي إليه وحده تحشرون، فالمصير إليه سبحانه.
الحقيقة الثالثة - الحساب والعقاب والثواب فهو نهاية الحشر فتجزى كل نفس ما كسبت.
وقد ذكر سبحانه ما يدل على البعث والنشور بكمال قدرته فقال تعالت حكمته:
* * *
стр. 3340
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ... (٧٣)
* * *
أي خلق السماوات والأرض وما فيهما، بالأمر الثابت وهو الحق، أي خلقه قائما على الحق والحكمة، وأنه قدر وجود هذا الكون بحكمته، وما خلقه ليفنى وينتهي، بل خلقه ليبقى، ويستمر، وهذا كقوله تعالى: (أَفَحَسِبْتمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجعُونَ). بل إنكم راجعون وستبقون إما في نعيم مقيم وإما في عذاب خالد وقال القرطبي: معنى بالحق، أي بكلمة الحق، وهي كن، وما ذكرناه أوضح.
ثم بين أن بعثهم ليس شيئا عسيرا ولا بعيدا ولا غريبا، بل إن البعث يكون بكلمة هي الحق فقال تعالى: (وَيَوْمَ يَقُولُ كن فَيَكُونُ). أي هذا القول الثابت الذي هو حق في ذاته، وهو كن فيكون أي أنه بقوله تعالى: كن، فإنه يكون كل شيء قد حضر فيجمع ما بعث من القبور، ويخرج الناس أشتاتا، مهما يكونوا وأينما يكونوا، كما قال تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)، فيوم يقول كن فيكون يكون البعث الكامل.
وقد قال إن قوله هذا هو الحق الذيِ لَا ريب فيه، وإنه آت لا محالة، ولذا قال: (قَوْلُهُ الْحَقُّ) وهو مبتدأ خبره (يوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ) أي
стр. 3341
الظرف الذي تعلق بالخبر، ووصف ذلك بالحق لما أحاطه من إنكار وجحود، واستغراب وعجب، كما قال تعالى: (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .)، وأن الله تعالى يذكر حال ذلك اليوم الذي يقول قوله الحق (كُن فَيَكُونُ) يكون الملك الثابت الدائم الذي لَا يشاركه فيه أحد؛ ولذا قال تعالى: (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّورِ) والصور كما يقول القرطبي - قرن من نور ينفخ فيه بقدرة الله تعالى فيكون الجمع مما بعث في القبور من بعده الحساب والعقاب أو الثواب كما قال تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١).
وقد وصف الله تعالى ذاته الكريمة بما يدل على أنه يعلم كل ما يفعله الذين يبعثون، فقال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي يعلم ما غيّب، وما يشهد ويحضر، أي يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويكافئ الناس على ما عملوا إن خيرا فخير، وإن شرا فشر وكل امرئ بما كسب رهين.
وإن ذلك كله على مقتضى حكمته وعلمه الذي لَا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض؛ ولذا ختم النص الكريم بقوله تعالى: (وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ).
* * *
стр. 3342
إيمان إبراهيم بعد تفكير وتأملاته في الكون
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
* * *
كان الكلام في الآيات السابقات في الأصنام، وأنها لَا تنفع ولا تضر، وأنها لا تملك من أمر نفسها شيئا، حتى تملك من أمر غيرها، ممن يدعونها واقعين تحت أوهام تضافرت وتكاثرت عليها السنون حتى صارت كأنها حقائق في زعمهم، وقد ذكر الله كيف أنكرها أبو العرب الذي يعتزون بنسبهم إليه، وأنه عدها ضلالا مبينا، وخاطب بذلك أباه مستنكرا، ورؤية الحقائق باررة من لسان شخص يكون أشد أثرا، وأنقى فكرا وأبعث على الاعتبار.
стр. 3343
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً).
