← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وقد قال الله تعالى في تصوير خوفهم وتقديرهم للِّقاء (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ) فقد شبه حالهم بحال من يساق إلى الموت، وهو مشدوه ناظر إليه، متوقع له كأنه يراه رأي العين، وأنه نازل به لَا محالة. ولقد تجسم لديهم الخطر، كأنه نازل بهم لَا محالة، ولا منجاة منه، وإن رضوا بالفداء فالله يبين لهم أن ثَمَّة خطر، ولكن ثمة أيضا وعد الله تعالى بالنصر والتأييد وثمة الإيمان الثابت الذي تزلزلت معه الجبال ولا يتزلزل. وإن الله تعالى يدعوهم في هذا إلى الصبر والاطمئنان إلى وعد الله تعالى وإن النبي ﷺ كان يبث فيهم روح الاطمئنان والأمن، ولكنه كان يريد أن يتثبت من اعتزامهم اللقاء وطلبهم للنصر، وطاعتهم له. ويروى الحافظ ابن كثير وأصحاب السِّير الصحاح أنه لما بلغ النبي ﷺ خبر فرار العير إلى سيف البحر، ومجيء جيش المشركين وكان النزال لابد منه أراد ﷺ أن يتثبت من جيشه فاستشار من معه وأخبرهم عن قريش. فقال أبو بكر، فأحسن القول، ثم قام عمر فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: امض يا رسول الله لما أمرك الله به فنحن معك، والله لَا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (مدينة بالحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال رسول الله ﷺ خيرًا، ودعا له بخير. ثم قال رسول الله ﷺ : " أشيروا عليَّ أيها الناس "، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله يتخوف من ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى

стр. 4132

عدوهم من بلادهم، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك. قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال: " أجل ". قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله كما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى بك عدونا غدا، إنا لصُبُر عند الحرب صُدُق عند اللقاء، ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله تعالى، فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه، وقال: " سيروا على بركة الله " (١). انظر إلى حكمة القائد المحنك لَا سير إلا بعد أن يعرف أن إرادة جيشه قد اجتمعت على الحرب. (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) لقد أراد الله تعالى أن يعز الإسلام، ويضع الحواجز المانعة من أن يستمر الشرك في غيه، لقد طاوَلهُ النبي ﷺ ، وصابَرَهُ في مكة، وتحمل أذاه حتى كون الله للإسلام شوكة في المدينة دار الإيواء والنصرة، فكان لَا بد من بعد ذلك من وضع حد للطغيان، ووقف للفتنة فكان لابد من القتال. كانت عير لمكّة تذهب إلى الشام وتمر على المدينة أو على مقربة من المدينة وكانت فيها أموال كثيرة لقريش، فاراد النبي ﷺ أن يأخذها المسلمون بدل الأموال التي أخرجوا منها، ولأنه لَا سلم بينهم، ولأنهم أباحوا دماء المسلمين في مكة وأموالهم، فكان حقا أن تباح دماؤهم وأموالهم، خرج نحو ثلاثمائة لمصادرة العير، فانفلت بها المشركون وعلى رأسها أبو سفيان، ولكنه كان قد أرسل إلى مكة يستنفرها لتحمي عيرها، فنفرت بجيش كبير اتجه إلى بدر، ومع أن العير قد نجت فقد أصر الحمقى من المشركين على غزو المدينة، ونسوا المآل والرحم فكان اللقاء أمرا لابد منه.

стр. 4133

ولقد كان بعض المؤمنين، وخصوصا الذين أخذت أموالهم يودون العير، ولم يريدوا القتال لأنها غنيمة أتت إليهم، وأنفلهم الله إياها، ولأن القتال كره لهم، والنفس المؤمنة رقيقة تكره الدماء، وكما قال تعالى: (كتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُو كرْهٌ لَّكمْ)، وإن كان خيرا في مثل حال المشركين معهم ولذلك كانوا يودون العير، لَا الحرب، وتلك هي الفطرة، وقال تعالى:

стр. 4134

(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ). وعد الله تعالى إحدى الطائفتين إما طائفة العير وإما طائفة النفير، والطائفة هنا الجماعة، والمراد هنا جماعة العير يأخذونها بما معها من مال، أو جماعة الحرب يقتلون ويأسرون فيهم، ويغنمون أموالهم، ولكن فيها الشوكة والقوة وإذلال المشركين. وهم يودون السهلة الهينة الخالية من الدماء، ولكن ليس فيها شوكة، ويختار الله تعالى لهم ما فيه الشوكة. وعبر عن القوة بالشوكة على سبيل المجاز؛ لأن نتيجة الحرب ستكون رهبة للمشركين تجعلهم يتحفظون في معاملة المسلمين، ولا يقدمون على إيذائهم إلا إذا أقدموا على أمر خطير يشوكهم قبل أن ينالوه، فلا يكون طُعمة تؤكل أو تُنتهز الفرص لأكلها. وقد عبر الله عن إرادتهم العير بقوله تعالت كلماته (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكون) أي تودون العير وهي تعطيكم مالا، ولا يكون لكم بأخذها قوة ترهبهم، فهي ما لَا حماية ولا عزة فيها، وعبر عن إرادتها بقوله: (وَتَوَدُّونَ) أي تحبون مائلين للعير، للمعاني التي ذكرناها.

