← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢) * * * في الآيات السابقة ذكر الله تعالى آمرا نبيه أن الله على بينة ويقين من أمر ربه، وذكر أن المشركين يستعجلون ما ينذرهم الله تعالى، ويذكر الله تعالى ما نزل بغيرهم، والنبي يترك الأمر لحكم الله يفصل بينه وبينهم، والفصل الحق يقتضي علما واسعا، وتنفيذه يقتضي قهرا غالبا، وسيطرة كاملة، فذكر سبحانه اختصاصه بالعلم الكامل، والقدرة القاهرة، والسيطرة الكاملة؛ ولذا قال سبحانه:

стр. 3292

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ). المفاتح جمع مِفْتح، وهو المفتاح فيقال مفتح ومفتاح بمعنى واحد، وقيل من بعض النحويين: إن مفاتح جمع مفتاح، إذ يجوز نحويا حذف الياء، كما يقال في محاريب جمع محراب، محارب بحذف الياء، وهناك قراءة، (وعنده مفاتيح الغيب) والمعنى واحد في القراءتين، وقال بعض المفسرين: إن المراد خزائن الغيب أي الأسرار المكنونة في علم الله تعالى. والأكثرون على المفازح هي جمع مفتاح، وهو ما يتوصل به إلى ما يكون بداخل الشيء، فمعنى قوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) لَا يتوصل إلى غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول، فإنه يعطيه غيبا بما اختزنه في علمه المكنون إن أراد وبمقدار يقدر حسب المصلحة والحكمة كما أعطى عيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما. والغيب ما غيب واستتر، والكلام فيه استعارة تمثيلية تشبه بحال علم الله بالغيب واستتاره عن الناس - إلا من أراده - بحال من يكون معه مفاتيح خزانة لا يصل إلى ما فيها سواه، وقد تأكد علم الله تعالى بالغيب وحده، وأنه لَا يعلم أحد إلا من جانبه، بأمرين: أولهما - التقديم، فقال سبحانه: (وَعِندَهُ) بتقديم

стр. 3293

الظرف للقصر، الأمر الثاني - بالقصر الصريح، بنفي العلم عن غيره وإثباته له وحده إذ قال سبحانه: (لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)، ثم بين دقة علمه بالمغيب وعمومه، فقال تعالت كلماته: (وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) أي أنه سبحانه يعلم ما في البر من حيوان يدب، وطائر يطير، وكهرباء، وفضاء، وحرارة ونظم كونية رتبها سبحانه وسخرها لابن الأرض، حتى وصل إلى جوف الفضاء وارتقى إلى الكواكب والنجوم، كما علمهن على ظهر الأرض، ولذلك عبر بالبر، ولم يعبر بالأرض، ليشمل التعبير الأرض، وما فوقها، وما بينها وبين السماء من فروج، ويعلم سبحانه أحياء البر، وكيف يكونون، لأنه خالقهم، وذلك تقدير العزيز العليم. ويعلم ما في البحار من أسماك وجواهر ولآلئ، والجاريات المنشآت في البحر، وفي البحر عالم، ولسير البحار نظم، ولاستعمالها قوانين نظمها بإرادته الحكيمة رب العالمين، وخالق السماء والماء، وكلها مسخر للإنسان، يستعملها في العمارة والبناء، وفي التخريب والفساد، وكل ذلك بتمكين الله تعالى: (. . . لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. . .). (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ). هذا نوع تفصيل بعد إجمال، وقد اختير ما يكون ظاهره تحت أنظار الناس، وأسراره في علم الله تعالى العليم الخبير اللطيف البصير، وقد ابتدأ بالأوراق التي تسقط، فقال سبحانه: (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) و (من) هنا الدالة على عموم العلم، وعلم الله ليس كعلمنا الظاهر المبني على البصر، إنما علمه هو العلم بأصل تكوينها، وسير نموها، فهو يعلم الأشجار التي علقت بها كيف غرست، وكيف كونت، وكيف نمت جذورها وتفرعت فروعها وتهدلت أغصانها، وكيف تكونت أوراقها، وأندت بالحياة حتى اخضرت وازدهرت، ثم كيف جفت وسقطت فذلك بعض علم الله تعالى، وهو علم بغيبها، ولا يعلم ذلك العلم سواه؛ لأنه

стр. 3294

هو الذي برأها، ونماها وربَّها، وفي الجملة هو الكامل العلم بالغروس والأشجار، ثم ذكر من بعد ذلك علمه الكامل بالزروع، فقال: (وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ) أي يعلم حال الحبة التي تلقى في جوف الأرض، وهو ظلماتها، وعبر عن داخل الأرض بظلمات وهو ظلمة واحدة؛ لأنه ظلمة متكاثفة متكاثرة بسبب جهل الإنسان ما يجري في باطنها من أسباب لَا يدركها الإنسان إلا بعد أن تظهر، فهو لا يعرف كيف ينتفع من الماء، وكيف تمد بالغذاء من أرض صالحة، وسماد مخصب، وكيف تتنوع في نموها، وهي تسير السير الفطري الذي سنه الله ، أي أكد أن الله وحده هو الذي يعرف كيف يتكون من الحبة نبات يستوي على سوقه وكيف يشتد ويغلظ سوقه ليعجب الزراع. فالنص الكريم جمع فيه تكوين الأشجار والغروس، وتكوين الزروع والحب، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِق الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ. . .)، وبعد أن بين سبحانه علمه بإنشاء الغروس والزرع بين علمه الكامل بثمرات الغروس والنباتات في ضمن علمه الكامل بالرطب واليابس، فقال تعالى: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) وتفسير العلماء للرطب يتجه إلى اتجاهين: أولهما - تفسير الرطب واليابس بما يناسب الورق والحبة، وهو ما يكون ثمرًا. للأشجار رطبا أو جافا من عموم الثمار كالموز والتفاح، والقصب، وغير ذلك، وفيه توجيه للنعمة التي أنعم الله بها على عباده فوق إحاطة علمه، وقدرته في التكوين والإبداع. وبعض المفسرين يرى أن الرطب واليابس في كل الوجود، فهو يعلم اللين والجامد في كل شيء، فهو يعلم ما في باطن الأرض من فلزات ومعادن كريمة، ومعادن سائلة، وما يكون في باطن الأرض من أحجار نباتية وغير نباتية وسائلة وجامدة. وإني أرى ذلك الرأي وأختاره ليكون ذلك تقريبا لأكبر قدر من النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده.

