وأقول مع الاتحاد في جملة المعنى أظن أن مَسَّكَ به فيه قوة في التمسك، ليست في مَسَكَ به، بل أكثر من استمسك، لأنها تتضمن الأخذ به، والعمل بما فيه والإذعان لأحكامه من غير إهمال ولا نسيان، ودعوة إلى مسكه والعمل به من دون غيره، واستنكار لمن لَا يمسك به.
ومعنى التمسيك به، الإذعان لأحكامه، والدعوة لهذا الإذعان، والعمل به مخلصين غير متحايلين لتركه، وإلقاء المعاذير عند ترك العمل به.
والتمسيك به كما ذكرنا يتضمن معنى الدعوة إلى الاستمساك، وبالأولى يستمسك الممسك فيعتقد، ويؤمن ويدعو.
وقد ذكر أعظم أعمال الطاعة بعد التمسك بالكتاب، فقال: (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) أي أتوا بها مقومة على وجهها الأكمل، وتكون الصلاة على الوجه الأكمل إذا كان ذكر الله، واستشعار خشيته في كل ركن من أركانها، واختصها الله تعالى بالذكر، لأنها ركن الدين، ولبه، ولا دين من غير صلاة كما ذكر النبي ﷺ ، ولأنها سبيل للابتعاد عن المنكرات التي كان بنو إسرائيل يفعلونها، وقد قال تعالى في القرآن كتابه الخالد الباقي إلى يوم القيامة: (. . . إِنَّ الصَّلاةَ تَنهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. . .).
وقد ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء الذين يمسكون بالكتاب، فقال: (إِنَّا لا نضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) والمعنى لَا نضيع أجرهم.
ولكن هنا إشارات بيانية لَا بد من التنبيه إليها:
الأولى - أن الله تعالى ذكر الجزاء بطريق الاقتضاء، فوصف ذاته العلية بأنه لا يضيع أجر المصلحين، وقد أصلحوا فاستحقوا أجره الذي لَا يضيعه أبدا، فهو إعطاء مع ذكر داعيه.
الثانية - أنه ذكر - سبحانه - ما يليق بذاته وهو أنه لَا يضيع أجر من أحسن عملا.
стр. 4027
الثالثة - أنه أظهر في موضع الإضمار، مصرح بقوله: (الْمُصْلِحِينَ) بدل قوله لَا يضيع أجرهم، وذلك لأمرين؛ أولهما - أنه للدلالة على أن ذلك شأن من شئون الله العلي الأعلى، وثانيهما - الإظهار للإشارة إلى السبب في الجزاء وهو الإصلاح، أي كونهم مصلحين.
وفى التعبير بقوله: (الْمُصْلِحِينَ) إشارة إلى أن تمسيكهم للكتاب يتجاوز الإمساك إلى الدعوة إليه كما أشرنا.
* * *
أخد الميثاق عليهم وعلى الإنسانية
(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
* * *
ميثاقان يذكرهما الله تعالى، واحد منهما خاص ببني إسرائيل لأنه يتعلق بميثاق التوراة، والثاني يتعلق بميثاق الإنسانية كلها.
والأول قال الله تعالى فيه:
نتقنا معناها رفعنا، ولكن يظهر أنها لَا تكون إلا في رفع الثقيل الذي لا يستطيعه إلا الأقوياء، فمن الألفاظ العربية ألفاظ تحمل في نفسها قوة المعاناة في دلالتها، فلا نقول: نتقت العصا، أو نتقت السيف، ولكن قد تقول: نتقت الجبل، أو نتقت أطنان الحديد. ولقد نتق الله الجبل وعلا عليهم، وكأنه ظلة من ظلال السحاب فوق رءوسهم، ولأنه جبل أو جِرم كبير ثقيل (وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ)، أي واقع نازل بهم قاصد رءوسهم. والله يقول: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقوَّة)، أي خذوا التعاليم في الحلال والحرام، وما كلفتموه عامة بقوة، أي بتقبل منكم، ورضا به، واطمئنان إليه واذكروا ما فيه أي اذكروه وتدبروه، وعوا ما فيه، واعملوا به لعلكم تتقون، والرجاء منهم، أي راجين بذلك أن تتقوا السيئات. بل إن تتقوا شر أنفسكم الأمارة بالسوء، وهذا كقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُم الطّورَ خُذوا مَا آتَيْنَاكم بِقوَّةٍ. . .)، وقد يسأل سائل: لماذا كان رفع الجبل مع إعطائهم الميثاق بقوة؟ الظاهر أنهم ترددوا في قبوله وتلكأوا كشأنهم دائما في قبول الحق المنزل والعمل به، فأتى موسى ﵇ معجزة حسية قاهرة تلزمهم، ولا يحيرون جوابا فيها، فكان نتق الجبل، وكانت هذه المعجزة الرهيبة الدافعة إلى الإيمان، المانعة من كل تردد، وقد جاءت الآثار بما يفيد ذلك: روى ابن كثير أن موسى ﵇ قال لهم: هذا كتاب تقبلونه بما فيه، فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم، وما أمركم وما نهاكم، قالوا: انشر علينا ما فيها - أي الألواح - فإن كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلنا. قال: اقبلوها بما فيها. قالوا: لَا حتى نعلم ما فيها، كيف حدودها وفرائضها، فراجعوه مرارا، فأوحى الله تعالى للجبل، فانقلع، فارتفع إلى السماء حتى إذا كان بين رءوسهم والسماء فقال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي ؟! فأخذوا التوراة وهو الميثاق بهذه القوة الدافعة.
وإنه مع هذا الدليل المادي الحسي القارع نجدهم غيروا وبذلوا وانحرفوا عما أمرهم به الله وقد أردف ذلك ببيان ميثاق الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فقال تعالى:
* * *
стр. 4030
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)
* * *
" إذْ " ظرف للزمن الماضي، والخطاب للنبي ﷺ ، وهو تذكير بأن الفطرة الإنسانية توجب الإيمان بأن الله رب هذا الوجود وحده، وأنه هو الذي خلقه، وهو واحد بذاته وبصفاته، وقد حتم تعالى ذلك بالفطرة الإنسانية.
قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ) عبر عن ذي الجلالة بربك بالإشارة إلى معنى الربوبية التي تملأ نفس النبي ﷺ وقد أدركها قبل النبوة بالفطرة الإنسانية الكاملة، فنفر من عبادة الأوثان، وعبد الله تعالى وحده، وقال إنه الديان وحده.
(وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ) ومن بني. آدم: عطف بيان على قوله تعالى: (مِن بَنِي آدَمَ) وهذا بيان لنوع من أخذ من ذريتهم، وهم بنو آدم، وهذا مبين عموم الذين ينتسبون إلى آدم أبي الخليقة، وقوله تعالى: (مِن ظُهُورِهِمْ)، أي وهم في أصلاب آبائهم، قبل أن يصلوا إلى أرحام أمهاتهم، وهذا يدل على أن ذلك من وقت الإنشاء، فوقت إنشاء الآدمي من وقت أن يكون في صلب أبيه.
وقوله تعالى: (ذُرِّيَّتَهمْ) منصوبة على أنها مفعول أخذ، ومؤدى القول أن لربك أخذ الذرية من التي هي من الأصلاب وهي في الأصلاب ذلك العهد، أو ذلك الإقرار الذي كان بحكم الفطرة. قال لهم ربهم: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وهو تفسير لمعنى الأخذ.
الهمزة للاستفهام، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي، و (لست) للنفي، وقالوا: إن نفي النفي إثبات، والمعنى أنا ربكم الحق، وجيء بذلك النحو من القول لتأكيد الإيجاب كأنه سألهم، وأجابوا بالإثبات، أي بإثبات الربوبية، وقد أجابوا على هذا السؤال مثبتين موجب نفي النفي، قالوا: بلى، وهي تثبت ما بعد النفيين، أي أنت ربنا، وقالوا: (شَهِدْنَا)، أي أقررنا.
стр. 4031
وقوله تعالى (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ)، أي حملهم على الإقرار على أنفسهم، أو اتخذ منهم شهداء على أنفسهم فاستجابوا وشهدوا على أنفسهم فهي شهادة الفطرة الإنسانية السليمة بالربوبية لله تعالى.
وقد بين - سبحانه - حكمة هذا الميثاق فقال تعالى: (أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) أن تقولوا: مضاف إليه لمضاف محذوف تقديره: كراهية أن تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، فإنه في فطرتكم التي خلقكم الله تعالى عليها، ولن تغفلوا عما فطركم الله تعالى عليه، إلا أن تطمسوا فطرتكم بالأهواء والأوهام التي تطمسون عليها، فلا تدرك، وتحولون بينكم وبين نورها الهادي المرشد.
وإن هذا الذي ذكره الله تعالى من أخذ ذرية بني آدم من الأصلاب فيه تصوير محكم دقيق لتكوين الفطرة الإنسانية على الإقرار بمعنى الربوبية والتوحيد، لسلامة التكوين وأنه سوَّى خلقه فأحسن تسويته، وأنه صوره فأحسن صورته وقد قال بعض المفسرين: إن هذه المجاوبة مجاز، إذ شبهت حال خلق الإنسان مفطورا على الإيمان بهذه المجاوبة، ونحن نقول تبعا لهذا التخريج: فهذا الأخذ فيه تصوير لتكوين الفطرة، ولقد قال تعالى في الإسلام ودعوة الله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠).
وإن محمدا ﷺ آمَن بفطرته، وهجر الأوثان بعقله، وإبراهيم أبو الأنبياء فكر بفطرته، حتى اهتدى إلى ربه، وقال بعد اهتدائه: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا. . .).
ولقد قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم: " يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم " (١).
стр. 4032
وروى الطبري بسنده أن رسول الله ﷺ قال: " كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها، أو ينصرانها (١).
قلنا: إن الله تعالى ذكر قصة الفطرة الإنسانية لكيلا يكون اعتذار لمنحرف لأنه يخالف الفطرة، وأيضا لكيلا يحتج بأنه يتبع آباءه فقال تعالى:
стр. 4033
(أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)
" أو " هنا عاطفة على قوله تعالى: (أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ومقتضى السياق أن يكون المعنى كراهية، إن تقولوا إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا وكنا ذرية من بعدهم.
والمعنى أخذ عليكم الإقرار، وأنتم ذرية ليتبين أن فطرتكم تناديكم بالإيمان فلا تعتذروا بأن آباءكم كانوا مشركين، وأنتم اتبعتموهم، فإن أوخذتم فإنما تؤاخذون بشركهم، ولكن أخذ عليكم من قبلهم بالإيمان، فأنتم مسئولون عن عهدكم الذي عاهدتم الله تعالى عليه أولا، لَا عن تقليدكم لآباكم، وإنه لَا يصح هذا التقليد وفيكم فطرة الإيمان، أتتبعون آباءكم ولو خالفوا الفطرة التي شهدوا فيها بأن الله وحده هو المعبود بحق هو أنكم بمقتضى الفطرة مؤمنون فلم تتبعون آباءكم في كل حال، ولو كانوا لَا يعقلون شيئا ولا يهتدون، وخالفوا سنة الفطرة. فإن خالفوها، فإن ذلك لَا يخليكم من الإقرار الذي أخذ عليكم.
وقوله تعالى: (إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكنَّا ذُرِّيَّةً مِّنْ بَعْدِهِمْ) فيها ما يوهم أن شركهم بهان بالوراثة، وأنهم لهم تبع، فكما ورثوهم في أجسامهم ونسبهم، فقد ورثوهم في اعتقادهم.
