ولقد بين الله تعالى جزاءهم الذي أشار إليه في الآية السابقة، بينة وقد زالت عنهم أسباب الطغيان والكبرياء. وقال تعالى:
* * *
стр. 3397
(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... (٩٤)
* * *
فرادى جمع فريد كأسارى جمع أسير، أي جئتم منفردين عن النصراء الذين كنتم تعتزون بهم، فما لكم من نصراء، وذهب عنكم افتراؤكم وما كنتم تقولون نحن أعز نفرا، وذهبت عنكم أموالكم التي كانت تعزكم، وتدفعكم إلى الاستكبار والتطاول بها، وتقولون معتزين نحن أكثر مالا، ذهب عنكم كل هذا وجئتم إلى الله بأنفسكم منفردين، وقد روى ابن عباس عن النبي ﷺ في موعظة له: " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غُرْلا " (١) (أي غير مختونين). قال تعالى: (. . . كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كنَّا فَاعِلِينَ).
وإنكم تكونون في هذه الحال، كالحال التي بدأ خلقكم بها ولذا قال تعالت كلماته: (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَولَ مَرَّة) أي تعودون ضعفاء كما خلقكم من ضعف أول أمركم؛ إذ خلقكم ضعفاء لَا تقدرون على شيء ولا تملكون شيئا، وفي النص إشارة إلى حجة البعث على الذين ينكرونه، ويستغربونه، إذ مؤداها أنه خلقكم ابتداء بقدرته، ويعيدكم بقدرته، ومن كان قادرا على الإنشاء، هو على الإعادة أقدر، وهو العزيز الحكيم.
وإن كل ما كانوا يملكونه من مال ونسب، وعبيد، وصولة، وسلطان يكون وراء ظهورهم وقال تعالى في ذلك: (وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) خولناكم أي مكناكم من أموال وأنعام، وسلطان، وراء ظهوركم، أي جئتم إلينا، وقد خلفتموه وراء ظهوركم فلا يمكن حينئذ أن تعتزوا بشيء منه، وقوله تعالى: (وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) تشبيه لحالهم في أنهم لَا يأخذون شيئا معهم كمن ترك ما يملك وراء ظهره، وذهب تاركا له، أو من ولَّى الأدبار من اللقاء فقد كانوا يغترون
стр. 3398
بأموالهم، وأصبح لَا يعرف ماله، فضلا عن أن يغتر به كما كان في الدنيا، ولم يعد المال إلا لحفظ الحياة بالقوت والكساء والصدقة، كما قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم أنه قال: " يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فهو ذاهب، وتاركه للناس " (١)، تذهب عنهم كل قواتهم الذاتية التي غرتهم واستكبروا بها عن آيات الله تعالى، وغرتهم في الحياة الدنيا، فاغتروا بها، وغرهم بالله الغرور.
ولقد ذكر سبحانه بعد ذلك حالهم مع ما كانوا يعبدون من دون الله تعالى بغير الحق، فقال تعالى:
(وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ).
أي أنهم في اليوم الآخر حيث الحساب، ثم العقاب لَا يرى معهم شفعاؤهم، أي الأصنام التي زعموها، تقربهم إلى الله زلفى إذ كانوا يقولون (. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ... )، أي ليكونوا شفعاء لنا يقربوننا إلى الله تعالى، ولقد قال تعالى: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ)، ولم يقل تركتموهم وراءكم ظهريا؛ لأن المال والأنصار والعصبيات كان لها وجود، أما هذه الأحجار فلا وجود لها، وليس لها لسان تنطق، فقال سبحانه وما نرى هؤلاء الشفعاء؛ لأنهم لم يكن لهم وجود في الدنيا إلا بزعمهم، فهم موجودون في أوهامهم، ولا وجود لهم في ذاتهم إلا أنهم حجارة، ولقد قال تعالى في أوصاف هؤلاء الشفعاء في زعمهم: (الَّذِينَ زَعَمْتمْ أَنَّهُمْ فِيكمْ شرَكَاء) " الذين " وصف للشفعاء وهم حجارة، وكان الموصول بعبارة " الذين " التي تكون للعقلاء إجراء على لفظ الشفعاء لَا على حقيقتهم، والزعم هو الاعتقاد الباطل الذي ليس له أساس من العقل أو النقل، والزعم هو أنهم شركاء الله تعالى فيكم بالنسبة للنفع والضرر، والجزاء عقابا أو ثوابا، وقدم قوله تعالى: (فِيكُمْ) إشارة إلى أن الزعم
стр. 3399
الذي زعمتموه فيكم أنتم، وفي أوهامكم، ولا يتجاوزكم إلى غيركم ممن لم يسقط في مزاعمه مثلكم. وإن السبب في أنه تعالى لَا يراهم (معهم) أنه لَا وجود لهم، وأن الشيطان الذي سول لهم عبادتهم يتبرأ منهم كما يتبرأ المتبوعون عن التابعين في قوله تعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧).
كذلك هنا كان الشفعاء الذين غابوا، ولم يُروا قد انقطع ما بين هؤلاء وأولئك، لأنه كان وهما ولم يكن هناك سبب يربط بينهم، فلما انكشف الأمر يوم القيامة تقطعت الحبال الواهية التي كانت تربطهم، فقال تعالى: (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) أي تقطعت الصلة التي كانت بينكم التي خلقها وهمكم، والآن قد تكشف لكم الحق البين، وهم أنهم لَا وجود لهم إلا ما كان من أوهامكم، فماذا زالت فُقدَ الذي بينكم، ثم أكد الله تعالى هذا المعنى، فقال تعالت كلماته: (وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أي غاب عنكم الزعم الذي كنتم مستمرين عليه مجددين له آنًا بعد آنٍ.
* * *
آيات الله في الكون وتوليد الأشياء من الأشياء بقدرته (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)
* * *
стр. 3400
ذكر الله كيف اهتدى إبراهيم ﵇ إلى ربه مما خلق في الكون، وكيف استدل بالوجود على من أنشا الوجود كله، وهو رب العالمين ثم ذكر سبحانه السماوات، ورد على من أنكر أن يبعث الله بشرا رسولا، ذكر بعد ذلك الكون، وما فيه من توالد الأشياء بعضها من بعض بقدرته، وبعلمه وإرادته التي كان بها الخلق والتدبير فقال تعالى:
стр. 3401
(إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى). ويروي عن ابن عباس وبعض التابعين أن قوله تعالى: (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) أن معناها خالق الحب والنوى، وفالق في أصل معناه بمعنى فاطر أو يلتقيان في معنى واحد، وهو الشق، فمعنى فلق أي شق، ثم كان من الشق الإيجاد، وفاطر تطلق بمعنى خالق، كقوله تعالى فاطر السماوات والأرض أي خالقهما، و " الحب " هو ما ينتجه الزرع كالقمح والشعير والذرة، و " النوى " هو ما يكون في الثمار، كالتمر، والمشمش، والخوخ، وغير ذلك من الثمرات.
