(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) بالبعيد لعموم النداء ولأهمية ما يدعوهم إليه سبحانه، وهو الدفاع عن المؤمنين والضعفاء، والشيوخ والنساء والذرية، نادهم بطاعة الله ورسوله، والنداء من النبي ﷺ ، وهو الذي يجاب فمقام الله تعالى لَا يتطاولون إليه، وإنما يخاطب رسوله.
وذكر الله تعالى (رسوله) هنا للدلالة أولا - على أن من يطع الرسول يطع الله تعالى، وثانيا - لأنه هو الذي ينصر، وهو الذي يعز ويذل، فإجابته اعتزاز بمنشئ الوجود كله، وثالثا - لأنه المسيطر علينا وعليهم كما كان النبي ﷺ يقول في دعائه عند الدخول في حرب: " اللهم إنهم عبادك ونحن عبادك " لهذا ذُكِر الله تعالى قبل ذكر الرسول، والنبي ﷺ -مّ هو الذي يتولى دعوتهم.
ويقول : (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتمْ تَسْمَعونَ)
(وَلا تَوَلَّوْا) بتخفيف إحدى التاءين، وهناك قراءة بثبوت التاءين معا (ولا تتولوا). والتوالي الإعراض، أو الانصراف، والمعنى لَا تنصرفوا، وأنتم تسمعون القول، والانصراف وهم يسمعون القول، يتضمن معنيين: أولهما - أن يكون التولي نفسيا، فهم يكونون سامعين ولكن غير واعين، ومخير منفذين، ولا نقول غير مطبقين، ولكن نقول غير مقدرين القول قدره.
وثانيهما - أن يعرضوا عن النبي ﷺ فيعرضوا حسيا، وهو يتكلم، وهم يسمعون، وخلاصة المؤدى أن النص يطالب بثلاثة أمور:
أولها - سماعهم سماع وعي وعناية بالقول بفهمه، وتعرف مراده.
стр. 4167
ثانيها - ألا يعرضوا عن القول فكرا أو نفسا، وأن يكونوا معه بقلوبهم، وكل جوارحهم.
وثالثها - الطاعة المطلقة فيما لَا رأي فيه، ومراجعة النبي ﷺ فيما رأى في حرب، أو مكيدة، كما شاور النبي ﷺ في منزل الحرب في غزوة بدر الصحابي حبُاب بن المنذر ﵁. وهنا إشارة بيانية لابد من ذكرها، هي أن الله تعالى طالب بطاعة الله ورسوله، وعندما نهى عن الإعراض أعاد الضمير مفردا فقال: (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ).
والجواب عن ذلك أن طلب الطاعة لهما لما ذكرنا، ولكن النبي ﷺ هو الذي خاطبهم وهو المتحدث باسم ربه عنهم، ولا يتصور أن يكون التولي عن الله تعالى، بل التولي عنه ﷺ ، وإن نسبة التولي منهم لله تعالى لَا تليق، وإن كانت غير ممكنة.
والنهي عن التولي، وهم في حال يسمعون فيها؛ ولذا قال: (وَأَنتمْ تَسْمَعُونَ) فهو دعوة إلى حسن الاستماع؛ ولذا قال تعالى مؤكدا هذا المعنى:
стр. 4168
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)
أي لَا يكن حالكم كحال الذين يقولون بأفواههم سمعنا، (وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) أي سمعنا، ولم نع ما نقول ولم نتدبره، ونتفكر فيه ونعمل على تنفيذ
ما طلبه القائل، فهم سمعوا بآذانهم، ولم يسمعوا بقلوبهم.
وإن هذا النص يؤخذ منه بالتضمن أن السماع أقسام ثلاثة:
أولها - سماع تفهم وتدبر وإدراك وتنفيذ على بصر وعلم، وهذا الذي يطلبه الله تعالى والنبي ﷺ ، وهو الذي ذكرناه آنفا.
والثاني - سماع من غير تدبر وإدراك وتبصر، وهذا ما ينهاهم الله تعالى عنه، وهو إن لم يكن نفاقا فهو غفلة عن الحق، وليس سماع وعي وإنصات.
стр. 4169
والثالث - سماع أهل النفاق الذين يقولون: سمعنا وعصينا، أو الذين يحرفون القول عن موضعه.