ولذا قال الله تعالى عنهم: (أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهي مؤخرة عن تقديم لأن الاستفهام له الصدارة، وهو
стр. 4034
استفهام إنكاري لأنهم ينكرون مؤاخذتهم، إنما المؤاخذة على من سبقوهم، فالله تعالى بمقتضى سياق الآيات الكريمة يبين أنهم مسئولون ومؤاخذون، هم يقولون إنا تبع لمن سبقونا ولا نؤاخذ بفعلهم وقد سرنا مسارهم، فالله - سبحانه - يبين لهم أنهم مؤاخذون بمقتضى الفطرة، وكان الواجب عليهم أن يعرفوا أنهم مأخوذ عليهم ميثاق بإقرارهم بأن الله وحده ربهم، وما كان لهم أن يتبعوهم. بعد ذلك ختم الله تعالى هذه ببيان تصريفه للآيات وتفصيله فيقول تعالى كلامه العزيز:
стр. 4035
(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)
أي كهذا البيان الذي فصل الله تعالى هذه الآيات وبينها من تصوير الحال في الخلق والتكوين؛ يفصل الله الآيات ويقربها ببيان أصل الخلق والتكوين، وأن الذين يضلون هم المنحرفون عن أصل الفطرة. يبين البيان كذلك دائما ليهتدوا ويدركوا الحق، (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إلى أصل فطرتهم التي فطرهم الله تعالى، ويعودون إلى التوبة وإلى الإنابة إلى ربهم. بعد هذا البيان وضرب الأمثال من ماضيهم، وبيان سوء حاضرهم.
* * *
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ
стр. 4036
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)
* * *
هذا مثل ضربه الله تعالى لمن تهديه فطرته إلى الحق، ولمن يرى الآيات بينة واضحة تغمره بنورها، وتسبغ عليه كما يسبغ الثوب على لابسه، فينسلخ منها ويخلعها ويتبعه الله تعالى الشيطان فيكون من الغاوين، وقال تعالى في ذلك:
стр. 4037
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ).
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ)، أي اذكر لهم نبأ الذي آتيناه آياتنا. والنبأ الخبر ذو الخطر والشأن، وكان خطره وشأنه في أنه قد جاءته الآيات بينة قد غمرته بالنور، وصارت كأنها اللباس السابغ، الذي لَا يفارقه، ولكنه تعمد أن يخرجها من ملابسه وجسمه، وينسلخ: أي يخرج منها كما تخرج الذبيحة من إهابها.
وإنه إذ فعل ذلك يكون قد سلك سبيل الضلال وسار فيه، (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَان) أي فجعله الله يتبع الشيطان؛ لأنه إذا انسلخ من الآيات السابغة المنيرة قد اتجه إلى الضلال، فأتبعه الله للشيطان وصار تابعا له؛ لأنه ترك رحمة الرحمن بترك آياته، ومن ترك رحمة الله، أدخله الله تعالى حظيرة الشيطان، وصار من أتباعه.
وإن في هذا النص القرآني المصور لمن يغوى ويضل عدة مجازات، تبدو فيما يأتي:
أولا - أنه شبه الآيات النيرة الدالة بالثياب السابغة التي تلازم الشخص، ولا تنفك عنه حتى يخلعها.
стр. 4038
وثانيا - أنه شبه تركها وعدم الأخذ بها بالانسلاخ منها، فشبه تركه لها بالانسلاخ والذي هو خاص بسلخ الشاة الذبيحة فيتعرى كما تتعرى الشاة.
وثالثا - أنه عبر عن اتباع الهوى، والتردي في مهالكه بـ (فَأتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) لأن السبب هو سيطرة الهوى، والهوى هو باب الشيطان الذي يدخل منه إلى القلوب، فعبر باسم المسبب وأراد السبب وهو اتباع الهوى.
وإن اتباع الهوى أو الشيطان يؤدي إلى الضلالة لَا محالة، ولذا قال تعالى: (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)، أي من الضالين، فغوى معناها ضل بسبب اتباع الشهوات.
وقد قلنا: إن هذا مثل من تحيط به آيات الله التي تدعم فطرته التي فطر الناس عليها، فلا يلتفت إلى دلالتها، ويتركها منسلخا عما تدعو إليه كما ينسلخ اللابس من ثوبه الذي يستره، ويجمله، وينحط إلى مهاوي الشيطان.
هذا، وإن كتب التفسير في هذه الآية مملوءة بأساطير يهودية لم تثبت بسند صحيح يصلح تفسيرا للقرآن، ولذلك ضربنا عن ذكرها صفحا، ذلك أنهم زعموا أن قوله تعالى: (نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) يتعرض لقصة شخص معين، فاستعانوا بالإسرائيليات، ليعلموا من هو. والحقيقة أنه ليس بشخص معين، إنما هو تصوير لمن تأتيه الآيات السابقات بالنور فيتركها.
وزعموا أن قوله تعالى: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ) ففهموا من هذا أنها قصة لها أشخاص ورجال وحوادث، فاستعاروها من بني إسرائيل، وهذا لَا يساعده النص، إنما النص في قصص المثل ذاته، ولذلك قال تعالى: (ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وسنتكلم في هذا إن شاء الله تعالى.
وقد صور الله تعالى حال ذلك الذي تأتيه آيات الله نيرة سابغة فينسلخ منها فقال تعالى:
(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ... (١٧٦)
стр. 4039
أى إن ذلك الذي انسلخ من آيات الله تعالى، وقد أسبغها الله تعالى عليه لو شاء الله لرفعه بها إلى أعلى الدرجات لو سلك سبيله، واتجه إليه ولم ينسلخ عنها؛ ولذا قال تعالى: (وَلَوْ شِئنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) لو شئنا له أن يهتدي رفعناه بها إلى مقام المؤمنين الصادقين، لو كان قد سلك سبيلنا ولم يرفض نعمة البيان وإسباغ الآيات، ولكنه أخلد إلى الأرض وسكن فيها بنزواتها وأهوائها وشهواتها، واتبع هواه، فلم يسيطر على شهواته، وكان عبدا لها، فاستوى عنده البينات والظلام، ولذلك مثله الله تعالى بالكلب الذي يندلع لسانه لاهثا دائما، فقال تعالت كلماته: (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث).