" إذ " ظرف للزمان، والمعنى اذكر لهم ما كان في الماضي من موقف أبيهم إبراهيم ﵇ من الأصنام، إذ قال لأبيه الذي كان يحبه، ويؤثره، مستنكرا ما كان منه من عبادة: أتتخذ أصناما آلهة؛ وهو استفهام إنكاري للتوبيخ، ولم يمنعه مقام الأب من أن يوبخه على عظيم ما يرتكب مستنكرا فعله: أتتخذ أصناما مصنوعة صنعتها أنت وأمثالك أتتخذها آلهة تعبد، أي أتتخذ من صناعتك آلهة معبودة، إن ذلك ضلالا مبينا تصنعه الأوهام في العقول حتى تجعل غير المعقول اعتقادا، ولذا قال لأبيه الذي كان يحبه: (إِنِّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ) إني أراك مع قومك (فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ)، أي بين واضح، والتعبير باسم الفاعل (مبين) للمبالغة في وضوح الضلال أي الضلال مبين لنفسه موضح لها، إذ كيف تصنع بيديك حجرا، ثم تعبده، هذا إجمال كلامه لأبيه، ولقد فصل الله مقالته لأبيه، في آية أخرى، فقال تعالى حكاية للمجاوبة التي كانت بينهما: (. . . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨).
اعتزل قومه وأباه، وكان في بلد يعبد أهله النجوم، ولهم علم بها فانصرف إلى تعرف حال النجوم التي يقدسونها، ويجاريهم في تقديسها، حتى تبين له ولهم أنها غير جديرة بالتقديس والربوبية، لأنها متغيرة وتأفل وتختفي ثم تظهر، وذلك ليس شأن الإله الخالق المنشئ المبدع.
* * *
стр. 3344
قال تعالى:
стр. 3345
(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (٧٥)
* * *
كهذا الإلهام الذي ألهمه إبراهيم صغيرا من إنكاره الأصنام، نرى إبراهيم سر الوجود نريه (ملكوت): أي ملك، وزيدت الواو والتاء للمبالغة في ملك الله تعالى، وأنسب أنها للمبالغة في سر الملك، وهو دلالته على الخالق المنشيء ليعلم ويعرف، ويحكم بالحق، وقال تعالى: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)، الواو لطعطف على فعل مفهوم من مضمون الكلام السابق، إذ تقدير القول نرى إبراهيم سر الملك في السماوات والأرض، وما يدل عليه ليعرف الله تعالى، وليكون من الموقنين الذين يعرفون الحق، ويجزمون به من دليله، ومن المعاينة التي تكشف عما غيب، لتَعَرُّف الغيب من مظاهر الحس.
قد أخذ إبراهيم ﵊ وهو بعد لم يبلغ أشده كما تدل على ذلك الأخبار الصحاح يتعرف الإله على ما يجري عليه علمهم، وما يقدسون، لقد كانوا يقدسون الكواكب أو يعبدونها ويسمون أصنامهم بأسمائها، أخذ يتتبع النجوم والكواكب، يتعرف خواصها في ظهورها، وخفائها، وذلك في الليل، لأنه وقت ظهورها، إذ ضوء الشمس يخفيها.
* * *
стр. 3346
(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي ... (٧٦)
* * *
مسايرة لهم في تفكيرهم واعتقادهم، أي على حسب ما تدعون وما تعبدون، (فَلَمَّا أَفَلَ) واختفى، وجده قد تغير من حال ظهور إلى حال اختفاء، وليس ذلك شأن الرب القائم على كل شيء؛ ولذا أثبت لهم لأول وهلة أن هذا لَا يمكن أن يكون ربا وقال مبينا بغض هذه الحال، وأنه لَا يعبد ما يكون على هذه الشاكلة، (قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)، وإذا كنت لَا أحبها فإني لَا أعبدها؛ لأن العبادة محبة، وإذا فقدت المحبة فلا عبادة.
واتجه إلى كوكب آخر وهو القمر، فقال الله تعالى عنه:
* * *
стр. 3347
(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا ... (٧٧)
* * *
أي باديا في أوله - (قَالَ) مسايرا لهم ومتجها في الظاهر اتجاههم أو ظانا: (هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ) تبين أنه لَا يصلح إلها، وأراهم رأي العين أنه لَا يصلح إلها (قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ).
стр. 3348
ولقد قال المفسرون أو الكثير منهم: إنه ما قال في واحدة هذا ربي مؤمنا بذلك أو ظنا له، وإنما قاله مسايرة لهم في اتجاههم ليبين من وراء ذلك بطلان ما يعتقدون على أساس أن تساير مجادلك فيما يعتقد، ثم تبين نتيجة قوله، وأنه ينتهي إلى غير الحق فتأخذه معك إلى الحق برضا واختيار، أو بقطع وإفحام.