ووجه الإعجاب في خلق الحب والنوى هو التوجيه إلى أن هذا الحب يكون منه ذلك الزرع الأخضر، الذي تغلظ سوقه ويقوى، وإن هذا النوى يكون منه النخيل الباسق والدوحات العظام، ويكون منه ذلك الشجر المثمر المعروف، كما قال تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥).
وقد ضعف ابن جرير، تفسير " فالق " بمعنى خالق، لأنه لَا يوجد (فلق) بمعنى (خلق)، ولكن الزجاج جوَّز ذلك، وأكثر المفسرين على أن الفَلْق ليس معناه الخلق إنما معناه الشَّق، وإن الله تعالى يشق الحب ليخرج منه نبات أخضر فذلك إشارة إلى التوالد الذي يتولاه الله تعالى، فيشق الحب فيكون منه الزرع الذي يكون منه حب. .، متراكب كثير، ويخرج من الحبة الواحدة، زرع فيه حب كثير، والنوى يشق فيكون أشجار باسقة، وثمرات طيبة، ويكون من النواة، ثمر فيه نوى كثير، وثمرات ناضجة كثيرة.
стр. 3402
وقد ذكرنا أن هذا رأي الأكثرين، وهو ينتهي إلى معنى الخلق، ولكنه خلق عن طريق التوالد الذي يتولاه الله فيتولد بخلق الله وتكوينه من الحب الذي يبدو جامدا - زرع أخضر، وحب متراكب، ويتولد من النواة التي تبدو كأنها جماد لَا حياة فيها - شجر عليه ثمر، وفي الثمر نوى، فهو توجيه من الله تعالى إلى خلق خاص، لَا مجرد خلق النواة والحبة، ولكن ما يتولد عن النواة والحبة من نوى وحبوب.
وإذا كانت الحياة تخرج من هذا الجامد الذي يبدو بادي الأمر أنه لَا حياة فيه، فيخرج منه، ولذا قال تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيتِ مِنَ الْحَيِّ).
هذه الجملة السامية الأكثرون على أنها في معنى التفسير لـ فالق الحب والنوى، ويكون قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) أي يخرج من ذلك الزرع، وذلك الشجر، وهما من الأحياء من الحب والنوى اللذين هما كالجماد الذي لا حياة فيهما في مظهرهما، وبذلك لَا يقال كيف تعد الحبة ميتة، أو النواة كذلك، وهما يطويان في أنفسهما بذرة الحياة، ولا يعدهما علماء النبات من الأموات.
وقوله تعالى: (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) أي أن هذا الحي، وهو الزرع والشجر، يخرج منه الذي يشبه الجماد، وإن كان فيه أصل عنصر الحياة، فقوله تعالى: (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ)، معطوف في الظاهر المتبادر على (يخرج)، وقالوا إنه يجوز عطف اسم الفاعل، على الجملة المصدرة بفعل مضارع، لأن اسم الفاعل في معناه.
وقد يسأل سائل لماذا عبر بالمضارع، ثم عبر باسم الفاعل؟ ونقول في ذلك: أن التعبير باسم الفاعل يدل على تصوير الفعل، وهو الحياة، وتجددها آنًا بعد آنٍ، فيبتدئ بنبت، ثم يخضر ثم يكون له سوق، فهو يصور تدرج الحياة فيه بحكمة الله تعالى، وكذلك في النواة فالحياة فيها تبتدئ مما يشبه النبت، ثم تكون عودا فشجرة، أما الحبة أو النواة التي تجيء من الزرع أو الشجرة، فإنها تكون نهاية التجديد، وتظهر دفعة واحدة؛ ولذا كان التعبير باسم الفاعل.
стр. 3403
وختم الله تعالى الآية التي موضوعها في التكوين بالتوليد، بقوله تعالى (ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تؤْفَكُونَ) الإشارة إلى ما ذكره سبحانه من فلق الحب والنوى، وتوليد الحياة منهما، وإن كانت مطوية فيهما، وكانت الإشارة للبعيد لعلو المنزلة السامية لذات الله ذي الجلال والإكرام.
وكانت الإشارة بخطاب الجمع إذ قال: (ذَلِكُمُ) وذلك لأن ثمة خطابا للناس الذين أشركوا بالله تعالى، والفاء في قوله تعالى: (ذَلِكمُ) لترتيب ما قبلها على ما بعدها، فهي لتعريف الذات العلية بأنها التي فلقت الحب والنوى، وأنها تحيي الموتى، فترتب على ذلك استنكار موقف المشركين، وتعريف الذات العلية، وقال تعالى: (فَأنَّى تُؤْفَكُونَ) فالفاء للإفصاح عن شرط مقدر مطوي في إذا كانت الذات العلية هي التي خلقت، وتحيي وتميت، فكيف تؤفكون، أي تصرفون عن عبادته وحده إلى الشرك: وتؤفك، وتأفك وأفك بمعنى صرف، وأحسب إنها صرف فيه إفك وكذب على الله، فالمعنى كيف تصرفون كاذبين على الله تعالى، مفترين عليه بعبادة غيره، سبحانه وتعالى عما تشركون.
وإن الله تعالى خلق الأرض وأحياها بالنبات والشجر وغذاها بالماء، وقد أظلها بالسماء، وإذا كان قد فلق الحب، فأخرج منه النبات، والنوى فأخرج منه الثمر، فقد فلق السحاب، فانشق؛ ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 3404
(فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ... (٩٦)
* * *
الإصباح هو شروق الفجر، وذلك بأن يشق الخط الأبيض ظلام الليل.
والذين قالوا: إن معنى (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) خالقهما، قالوا هنا أيضا إن معنى (فَالِقُ الإِصْبَاح) أي خالق الإصباح بعد إظلام الليل، والذين قالوا، وهم الأكثرون: إن معنى فلق شق، وإن معنى (فَالِقُ الإِصْبَاح) شق الظلمة، بخيط الفجر الأبيض الذي يتسع شيئا فشيئا حتى يعم النور الوجود، فكان النهار المضيء الذي يكون فيه العمل والسعي في الحياة، وطلب الرزق، ولذلك قال تعالى: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا).
стр. 3405
وإن الإصباح كما ترى هو دخول النهار، أو إيذان بدخوله؛ ولذا عُطفَ عليه الليل، فقال تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكنًا) أي تسكن فيه النفوس والأجسام بعد طول النصب واللغوب؛ ولذلك قال تعالى: (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ). فالليل تسكن فيه النفوس وتقر، ويرجع المرء إلى أهله وولده، وهي مسكنه، ومطمأنه، وفي النهار يبتغي الرزق في الأرض، وإن الليل في أحواله طولا وقصرًا، والنهار كذلك طولا وقصرا يتبعان الشمس والقمر، كما يتبعان في أصل وجودهما الشمس؛ ولذلك قال تعالى بعد الليل والنهار (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) وقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) عطف على (جَعَلَ اللَّيلَ سَكنًا) و (حُسْبَانًا)، لحساب الأيام والسنين والأشهر، فبالشمس تعرف الأيام، ونعرف ساعاتها، فإن شروقها وغروبها يحدد عدد ساعات الليل والنهار ودرجاتهما، واختلاف أقاليم الأرض فيها طولا وقصرا حتى يقل النهار في بعض الأرض ويكون الأكثر ليلا، ويتناسب الليل والنهار في بعض الأرض، وبالشمس تعرف مناطق الأرض على حسب تسلط نورها وأشعتها على الأرض، وتكون الفصول الأربعة من صيف وخريف وشتاء وربيع.