أي إن حاله كحال الكلب المندلع لسانه، إن تحمل عليه بأن تهيجه ينبح مندلعا لسانه، وإن تتركه من غير تهييج ينبح مندلعا لسانه أيضا.
أي إن أولئك الذين ينسلخون من الآيات التي ينعم الله تعالى عليهم ببيانها يستوي عندهم البيان والترك بل إنهم يضلون دائما، إن ضلالهم في حال البيان أشد وأوغل، فالجامع بين المشبه والمشبه به هو البقاء على حال سوء دائما، سواء أكان البيان أم لم يكن.
وقد شبههم الله تعالى بالكلب، في أقبح صوره، وهي الحال التي يكون فيها خارج اللسان يسيل فيها لعابه، وهي أقبح مناظره؛ ولذا قال تعالى: (ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)، أي تلك الحال التي قصصناها وبيناها، حال الذين كذبوا بآياتنا نقدوا تفكيرهم وتقديرهم للأمور، فلم يعرفوا الفرق بين النور الذي تجيء به الآيات هادية مرشدة، وبين الظلام الذي يعمهون فيه متحيرين، وكانت حالهم لحال هذا الحيوان في أقبح صوره.
إذا كانت هذه حالهم، ومآل أمرهم، (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ) الفاء كما ترى للإفصاح، ومعنى اقصص: اذكر حالهم وخبرهم، فإنه يصور حالهم (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، أي لعل هذا التصوير الذي تقصه عليهم يحملهم على التنبه في
стр. 4040
حالهم العقلية التي ينزلون فيها إلى الحيوان الذي لَا يدري الفرق فيما يعمل، فيتفكرون ويتدبرون الآيات ولا يتسلخون منها.
ولقد بين الله تعالى سوء حالهم، فقال:
стр. 4041
(سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
ساء تستعمل أحيانا بمعنى التعجب، فيكون المعنى ما أسوأه مثلا هذه الحال، وتكون (مَثَلًا) تمييز، وهو يدل على المتعجب منه، أي أن حالهم بلذت أقصى أحوال السوء في الضلال، ومجافاة الحق، وجعلهم النور ظلاما والهدى ضلالة وأنهم في ذلك لَا يضرون غير أنفسهم، فالله يغضب عليهم والرسول (وَأَنفسَهُمْ كأنُوا يَظْلِمُونَ) يظلمون أي يستمرون على ظلمها باستمرارهم على تكذيب آيات الله الهادية المرشدة، وانسلاخهم عنها. وإن الله - سبحانه - تركهم في غيهم؛ لأنهم سلكوا سبيل الغي، وتركوا سبيل الرشد، فحقت عليهم كلمة الضلال؛ ولذا يقول الله تعالى:
стр. 4042
(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)
" مَنْ " اسم شرط، أي الذي يهديه الله تعالى فهو المهتدي وحده، وليس معنى ذلك أنه ليس مختارا في سلوك طريق الهداية، فإن الله عدل، لَا يظلم أحدا، إنما يكون بين يديه طريق الرشد، وطريق الغي، فيختار طريق الغي، فيصل إلى نتيجته ويختار الله ما اختاره لنفسه، وإن كان غير راض عما اقترف، ويقترف من سيئات، (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وإضلال الله تعالى لَا يتنافى مع اختياره؛ لأنه اختار سبيل الغي، والفساد، فسار فيه لإذن الله واختياره، وإن كان الله تعالى غير راض، فالله تعالى أراد له الشر إذ سلك طريقه، ولكنه لَا يرضى لعباده الكفر.
стр. 4043
وهنا إشارتان بيانيتان:
أولاهما - في قوله تعالى: (فَهُوَ الْمُهْتَدِي) فيه تعريف الطرفين، فيفيد القصر، والمعنى لَا يهتدي غيره، فالهداية من الله تعالى.
ثانيتهما - أن الله تعالى قال: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وفي هذا النص السامي الإشارة إلى الموصوفين بتكذيبهم لآيات الله، والإشارة إلى الأوصاف تفيد أنها سبب الحكم.
وقوله تعالى: (هُمُ الْخَاسِرُونَ) تفيد تأكيد الخسارة وقصرها عليهم، وذلك لضمير الفصل " هم "، وخسارتهم في أنهم خسروا نعيم الآخرة، وخسروا بضلالهم وفقدهم التمييز بين الحق والباطل، والضلال والهداية، وخسارتهم بتركهم نعمة الله تعالى في آياته، وخسارتهم رضوان الله، وهو أكبر.
* * *
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)
* * *
أكد الله تعالى أنه خلق الخلق من ذريات آبائهم، وعلم أنهم لَا يهتدون، بل يدخلون في الضلالة، ومن ورائها الكفر، ومن وراء الكفر جهنم، وليس معنى ذلك أنه أجبرهم على الكفر الذي يلجئهم إلى جهنم إجبارا، بل معناه أنه كتبه عليهم في علمه الذي أحاط بكل شيء، ولا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، فالله علم ما يكون منهم فهو - سبحانه - يعلم ما كان وما سيكون عالم الغيب والشهادة، وهو السميع العليم.
стр. 4044
قال تعالى:
стр. 4045
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ).
أكد الله تعالى ذلك بـ " قد "، وهي للتحقيق دائما، وباللام، وذرأنا معناها، خلقناها من ذرية، كما قال تعالى: (وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا. . .)، ذرأ ليست بمعنى خلق كأي خلق، بل معناها أنه خلق من وقوله تعالى: (لِجَهَنَّمَ)، أي أن مآلهم إلى جهنم، لأنهم يختارون الضلالة، فيكفرون فتكون جهنم مآلهم وبئس المصير، ووصفهم سبحانه بأنهم كثيرون من الجن والإنس، فليس الضلال بقليل في الأرض، وإنه لكثير، كما قال تعالى: (وَإنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. . .)، وقد ذكر حال الذين كتب عليهم أن يكونوا لجهنم فقال: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا)، أي لهم قلوب لَا ينفذون بها إلى الحق فيذعنوا له، وهذا معنى فقهها، ولهم أعين لا يبصرون آيات الله في الكون من شمس لها ضياء، وقمر له نور، وسماء ذات أبراج، ورياح تحمل السحاب الممطر، يساق إلى بلد ميت فيحييه، ولهم آذان لا يسمعون بها نداء الحق فيجيبوه، وآيات الله تتلى فلا يدركوها، ويسمعون صوت المنادي " الله أكبر " وكأنهم لَا يسمعون.
