← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

كلمات الله التامة الكاملة التي لَا يعادلها أو تقارب أي كلام من البشر، والذي تحدى الناس أن يأتوا بسورة منه فعجزوا فقامت عليهم الحجة. ورجح بعض المفسرين أن كلمات الله تعالى لَا تخص القرآن وحده، وإن كان أكملها، وأبقاها، إنما يشمل الكتب التي نزلت على النبيين من قبل من التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهما مما لم يذكره الله وإن هذا يدل على أن رسالة كل الأنبياء واحدة. وذكر الإيمان بالله وبكلماته في هذا الموضع للدلالة على أنها رسالة واحدة، وهي الإيمان بالله وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس بوالد ولا ولد. وإذا كان النبي ﷺ على هذه الأوصاف السامية التي اختصه الله تعالى بها فإن الإيمان به واجب، واتباعه اتباع لأمر الله ونهيه؛ ولذا قال تعالى: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكمْ تَهْتَدُونَ)، الفاء لربط ما قبلها بما بعدها يالإفصاح عن سببيتها لرجاء الاهتداء، والرجاء من العباد لَا من الله تعالى؛ لأن الله تعالى لَا يرجو إنما يرجو عباده، يرجون بالإيمان بالنبي ﷺ واتباعه أن يهتدوا إلى الحق والبر، فيهتدوا إلى الجنة وهي نعم الجزاء الأوفى. والآية دليل على عموم الرسالة المحمدية، وأنه ﵇ بعث للألوان كلها، وكما قال ﷺ : " كان كل نبي يبعث في قومه، وإنما بعثت في الأحمر والأسود " (١) وروى مسلم عن النبي ﷺ قال: " والذي نفسي بيده لَا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لَا يؤمن بي إلا دخل النار " (٢). * * *

стр. 3992

عود إلى بني إسرائيل (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) * * * إن القرآن الكريم ينصف القلة من الكثرة، فإذا كانت الكثرة طاغية عاتية، وفيهم قلة هادية مرشدة؛ يذكر القرآن الكريم أهل الخير من بينهم، وإن طغى الشر في جمعهم، وصار الفساد هو المظهر فيهم. ولذا قال تعالى في وسط بيان مآثم اليهود:

стр. 3993

(وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَق)، أي ومن هؤلاء الذين كانت فيهم عبادة العجل، وكان منهم من قالوا: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، من هؤلاء جماعة كأنهم أمة وحدها منفصلون

стр. 3994

بشعورهم وعقولهم عنها؛ ولذلك عبر بأمة من حيث إنهم قد اجممعوا على طاعة الله وطاعة رسوله موسى، وذكرهم منتسبين إلى موسى، إشارة إلى اتباعهم له، وأنهم قومه الحقيقيون الجديرون بنسبتهم إليه، وهم منه وهو منهم وذكر الله تعالى لهم وصفين هما كمال في كمال: أولهما - أنهم يهدون بالحق، أي أنهم في وسط انحراف بني إسرائيل إخوانهم وبني جلدتهم ونسبهم يدعون بالحق، أي يعلنونه ويدعون إليه، ويؤمنون به غير محرفين، والهداية بالحق كلمة جامعة للدعوة بكل ما هو خير، يهدون إلى التوحيد، وهو الحق أو من الحق، ويدعون إلى طاعة موسى وهي حق، ويدعون إلى شكر نعمة الله التي أنعمها عليهم،، ويذكرون آلاء الله تعالى عليهم، ونجاتهم من فرعون، ويعبدون الله وحده. الوصف الثاني - ذكره الله تعالى بقوله: (وَبِهِ يَعْدِلُونَ)، أي بالحق وحده يزنون كل شيء، فيزنون كل قول وفعل يكون في جماعتهم بميزان الحق وحده لا بميزان الهوى والشهوة، فإنها والحق نقيضان لَا يجتمعان. وقدم الجار والمجرور للدلالة على قصر الحكم على الحق وحده لَا يحكمون بغيره، ولا يتجهون لسواه، وهذا النص الكريم مثله قوله تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)، وقوله تعالى: (. . . مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مقْتَصِدَةٌ وَكثِيرٌ منْهمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ). وهكذا شأن الكتاب الحكيم لَا يدغم الخير في الشر، بل يخص الخير بالذكر، ويخرجه من وسط ظلمات الباطل. وقد أخذ يعرض من بعد ذلك قصص الذين انحرفوا عن الحق من بني إسرائيل، ومنعوا وصول الحق إلى قلوبهم. وقد ذكر بعض هذا القصص في آيات أخر، ولكنه سيق لَا لأجل التكرار، بل لأنه تكملة لعبرة جديدة تساق، ولا تذكر مقطوعة عن أصلها، ولأن الذي لم

стр. 3995

يذكر في الماضي لَا يتم بيانه إلا بربطه بما مضى من القول، ليكون الكلام بينا ولتكون العبرة واضحة بينة. ابتدأ بذكر تقسيمهم إلى أسباط، وشعب بني إسرائيل فقال تعالت حكمته: * * *

стр. 3996

(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ... (١٦٠) * * * قلنا: إنه ليس في القرآن قصة مكررة تكرارا كاملا من غير زيادة، إنما الذي في القرآن يكون التكرار لخبر لم يذكر في القصة في موضع، وبذكر في الموضع الآخر، ويقتضي إعادة أجزاء ذكرت ليكون التناسق بين القصة في أصلها وفي أحداثها، وكذلك الأمر في قصة أسباط بني إسرائيل، فلم يذكر تقسيمهم من قبل هذه الآيات في القرآن، وفي هذه ذكر خبر التقسيم، وحكمته، ذلك أن بني إسرائيل قطعة جماعية واحدة، فرقها الله تعالى أقساما ليعنى كل قسم بنفسه، ويندمج من بعد ذلك في المجموع بالتأليف، فإن الجماعات لَا تصلح بمجموعها ابتداء، إنما تصلح بأجزائها أولا ثم تنضم الجماعات الصغيرة أو الأجزاء بعضها إلى بعض، وتتآلف صالحة متعاونة على البر والتقوى غير متعاونة على الإثم والعدوان؛ ولذلك كان في سنة الاجتماع إصلاح المجتمعات الصغيرة في القرية أو أحياء المدينة، لتتآلف مع المجتمع الأكبر، كما فعل النبي ﷺ في الأمة الإسلامية التي ابتدأ بها المجتمع في المدينة، وكما قوى الإسلام مجتمع الأسرة، ليكون بتآلفه قوة المجتمع الأكبر. قسم الله تعالى بني إسرائيل أسباطا، لتتعاون كما يتعاون أقارب القاتل خطأ في دفع الدية. والأسباط جمع سبط وهو الفرع من فروع بني إسرائيل، وقال بعض الكتاب: إنه بمنزلة القبيلة في العرب، ولكن على أساس التعاون والمناصرة، لَا على أساس المعاداة بين القبائل والعصبية، كما هو في جاهلية العرب.