والقمر تقدر به الأشهر القمرية بالأهلة، وتعرف أيامها بحال الهلال؛ ولذا قال تعالى فيما تلونا من قبل: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ. . .). وقوله تعالى: (. . . بِحُسْبَان)، أي بحساب دقيق لَا يتخلف عن مواقيته في كل بقعة في الأرض على حالها، لَا يتقدم ميقاتها ولا تتأخر حتى ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات.
والفرق بين الحساب والحسبان، أن الحساب مقدر بعد وقوع ما يحسب وما يعد، أما الحسبان فإنه يحسب ويقدر قبل الوقوع.
ويلاحظ أنه إن ذكر التوالد في النبات والإحياء والإماتة ذكر الشمس والقمر، لأثرهما في إنبات النبات ووجود الأشجار، وحياة الأحياء، فالشمس
стр. 3406
توجد الحرارة التي تمد الأحياء بالنماء والدفء، ومن الحرارة إيجابا وسلبا يكون المطر، ولقد ختم الله تعالي الآية بقوله تعالى: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)، أي وهو القادر الغالب صاحب السلطان المطلق والملك التام في هذا الكون، وهو العليم بما يكون فيه، وما يجري وما يدبر.
وقد ابتدأ سبحانه ببيان سلطانه سبحانه في الأرض، وما يتوالد فيها من أحياء، ثم ذكر ما يؤثر فيها وفي أهلها في الليل والنهار وما جعل من الشمس والقمر بحسبان، بعد ذلك ذكر السماء، وما يكون فيها، فقال تعالى:
* * *
стр. 3407
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ... (٩٧)
* * *
خلق الله تعالى النجوم في السماء، وهي ذات أبراج كمطالع الشمس والنجوم، ولكل نجم مدار خاص به، يظهر في إبانه، واتجاهه يهدي السائرين في البر، فيهتدون به، ويعرفون به أهم متجهون إلى الشرق أم إلى الغرب وهل هم متجهون إلى الشمال أم إلى الجنوب، فيهتدون في الحيرة، ويصح أن يراد بها في ظلمات البر بالاهتداء بها في حيرة البر، وظلمات البحر بالاهتداء بها في ظلمات البحر.
ويصح أن يراد بذلك ظلمات الليل في البر والبحر، فإن الناس في نهارهم يهتدون بالشمس في شروقها وغروبها ومن ذلك يعرفون الاتجاه إلى الجنوب أو الشمال، أما في ظلمات الليل فالنجوم ليس بكونها منيرة، إنما بمسارها في اتجاهها.
هذه إحدى فوائد النجوم، أما المزايا الأخرى فأهمها أنها والأرض دلالة على منظم حكيم مبدع فقد قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١).
стр. 3408
قوله تعالى: (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ) أي بينا الآيات مفصلة واضحة لقوم يعلمون ويعرفون حقائق هذا الوجود ويعلمون مصالحهم.
* * *
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)
* * *
بعد أن أشار إلى خلق النبات من الحبَّات، والشجر من النواة - بين خلق الإنسان في الأرحام فقال تعالى:
стр. 3409
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ).
اتجه المفسرون إلى اتجاهات في تفسير قوله تعايى: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) فمنهم من نظر إلى أن قوله تعالى: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) تتجه إلى أصل التكوين الإنساني في أصلاب الآباء، وأرحام الأمهات، فقال: معنى مستقر أي مكان استقرار وهو رحم الأم، ومستودع، أي مكان الوديعة الإلهية في أصلاب الآباء، فهو بيان لأدوار النطفة حتى تخرج من المستودع الذي أودعه الله تعالى فيها، وهو الأصلاب إلى المقر الذي أقرها الله فيها لتنمو فتكون نطفة في قرار مكين، ثم تكون النطفة علقة، ثم تكون مضغة، ثم تكون عظاما، فيكسو العظام لحما، ثم
стр. 3410
يصير بشرا سويا، فتبارك الله أحسن الخالقين، والنفس الواحدة هي نفس آدم أبي وكما أشار سبحانه إلى فلق الحبة فتكون خضرة، وفلق النواة فتكون نخلا باسقا، وأشار هنا إلى خلق الإنسان حتى يصير إنسانا مكتملا.
واتجه آخرون إلى الاستقرار في الحياة، والاستيداع في النهاية إلى باطن الأرض، فالمستقر هو الدنيا والوجود في هذه الأرض، والمستودع القبر، الذي يودع فيه حتى يكون البعث والنشور، وذلك كقوله: (. . . وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَر. . .)، والأكثرون من الصحابة والتابعين على الاتجاه الأول، وهو أوضح، وأقرب تبادرًا للذهن، وإني أرى أنه لَا مانع من أن تكون في الاثنين، واللفظ يحتملهما، ويكون في الأول: لما يشبه العبارة وفي الثاني: لما يشبه الإشارة، فالعبارة سيقت لأصل التكوين، كما سيق أمر الحبة والنواة، وما جاء بعدها لذلك، ودلت بالإشارة على أنه استقرار إلى أمد، وبعده الاستيداع في القبر، حتى يوم البعث، فتأتي كل نفس بما كسبت، وختم الله تعالى الآية بقوله تعالى: (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهونَ) أي ينفذون إلى أسرار الوجود من وراء مظاهره؛ لأن فَقِه ليس المراد بها مجرد العلم، إنما المراد بها العلم الذي يشق المظهر ليصل إلى سر ما وراءه، وقد علل الزمخشري أنه ختم الآية التي تدل على الاهتداء بالنجوم بقوله تعالى: (. . . قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، وهنا ختم بقوله: (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) بأن الاهتداء حسي يرى فهو آية بينة محسوسة لَا تحتاج إلى النظر، والانتفاع والاهتداء، وأما الثانية، فإن الآيات فيها سر الوجود الإنساني الذي يتدرج فيه الحي من نطفة تجيء من الأصلاب، وتوح في الأرحام حتى تكون بشرا سويا.
وليس الفقه هو الفهم المجرد، إنما الفقه هو شق الحقائق حتى يصل إلى لبها وغايتها، فقوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ منْهُمْ
стр. 3411
طَائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلّهمْ يَحْذَرُونَ).