وقد يقال: إن هذا مثل للضالين وتصوير لهم، فهم كمن لَا عقل له ولا بصر ولا سمع، وقد قال تعالى في ذلك: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
إن فرق ما بين الحيوان والإنسان هو العقل والتدبير، وترتيب النتائج على المقدمات، والنظر إلى المستقبل على ضوء الماضي والحاضر، فإذا فقد ذلك فقد صار كالأنعام في أنفسها، ولذلك قال سبحانه: (أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ) والإشارة إلى الذين لهم قلوب لم يدركوا بها إدراكا نافذا إلى ما وراء. وأوتوا أبصار لم يعرفوا عظمة الكون وخالقه منها، وأوتوا سمعا، لم يستمعوا به إلى المواعظ النيِّرة، والزواجر الزاجرة.
стр. 4046
هؤلاء ما دام لم ينتفعوا بهذه المواهب، يصيرون كالأنعام؛ لأن ما أعطاهم سبحانه من مواهب جعلوه هملا فكأنهم لم يعطوه كالأنعام، ويقول سبحانه: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ) لأن من أُعطي شيئا ولم ينتفع به أضل ممن لم يُعطَ شيئا.
هذا هو الحكم الأول عليهم، والحكم الثاني هو أنهم غافلون عن الأمور التي يجب عليهم إدراكها، فقال تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) عما يجب التنبه إليه ليقوموا بواجبهم وليستعملوا ما وهبهم تعالى من هبات مميزة مدركة، وأكد الله الحكم بغفلتهم بالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، وبقصر الغفلة عليهم بتعريف الطرفين، أي أنه لَا غافل غيرهم، لأنهم غفلوا عن أهم ما يجب أن ينتبهوا له.
ولقد ذكر الله في عدة آيات معاني هذه الآية فيما يناسبها فقال تعالى: (. . . وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْء إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ. . .).
وقد شبههم سبحانه بالأنعام فقال عز من قائل: (وَمَثَل الَّذِينَ كفَرُوا كمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً. . .)، وهكذا كل من يعطل المواهب التي وهبها الله تعالى له.
وإن المشركين كانوا يعبدون عْير الله تعالى، وينكرون صفات الله تعالى التي تجعله وحده المستحق للعبادة، ولذا قال تعالى:
стр. 4047
(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)
تطلق الأسماء ويراد المسميات، والأسماء هنا يراد بها صفات الذات العلية التي لَا يماثلها صفات الحوادث، كما قال تعالى: (. . . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، مثل القاهر القادر المريد السميع البصير، والغفور
стр. 4048
الرحيم الرحمن، فإن هذه وأشباهها أسماء الله تعالى، وهي أيضا صفاته وهي ليست شيئا غير ذاته، إنما هي مبينة لها، معرفة بها، فنحن نعرفه سبحانه بهذه الصفات التي هي أسماؤه ، وبعدد الأسماء أو الصفات لَا يقتضي تعدد المسمى، أو الموصوف، ولقد سمع مشرك قول المؤمن في وصف الله تعالى بأنه الغفور الرحيم، فقال جاهلا أو متجاهلا: إن محمدا يدعو إلى إله واحد، فما باله يذكر إلهين. وهذا إلحاد في أسمائه سبحانه، فالموصوف لَا يتعدد بتعدد الوصف، والمسمى لَا يتعدد بتعدد الاسم، وقد روى الترمذي وغيره أن لله تعالى تسعة وتسعين اسما، أي وصفا، وقد ذكر ابن كثير هذه الأسماء التي بلذت هذا العدد فقال: (هو الله الذي لَا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور).
وقد رويت هذه الأسماء في الصحاح بأحاديث مختلفة، والله قد اتصف بكل هذه الأسماء.
وصف أسماء الله تعالى بالحسنى، وهي مؤنث أحسن، وأفعل التفضيل ليس على بابه، والمعنى أنها بلغت أقصى درجات الحسن والكمال، لأنها صفات المتصف بكل كمال.
стр. 4049
وقد قال تعالى: (فَادْعُوهُ بِهَا) الفاء للإفصاح، أي إذا كانت الأسماء هي صفات الكمال المطلق، فادعوه بها أي نادوه في دعائكم وضراعتكم إليه بها.
(وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ)، أي يتخذون الإلحاد والشرك في أسمائه، وذلك بالزيادة فيها بما لايليق بالذات العلية أو يغيروها بما لَا يليق بذاته، كالمعطلة والمشبهة الذين يفسرونها بما يشبه الحوادث، أو ينقصون منها تبعا لأهوائهم، وقوله تعالى: (ذَرُوا) أي اتركوهم بمعنى لَا تقيموا لقولهم وزنا، ولا تتبعوا ما يقولون.
ثم ذكر الله تعالى جزاءهم فقال: (سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السين هنا لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل، وقد قدروا الباء، أي: سيجزون بما كانوا يعملون.
وإن حذف الباء فيه إشارة بيانية، وهو توافق الجزاء مع العمل، حتى لكان الجزاء هو العمل ذاته، لاتحاد السبب والمسبب، فكان جزاء وفاقا للعمل لَا يزيد عليه، وقد يغفر له متغمدا له برحمته.
وقد ذكر الله تعالى الضالين ممن ذرأ من الجن والإنس، وأنهم كثيرون، وليسوا قليلا ذكر المهتدين، فقال تعالى:
стр. 4050
(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)
ليس الناس جميعا أشرارا، بل إنه من رحمة الله تعالى بعباده أن كان الوجود لَا يخلو من الأخيار الذين يقاومون أهل الشر، ويدفعون شرهم (. . . وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).
وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أخيار الناس فقال تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ)، أي من الذين خلقناهم من الجن والإنس من ذريتهم أمة طائفة مجتمعة على الهدى والخير يؤم كل واحد منها الجماعة، ويعينها ويقصدها بخير،
стр. 4051
(يَهْدُونَ بِالْحَقِّ) أي اهتدوا، ويهدون غيرهم بالحق، أي هداية مصحوبة بالحق، (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) أي بالحق وحده يعدلون في كل أمورهم، ففي حياتهم عدل بالحق، وفي شئونهم العامة والخاصة عدل بالحق، وفي كل ما يباشرون من أعمال يبتغون الحق ولا يريدون سواه، فحياتهم كلها عدل وحق. وفي تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: (وَبِهِ يَعْدِلُونَ) قصر؛ أي لَا يعدلون بغيره، بل يزنون به الأعمال والأشياء والصلات كلها، فهو ميزان الوجود الإنساني، وبه قامت الإنسانية الفاضلة.
وقد بين الله تعالى ما يعامل به الذين يكذبون بآياته، ويعادون أولياءه، ويعاندون الحق، فقال:
* * *
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
* * *
كان ما قصه - سبحانه - من قصص لنوح وهود وصالح وشعيب، وموسى وما كان من قومه ومعاناته في سبيل هدايتهم وبث الإيمان في قلوبهم؛ تسلية للنبي ﷺ وبيان ما يلقاه أولو العزم من الرسل من عند الكافرين والضالين.
ومن بعد ذلك أخذ يبين حال المشركين الذي يدعوهم النبي ﷺ فقال سبحانه:
(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم) هذا حكم عام بالنسبة للمكذبين بالآيات، لَا يأخذهم سبحانه بمجرد تكذيبهم، بل يمهلهم ويغدق عليهم الرزق حتى إذا تمادوا في شرهم، ولم تهدهم النعمة، ولم يحسوا بشكرها أخذهم الله تعالى من حيث لَا يحتسبون، فهو يختبرهم بالآيات فيها العبر، ثم يختبرهم بالنعم.
ومعنى (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) نأخذهم درجة بعد درجة نازلين إلى الهاوية من حيث لَا يشعرون؛ من مكان لَا يشعرون فيه أنهم كلما أنعم عليهم بنعمة وكفروها يسيرون إلى الهاوية وهم لَا يشعرون، إن الله يختبر المكذبين لآياته الكونية وما تدل عليه، والمكذبين لمعجزات النبوة كالقرآن، وسائر آياته لأنبيائه، يختبرهم بالنعيم أحيانا يذوقونه ثم يحرمون منه.
ولقد قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥).
وإن ما يكون عليه الكافرون من ملاذ وزخارف لَا يصح أن يكون علامة الرضا، بل هو في أكثر الأحوال علامة السخط، وقد قال تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥). وإن ذلك من إملاء الله تعالى، ليزدادوا ضلالا وفتنة. ولقد أكد الله تعالى ذلك فقال:
стр. 4054
(وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)
في هذا النص السامي يبين سبحانه عاقبتهم، وهي العذاب الشديد الذي يستدرجون إليه فيقول: (وَأملِي لَهُمْ)، أي أطيل عليهم الأمن، أي أتركهم ملاوة من الزمن يستمتعون فيها، كما تستمتع الأنعام، وهم سادرون في طغيانهم
стр. 4055
وكفرهم، وكلما أمعنوا في لذاتهم وشهواتهم وما مكنوا منه، ازدادوا إثما، حتى إذا امتلئوا آثاما بما كسبت أيديهم أخذوا أخذ عزيز مقتدر، وما أفلتوا من عقاب شديد، ولذا قال تعالى مبينا ما بيته لهم: (إِنَّ كيْدِي مَتِين)، هو التدبير للأشرار معاملة لهم بمثل تدبيرهم وشرهم، وإيذائهم لأهل الإيمان (مَتِينٌ)، أي غليظ شديد مأخوذ من من الجسم وهو الجانب القوي في عظامه.
وإنه قد قالوا: إن هذه الآية نزلت في كبراء قريش الذين كانوا يؤذون المؤمنين وخصوصا ضعفاءهم، فالله تعالى يبين لهم أنهم مأخوذون وسينتقم الله تعالى منهم، وقد أخذهم الله تعالى بذنوبهم في موقعة بدر، أخَذ الذين بالغوا في إيذاء النبي ﷺ أخذ عزيز مقتدر.
ونقول: إن عموم الآية يشمل هؤلاء وغيرهم ممن يظهرون مغترين، يقولون في غرورهم نحن أكثر أموالا وأولادا، فالله تعالى يمهل ولا يهمل.
وإن اغترار المشركين بالمال والنفر يمنعهم من التفكير في مآل أمرهم، والداعي إلى الحق وماضيه، ولذا قال تعالى:
стр. 4056
(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)
لقد كان النبي ﷺ الأمين الصادق في قريش، وعاش بينهم أربعين سنة كان يعرف بينهم بالأمين، وإذا ذكر اسم الأمين لَا ينصرف إلا إليه، يحكم بينهم في خلافهم إذا تنازعوا، ويرتضون حكمه إيمانا بعقله وكمال تدبيره، فلما دعاهم إلى الحق وترك عبادة الأوثان قالوا مجنون، وقد رد الله قولهم بقوله: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُون).