стр. 3997

وقوله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) فيه إشارتان بيانيتان: إحداهما - في التعبير بكلمة (قَطَّعْنَاهُمُ) فإنها تدل على كمال الصلة بينهم، وأنهم كقطعة واحدة، قطعت أجزاؤها وهي متجاذبة يجذب بعضها بعضا لا نفور بينها ولا تنافر، بل تواصل وتراحم بينهم، ولكن ليصلح كل أمره في خيره ويلتقى الجميع على مودة ورحمة. وثانيتهما - أن قوله: (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) عبر بالجمع الدال على تأنيث المعدود مع أن أسباطا ليست جمعا لمؤنث، بل جمع سبط، وهو ولد الولد ولكن قالوا إنه بعد ذلك قال: (أُمَمًا) على أنها بدل، أي أن هؤلاء الأسباط أمم فلوحظت كلمة أمم، وهي غاية التقسيم، وهي جمع أمة وهي مؤنث لفظي. وذكر التعبير عن الأسباط بالأمم لمعنى التعاون بين كل سبط كأنه أمة مجتمعة متحيزة متعاونة في الخير، ثم من بعد ذلك يكون التعاون بين أمة بني إسرائيل، وهي الجماعة الكبرى لهم. ولقد ذكر سبحانه أحكاما ذكرت من قبل على أنها نعمة في ذاتها، وتذكر الآن على أنها اجتمعت لطلب النعمة، واجتمع بعضها على الكفر بها، فذكر - سبحانه - ما طلبوه، وذكر - سبحانه - ما أكرمهم به رفعا للألم عنهم. وأول أمر طلبوا وهم في هذه الصحراء المجدبة الاستسقاء أي طلب الماء لشربهم فقال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) انبجست أي انفجرت، وكلمة انبجست تدل على أن الانفجار كان من حجر، لَا من تراب سهل، وهو موضع من مواضع الإعجاز؛ لأن خروج الماء من الأرض السهلة كثير معهود، ولكن خروجه من الحجر هو أمر خارق للعادة وكانت المعجزة الأخرى أنها انفجرت عيونا على قدر عددهم، وهو اثنتا عشرة عينا، فكان إخبارا بأن كل سبط له عين قائمة بذاتها.

стр. 3998

وقد قال تعالى: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أناسٍ مشْرَبَهُمْ) معناها أنه علم كل سبط من الأسباط المكان الذي يشرب منه فلا يتزاحموا على مشرب واحد، فيأخذ كل الماء براحة من غير مشاحة ولا تزاحم. والنعمة الثانية - أن الله تعالى ظللهم بالغمام ليدفع حر النهار ووهج الشمس، فقال تعالى: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ). والنعمة الثالثة - أن الله أطعمهم في وسط هذه الأرض المجدبة التي لَا زرع فيها ولا ثمر، فقال: (وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) وقد ذكرنا معناهما في سورة البقرة، وكيف تململوا منها مع طيبها، وجودة غذائها، وأمرهم سبحانه أمر إباحة بأن يأكلوا منها طيبة، فقال تعالى: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَما رَزَقْنَاكمْ) و " من " هنا بيانية والمعنى كلوا طيبات ما رزقناكم، والمغزى وصفها بأنها طيبة كلها، ومن البيانية دالة على كمال طيبها، وكمال الإنعام بها. ولكنهم كفروا بالنعمة ولم يقوموا بشكرها، وما ظلموا الله بكفر النعمة، ولكن ظلموا أنفسهم بهذا الكفر لأنه انهواء لنفوسهم، وحط من كراماتهم، وتسهيل للذلة عليهم، لأن الطاعة عزة، والعصيان ذلة لذوي النفوس المدركة، ولذا قال سبحانه: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، أي لم يظلموا إلا أنفسهم، ولذا قدم الجار والمجرور على الفعل، وتأكد ظلمهم لأنفسهم وحدها بـ " كانوا " الدالة على الاستمرار باستمرار عصيانهم، والله تعالى هو العدل الحكيم. وقد ذكر ما كان منهم من الكفر بهذه النعمة، فقال: * * *

стр. 3999

(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) * * * طلبوا أن يغيروا نوع الطعام الذي أنزله تعالى عليهم، وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وهو الذي كان في الصحراء إذ أنزل عليهم المن والسلوى، فأمرهم الله تعالى أن يدخلوا قرية فيها الطعام الذي يريدونه وقال لهم: (اسْكُنُوا هَذِهِ

стр. 4000

الْقَرْيَةَ) التي فيها أنواع من الأغذية فيها فومها وقثائها، وسائر بقلها، وقال لهم مبيحا لهم الطيب منه: (وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ)، أي مكان للنبت شئتم، مما تنبت الأرض، من طعام مختلف ألوانه. وأمرهم - سبحانه - وقد مكنوا من العيمش الذي يريدونه رغدا أمرين: أحدهما أن يقولوا حطة، والثاني أن يدخلوا ساجدين. ومعنى حطة: دعاء الله تعالى أن يحط عنهم ذنوبهم التي ارتكبوها، من عبادتهم للعجل، وطلبهم أن يكون لهم آلهة، كما لهؤلاء آلهة، ومن كفرهم الله، ومن قولهم لموسى: (. . . لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نرَى اللَّهَ جَهْرةً. . .)، وأمرهم سبحانه على لسان موسى ﵇ أن يكونوا مع ذلك خاضعين خاشعين ساجدين، وهذا ما دل عليه قوله: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سجَّدًا)، أي ادخلوا باب المدينة سجدا، أي خاضعين خاشعين، أي طالبين في ضراعة غفران الذنب. وقد سرنا في هذا على أن القرية قرية تحقق فيها ما طلبوه من ألوان الطعام، ولكن بعض المفسرين ذكر أنها الأرض المقدسة أو بيت المقدس، فما مقدار قولهم من الصحة. لقد ذكر الله في سورة المائدة ما يفيد أنهم لم يدخلوها في حياة موسى ﵇ بل دخلوها من بعده فقد قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا

стр. 4001

فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦) * * * وإن هذه الآيات الكريمة تومئ إلى أن دخول الأرض المقدسة رغبوا فيه في عهد موسى، ولكن لم يدخلوها في عهده ﵇ ولكن دخلوها في عهد الأنبياء من بعده. والآيات الكريمة التي نتكلم في معانيها السامية تومئ إلى أن طلب دخول القرية كان في عهد موسى ﵇ لأنه متناسق مع ما قبلها وما بعدها. ولذا نميل إلى أن هذه القرية غير الأرض، وإن الأرض المقدسة ذكرت بعنوان الأرض المقدسة، لَا بعنوان القرية فإنها ليست ككل القرى. وقوله تعالى: (نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ) جواب فعل الأمر في قوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبًابَ سُجَّدًا). وقد زادهم الله تعالى نعمة فوق نعمة الغفران، وهي نعمة الثواب، والرحمة بنعيم الجنة، فقال تعالى: (سَنَزيدُ الْمُحْسِنِينَ) والسين لتأكيد الزيادة للمحسنين وهم الذين يؤدون واجبهم، ويخلصون لربهم. ولكن لم يغفر الله لهم خطاياهم، لأنهم لم يطيعوا وعصوا عابثين بأمر ربهم؛ ولذا قال سبحانه:

стр. 4002

(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) طالبهم الله تعالى بأن يقولوا وهم يدخلون: حطة، أي حط علينا ذنوبنا، فبدلوا ذلك الأمر المعنوي الذي كلفهم الله تعالى، وهو غفار لمن تاب، بدلوه بما يدل على ماديتهم، واستغراق الملاذ الجسمية، فقالوا: " حنطة " أي طعاما، فماضيهم كحاضرهم لَا يطلبون إلا المادة ولا يبغون غيرها سبيلا ولا مطلبا، وكأنهم يستخفُّون بأمر الله تعالى، وطلب غفرانه، ويطلبون ما تهوى أنفسهم، فلا يطلبونه، كما تقول لرجل اطلب مغفرة الله، فيطلب مأكلة لَا مغفرة.

стр. 4003

وذلك كفر يضاف إلى كفرهم، ولذا قال : (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ). أي أن الله تعالى عاقبهم عقوبة دنيوية بعذاب أنزله الله تعالى بهم من السماء بأن أرسل عليهم حاصبا يتعبهم ويعذبهم ولا يبيدهم، وقيل لطاعون أصابهم، والله أعلم بما أنزل بهم، وما دام سبحانه لم يبينه، فلنعلمه ولا نفصله؛ لأنه سبحانه لم يفصله، وقوله تعالى: (بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ) أي بسبب ظلمهم، واستمرارهم عليه، فلا يرعوون عن عيهم، ويلاحظ هنا أمران: أولهما - أن الله نسب تبديل القول إلى بعضهم دون كلهم، فقال تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) وكأنهم كانوا صنفين ظالما وعادلا، فبدل الظالم ولم يبدل العادل، ولكن في العذاب ذكرهم جميعا، ولم يذكر بعضهم، فهل طغى ظلم الظالمين على غيرهم كقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِين ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةَ. . .). الظاهر ذلك؛ لأن العادلين رأوا ولم يَنْهَوْا، ولا يأخذ الله العامة بظلم الخاصة إلا إذا رأوا الظلم ولم ينكروا. وثانيهما - أن الذي ذكر في سورة البقرة في هذه القصة: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. . .)، ولم يذكر منهم، وقال تعالى: (. . . بِمَا كَانوا يَفْسُقُونَ)، وهنا (بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ). وإنه بمجموع الآيتين يستفاد أن الذين بدلوا كانوا الكثرة، فحكم بما يعم لأنه الغالب، وفي الثانية نسب الظلم إلى بعضهم، وإن كانوا الأكثر عددا، والأقوى صوتا. والتعبير في سورة البقرة بالفسق يدل على الانحراف العقلي والنفسي والخروج عن الحق، وفي هذا الموضع بالظلم وهو الإيذاء بالفعل للنفسر، والكفر، وهما متقاربان من حيث إنه يلزم كل واحد الآخر. * * *

стр. 4004

يوم السبت (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) * * * الخطاب للنبي ﷺ مأمورا بأن يسأل اليهود الذين عاصروه ﵇ عما كان من أسلافهم، ويقرونه ويرضونه، ولقد ذكر اعتداءهم في يوم السبت، وظلمهم فيه. وفي هذه الآية الكريمة يذكر اختبارهم بالحيتان تجيء في هذا اليوم، ولا تجيء يوم لَا يسبتون؛ أي في يوم لَا يكون يوم السبت، وذلك ليعاملهم الله معاملة المختبر لهم حتى يتميز الخميث من الطيب، وحتى تظهر حالهم، ومقدار قوة إيمانهم، وما تخبئه نفوسهم، وما تنطوي عليه جوانحهم.

стр. 4005

(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ)، أي بجواره، يقال حضره إذا قاربه وداناه، فمعنى حاضرة البحر مشرفة عليه دانية منه على سيفه، وقد سجل الله تعالى في هذه الآية أمورا ثلاثة:

стр. 4006

أولها - أنهم كانوا لَا يحترمون السبت، ولا يلتزمون حدوده، وهذا معنى قوله تعالى: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ)، أي في الوقت الذي كانوا لَا يلتزمون حدوده، بل يعدونه ويتجاوزون ما أمروا فيه. وثانيها - إن الله تعالى يكشف حالهم، ويعاملهم معاملة المختبر لهم، (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ) " سبتهم " فيه إضافة اسم اليوم إليهم لأنه اليوم الذي فرض عليهم ألا يقوموا بالصيد، وقوله: (وَيَوْمَ لا يَسْبِتونَ)، أي لَا يكونون في يوم السبت، أي لَا يدخلون في السبت الذي يمنعون فيه من الصيد، والمعنى أنهم في يوم السبت تأتي حيتان السمك (شُرَّعًا)، أي شارعة معلنة نفسها، اختبارا لهم، ويوم لَا يكون الصيد محرما عليهم لَا يأتون. وقد اختبرهم الله تعالى ليكشف حالهم، ويهذبهم بأمرين: بتحريم الصيد يوم السبت ليفطموا شهواتهم ويقرعوا نفوسهم الشرهة، والسلطة عليهم، وثانيا - بأن تأتيهم حيتان السمك شرعا، لتثور شهوتهم ويقمعوها إن كانت فيهم إرادة، فإن لم تكن ربوها وهذبوها، وقدعوها عن شهواتها استجابة لأمر ربهم؛ فالنفس الشرهة التي تسيطر عليها الشهوة لابد من فطمها. وثالثها - أن الله تعالى ذكر أنهم كانوا يعدون في السبت، فمنهم من كان يتناول المحرم في السبت غير متأثم ولا متحرج ومنهم من يحتال، وقالوا: إنه كان يحفر حفرة بجوار البحر، ويعمقها فإذا جاءت حيتان السمك شرعا يوم السبت نزلت في هذه الحفر، فإذا جفت بعد قطع الماء عنها لَا تستطيع الخروج، فيأخذونها بأيديهم، وتلك حيلة تفوت معنى تقوية النفوس وتربيتها، وهم بذلك يعدون يوم السبت، لأنهم يخرجون بذلك عن الابتلاء الذي يكشف الله به نفوسهم. ولقد قال تعالى في حكمة تحريم الصيد يوم السبت، وإتيان حيتانهم شرعا فيه: (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، أي كهذا الذي صنعناه معهم من تحريم

