← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

فَعَلَيْهَا وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ) الإبصار هنا ليس هو النظر الحسي، إنما هو الإدراك الحقيقي، الذي يدرك معنى الآيات وما تدل عليه، فهو المجاز الذي يشبه فيه الإدراك والخضوع للحق البين بإبصار الأمور الحسية التي ترى بالأعين من حيث وضوح الدلالات في كل، بل إن دلالات الآيات على ما تدل عليه أقوى. وكذلك قوله تعالى: (وَمَنْ عَمِي فَعَلَيْهَا) فشبه سبحانه الإعراض عن آيات الله تعالى، بمن عمي فلا يبصر، وأضاف الله سبحانه البصائر إلى الذات العلية بلفظ (ربكم) للإشارة إلى أنه صاحب النعم المتوالية عليهم التي توجب شكرها، والإيمان بها، وتبصر ما تدعو إليه الآيات. وقوله تعالى: (وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ) ظاهر ذلك أنه من النبي ﷺ ، ولم يكن ثمة حاجة إلى أن يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : (وَمَا أنَا عَلَيْكم بِحَفِيظ)؛ لأن الكلام منزل من عند الله تعالى، والنبي ﷺ يخاطب به العرب، والقرينة دالة على أن ذلك من النبي ﷺ لقومه الذي هو رءوف بهم، ولكنه ليس بحفيظ عليهم، ثم إن هذا النص السامي، وهو (وَمَا أنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظ) هو كالنتيجة المنطقية لقوله تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِي فَعَلَيْهَا) أي فالتبعة عليكم كما قال تعالى: (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ). يقول تعالى حكاية عن قول النبي ﷺ كما أمره ربه: (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) قدم الجار والمجرور؛ لأن نفوسهم ستهمهم؛ ولذلك قدم خطابهم على الوصف، وقد أكد سبحانه النفي بالباء، وأكده بالجملة الاسمية، والمعنى وما أنا بحفيظ عليكم من أن تتدلوا في العذاب بإنكاركم بآيات ربكم، وكفركم بالله بعد أن بدت الدلائل القاطعة، والأدلة البينة، الواضحة، كما قال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ من رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، ولقوله تعالى: (وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْى عَن ضَلالَتِهِمْ. . .)، فلا مسئولية على الرسول في ضلالهم.

стр. 3432

صرف الآيات الكونية، وصرف الآيات في كتابه تعالى في معانيها وفي مبانيها فمرة يكون بالأمر أو النهي أو الاستفهام، والبيان أحيانا بالإيجاز المعجز، وأحيانا بالإطناب المفصل، في نسق يعلو عن البشر، وذلك ليعلموا مقدار الإعجاز، وليستبينوا الحق من عباراته السامية، وتوجيهاته الهادية، ولكن كذبوا عليه وافتروا، وقالوا علَّمه إنسان، ولذا قال تعالى:

стр. 3433

(وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ) (الآيات) هنا فيما يظهر لنا الآيات القرآنية، والتشبيه في قوله تعالى: (وَكذَلِكَ نُصَرِّفُ) أي مثل هذا التصريف في ذكر الآيات في الخلق والتكوين وتوليد الأحياء، وبيان الوحدانية بأدلتها من خلق الله تعالى، كذلك التصريف في الآيات الدالة على التوحيد - نصرف في الآيات القرآنية، من إيجاز وإطناب، واستفهام وإنكار، وتوكيد للقول، وإرسال في البيان وغير ذلك، ليدركوا مقام القرآن، وقال تعالى: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) وفي قراءة (دارست)، الواو في قوله تعالى: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) معطوفة على فعل محذوف يؤخذ من سياق القول، كان يكون التقدير أو كذلك نصرف الآيات لتصلوا إلى ما فيها من إعجاز إن كنتم تعقلون، وليقولوا دارست غيرك أو درست ذلك على غيرك، فقد كان الكافرون يدعون ذلك، واللام هنا ليست للتعليل، ولكنها لام يسمونها لام العاقبة، أي لتكون العاقبة عند الكافرين أن يقولوا دارستها مع أهل الكتاب أو درست عليهم وأعانوك، وهذا كما جاء في آيات كثيرة عن افترائهم، كقوله تعالى عنهم: (وَقَالَ الَّذين كفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا)، وقوله: (وَقَالُوا أَسَاطيرُ الأَوَّلِينَ اكتَتَبَهَا فَهِي تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ). وقرئ (دَرَسَتْ) بفتحتين، ومعناها مضت وتكررت، كقولهم: سمعنا هذا من قبل. وإن الله تعالى أمر نبيه أن يعرض عن المشركين، وإنه يعتبر بحقائق القرآن المؤمنون؛ ولذا قال تعالى: (وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). واللام هنا للتعليل أي نبين لمن

стр. 3434

ينتفعون بعلمه وعظاته وبيناته، وإن نفع هؤلاء لمؤكد به يوجب بيانه، فمهما يضل الضالون الجاحدون، فإن القرآن لَا يزيدهم إلا خسارا، أما المؤمِنون فهو شفاء لهم وهداية، كما قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢). وقوله (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أي لقوم يعلمون علما متجددا بنزول القرآن فهو يزيدهم علما كما يزيد غيرهم خسارا. إن الأدلة على صدق دعوة النبي ﷺ قائمة لَا يماري فيها إلا جَحُود، وآيات الله تعالى هي البصائر لمن عنده قلب يذعن للحق إذا تبين، وقد قامت دالة على وحدانيته، وإذا كان الجاحدون ينكرون دلالات الوحدانية في العبادة، فلا تلتفت إليهم، وامض لما أمرك الله تعالى، ولذا قال تعالى:

стр. 3435

(اتَّبِعْ مَا أُوحِي إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) الأمر للنبي ﷺ ابتداء، ولمن اتبعه في الغاية والمآل، اتبع أيها النبي ما أُوحي إليك، وهو القرآن، لأنه رأس ما أوحى الله به إلى نبيه الأمين، وعبر بالوصول " ما " دون ذكر الاسم الشريف، لبيان سبب الاتباع، وحقيقة القرآن، وهو أنه وحي من الله تعالى، فاتباعه هو اتباع الله تعالى، وشرف القرآن بشرف من أنزله، فقد التقى فيه شرفان جليلان: أولهما - شرف ذاتي وهو أنه الكتاب الكامل الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه المعجز الذي لَا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، وأنه النبوة فمن حفظه فقد حفظ النبوة بين جنبيه. ثانيهما - شرف إضافي، وهو أنه الكتاب الوحيد الذي ينسب إليه، وإذا كانت سبقته كتب أخرى فهو جامعها، وهو سجل النبوات قبله، فيه الشرائع السماوية كلها من غير تفريط في واحدة منها. وقوله تعالى: (مِن رَّبِّكَ) تقوية للاتباع بأنه من الله ذي الجلال والإكرام الذي رَبَّى هذا الوجود ونماه وعلمه وكونه، فهو أوحى إليك من ربك الذي يعرف ما يشتمل على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، في حياتهم الدنيا، وفيما يوصل إلى الآخرة.