ولما رموه بهذا دعاهم الله أن يتدبروا ما يقولون، ويوازنوا بين قولهم هذا وما عرفوه من قبل، حتى يدركوا الحق وينفوا قولهم فيه، فقال: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) أي يقولون هذا القول، ولم يتفكروا، ويعلمون أنه ما بصاحبهم من جِنَّةٍ، فالتفكر ليرودا عقولهم إلى ماضي قولهم فيه من أنه العاقل الأمين في
стр. 4057
شبابه، حتى إذا بلغ أشده وبلغ الأربعين قالوا فيه ما قالوا، وإن نتيجة التفكر والموازنة أن ينتهوا إلى الحكم بأنه (مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ). وعبر الله تعالى بقوله: (مَا بِصَاحِبِهِم) من فيه إشارة إلى مصاحبته أربعين سنة في صحبة كريمة عاقلة أمينة يرجعون إليه في أمورهم المهمة ويشركهم في فعل الطيبات أنَّى اتجهوا إليها. وإن ما دفعكم إلى هذا الوصف الذي ينافي ماضيه وحاضره إنما هو أنه جاء بالحق بشيرا ونذيرا وهاديا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ ولذا قال تعالى: (إِنْ هوَ إِلَّا نَذِيرٌ مبِينٌ) أي ذاكر لكم عاقبة الكفر، وهو العذاب الشديد، مبين لكم ذلك وموضحه.
والاستفهام هنا إنكاري للتوبيخ؛ لأنهم اندفعوا في رميه بالجنون من غير أن يتفكروا.
وقد وردت آيات كثيرة في هذا المعنى فقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦).
فالله تعالى في هذه الآية يدعوهم إلى أن يتفكروا مجتمعين وفرادى، ومتذاكرين وستنتهون إلى أنه (مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ)، إثه الكامل فيكم صبيًّا وشابا ورجلا مكتملا، ولكنه العناد قد جركم إلى إنكار ما هو ثابت ثبوتا لَا مجال للريب فيه، وبعد أن دعاهم الله تعالى إلى التفكير في أمر النبي الصادق الأمين، دعاهم إلى النظر في الكون ليؤمنوا بالله وحده، فقال تعالى:
стр. 4058
(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)
عقيدة الإيمان الإسلامية شهادة أن لَا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنه الصادق الأمين، وقد بين سبحانه في الآية السابقة أن صدق محمد ﷺ ثابت عند المشركين لصحبته لهم قبل أن ينادي بأنه رسول رب العالمين، ولم تتغير حاله
стр. 4059
بعد الدعوة وليس به جنون كما ادعيتم ولكنه حمل الرسالة بالإنذار والتبشير لكم فلا مسوغ لكم في تكذيبه، وقد علمتم من ماضيه فيكم أنه الصادق، وتأيد صدقه بالمعجزة الباهرة القاهرة فيكون كل ما جاء به حق.
وإنه إذا ثبتت المعجزة، وإنها ثابتة لَا محاله، فقد ثبت كل ما جاء به ودعا إليه من التوحيد، وألا يشركوا بالله شيئا.
وقد أخذ يثبته بالأدلة الكونية، وقد دعاهم - سبحانه -
إلى النظر في الكون، وما خلق من شيء فقال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) الملكوت صيغة مبالغة في الملك، وهي تدل على كمال السلطان وقوة الملك، وأن كل شيء في هذا الملكوت لَا يسير إلا بأمر الله تعالى ونهيه والاستفهام للتعجب من أمر المشركين الذين هبط حالهم إلى عبادة حجر لَا ينفع ولا يضر، وهو ملقى ككل الحجارة الملقاة ولا ينظرون إلى الكون العظيم وخالقه، لَا ينظرون إلى السماء وأبراجها والشمس وضوئها، والقمر ونوره، وتعاقب الليل والنهار، ولا إلى الأرض وسهولها وأوتادها (وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ)، والأشياء التي خلقها الله تعالى من حيوان، وجماد وفلزات في باطن الأرض، لَا ينظرون إلى ذلك ويسجدون للصنم، ويجعلونه إلها كخالق هذا الكون، وخالق الوجود كله! إن هذا قصور في الفكر والعقل، وضلال في القول والعمل، وخبط في العبادة صن غير إدراك.
وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) الفعل فيها عطف على فعل محذوف تقديره أيشركون بالله أصناما، ويجعلونها أندادا له - سبحانه وتعالي - ولم ينظروا إلى خلق الله وعظم هذا الخلق، والأثر يدل على المؤثر، والمخلوق يدل على الخالق سبحانه، وهذا الكلام فيه دعوة إلى النظر في الكون، (وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) في السماء والأرض، فقد قال تعالى: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. . .)، وقال تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)
стр. 4060
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠).
وقال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢).
وهكذا يجب ابتداء النظر إلى الكون وما فيه، وإلى النفس الإنسانية وما هي، ومم تكونت، ولقد أمر الله تعالى في الآية بالنظر إلى مآل الإنسان، وأنه داع إلى الاعتبار، ولا يمكن أن يكون قد خلق عبثا، فقال تعالى: (عَسَى أَن يَكونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ)، و " أنْ " هنا مخففة من " أنَّ " الثقيلة، وإنها ضمير الشأن، أي: وأنه الحال والشأن أن يكون قد اقترب أجلهم.
والله يذكرهم بضرورة النظر إلى الموت، وإلى أن الأجل الذي أُقِّت لحياتهم انتهى، وهذا التذكير فيه فوائد:
أولاها - أن غرور الحياة يدفع إلى الطغيان فيها، فينهوي إلى ضلالها، فإذا ذكر بالموت علم أنها فانية فيقل طغيانه وغروره بها وتلك نافذة إلى الإيمان.
ثانيها - أن تذكر الموت يدفع إلى التفكير في قيمة الحياة فإذا عرف قيمتها عرف قيمة الدنيا؛ ولذلك كان بعض الصالحين إذا عزى في وفاة قال: اللهم انفعنا بالموت، لأنه عبرة وفيه إنذار بالنهاية فإن لم يؤمن باليوم الآخر، فالحياة تكون لغير غاية.
ثالثها - أن التفكير في الموت والنظر فيه يدفع إلى الإيمان باليوم الآخر، وأن حياته ليست عبثا كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعونَ). إنها آيات الله البينات، فيها عبرة وعظة لقوم يؤمنون.
ولقد قال تعالى من بعد ذلك في استفهام تعجبي: (فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر تقديره إذا لم يؤمنوا بالله الخالق المنشئ المدبر، وآياته الدالة عليه ولا في الموت النازل بهم لَا محالة، إذا لم يؤمنوا بذلك، فبأي حديث يحدَّثون به يؤمنون.