стр. 4007

السبت ومجيء الحيتان فيه - نعاملهم معاملة المبتلى المختبر لتهذب نفوسهم وتربي إرادتهم، وذلك بسبب استمرارهم على الفسوق، وانحراف النفوس وخضوعها لشهواتها، ولأجل تعويدهم ضبط النفس، والصبر على الحرمان، فإن الصبر نصف الإيمان. وإن الله تعالى وصاهم، ودعاهم إلى الهدى، وشرع لهم ما يصقل نفوسهم ويهدي قلوبهم ولكن كتبت عليهم الشقوة فلم يهتدوا، ولقد شعرت بذلك أمة شهم، فقال عنها:

стр. 4008

(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ... (١٦٤) الأمة هي الجماعة المؤتلفة التي تجمعها فكرة واحدة وشعور متحد، بحيث يوائم كل واحد فيها من معه، و " إذ " ظرف زمان ماض، والمعنى اذكر يا محمد ذلك الوقت الذي هم فيه بلغ اليأس من اهتدى منهم حتى قالت منهم جماعة مهدية يائسة من إيمانهم، منكرة وعظ من يعظهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا)، والوعظ بيان الحق مقارنا بمغبة الباطل ذاكرا ما ترتب على الباطل من أذى لأهله، وهلاك لمن استمسكوا بالباطل استمساكا وتركوا الحق وانحرفوا عنه، والعاقل من اتعظ والجاهل من يأبه ولا يتعظ. يستفهم هؤلاء المهديون مستنكرين، أو متعرّفين الغاية، لم تعظون قوما قد تضافروا على الشر، وتقرر هلاكهم وهم على ضلالهم، وبعد هذا الهلاك يعذبهم عذابا شديدا، ما الباعث على ذلك، فيجيبهم فريق ممن اهتدوا وهم الواعظون: (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ)، أي يجب علينا أن نعظ لنعتذر إلى ربنا بأننا قمنا بحق بيان الهدى والنور، وليكون استحقاقهم الهلاك على الضلال بعد بينة أقيمت وحق أعلن، ونقدم هذه المعذرة إلى ربنا عن ضلالهم. وهذا كله على أساس أن المستفهمين مهديون وهو الأنسب لمعنى الآية، وفرض بعضهم أن المستفهمين هم الذين وقعوا في الضلالة، وكأنهم يقولون إنكم

стр. 4009

تحسبون أننا هالكون ومعذبون، ونحن مصرُّون، فاتركونا بضلالنا، حتى نلقى جزاءنا بزعمكم، ويكون الاستفهام لإنكار الواقع، وتوبيخ الواعظين على وعظهم. وإن ذلك تحتمله الآية الكريمة، ولكنا نميل إلى الأول، وقد قسم القرطبي في تفسيره اليهود إلى ثلاثة أقسام، ونسب التقسيم إلى جهود المفسرين، فقال: " قال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق، وهو الظاهر من الضمائر في الآية؛ فرقة عصت وصادت (أي يوم السبت). وفرقة نهت واعتزلت، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وأن هذه الطائفة قالت للناهية: لم تعظون قوما - تريد العاصية - الله مهلكهم، فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى الله ". وإن هذا تقسيم حسن، وإن الذين اعتزلوا، ولم ينهوا، وإن اهتدوا وأطاعوا، لم تتم طاعتهم وهدايتهم لأنهم لم ينهوا العاصين، وكمال هدايتهم في نهيهم، فالتناهي عن المنكر مطلوب من الذين اهتدوا. ولقد قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩). وإن المعذرة التي قام بها الناهون يرفعونها إلى ربهم تقربا إليه بقول الحق والدعوة إليه، والقيام بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورجاء أن يتقوا أو يخافوا العذاب، ويتوبوا إلى الله، ويقلعوا عن الذنوب التي وقعوا فيها؛ ولذا قال تعالى عنهم: (وَلَعَلَّهمْ يَتَّقونَ) ويكون الرجاء من هؤلاء، على حقيقة الرجاء؛ لأنه من المكلفين في شأن مكلفين. وإن ذكر الذين لاموا الناهين، وإجابة هؤلاء فيها دعوة للنبي ﷺ إلى الاستمرار على دعوته ومداومة موعظته، ولو كان المشركون يعاندون، ويصرون على شركهم (. . . إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ. . .)، فعليه أن يستمر على دعوته، ولو كانت حال موئس من الاستجابة فإن الله تعالى قد يغير من حال إلى حال.

стр. 4010

وقد عصوا أمر ربهم، وذكروا بموعظة قومهم فنسوا ما ذكروا، ومنهم من لم ينس فقط، بل استكبروا عاتين عن أمر ربهم، وقال تعالى في مؤاخذتهم فابتدأ بمن عتوا فقال تعالى:

стр. 4011

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) " الفاء " هنا لارتباط ما بعدها بما قبلها، أو للإفصاح عن شرط مقدر تقديره وإذا كان النهي من الناهين وتقدير المعذرة لرب العالمين، فقد كان استقبالهم لذلك، بين قوم نسوا ما ذكروا، ومن ذكروهم. والنسيان غفلة العقل عن تذكر ما نبه إليه، وقد يكون غفلة النفس عن إدراك ما ذكرت به، والنسيان غفلة النفس عن الحق بعد التذكير به، والمعنى حينئذ: ولما غفلوا عن الحق وأهملوه تاركين له كان أولئك بين يدي الحق - فريقين: فريق نهى وذكر، وفريق غفل الحق وأهمل، وذكر ما يستحق كل فريق: فقال فيمن ذكر ونهى: (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ)، أي عن الفعل الذي هو سيئ وليس بحسن في شيء، فهو سيئ في ذاته، وسيئ إلى الناس فيفسد جماعتهم، وإلى النفوس فيمرسها بالباطل، والحق فينكره، وتسوء عقباه بالعذاب يوم القيامة. أنجاهم الله تعالى لأنهم اهتدوا، ودعوا العصاة إلى الهداية فقاموا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأما الذين نسوا الذكر وغفلوا عنه وأهملوه فإن الله تعالى قال فيهم: (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ). بئيس مشتق من البأس، وهو الشدة والقوة، فالعذاب البئيس هو العذاب الشديد العنيف في ذاته الذي يلقي بالبؤس في ذاته. وعبر الله تعالى عن الذين نسوا ما ذكروا به بـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) لأنهم إذ نسوا ما ذكروا به استمرءوا الشر الذي وقعوا فيه، وأدى بهم ذلك إلى ظلم أنفسهم والناس والحق، فكانوا ظالمين، وكان العقاب الشديد البأس في ذاته بسبب ذلك