وبعض الكتاب قال: إن العلم أعلى درجة من الفقه؛ لأن الفقه مطلق الفهم، والعلم هو المعرفة عن دليل قاطع يؤدي إلى اليقين، ونحن إلى قول الزمخشري نميل، ونرى أنه هو الذي يتفق مع (فقِه)، ومن غير الزمخشري أكثر إدراكا منه.
بعد أن بين الله تعالى كون الإنسان، وتدرجه في الخلق من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وتدرجه فيها إلى أن صار إنسانا في أحسن تقويم، ذكر نعمة الماء في هذا الوجود، وما يخرج به في الأرض من حبوب وثمار تتشابه في شكلها، ولا تتشابه في طعمها، فهِي متشابهة وغير متشابهة، فقال تعالى كلامه:
* * *
стр. 3412
(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ... (٩٩)
* * *
أخبر الله عن ذاته العلية أنه هو الذي أنزل من السماء ماء، فهو وحده الذي أنزل من السماء الماء فلم ينزل إلا بقدرته؛ وهو وحده الذي يثير السحاب حاملة المطر الذي ينزل ماء على الأرض، فنزوله من السماء، هو نزوله من السحاب؛ لأن السماء ما تعلو فوق الأرض، وسماها الله تعالى سماء؛ لأنها تغطي الناس بالغمام الذي يتكاثف فيصير ماء يهطل على الأرض مطرِا، ولقد التفت البيان القرآني السامي من الغيبة إلى التكلم، فقال تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) أضاف الإخراج إلى ذاته العلية بصيغة المتكلم لبيان عظيم فضله، وأن إخراج النبات والنخيل والأعناب، والزيتون والرمان، وغيرها من أنواع الثمر والمطعومات بإرادته، وتخيره وتشكيله لها ، وقوله تعالى: " به " أي منه، وبه وعن طريقه ولقد قال تعالى: (. . . وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَيٍّ. . .).
وإن النص الكريم يفيد أن الله تعالى أنزل الماء وهو في ذاته نعمة، لأن منه حياة الأحياء من نبات وحيوان وإنسان كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)
стр. 3413
أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) والنعمة الثانية أنه أخرج الله تعالى به نبات كل شيء أي كل صنف من أصناف النبات من قمح، وشعير، وذرة، وأرز، وسمسم، وغير ذلك من أنواع الحبوب والبقول، وغيرها وهو منوع مختلف وإن اتحدت الأرض واتحد السقي؛ ولذا قال تعالى في آية أخرى: (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ. . .).
ولقد فصل الله تعالى أدوار الإنبات فقال: (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا)، أي يخرج الله تعالى خضرا، أي أخضر، غضا طريا ذا شعب، ومن هذا الأخضر الغض يخرج بعظيم قدرته حبا جامدا متراكبا أي يركب بعضه بعضا في نظام رتيب متسق بقدرته تعالى كالسنبلة في القمح والأرز، والكوز في الذرة، وغيرها من الأنواع المختلفة، كيف تبدأ خضرا مزهرة فإذا نضجت وصارت حطاما أو قريبا من ذلك أتت بنبات نافع يكون مطعوما يغذي الأبدان، وهنا نجد عجيب قدرة الله تعالى فلقت الحبة الصلبة، وجعلت منها عودا أخضر غضا، ثم جعلت من هذا العود الأخضر وقد صار ثمارا حوى حبا متراكبا صلبا.
وقد ابتدأ بذكر النبات؛ لأنه يكون منه الغذاء والكساء من العرى، كالقطن، والكتان، والتيل، وغيرها مما يكون اللباس والكساء للناس. وبعد ذلك بين سبحانه الثمرات التي تكون من النوى، وابتدأ منها بالنخيل؛ لأنه يجيء منه التمر، وهو إن كان فاكهة هو أيضا غذاء، وقد كان غذاء عند العرب يشبه أن يكون رئيسيا.
فقال تعالى: (وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) طلع النخل هو أول ما يبدو من ثمر النخل فيبدو ليه شق، فإذا شق كان العزق، وهذا العزق هو القنوان، وهو الذي بعد التمر يكون عرجونا، وتكون الشماريخ.
وفي هذا بيان نعم الله تعالى في التمر، وهو عطف على الكلام السابق جملة على جملة، ولم يقل ، وأخرجنا النخل، وإن كان قد
стр. 3414
أخرجه فعلا من النوى، ولكنه صار كالأرض يخرج منه مثل كل اتخرج الأرض من نبات، وقد قدر إخراج الله لهذا القنو من الطلع، كإخراج النبات من الأرض، فإخراج القنو كإخراج النبات من الأرض بقدرة الله تعالى، و " قنوان " جمع قنو، و " دانية " أي قريبة تتناولها الأيدي، وقد ذكر الدانية لأن نعمتها أقرب، ولأنه يظهر أن النخل القصير يكون طيب الجنى، ويظهر أن هذا النوع هو النخل الذي أكرم الله به السيدة البتول مريم عندما ولدت المسيح قال تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥).
وقد ذكر الله تعالى النخل والتمر عقب الحَب؛ لأن التمر كما ذكرنا يكون غذاء، وكما يقول علماء النبات إنه غذاء كامل.
وقد ذكر بعد ذلك الأعناب، والزيتون والرمان فقال تعالى: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ).
وقوله " جنات " معطوفة على " نبات كل شيء " أي أخرجنا جنات من أعناب، وأعناب جمع عنب، والجنات جمع جنة، وهي الأرض ذات الأشجار الملتفة المتكاثفة التي تجنّ الأرض وتظلها، وعبر عن الأعناب بالجنات؛ لأنه إذا نما وترعرع، وأقيمت له العرائش كان جنة ساترة للأرض وحديقة غناء، تظهر وخضراؤها، وتُجَنُّ أرضها، وذكرت الأعناب بعد النخيل، لأنه كان كثيرا في أرض العرب، ولأنه فاكهة كانت أطيب الفواكه عندهم، ولأنه غذاء ودواء من عجمه وهو نواه.
ثم ذكر الزيتون والرمان، معطوفين على (نبات كل شيء) والتقدير في كل هذا أخرجنا بالإسناد إلى الذات العلية، لبيان قدرته العظيمة وإرادته الحكيمة، وآلائه على العرب وغيرهم.
وكان النخيل وطلعه بمقتضى السياق يكون معطوفا على (أخرجنا)، والاختصاص عندهم بالأهمية، ولأنه أكبر الأشجار المثمرة وأعلاها، فكان موجب الاختصاص أن يتغير الإعراب.
стр. 3415
وقال تعالى: (مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِه).
المشتبه والمتشابه بمعنى متقارب كمستوٍ ومتساو، وهنا في تفسير مشتبه وغير متشابه اتجاهان في الفهم:
أحدهما - أن ثمار الزيتون قد يكون متشابها في الحجم والطعم، وقد يكون غير متشابه، وذلك دليل على أن الأمر باختيار الله تعالى جعل هذا متغيرا فقد يخلق التمر متشابها في حجمه وطعمه، وقد يخرج غير متشابه في ذلك؛ وكلٌّ بإرادة الله تعالى.