стр. 3295

ويقول سبحانه مؤكدا تمام العلم الذي لَا يغيب عنه شيء: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) أي أنه ثابت لَا تغيير فيه ولا تبديل فهو عالم بكل شيء علما ثابتا كالمكتوب البين المسجل في كتاب واضح، لَا يخفى منه خافية، وعلى ذلك فكونه في كتابه مبين موضح، وواضح هو في ذاته كناية عن الثبات والاستقرار لمعنى العلم المؤكد، وقال بعض المفسرين: إن ذلك الكتاب هو اللوح المحفوظ المشتمل على علم الله تعالى المكنون في الغيب. وبعد أن أشار إلى تمام علمه بالأشياء أشار إلى قدرته ، وعلمه بالإنسان، وما يكون منه، فالله يعلم بما يسر، وما يظهر، فهو سبحانه يعلم ما ظهر وما بطن، ويعلم السر وأخفى، ولذا قال تعالى من بعد: * * *

стр. 3296

(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ... (٦٠) * * * الضمير يعود على الله تعالى ذي الجلال، وهو سبحانه الذي يتوفاكم بالليل، والمراد إنامتكم، ولم يعبر بتسكنوا في الليل وهو يتضمن معنى النوم، لأن السياق لبيان قدرة الله تعالى، وسلطانه عليهم، وكونهم في قبضة يده، وأنه يحصي عليهم أعمالهم، فكان التعبير بالوفاة عنه أنسب، والنوم يعتبر من قبيل الوفاة، كما قال تعالى: (اللَّهُ يتَوفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مسْمًّى. . .). فالموت الأكبر هو قضاء النحب، والموت الأصغر هو النوم، ولقد شبه النبي ﷺ عند إنذار عشيرته بأمر ربه: " والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون وإنها لجنة أبدا، أو لنار أبدا " (١). وقوله: (وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ) الجَرْح هو إصابة الأعضاء والأجسام بما يدميها، ويطلق على الكسب، والمراد هنا الكسب خبيثا أو طيبا، وسميت سباع

стр. 3297

البهائم جوارح، لأنها تجرح، وتكسب قُوتها بجراحتها، وسميت الأعضاء العاملة في جسم الإنسان جوارح، لأنها هي التي تكسب، وهي التي تجرح، والمراد - والله تعالى أعلم - أن الله تعالى يعلم ما جرح الناس بالنهار، فيعلم خفايا نياتهم في أعمالهم، ويعلم ما يكسبون من خير وشر، ويعلم ما يخفون وما يبدون، وفي ذلك إنذار وتبشير فهو إنذار لمن يكتسبون الشر، وتبشير لمن يكسبون الخير، وأحسب أن استعمال (جَرَحْتم) الذوق البياني يجعلها أقرب إلى استعمال الشر، ولكن الأولى هو التعميم، والله أعلم بالمراد. وقوله تعالى: (ثُمَّ يَيْعَثُكُمْ فِيهِ) الضمير يعود إلى النهار، ويكون الكلام متصلا بالتوفي بالليل، فالسياق يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم في النهار بعد الليل، ولذلك قال الشوكاني في تفسيره: إن الضمير يعود إلى الليل، لابتداء النهار والمؤدى واحد، وإن كان ثمة اختلاف في توجيه السياق والإعراب، وكان التعبير بـ " ثم " لتفاوت ما بين مظهر الليل ومظهر النهار، والتفاوت ما بين أعمال النهار وأعمال الليل. إن تداول الليل والنهار مستمر، فليل يعقبه نهار، ونهار يعقبه ليل لنهاية واحدة، وهو قضاء أجل مسمًّى عند الله تعالى، وإن كان لَا يعلمه إلا الله تعالى لأنه يقول: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤). (لِيُقْضَى أَجَلٌ مسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ). إنه بعد أن يقضى الأجل المسمى، يكون المرجع إلى الله وحده، فلا سلطان لغيره، ولا يرجع إلى أحد سواه، ودل على هذا القصر تقديم الجار والمجرور، فإنه دل على القصر، والتعبير بـ " ثم "، لأن هناك تفاوتا زمنيا، بمقتضى الأجل المسمى الذي يطول ويقصر، ولتفاوت ما بين ما يكون في الحياة الدنيا من لهو وعبث وتفاخر، وتقوى أحيانا، ثم قال

стр. 3298

سبحانه: (ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) والتعبير بـ " ثم " أيضا لتفاوت ما بين الحياتين، وليتبين الإخبار بالعمل العظيم، وإخبار الله تعالى بما كانوا يعملون يتضمن أمرين: أولهما - أن العمل يكون مبينا لهم كأنه حاضر أمامهم يشاهد ويبصر، لَا يخفى منه شيء صغيرا أو كبيرا. وثانيهما - الجزاء عليه وسمي جزاء عمل العامل عملا له؛ لأن الجزاء عادل مساوٍ لاستحقاقه كأنه هو، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وبعد أن بين سبحانه بكل شيء، وبكل إنسان، وأن لكل جزاءه على قدر عمله. بين قدرته القاهرة، فقال تعالى: * * *

стр. 3299

(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) * * * هذه تبين قدرة الله تعالى، وكمال سلطانه على كل شيء، فهو قد قهر له كل شيء وذل، ولا يخرج عن سلطانه أحد، وكل شيء في سلطانه وفي إرادته لَا يقع شيء في الكون، ولا يخرج دون أمره، وقوله تعالى (فَوْقَ عِبَادِهِ) كناية عن علو إرادته ولا إرادة لمخلوق فوق إرادته، أو يقال إنها استعارة تمثيلية فيها تصوير علو الله تعالى على كل شيء في الوجود سلطانا وتذليلا بمن يكون فوق كل شيء حسا، وفي الحقيقة ذلك مجاز مشهور لَا يحتاج إلى تقدير تشبيه أو نحوه، كقولنا: الأمير فوق رؤسائه، أو فوق رعيته، وقد انحرف انحرافا كبيرا الذين قالوا: إن ثمة فوقية حسية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإنه من قهره وسلطانه، وكونه فوق الكل أرسل على الناس حفظة، والتعبير بـ (أرسل) لتناسق الكلام إذ إن الذي يسيطر على كل شيء وفوق كل شيء يناسبه فيمن يسخره من خلقه على خلقه أن يكون بـ (أرسل)، و (حفظة) جمع حافظ. مثل كتبة جمع كاتب، وسفرة جمع سافر، وهؤلاء الحفظة يحفظون العباد، ويحوطونهم، ويكتبون ما يكون منهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

стр. 3300

ولقد ذكر سبحانه هذا المعنى في عدة آيات: من كتابه، فقد قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ)، وقال تعالى: (لَهُ مُعَقبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. . .)، وقال تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨). وإن هذه الرقابة والمحافظة لأولئك تستمر، حتى الوفاة؛ ولذا قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) " حتي " هنا للغاية، والمعنى تستمر هذه الحال حتى يجيء أحدهم الموت، وعبر بالماضي لتحقق المجيء مثل قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. . .)، أو تكون حتى تفريعية أي إن تلك الرقابة لأجل الحساب كما يدل الكلام، وقوله - تعالى: (تَوَفَتْهُ رُسُلُنَا) أي ملك الموت ومن معه، وهنا يلاحظ أن ذكر مجيء الموت قدم على ذكر الوفاة، والمراد من مجيء الموت تقدير نهاية الأجل؛ ولذلك عبر بـ (أَحَدَكُمُ) ولم يقل، حتى إذا ماتوا؛ والوفاة قد جاءت بعد الإحصاء الدقيق من الحفظة؛ ولذلك قال من بعد ذلك: (وَهُمْ لَا يُفَرِّطونَ) أي لَا يهملون، ولا يتركون شيئًا مما فعل، بل كل ما عمل مهيأ له يجده حاضرا بعد وفاته. * * *

стр. 3301

(ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢) * * * وإنه بعد أن يموتوا يردون إلى الله تعالى معروضة أعمالهم محصاة إحصاء دقيقا يردون إلى الله تعالى مولاهم الحق، وفي هذا النص بضعة مباحث نشير إليها ففيها تقريب لمعنى النص الكريم. أولها - التعبير بـ " ثم "، والتراخي هنا لبيان مكانة الحساب والرد على الله تعالى؛ لأن الالتقاء بحساب الله أمر ذو خطر عظيم لما كانوا يفعلون غير متوقعين بعد ذلك من وقائع تزلزل قلوب الفاسقين، وتطمئن لها قلوب المؤمنين. وثانيها - أنه عبر عن الرد للحساب بالرد لله تعالى ذي الجلال، وذلك يشير إلى خطورة الأمر، ودقة الموقف، وجلال الحساب.