стр. 4012

الظلم لأن صحلة الوصول في (الَّذِينَ ظَلموا)، وهذا الظلم هو سبب العقاب الشديد. وقوله تعالى: (وَأَخَذنَا الَّذِينَ ظَلَموا) أي: أخذناهم من مراقدهم مصحوبين بعذاب شديد، فالباء للمصاحبة كقول القائل لمن أساء أخذناه بالعقاب، أي أخذناه مصاحبا للعقاب. وذكر سبب ذلك الأخذ الشديد، فقال: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)،، أي بسبب استمرارهم على الفسق الذي كان يتجدد ويستمر، والفسق الخروج عن الحق. وقد وصفهم الله تعالى بوصفين؛ وهما الفسق والظلم، والفسق هو الانحراف والخروج من نور الحق، والظلم ما ترتب على ذلك من إيذاء أنفسهم وإيذاء غيرهم. ولقد ذكر - سبحانه - أن أولئك الظالمين عتوا عن أمر ربهم، وبذلك خرجت نفوسهم عن أن تكون نفوسا آدمية، تدرك الحق وتعمل به، إلى خنزيرية شهوانية، تنزو نزو القردة، وتغلظ غلظ الخنزير، حتى لَا تسمع هاديا، ولا تجيب داعيا. قال تعالى:

стр. 4013

(فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) العتو: الاستكبار وتجاوز الحد في الظلم، مستكبرين سادرين في الباطل صادين عن الحق جاعلين الدعوة إليه دبر آذانهم، لم يكن ثمة سبيل لهدايتهم، فكان اليأس منهم، ويقول تعالى في نتيجة ذلك: (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) وقلنا هنا هي مقالة التكوين، أي جعلنا نفوسهم نفوس قردة نارية لَا تجدي فيها موعظة، ولا تهتدي بهداية، فهي كنفس القرد في شهواته ونزواته وانسياب نفسه في الشر من غير اعتبار بموعظة، ولا إدراك الحق ولا إيمان.

стр. 4014

وقوله: (خَاسِئِينَ)، أي مطرودين لَا يسمع لهم ولا يلتف إليهم، وهنا شبههم بالقردة، وفي آية أخرِى شبههم بالقردة والخنازير فقد قال تعالى: (. . . وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِير. . .)، ومن بيانية أي جعلناهم قردة وخنازير. وإنهم بسبب فساد نفوسهم، وتجردهم من الإنسانية المهدية جعلهم الله تعالى أذلة في الأرض فأذن الله تعالى لهم بمن يسومهم سوء العذاب. * * * (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) * * * في هذا القصص عبرة لأولى الأبصار، وفي أخبار بني إسرائيل العبرة الكبرى، إذ تقلبوا في النعيم، وعوقبوا بالنقم - فلم يشكروا النعمة، ولم تردعهم النقمة، وضلوا ضلالا بعيدا، ولذلك ساق الله تعالى أخبارهم للنبي ﷺ لتكون سلوانا له في معاندة المشركين الجاحدين، وتذكير النبي ﷺ بأحوالهم كثير في القرآن الكريم.

стр. 4015

(وَإِذْ) في قوله تعالى:

стр. 4016

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) هي دالة على الوقت، ومتعلقة بمحذوف تقديره اذكر، أي اذكر أيها النبي ذلك الوقت وتذكر أحداثه، واعتبر به في قومك وغيرهم ممن ناوءوك ويناوئونك ويعاندونك ويحاربونك، وتذكر هذه الأحداث من بني إسرائيل، واعتبرها في بني إسرائيل الذين عاصروك، ويعاندونك ويتمالأون مع المشركين في عداوتك ومحاربتك. و (تَأَذَّنَ رَبُّكَ)، معناها آذنهم بقوة وشدة، فتاذن بمعنى أذن بشدة، ولشدة الإيذان والإعلام كانت متضمنة معنى القسم؛ ولذلك كان فيها لام القسم، وفيها نون التأكيد التي تلازم جواب القسمِ (لَيَبْعَثَنَّ) جواب القسم أو في معنى جواب القسم (عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)، وعدَّى بـ " على " دون " اللام " للإشارة إلى علوه عليهم وتغلبه وسيطرته، وأنهم يكونون دونه وهو فوقهم مستعليا قاهرا. و (يَسُومُهُمْ) يعني يذيقونهم (سُوءَ الْعَذَابِ)، أي العذاب الذي يسوؤهم، ويؤذيهم، ويكون عاقبة سوء لهم، وبئس المصير، وقد صدق وعد الله تعالى فإنه قد سيطر عليهم وعذبهم في الأرض من الشرق بختنصر والكلدانيون، ومن الغرب الرومان قبل بعث المسيح وبعده، وكانت الذلة مفروضة عليهم، واصطنعوا مع الرومان النفاق وهو صنيع الأذلاء، فنمُّوا على السيد المسيح عند سادتهم ونجى الله تعالى عيسى من الفريقين الغالب والمغلوب والقاهر والمقهور، وأذاقهم الرومان من بعد أن دخلوا في النصرانية، أكؤسا من الذل والهوان، واستمروا في أوربا أذلاء مقهورين يتَّسمون بالخسة والهوان، حتى وإن الأوربيون في أنفسهم مثلهم، ولقد صدق الله تعالى إذ يقول: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦).

стр. 4017

وقد يقول قائل: إن لهم في هذه الأيام غلبا، فهم يسيِّرون دفة الأمور في الأرض الجديدة، وإن كانوا عددا قليلا، وهم يتحكمون في مال الدنيا وخيراته، وهم قد اقتطعوا من أرض العرب قطعة طاهرة مقدسة. ونقول في ذلك: إنها فترة صغيرة في حكم الزمان، وعرض من أعراض الحياة الفاسدة في الأرض، وهم الأذلاء وإن بدوا في غطرسة، فمن يستمد القوة من غيره ذليل، ولو حكم وملك، ولقد قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفوا إِلَّا بِحَبْلٍ منَ اللَّهِ وَحَبْل مِّنَ النَّاسِ. . .). ولقد صدق الله إذ يقول: (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ)، أي إن العقاب الذي ينزله تعالى سريع مؤكد وقوعه، والسرعة هنا تطوى في ثناياها معنى الشدة، لأنه يفجؤهم من حيث لَا يحتسبون، ويجيئهم من حيث لَا يتوقعون فيكون أشد وأقسى. وإنه بجوار عذابه للمعاندين الكافرين المستكبرين تكون رحمته ومغفرته للمؤمنين المتقين، ولذا يقول تعالت كلماته: (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رحِيمٌ)، أي أنه يغفر الذنوب جميعا برحمته، وقد أكد غفرانه ورحمته بالجملة الاسمية، وبإن، وباللام في خبر إن، وكذلك كان تأكيد العقاب. وقد تفرف بنو إسرائيل في الأمم، وكان منهم الصالحون، ومنهم القاسطون، ولذا قال تعالى:

стр. 4018

(وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ... (١٦٨) إن الله تعالى كتب على المعاندين من بني إسرائيل الذلة إلى يوم القيامة، وحكم فيهم القاهرين من المغول، والرومان، وأهل أوربا، حتى ضلوا بهم، ومن أخذهم برفق أخذوه بالعنف والدس اللئيم. أشار - سبحانه - إلى أنه كان من بعد موسى أخيار صالحون، وأشرار فاسدون، فقال: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أممًا)، أي فرقناهم في الأرض أمما، أي جماعات منفصلة عن غيرها، كأنها أمم قائمة بذاتها،

стр. 4019

والتعبير بـ (قَطَّعْنَاهُمْ) يدل على أنهم وإن دخلوا في أمم أخرى في الأرض متصلون بعضهم ببعض، وكذلك الأمر في شأنهم كما نراهم حتى اليوم، وإن هذه الجماعات التي تفرقت كانت في الماضي (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) قائمون بالحق آخذون به مهتدون بهدْي الكتاب الذي نزل على موسى ﵇ (وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ)، أي دون الصلاح، أي ليسوا صالحين، وعبر سبحانه بقوله: (دُونَ ذَلِكَ) للإشارة إلى أن الصالحين في المنزلة العليا مهما يكن حالهم من فقر أو غنى، وأن غير الصالحين في المنزلة الدنيا مهما كانوا من سطوة ومهما يكونوا من غنى وقوة، فالصلاح له العلا، والفساد له المنزلة الدنيا مهما يكن حال أهله. ويذكر أنهم وهم متفرقون في الأرض إنما يختبرهم سبحانه بالحسنات، فإن شكروها كانوا صالحين، وإن كفروها كانوا في المنزلة الدون، ويختبرهم بالأمور التي تسوء فإن صبروا أُجِروا، وإن جزعوا فإن اعتبروا اهتدوا، وإلا فهم في ضلال بعيد، وذلك كقوله تعالى: (. . . وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. . .). والحسنة هي الحال الحسنة كالخصب وتوفير الرزق، والاطمئنان. والسيئة الحال التي لَا تسر، بل تسيء كالجدب والآفات، والله هو الحكيم الخبير. وإن ذلك الاختبار بالحسنة والسيئة وتوالى الأمرين، والضراعة في حال النقمة، رجاء أن يوفوا قدره وأنه هو الذي ينفع ويضر، وأنه هو القادر على كل شيء، وإذا عرفوا ذلك وآمنوا به رجعوا إلى الحق ورجعوا إلى ربهم واهتدوا؛ ولذا قال تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، أي أن الله عاملهم معاملة من يريد أن يرجعوا إلى جنابه الأعلى وساحته العليا، فيهتدوا بعد بُعْدٍ عنه سبحانه. كان هؤلاء فيهم الصالحون ومن هم دون ذلك، وكلما تقادم العهد وطال بينهم وبين موسى ﵇ قست فلوب الأكثرين، ولذا كان الأكثرون من

стр. 4020

الأخلاف فيهم الشر أوضح، وقال تعالى في ذلك:

стр. 4021

(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ... (١٦٩) إن الذين سبقوهم كان منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، أما الذين جاءوا من بعدهم فالشر قد غلب فيهم وظهر على سطح جماعتهم، واختفى الخير، وإن كان موجودا فهو في كِن غير ظاهر، وصار جوهم العام فاسدا، والعبرة في فساد المجتمعات أن يكون الفساد هو الظاهر، والحق مختفيا وإن كان موجودا وقائما، ولكنه مغلوب. (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) - الخلف بالسكون العقب الذي لَا خير فيه، ومن ذلك قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩). وقد قال الله تعالى فيهم أمورا تثبت وهن اعتقادهم وفساد أعمالهم: ذكر أولا أنهم ورثوا الكتاب أي جاءهم علم الكتاب، وهو التوراة، بالوراثة لا بالتلقي، فلم يفتحوا له صدورهم ولكن جاء إليهم من غير أن يتدارسوه ويتقبلوه، والشيء الموروث الذي لَا يقوم عليه وارثه يكون حجة عليه، ولا ينتفع وذكر ثانيا نظرهم إلى هذا الكتاب ونظرهم إلى الدنيا وعرضها، إذ ينظرون إليه على الغرض المقصود، والمطلب المنشود؛ ولذا قال سبحانه عنهم: (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى) - أي يأخذون عرض هذا العيش الأدنى وهو أدنى معيشة في الحياة، أي يطلبون أدنى ما في الحياة من متاع، ويطلبون المتاع الأدنى وهو الحرام، ويستمرئونه فيأكلون السحت والرشوة والربا ويتناولون الحياة في صورتها المحرمة، ويحسبون أن الاستغفار يمحو ما فيها من عصيان، ولا يتوبون توبة نصوحا، إذ إن من أركان التوبة النصوح ألا يعود إلى الذنب الذي اقترفه، ولكنهم يعودون؛ ولذا

стр. 4022

يقول سبحانه: (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ)، وهكذا يتوالى أخذ الآثام والاستغفار عنها، ولا توبة ولا إقلاع من قلوبهم. وإن التعبير عن متع الحياة التي يأخذونها بقوله تعالت كلماته: (يَأخذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى)، والأدنى هو مذكر دنيا، أو دنيا مؤنث أدنى، والعرض هو الأموال التي ليست دراهم ولا دنانير، ولكنها أهون من ذلك فهم يتخذون عرض الأدنى من الأموال، إما لضآلتها وإما لخبثها وخبث كسبها كالميسر، والربا والرشوة والسرقة. يفعلون ذلك ويقولون: (سَيُغْفَر لَنَا)، وكأنهم متأكدون من ذلك من غير توبة ولا استغفار. ويتوالى ذلك منهم، كما حدث في عصور ضعف الإيمان، إذ يقولون: إن الذنوب تغفر ولو أصروا عليها. ولقد روى في ذلك عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: " سَيَبْلَى الْقُرْآنُ فِي صُدُورِ أَقْوَامٍ كَمَا يَبْلَى الثَّوْبُ، فَيَتَهَافَتُ، يَقْرَءُونَهُ لَا يَجِدُونَ لَهُ شَهْوَةً وَلَا لَذَّةً، يَلْبَسُونَ جُلُودَ الضَّأْنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ، أَعْمَالُهُمْ طَمَعٌ لَا يُخَالِطُهُ خَوْفٌ، إِنْ قَصَّرُوا، قَالُوا: سَنَبْلُغُ، وَإِنْ أَسَاءُوا، قَالُوا: سَيُغْفَرُ لَنَا، إِنَّا لَا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا " (١). وهكذا تكون الحال، إذا ضعفت القلوب والهمم وضعف الإيمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ينسون المواثيق التي أخذت عليهم؛ ولذا يوبخهم القرآن الكريم. وإن كل المحرمات هي العرض الأدنى في هذه الحياة؛ لأن الله ما حرمها إلا لخبثها، ولأنها أدنى طرق الكسب، فالكسب الطيب يكون من كرام الرجال، ومن العرض الطيب، وليس الأدنى. وقد بين الله تعالى أنهم كان في نفوسهم خبث، وطلبوا خبث الكسب والأدنى في الحياة مع أنهم أخذت عليهم المواثيق بأن لَا يقولوا على الله إلا الحق؛ ولذا قال تعالى: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ).