واتجاه آخر - وهو أن تتشابه الثمرتان في أنهما من شجرة واحدة، ولكن لا تتشابهان في الطعم أو اللون والرائحة كما ترى في ثمر الرمان، فقد تكون رمانتان من شجرة واحدة، ولكنهما مختلفتان في الحجم، وطعم الثمر ولونه، ويقول بعض العلماء: إن شجر الزيتون والرمان تتشابه فيهما الأوراق، ويختلف ما ينتجانه والحق أن الوجهين الأولين يمكن الجمع بينهما بأن يكون التشابه في العدد والحجم، وألا يكون تشابه قط، وقد قال تعالى: (نظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ).
" الينع " النضج، والمعنى انظروا نظرة اعتبار واستبصار إذا أثمر كيف يبتدئ الثمر خيوطا رفيعة، ثم تغلظ شيئا فشيئا نامية متدرجة في نموه، حتى تصل إلى حال النضج، فإنه يكون متغير الأحوال كما يبتدئ الجنين نطفة، ثم علقة ثم مضغة حتى يصير خلقا سويا، كذلك انظر إلى الثمر، كيف يسير في نموه حتى يصير ناضجا طيبا.
ثم قال تعالى: (إِنَّ فِى ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْم يُؤْمِنُونَ).
الإشارة إلى ما تقدم من إنزال الماء من السماء، وإخراج نبات كل شيء منه، والنخيل وطلعه من قنوانه، وتدرجه من حال إلى حال، والأعناب والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه، الإشارة إلى هذا كله وما فيه من عجائب أن فيه آيات بينات على قدرة الله تعالى في تكوين الأثمار وتوالدها، وإذا كان الله تعالى
стр. 3416
متصرفا في الوجود ذلك التصرف فهو الذي خلقكم، وهو قادر على إعادتكم كما بدأكم أول مرة، وقال تعالى: (لِّقَوْمٍ يؤْمِنونَ)؛ لأن أهل الإيمان هم الذين يدركون حكمة الله تعالى فيما خلق، وهم الذين يذعنون للحقائق إذا بدت آياتها.
وخاطب بالإشارة بالجمع بقوله تعالى: (إِنَّ فِى ذَلِكُمْ) للتنبيه وتوجيه أنظار الجمع إلى ما في هذا الخلق أو التكوين من عِبَر، تعالى الله العلي القدير.
* * *
الوثنية وادعاءالبنوة لله
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)
* * *
بعد أن بين آياته في خلق الأشياء وتوالده وإثبات قدرته القاهرة، وإرادته العلية، وأنها تقتضي الإيمان بالله تعالى منشئ هذا الكون وما فيه ومن فيه، وأنه الحي القيوم القائم عليه يمسكه، ويمسك السماوات والأرض أن تزولا. ولئن زالتا لَا يمسكهما أحد من بعده.
стр. 3417
مع هذه البينات ظهر أولئك الذين يشركون بالله تعالى وذكر أنهم يشرِكون الجن، فقال تعالى:
стр. 3418
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
ومعنى قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ) أي أن الشركاء هم الجن، أي أنهم عبدوا الجن بجوار عبادة الله تعالى، وقد يسأل سائل إن المشركين قد عبدوا الأصنام، ولم يعبدوا الجن، فكيف يقال إن الشركاء لله الجن، وقد قال في محكم آياته أنهم اتخذوا الأنداد، والأنداد التي حسبوها أندادا لله هي الأصنام.
وقد اتجه المفسرون في إجابة هذا السؤال اتجاهين: أولهما - أن الشياطين، وهم من أتباع إبليس وهو رأس الجن هم الذين سولوا لهم عبادة الأوثان، وزينوها لهم، وقد جاءت بذلك النصوص القرآنية الكثيرة، من ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١).
ويقول الله تعالى على لسان الملائكة: (. . . سُبْحَانَكَ أَنتَ ولِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُفم بِهِم مُّؤْمِنُونَ).
ويقول تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩). وإنه ما من شرك إلا والشيطان وراءه، والشيطان من الجن؛ إذ هو تابِع لإبليس، وهو من الجن، كما قال تعالى: (. . . إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عن أَمْرِ رَبِّهِ. . .). هذا هو قول الأكثرين.
الاتجاه الثاني - روي عن ابن عباس والكلبي أنهما قالا: إن الذين كانوا يعبدون الجن هم الثنوية من المجوس الذين كانوا يقولون إن الوجود يحكمه إلاهان إله الخير، واسمه يزدان وإله الشر واسمه أهرمن،
стр. 3419
ولقد قال ابن عباس: إن موضوع الآية الزنادقة، وقد رجح فخر الدين الرازي ذلك الرأي، ولنترك الكلمة له، فقد قال: (هذا مذهب المجوس، وإنما قال ابن عباس هذا قول الزنادقة لأن المجوس يلقبون بالزنادقة، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله سمى بالزند والمنسوب إليه يسمى زندي، ثم عرب فقيل زنديق، ثم جمع فقيل زنادقة، واعلم أن المجوس قالوا: كل ما في هذا العالم من الخيرات، فهو من يزدان، وكل ما فيه من الشرور فهو من أهرمن، وأهرمن، هو إبليس بلغة القرآن، والقرآن قال إنه من الجن، فمن قال بهذا المذهب، فهو يعقبر إبليس وذريته من الجن شركاء لله تعالى في معنى الألوهية، وبذلك تتحقق شركة الجن).
وفى الحق: إن الآية تشمل بعمومها عباد الأوثان والزنادقة، لأن كليهما عبدا الشيطان، وإبراهيم ﵇ عندما نهى أباه عن عبادة الأوثان قال له: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤). وعلى ذلك يكون المشركون والمجوس قد أشركوا الجن في عبادة الله تعالى، سواء أكان ذلك بأن سولوا لهم عبادة الأحجار، فتكون عبادة الأحجار عبادة للجن، أم عبدوا الجن مباشرة كالثنوية.
ولقد قال تعالى بعد أن ذكر هذه الشركة الوثنية قال تعالى: (وَخَلَقَهُمْ) أي أن الله تعالى خلقهم، فهم مخلوقون، حادثون ولا يصلحون أن يكونوا معبودين، لأن المعبود بحق هو القديم الذي لَا أول له، والباقي الذي لَا آخر له، ولأنه ليس من العقل في شيء أن يشترك الخالق مع المخلوق.
ثم ذكرِ افتراءات المشركين ومن لف لفهم، فقال تعالى:
(وَخَرَقُوا لَهُ بنِينَ وَبَنَات بِغَيْرِ عِلْمٍ) وخرقوا معناها اختلقوا القول، وافتعلوا، كان الرجل إذا كذب في النادي، قالوا خرق ورب الكعبة أي اختلق، فالمعنى: اختلقوا أن يكون لله بنون أو بنات، ومن الناس من قال الملائكة بنات الله، وقد تردد ذلك على ألسنة المشركين وعلى ألسنة اليهود.