стр. 3302

وثالثها - أن الله تعالى عبَّر عن ذاته الكريمة، أنه مولاهم الحق، أي ذو الولاية الحق، فلا ولاية لمن اتخذوهم أولياء، بل إنهم ينسونهم، وينكرونهم، كما قال تعالى: (هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ. . .)، و (الحق) يصح أن نقول إنها وصف لمولاهم، أي هو الولي الحق الذي لَا يصدق على غيره أنه ولي قط، أو نقول إنها بالحق الثابت وبالعدل الذي لَا يظلم ربك فيه أحدا. وقوله تعالى: (أَلا لَهُ الْحُكْمُ)، " ألا " فيه للتنبيه وتقديمه له على الحكم للإشارة إلى أنه وجد له الحكم، ولا حكم لأحد سواه فليترقبوا جزاء ما عملوا، والحساب قائم ومؤكد؛ ولذا قال من بعد: (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) أي أنه لَا يوجد حاسب في سرعة حسابه وهذا يؤكد الحساب وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِر أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. . .). ويثبت أن حساب الله سريع؛ لأن الله يعلم كل شيء قبل أن يقدموا عليه إن الله بكل شيء عليم. * * * (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) * * *

стр. 3303

فى الآيات السابقة بين الله عموم علمه، ما خفي منه وما ظهر، وما جدَّ وما يجد، حتى إن الورقة تسقط يعلمها، والحبة تنبت فتكون في علمه بكونها وحالها، يعلم الرطب واليابس من الثمرات، وهو الذي نظم الوجود بمقتضى هذا العلم المحيط، هو الذي يعلم الوفاة بالليل، والصحو بعد، وما يكسب بالنهار من خير نافع، وشر ضار، وأنه المسيطر على كل شيء، وأن المرجع والمآب إليه، وعنده الحساب السريع، والحكم العادل. وفى هذه الآيات، يبين نعم الله تعالى عليهم، إن ادلهمت بهم كارثة يضرعون إليه، وبين أنه إذ كان هو وحده الملجأ عند الكارثة تكرثهم فهو القادر على أن ينزل بهم البأساء والضراء، ومع هذه النعم السالفة، ومظاهر القدرة الباهرة يكذبون بالحق إذ جاءهم، وأنباء الرسالة ثابتة مستقرة لَا تتخلف، وأنه إذا كان الناس فيهم أطهار وأشرار، فعلى الأطهار ألا يخوضوا في فتن الأشرار، وقد ابتدأ سبحانه بقوله:

стр. 3304

(قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضرُّعًا وَخُفْيَةً). كان المشركون يعرفون الله ، ولكن لَا يؤمنون به، ولا يخصونه بالعبادة بل يشركون معه الأوثان، ويقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وكذلك أكثر الوثنيين، يعرفون أن قوة خفية تسير الوجود، ولكنهم يعبدون أشياء حسية يحسبون أن روح الألوهية تحل فيها، وهم في غيهم يعمهون. فلا عجب، إذا كان المشركون عندما تشتد بهم الشديدة لَا يتجهون إلا إلى خالق الكون ومنشئه ومسيره والقيوم عليه ، ولقد أمر الله تعالى الرسول الكريم أن يوجه أنظارهم إلى أنه لَا يذكر في الشديدة إلا الله ، وأنهم يذكرونه حيث تكون الكريهة، وحيث يكون الخطر، فأمره بأن يوجه إليهم الاستفهام ليقروا بهذه الحقيقة: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) والاستفهام إنكاري تقريري بمعنى لَا أحد ينجيكم من ظلمات البر والبحر، وأنتم

стр. 3305

تقرون بذلك إذ تدعونه تضرعا وخفية، فلا تلجأون لغيره ولا تجدون منجاة إلا من عنده، والظلمة هنا الشدة، فهي مجاز، شبهت فيه الشدة والكرب بالظلمة؛ لأن النفس فيها تتحير، ولده فتبلس، فتكون كأنها لَا ترى ولا تعرف وجه الخروج؛ ولذلك يقال لليوم الشديد الذي يملؤه الكرب: يوم مظلم، ويقولون: نهار ذو كواكب، أي أنه لشدته يكون كأنه ليل ترى فيه الكواكب، وفي شدائد البر والبحر تكون غمة حقيقية، فقد يكون غيم شديد، لَا رؤية فيه، أو ريح عاصف وإعصار، وقد يكون الخسف الذي يلقي في ظلمات الأرض، وقد يكون اصطخاب الأمواج بالأذى، وهكذا فتجتمع ظلمة الشدة، والظلمة الحقيقية وقد تكون الشدة حيرة، يضلون فيها الطريق فتبتلعهم الصحراء، أو تكون إذا ركبوا البحر، فضلت فيه المحجة (١)، أو ألقتهم الريح لَا يهتدون ولا يجدون النجاة، فكل هذه ظلمات متكاثفة. وإن حالهم أنهم لَا يلجأون إلا إليه ولذا قال سبحانه عنهم: (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) أي أنكم في حال الشدة، تتجهون إليه بقلوبكم ونفوسكم، ولا تجدون ملجأ منه إلا إليه، ويظهر ذلك الالتجاء القلبي ضراعة وتذللا يجري على ألسنتكم ولا تجدون سبيلا للامتناع عن الجهر بالضراعة والتذلل لله تعالى، وتسليم الوجه له، فالتضرع دعاء الله تعالى مستسلمين له جهرا، والخفية خنوع النفس، واتجاهها قلبيا إليه سبحانه، وقد صور الله تعالى ضراعتهم، بقوله: (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ). هذا قسم يقسمونه، ويؤكدون به ما هم عليه من الالتجاء إلى الله؛ ولذلك كان التوكيد بالنون الثقيلة وباللام، وموقع هذه الجملة مما قبلها أنها تفسير للضراعة التي جهروا بها أو هي تفسير بمعنى (تدعون) فهم يدعون الله تعالى، بمعنى أنهم في سريرة أنفسهم وضراعة قولهم، يقسمون بأن الله تعالى إن أنجاهم من هذه الكروب الكاربة، والشدائد الشديدة، ليشكرونه حق شكره، وشكر الله تعالى

стр. 3306

بالعبادة، وتخصيصه بها؛ لأنهم إن أشركوا معه غيره في العبادة لَا يعدون عابدين؛ إذ إنه حيث أفرد بالالتجاء، لَا يتصور إلا أن يفرد بالعبادة. ويصح أن يكون قوله تعالى عنهم: (لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) مقولا لقول محذوف تقديره قائلين لئن أنجيتنا من هذه. ومع أنهم وعدوا بالشكر أي إخلاص العبادة لله تعالى، فهل وفوا بذلك؟ إنهم لم يفوا؛ إذ إنها حال إذعان في الشدة، فإذا نجوا عاد إليهم جحودهم، وغرتهم أنفسهم وأمانيهم. * * *