стр. 3436

واتباع ما أوحي إلى النبي ﷺ يكون باتباع ما يدعو إليه من وحدانية الله تعالى التي هي ملاك الأمر كله واتباع أوامره ونواهيه، والإيمان بأنه يحل الطيبات، ويحرم الخبائث، وأن ما أحله تعالى فيه الخير والنفع العام والمصلحة في الدنيا والآخرة، وما يحرمه هو الفساد، ويؤدي إلى الهوان في الدنيا والآخرة. وقرن الله تعالى الأمر باتباع ما أوحي إلى النبي ﷺ بقوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) ومعنى الإعراض عنهم ليس هو السكوت عن دعوة الحق بينهم والإصرار عليها، فإن قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكينَ)، وإنما معنى الإعراض أن يعرض عن سخريتهم بالضعفاء من المؤمنين، والجحود الذي يدأبون عليه وادعاء الأباطيل عليه من أنه علمه بشر، أو أنه دارسه مع أحد، ويعرض عن إلحاحهم في النكران، يعرض عن كل هذا ويمضي في دعوته، ولا يهمه لغو اللاغين وعبث العابثين وخوض الخائضين الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، يعرض عن هؤلاء المشركين الذين اندفعوا في ذلك بسبب شركهم. وإن ذلك الإعراض عنهم؛ لأنك دعوتهم وتدعوهم، ولست مسئولا عن إيمانهم، ولا معاقبا على كفرهم (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وإن إشراكهم بتقدير الله تعالى وبعلمه، وإنهم ساروا في طريقهم إلى الشرك، وسهلوا سبيلهم إليه، ولو شاء سبحانه ما مكنهم من الشرك، ولكن لأن الله تعالى خلق الإنسان، وأعطاه قدرة يرى بها الخير والشر كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، لهذا الاختيار الذي ركبه الله تعالى في نفوسهم من خروج على سلطانه تركهم في غيهم يعمهون، لأنهم سلكوا طريقا واختاروه. * * *

стр. 3437

(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ... (١٠٧) * * * أي لو كانت مشيئة الله تعالى تعلقت بعدم شركهم ما أشركوا وما كانوا مشركين، وإذا كان ذلك قدر الله تعالى الذي قدره، وتدبيره الذي دبره، ودخلوا الشرك باختيارهم فأعرض عن أذاهم وسخريتهم، واتجه إلى الدعوة، واستمر فيها مع ملاحظة أنك لست كفيلا بإيمانهم، إنما أنت منذر.

стр. 3438

وقد أكد الله أن النبي ليس مسئولا عن كفرهم، ولا مطالبا بإيمانهم، إنما هو منذر ومبشر، فقال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ). وما جعلناك حفيظا عليهم بمنعهم من الشرك ودفعهم إلى الإيمان، و (حفيظ) صيغة مبالغة من حفظ، أي ما جعلناك (حارسا) على إيمانهم تمنعهم من الخروج منه، وتحملهم على الدخول فيه، وقدم (عليهم) بيانا لاهتمامه بشأنهم بمقتضى الحراسة الحافظة، التي نفاها الله تعالى عنه، فالله تعالى لم يجعله كذلك، ولكن جعله فقط مبشرا ونذيرا، وهاديا بإذنه وسراجا منيرا، وقد أكد عدم مسئولية النبي ﷺ بقوله: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوكِيل) أي ما أنت قد فوض أمرهم إليك بتوكيل وكلته فتُدبر أمرهم وتوجههم إلى حيث تريد، إنما أنت منذر، وذلك كقوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ). والله تعالى هو الذي ينظم علاقة الرسول بمن بعث إليهم وهي الدعوة، فمن أجاب فقد أحسن، ومن أعرض عن ذكر الله تعالى فقد طغى وكفر، وليس على الرسول تبعة كفرهم، والله تعالى هو المجازي. * * * النهي عن سب الآلهة، وقاعدة سدِّ الذرائع (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)

стр. 3439

(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ). نهى الله تعالى عن سب الأوثان والأصنام، وكل ما كانوا يعبدون من دون الله تعالى، حتى لَا يسبوا الله تعالى عدوانا وظلما واعتداء على الحق بجهل وبغير علم وإدراك سليم؛ إذ سووا بين الله تعالى وآلهتهم، فالفاء فاء السببية أي بسبب سب المؤمنين الحق لأصنامهم، يسبون الله تعالى ظلما وجهلا بغير الحق، وعبر عن أصنامهم بالموصول الذي يكون للعاقلين بقوله: (الَّذِين يَدْعُونَ) جريا على زعمهم من أن لهم فكرا وعقلا وإن كانوا لَا يعقلون. وهنا نسأل عن معنى السب أهو الشتم أم مجرد ذكرهم بأنهم لَا يضرون ولا ينفعون، وأنها أحجار لَا تضر ولا تنفع، لَا يمكن أن تكون من السب أن يقال إنهم لَا يضرون ولا ينفعون، فقد ذكر في القرآن كثيرا أنهم لَا يضرون ولا ينفعون، فقد قال تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا)، وحكى الله تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لأبيه: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُيْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا). والقرآن الكريم المنزل من رب العالمين لَا يكون فيه سب ولا شتم، وإنما يكون فيه ذكر الحقائق الثابتة التي لا مجال للريب فيها. وعلى ذلك لَا يمكن أن يكون وصف الأوثان بأنها لَا تضر ولا تنفع سبا؛ لكنه لكي يمنع العرب من عبادتها، لَا بد من وصفها بحقيقتها ومآلها، ولقد قال تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ). إنما السب هو شتم الأوثان مثل: (لعنها الله)، و " قبِّحت آلهتكم " من غير ذكر أوصافها. ولكن قد يقال: إن المشركين عدوا ذلك سبا، فقد قالوا أو قال وفدهم عن النبي ﷺ لأبي طالب، لقد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، ونقول: إننا نفسر كلام الله تعالى، وما علينا أن نفسر كلامهم، فليسموا ذكر الحقيقة سبا كما يشاءون، ولكن السب ليس كما يقولون.