стр. 4061
والاستفهام إنكاري توبيخي، هو نفي لإيمانهم بأي حديث مهما يكن، وذلك فيه توبيخ، وفيه إثبات أن أمثال هؤلاء لَا يؤمنون بشيء وفقدت قوة الإيمان بأي أمر، ومن فقد أصل الإيمان بالأشياء فهو حائر بائر ضال لَا يهتدي؛ ولذا قال الله تعالى بعد ذلك:
стр. 4062
(مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)
إن من لَا يؤمن بشيء كتب الله تعالى عليه الضلالة؛ لأنه سلك طريق الغي، واتخذه سبيلا، فسار فيه من غير تبصر، وبذلك كتب الله تعالى عليه الضلال، وعبّر عنه بأن الله أضله، فإن الله لَا يكتب الضلالة إلا لمن سار في طريقها، واختار سبيل الغي، ولم يختر سبيل الهدى، وإن من يكتب الله تعالى عليه الضلالة - لَا هادي له لأنه ارتكس في الشر، ولم ينقذه الله تعالى منه، لأنه اختاره، ولذا قال تعالى: (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَه)، أي من سار في طريق الغي، حتى بلغ نهايته فقد أضله، ومن كتب الله تعالى عليه الضلال فلا هادي له؛ لأن الضلالة استمكنت في نفسه وتغلغلت في أطوائها (١)، فلا مدخل للنور في قلبه الذي ختم الله تعالى عليه.
وإن الله يتركه في ضلاله، وقد قال تعالى: (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)، أي يتركهم الله تعالى في (طُغْيَانِهِمْ)، أي ظلمهم الطاغي الذي تجاوز كل حد، فطغيانهم يكون ظلما لأنفسهم، وظلما للناس وعُتُوا عليهم واستكبارا في الأرض، (يعْمَهونَ) أي يتحيرون ويترددون، والتحير أو التردد هنا في موضعه؛ لأنهم خالفوا الفطرة وقاوموها، فهم في حرب معها، وإذأكانت الحرب داخلية نفسية فإن الإنسان يكون في حيرة مستمرة بين فطرة تدعوه إلى ألا يطغى ولا يظلم، وبين حال قائمة قصدها، وهي ما عليه من طغيان وعتو، والله - سبحانه - لطيف بعباده، ولي لمن اهتدى ولم يخالف فطرته التي فطر الناس عليها.
* * *
стр. 4063
الساعة
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)
* * *
يقول ابن كثير: إن هذه الآية مكية، وإن كانت في سورة أكثرها مدني، وإن لذلك موضعا فيما نقول عن السائل من هو؟ فقيل: إن السؤال من يهودي ليعجز النبي ﷺ ، وعلى ذلك يرجح كون الآية مدنية، وقيل - ويرجحه الحافظ ابن كثير - إن السائل من قريش قالها استبعادا لوقوعها، واستعجالا لها لأنه لَا يؤمن بها، كأنه يقول للنبي ﷺ : إن كنت صادقا فبين متى تجيء كما قال تعالى: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ). وقال تعالى عن كفار قريش: (وَيَقُولُون مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كنتًمْ صادِقِينَ).
ونقول: إن السؤال عن الساعة يرد على خاطر المؤمن والكافر، فالكافر يسأل مستبعدا، والمؤمن يسأل لأنه مؤمن بها، والعقل طُلَعَة يريد أن يعرف زمانها، وتعرف المجهول المستور غاية من غايات العقول، تتطلع لعرفته.
سؤالهم ذكره الله تعالى بصيغة
стр. 4064
(أَيَّانَ مُرْسَاهَا) المرسى: اسم زمان أو مكان، ويطلق على مرسى السفن، ونهاية مسير المركب إلى الأرض اليابسة.
стр. 4065
والمعنى يسألون عن وقت تنتهي إلى المرسى الذي ترسى إليه أو إلى الزمن الذي ترسى إليه، وتنتهي عنده، فشبه زمن وجودها بالمرسى الذي ترسى عنده السفن، ويكون المعنى على هذا أيان ينتهي الزمن إليها، وأي قدر من الوقت يمضي حتى نعرف منتهاها.
أجاب النبي ﷺ بقوله الذي أمره به ربه (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي)، أي إن علمها عند ربي وحده لَا يعلمها أحد سواه، ولذلك عبر - سبحانه - بـ " إنما " الدالة على القصر، ولقد صرح الله تعالى بهذا القصر، وقال تعالى على لسان نبيه الكريم: (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ)، أي لَا يوضحها في وقتها إذ يجيء إلا الله، فاللام هنا بمعنى " في "، كما قال تعالى: (أَقِم الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ. . .)، أو تتعلق بمحذوف، ويكون السياق هكذا لَا يوضحها ذاكرا لميقاتها إلا الله تعالى.
(ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وقد وصفها الله تعالى بأنها تثقل على النفوس، لأنها تشتمل على وقت الحساب، والكافر يحس بعظم ما ارتكب، والمؤمن لَا تزين له أعماله فيحسبها كلها حسنة فهو مُشفق منها، والمغتر بما عمل من أعمال حسنة فهو مشفق منها، ثم هي عندما تجيء يختل نظام الكون ويضطرب، فإذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت الكواكب والنجوم، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، فثقلت على النفوس وصعب احتمال ما يصحبها.
وإنها تكون حيث لَا علم بها، ولا توقع لها؛ ولذلك قال: (لا تَأتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) إلا مباغتة لَا تتوقعون مجيئها، وذلك يزيد في ثقلها.
وقد ذكر النبي ﷺ أشراطا لها، تنذر بقربها، ولكنها لَا تعين ميعادها، وإذا جاءت لَا تنفي أن مجيئها كان بغتة، فالأشراط مقربة للزمان، وليست معينة له.
ويقول الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) وقالوا: إن " حَفِيٌّ " معناها عالم، وعُدِّي بـ " عن " على معنى كأنك عالم شيئا عنها، وقد فسرها عبد الله بن