стр. 3307

(قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) * * * أمر الله تعالى نبيه الكريم أن يبين لهم أن الله تعالى مستجيب لضراعتهم عند تضرعهم، والتجائهم إليه خفية، ووعدهم بأن يخلصوا عبادتهم لله ويشكروه على نعمائه المتضافرة المتكاثرة الحي نعيش في ظلها دائما، وإن كان تعالت حكمته يعلم أنهم غير موفين لعهدهم وأنهم ناكثون في أيمانهم، كما حكى عن طبيعة الإنسانية المنحرفة، إذ قال تعالت كطماته: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ. . .). وإن الله تعالى بين أنه لَا ينجيهم مما يعرض لهم من شدائد من خارجهم، وما لَا قبل لهم به وحسب، بل ينجيهم من ذلك، وينجيهم من الكروب الحي تعتري نفوسهم من ضراء تنزل بهم، أو مرض يحل بأجسامهم، ومن كل شيء يكربهم ويلقي غمة النفس عليهم، ولذلك قال سبحانه: (وَمِن كُلِّ كَرْبٍ). ولقد فسر الأصفهاني في مفرداته الكرب فقال: الكرب الغم الشديد (. . . فَنَجًّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)، والكربة كالغمة. وأصل ذلك من كرب الأرض وهو قلبها بالحفر، فالغم يثير النفس إثارة، ويصح أن يكون ذلك من كربت

стр. 3308

الشمس، أي دنت للمغيب، ويستفاد من هذا أن الكرب غمة شديدة تصيب الإنسان من أمر نفسي يثير النفس، ويجعلها في قلق وحيرة واضطراب نفسي، ويقيم عليها، كمرض عزيز أو موته، أو ضرر أو فقد مال أو خسارة في تجارة، فالله تعالى هو المنجي منه، وبهذا تبين أن الله تعالى هو الذي ينجي خلقه من كل شيء، فهو القائم على كل شيء، ومع هذا الخير العميم، ومع استجابة الله تعالى لضراعتهم، والتجائهم إليه، وإنجائه لهم بالفعل بعد أقسموا إن نجاهم يشكرونه أي يعبدونه وحده؛ لأنه الذي أنجاهم، وخلصهم مما هم فيه، مع هذا بمجرد أن يعودوا إلى الاطمئنان والاستقرار يشركون، ويحنثون في أيمانهم، ويعودون إلى ما كانوا عليه، بل إنهم يستمرون في غيهم يعمهون، وإنه كما قال بعض المفسرين: الأصل في السياق أن تكون حالهم حال من لَا يشرك، فكان مقتضى الضراعة أن ينفي الله شركهم بعد قسمهم على الشكر والعبادة، ولكن عاد إليهم جحودهم؛ ولذا قال سبحانه: (ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) أي أن إذعانهم العارض لم يكن ساكنا في نفوسهم، بل هو أمر عارض، بسبب يزول بزوانه، ولم يكن إذعان الذين خلصوا بنفوسهم، ويلاحظ بعد إشارات بيانية: أولها - التعبير بـ " ثم " ففيه إشارة إلى التفاوت الكبير بين حال ضراعتهم، وحال كفرهم، أو بعبارة أدق استمرار حالهم. الثانية - أنه سبحانه عبر بالجملة الاسمية، وذلك تأكيد لشركهم الذي كان نقيض شكرهم الذي وعدوا به ونكثوا في وعدهم. الثالثة - أنه عبر بالفعل المضارع الذي يصور حالهم ويدل على استمرارهم. وبعد أن بين كمال سلطانه في النعم يمنحها ليرغبوا في الإيمان والإذعان، ذكر سبحانه قوته في القهر والعذاب. * * *

стр. 3309

(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ... (٦٥) * * * بعد بيان قدرته على كشف الكروب بين قدرته على إنزال الشدائد؛ جزاءً لهم بما كسبت أيديهم، فهو كاشف الضر، وهو منزل العذاب، كل يسير على مقتضى حكمته، وعلى ما يصلح به الإنسان، ويستقيم عليه أمر العالم كما قدر رب العالمين: (. . . وَكلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ). وقبل أن نتكلم في معنى القدرة القاهرة، نذكر كلمة في ناحية بيانية، وهو لماذا أمر الله تعالى نبيه في التنبيه إلى ضعفهم، وقدرته ، وصدر الكلام بكلمة (قُلْ) في بيان ضعفهم، واستجابته لضراعتهم، واستعلائه بقدرته عليهم؟ ونقول في الإجابة عن ذلك فيما يبدو: إن تصدير الكلام بـ " قل " فيه تنبيه؛ فضل تنبيه، وفيه بيان مقام النبي ﷺ أنه هو الصلة بينهم وبين ربهم، وأنه المبعوث إليهم من قبله، وأنه هو الذي يخاطبهم عنه سبحانه في كشف الضر عنهم، ورفع الغمة إن نزلت بهم، وهو منذرهم بالعذاب الشديد. والخطاب هنا لمن؟ أهو للمشركين فقط الذين وعدوا بالشكر ثم أشركوا؛ أم هو خطاب للناس أجمعين؛ ظاهر السياق هو الأول لأنه الخطاب، ولكن موضوع الخطاب يعم، ولا يخص المشركين، ولأن مفسري السلف والآثار الواردة عن الرسول ﷺ تومئ إلى أن المؤمنين يدخلون في عموم الخطاب، وإنا نميل إلى هذا العموم. والنص الكريم يفيد عموم العقاب؛ لأن العذاب الذي ينزل من فوق يعم الجميع، كذلك العذاب الذي يجيء من تحت الأرجل يجيء عاما لَا خاصا، فإذا كانت صواعق، أو إعصار شديد وصواعق، أو سيل عارم كل هذا يعم ولا يخص، وكذلك الخسف الذي تمور به الأرض مورا، والزلازل المدمرة، والبراكين الحارقة كل هذا يعم ولا يخص ينزل بالمؤمنين مع الكافرين، وقد عبر الله عن هذه الأمور بعبارتين جديرتين بالنظر فيهما:

стр. 3310

أولاهما - التعبير بـ (يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ). فإن البعث معناه الإثارة، وعبر بيبعث للإشارة إلى أن الله تعالى هو الذي يثير عليهم ذلك العذاب وعبر بـ (يبعث) بدل ينزل عليهم، لأن البعث والإثارة تعني أن النزول يكون من علٍ، ولأن البعث والإثارة فيهما معنى الإيجاد لَا ليس بموجود. ثانيتهما - التعبير عن ذلك بكلمة (عَذَابًا) ففيها الإشارة إلى أنه في معنى الجزاء على بنيان واقع، أو أن الذين نزل بهم أكثرهم يستحقون، وهو على أية حال أمر مقصود، وقد أشار الله تعالى في آيات أخرى إلى أن الكوارث قد تكون عقابا على ذنوب سلفت، أو طغيان استحكم كقوله تعالى فيمن ينفقون من غير إيمان: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧). ومثل قوله فيما نزل بقارون وداره في حال طغيانه: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦). إلى أن قال سبحانه عنه: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١). فدلت هذه النصوص على أن الله تعالى ينزل عذابا كونيا، لغرور أو طغيان أو فسق عن أمر ربهم. وقد ذكر أنواعًا ثلاثة من العذاب الذي يبعثه: الأول والثاني أن يبعث عذابا من فوق أو من تحت، (أَن يَيْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ).