وقال بعض آخر من المفسرين: إنه يتلمس الإله الذي يعبد بحق، بفطرته المستقيمة المدركة التي أدرك بها أنه لَا يمكن أن يكون ما يجري عليه الأفول إلها، فهو عندما قال: هذا ربى على النجم وقد كان يظنه ربا، فلما أفل عدل عن وصفه بالربوبية.
وهذا ما نراه، لأنه يتفق بعد ذلك مع قوله عندما رأى بزوغ القمر وأفوله إنه علم أنه ضال إن اعتمد على تفكيره من غير أن تلمسه نعمة الهداية من الله الذي علم مظاهر ألوهيته، وتلمسها فيما يعتقد قوِم أبيه في الكواكب والنجوم -، والشمس والقمر، وقال: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) أقسم أنه أصبح في حاجة إلى هداية من ربه يهتدي بها في هذا الديجور، فاللام لام القسم، واللام الأخيرة في جوابه، وأكد أنه يكون من الضالين الذين لَا سبيل عندهم إلى الهداية إلى الحق في الألوهية، إن لم يهده ربه الذي لَا يعرفه، ويريد أن يعرفه.
وإن هذا الكلام يدل على أنه يعلم أن له ربا هو الذي أنشأه ورباه، ويقوم على حفظه وصيانته، ولكن ما هو؛ لقد تلمسه في كوكب ساطع من الكواكب في دُجُنَة الليل البهيم كأهل بلده، فلم يجده، وتلمسه في القمر فلم يجده، فاتجه طالبا الهداية إليه، وإن كان لم يعرفه في النجوم.
ثم عاوده طلب المعرفة في الشمسِ الساطعة التي هي ضياء الوجود، وتمده بالدفء والحرارة.
* * *
стр. 3349
(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)
* * *
تتبع الكواكب متدرجا إلى القمر، ثم تدرج إلى الشمس التي تمد الوجود كله بالنور في النهار، والدفء في الليل والنهار، وتمد الأحياء من
стр. 3350
حيوان ونبات، وأشجار بعناصر الحياة، اتجه إليها، فلم يجد فيها معنى الإله الذي لا يتغير ولا يتبدل؛ ولذا رفض شرك أولئك الذين يعبدون الكواكب، ويظنونها قادرة على كل شيء، وابتدأ من أصغرها إلى أكبرها، وقال ﵇: (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) لَا أعبده، ولا أشركه مع القادر سبحانه.
انتهت نظرات إبراهيم الناشئ. وسياق المؤرخين يدل على أنه في ذلك الإبان كان ناشئا، ولم يكن قد بلغ أشده - اتجه إلى رفض عبادة النجوم، والأصنام التي تسمّت بأسمائها، واتجه إلى خالق الكون وما فيه، ومن فيه، وإنه قد آمن بأن له موجدا لَا محالة، وبطل أن يكون كوكبا أو نجما، أو قمرا أو شمسا، فلم يبق إلا أن يكون موجودا واجب الوجود، وليس واحدا مما رأى.
ولذا اتجه إليه وحده، لَا على أنه قد عرف ذاته، ولكن عرف وجوده وكفاه ذلك معرفة؛ ولذا قال الله تعالى عنه.
* * *
стр. 3351
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
* * *
إني وجهت نفسي، وعبر عن ذلك بوجهه؛ لأن الوجه هو الذي يواجه به، ويتجه به إلى ما يتجه، ولأنه مظهر الخضوع والطاعة وبه يكون السجود، فكان الوجه له مظهر يجعله صالحا لأن يعبر به عن الجسم كله.
اتجه إلى الخالق لأنه عرفه مما خلق، والأثر يدل على المؤثر، و (فطر) معناها أنشأه وأوجده على غير مثال سبق، وهذا يدل على أن الفطرة السليمة تدرك بذاتها من فطرها؛ ولذا قال تعالى في دين الحق: (. . . فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكثرَ النَّاسِ لَا يَعْلَقونَ).
وإن بعض العلماء كالظاهرية يرون أن إدراك الله تعالى بدهيٌّ يدرك بالبداهة، لَا بالبرهان ذلك أن إبراهيم ﵇ أدرك الله تعالى بفطرته بعد أن أبعد عنها ضلال الوثنية، ولأن أوهام الوثنية غشاء صفيق يحول بين الفطرة وإدراكها السليم.