ومهما يكن فهذان القسمان الآخران سماع كَلا سماع. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
* * *
سماع الحق
(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)
* * *
إن الله تعالى أعطى الإنسان أدوات الفهم التي تميزه عن الحيوان، وتجعله كونا مستقلا قائما بذاته، وما ذلك إلا ليحتل المكانة التي هيأها الله تعالى له في هذا العالم بين العالمين فقال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨). فالسمع لمعرفة ما أمر الله، والبصر لمعرفة آيات الله في كونه، والأفئدة ليدرك وليفهم ويعلم، وهذا شكرها.
стр. 4170
وإنه إذا فقد ما خصه الله تعالى به من هذه النعم فقد نزل من درجات الإنسانية إلى حضيض الحيوانية، وكان شر الدواب في هذا الكون؛ ولذا قال تعالى:
стр. 4171
(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ).
الدواب جمع دابة وهي ما يدب على وجه الأرض من النملة إلى الحشرة إلى ما فوق ذلك، وإنه إذا عبر عن الإنسان بأصغر ما ينطبق عليه اسم الدواب والحيوان كان ذلك تحقيرا له واستهانة بأمره من زعيم يرفع ويخفض إلى حيوان لَا يملك من أمره شيئا، تدعكه الأرض بالأقدام، وهو حيوان كله آفات، ليس بكامل بل هو أصم لَا يسمع، أبكم لَا ينطق، وهو لَا يعقل فليس فيه قلب يفقه، ولا عقل يعقل، إنه شائه (١) في ذاته، ناقص في كونه، وإن كان ذا رواء؛ لأن تقدير الإنسان ليس بشكله وصورته، ولكن بقلبه وعمله.
وفى الكلام استعارة تمثيلية شبه فيها من لَا يسمع الحق ولا يدركه، ولا يبصر الآيات ولا يتأملها، ومن لَا يفقه الحق ولا يدرك بالدابة التي لَا تسمع مواطئ الأقدام، فتطؤها، ومن لَا ينطق مستغيثا، فتدقه الأمور دقا، ومن لَا يعقل ما يضره، فيكون فريسة الكل، وجامع التشبيه هو عدم الفائدة من هذه الحواس فهي إذا كانت ذات فائدة في ذاتها فإنه لَا يستفيد منها، ومن لَا يستفيد من شيء فوجوده وعدمه سواء.
وإن تشبيه الكافر بالدابة هو أصغر تشبيه له، وقد قال تعالى في تشبيهه:
(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١).
وكقوله تعالى: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
وإنهم لو سمعوا لَا يجيبون، ولذا قال تعالى:
стр. 4172
(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)
هذا ترشيح للاستعارة التي قوامها تشبيه حالهم في أنهم لَا يسمعون سماع تدبر، ولا يبصرون بصر تأمل، بمن لَا يسمعون ولا يبصرون فهذا النص تقوية للتشبيه؛ لأنه قرينة تساعد المشبه به.
стр. 4173
وإن الله تعالى بكل شيء عليم، فهو سبحانه يعلم ما كان وما سيكون، وهو قد قدر كل شيء بعلمه، وقد قدر سبحانه في علمه أنهم لَا يهتدون؛ لأنهم لم يسلكوا طريق الهداية، ولن يسلكوه، وذلك لَا ينافي اختيارهم، كما قال الإمام على - كرم الله وجهه - وفسر قَدَر الله بعلمه الواسع المحكم.
(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ) " لو " هي حرف امتناع لامتناع، أي امتنع إسماع تعالى لهم الكلام إسماع تدبر وإدراك لما فيه من تهديد وإنذار وتبشير، وامتنع ذلك لأنه لم يعلم خيرا في السماع، والمعنى لو علم الله أنه سيترتب على سماعهم تدبرهم وتفكرهم، وأنه سيترتب خير كالعظة والاعتبار - لأسمعهم ولبيان أن من كتب الله تعالى شقوتهم لَا جدوى معهم فقال: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وهُم مُّعْرِضونَ) ولو سمعوا سماع تدبر، وإمعان وإدراك ما صبروا على الحق، بل إن قلوبهم في ريب دائم مستمر، واضطراب لَا استقرار معه، فالحق يحتاج البقاءُ عليه إلى صبر، ودوام تأمل وتفكر؛ فليس الإيمان واقعة تمر، بل هو حال مستمرة دائمة، يغذيها التدبر، ويقويها طول التأمل، وهؤلاء، إن سمعوا وتفكروا حينا، لَا تستمر بشاشة الإيمان في قلوبهم.