стр. 3311

ومعنى العذاب الذي ينزل من فوق، أطلقه الكثيرون من العلماء على ما ينزل من السماء؛ ببعث وإثارة من الله من صواعق وإعصار وريح فيها صرٌّ، وحاصب من السماء، وحجارة من سجيل تجعلهم كعصف مأكول، وغير ذلك مما ينزل الله من علٍ، والعذاب الذي يكون من تحت الأرجل مما يكون من الأرض التي يفترشونها من خسف في الأرض وميد فيها، وبراكين وزلازل، وغير ذلك من آفات الأرض التي تقرض الزرع. وعبر عما يجيء من الأرض بقوله تعالى: (مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) وذلك للإشارة إلى قربه الشديد منهم، وإلى أنه يكون في مقام استقرارهم، فيكون ميد الأرض من تحت أقدامهم حيث هم مستقرون فيها، وللإشارة إلى أنهم أول من يصابون بهذا العذاب، ولا منجاة منه، إلا أن يكون لله تعالى في منجاتهم إرادة. وروي عن ابن عباس أنه فسر العذاب من فوقهم بفوقية معنوية، وهم الأئمة المفسدون، والحاكمون العابثون، ومن هم تحت أرجلهم بالرعاع الأقربين يهرفون بما لا يعرفون ويتبعون كل ناعق يدعو إلى هواه ويقفون على ما يريد (١)، فعلى هذا النظر تكون الفوقية والتحتية ليست حسية، وإن لذلك الكلام وجها من الحقيقة، فإن أشد ما تصاب به الأمم أن تتحكم فيهم أئمة الفساد، وأن يجدوا تابعا من الذين لَا يعرفون كيف يرادون، أعلى الخير أم على الشر، وعلى ورد الماء العذب الذي يسقي النفوس، أم على مناقع الأوباء الخلقية والاجتماعية، فإن ذلك يفني الأمم في وحدتها واجتماعها، وإن تخريب السماء وتخريب الأرض يسرع تعويضه، وإقامة بديل له، أما تخريب النفوس وإشاعة الرذيلة فلكي تخرج الأمة

стр. 3312

منه لَا بد من تبديل الأقوام وتغيير واستبدال نفوس بنفوس، وذلك يحتاج إلى زمن طويل: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يغَيِّروا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ دسُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ). وإني أرى أن العذاب الذي ينزل من فوق، والذي يجيء من تحت الأرجل، كلا الأمرين يشمل الحسي، ويشمل المعنوي بولاة السوء، وتحكم السفلة ومن لا يفقهون، ويتبعون كل ناعق، ولا يميزون بين الخبيث وغيره، لَا على أن ذلك من الجمع بين الحقيقة والمجاز، بل على أن ذلك تفسير لكلمة العذاب، بما يعم ولا يخص حسيا أو معنويا. والنوع الثالث من العذاب الذي تصاب به الأمم، وهو الداء العضال الذي أصاب أهل الإسلام، هو التفرق والتباين (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأسَ بَعْضٍ). هذا عذاب للأمم، يحل وحدتها، وينثر جمعها، وهو أشد أنواع العذاب، عندما يتفاقم، ويكون الهوى المتبع، والشح المطاع وإعجاب كل امرئٍ وكل جماعة بنفسها وطريقتها (. . . كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحونَ)، فعندئذ تنفك العرا، وتنحل الأواصر، ويقوم المنكر، ويذهب المعروف، ولا سماع لصوت الحق. و (يلبسكم) المذكورة في الآية من لبَس بفتح الباء يلبس، وهي تتضمن معاني ثلاثة: أولها - الستر، فالحقائق تستر عمن يُلَبَّس عليه، فلا يراها، وثانيها - الخلط، فيختلط الحق بالباطل، والذين يقعون في هذا اللبس (يلبسون الحق بالباطل) فلا يكون وضوح يفرق بين الحق والباطل، وثالثها - وجود غشاوة على القلوب تحجب عنها بسبب التعصب لما يعتقده، فيزين له سوء عمله، فيراه حسنا، ويرين على قلبه فلا يدرك.

стр. 3313

وقوله تعالى: (يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) شيَع هنا حال، أي يخلطكم حال تشيع جماعتكم، فتكون كل جماعة شيعة قائمة بذاتها منفصلة عن سواها - وأصل كلمة شيعة من شيعت النار بالحطب: قويتها، فالشيعة من يتقوى بها في حدة وحرارة، وينتشرون عنها منادين بها، وقد تستعمل في معنى التجمع للخير، كما في قوله تعالى: (وَإِنَّ مِن شيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ)، وقوله (. . . هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ. . .)، ولكن كثيرًا ما تكون في التشيع لغير الحق، وما يكون فيه تعصب شديد فتكون كأنها وقود يقوي النيران؛ نيران الحقد والحسد والبغضاء. ومعنى الجملة السامية (يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا) أنه سبحانه يخلطكم، وتلتبس الأمور، ولا تميزون بين الخبيث والطيب، وتكونون قوما بورا، وذلك الضلال يصحبه انقسامكم شيعا متفرقين توقد بينكم نيران البغضاء والعداوة، وتفترقون فيما بينكم، فلا تكونون أمة واحدة تجمعها وحدة جامعة، ولكن تكون طرائق متفرقة، وأخلاطا غير متجانسة ولا متمازجة. ولا تكون العلاقة فيها مودة واصلة ورحمة عاطفة، بل تكون العداوة المستحكمة، كل شيعة تتربص بالأخرى الدوائر في غير هوادة، ولا نفوس قارة، بل في نفوس فاترة، وهذا مؤدى قوله تعالى: (وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأسَ بَعْض) أي تكون العلاقة أن يذوق كل جماعة شدة الجماعة الأخرى، أي يكون بأسهم بينهم شديدا، فقوتهم تكون على أنفسهم، ولا تكون على غيرهم، وعبر سبحانه عن البغضاء والعداوة بأن يذيق بعضهم بأس بعض، وذلك تصوير بياني يشبه الإصابة بالبأس بذوقه واستطعامه للإشارة إلى أنهم يستطعمون العداوة بينهم، ويستطيبون البأس الشديد الذي يحكمهم كمن يستطيب طعاما شهيا، وذلك ينبئ عن فساد أمرهم، واضطراب حالهم، وقلب طباعهم، حتى إنهم يستمرئون العداوة كأنها طعام مريء.

стр. 3314

إن كل بلاء يهون إلا بلاء التشيع، وقد ابتلى الله تعالى به أهل الإيمان، روت الصحاح بآثار متضافرة أن أمة محمد ﷺ ستبتلى بهذا البلاء (١). روى ابن جرير أن النبي ﷺ قال: " إن الله زوى لي الأرض، حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها، وإني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربى ألا يهلك قومي بسنة عامة (أي بأزمة وجوع) وألا يلبسهم شيعا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد: إني إذا قضيت قضاء فإنه لَا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوا ممن سواهم فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وبعضهم يقتل بعضا وبعضهم يسبي بعضا " فقال النبي ﷺ : " إني أخاف على أمتي الأئمة الضالين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة " (٢). اللهم إن هذه دلائل، قد رأيناها، وأضلنا الضالون من الأئمة، حتى صار بعضنا يأكل بعضا، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، وأجرنا من شر ذنوبنا، وعواقب أعمالنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ). يأمر الله تعالى نبيه بأن ينظر في تصريف الله تعالى آياته البينات، وهو توجيه لما في القرآن الكريم من توجيه حكيم، وإعجاز يتحدى به الإنسانية كلها، فالسورة كلها تصريف في التوجيه، وفي كل بيان جده، ألم تره نبه إلى علمه المحيط الذي لَا يغادر صغيرة ولا كبيرة فهو يعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، وهو الذي يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها، وهو