стр. 3352
وقد صنع الشاب إبراهيم ﵇ صنيع المدرك الفاهم، فأخذ يزيل هذه الأوهام بعقله الصافي النافذ إلى الحقائق؛ أزالها عن نفسه، وأزالها عن غيره، ولكن آمن، وغيره لم يزلها من عقله الذي لصقت به، فلما زالت الأوهام اتجه فورها إلى ربه الذي أنشأ هذا الوجود، واستدل من هذا الوجود الممكن إلى وجود الله تعالى الكامل الموجود الأول والآخر والظاهر والباطن، والقادر على كل شيء سبحانه.
وقد وصف نبي الله إبرهيم بقوله: (حَنِيفًا) أي متجها ناحية الحق وحده دون غيره، فهو الحق وإن لم أرَه وهو الكمال وإن لم أحسه بالجارحة فقد أدركته بعقلي وقلبي، وهو ملء نفسي.
وقد ختم بقوله: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) نفي أن يكون من المشركين، فذكر ضمير المتكلم في موضع النفي، وقد نفي أن يكون في عداد المشركين الذين أشركوا النجوم مع الله أو الأصنام التي تسمت بأسمائها، وبذلك انخلع من الشرك وأهله، وصار حجة للمؤمنين على الكافرين.
* * *
стр. 3353
بين العقل والأوهام
(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)
* * *
انتهى إبراهيم بعد أن تعرف الكواكب وأحوالها، وأن واحدا منها لَا يمكن أن يكون الذي يعبد، وأن الأصنام لَا تنفع ولا تضر اتجه إلى خالق الكون، واعتزل الشرك، وقال: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُون مِن دُونِ اللَّهِ. . .). وبعد هذا أخذوا يحاجونه في أمر أصنامهم وقوتها وهددوه بأنه سيصيبه منها ضرر، وهو يقول لهم: إن كانت تأكيد وتضر، فكيدوني ولا تنظروني.
والمحاجة التي أقاموها بينهم وبينه كانت محاجة بين اثنتين أحدهما اعتمد على الهداية والعقل، والثاني اعتمد على الخرافة والوهم، ولقد قال تعالى:
стр. 3354
(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ) والمحاجة أن تكون مناظرة، ويقدم كل واحد من المتناظرين حجته ويدلي ببرهانه، وقد عجب إبراهيم - عليه الصلاة السلام - أن يحاجوه في الله تعالى منكرين له، وقال: (أَتُحَاجُّونِّي فِى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ). والاستفهام إنكاري لإنكار الواقعِ، وإنكار الواقع توبيخ، فهو يوبخهم ويؤيسهم من نتيجة المحاجة فيقول (وَقَدْ هَدانِ) أي أنه لَا مطمع لكم في أن أعود إلى عبادة الأصنام وقد هداني الله تعالى ووفقنى لأن أدرك أنه وحده المعبود بحق، ولا معبود سواه.
وتدل الآية الكريمة على أن أوهامهم زينت لهم أن أصنامهم قادرة على إنزال الأذى فخوفوه من الأذى، وقد ذكر محاجتهم لإبراهيم ﵇ في مواضع من كتابه العزيز، فقد قال تعالى: (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦).
وجاء في محاجتهِم: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢).
هذه عبارات من المحاجة التي أثبت بها أنه هداه، ولا يصح أن يتوهموا أنه يعود إليهم بعد أن هداه الله وقد هددوه بأن تصيبه آلهتهم بأذى رجاء أن يخاف ويسكت عن أصنامهم فحطمها، وجعلها جذاذا إلا كبيرها.
ولكنه قد اعتصم بالله تعالى، وهو يرى أنها لَا تضر ولا تنفع، وهكذا نجد العقل والهدى في صدام مع الوهم والضلال؛ ولذا قال لهم في إدراك عقلي مستقيم:
стр. 3355
(وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ) أي إنني لم يستول عليّ الوهم كاستيلائه عليكم، فأخاف مما تشركون عبادته مع الله تعالى، فأنا أعلم أنها لَا تضر ولا تنفع، وهي أحجار صماء، تنقل من مكان إلى مكان فكيف أخاف منها، كيف أخاف من حجر لَا يسمع ولا يبصر، تصنعونها بأيديكم وتعبدونها بأوهامكم.
وقد كان إبراهيم حريصا في إجابته، ويخشى أن يصيبه قدر، فيتوهمون أن ذلك من سر آلهتهم، فقطع عليهم ﵇ أسباب ذلك، وقال مطمئنا إلى قضاء الله تعالى: (إِلَّا أَن يشَاءَ رَبِّى شَيْئًا) هذا استثناء يدل على أمرين: أولهما - تفويضه لله تعالى في كل أموره، وأنه راض بما يقدره الله تعالى له، يتقبل ما يأتي به، وأنه وحده الذي يفعل ما يشاء.