ولذا قال تعالى في جواب الشرط: (لَتَوَلَّوْا وهُم مُّعْرِضُونَ) وهذه صورة حال المعرضين بعد أن كاد يدخل نور الإيمان قلوبهم، التولي أن يولي جنبه بدل وجهه ولإظهار أنه معرض شبهت حالهم وقد أعرضوا عن الحق وتركوه بحال الذين يديرون وجوههم وهم معرضون، غير مقبلين.
والله يدعوهم إلى الحق، ويناديهم ليجيبوه؛ ولذا قال تعالى:
الإجابة، والسين والتاء للطلب، ومعنى ذلك أن المنادين يطلبون إجابة أنفسهم، أي يسعون لأن يجيبوا؛ لأن الإجابة لمنفعة أنفسهم، لَا لمنفعة من يجيبونه فالخير عائد إليهم، وذكر الرسول بجوار إجابة الله تعالى للدلالة على أن إجابة الرسول إجابة لله تعالى، ولبيان أن الرسول هو الذي يوجه الخطاب عن ربه لذا عاد الضمير بلفظ المفرد.
والاستجابة لأمر عظيم، وصفه الله تعالى بأنه (يُحْيِيكُمْ) فقال: (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) والأمر الذي يحيي الناس جميعا؛ لأنه يعم كل المؤمنين - هو العقيدة، وما اشتمل عليه القرآن من أوامر ونواه، وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، فإن العقيدة وما اشتملت عليه من توحيد بها إحياء للعقول والنفوس بإدراك الحق، وإنقاذها من الأوهام، والبعد عن مزالق الشيطان، والشريعة بما فيها من أحكام زاجرة، وأحكام مصلحة ورابطة للعلاقات الإنسانية على أكمل وجوه التعاون، فيِ كل هذا حياة للجماعات؛ ولذا قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)، فجعل الهداية حياة، وجعل الشرك موتا، أو عيشا في الظلمات.
وبعض المفسرين قال: إن المراد بما يحيي هنا الجهاد؛ لأن الجهاد في طلب الحق به حياة الأمم، فما تركت أمة الجهاد إلا أماتها الذل، وما اعتزت أمة بالجهاد إلا وُهبت الحياة، كما قال خليفة رسول الله ﷺ : (اطلب الموت توهب لك الحياة)، وكما قال الأستاذ الشيخ محمد عبده: (إن موتا في سبيل الحق هو عين البقاء، وحياة في ذلة هي عين الفناء).
وإن الحق أن يكون ما يدعو إليه النبي ﷺ من الشريعة كلها من عدل وتعاون وأمر بمعروف، ونهى عن منكر، وجهاد في سبيل الله، وهو أعلاها، وهو سنام الحق وعزته.
ويقول حاثًّا على القيام بالحق ومحاربة الهوى:
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)
стр. 4176
ذكر الزمخشري في تفسيره أن هذا التعبير السامي يحتمل ثلاثة تفسيرات: أولهما - أن الله تعالى مالك للإنسان في أفكاره ومشاعره، فهو موجه قلبه إلى ما يريده الله تعالى، فالله مالك كل شيء، وهو الموجه إليه في مصيره، أي أنه هو الذي يحول المرء وقلبه واتجاهه، فهو لَا يملك من أمره شيئا، وقالوا: إن هذا يفسر قول النبي ﷺ مخاطبا ربه: " أنت مقلب القلوب " (١)، ويظهر أن الزمخشري المعتزلي لَا يرتضي هذا؛ ولذلك يقول إنه قول بعض الجَبْرِية، وذلك غير مذهبه، ويقول تعليقا على ذلك: إن الله لَا يوجه جبرا ولكن يوجه من سار في الخير إلى ما سار فيه، ومن سار في غيره إلى نهايته.