стр. 4023

الاستفهام للإنكار بمعنى النفي والتو بيخ، وقد دخل الاستفهام على المنفي بـ " لم " ونفي النفي إثبات، فالمعنى قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب، وهذه الصيغة فيها تأكيد لأخذ الميثاق بإقرارهم كأنهم سئلوا ذلك، وأجابوا بالإيجاب، ولأنه يتضمن استنكار وقوعهم في مخالفة الكتاب وترك الأخذ بميثاقه، أي أحكامه المؤكدة الموثقة عليهم التي توجب الطاعة (أَن لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) أي فحصوه وعلموه وأدركوا مغازيه وما يرمي إليه، ويدعوهم الله فيه، فما فعلوا ذلك عن جهالة بل قد قدمت لهم أسباب العلم كاملة، وإذا كانوا قد أهملوا الأخذ بها بعد بينة تجعلهم يحملون التبعة كاملة غير منقوصة. ويلاحظ هنا بعض عبارات تشير إلى حقائق ثابتة: أولاها - أن الميثاق الذي أخذ عليهم ألا يقولوا على الله إلا الحق مع أن ما فسقوا به عن أمر ربهم أمور عملية، وخلاصتها أنهم يأخذون بالعرض الذي هو أدنى وهو عمل لَا قول، ونقول في الإجابة عن ذلك: أولا - أنه ساد فيهم الكذب على الله والادعاء عليه كقولهم: (. . . نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبًاؤُهُ. . .)، وذلك بلا ريب غير الحق، قالوا على الله تعالى كذبا وافتراء عليه، فخالفوا الميثاق الذي أخذ عليهم بألا يقولوا على الله إلا الحق. وثانيا - أن فعل الباطل يسبقه قول باطل يحسنه، فالنفس المنحرفة يبتدئ انحرافها في الفكر، فيدفع إلى القول الباطل يزين الفعل الباطل، والذين يغيرون الشرائع يبتدئون بتزيين مخالفتها وتسهيلها فيقولون أولا على الله غير الحق، ثم يفعلون الباطل المنهي عنه، فالقول ذريعة العمل. ثانيها - أن العصاة دائما يغرهم الغرور، فيغلب عليهم الطمع من غير عمل على الخوف الذي يدفع إلى العمل، فهؤلاء بنو إسرائيل طمعوا في الله دائما حاسبين أنه لَا يعذبهم وأهملوا أمره ونهيه، وكانوا مثلا للفاسدين، فكان من التربية للنفس المؤمنة أن تغلب الخوف من العذاب، على رجاء الثواب.

стр. 4024

هؤلاء اختاروا الدنيا، وأخذوا بأدنى ما فيها، وهي خبائثها ومحرماتها، فكانوا أشد لهجة من غيرهم، بل من بعض الذين لم ينزل عليهم كتاب سماوي به مواثيق أخذت عليهم وتدارسوه. ونسوا الآخرة، وما فيها من نعيم مقيم لمن أطاع، وعذاب أليم لمن ضل وغوى، وقد ذكَّر الله تعالى بها في مقام نسيانها فقال تعالى: (وَالدَّارُ الآخِرةُ خَيْر لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ)، أي أنها في أعلى درجات الخير للذين يتقون الله وامتلأت قلوبهم بذكره، فأعرضوا عما نهى عنه، وطلبوا ما أمرهم به. وخاطب الله بني إسرائيل بما يدل على أن غوايتهم وأهواءهم أفسدت عقولهم، فصاروا لَا يدركون، فقال تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) الفاء هنا لترتيب إنكار أن يعقلوا على ما يفعلون، وأخرت عن همزة الاستفهام؛ لأن الاستفهام له الصدارة بحكم تنسيي القول العربي، والمعنى فانتم لَا تعقلون؛ لأن الاستفهام إنكاري توبيخي، فهو تأكيد لحضهم على التفكير، وتوبيخ على عدم التفكير في عواقب أمورهم، وإن العذاب يستقبلهم بسوء ما يفعلون. هذا شأن العصاة منهم، وهم الأكثرون؛ إذ فعلوا الشر، ولم يستنكر أكثرهم، ولقد ذكر من بعد ذلك الصالحين بعد أن ذكر فضل الدار الآخرة على الحياة الدنيا، فقال:

стр. 4025

(وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) إذا كان عصاة بني إسرائيل قد استهانوا بأحكام التوراة، معرضين عنها إهمالا، فتقاتهم قد استمسكوا بها؛ لأنها العروة الوثقى لهم، وقال تعالى في استمساكهم بها: (وَالَّذِينَ يُمَسكُونَ بِالْكِتَابِ) وفي قراءة " يُمْسكون " بتسكين اللام وكسر السين، وقالوا إن معنى يمسكون به: يستمسكون به، وفي اللغة: مسك به واستمسك به، وتمسك به كل بمعنى واحد.

стр. 4026

وأقول مع الاتحاد في جملة المعنى أظن أن مَسَّكَ به فيه قوة في التمسك، ليست في مَسَكَ به، بل أكثر من استمسك، لأنها تتضمن الأخذ به، والعمل بما فيه والإذعان لأحكامه من غير إهمال ولا نسيان، ودعوة إلى مسكه والعمل به من دون غيره، واستنكار لمن لَا يمسك به. ومعنى التمسيك به، الإذعان لأحكامه، والدعوة لهذا الإذعان، والعمل به مخلصين غير متحايلين لتركه، وإلقاء المعاذير عند ترك العمل به. والتمسيك به كما ذكرنا يتضمن معنى الدعوة إلى الاستمساك، وبالأولى يستمسك الممسك فيعتقد، ويؤمن ويدعو. وقد ذكر أعظم أعمال الطاعة بعد التمسك بالكتاب، فقال: (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) أي أتوا بها مقومة على وجهها الأكمل، وتكون الصلاة على الوجه الأكمل إذا كان ذكر الله، واستشعار خشيته في كل ركن من أركانها، واختصها الله تعالى بالذكر، لأنها ركن الدين، ولبه، ولا دين من غير صلاة كما ذكر النبي ﷺ ، ولأنها سبيل للابتعاد عن المنكرات التي كان بنو إسرائيل يفعلونها، وقد قال تعالى في القرآن كتابه الخالد الباقي إلى يوم القيامة: (. . . إِنَّ الصَّلاةَ تَنهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ. . .). وقد ذكر الله تعالى جزاء هؤلاء الذين يمسكون بالكتاب، فقال: (إِنَّا لا نضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) والمعنى لَا نضيع أجرهم. ولكن هنا إشارات بيانية لَا بد من التنبيه إليها: الأولى - أن الله تعالى ذكر الجزاء بطريق الاقتضاء، فوصف ذاته العلية بأنه لا يضيع أجر المصلحين، وقد أصلحوا فاستحقوا أجره الذي لَا يضيعه أبدا، فهو إعطاء مع ذكر داعيه. الثانية - أنه ذكر - سبحانه - ما يليق بذاته وهو أنه لَا يضيع أجر من أحسن عملا.