ثانيهما - الرد عليهم في أن أصنامهم تستطيع أن تفعل شيئا، إنما الأمر كله لله وحده، هو الذي يصيب بالضرر إن شاء وهو الذي ينزل الخير من سحائب رضوانه إن شاء.
وأنه قادر على ذلك، وهو القادر وحده، وهو العليم بكل شيء يضع الأمور في مواضعها، لَا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكل شيء على مقتضى علمه بما كان، وما سيكون، ولذا قال تعالى: (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) وهو تمييز محول، ومعناه: وسمع علم ربي كل شيء، وفي تأخير التمييز إيهام مؤقت للتشويق، وبذلك يثبت في النفوس علم الله تعالى فضل ثبوت.
وذكره لله تعالى بوصف " ربي " للدلالة على أنه يستشعر معنى الربوبية دائما، فهو الذي رباه، وهو الذي يحميه ويحفظه من كل ضر وسوء، إلا أن يكون ذلك من حكمة أرادها، وهو العليم الخبير.
ثم قال تعالى: (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) الهمزة للاستفهام، والفاء للإفصاح، والمعنى إذا كان الأمر كله بيد الله تعالى وأن أحجاركم لَا تنفع ولا تضر، أفلا
стр. 3356
تتذكرون الأمور، وتعرفونها على وجهها، والاستفهام هنا للتحريض على التذكر، ولقد كان حالهم مع إبراهيم، كحال قوم هود مع نبيهم فقالوا له: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا. . .).
إن حال هؤلاء الذين ساروا وراء الأوهام عجب، يخوفون نبي الله تعالى من أن يصيبه سوء من أحجارهم التي لَا تضر ولا تنفع كما هو مشاهد بالحس ومدرك بالعقل، ومع ذلك لَا يخافون أن ينزل بهم مقت من الله تعالى الذي يملك الوجود كله، اكهتهم، وغيرها.
ولذا قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇:
* * *
стр. 3357
(وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ... (٨١)
* * *
الاستفهام هنا للتعجب من المفارقة التي كانت منهم، وهي مفارقة عجيبة يخوفون إبراهيم من أن تصيبه آلهتهم بسوء، ومع ذلك لَا يخافون هم من إشراكهم بالله ما لم ينزل به سلطانا، والعجب من ناحيتين: أولاهما - أن أصنامهم لَا تملك نفعا ولا ضرا، والله تعالى يملك كل شيء يملك النفع والضر، والإنقاذ من أسباب الضرر.
وثانيتهما - أنهم يخوفون إبراهيم ﵇ ولا سبب للتخويف ولا يخافون، وقد توافر سبب الخوف، وقوله تعالى: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) قالوا: السلطان هو الحجة، وقد ورد السلطان بمعنى الحجة في آيات من القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ. . .).
стр. 3358
و (مَا) دالة على الأصنام التي صنعوها، و (مِن سُلْطَان) لاستغراق النفي، أي ما لم ينزل به سلطانا أي سلطان كان، والتعبير عن الحجة هنا بالسلطان، إشارة أولا إلى أنه لَا دليل يسوغ عبادتها، وثانيا أنها: لَا قوة لها، ولا سلطان لها، حتى تصيب بسوء أو بنعمة، إنما هي أوهامكم التي جعلت لها تلك الصفة.
وقد رتب الله تعالى على هذه الحال أن قال تعالى: (فَأيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). الفاء هنا فاء الإفصاح الذي يفصح عن هذا الشرط المقدر، أي إذا كنتم تلجأون إلى من لَا يضر ولا ينفع، وتحسبون أنه يمس من لا يعتقد به، وإبراهيم يلجأ إلى الله تعالى الذي يملك كل شيء، فأي الفريقين أحق بأن يكون في أمن لَا خوف أهو الذي يلجأ إلى الله القادر على كل شيء أم الذي يلجأ في عبادته إلى أصنام لَا تضر ولا تنفع؛ وعلق الحكم على العلم؛ لأنه لَا حكم من غير علم؛ ولذا قال : إِن كنتُمْ تَعْلَمُونَ) أي إن كنتم تدركون الأمور على وجهها، ولا تسيطر عليكم الأوهام التي تضل ولا تهدي، وقال في أداة التعليق التي تفيد الشك في العلم، لَا اليقين فيه، وإنه لا ريب الحكم واضح بين، وهم الذين يعبدون الله وحده، ولا يلجأون إلا إليه في خوفهم.