стр. 3420
ومن الذين خرقوا القول بأن لله تعالى بنين - الهنود والبوذيون، وأخذ عنهم النصارى بنوة عيسى، واليهود قالوا عزير ابن الله، فادعاء البنوة لله تعالى قد أخذ به اليهود، ثم سار وراءهم اليهود والنصارى، وكل من افترى على الله تعالى ذلك الافتراء.
ولقد قال تعالى إن ذلك قول ليس له أصل قام عليه، ولكنه جهالة، فقال تعالت كلماته: (بِغَيْرِ عِلْم) أي أنه ادعاء ليس له أساس، من أين أوتوه. بل عن أوهام توهموها، وجهل مبين بمعاني الألوهية، ويدل على فساد فكر وضلال فهم، واستهواء نفس ممن سيطر على نفوسهم. والله تعالى منزه عن ذلك.
وختم الله تعالى الآية بما يدل على التنزيه، وعلو المقام الإلهي عن ذلك فقال تعالى: (سُبْحَانَهُ) وهي مصدر يدل على التسبيح وتنزيه الله العلي الكريم عن ذلك (وَتَعَالَى) أي تسامي سبحانه وتعالى عما يشركون.
ولقد بين استحالة أن يكون له ولد، فقال تباركت آياته:
* * *
стр. 3421
(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ... (١٠١)
* * *
وكلمة (بديع) فعيل بمعنى اسم الفاعل، أي مبدع السماوات والأرض، وهي تقتضي معنيين: أحدهما - أنه أنشاها على غير مثال سبق، والثاني - أنه لم يكن قبلها شيء يحتذى، فقد أنشأها من العدم إنشاء، فهو خالقها، قبل أن لم تكن ومن كان منشئا لهذا الوجود بإرادة مطلقة لَا يمكن أن يكون وجود الأشياء لديه بنظام الأسباب والمسببات، فلم تكن الأشياء كإيجاد العلة للمعلول، بل هو إنشاء الموجد للموجود.
وإن من كانت هذه الحال حاله لَا يمكن أن يكون له ولد.
وقد بين الله استحالة ذلك من وجهة الأسباب العادية التي تقتضي أن يكون الوالد له امرأة تلد منه؛ ولذا قال تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ).
стр. 3422
" أنى " من أين يكون له ولد، أو كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، أي امرأة يعقب منها الولد، كما تزين ذلك عقولكم الواهمة، ونفوسكم المطوقة بآفة الوهم والضلال، إنه ثبت أن الله واحد أحد لَا شريك له، في السماوات والأرض، فكيف يقولون ذلك الوهم، لقد ضل الذين قالوه أولا كالبراهمة، وضل الذين قالوه من بعدهم متبعين لهم، وضل الذين يتبعونهم اليوم.
لقد قال النصارى الذين أخذوا من البراهمة والبوذية: إن مريم البتول ولدت عيسى، وأقروا بأنها ولدته بعد أن حملت به تسعة أشهر، وجاءها المخاض، كما يجيء كل امرأة تلد، وألجأها إلى جذع النخلة، وولدته ووضعته في مزود، ثم عاش كما يعيش الناس، ثم ادعوا له بنوة لله تعالى ثم ألوهية زعموها فمن أين أتت إليه الألوهية وقد عاش بشرا سويا، يأكل كما يأكل الناس؟.
لقد زعموا لفرط وهمهم أن مريم البتول ﵍ ولدت الإنسان والإله، وزعم بعضهم مخفّفًا فساد القول الأول أنه ولد إنسانا، ثم فاضت عليه الألوهية والبنوة معا، (. . . كَبُرَتْ كلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا).
ولقد قال الله تعالى مؤكدا نفي البنوة عن ذاته العلية: (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ) أي أنه خالق كل شيء فهو غير محتاج لأحد؛ لأنه خالق الوجود كله، والبنوة ثمرة الاحتياج لتكون امتدادا للوالد، والله تعالى الخالق للوجود كله فكيف يحتاج لولده، ولكنها الأوهام المسيطرة، وكل عقيدة تشتمل على أن شخصا له بنوة أو ألوهية عقيدة أساسها الوهم الباطل، وأصحابها يعيشون في أوهام، وشيوعها دليل على فسادهم وفساد من يتبعونهم.
وقد قال تعالى مؤكدا معنى خلقه وقدرته بسعة علمه وإحاطته بكل شيء علما، فقال تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ) فالخلق والتكوين هو بمقتضى العلم والحكمة والإرادة.
стр. 3423
ولقد أكد حقيقة ربوبيته، وألوهيته بقوله تعالى:
* * *
стр. 3424
(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ... (١٠٢)
* * *
الإشارة في " ذلكم "، إلى ما ذكر من فلق الحب والنوى وإنشاء النبات والأشجار والأنفس، والتوالد، والنزاهة المطلقة عن الشريك والولد، وانفراده بالخلق والتكوين والقيام لكل شيء والعلم بكل شيء وهذه أوصاف الوحدانية، وإذا كان واحدا في ذاته العلية، وواحدا في إنشائه للكون، فهو الجدير بالعبادة وحده وكل عبادة لغيره تكون باطلة بطلانا مطلقا؛ ولذا قال سبحانه: (ذَلِكُمُ اللَّهُ) أي ذلك المعبود بحق وحده، وهو ذو الجلال والإكرام، والإشارة بالخطاب للجميع (ذلكم) للإشارة إلى التكليف العام بعبادة الله تعالى وحده، وقد ذكر سبب الألوهية الكاملة، فقرنها بوصفين يزكيان معنى الألوهية: أولهما - الربوبية الكاملة؛ الذي يربي الناس والأشياء، يربها ويرعاها ويحفظها، الوصف الثاني - أنه خالق كل شيء، ولا شيء في الوجود إلا وهو الخالق له والقائم عليه، والمدبر لأمره، والكالئ له، وهو على كل شيء وكيل.
وقد قال تعالى: (فَاعْبُدُوهُ) أي أنه إذا كان هو وحده الخالق، وهو وحده المدبر فاعبدوه وحده، لَا شريك له، فهذه نتيجة للمقدمات الواقعة السابقة، ومن عبد غيره، فإنه قد سبق إليه وهم، وهو عبد للأوهام وليس مؤمنا بالله.