стр. 3440

(فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي يترتب على سب ما يدعونه من دون الله بالباطل سب الله تعالى ظلما وعدوانا جهلا، وقد فسرنا السب بأنه الشتم، وليس من الشتم وصف الأوثان بأنها لَا تنفع ولا تضر؛ لأن القرآن الكريم وصفها بذلك الوصف والقرآن ليس فيه شتم ولا سب، وما كان النبي ﷺ فحاشا ولا سبابا؛ ولذلك يجب أن يفسر السب بغير ذلك، ولقد استنبط العلماء من الآية أنه يجوز ترك الحسن إذا أدى إلى معصية، وهو ما يسمى في الفقه " سد الذرائع " أي منع ما يؤدي إلى الفساد اتقاء إليه، ولو كان في ذاته حسنا، وإنه يوازن بين الفعل وما يؤدي إليه، فإن كان الضرر الذي يؤدي أكثر من النفع الذي يكون من الأمر، قدم دفع الضرر الكثير على النفع القليل، بل إن القضية الأصولية " دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة ". وإن ذلك أصل ثابت قد قررته هذه الآية الكريمة، وقد قال الإمام الزمخشري في ذلك: (فإن قلت: سب الآلهة حق وطاعة فكيف صح النهي عنه، وإنما يصح النهي عن المعاصي، قلت: رُبَّ طاعة علم أنها تكون مفسدة، فتخرج عن أن تكون طاعة فيجب النهي عنها؛ لأنها معصية، لَا لأنها طاعة، كالنهي عن المنكر، وهو من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر، انقلب إلى معصية، ووجب النهي عن ذلك، كما يجب النهي عن المنكر، فإن قلت: فقد قال الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا، قلت: ليس هذا مما نحن بصدده لأن حضور الجنازة طاعة، وليس بسبب لحضور النساء؛ فإنهن يحضرنها، حضر الرجال أم لم يحضروا، بخلاف سب الآلهة). وقد كان كلام الحسن ردا على ابن سيرين إذ امتنع عن السير في الجنازة؛ لأن فيها النساء. ويلاحظ على كلام الزمخشري أنه عدَّ سبَّ الآلهة طاعة، كأن الدين أمرنا بسب الآلهة!! إن القرآن ومحمدا ﷺ لم يأمرانا بسبِّ قط، وقد قلنا إن وصف

стр. 3441

الآلهة بأنها لَا تنفع ولا تضر ليس سبا، ولا يمنع أن يقال بيانا للحقائق، وإبعادا لهم عن عبادتها، وليس سبا منهيا عنه، ولو أدى إلى قول القبيح، إنما النهي عن سب الأوثان؛ لأنها ليست هي العاصية، ولما يؤدي إليه السب. ومهما يكن تعليقنا على قول الإمام الزمخشري فإن مسألة سد الذرائع ثابتة، والآية الكريمة توحي إليها وتحث عليها، وإنه من المقررات ما يفضي إلى المعصية يعد معصية، ولو كان أصلها مباحا. (كذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أمَّةٍ عَمَلَهُمْ). أي كذلك الذي نراه من اندفاع المشركين إلى سب الله تعالى، وهو العلي الحكيم، إذا كان السب لآلهتهم كذلك الأمر زَيَّن الله تعالى بمقتضى سنته في الأحياء أن في كل أمة أي طائفة من يُحَسَّن لها عملها، حتى تظنه الحق وما هو إلا الباطل الصراح، ومن زين له سوء عمله فظنه حسنا، فإن عليه مغبته؛ وعليه تبعة ذلك الظن الفاسد وذلك العمل الظالم، وتزيين الله تعالى لكم ذلك سنة الله تعالى في خلقه، ليس مؤداه أنه يبرره، ويرضى عنه، فإن بيان الله تعالى هنا هو بيان لسنة الوجود، وليس ذكرًا للعقاب والثواب، والتكليف، وإنه مختار فيما يفعل ومرده إلى الله تعالى في العقاب والثواب؛ ولذا قال تعالى: (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). أي أنه إذا كان قد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا في الدنيا، فإنهم راجعون إلى ربهم يوم القيامة، والتعبير بـ " ثم " للدلالة على البعد الزماني في نظرهم، والبعد بين ما زين لهم من الشر، وما يستقبلهم من جزاء؛ وفاقا لما عملوا من شر، وقوله تعالى: (إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهمْ) فيه تقديم الجار والمجرور على ربهم، للدلالة على الاختصاص، أي المرجع إلى الله وحده، وهو الذي يتولى جزاءهم على ما قدموا من شر، والتعبير بـ (ربهم) إشارة إلى كفرهم بالنعم التي أوْلاهم؛

стр. 3442

إذ إنه هو الذي خلقهم ورباهم ونماهم وأمدهم بآلائه من وقت أن كانوا أَجِنَّة في بطون أمهاتهم إلى أن رُمِسُوا (١) في قبورهم. النبأ: الخبر الخطير، ينبئهم أي يخبرهم بما كانوا يعملون، وهو إنباء مقترن بالجزاء، فهو إنباء بأعمالهم وجزائها، فيجزَوْن ما كانوا يعملون، أي أن الجزاء موافق للعمل، وأعدل العدل أن يكون العقاب مأخوذا من الجريمة نفسها، والله يتولى المحسنين. * * * الكافر الجاحد لَا يؤمن بمعجزه (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) * * * إن النبي ﷺ قد جاءهم بالمعجزة الكبرى، وهي القرآن، وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، وعجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله ولو مفتراه، وكان يكفي ذلك برهانًا على رسالة النبي ﷺ ولكنهم لم يؤمنوا، وأعنتوا في الطلب، وأرادوا آيات أخرى، فطلبوا أن ينزل عليه كتاب في قرطاس من عند الله، ولن يؤمنوا حتى يروه، وطلبوا أن ينزل ملك من السماء مع هذا القرطاس، وهكذا من طرق الإعنات المختلفة، ولم يقدروا القرآن - المعجزة الكبرى - حق قدره، ولم يعدوه آية كافية، وهو أقوى الآيات، وهو المناسب لشريعة خاتم النبيين ومخاطبة الأجيال إلى

стр. 3443

يوم القيامة، ووعدوا قاسمين بأشد الأيمان وأغلظها أنه لو جاءتهم آية ليؤمنن

стр. 3444

(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ ليُؤْمِنُنَّ بِهَا). جهد الأيمان، رُوِي أنه الحلف. ذلك أن العرب كانوا يعرفون الله تعالى، ويعلمون أنه الخالق، وأنه ليس كمثله شيء، ولكن يعبدون معه غيره، فإذا حلف بغير الله لم يكن هذا الحلف أشد الأيمان، فإذا حلفوا بالله كان ذلك أشد الأيمان، وهذا روى في التفسير المأثور. وإننا نرى أن القَسَم الذي يعد جهد أيمانهم هو أغلظها وأشدها أيا كانت صيغته وأيا كان المحلوف به، وإن كان القسم بالله في ذاته هو أغلظ الأقسام وأشدها، ولا يمنع أن يكون غيره غليظا شديدا في زعمهم الوثني، وجهد: بمعنى الشاق وهو نائب عن مفعول مطلق محذوف (١)، أو هو مصدر بمعنى اسم الفاعل، ومعناه جاهدين، وهو حال من أقسموا، واللام في (ليؤمنن) لام جواب القسم، ونرى من هذا أنهم يؤكدوا أيمانهم إذا جاءتهم آية أي معجزة، وكأنهم لا يعتبرون ما جاءهم من معجزة قاهرة لَا يعدونها آية؛ لأنهم قوم ماديون، ويريدون آية مادية كما طلبوا أن ينزل عليهم كسفا من السماء، أو تفجر الأنهار تفجيرا، ولقد قال الله لنبيه: (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ) ينزلها بحكمته وإرادته، وهو الذي يقدر مناسبتها ويقدر الهداية بها، وهو منزلها، فالأمر إليه، وفي ذلك إقناع وإنذار. ولكن أهم صادقون في أيمانهم أنهم إذا جاءت الآية التي تكون على الوصف الذي طلبوه؛ إنه لَا دليل من ماضيهم المتعنت أنهم يؤمنون إن جاءت؛ لأن كفرهم ليس في نقص الدليل، ولكنه جحود ولا يزيدهم الدليل إلا شدة في الجحود، وعتوا واستكبارا؛ ولذا قال تعالى:

стр. 3445

(وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ). (يُشْعِرُكُمْ) أي يدريكم ويعلمكم علما يكون كالشعور الحسي (أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنونَ)، وقرئت بفتح همزة (أن)، ويكون المعنى ما يدريكم أنها إذا جاءت الآية كما يطلبون لَا يؤمنون، ويكون هذا إيذانا بأنهم لَا يؤمنون، ولو جاءتهم هذه الآيات التي يطلبونها، لأنهم جاحدون ابتدءوه وهم يصرون عليه فهم لا يؤمنون؛ لأن الجحود غلب عليهم فغلبت عليهم شقوتهِم، وكما قال تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧). لقد سبق إليهم الجحود فاستقر في قلوبهم، فلا يرجى إيمانهم، وهم فوق ذلك بسبب جحودهم، ومسارعتهم إليه في قلق فكري ونفسي دائم، يغيرون تفكيرهم حيثما كان موجب له، ولكنه تغيير في دائرة الجحود. وقرىء بكسر (إن) (١) ويكون المعنى: وما يشعركم، أي وما يدريكم، ويكون على معنى الاستفهام، وما يدريكم أنهم صادقون في عزمهم، وأنهم مريدون تحقيق أيمانهم الذين جهدوا فيها، ثم قرر سبحانه أنهم لَا يؤمنون فقال تعالت كلماته: (إنها إذا جاءت لَا يؤمنون) إنهم ليس لهم عزم صادق، ولذا قال تعالى: * * *

стр. 3446

(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ... (١١٠) * * * وإن الجاحد لَا يكون مستقرا على قرار، ولا على نظر، بل هو مضطرب النفس والفؤاد والنظر فهو ينظر إلى التي تلوح أماراته، فتبهره بيناته، وهو لجوج في جحوده، فيكون متحيرا بين جحود مستكن قار، ونور تبدو آياته، وهذا قريب من معنى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ) أي أن قلوبهم غير مستقرة وأبصارهم أي

стр. 3447

مداركهم، وقد شبهت المدارك بالأبصار المبصرة، فهم متقلبون في تفكيرهم ولا إيمان عندهم تستقر عنده القلوب، لَا يفكرون ولا يتدبرون، ويستمرون على جحودهم كحالهم عندما لم يؤمنوا بالقرآن أول مرة، إذ جاءهم، أو كما كانت حالهم قبل أن يقسموا، وهذا تأكيد لأنهم لَا يؤمنون بعد القسم الذي أقسموه جهد أيمانهم. وقوله تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ) معطوف على (يؤمنون) كما عطف عليه " ونذرهم في طغيانهم يعمهون ". (وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). أي نتركهم في طغيانهم الظالم، وهو تمردهم على آيات الله تعالى، واقتراحهم على الله أن يأتي بآية أخرى، مما يدل على أنهم لَا يريدون إيمانا، إنما يريدون أن يظهروا أنهم على استعداد لقبول ما يجيء من آيات يقترحونها، وما كانوا يريدون بذلك إلا تعلة لكفرهم، بأنهم لم يقتنعوا بالقرآن دليلا، ومهما يؤت لهم من آية لَا يؤمنون بها، إنه قد سبق جحود نظرهم وفي الأدلة المقدمة لهم، فهم قضوا بكفر، وأدلة الأيمان تقرع حسهم قرعا. (يَعْمَهُونَ) معناها يترددون في باطلهم والبينات القائمة على بطلانه، فهم يترددون متحيرين، ولا منجاة لهم إلا بإيمان صادق مذعن، وأنى يكون لهم، وقد غلب عليهم طغيانهم الظالم الأثيم، فلا سبيل لأن يصل الحق إلى نفوسهم إذ قد غلفها الجحود، فكان على قلوبهم غشاوة فلا يهتدون. * * * (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا

стр. 3448

شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) * * * ذكر الله أنهم لَا يؤمنون بالآيات، ولو أقسموا جهد أيمانهم بأنهم يؤمنون إذا جاءهم ما يطلبون من آيات، لأنهم قد سبق جحودُهم تفكيرهم، وأن أفئدتهم ومداركهم متقلبة وأنهم مترددون بسبب طغيانهم، وفي هذه الآيات يبين سبحانه أنهم لَا يؤمنون إلا أن يشاء الله تعالى ولو نرل إليهم الملائكة وكلمهم الموتى، وحشر عليهم كل شيء.

стр. 3449

(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُم الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُل شَىْءٍ قُبُلًا). إن هؤلاء لَا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية. فليس هناك حاجة إلى دليل فوق ما تقدم من أدلة، فإنه لَا ينقصهم الدليل، ولكن ينقصهم القلب المؤمن الذي يذعن، وقد كتب الله تعالى عليهم الجحود، لأنهم لَا يؤمنون، ولو أننا أجبناهم إلى كل ما طلبوا على أقصى مداه - ما أجابوا إلى الإيمان إلا أن يشاء الله، فيقول الله تعالى العلمِم بالنفوس (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ) وقد طلبوا أن