ولذا قال تعالى في بيان الفريق الآمن:
* * *
стр. 3359
(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)
* * *
إذ الأمن من الخزي في الدنيا، ومن عذاب الله تعالى في الآخرة، يكون لفريق الإيمان، وهم الذين يؤمنون بالله تعالى ولا يخلطون إيمانهم بأي ظلم، ولا يعبدون مع الله غيره، ولا يقدمون أي شيء إلا بأمره، و " لبس " هنا معناها خلط.
وقوله: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) هنا فسره النبي ﷺ بالشرك، روي أنه لما نزلت هذه الآية (الًّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال ﷺ : ليس الذي
стр. 3360
تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ باللَّه إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١).
وكان الشرك ظلما، لأنه تجاوز الحد المعقول، إذا كان الظلم تجاوز الحد، فالشرك أشد الأمور تجاوزا للحد، وقد فسر الزمخشري الظلم بالمعصية سيرا على مذهب من أن مرتكب الكبيرة غير مؤمن، وقد نرى تفسيره من غير أن ننتهي إلى نهايته؛ لأن العصاة وإن كانوا يدخلون في أهل القبلة ليسوا في أمن من العذاب إنما يعذبون بمقدار ذنوبهم إلا أن يتغمدهم الله تعالى برحمته.
وقال بعض المفسرين: إن الظلم الذي يعد شركا ما يلبسون به إيمانهم وهو الذي يقرره عباد الأوثان من أنهم يؤمنون بأن الله خالق السماوات والأرض ولكنهم يجعلون الأوثان مع الله لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما جاء في قوله تعالى (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣).
وإن هذا التفسير ينتهي إلى أن الشرك هو الظلم، ولكنه يبين لنا لماذا عبر الله تعالى بقوله: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) أي بشرك، فإنه يكون هذا التعبير ردا على المشركين الذين يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فإنهم يكونون مشركين في عبادتهم، ولو كانوا معتقدين أن الله وحده هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه وحده الذي ينجي من ظلمات البر والبحر، وأنه وحده الذي يكشف الضر، وأنه وحده الذي يلجأ إليه، وإنهم مع هذا الاعتقاد مشركون أوثانهم مع الله تعالى في العبادة، ومناط الشرك هو الإشراك في العبادة، وخلوص النفس في العبادة لله وحده هو الوحدانية الحق، وقد قرر الله تعالى أن الأمن لهؤلاء الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك، ولذا قال تعالى: (أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) الإشارة إلى الموصوفين بالإيمان الذي لم يخالطه ظلم أو شرك،
стр. 3361
بسبب هذين الوصفين كان لهم الأمن من أن يصيبهم في الدنيا سوء، وإن كان يصيبهم نصب وتعب في الحياة الدنيا، وينالون الأمن المطلق في الحياة الآخرة والنعيم المقيم فيها، ورضوان الله تعالى، وأي أمن أعلى من هذا؟ ووصفهم الله تعالى بوصف فيه راحة النفس واطمئنان البال وهو نعمة الهداية فإنها وحدها نعمة لَا يحس بها إلا المهتدون.