стр. 4135

وفى هذا التعبير إشارة إلى معنى من معاني العتب، وتنبيه إلى أن الواجب هو طلب القوة، لمن كان المشركون يستضعفونهم، فيبدل الله تعالى من خوفهم أمنا، ومن استضعافهم قوة، وتمكينا في الأرض؛ ولذلك يقول الله تعالى: (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ). عبر الله تعالى بقوله يودون في جانبهم، وعبر بقوله (يرِيدُ اللَّهُ) دون " يود " للإشارة إلى أن ذلك من جانب الله إرادة، وإرادة الله نافذة وهي المصلحة وهي الخير، وكان التعبير في جانبهم بقوله: (وَتَودُّونَ) للإشارة إلى أنه مجرد ود، ولم يصر إرادة، وكيف يريدون ما لم يرد الله تعالى، وكيف وهم المؤمنون حقا وصدقا، وإرادة الله إعلاءً لهم، وميلهم ميل إلى ما هو أدنى. وقد عبر سبحانه عن إرادة الشوكة والقوة بقوله:

стр. 4136

(لِيحِقَّ الْحَقَّ) أي أراد ذات الشوكة، ليقوى الحق ويثبته ويؤيده ويؤكده، وليكون له الكلمة العليا، وتكون كلمة الذين كفروا هي السفلى، فمعنى إحقاق الحق إعطاؤه حقه من التأييد والتثبيت والنصر والاستعلاء على الباطل وخفض نقيضه. وذكر الله تعالى نتيجة إحقاق الحق وليقطع دابر الكافرين؛ وذلك لأن نصر الحق وإعلاءه خبصٌ (١) للكفر شيئا فشيئا، حتى تذهب قوته ليجتث من أرض العرب احتثاثًا، وعبر عن ذلك بقوله تعالت كلماته: (وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) الدابر هو الخلف، وعبر بذلك كناية عن أن لَا يبقى من الكافرين من يجهر بكفره، ويعاند الله تعالى، ويستعلى عليه، وذلك فيه تشبيه للكفر بالجيش الذي يولِّي مدبرًا، ويقاتل بقناه (٢) حتى يقضى عليه بقطع أدباره والقضاء عليه. هذا ما أراده الله تعالى، وذلك ما كانوا يودونه، وقد أراد الله تعالى لهم العزة، فكان النصر المؤزر، وكانوا قليلًا فكثَّرهم الله، وقوله: (بِكَلِمَاتِهِ)، أي بالقرآن الذي هو حجة، فالتأييد تأييد للقرآن الكريم. ثم أكد سبحانه معنى تأييد الحق، فذكر أنه سنة الله في تأييد الإيمان، وإبطال الشرك وهو الباطل: فقال عز من قائل:

стр. 4137

(لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ... (٨) (اللام) هنا لام العاقبة، وهي تدل على الباعث على القتال، و (الحق) هنا هو الدين الثابت، و (الباطل) هو الشرك المفترى، والمعنى لتكون عاقبة القتال الذي هو الحق المؤيد للحق الذي أراده الله، وهو ذات الشوكة أن يثبت الحق ثبوتا دائما مستمرا ما دام أهل الإيمان مستمسكين، ويبطل الشرك وهو الباطل مستمرًا، (وَلَوْ كرِهَ الْمُجْرِمُونَ) ولو كان ذلك رغم المجرمين الذين يجرمون في الأرض فيفسدون فيها ولا يصلحون ونجد هنا أن المجرمين مكرهون على قبول بما يقع، ولو كان وبلاء. وعبر هنا بالمجرمين، وفي الآية السابقة بقطع دابر الكافرين، وذلك لتنوع عنادهم وتعدد صوره، فهم كافرون لجحودهم مع قيام البينات، وهم مجرمون مفسدون لفتنتهم المؤمنين، فإذا كان الكفر تعديا على أنفسهم، وهم به كافرون، فالفتنة تعد على غيرهم، وهم بها مجرمون. والحق الذي أحقه الله وثبته هو الجهاد وطلب ذات الشوكة، ولذا اقترن بها قطع دابر الكافرين، والحق الثاني هو الدينِ الحق، وتثبيته وإبطال الباطل، وهو منع الفتنة، كما قال تعالى: (وقَاتِلُوهُمْ حتَّى لَا تَكُونَ فتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كلُّهُ للَّه). * * * المعركة (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 4138

سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) * * * كان النص القرآني السامي يحث المسلمين على أن يطلبوا الجهاد، بطلب الطائفة ذات الشوكة، والنبي ﷺ أمامهم يستحثهم ويستوثق منهم، حتى لَا تغلبهم الدنيّة في دينهم، وقد ظهر أنهم يودون غير ذات الشوكة، حتى إذا دنت الواقعة كان مع الاستعداد بالقلوب، والاطمئنان كان لابد من الالتجاء إلى الله تعالى ليكون الغوث، وليكون النصر، فهم مؤمنون، وليسوا مغرورين؛ ولذلك لابد من الالتجاء إلى الله، وخصوصا من الرسول الذي أحس بأن عليه العبء الأكبر، فاستغاث هو ومن معه بالله، وكان هو أظهرهم. قال تعالى:

стр. 4139

(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ). والاستغاثة طلب الغوث، و " إذ " ظرف يكون للماضي، وهو هنا للماضي المتصل بالحاضر، كما في قوله تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ. .) وجاء المضارع بعدها لتصوير الاستغاثة وأنها كانت التجاءً متجددًا مستمرا لله تعالى. وقد روت السنّة استغاثة النبي ﷺ ، وقد كانت ضراعة له ، وروى مسلم والإمام أحمد، وغيرهما من الصحاح عن عمر بن الخطاب أنه قال: " لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، وعليه رداؤه وإزاره، ثم

стр. 4140

قال: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لَا تعبد في الأرض أبدًا " فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك " (١). هذه هي استغاثة رسول الله ﷺ ، وهي استغاثة من معه، فهو إمام الصلاة استغاثته استغاثة لهم، كما أن الإمام قراءته قراءة للمأمومين، وإن النبي ﷺ عندما اتجه إلى الاستغاثة اتجه إلى القبلة، وكأنها صلاة، يمم وجهه فيها شطر المسجد الحرام. وقد استجاب الله تعالى لاستغاثة نبيه، فقال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ). (الفاء) للعطف الدال على الفورية، أي أن الإجابة كانت فور الدعاء، وكذلك دعاء النبيين ومن معهم من الصديقين والشهداء والصالحين. والاستجابة يالسين والتاء هي شدة الإجابة كأحسن ما تجاب به الاستغاثة؛ لأنها استغاثة لله تعالى فهي إيمان لأجل قوة الإيمان وعزة المؤمنين، وقرنت الإجابة بما يدل على قوتها، فهي من ربكم الذي يكلؤكم، ويرعاكم، وذكر الاختصاص في قوله سبحانه: (لَكُم)، أي الإجابة لكم أنتم من ربكم ولا إجابة لغيركم لأنكم على الحق، وتدعون للحق. وفسر الاستجابة بقوله: (أَنِّى مُمدكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) هنا ثلاث قراءات في (ألف)، فقرى بـ (ألْف)، ويكون الإمداد بألف من الملائكة على قدر عدد المشركين، فإنه إذا كان عددكم ثلاثمائة ونيفا وعددهم ألف، فقد أمدكم الله تعالى بألف من الملائكة، فيكون العدد في الحسبة متساويا أو تزيدون.