стр. 3450

يكون من يبلغهم ملك من الملائكة ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة - والتعبير بـ " نَزَلنا " يشير إلى أنه لو نزل إليهم الملائكة ملكا بعد ملك، لكي يؤمنوا، وقد طلبوا ذلك. وكلمهم الموتى من قبورهم أو خرجوا من القبور ليدلُّوا بالفعل على البعث الذي أنكروه، ولو حشر عليهم كل شيء قبلا أي قبيل بعد قبيل، كما فسر مجاهد عن ابن عباس، لأن قبُلًا جمع قبيل. وقرى قِبلًا بكسر القاف (١) بمعنى مقابلة، أي عاينوهم معاينة وقابلوهم مقابلة، ويصح الجمع بين القراءتين بأن يكون المعنى، وجمعنا كل شيء من المعجزات والناس المبعوثين وعاينوهم جماعة بعد جماعة ورأوهم بالعيان والمقابلة - لو كان ذلك ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، وقوله تعالى: (مَّا كانوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) معناها مما كان من شأنهم أن يؤمنوا إلا أن بكون تعالى شاء ذلك، فكل شيء بمشيئته . وإن هذا النص السامي يفيد أنهم بجحودهم وإصرارهم عليه، وإنكارهم للمعجزات لو سيقت لهم لن يؤمنوا؛ لأن الله تعالى لم يشأ لهم الإيمان، فكتب عليهم الضلال لسوء ما يفعلون، ويجحدون، وتدل في سياقها على أنه لَا جدوى عندهم في تكاثر الأدلة، وما عندهم يكفي لقوم يؤمنون. وقال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (لكن) للاستدراك عما يقتضيه السياق من أنهم يطلبون ويؤكدون أنه إذا جاءتهم آية يؤمنون، فيبين أنهم بجحودهم لم يشأ لهم الإيمان فلا يجدي دليل، فهو استدراك على ما زعموا من أن كفرهم لنقص الآيات، وينسون مشيئة الله تعالى التي كانت لجحودهم وهي أنهم لَا يؤمنون، وإن ذلك بجهلهم أن الله قد كتب عليهم الكفر بسبب جحودهم، ويجهلون أن ما عندهم من دليل وبينات فيها ما يوجب الإيمان، وهذا معنى، (وَلَكِنَّ أَكثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) الحق، ولا يذعنون له ولا يرضون به، وأن الله

стр. 3451

تعالى قد كتب على أكثرهم الكفر، وأنهم لَا يؤمنون، والتعبير بالمضارع يفيد استمرار جهلهم، وتجدده آنًا بعد آنٍ. وإن هؤلاء المعاندين قد نصبوا أنفسهم لعداوة النبي ﷺ ، ومقاومة دعوته، وهم وأشباههم من أعداء النبيين الذين قاوموا الدعوة؛ ولذا قال تعالى: * * *

стр. 3452

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ... (١١٢) * * * إن النبي ﷺ كان يصابر المشركين ويتحمل أذاهم هو وأصحابه، ويتحمل معاندتهم له، لَا يرضون القرآن دليلا على نبوته، وقد عجزوا عن أن يأتوا بمثله أو بعضه، وأقروا صاغرين بعجزهم، ولكن لم يمتنعوا هم عن معاداته بالباطل متخذين كل ذريعة سبيلا لباطلهم. والله تعالى يثبت فؤاد النبي ﷺ بأن ذلك كان للنبيين من قبله، وكان مألوفا، وهو سنة الله تعالى في رسالاته فقال تعالى: (كذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا) أي كذلك الذي تراه من عداوة نفر من المشركين ولجاجتهم في العداوة، حتى لَا يتركوا بابا من أبواب الكيد إلا سلكوه، ولا مسلكا من مسالك الإعنات إلا اتخذوه، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا من شياطين الإنسان والجن، وشياطين الإنس هم أولئك الذين ناصبوك العداوة، وشياطين الجن هم أعوان إبليس الذين يوسوسون، ويأمرون بالسوء والفحشاء ويسولون كل قبيح، ويزينونه، ويسمونه بغير اسمه، فهؤلاء يدفعون النفس الأمارة بالسوء، وأولئك يستجيبون لهم، ويفترون بوسوستهم، ولذلك قال تعالى: (يُوحِي) الوحي: الخطاب الخفي أو التوجيه الخفي، كما قال الله تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتَا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ). فالوحي هنا هو التوجيه الخفي الذي يوسوس في الناس فيلقي في نفوسهم بتغريرهم، بزخرف القول، فيوهم بأن الكفر إكرام للآباء، وأن تقليدهم تعصب لهم، وأن الانطلاق من كل القيود الخلقية مروءة، وأن المعاندة هداية، وأن إهمال حكم العقل هو الاتباع، وهذا معنى قوله: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ

стр. 3453

غُرُورًا)، أي يلقى في نفوسهم تحسين الباطل بأقوال باطلة، ولكنها مزخرفة بزخرف يكون غرورا للنفس الضالة، فتتدلى به. وهكذا يجيء تضليل النفوس في الآحاد والجماعات بزخرف القول، فتسمى الحقائق بغير أسمائها فيسمى الجحود طلبا للدليل، ويسمى الشجاعة في الحق تهورا، ويسمى الإفساد حرية، ويسمى الاستبداد شورى، والشورى طغيانا، ولذلك كان بعض الحكماء يرى أن إصلاح الأخلاق يكون أولا بتصحيح الألفاظ، وإن هذه العداوة للأنبياء من شياطين الإنس والجن بإرادة الله تعالى، ولذا قال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ). أي إن هذه إرادة الله تعالى اختيارا، وليبلغ النبيون أعلى مراتب الإنسانية بجهادهم في الدعوة إلى الله، وقوله تعالى: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ). معناه لو أراد الله تعالى ما فعلوه، أي شياطين الإنس والجن، ولكنهم فعلوه ليكون التنازعِ بين الخير والشر، ولأن الله تعالى مكن لإبليس الذي قال: (لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)، ولو أراد الله ما تمكن، ولو شاء الله تعالى ما خلقه. وإذا كان ذلك أمرا ثابتا بالنسبة للنبيين أجمعين، فتقبله وأعرض عنهم، ولا تأس على القوم الفاسقين؛ ولذلك قال تعالى: (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي فاتركهم وأكاذيبهم من إنكارهم حجية القرآن، ودلالته على النبوة، وافتراءهم على أنفسهم بحلفهم أنهم يؤمنون لو جاءتهم، وافتراءهم عليك من أنك تعيب أحلامهم، وتسفه آباءهم، وأنت تنطق بالحق وترشدهم وتهديهم سواء السبيل. وقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)، (الواو) واو المعية، و (ما) اسم موصول، أي أعرض عنهم واتركهم هم وما يفترونه، هذه هي النتيجة بالنسبة للنبي ﷺ ، وهي أن يتركهم في غيهم يتحيرون، أما النتيجة بالنسبة لهم ولأمثالهم فقد ذكرها الله تعالى بقوله تعالى: * * *