стр. 3315

الذي يرد إليه الأمر كله، ثم بين أنه وحده الذي يلجأ إليه المشركون، إذا اشتدت الشديدة، وحلت الكريهة، وهو القادر على أن ينزل إليهم البلاء، ويذيقهم كئوس الاختبار. هذا تصريف في القول المحكم الصادق ليدركوا الأمور على وجوهها بعد أن يوجهوا إليها، رجاء أن يفقهوا ويدركوأ، فالرجاء هنا في قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) هو في حالهم إذا كانوا يعتبرون، وفيما هو من شأن ذلك التصريف في القول الحكيم، ويفقهون معناها يدركون لب الحقائق، وتنفذ بصائرهم إليها، والله سبحانه هو الحكيم الخبير العليم. * * * (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) * * * بين الله في الآيات السابقة أنه هو الذي يلجأ إليه عند الشدة، وأنهم يلجئون إليه ويدعونه تضرعا وخفية في ظلمات البر والبحر، وأنه هو وحده المنجي، ولا منجي سواه، وأنه سبحانه منزل الشدائد، وهم بعد زوال الغمة بدل أن يوفوا بعهودهم ويشكروا نعمة الله باختصاصه بالعبادة، كما اختص بالإنجاء والابتلاء - يشركون غيره ممن لَا يضر ولا ينفع، وفى هذه يقرر موقفهم من الحق، وخوضهم في أمره بالباطل مما يدل على أن

стр. 3316

سبب ضلالهم أنهم لَا ينظرون في قضية العبادة نظرة جادة تتكافأ مع مقدار الجلال في الحقائق الدينية والمعاني الإلهية، ولذلك لَا تنافذ بصائرهم، ولا تهتدي قلوبهم، بل هم في غي دائم حتى يسترشدوا فيرشدوا ويطلبوا الحق فيهتدوا.

стр. 3317

(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل). مع هذا التصريف في بيان الآيات، بذكر النعمة التي يلجأون إلى طلبها دون سواه، وبيان القدرة الكاملة الشاملة، وبيان أنه الذي ينزل الابتلاء، والعذاب الدنيوي ليقيسوا عليه من بعد العذاب الأخروي، كذبت قريش قوم النبي ﷺ وتكذيبها مع قيام البينات الصادقة، ومع حالهم من الاستسلام، وطلب النجاة منه عند الشدة، يدل على إدراك ناقص أولا - لأنَّ مناقضة الشخص لحاله أو لبعض أحواله دليل على غفلته عن إدراك الحقائق كاملة، وعن نسيان الوقائع، ويدل أيضا على جحود مستحكم ومقاومة للحق مع قيام الأدلة، وشهادة الآيات، ويدل على تغلغل التقليد في نفوسهم، حتى إنه يضع على أعينهم غشاوة، وإن كان البصر قائما، فلهم أعين لَا يبصرون بها ولهم آذان لَا يسمعون بها. وقال بعض المفسرين: إن قوم النبي ﷺ هم أمته الذين بعث فيهم لَا فرق بين عربي وأعجمي، ولا أبيض وأسود، ولا شرقي ولا غربي، فأولئك قومه ﷺ . ونحن نميل إلى ما عليه الجمهور من المفسرين، لأن الأمة أعم من القوم، في أصل الدلالة اللغوية، وإنما ذكر الله تعالى قوم النبي ﷺ من قريش، لأن النبي ﷺ كان حفيا بأن يؤمنوا حريصا على إيمانهم، حتى إنه عندما كان الأذى بشتى ضروبه، قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لَا يعلمون، وقال: " وإني لأرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله " (١)، وللإشارة إلى عموم الدعوة إلى هذه الدعوة، وإنه

стр. 3318

إن وجد من يرد دعوته من قومه، ويشددون في بلائه، فسيجد المستجيب من غيرهم، وإن الهداية قد تكون من خارج قومه (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء. . .). قوله تعالى: (وَهُوَ الْحَقُّ) فيه إشارة إلى أنهم لَا دليل عندهم ولا موجب، لأنه الحق الثابت الذي قام الدليل عليه، وشهدت له البينات، وقام من أنفسهم دليل صدقه، فالواو ما يسمى في عرف النحويين واو الحال، أي أنى يكذبون ذلك التكذيب، والحال أنه حق ثابت، وذلك لشدة العناد، إذ إن الدليل قائم، والقربى بينك وبينهم ثابتة ومع ذلك جحدوا بها، وإن استيقنتها أنفسهم، ولست مسئولا عن كفرهم، وقد بينت وبلغت، وما عليك إلا البلاغ. وإذا كان قومك يكذبون بالحق، وقد ظهرت دلائله، وبرقت بوارقه، فقل لهم إنك إذ بلغْت، وبينت، لست مسئولا عنهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيل) وأمره ﷺ من قبل الله تعالى لتأكيد أن عليهم وحدهم تبعة تكذيبهم، وأن النبي ﷺ مهما تكن صلته بهم من قرابة ورحم موصولة من جانبه، لَا يتحمل تبعة ما يفعلون، بل كل امرئٍ بما كسب رهين، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وما على الرسول إلا البلاغ، والوكيل هنا المتكفل بأمورهم، الموكول إليه شئونهم الذي شملت كفالته عليكم، فليس بذي رقابة ومسئولية عنهم، وقد قال الراغب في معنى وكيل: وكيل فعيل بمعنى مفعول قال تعالى: (. . . وَكفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)، أي اكتف به أن يتولى أمرك، ويتوكل لك، وعلى هذا: (. . . حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكيلُ). (. . . وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكيلٍ)، أي بموكل عليهم، وحافظ لهم، كقوله تعالى: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣). وعلى هذا قوله تعالى: (قُل لَّسْتُ

стр. 3319

عَلَيْكُم بِوَكِيل) أي لست بموكل بكم حافظ عليكم لأحملكم على الجادة، بل عليّ التبليغ فقط، وأنتم مسئولون عما تكذبون وتقترفون؛ ولذا حملهم سبحانه التبعة، وأنه واقع بهم ما أنذرهم، وأن إخبارهم بما يكون في اليوم الآخر واقع لَا محالة. * * *

стр. 3320

(لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) * * * النبأ هو الخبر العظيم الذي يكون ذا فائدة، وله واقع مصدق يفيد علما يقينيا، أو علما ظنيا، ولذلك بقال عن الأخبار المتواترة أنها أنباء، ومن ذلك قوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نوحِيهَا إِلَيْكَ. . .)، ومستقر هي مصدر مسمى بمعنى استقر، أو اسم زمان بمعنى زمان يستقر. ومعنى الاستقرار مأخوذ من القرار بمعنى الثبوت والتحقق والوجود، فالمؤدى اللفظي للنص الكريم لكل خبر عظيم، بالإنذار أو التبشير؛ زمان يكون فيه، ويتحقق مضمونه، والمؤدى العام؛ أن أولئك الذين كذبوا بالحق لما جاءهم، قد جاءتهم الأنباء بالنذر، وجاءت المؤمنين الأنباء بما سيجدون من نعيم مقيم، وجنات عدن خالدين فيها، وإنه نبأ في الدنيا، أو في الحاضر، وتحققه ومستقره في القابل، وستجدون حقيقته ثابتة معلومة علم اليقين بالمشاهدة المحسوسة، وكذلك قال تعالى: (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي من المؤكد، أنكم ستعلمونه علم اليقين والاستقرار والوجود. وقد يرد سؤال؛ أليس في ذكر القرآن الكريم وإنذار النبي ﷺ ما فيه العلم اليقيني أو ما من شأنه تكوين العلم اليقيني؛ فلا علم أعلى منه، كما قال تعالى بعد هذه البينات: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ. . .)؟ والجواب عن ذلك أن العلم الذي قامت أسبابه بإنذار الله تعالى الصادق صدقا لَا يرتاب فيه عاقل هو علم الإخبار، أما العلم الذي يكون عند نزول العذاب، فهو علم المعاينة والمشاهدة، والنزول بهم، حيث لَا مجال للمراء، ولا للمباهتة والتكذيب. وقوله تعالى: (لِّكلِّ نَبَأٍ مُّسْتَقَرٌّ) أهي منِ قول النبي ﵊ المأمور به في قوله تعالى: (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوكِيلٍ) ظاهر السياق أنها من مقول