стр. 4141

وهناك قراءة أخرى بـ (آلُف)، جمع ألف، على وزن أفعُل، وبذلك لا يكون العدد محدودا بل بألوف، وذكر الزمخشري قراءة ثالثة وهي (آلاف)، والرسم الإملائي العثمانى القرآني غير المنقوط والمشكول يحتمل القراءات الثلاث. و" مردفين " أي متتابعين، مشتقة من أردف، وهي لغة في ردف وتقرأ بفتح الدال وهي قراءة (١)، والمعنى أنهم جاءوا وقد أردف بعضهم ببعض. وهنا تقرر أن الله تعالى أمدهم بألف أو عدد من الألوف، وذلك أمر لا ريب، ولا تناقص بين الإمداد بآلاف، أو بآلاف، فالمراد جنس الألف لَا تعيين العدد. ولكن كيف كان الإمداد، جاء في روايات لم نرها في صحاح السنة أنهم صوروا بالإنس، وكان بعض الناس يرى سيوفا لَا يرى حاملوها. ولكن الثابت في الصحاح أنه كان إمداداً من غير أن يتعرض لبيان أنهم كانوا بصور إنسانية أم لم يكونوا، وهذا ما نراه. وإذا لم تكن ثمة صور أو أجسام إنسانية، فإننا نقرر أنه كان إمدادا روحيا، ومن الإمداد الروحي شحذ العزائم وطمأنينة نفوسهم، وإبعاد الشياطين ومنازع الشيطان، وهذا بلا ريب من إمداد الله بالملائكة، فهو حقيقة ثابتة، وإنه يؤيد أن الإمداد روحي - آمنا بحقيقته وجهلنا كيفيته - قوله تعالى:

стр. 4142

(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى ... (١٠) الضمير يعود إلى المصدر المشتق من (ممددكم)، أي أن ذلك الإمداد كان روحانيا فيه بشرى أي تبشير لكم بالنصر وإنه آت لَا ريب فيه، وفيه أمن للقلوب، ولتدخل الحرب مع رجاء النصر، فرجاء النصر والاطمئنان إليه مع أخذ الأهبة

стр. 4143

نصر على النفس، وابتداء النصر اطمئنان النفس فلا تفزع، ولا تهاب، ولا تخور؛ ولذا قال سبحانه، (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلوبُكُم)، فلا تجزع فتقدم في غير خوف ولا وجل، وإنه وحده الناصر فما كان الإمداد بالملائكة، والإخبار به إلا لتطمئن القلوب. وإنه بعد اتخاذ الأسباب لَا يكون النصر (إِلَّا مِنْ عند اللَّه) العزيز الحكيم أي الغالب الذي يدبر لكل شيء وبأمره . وفى الآيتين الكريمتين إشارات بيانية تليق بكتاب الله معجزة الوجود الإنساني كله: أولاها - تأكيد الإمداد بالملائكة تلك القوي الروحانية التي تبشر وتطمئن فقد أكدها بالتوكيد بأن في قوله تعالى: (أَنِّى مُمِدكُم) وبإضافة الإمداد إليه سبحانه، وهو القوي القهار - الغالب على كل شيء. وثانيها - بالجملة الاسمية الدالة على البقاء والاستمرار. وثالثها - الحد بألف الذي يوازى عدد المشركين أو يزيد، وهو على القراءات الأخرى أضعاف عدد المشركين. ومن الإشارات البيانية - ضرورة الاعتماد على الله بعد أخذ الأهبة، وإعداد العدة، فقد قال تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فقد قصر النصر مهما تتوافر أسبابه على أنه من عند الله فلا نصر إلا منه، والقصر بالنفي والإثبات فنفي وجود أي نصر إلا أن يكون من عند الله، ووصفه بما يزكي هذا القصر، فهو العزيز الذي لَا يغلب، وهو الحكيم الذي يدبر الأمور بحكمته ومن مقتضاها أن ينصر الحق ويخذل الباطل، فهو وحده ناصر الحق دائما، وتأكيد ذلك بـ (إن) والجملة الاسمية. وبين لله تعالى أنه أفاض الأمن والاطمئنان، فقال تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)

стр. 4144

يقال: غشَّاه، بمعنى غلبه النوم، و (غَشَّى) ((أغَشى) يجوز فيها التعدية بالتضعيف وبالهمزة، كقوله تعالى: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ). وكقوله تعالى: (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥). وغشاهم الله تعالى بالنعاس أي وضعه على عيونهم كأنه غشاء من نعاس. ونعاس مفعول ثان. و (أَمَنَةً) مصدر أمن، والمعنى غشاهم الله تعالى بالنعاس آمنين، أي لأجل أن يكون ذلك أمنا لهم من الخوف، أي للدلالة على أمنهم واطمئنانهم، فإن النعاس أمن وقرار، وبُعد عن الهم، فمع القلق السهر، ومع الأمن النوم. وإن النعاس عند الإقدام على أمر مهم يقوى النفس، ويشحذ العزيمة، ويذهب القلق والاضطراب، وهو أمارة الاطمئنان، وقد أنعم الله تعالى على المؤمنين، ليلتقوا بالأعداء آمنين مطمئنين راجين النصر، مُحِسِّين بتأييد الله، ومحسين بأن الحق معهم، ولقد قال علي - كرم الله وجهه - في ليلة بدر: " ما كان منا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ . والنعمة الأخرى التي ثبت الله تعالى بها قلوبهم نزول المطر، فقد قال تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً) فقد كان المشركون في مكان فيه ماء، ولم يكن عند المؤمنين ماء فغلب عليهم الظمأ، فوسوست في بعضهم الوساوس، فأنزل الله الماء حتى سال الوادي، وملأوا الأسقية وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة فجعل الله ذلك الماء طهورا، وثبت به الأقدام إذ لبَّد الله به الأرض، ويقول الحافظ ابن كثير: " وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله تعالى المطر عليها فضربها حتى اشتدت وثبتت عليها الأقدام ". وهذا قول الله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ). فالماء الذي أنزله الله تعالى سقوا منه، وكان طهورا أذهبوا به رجز الشيطان وهو الجنابة، وطهُروا حسا ومعنى، وربط الله تعالى به على قلوبهم، وثبتهم