وبعد أن بين الله أنه خالق كل شيء بين أنه خلقه، وِهو يحافظ عليه؛ ولذا قال جلت قدرته، وعظمت حكمته: (وَهُوَ عَلَى كلِّ شيءٍ وَكيلٌ) " وكيل " هنا من وكل إليه الأمر ليحفظه ويصونه فمعنى وكيل هنا قائم على الأشياء كلها ليحفظها ويصونها، ويدبر أمرها إلى أن يقضي فيها قضاءه وكان أمرا مفعولا، فهو الإله القائم على كل شيء سبحانه، وإن الله منشئ الوجود نحس بآثاره، وننعم بنعمه ولا نراه، فهو خفي الألطاف ظاهر بنعمه وآثاره؛ ولذا قال تعالى:
* * *
стр. 3425
(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ... (١٠٣)
* * *
стр. 3426
" الأبصار " جمع بصر، والبصائر جمع بصيرة، والبصر يعلم بالرؤية البصرية. والبصيرة تعلم بالرؤية القلبية، والإدراك العقلي، والخشوع، والاتجاه الروحي، والتعلق بالذات العلية، ولذا قال تعالى: (. . . فَإِنَّهَا لَا تَعمى الأَبصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
والإدراك هو: الرؤية المحيطة بالشيء من كل جوانبه، فالرؤية البصرية لا ترى إلا الجانب الذي يكون مقابل العيون، أما الإدراك فهو الإحاطة بكل الجوانب، من كل ناحية، ومعنى قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) لَا تحط الأبصار بكل جوانب عظمته وجلاله، وعندئذ ننتقل من الرؤية البصرية إلى ما تنتجه الرؤية من تأمل وتفكير، ذلك أن الرؤية البصرية رؤية للمحسوس، ثم بعد رؤية المحسوس يكون التفكير فيما توجهه هذه الرؤية، فإذا رأيت منظرا جميلا، فالرؤية تريك هذا المنظر، فتستريح نفسك، وتستروح معاني من الإحساس بالجمال، فإذا علا إدراكك. فإنك تفكر في بديع الصنع، وحسن هندسة التناسق، ثم أطياف الألوان، ثم مهارة الصانع، فهذا هو الإدراك بالإبصار، فالإدراك بالإبصار هو المعاني التي تومئ بها الرؤية، ويوجه إليها النظر المستقيم.
وقوله تعالى: (لا تُدْرِكهُ الأَبْصَارُ) هو كناية عن التفكير والعلم الذي ينتج عن البصر، وقد نفَى الله تعالى الإدراك، وهو يتضمن نفي الرؤية البصرية ابتداء، لأن الرؤية البصرية في الدنيا إنما تكون في مكان متميز متحيز، والله ليس له مكان، ولا يحده شيء في الوجود، وسع كرسيه السماوات والأرض وهو السميع العليم.
وفوق ذلك لَا يمكن للعقل البشري أن يدرك الحقيقة الإلهية؛ لأنه أعلى وأجل وأعظم من أن تصل إليه المدارك، ونحن ندرك آياته، ولا نعرف كنه ذاته، تبارك الله العلي الحكيم، هذ معنى نفي إدراك الأبصار، وما تؤدى إليه، وما يمكن أن يؤدي إليه مضمون هذا النفي، ثم قال تعالى: (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) أي يعلمها علما محيطا، وسع علمه كل شيء لَا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه
стр. 3427
مثقال ذرة في السماء والأرض، يعرف ما تراه الأعين، وما تدركه، وما تؤدى النظرة من تأملات نفسية، فهو العليم بخواطر النفوس وخلجات الأفئدة، وهو اللطيف الذي يعلم أدق علم، الخبير الذي يعلم دقائق كل شيء.
وقد تكلم العلماء في هذا المقام في رؤية الله في الآخرة وفي الدنيا، فقال الأكثرون: إن الله تعالى يرى يوم القيامة بكيفية لَا نعرفها، يراه الأبرار وقد أخذوا ذلك من ظاهر قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، وإن ذلك من جزِاء المتقين، ولا يراه المجرمون أخذا من ظاهر قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ). ومن ظاهر قوله تعالى: (. . . وَلا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكيهِمْ. . .).
وأما في الدنيا، فإن الله لَا يُرى فيها؛ لأن الرؤية تقتضي التحيز في مكان، والله تعالى منزه عن ذلك، وقد طلب موسى ﵇ رؤية ربه فقال: (. . . قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ. . .). فدلت هذه الآية على أن الرؤية في الدنيا غير ممكنة. وهنا يثار سؤال هل رأى النبي ﷺ ربَّه في المعراج؟ بعض العلماء زعم أنه رآه، ولا يوجد نص قاطع يدل على ذلك، ولكن وردت آثار كثيرة، تدل على نفيه، فقد سئل النبي ﷺ : أرأيت ربك؟ قال: " إنه نور، فأنَّى أراه " (١).
وروى مسلم في صحيحه بسنده إلى مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة (كنية مسروق) ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية - وكنت متكئا، فجلست - فقلت: يا
стр. 3428
أم المؤمنين أنظريني، ولا تعجليني ألم يقل الله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ)، (وَلَقَدْ رآهُ نَزْلَةً أُخْرَى)، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ إنما هو جبريل لم يره على صورته التي خلق الله عليها غير هاتينِ المرتين. . فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) أولم تسمع أن الله يقول: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَه اللَّه إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسولًا. . .)، قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ قد كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم الفرية، والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ. . .). قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم الفرية، والله تعالى عول: (قُل لَا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. . .).
هذا بالنسبة لرؤية الله تعالى في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر فيها إلى الله تعالى، وهو على كل شيء قدير.
* * *
стр. 3429
البينات لَا يدركها الجاحدون (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)
* * *
بعد أن ذكر الله تعالى أنه خالق كل شيء ووجه الأنظار إلى تصريف الله تعالى في الكون مما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة، ووجه الأنظار إلى ما فيها من دلائل على أنه وحده هو الخالق، وأنه ليس كمثله شيء وأنه وحده المستحق للعبادة - قرر أن هذه آيات تبضَر ذوي العقول الواعية، والقلوب الخاشعة المبصرة فقال تعالى:
стр. 3430
(قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ) والبصائر جمع بصيرة، والبصائر هنا هي الآيات التي ساقها الله تعالى مبصّرة للمدارك هادية للقلوب، وهي التي بسببها يدرك أهل البصر النفسي الذي لَا غشاوة عليه، وعلى ذلك يكون في الكلام مجاز، إما أن نقول فيه: إنه شبه الآيات التي تبين الحق بالبصائر التي تدركه وتعرفه، وتستبينه، وجامع التشبيه أنها تبين بنفسها، كما تدرك البصيرة الحق بفطرتها، أو نقول: إن الآيات سبب لنور البصائر، فأطلق المسبب وأريد السبب، وهو آيات الله تعالى في الكون وفي أنفسنا وفيما يحيط بنا، وما نراه من توالد الأحياء بعضها من بعض بقدرته تعالى.