انتهت محاجة إبراهيم لقومه الذين كانوا يعبدون الأوثان والكواكب والنجوم، وقد كانت محاجة بين حكم العقل، وحكم الأصنام، وانتهت المحاجة ببيان أن الأمن والهداية في جانب الحق، ولقد قال إن حجة إبراهيم هي حجة العقل، وهي الجديرة بأن تنسب إلى الله، ونسبها الله إليه. فقال تعالى:
* * *
стр. 3362
(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)
* * *
الإشارة في قوله: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا) هي الإشارة للبعيد، وهي تبتدئ من وقت أن جن الليل فرأى كوكبا فظنه ربه، ثم لما أفل نفر منه، وأنكر أن يكون ربا، ولما رأى القمر بازغا ظن هذا ربه، فلما أفل أحس أنه ضال إذ يتبع النجوم والكواكب في أفلاكها ثم رأى الشمس، فبهره ضياؤها وحجمها، فظنها ربه فلما أفلت علم أن ربه ليس كوكبا، ولا نجما مهما يعظم حجمه، وأن ربه هو خالق الشمس والنجوم، والوجود كله، ثم من بعد ذلك حاجه قومه فأفلج عليهم، الإشارة إلى كل هذا فكانت للبعيد، ولعظم الفكر وقوة الاستدلال مع البعد كانت الإشارة للبعيد، وأضاف الله الحجة إلى ذاته العلية إعلاء لمكانتها، ولصدقها، وتشريفا لمن أجراها على لسانه وقلبه، وقوله تعالى: (آتَيْأَهَا) أي أعطيناها له بإلهام الفطرة السليمة، والعقل الحنيف الذي لَا يميل إلا للحق، ولا يتجه إلا إليه، وكانت هذه حجة قوية، أفلج (١) بها على قومه، وقامت حجة
стр. 3363
عليهم فيما يفعلون ويتوهمون، ويزعمون ثم يعتقدون الباطل الذي ليس فيه حق، ولا شبهة حق، إنما البهتان العظيم، والظلم العظيم للحقائق.
وإن الله تعالى اختار إبراهيم أبا الأنبياء لتقوم به الحجة؛ لأنه لم يخلق الناس في الفكر والعلم على سواء فمنهم الهادي المرشد، الذي اختاره الله تعالى ليكون رسول الحق إلى الناس، ورسوله إليهم، ومنهم الضال الذي يطلب الهداية ومنهم من أركس في الشر، وختم الله على بصيرته وسمعه وبصره، فلا يدرك حقا، ولا يستمع لداعي الحق؛ ولذا قال تعالى: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) الدرجات المراتب العالية في الهداية والتوفيق، وعبر بالمضارع " نرفع " لتجدد الرفعة المستمرة، فالوجود الإنساني يستمر الخير فيه بوجود الهداة المرشدين، والمستمعين الأخيار الذين يستمعون فيقولون سمعنا وأطعنا، وبجوار هؤلاء أولئك الذين يستمعون طيب القول، فيقولون سمعنا وعصينا، وبذلك يتفاعل الخير والشر في هذه الحياة، وسيق لبيان العاقبة للمتقين، قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩).
وقد ختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ). إن الله الذي رباك وقام على نفسك وعلى عقلك، وهدى الأنفس فجورها وتقواها، وعلمك ما لم تكن تعلم، عليم بكل شيء، حكيم يضع كل شيء بميزان، وله فيما يشاء ويختار الحكم والعبر البالغات، تبارك الله رب العالمين.
* * *
стр. 3364
أبو الأنبياء
(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)
* * *
بعد أن بين الله تعالى هداية إبراهيم ﵇ والتفكير المستقيم الذي هداه إلى ربه، وأن الله رفعه بذلك الإدراك المستقيم، ليكون هاديا مرشدا، ذكر الله ذريته من النبيين الهداة المهديين من بني إسرائيل، ومن العرب، وأشار سبحانه إلى من سبقه من النبيين، فذكر نوحا، وهو من قبله.
لم يستطع إبراهيم المقام في قومه بعد أن بلغ ما بلغ من الإدراك، وبعد أن اتسعت الهوة بينه وبينهم عندما جعل أصنامهم جذاذا وألقوه في النار، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ
стр. 3365
التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)
رأى إبراهيم ذلك، وأنه لَا مقام له بينهم، ولا قبل له بتحويلهم، فهاجر واعتزلهم، وأخذ يطوف في الآفاق فذهب إلى بلاد الشام، وإلى مصر، وأخذ رسول التوحيد يبث التوحيد في كل ركن، ولا يصاحبه إلا امرأته ومعه ابن أخيه لوط ﵉.
عوضه الله تعالى عن هذا الانفراد في هذا التطواف أن وهب له إسحاق ويعقوب، ومن جاء من ذريتهما، وأن جعل من ذريته إسماعيل ويونس ولوطا.
وإذا كان قد عاش مفردا داعيا إلى الله تعالى بين الوثنيين في الأرض فقد عوضه عن هذا الانفراد بأن جعل في ذريته النبوة والحكمة، وقد قال تعالى فور اعتزاله لقومه، وهجرته عنهم: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا). وإن هذه المهمة لم تكن فور اعتزالهم، بل بعد أن جاهد داعيا إلى الوحدانية في وسط المدينة حينما كان في