стр. 4145

وأذهب عنهم وساوس الشيطان، ولبدَّ به الأرض وثبتت عليها الأقدام، فلا تغوص في الرمال، وإن هذا الماء كان وبالا على المشركين فقد انهمر حتى دعثر (١) عليهم الأرض وصارت الأرض لَا تقوى على تحمل أقدامهم. هذا كله تأييد حسي من الله اقترن به اطمئنان وذهاب القلق، والطهر، وهو يزيد النفوس اطمئنانا. وقد كان بجوار ذلك تثبيت الله تعالى بالملائكة فقد قال تعالى:

стр. 4146

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) موقعة الفرقان هي موقعة الحق أيدها الله، واتخذت كل الأسباب لها، والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء، أيدهم الله تعالى أولا بالمدد من الملائكة الذي كان بشرى واطمئنانا، وأيدهم ثانيا بأن الله مع المؤمنين والملائكة، وأيدهم ثالثا بأن أمر الملائكة بأن يثبتوا الذين آمنوا، وأيدهم رابعا بأن ألقى الرعب في قلوب الكافرين، وأيدهم خامسا بأن كان الضرب فوق أعناقهم، والضرب في الأيدي التي تقتل. (إِذْ) في قوله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) هي للماضي المتصل بالحاضر، والمضارع للدوام المتجدد، أي اذكر أيها النبي ومن معك، وحي الله تعالى المستمر الذي لَا ينقطع إلى الملائكة أن الله معكم أيها الملائكة في تأييدهم للمؤمنين فهو سبحانه ﷻ في ملكوته الأعلى معكم في تأييد المؤمنين وتثبيتا قلوبهم، (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) و " الفاء " هنا للإفصاح عن شرط مقدَّر، والمؤدى: إذا كان الله معكم في هذا التأييد فثبتوا الذين آمنوا، أي قووهم معشر أرواح الله، واملأوهم بروحانيتكم لتمتلئ قلوبهم بروح من عند الله، وإحساس بعظمته، وجبروته وقوته وعزته ليطلبوا العُلا والعزة ولا يذلوا. وقد التفت سبحانه من خطاب الملائكة إلى خطاب المؤمنين، (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ) وهذا معناه اضربوا الرءوس، فما فوق العنق هو الرأس، والبنان

стр. 4147

الأيدي، والمعنى أن اضربوا رءوسهم، فإنها موطن الشيطان، واقطعوا أيديهم، فإنهم يبطشون بها وآذوا المؤمنين وعذبوهم، وفتنوهم عن دينهم. والمعنى لَا تأخذكم بهم رأفة، فرد الاعتداء يكون بمثله، فاقتلوهم وأضعفوا قواهم يشفِ الله بذلك صدور قوم مؤمنين. وإن ذلك جزاء بما ارتكبوا، ولمحاربتهم الله ورسوله؛ ولذا قال تعالى:

стр. 4148

(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) الإشارة إلى الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم، وإلى إمداد الملائكة للمؤمنين وإلى تثبيت الملائكة لقلوب المؤمنين، وإلى الغلب في المعركة، وأمر الله للمؤمنين أن يضربوا رءوسهم وأطرافهم، كل ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، أي صاروا في شق، والله ورسوله في شق آخر، يحادون الله ورسوله، ويغالبونهم حاسبين أنهم الغالبون، و " الباء " في قوله تعالى: (بِأنَّهُمْ) للسببية أي بسبب أنهم حادوا الله ورسوله، وما دام الأمر أمر مغالبة، فالله هو الغالب، وذكر الله ورسوله، وكان يكفي ذكر الرسول أو ذكر ربه؟ والجواب عن ذلك الإشحارة إلى أن محاربة الرسول حاربة لله، وأن طاعة الرسول طاصة لله (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، وإلى أن عصيان الرسول محادة لله ، وأظهر في موضع الإضمار: فقال: (وَمَن ئشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، ولم يقل من " يشاققهما " وذلك لبيان عظيم ما يقترفون، فهو تنديد بهم، وتكرار لعظم جرمهم. وقوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) بيان لشدة العقاب في الدنيا والآخرة، وهي دالة على جواب شرط محذوف هذه علته، والمعنى فإن الله منزل عقابه الشديد بهم في الدنيا، لأنهم يغالبون الله ورسوله، ونسوا أن الله تعالى غالب على كل شيء. وسماه الله عقابا لهم، للإشارة إلى أنهم ليسوا في مقام المغالبة لله، بل إنهم في مقام من يؤدبون ويعاقبون، ويُردون خاسئين.