стр. 3321

النبي ﵊ الذي أمر به، ويكون إجراء الإنذار على لسان النبي ﷺ فيه فضل من التشديد بسبب المواجهة والمخاطبة، وفوق ذلك له صلة بنفي أنه ليس وكيلا عليهم، فوضت أمورهم إليه، إنما التبعة عليهم وحدهم، ويصح أن يكون قوله تعالى: (لِكُلِّ نَبَإٍ). كلام من الله تعالى، ويكون حكما منه تعالى بما سيجري عليهم وكله من الله وإليه يعود. * * *

стр. 3322

(وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ... (٦٨) * * * كان المشركون الذين خاطبهم النبي ﷺ بالدعوة إلى الوحدانية. بعد أن أنذر وبشر، وصدع بأمر ربه، يتخاطبون فيما بينهم، لَا يظلهم طلب الحق، ولا تدفعهم إرادة الحقيقة، وإنما يسود حديثهم اللجاجة في الجحود، ومعاندتهم للنبي ﷺ واستهزائهم بضعاف المؤمنين، وتدبيرهم أساليب تعذيبهم، فحالهم ليست حال من يستمعون إلى الحق؛ إذ دعوة الذين يلجُّون في الخصومة والمعاندة تزيدهم تشديدا في موقفهم، وصم آذانهم، ولذلك لَا يكون من الخير تذكيرهم في هذه الحال الجاحدة لأنها تزيدهم إصرارا وجفاء وبعدا وعنادا. والخوض أصل معناه في اللغة المرور في الماء، والشروع، والانغمار في موجاته، ثم استعمل في الانغمار في الأحاديث والأقوال باعتبارها تغطي الفكر، وتسيطر عليه كما يغطي الماء الخائض فيه. جاء في تفسير الشوكاني ما نصه: (الخطاب للنبي)، أو لكل من يصلح للخطاب، والخوض أصله في الماء ثم استعمل في غمرات الأشياء التي هي مجاهل تشبيها لغمرات الماء، فاستعير من المحسوس إلى المعقول، وقيل هو مأخوذ من الخلط وكل شيء خضته فقد خلطته، ومنه خاض الماء بالعسل وخلطه، والمعنى إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد، والاستهزاء فدعهم، ولا تقعد معهم لسماع هذا المنكر العظيم، حتى يخوضوا في حديث مغاير!. وإن جلوس النبي ﷺ مع هؤلاء لَا يتصور أن يكون لمجرد المسامرة، ولكن لأجل رسالته. والدعوة في هذا الخوض المعاند، لَا تجدي كما ذكرنا، وإن الأمر

стр. 3323

بالأعراض عنهم في حال العناد أمر للنبي ﷺ ولخاصته المؤمنين، وعامتهم، فعلى المؤمنين ألا يغشوا مجالس المبتدعة في أثناء تقرير ابتداعهم، وإعلان انحرافهم، فإنه لَا جدوى في إرشادهم وهم في هذه الحال، وأن المؤمنين معرضون بكثرة الجدل معهم لأن تسري إليهم عدوى تفكيرهم، فإن الأفكار الفاسدة تُعدي كما تُعدي الأجسام المريضة الفاسدة، وقد شكا بعض الحنابلة أنهم لكثرة مجادلتهم مع الزنادقة سرت إليهم بعض طرق تفكيرهم. (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). إن النبي ﷺ كان حريصا على دعوة المشركين، فبين الله تعالى كما ذكر آنفا أنهم إذا خاضوا في الآيات التي هي دلائل الرسالة، واستهزءوا بها وألحوا في جحودها، ولجوا في استمساكهم بما هم عليه لَا يزيدهم ذكر الحق إلا لجاجة وعنادا وطغيانا إذ كلما جاءتهم آية ودلائل أخرى زادتهم كفرا، كما قال تعالى (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥). فنكران الحق لَا يزيد الظالمين إلا خسارا، ويدفعهم إلى اللجاجة. ولذلك كان النهي في الآية السابقة، ولكن دعاة الحق في قلوبهم ميل إلى ذكره، وهداية الناس إليه، فقد يدفعهم ذلك إلى أن يعاودوا الدعوة إليه وذكره عند الخائضين منكرين مستهزئين؛ ولذلك كان النص الكريم مكررا النهي في حال النسيان بسبب الرغبة في الدعوة إلى الهداية وقوله: (وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَان) هي " إن " الشرطية مؤكدة بـ " ما " ويصحب التأكيد بما التأكيد بالنون الثقيلة لغة وبيانا في (يُنْسِيَنَّكَ)، وهذا من مواضع وجوب التأكيد، والمعنى إن أنساك الشيطان، نسيانا مؤكدا فقعدت معهم، فلا تقعد بعد التذكر معهم، لأنهم ظالمون، ولأجل بيان بعض مرامي النص نتكنم في النواحي الآتية:

стр. 3324

الأولى - أن التأكيد إنما هو في النسيان، وأن السبب هو الشيطان، وإذا كان الشيطان هو السبب في الوسوسة التي أدت إلى ذلك النسيان فإنه يجب التوقي منه ومحاربته، وعدم الأخذ بما يدعو إليه، والتوبة والإقلاع عما دعا، ولكن هل الشيطان بمعنى إبليس يسيطر على نفس النبي ﷺ فينسيه ما يجب عليه، وإن الذي نعلمه، وهو مقرر أن إبليس نزعت من قلبه علقته، فهو لَا يؤثر في نفس النبي ﷺ ولكن الطبيعة الإنسانية هي التي تعتري الإنسان فينسى، فكيف ينسب نسيان النبي إلى الشيطان؛ وقد أجيب عن ذلك بأن المراد بالخطاب في هذا المقام من يخاطب من الأمة، فليس للنبي ﷺ ولكن اللفظ للنبي ﷺ فلا بد أن يدخل فيه ابتداء بمقتضى السياق، وإن كان الأمر يعم كل داع، والجواب الذي نرتضيه أن الشيطان ليس هو إبليس هنا، إنما هو ما يعتري النفس الإنسانية، من غفوات، أو سهو وهو جائز على النبي ﷺ في غير بيان الأحكام، والتبليغ عن الله تعالى، فإن النسيان في هذا يتنافى مع مقام الرسالة من الله تعالت قدرته، وسمت حكمته. وعبر عن النسيان بنسبته إلى الشيطان للإشارة إلى وجوب توقِّيه. الثانية - أن النهي جاء بعد التذكر، فلا نهى في حال النسيان لأنه رفع عنِ الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وقال سبحانه: (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَع الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) عبر عن الذكر بالذكرى، ومعنى الذكرى كثرة الذكر، والتحري له، والحرص عليه، وذلك فيه إيماء إلى وجوب التحرز من النسيان ما أمكن، حتى لَا يزداد الداعي تعبا، ويزداد المدعو لجاجة، فلا دعوة إلى الحق مع الإعراض عنه واللجاجة في الإعراض. الثالثة - أن النص الكريم منع من القعود مع القوم الظالمين. أي تجمعوا وتحزبوا، وهم مستمرون في ظلمهم بكفرهم، وإصرارهم عليه، ولجاجتهم، واستهزائهم، ففي النص وصف لهم بالظلم، وأنه السبب في عدم القعود معهم.