стр. 4027

الثالثة - أنه أظهر في موضع الإضمار، مصرح بقوله: (الْمُصْلِحِينَ) بدل قوله لَا يضيع أجرهم، وذلك لأمرين؛ أولهما - أنه للدلالة على أن ذلك شأن من شئون الله العلي الأعلى، وثانيهما - الإظهار للإشارة إلى السبب في الجزاء وهو الإصلاح، أي كونهم مصلحين. وفى التعبير بقوله: (الْمُصْلِحِينَ) إشارة إلى أن تمسيكهم للكتاب يتجاوز الإمساك إلى الدعوة إليه كما أشرنا. * * * أخد الميثاق عليهم وعلى الإنسانية (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) * * * ميثاقان يذكرهما الله تعالى، واحد منهما خاص ببني إسرائيل لأنه يتعلق بميثاق التوراة، والثاني يتعلق بميثاق الإنسانية كلها. والأول قال الله تعالى فيه:

стр. 4028

(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَهُ وَاقِعٌ بِهِمْ).

стр. 4029

نتقنا معناها رفعنا، ولكن يظهر أنها لَا تكون إلا في رفع الثقيل الذي لا يستطيعه إلا الأقوياء، فمن الألفاظ العربية ألفاظ تحمل في نفسها قوة المعاناة في دلالتها، فلا نقول: نتقت العصا، أو نتقت السيف، ولكن قد تقول: نتقت الجبل، أو نتقت أطنان الحديد. ولقد نتق الله الجبل وعلا عليهم، وكأنه ظلة من ظلال السحاب فوق رءوسهم، ولأنه جبل أو جِرم كبير ثقيل (وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ)، أي واقع نازل بهم قاصد رءوسهم. والله يقول: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقوَّة)، أي خذوا التعاليم في الحلال والحرام، وما كلفتموه عامة بقوة، أي بتقبل منكم، ورضا به، واطمئنان إليه واذكروا ما فيه أي اذكروه وتدبروه، وعوا ما فيه، واعملوا به لعلكم تتقون، والرجاء منهم، أي راجين بذلك أن تتقوا السيئات. بل إن تتقوا شر أنفسكم الأمارة بالسوء، وهذا كقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُم الطّورَ خُذوا مَا آتَيْنَاكم بِقوَّةٍ. . .)، وقد يسأل سائل: لماذا كان رفع الجبل مع إعطائهم الميثاق بقوة؟ الظاهر أنهم ترددوا في قبوله وتلكأوا كشأنهم دائما في قبول الحق المنزل والعمل به، فأتى موسى ﵇ معجزة حسية قاهرة تلزمهم، ولا يحيرون جوابا فيها، فكان نتق الجبل، وكانت هذه المعجزة الرهيبة الدافعة إلى الإيمان، المانعة من كل تردد، وقد جاءت الآثار بما يفيد ذلك: روى ابن كثير أن موسى ﵇ قال لهم: هذا كتاب تقبلونه بما فيه، فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم، وما أمركم وما نهاكم، قالوا: انشر علينا ما فيها - أي الألواح - فإن كانت فرائضها وحدودها يسيرة قبلنا. قال: اقبلوها بما فيها. قالوا: لَا حتى نعلم ما فيها، كيف حدودها وفرائضها، فراجعوه مرارا، فأوحى الله تعالى للجبل، فانقلع، فارتفع إلى السماء حتى إذا كان بين رءوسهم والسماء فقال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي ؟! فأخذوا التوراة وهو الميثاق بهذه القوة الدافعة. وإنه مع هذا الدليل المادي الحسي القارع نجدهم غيروا وبذلوا وانحرفوا عما أمرهم به الله وقد أردف ذلك ببيان ميثاق الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فقال تعالى: * * *

стр. 4030

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) * * * " إذْ " ظرف للزمن الماضي، والخطاب للنبي ﷺ ، وهو تذكير بأن الفطرة الإنسانية توجب الإيمان بأن الله رب هذا الوجود وحده، وأنه هو الذي خلقه، وهو واحد بذاته وبصفاته، وقد حتم تعالى ذلك بالفطرة الإنسانية. قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ) عبر عن ذي الجلالة بربك بالإشارة إلى معنى الربوبية التي تملأ نفس النبي ﷺ وقد أدركها قبل النبوة بالفطرة الإنسانية الكاملة، فنفر من عبادة الأوثان، وعبد الله تعالى وحده، وقال إنه الديان وحده. (وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ) ومن بني. آدم: عطف بيان على قوله تعالى: (مِن بَنِي آدَمَ) وهذا بيان لنوع من أخذ من ذريتهم، وهم بنو آدم، وهذا مبين عموم الذين ينتسبون إلى آدم أبي الخليقة، وقوله تعالى: (مِن ظُهُورِهِمْ)، أي وهم في أصلاب آبائهم، قبل أن يصلوا إلى أرحام أمهاتهم، وهذا يدل على أن ذلك من وقت الإنشاء، فوقت إنشاء الآدمي من وقت أن يكون في صلب أبيه. وقوله تعالى: (ذُرِّيَّتَهمْ) منصوبة على أنها مفعول أخذ، ومؤدى القول أن لربك أخذ الذرية من التي هي من الأصلاب وهي في الأصلاب ذلك العهد، أو ذلك الإقرار الذي كان بحكم الفطرة. قال لهم ربهم: (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وهو تفسير لمعنى الأخذ. الهمزة للاستفهام، والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي، و (لست) للنفي، وقالوا: إن نفي النفي إثبات، والمعنى أنا ربكم الحق، وجيء بذلك النحو من القول لتأكيد الإيجاب كأنه سألهم، وأجابوا بالإثبات، أي بإثبات الربوبية، وقد أجابوا على هذا السؤال مثبتين موجب نفي النفي، قالوا: بلى، وهي تثبت ما بعد النفيين، أي أنت ربنا، وقالوا: (شَهِدْنَا)، أي أقررنا.
следующие страницы →