стр. 4149

وإن عقاب الدنيا والتنكيل بهم فيها، لكيلا يستشري الشر، ولكيلا يُغْروا بالمؤمنين، ولكيلا يكون على المؤمنين حرج، ولكي ينالوا جزاء ما فعلوا، ولأن السابقين كان ينزل العقاب الدنيوي بهم بخاسف أو بريح صرصر عاتية، أما أمة محمد ﷺ فإن الله تعالى يفنى الأشرار، ويبقى الأخيار. كان عقاب الدنيا لذلك، وهذا لَا يمنع عقاب الآخرة، وهو الأوفى جزاء؛ ولذلك قال تعالى:

стр. 4150

(ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤) الإشارة إلى هذا العذاب الأليم، وأتى بكاف الخطاب للجمع، تأكيدًا لعموم الخطاب للكافرين، وأنهم جميعا يخاطبون بذلك حتى يتوبوا، فإن تابوا فقد انتهوا والله قابل للتوب شديد العقاب. وذلك كما قلنا إشارة إلى العذاب، والإشارة استحضار له، و " الفاء " في قوله تعالى: (فَذُوقُوهُ) فيها إشارة إلى العذاب الدنيوي الذي " يذوقونه " وهي للإفصاح أي إذا كان هذا عذابكم فذوقوه، والتعبير بذوقوه إشارة إلى آلامه وقد ذاقوها وأحسوها، فقد ذاقوا النكال وذاقوا القتل، وذاقوا الذل بعد الاستكبار، وذاقوا عذاب الهون بما كانوا يكسبون. وإنهم مع ذلك لِن يفلتوا من عذاب الآخرة، فإذا النار لاحقة بهم، ولذا قال تعالى: (وَأَنَ للْكَافِرِين عَذَابَ النَّارِ) وفي العبارة ما يوحي بأنه العذاب المعد لهم، وكأن عقاب الدنيا أمر عرضي ليس هو الجزاء الحقيقي لهم، إنما كان لمنع استمرار شرهم، وإنهاء فسادهم، ولمنع الفساد في الأرض. (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١). ولذا أكد جزاء الآخرة، لأنه الأصل الثابت، فقال: (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) فأكده أولا - بـ " أن " الدالة على التأكيد، وثانيا بالجملة الاسمية الدالة على الاستمرار والدوام، وثالثا - بتقديم الجار والمجرور الدال على اختصاصهم بعذاب النار، ورابعا ببيان أن الكفر هو السبب، لأنه عبر بالوصف، وذلك دليل على أن الكفر هو السبب في عذاب النار. .

стр. 4151

اللهم اكفنا شره، واقبل من حسناتنا ما يمحو سيئاتنا، فإنك قلت قولك الحق: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). * * * (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) * * * هذه معركة الإيمان والكفر، وإن شئت فقل معركة الله ورسوله مع الكافرين؛ لأن المؤمنين اتخذوا الأسباب، لأنهم توكلوا على الله واستغاثوا به، ولأنه لم يكن فيهم ضعفاء الإيمان أو المنافقون، فكانت معركة الله حقا وصدقا، وهو (عَزِيزٌ حَكِيمٌ). يبين الله تعالى أن أول النصر الثبات، وألا يفر من الميدان؛ ولذا شدد في منع الفرار، لأن الفرار أول الهزيمة، ولأنه خور في العزيمة، ولأنه والصبر نقيضان لَا يجتمعان ولا معذرة في فرار قط، ولأن يقتل الرجل وهو مقبل بصدره، خير من أن يقتل وهو مدبر بظهره.

стр. 4152

وقال تعالى:

стр. 4153

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا). النداء للمؤمنين بوصف كونهم مؤمنين، والإيمان صبر وفداء، فالنداء بالذين آمنوا تحريض على الصبر واللقاء والثبات، وذكر لقاء الكافرين، وهم كانوا يتمنون لقاءهم لينتصروا لله منهم، وليردوا كيدهم، فكان نداء أهل الإيمان بعنوان الإيمان تحريضا على الثبات والمجاهدة، وكان ذكر لقاء الكافرين تحريضا أشد؛ لأنهم الذين آذوهم وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم؛ ولذا كان النهي بعد التمهيد، فقال: (فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) و " الفاء " واقعة في جواب الشرط، وعبر عن النهي عن الفرار بقوله تعالى: (فَلا تُوَلّوهُمُ الأَدْبَارَ) ومعنى تولي الدبر، أي أن يتركوا ظهورهم للسيوف تضرب في أدبارهم، وذلك منظر هو من أقبح المناظر وأقبح تصوير للفرار من الميدان بضرب السيف في دبره وقفاه، وإن من ئقتل في صدره لَا ئقتل إلا بعد أن يَقْتل من الأعداء، أما من يُقتل في ظهره، فإنه يذهب دمه عبيطا (١)، لَا يثأر لنفسه. وقد قال تعالى:

стр. 4154

(وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) ذكر مفردا فارا؛ للإشارة إلى وجوب التضافر والتآزر، وألا ينفرد بقرار، وألا يكون إلا في جماعة. وقد استثنى الله تعالى من الذين يتركون الميدان طائفتين لَا تُعدان فارتين، بل تُعدان متقاتلين. أولاهما - المتحرفة لقتال، والثانية - المتحيزة إلى فئة. المتحرفة معناها المائلة، والمتحيزة هي التي تتجه إلى حوزة جماعة من جماعة المسلمين.

стр. 4155

والمتحرفة المراد بها المائلة في القتال غير تاركة، ولكنها آخذه بضرب من ضروب الحيلة والخديعة، وقد ضرب لذلك الحافظ ابن كثير مثلا، فقال: " ذلك الذي يظهر أنه يميل إلى الفرار حتى إذا اطمأن محاربه انقض إليه غرة وقتله، والمتحيز إلى فئة الذي يلجأ إلى فئة يحسبها تحتاج إلى قوة فينضم إليها مقويا صفوفها ". وهاتان الطائفتان لَا تعتبران فارتين ولا موليتين الأدبار، ولذا نقرر أن الاستثناء منقطع، بمعنى لكن، أي لكن التحرف أو المتحيز لطائفة لَا يعدان مولين الأدبار. وقد يكون الفرار أمراً ضروريا إذا كان العدو أغلب، ولكن الفرار لَا يكون بتولية الأدبار، بل يكون بتدبير الانسحاب ويكون بالتراجع، من غير أن يولوا ظهورهم للأعداء، يضربون في أدبارهم، كما فعل القائد العظيم خالد بن الوليد هذا عندما آل إليه أمر القيادة بعد قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله ابن رواحة، فقد رأى أن أمامه جيشا يعد بمئات الألوف، ومعه ثلاثة ألوف، فقد أخذ يتراجع، ويوهم الأعداء أنه قد جاءه مدد حتى عاد إلى المدينة وسماهم بعض المجاهدين فرَّارين، وسماهم النبي ﷺ " العكارين " (١) أي الكرارين. وإن الفرار في الزحف من أكبر الكبائر، فقد قال ﷺ : " اجتنبوا السبع الموبقات، قيل يا رسول الله وما هن؛ قال: الشرك بالله والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " (٢).