стр. 3454

(وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ... (١١٣) * * * (الواو) هنا عاطفة على نتيجة الجملة السابقة؛ لأن نتيجة يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا أن يفتروا، فكان العطف عليه (وَلِتَصْغَى إِلَيهِ أَفْئِدَةُ الَّذِين لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) فالإغواء بزخرف القول غرهم فأفسدهم وأفسد من هم على شاكلتهم، وهم الذين لَا يؤمنون بالآخرة، وتصغي معناها تميل، أي تميل قلوب أولئك الذين لَا يؤمنون بالآخرة، ولم يقل الجاحدون بالآيات، بل ذكر الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ ليشير إلى سبب الكفر وهو عدم الإيمان بالآخرة، ذلك أن الإيمان بالآخرة مقياس الإيمان، وهو ما يفصل قلب المؤمن عن قلب الكافر، فقلب الكافر لَا يتسع إلا لما هو مادي محسوس، ولا ينظر إلى ما هو مغيب مستور، فهو لَا يؤمن بأن وراء الحياة التي يعيشها حياة أخرى فيها جزاء ما يكون في هذه الحياة؛ ولذلك كان من أوصاف المتقين كما قال تعالى: (الذِينَ يُؤْمِنونَ بِالْغَيْبِ. . .)، فالإيمان بالغيب إيمان بسر الوجود وغايته ونهايته، وإنه لا نهاية لها بالقبور، أما الكافرون الجاحدون فيقولون كما حكى القرآن (إِنْ هِي إِلَّا حَيَاتُنَا الذُنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ). (وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ). ليميل أولئك الذين لَا يؤمنون بالآخرة إلى زخرف الشيطان، وتغرير بالغرور، يحسبون أنه الغاية فهو سبيلهم وإذا رضوه عملوا بمقتضاه، وارتكبوا من الآثام ما هو غايته ونهايتهم، وهذا معنى قوله: (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُون) والاقتراف معناه الاكتساب، وهو أكثر ما يكون في اكتساب ما لَا يحس وما ليس بخير، وأصل مادة " قرف " أن يقول ما ليس بحق يقال قرفتين إذا رميتني ما ليس فيَّ، فهو في القول الرمي بالباطل، وفي الأفعال اكتساب ما فيه إثم أو ما تكون عاقبته إثم.

стр. 3455

وإن هذا النص الكريم يبين كيف يبتدئ الشر في النفس: فهو يبتدئ أولا: بالميل إليه واستحسانه، وكما يقول الدارسون للنفس الإنسانية: أول الشر استحسانه. وثانيا: بالرضا به خلقا وقولا، فالرضا أعلى من الميل المجرد في مراتب الإدراك النفسي، والقلبي. وثالثا: بالعمل على مقتضى ما مال إليه وارتضاه؛ ولذا ختم الآية بقوله جل كلامه عن الشبيه والمماثل، (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) أي ليرتكبوا من المعاصي ما شاءوا أن يرتكبوا حتى يكون اقتراف المعاصي وصفا ملازما لهم لَا يفترقون وهناك بقراءة اللام بالسكون في قوله تعالى (وَلِيَقْتَرِفُوا) ويكون الأمر للتهديد، والإشارة إلى فساد طواياتهم، كأنه وراء الرضا الارتكاب، فليرتكبوا، كقوله ﷺ : " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (١) كأنه لَا حاجز بين الإنسان والشر إلا الرضا به، فإذا رضي فقد زال وفتح باب الشر فليلج فيه. وهذا يدل على التهديد والإنذار ببلوغ نهاية الشر، والوصول إلى غايته، فليفعل ما يشاء والعاقبة والمآل إلى الله، وهو يستقبلهم بعذاب جهنم وبئس المصير. إن الكافرين يريدون آية غير القرآن، والله تعالى هو الذي اختار القرآن آيته الكبرى ومعجزته الخالدة الباقية فإذا كان يستمع إليهم، فقد اختارهم حكاما على آية الله تعالى التي اختار، وذلك أمر منكر لَا يرضاه مؤمن، ولا يرضاه محمد ﷺ ؛ ولذا قال الله تعالى على لسان نبيه الأمين: * * *

стр. 3456

(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ... (١١٤) * * * (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وقد كان ما قبلها طلب آيات، وقسم منهم بأنها إذا جاءت ليؤمنن بها، وكأنهم بذلك يريدون أن يجعلوا من أنفسهم حكاما على آيات الله تعالى على الآية الكبرى وهي القرآن فينكر النبي ﷺ بأمر ربه أن يكونوا حكاما على آيات الله غير الله.

стр. 3457

وقدمت همزة الاستفهام على الفاء؛ لأن الاستفهام دائما له الصدارة، و (حكما) معناها حاكم، بيد أن حُكْمه دائما حقا صوابا، والحاكم قد يكون صوابا وربما يكون غيره، وقد يكون حقا وربما يكون غيره، والمعنى الجملي: أتقولون في القرآن ما تقولون، وتطلبون آيات أخرى غير القرآن، وتريدون أن يكون غير الله تعالى حكما، وإنها في هذا المقام أهواؤكم. وهنا إشارات بيانية: أولاها: أن الاستفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لَا أبتغى غير الله تعالى حكما، وقد قدم غير الله حكما، لمزيد استنكار ذلك، وإنه غير معقول وغير جائز، وغير مقبول في ذاته. الثانية: أن الابتغاء من (بغى) بمعنى طلب، ومن موضع الاستنكار أن يرضي بغير الله حكما، فضلا عن أن يبتغيه، ويطلبه طلبا مشددا فيه، كما يريدون أن يطلب النبي ﷺ ، والله تعالى هو الذي ارتضى له هذه الآية، وهي القرآن الكريم. ولذا قال تعالى على لسان النبي: (وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مفَصَّلًا) وهذه الجملة حالية، أي كيف أبتغي غير الله تعالى حكما في آياته وقد أصدر حكمه، وأنزل إليكم الكتاب مفصلا مبينا معرفا بالأحكام المطلوبة، والأحكام المنهية في بلاغة، تحداكم أن تأتوا بمثلها فعجزتم عجزا مبينا. وقوله تعالى: (أَنزَلَ إِلَيْكمُ الْكِتَابَ) أي آتاكم آيته؛ الكتاب الكريم مفصلا مبينا حجة باهرة، وقد شهدت له الكتب السابقة والأنبياء السابقون؛ ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُم الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّه مُنَزَّلٌ من رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) فالله يبين أنه كتاب مجيد يعلمه السابقون من الأنبياء، وهو كتاب أزلي أبدي، علم أمره السابقون وسيبقى في الخلود إلى يوم الدين، وقد

стр. 3458

جاءت كتب أهل الكتاب بالشهادة له فهو معجزة أزلية ثابتة، وقد قال تعالى في بيان ذكره في الكتب السابقة هو ورسوله الأمين: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)، فهو كتاب الخليقة الذي يشتمل على كل الحقائق الشرعية. ولقد قال تعالى رادا على أي شكوك وارتياب: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤). وإن الشك ليس من النبي ﷺ ، ولكنه شك من المشركين أداهم إليه جحود الحق وقد عرفوه ولقد قال بعد ذلك في هذه الآية. (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) الامتراء: الشك، والنهي مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، والفاء للإفصاح عن شرط مقدر فإن تقدير القول إذا علمت أنه حكم الله تعالى، وأن الكتب السابقة شاهدة على الصدق، فلا تكونن من الممترين والنهي للنبي ﷺ ، بظاهر القول، وهو لأمته التي يدعوها إلى الإسلام، وإلى أولئك الذين تهجموا بطلب آيات أخرى، وليس النهي للنبي ﷺ في الحقيقة؛ لأن النهي عن فعل يكون حيث يتوقع وقوعه، ولا يمكن أن يكون ذلك من النبي ﷺ ، لأنه الذي نزل عليه القرآن، فلا يمكن أن يكون منه امتراء إنما يكون من غيره، وإنما ذكر موجها إليه ﷺ ، لإعلاء شأن القرآن، ولبيان مكانته، وأنه فوق ارتياب المرتابين، ولأنه إذا كان النبي ﷺ منهيا عن الامتراء، وهو من نزل عليه القرآن فغيره أولى بالنهي. وإن نزول القرآن والتحدي به، وعجزهم عن أن يأتوا بمثله، وتقدير الله تعالى بأنه لَا يؤتى بمثله قط إذ قال تعالت كلماته: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ

стр. 3459

عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨). وإذا قد نزل القرآن الآية الكبرى، فقد تمت كلمة الله في ذلك؛ ولذا قال سبحانه: * * *

стр. 3460

(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ... (١١٥) * * * كلمة الله تعالى حكمه وتدبيره، وما قرره، كما نقول في الكلام الجاري: قال فلان كلمته أي ما قرره وانتهى إليه فمعنى (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) بعد أن ذكر شأن الكتاب مقترفا بما يقترحون من آيات يسترون بها جحودهم وكفرهم فقُرّرت وسجلت، فالقرآن هو المعجزة التي اختارها حجة للنبي ﷺ ، على المشركين، ومن يجيء بعدهم من أجيال يخاطبهم القرآن الكريم إلى يوم الدين، وكما تحدى العرب يتحداهم أن يأتوا بمثله. وقوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ) قرئت بقراءة أخرى بالجمع لَا بالمفرد بـ (كلمات ربك) (١) وإسنادها إلى الرب في القراءتين للدلالة على أنه هو الذي يعلم ما يناسب الأقوام والشرائع من معجزات النبوات، فهو يختار لكل نبي وشريعته، ما يناسبهما. وقوله تعالى: (صِدْقًا وَعَدْلًا) أي قررت كلمة الله تعالى في القرآن حال كونه صدقا وعدلا أن كل ما فيه عن الله تعالى صدق لَا ريب فيه، وما فيه من أحكام هي العدل والقسطاس المستقيم، ثم أكد الله تعالى تمام كلماته، فقال تعالت حكمته: (لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي تمت وتقررت كلمة الله الصادقة في القرآن، وأنه العدل والقسطاس ولا مبدل لكلماته، أي فإن الله تعالى لَا يبدل كلماته لأنها الصدق والعدل المستقيم، ولا يمكن أن يكون هناك مبدل لكلمات الله تعالى

стр. 3461

غيره؛ لأنه القادر على كل شيء، وليس في الوجود أحد له إرادة بجوار إرادة الله ، وليس في قدرة مخلوق أن يغير على الله تعالى. (وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم) وقد ختمت الآيات الكريمة بذكر الله تعالى بهذين الاسمين من أسماء الله الحسنى وهو أنه السميع العليم بكل شيء علم من يسمع ويرى بغير كيف ولا مماثلة لعلمنا وأنه عليم علما مطلقا ضمت الآيات الخاصة بالمعجزات لتأكيد أن الله تعالى هو الذي يختار بعلمه المحيط بكل شيء ما مثله يؤمن عليه البشر لكل نبي، وهو الحكيم الخبير فيما يختار، فليس لأحد أن يختار عليه، وهو الذي يقدر كل شيء، (. . . وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩). * * * الاتباع يكوق عن بينة (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) * * * إن قوة الحق ليست بكثرة من يقولون، وإنما قوته بقوة دليله، فلا تطع الأكثرين لأنهم الكثرة، بل أطعهم لقوة ما عندهم من دليل، فالآية تدعو إلى اتباع العقل والمنطق واليقين، وليس اتباع الكثرة لأنها كثرة، وقد ذكر الله تعالى عن كثرة ضلت، وقلة اهتدت، فقال تعالى مثلا لذلك: (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ)، وقال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين).

стр. 3462

ولقد قال تعالى في الآية التي نتكلم في معناها:

стр. 3463

(وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). هذه الآية تدل بجملتها وظاهر ألفاظها أن الله تعالى يقول لنبيه الأمين: إنك تضل لو أطعت من في الأرض واتبعت كثرتهم، وإذا أريد بالأرض أرض المشركين من بلاد العرب، فالمعنى يكون محدودًا بحدود الكثرة العربية الذين كانوا في ذلك الوقت مشركين، فإن تطع أكثرهم يضلوك عن سبيل الله تعالى؛ لأنهم مشركون والشرك ضلال، فإن أطعتهم دخلت في ضلالهم، ويكون معنى القول نهي لمن مع النبي ﷺ من أن يتبعوا المشركين في ضلالهم لأنهم الأكثرون، فالكثرة لَا تعطي الدليل قوة، ولا تتبع اليقين دائما، بل إن أقوالهم تعتمد على الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا؛ ولذا قال تعالى: (إِنْ يتَّبِعُونَ اٍلَّا الظَّنَّ)، و (إنْ) هنا نافية بمعنى (ما)، أي إنهم لَا يتبعون إلا الظن فيظنون الأمر ظنا، ثم يعتقدونه اعتقادا، كما قال تعالى عن أمثالهم: (إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)، وأكد هذا ببيان طريق ظنهم فقال تعالى: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) والخرص مأخوذ من خرص النخل؛ ليعرف ما تحمل من بلح، فيقال: خرص النخل يخرصه إذا حزره، ولا يمكن أن تكون نتيجة الخرص علما قطعيا تبنى عليه عقيدة، أو يؤخذ به رأى سليم في أي أمر من الأمور، وأقصى ما ينتهي إليه ظن لا قطع فيه. فالمعنى: إن هم إلا يظنون، وإن هم في سبيل ذلك لَا يتبعون إلا الخرص الذي لَا ينتهي إلى يقين قط. هذا الكلام خرجناه على أن الأرض المراد بها أرض الشرك، ويكون المقصود طاعة المسثركين، ولكن الأرض لو يراد منها الأرض الواسعة أرض الله تعالى، ويكون المراد إن تطع الناس فيما يرون ويبتغون يضلوك عن سبيل الله تعالى، وليس الحق دائما مع الكثرة، بل قد تكون الكثرة على غير الحق، بل إنه ثبت من التحليل للعقلية الجماعية أنها لَا تدرك ما يدركه المتفكر في خاصة نفسه، وذلك