стр. 3325

وإن دعاة الباطل يتخذون لهم أوكارا، لَا يجالسهم فيها إلا من هم على شاكلتهم، فيجب الابتعاد عنهم. * * *

стр. 3326

وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ... (٦٩) * * * الباعث لأهل التقوى على الجلوس والاستماع إلى الظالمين، وهم يخوضون في الآيات البينات الثابتة الدالة على صدق محمد ﷺ منكرين، جاحدين مستهزئين، لاجِّين في عنادهم هو رغبتهم الملحفة في الهداية فأشارت الآية الكريمة أنه لَا رجاء فيهم، ولا غضاضة على أهل التقوى في ذلك؛ لأنهم ما عليهم إلا التذكير، وما عليهم من تبعات أعمالهم شيء إنما تبعات أعمالهم عليهم. وهذا النص الكريم الذي نتكلم في معناه يبين أن الذين يتقون الله تعالى حق تقاته، ويجعلون بينهم وبين غضبه وقاية ليس عليهم تبعة عن أعمال الذين يخوضون في آيات الله تعالى، فالمراد من حسابهم أي أعمالهم المحسوبة عليهم، فهو من إطلاق المصدر على اسم المفعول باعتبار أن العمل هو السبب في الحساب، وهو من إطلاق اسم المسبب، وإرادة السبب، والمعنى ما دمتم قد أديتم واجب الإرشاد والتذكير، فما عليكم من تبعة أعمالهم من شيء. ولقد قال في معنى (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ) الأصفهاني ما نصه: وقوله تعالى: (. . . مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ. . .). فنجد قوله تعالى: (. . . عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. . .)، أي أن المعنى ما دام أهل التقوى قد أدوا، فلا حساب عليهم، ولا ينالهم أذى من حسابهم، وقوله: (مِن شَيْءٍ) " من " هنا للدلالة على عموم النفي واستغراقه، أو تأكيد استغراقه، أي ما عليكم أي قدر - ولو ضؤل - من تبعات أعمالهم ما دمتم قد ذكرتموهم العاقبة لما هم عليه، فالواجب عليكم التذكير، ولذا قال سبحانه:

стр. 3327

(وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) هذا النص الكريم يبين ما على النبي والمتقين من بعد إلا التذكير الثابت الدائم المستمر، وفي أوقات يرجى فيها الإنصات والالتفات، والعناية بما يلقى عليهم، وذلك التذكير لرجاء أن يكونوا في حال من يتوقع إيمانهم، والتذكير بذاته موجب للإيمان إذا زالت الموانع، وأشد الموانع أن يسبق الجحود، وأن تغلف القلوب، فالرجاء في قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ليس من الله تعالى، ولكن لتصوير حالهم إذا استقامت قلوبهم، وخلصت من الشمر والجحود نفوسهم، وهو أنه يرجى إيمانهم، ولكنهم أحلوا محل الرجاء الجحود، والإصرار على الكفر، والعناد. . وقانا الله شر ذلك، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. * * * (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى

стр. 3328

وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) * * * بين الله قدرته القاهرة، وأنه الملجأ في الكرب، ومع ذلك كانوا يخوضون، ويعبثون، والله يأمر نبيه بأن يعرض عنهم ولكنهم يستمرون في استهزائهم بالمتقين إذ كانوا ضعفاء فيسخرون منهم، وبذلك اتخذوا دينهم الذي كان يجب عليهم أن يعتنقوه لعبا، وذلك من غرورهم بالحياة، وظنهم أن الحياة الدنيا هي الباقية، أو لَا حياة بعدها؛ ولذا قال تعالى بعد أن أمر نبيه بالإعراض عن مجالسهم قال آمرا له:

стр. 3329

(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). " ذَرْ " بمعنى اترك، وقال علماء النحو: إن " ذر " و " دع " لَا ماضيَ لهما، ولكن لهما مضارع وأمر، ولكن وجدنا في أساس البلاغة للزمخشري أن ماضيها حيٌّ يستعمل، فقد جاء فيه إذا قيل للقوم: ذروا هذا، قالوا: وذرناه. والمعنى أعرض عن الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، والدين المضاف إليهم هو عبادة الأوثان التي عبدوها كأنهم اتخذوها لعبا ولهوا، واللعب هو الفعل الذي ليس مقصد يقره أهل العقل، واللهو ما يتلهى به، ويشغل به عن الأمر الجاد المنتج المثمر، الذي يكون له غرض مقصود مطلوب، فهؤلاء في اتخاذهم الأوثان التي يصنعونها ولا تنفع ولا تضر آلهة تعبد كأنهم يلعبون إذ يعملون عملا لَا يقره أهل

стр. 3330

العقل والإدراك، ويلهون لأنه عبث يحبثون به، ولا غاية له عند أهل الفكر والمنطق، ولا على أن يفسر الدين بما هم عليه من عبادة الأوثان. ويرد على ذلك التفسير أن هذا ليس جديرا بأن يسمى دينا، ولو كان مضافا إليهم. ورأى بعض المفسرين أن المراد من دينهم الإسلام؛ لأنه الدين الذي جاء إليهم، وهم مخاطبون به، ومكلفون أن يتبعوه، فهو دينهم الذي جاء به رسول منهم، وهو الذي ارتضاه لهم أن يكون دينا، وقد اتخذوا ذلك الدين لعبا ولهوا، إذ لم يفهموا ما هم عليه، ومعنى اتخاذه لعبا ولهوا أنهم سخروا بمن اتبعه، وتهكموا على أهله، وأخذوا يخوضون فيه لعبا في مجالسهم، ولهوا عن الحق، يزكي ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضونَ فِى آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ. . .). وقال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠). وإن هذا اللعب وذلك اللهو وتعابثهم بالمؤمنين سببه هو غرورهم بالحياة الدنيا، وفهمهم لها أنها غاية الوجود ونهايته، ولذلك قال تعالى عاطفا على قوله تعالى: (اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا). أي خدعتهم هذه الحياة، وما اتخذوه فيها من مباهج غير ملتفتين للحياة الآخرة، ولا مؤمنين بها، ولا بالبعث والنشور، (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ للَّذينَ يَتَّقُونَ). خدعوا بالحياة الدنيا، فكان منهم ما كان من العبث بالحقائق الدينية والسخرية بأهلها، ولذا أمر الله تعالى نبيه - وإن ذلك فيه معنى التهديد لهم - بأن يتركهم في غيهم حتى يفاجئوا بمآلهم، ولكن مع ذلك أمر الله تعالى نبيه
следующие страницы →