стр. 4156

وقد تكلم العلماء في الفرار، فأجازه بعضهم إذا كان العدو كثيفا، والمؤمنون قلة، وهم مأكولون لَا محالة، ونحن لَا نجيز تولية الأدبار مطلقا، لأنه تمكين من رقاب المؤمنين، وإذهاب للبأس، ولكن نجيز التراجع المنظم كما فعل القائد العظيم خالد، إن تولية الأدبار إذلال للمؤمنين وتمكين من القتل الرخيص وليس هو التراجع الحكيم؛ لأن المتراجع يحمي صدره، والمولي الأدبار يمكنهم من ظهره. وقد بين الله سبحانه في النهي عن الفرار جزاء من يولهم يومئذ دبره، فقال تعالى: (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ) أي يوم الزحف ولي مدبرا مضطربا (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي رجع مغضوبا عليه من الله تعالى، فغضب عليه، والواجب أن يطلب رضوانه، (وَمَأوَاهُ جَهَنَّمُ)، أي الذي يأوي إليه جهنم (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ). وبعد ذلك بين الله أن النصر بيد الله، وأنه سبحانه هو الذي يهزم المشركين، وهو الذي يرميهم فقال تعالى:

стр. 4157

(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) وفق الله المؤمنين في هذه الغزوة، كانوا قلة فأراهم المشركين كثيرين، ورأوا المشركين قليلا وهم كثيرون، وسهل الله السبل للمؤمنين فألقى في قلوبهم الرعب وأمدكم بالملائكة، فملأكم روحانية وجعلهم الله بشرى لكم، واطمأنت قلوبكم، وغشاكم النعاس، وأنزل عليهم الماء فثبَّت به الأقدام وطهر رجز الشيطان. أمدهم الله تعالى بهذا فكان النصر، وقد قال تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فئَةً كَثِيرَةً بِإذنِ اللَّه)، فكان النصر من عند الله، وكما قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصرَكُمُ اللًّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ)، ولما أصابهم الغرور، وحرمهم الله من نصره ابتداء ولوا الأدبار، وقال الله تعالى في ذلك: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥). لهذا التوفيق

стр. 4158

وذلك التأييد الذي تكاثر في غزوة بدر نسب الله تعالى النصر إليه سبحانه، والقتل إليه والرمي إليه، فقال تعالى: (فَلَمْ تَقْتلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) نفَى سبحانه أنهم قتلوهم، لأنهم لم يكونوا المسلطين عليهم من أنفسهم إنما سلطهم الله تعالى عليهم، وهو الذي أرداهم، و " الفاء " مترتبة على ما قبلها ما دام الله تعالى هو الذي هداهم وحرضهم، وأيدهم بنصره، وبملائكته ثم قال: (وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) إما أن نقول إن القتل حق لله تعالي؛ لأنه هو الفاعل المختار، وإن نظرنا إلى الأسباب العادية نقول: إنه من قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب، فلأن الله تعالى هو السبب في القتل أسند القتل إليه. وكذلك قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى). قال بعض المفسرين على أن المراد من الرمي هو الرمي بالنبال المريشة التي تصيب المقاتل، ويكون من قبيل إطلاق المسبب وإرادة السبب؛ لأن الله تعالى هو السبب إذ هو الموفق، وهو المؤيد، وهو الممد بالملائكة وهو ملقى الرعب في قلوب المشركين. وقال بعض المفسرين: إن النبي ﷺ عندما التقى الجمعان قبض قبضة من التراب، ورمى بها المشركين، وقال: " شاهت الوجوه " (١)، فاضطربت الأبصار، وزاغت القلوب. فقوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) أي فلَسْت أنت الذي رميت إنما الله تعالى هو الذي رمى؛ ولذلك أفرد النبي ﷺ بالخطاب لأنه هو الذي رمى. وإني أميل إلى التفسير الأول لأنه هو الأوضح، ونحن نميل إلى الواضح من الآراء.

стр. 4159

وإن الله فعل ذلك، ليؤيد المؤمنين بنصره، (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا) أي ليعامل المؤمنين معاملة المختبر الذي يبليهم بلاء حسنا، أي بلاء نتيجته حسنة دائما، وذلك بأن يكلفهم، وأن يتخذوا هم الأسباب للنصر المؤزر، والعزة والرفعة، وأن تكون كلمة الله على أيديهم هي العليا، وهو العزيز الحكيم، ولقد قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي إن الله عالم علم من يسمع، ومحيط بكل شيء علما. وإن الله تعالى إذ ينصر المؤمنين ذلك النصر بإرادته وتقديره هو الذي يوهن شأن الكافرين فالله ناصر المؤمنين، وهازم الكافرين؛ ولذا قال تعالى:

стр. 4160

(ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨) الإشارة إلى نصر الله تعالى وما كان من تأييده حتى شرف الله تعالى ذلك القتل والقتال بأن نسبه إليه سبحانه، وأتى بضمير الخطاب للجمع، لإعلام الجميع بذلك النصر، وخبر اسم الإشارة محذوف معلوم من الكلام، أي ذلك النصر المؤزر ثابت لكم وحسبه نعمة أنعم بها عليكم، فالنصر وحده له فرحة شديدة، فتقبلوا نعمة الله فيه، وعطف على هذا النصر أمر آخر جليل في ذاته وهو ثمرة النصر، وهو قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) فموهن معطوف على ما يفهم من الكلام السابق وهو فوق بشرى النصر بشرى إضعاف وتوهين شأن المشركين وكيدهم، لقد كانوا أصحاب القوة والسطوة، والسلطان والشرف في البلاد العربية وكانوا يستطيلون بكل ذلك على المؤمنين، فلما جاء النصر المبين لتلك الفئة الصغيرة واستطالت عليهم ونالت النصر دونهم وهنوا في أنفسهم، وإذا وهنوا في ذات أنفسهم وهن كيدهم للمسلمين، وهو تدبيرهم، وتأليبهم العرب عليهم، وحربهم، وصاروا يرهبونهم بعد أن كانوا يستضعفونهم، ويرون فيهم العزة. فهذه الحرب المقدسة كان لها ثمرتان دانيتان: إحداهما - النصر في ذاته، وأن صارت كلمة الله هي العليا وكلمة الشرك هي السفلى، وتلك نعمة أنعم الله تعالى بها عليهم.