стр. 3464

لأن الجماعات تغلب عليها العاطفة الجماهيرية، ولا يكون مجال لتمحيصها، ولعل هذا هو ما يرمي إليه النص القرآني في وصف تفكير أكثر من في الأرض، إذ يقول سبحانه: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ). ومهما يكن فإن الآية الكريمة تدل على أمرين: أولهما - أن الاتباع عن غير بينة لَا يجوز، بل إنه يجب النظر والبحث، وأن اتباع الجماعات من غير دراسة لَا يجوز، وأن الجماعات يغلب على تفكيرها الحدس والتخمين، ولا يسودها التفكير والدرس العميق والمنطق السليم. ثانيهما - أن قوة الآراء ليست بكثرة معتنقيها، وإنما بقوة ما فيها من دليل، وإنه يترتب على ذلك أن التقليد لَا يجوز. وقد يقول قائل إن الكثرة تغلب في الآراء عند الشورى، فلا يغلب رأي القلة، وإن كان معقولا، فكيف رأى الكثرة غير صحيح. ونقول في الإجابة عن ذلك: إن أساس الشورى الرضا بالعمل، ورأى الكثرة اتباعه هو الدليل على النزول على رضا الجماعة، والنبي ﷺ نزل على رأي الكثرة عند الشورى في حرب أحد، ولو كان رأيه غير ذلك. إذا كان الناس يضلون في تفكيرهم الجماعي، فلا تطعهم لأنهم يظنون ظنا، والظن لَا يغني من الحق، فإن الله هو الذي يعلم من يضل، ومن يهديه، ولذلك قال: * * *

стр. 3465

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ... (١١٧) * * * أكد الله أنه هو وحده الذي يعلم علما لَا يدانيه علم بمن يضل عن سبيله، وهنا أمور بيانية نشير إليها: أولها - أن الله عبر بـ (رَبَّكَ) وهو إشارة إلى كمال علمه الخاص بالأنفس، لأنه ربها الذي كونها، وربها وقام عليها، ووجهها إلى النجدين، نجد الخير ونجد الشر.

стр. 3466

ثانيها - أن (أَعْلَمُ) بصيغة أفعل التفضيل، وليست على بابه؛ لأنها إذا كانت على بابه تكون موازنة بين علمه تعالى وعلم غيره، وعلم غيره لَا يوزن به علم الله تعالى، إذ هو علم نسبي، وعلم الله تعالى علم إحاطة شاملة، ومعنى " ربك أعلم "، أنه يعلم من يضل، ومن يهتدي علما ليس فوقه علم ولا يصل إليه علم كائنا لمن كان. ثالثها - أن قوله: (مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ) فيه حرف جر حذف دل عليه قوله تعالى بعد ذلك (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، فـ (مَن): على حد تعبير النحويين منصوب بنزع الخافض. رابعا - أن قوله تعالى: (يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ) عبر بالمضارع للدلالة على بقائه في الضلال مع تجدده، كلما جاء تارة يضل عنه، ويزداد إيغالا في الضلال، ومعنى " عن سبيله "، أي عن طريق الهداية، والوصول إلى الحق المبين. خامسا - أن الله أكد علمه الذي لَا يصل إليه علم؛ بـ " إنَّ " الدالة على التوكيد، وبالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، الذي يدل على تأكيد الخبر. (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهدِينَ) العطف على " هو " في الجملة السابقة، وتكرر ضمير الفصل تأكيدا للإسناد، وعبر بالصفة بالنسبة لمن لم يضلوا، تأكيد لهدايتهم، وأنهم بسلوكهم طريق الحق، قد أنار الله تعالى قلوبهم، فكانوا مهتدين بهدايته. * * * الله أحل الطيبات (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ

стр. 3467

بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) * * * نهى الله تعالى عن اتباع المشركين خاصة، والجماعات من غير نظر عامة، وقد أشار إلى الضلال الذي كانوا يتبعونه فكانوا يأكلون ما ذبح باسم أصنامهم، وما ذبح على نصبها، وكانوا يحرمون على أنفسهم بعض الأنعام، ويزعمون أن تحريم ذلك من الله، لذلك أباح الله تعالى للمؤمنين أن يأكلوا مما ذكر عليه اسم الله، وألا يأكلوا مما لم يذكر عليه اسم الله، وألا يحرموا على أنفسهم إلا ما حرم الله، فقال تعالى:

стр. 3468

(فَكلُوا مِمَّا ذكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كنتم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ). (الفاء) هنا لترتيب ما بعدها على ما قبلها، إن كنتم قد نهيتم عن اتباع المشركين في تحريمهم وتحليلهم، وتحريمهم بعض ما أحل الله - فكلوا مما ذكر اسم الله تعالى عليه. وقد دلت هذه الجملة السامية على أمرين: أولهما - إباحة ما ذكر اسم الله عليه تعالى عند ذبحه، فإن الذبح بإنهار الدم يكون تطهيرا له من الخبث الحسي، وذكر الله تعالى يكون تطهيرا معنويا من خبث الوثنية. ثانيهما - أن كل الأنعام مباح أكله بعد تذكيته مع ذكر اسم الله تعالى عليه، فلا يحرم المؤمن شيئا مما حرمه المشركون، وإنه رد على بعض المشركين الذين

стр. 3469

استباحوا الميتة، فقد روى النسائي في سننه أن بعض المشركين قالوا: كيف نحل ذبيحة الإنسان، ولا نحل ذبيحة الله؛ (١) يقصدون أن الميت ذبيحة الله تعالى، وذلك غلط فاحش، وكذب على الله، فالذبح إنهار الدم وإزالة ما يكون فيها من خبائث تضر الجسم، والميتة ليس ذبحا، وفيها بقاء الدم بخبائثه في الجسم. وقال تعالى: (إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) أي إن المؤمن لَا يتبع المشركين، ولا يحرم إلا ما حرَّم الله تعالى، ولا يحل إلا ما أحل الله، وقوله تعالى: (إِن كنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) فيه توكيد وصفهم بالإيمان بقوله: (كُنتُم) الدالة على البقاء والاستمرار على وصف الإيمان، وأكد الإيمان بوصفهم به. وهنا يثار بحث: هل تناول المباح يعد من الإيمان؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إن تناول المباح له جانبان، جانب التناول، وهو مباح بالجزء، فيجوز للإنسان أن جمل نوعا، وألا يأكل آخر، فيجوز أن يأكل اللحم، وأن يأكل الطير، أو يأكل السمك، فكلها حلال طيب، ولكن لَا يجوز أن يمتنع عنها جملة، فهي مباح بالجزء مطلوبة بالكل، فلا يجوز أن يمتنع عن كل المباحات، والجانب الثاني أن يحسب أن الامتناع عن بعض المباحات تعبد، كأن يمتنع عن اللحم من غير ضرورة جسمية كبعض الذين يسمون أنفسهم نباتيين، فإن هذا يكون ممنوعا لغير ضرِورة أو حاجة، فإنه يدخل في النهي في قوله تعالى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تحرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. . .)، وقال تعالى مستنكرًا مِن حرم بعض اللباس من غير نص والطيبات من الرزق، فقال تعالى: (قُلْ منْ حرَّمَ زِينة اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. . .). * * * ولذا قال تعالى:

стр. 3470

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ... (١١٩) * * * (ما) هنا للاستفهام الإنكاري، وهو بمعنى التوبيخ للمشركين إذ حرموا على أنفسهم ما لم يحرم الله من بعض الأنعام كالسائبة والبحيرة والحام؛ وذلك لأنه
следующие страницы →