وإن هذه الآيات علامات الحق ودلالاته، فمن أدركها فقد نجا، ومن لم يدركها فقد بغى على نفسه وأضلها؛ ولذا قال تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ
стр. 3431
فَعَلَيْهَا وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ) الإبصار هنا ليس هو النظر الحسي، إنما هو الإدراك الحقيقي، الذي يدرك معنى الآيات وما تدل عليه، فهو المجاز الذي يشبه فيه الإدراك والخضوع للحق البين بإبصار الأمور الحسية التي ترى بالأعين من حيث وضوح الدلالات في كل، بل إن دلالات الآيات على ما تدل عليه أقوى. وكذلك قوله تعالى: (وَمَنْ عَمِي فَعَلَيْهَا) فشبه سبحانه الإعراض عن آيات الله تعالى، بمن عمي فلا يبصر، وأضاف الله سبحانه البصائر إلى الذات العلية بلفظ (ربكم) للإشارة إلى أنه صاحب النعم المتوالية عليهم التي توجب شكرها، والإيمان بها، وتبصر ما تدعو إليه الآيات.
وقوله تعالى: (وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ) ظاهر ذلك أنه من النبي ﷺ ، ولم يكن ثمة حاجة إلى أن يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَمَا أنَا عَلَيْكم بِحَفِيظ)؛ لأن الكلام منزل من عند الله تعالى، والنبي ﷺ يخاطب به العرب، والقرينة دالة على أن ذلك من النبي ﷺ لقومه الذي هو رءوف بهم، ولكنه ليس بحفيظ عليهم، ثم إن هذا النص السامي، وهو (وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ) هو كالنتيجة المنطقية لقوله تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِي فَعَلَيْهَا) أي فالتبعة عليكم كما قال تعالى: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ).
يقول تعالى حكاية عن قول النبي ﷺ كما أمره ربه: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) قدم الجار والمجرور؛ لأن نفوسهم ستهمهم؛ ولذلك قدم خطابهم على الوصف، وقد أكد سبحانه النفي بالباء، وأكده بالجملة الاسمية، والمعنى وما أنا بحفيظ عليكم من أن تتدلوا في العذاب بإنكاركم بآيات ربكم، وكفركم بالله بعد أن بدت الدلائل القاطعة، والأدلة البينة، الواضحة، كما قال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ من رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، ولقوله تعالى: (وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْى عَن ضَلالَتِهِمْ. . .)، فلا مسئولية على الرسول في ضلالهم.
стр. 3432
صرف الآيات الكونية، وصرف الآيات في كتابه تعالى في معانيها وفي مبانيها فمرة يكون بالأمر أو النهي أو الاستفهام، والبيان أحيانا بالإيجاز المعجز، وأحيانا بالإطناب المفصل، في نسق يعلو عن البشر، وذلك ليعلموا مقدار الإعجاز، وليستبينوا الحق من عباراته السامية، وتوجيهاته الهادية، ولكن كذبوا عليه وافتروا، وقالوا علَّمه إنسان، ولذا قال تعالى:
стр. 3433
(وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ) (الآيات) هنا فيما يظهر لنا الآيات القرآنية، والتشبيه في قوله تعالى: (وَكذَلِكَ نُصَرِّفُ) أي مثل هذا التصريف في ذكر الآيات في الخلق والتكوين وتوليد الأحياء، وبيان الوحدانية بأدلتها من خلق الله تعالى، كذلك التصريف في الآيات الدالة على التوحيد - نصرف في الآيات القرآنية، من إيجاز وإطناب، واستفهام وإنكار، وتوكيد للقول، وإرسال في البيان وغير ذلك، ليدركوا مقام القرآن، وقال تعالى: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) وفي قراءة (دارست)، الواو في قوله تعالى: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) معطوفة على فعل محذوف يؤخذ من سياق القول، كان يكون التقدير أو كذلك نصرف الآيات لتصلوا إلى ما فيها من إعجاز إن كنتم تعقلون، وليقولوا دارست غيرك أو درست ذلك على غيرك، فقد كان الكافرون يدعون ذلك، واللام هنا ليست للتعليل، ولكنها لام يسمونها لام
العاقبة، أي لتكون العاقبة عند الكافرين أن يقولوا دارستها مع أهل الكتاب أو درست عليهم وأعانوك، وهذا كما جاء في آيات كثيرة عن افترائهم، كقوله تعالى عنهم: (وَقَالَ الَّذين كفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا)، وقوله: (وَقَالُوا أَسَاطيرُ الأَوَّلِينَ اكتَتَبَهَا فَهِي تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ). وقرئ (دَرَسَتْ) بفتحتين، ومعناها مضت وتكررت، كقولهم: سمعنا هذا من قبل. وإن الله تعالى أمر نبيه أن يعرض عن المشركين، وإنه يعتبر بحقائق القرآن المؤمنون؛ ولذا قال تعالى: (وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). واللام هنا للتعليل أي نبين لمن
стр. 3434
ينتفعون بعلمه وعظاته وبيناته، وإن نفع هؤلاء لمؤكد به يوجب بيانه، فمهما يضل الضالون الجاحدون، فإن القرآن لَا يزيدهم إلا خسارا، أما المؤمِنون فهو شفاء لهم وهداية، كما قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢).
وقوله (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي لقوم يعلمون علما متجددا بنزول القرآن فهو يزيدهم علما كما يزيد غيرهم خسارا.
إن الأدلة على صدق دعوة النبي ﷺ قائمة لَا يماري فيها إلا جَحُود، وآيات الله تعالى هي البصائر لمن عنده قلب يذعن للحق إذا تبين، وقد قامت دالة على وحدانيته، وإذا كان الجاحدون ينكرون دلالات الوحدانية في العبادة، فلا تلتفت إليهم، وامض لما أمرك الله تعالى، ولذا قال تعالى:
стр. 3435
(اتَّبِعْ مَا أُوحِي إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) الأمر للنبي ﷺ ابتداء، ولمن اتبعه في الغاية والمآل، اتبع أيها النبي ما أُوحي إليك، وهو القرآن، لأنه رأس ما أوحى الله به إلى نبيه الأمين، وعبر بالوصول " ما " دون ذكر الاسم الشريف، لبيان سبب الاتباع، وحقيقة القرآن، وهو أنه وحي من الله تعالى، فاتباعه هو اتباع الله تعالى، وشرف القرآن بشرف من أنزله، فقد التقى فيه شرفان جليلان:
أولهما - شرف ذاتي وهو أنه الكتاب الكامل الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه المعجز الذي لَا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، وأنه النبوة فمن حفظه فقد حفظ النبوة بين جنبيه.
ثانيهما - شرف إضافي، وهو أنه الكتاب الوحيد الذي ينسب إليه، وإذا كانت سبقته كتب أخرى فهو جامعها، وهو سجل النبوات قبله، فيه الشرائع السماوية كلها من غير تفريط في واحدة منها.
وقوله تعالى: (مِن رَّبِّكَ) تقوية للاتباع بأنه من الله ذي الجلال والإكرام الذي رَبَّى هذا الوجود ونماه وعلمه وكونه، فهو أوحى إليك من ربك الذي يعرف ما يشتمل على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، في حياتهم الدنيا، وفيما يوصل إلى الآخرة.