стр. 4161

الثانية - أنه انتهى عهد الاستهانة بالمسلمين واستعلاء المشركين عليهم ووهن أمر الكافرين لديهم فكانت تلك هي الضربة القاصمة التي كسرت أنفتهم وكبرياءهم. وعبر الله تعالى بالكافرين لبيان أن الكفر هو السبب في وهنهم، والله من ورائهم، قال الله تعالى:

стр. 4162

(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) بعد أن ذكر الله تعالى غزوة بدر الكبرى، أو (يوم الفرقان) كما سماها القرآن الكريم، - أخذ يشير إلى المغزى الأمثل فيها، وهو الطاعة لله ورسوله، فهو كان أساس النصر، وتخاذل النصر في أحد، لنقصان في الطاعة للرسول ﷺ ، وفي هذه الآيات يبين الله تعالى مقصد الحرب عند الفريقين، ومقام طاعة الله تعالى فيها. قال تعالى: (إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكمُ الْفَتْحُ). الاستفتاح السين والتاء لطلب الفتِح، وهو النصر أو الفصل بين الحق والباطل، كقوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْن قَوْمِنَا بِالْحَقِّ). وهل استفتح المشركون، أي أيُعد الخطاب للمشركين، أم يعد الخطاب للمؤمنين؟، إن الخطاب في الآيات السابقة لهِذه الآية للمؤمنين مثل (فَلَمْ تَقْتلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهُ رَمى)، وقوله تعالى: (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) وهكذا تجد الآيات السابقة المخاطب فيها المؤمنون، والمتحدث عنهم بالغيبة الكافرون، وكان مقتضى السياق ذلك، كما هو فيما بعد هذه. لكن طائفة من المفسرين قالوا: إن الخطاب للمشركين، لأنهم استفتحوا فعلا بالله الذي كانوا يعلمونه، وإن لم يوحدوه في العبودية، ولقد ذكر الزمخشري وابن كثير وابن جرير عدة صور من عبارات استفتاحهم فيروى أنهم عندما أرادوا أن ينفروا لحماية العير، ومحاربة النبي ﷺ تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم

стр. 4163

انصر قِرانا للضيف، وَوَصلنا للرحم، وفكَّنا للعاني إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على حق فانصرنا. ويروى أنهم قالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، ويروى أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحْنه، أي فأهلكه. هذه صور للاستفتاح المروي، وإن صح أن الاستفتاح كان منهم فلعلها جميعها قد وقعت منهم والاختلاف اختلاف عبارات لآحادهم لَا لجمعهم. وقوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ)، قال الزمخشري: إنه تهكم عليهم، من حيث إن الفتح كان على غير ما يرغبون، وقد يقال: إنه أريد الحد، لأنكم إذا كنتم تستفتحون طالبين الفصل بينكم وبين محمد ﷺ فها هو ذا الفصل، فاخضعوا له ولكنهم لَا يطلبون حقا، ولا يخضعون للحق، وإن تنتهوا بالإيمان بالحق بموجب استفتاحكم ووعدكم فهو الإيمان وهو خير لكم، وإن تعودوا إلى الباطل ومحاربة محمد ومن معه نَعُدْ إليهم بالنصر، ولن تغني عنكم جماعتكم وكثرتكم شيئا، ولو كثرت، وإن الله تعالى مع المؤمنين دائما بنصره وتأييده، وقد رأيتم مرات هذا " النصر وذلك التأييد، فصارت كلمتهم هي العليا والله عزيز حكيم. هذا هو توجيه القول الكريم على أساس أن الخطاب للمشركين، وهو ظاهر لا يقاومه إلا سيأتي الآيات السابقة قبلها وبعدها. وأما تخريج القول الكريم على أن الخطاب للمؤمنين فإنه يؤيد سياق الخطاب، ويكون المعنى إن تستفتحوا أيها المؤمنون، بأن تتضرعوا إلى الله تعالى طالبين الفتح والنصر، وتستغيثون به، فقد جاءكم النصر فعلا، ومعه الغنائم التي طلبتموها وأردتموها، وقد علمتم أن ذلك بفضل الطاعة، والامتناع عن العصيان (وَإِن ثَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) أي إن تنتهوا إلى الطاعة، وإصلاح ذات بينكم وتقوية جمعكم، فهو خير لكم، (وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ) أي إن تعودوا إلى المشاحنة والخلاف

стр. 4164

على الغنائم والمنازعة نعد لكم بالخذلان والفشل، كما قال تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، ولا تغني الكثرة شيئا مع الاختلاف لأن الاختلاف لَا يكون فيه القوة على العدو، ولكن يكون بأسهم بينهم شديدا، فحربهم على أنفسهم لَا على أعدائهم، وقد أكد الله ذلك فقال: (وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ). أكد النفي بـ " لن "، وأنه لَا يغني أي شيء ولو قليلا، وثالثا أنه لَا يغني مع الكثرة. وإن الله علام الغيوب، يخبر بما سيكون يوم أحد، فقد كانت معهم قوة، وسابقة نصر، ولكن لم يطيعوا واختلفوا على الغنائم فلم ينتصروا، ولا نقول انهزموا، بل كان الأمر بينهما. ذلكم تخريجان، ونحن نرى أن الأقرب إلى سياق الآيات، وإلى سياق الأمر بالطاعة، وإلى الانسجام البياني المعجز، أن نقول: إن الخطاب للمؤمنين تحذيرا وإنذارا. وِختم الله تعالى الآية بقوله تعالت حكمته وكلماته: (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنين) " أنَّ " مفتوحة الهمزة للدلالة على أنها متعلقة بقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنَُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) ويكون هذا قرينة على أن الخطاب للمؤمنين وليس للكافرين، وهناك قراءة تقول: إن " إنَّ " مكسورة. والتعبير بقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) سواء أكانت أن مكسورة أو مفتوحة يدل على أمرين: أحدهما - أن الله تعالى مع المؤمنين، ينصرهم، ويكون الفتح في جانبهم ومعهم دائما، والثاني - أن ذلك يكون إذا تخلقوا باخلاق المؤمنين، ولم يتفرقوا، حتى لَا يفشلوا فتذهب ريحهم. وبعد أن أشار سبحانه إلى أن قوة المؤمنين في طاعتهم لله ورسوله واستمساكهم وتعاونهم وتضافرهم أقر بالأمر الجامع بينهم، وهو الطاعة فقال: * * *

стр. 4165

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) * * * النداء في قوله تعالى:

стр. 4166

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) بالبعيد لعموم النداء ولأهمية ما يدعوهم إليه سبحانه، وهو الدفاع عن المؤمنين والضعفاء، والشيوخ والنساء والذرية، نادهم بطاعة الله ورسوله، والنداء من النبي ﷺ ، وهو الذي يجاب فمقام الله تعالى لَا يتطاولون إليه، وإنما يخاطب رسوله. وذكر الله تعالى (رسوله) هنا للدلالة أولا - على أن من يطع الرسول يطع الله تعالى، وثانيا - لأنه هو الذي ينصر، وهو الذي يعز ويذل، فإجابته اعتزاز بمنشئ الوجود كله، وثالثا - لأنه المسيطر علينا وعليهم كما كان النبي ﷺ يقول في دعائه عند الدخول في حرب: " اللهم إنهم عبادك ونحن عبادك " لهذا ذُكِر الله تعالى قبل ذكر الرسول، والنبي ﷺ -مّ هو الذي يتولى دعوتهم. ويقول : (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتمْ تَسْمَعونَ) (وَلا تَوَلَّوْا) بتخفيف إحدى التاءين، وهناك قراءة بثبوت التاءين معا (ولا تتولوا). والتوالي الإعراض، أو الانصراف، والمعنى لَا تنصرفوا، وأنتم تسمعون القول، والانصراف وهم يسمعون القول، يتضمن معنيين: أولهما - أن يكون التولي نفسيا، فهم يكونون سامعين ولكن غير واعين، ومخير منفذين، ولا نقول غير مطبقين، ولكن نقول غير مقدرين القول قدره. وثانيهما - أن يعرضوا عن النبي ﷺ فيعرضوا حسيا، وهو يتكلم، وهم يسمعون، وخلاصة المؤدى أن النص يطالب بثلاثة أمور: أولها - سماعهم سماع وعي وعناية بالقول بفهمه، وتعرف مراده.

стр. 4167

ثانيها - ألا يعرضوا عن القول فكرا أو نفسا، وأن يكونوا معه بقلوبهم، وكل جوارحهم. وثالثها - الطاعة المطلقة فيما لَا رأي فيه، ومراجعة النبي ﷺ فيما رأى في حرب، أو مكيدة، كما شاور النبي ﷺ في منزل الحرب في غزوة بدر الصحابي حبُاب بن المنذر ﵁. وهنا إشارة بيانية لابد من ذكرها، هي أن الله تعالى طالب بطاعة الله ورسوله، وعندما نهى عن الإعراض أعاد الضمير مفردا فقال: (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ). والجواب عن ذلك أن طلب الطاعة لهما لما ذكرنا، ولكن النبي ﷺ هو الذي خاطبهم وهو المتحدث باسم ربه عنهم، ولا يتصور أن يكون التولي عن الله تعالى، بل التولي عنه ﷺ ، وإن نسبة التولي منهم لله تعالى لَا تليق، وإن كانت غير ممكنة. والنهي عن التولي، وهم في حال يسمعون فيها؛ ولذا قال: (وَأَنتمْ تَسْمَعُونَ) فهو دعوة إلى حسن الاستماع؛ ولذا قال تعالى مؤكدا هذا المعنى:

стр. 4168

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) أي لَا يكن حالكم كحال الذين يقولون بأفواههم سمعنا، (وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) أي سمعنا، ولم نع ما نقول ولم نتدبره، ونتفكر فيه ونعمل على تنفيذ ما طلبه القائل، فهم سمعوا بآذانهم، ولم يسمعوا بقلوبهم. وإن هذا النص يؤخذ منه بالتضمن أن السماع أقسام ثلاثة: أولها - سماع تفهم وتدبر وإدراك وتنفيذ على بصر وعلم، وهذا الذي يطلبه الله تعالى والنبي ﷺ ، وهو الذي ذكرناه آنفا. والثاني - سماع من غير تدبر وإدراك وتبصر، وهذا ما ينهاهم الله تعالى عنه، وهو إن لم يكن نفاقا فهو غفلة عن الحق، وليس سماع وعي وإنصات.

стр. 4169

والثالث - سماع أهل النفاق الذين يقولون: سمعنا وعصينا، أو الذين يحرفون القول عن موضعه. ومهما يكن فهذان القسمان الآخران سماع كَلا سماع. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. * * * سماع الحق (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) * * * إن الله تعالى أعطى الإنسان أدوات الفهم التي تميزه عن الحيوان، وتجعله كونا مستقلا قائما بذاته، وما ذلك إلا ليحتل المكانة التي هيأها الله تعالى له في هذا العالم بين العالمين فقال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨). فالسمع لمعرفة ما أمر الله، والبصر لمعرفة آيات الله في كونه، والأفئدة ليدرك وليفهم ويعلم، وهذا شكرها.

стр. 4170

وإنه إذا فقد ما خصه الله تعالى به من هذه النعم فقد نزل من درجات الإنسانية إلى حضيض الحيوانية، وكان شر الدواب في هذا الكون؛ ولذا قال تعالى:
следующие страницы →