والاحتمال الثاني - وهو الذي أختاره، أن المعنى أن الله بأوامره ونواهيه يحول بين المرء وقلبه، أي بين المرء وما تهواه نفسه، ويشتهيه قلبه من لذائذ هذه الدنيا، وشهواتها، فالشريعة قامعة للنفوس كابحة للأهواء.
وإننا نرى ذلك حقا من غير أن نقرر بطلان السابق، كما أشار الزمخشري.
والاحتمال الثالث - أن يراد قرب العبد من الله، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد وأنه بينه وبين قلبه، كما قال الله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ).
وانه لَا مانع من الجمع بين هذه الاحتمالات فليست متعارضة، ولا شبه متعارضة، فيصح أن يراد أن الله مالك كل شيء، وأن شريعته فاصلة بين المرء وأهوائه، وأن الله تعالى قريب منه مجيب دعاءه إذا دعاه، وأنه رقيب عليه يراه.
стр. 4177
ثم بين الله سبحانه أنه راجع إليه سبحانه، فقال منذرا، مبشرا: (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرون).
الضمير ضمير الشأن، والمعنى، وأنه الحال والشأن تُحشرون، أي تجمعون مهما يكن جمعكم، ومهما تداخلت أجزاؤكم في الأجسام، ولو كنتم في حجارة أو حديد، أو خلق مما يكبر في صدوركم، فأنتم مجتمعون، والتعبير بـ (تحشرون) يفيد الجمع مهما يكن العدد، ومهما تتناثر الأجزاء أو يتباين كونها.
وقدم الجار والمجرور للدلالة على أن الناس جميعا يحشرون إليه وحده، وهو الذي أنذر وبشر، وأنه منفذ ما وعد، وما أوعد.
فهذه الجملة السامية تربي مهابة اللقاء، وتؤكده، وإنه لقاء بالغفور الرحيم العزيز الحكيم المنعم الجبار.
стр. 4178
(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)
إن ظلم الجماعات لَا تقف مغباته عند من يرتكبون الظلم، بل يتجاوز إلى الإفساد في الجماعة نفسها، فمن أشاع الفاحشة في الذين آمنوا بأن جاهر بها مرتكبا لها، أو أشاع قول السوء في الجماعة - إنما يدعو إليها، محرضا عليها ولو كان ما يرتكبه ليس كثيرًا، ولكن المجاهرة بها دعوة إليها، وتحريض عليها، ولذلك كان النبي ﷺ يدعو إلى الاستتار، فيقول فيما روى الشافعي: " يا معشر الناس من ارتكب شيئا من هذه القاذورات، فليستتر، فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد " (١).
ومن أجل هذا حث الله تعالى على اتقاء الفتن، وهي الذنوب، أو الذنوب التي تختبر بها الجماعات ومن شأنها أن تشيع أو تفسد رأيها العام، كما نرى في عصور الانحلال وشيوع الفساد، وشيوع الدعوات المنحرفة، ويكون فيها الهوى
стр. 4179
متبعا، والرأي منحرفا، أو الفتن تموج كموج البحر، كما رأينا في بغي معاوية ومن معه على إمام الهدى عالم المسلمين، وحامل سيف الحق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
يقول تعالى: (وَاتَّقوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً) ومعنى اتقوا: اجعلوا بينكم وبين الفتن التي تعم آثارها وقاية، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنوير العقول وتثقيف القلوب. وتطهير الرأي العام من شيوع الأقوال الباطلة، فإنها تفسد الأفكار ولا تجعلها متجهة صوب الحق، بل تتميع العقول، ويكون شح مطاع وهوى متبع، ولا يكون التفكير الدقيق لما يقال، بل يتبع كل فاسق.
وإن الوقاية تكون بأمرين: أولهما - العدل، وثانيهما - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولذا قال النبي ﷺ : " لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطُرنه على الحق أطرا، أو ليضرِبَنَّ الله بقلوب بعْضكم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم " (١).
وقوله تعالى: (لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمًوا منكُمْ خَاصَّةً) هي جواب لشرط محذوف أو في معنى جواب الأمر، وهو (اتَّقُوا)، والمعنى: إن تتقوها، لَا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. ودخلت نون التوكيد الثقيلة؛ لأن جواب الأمر في معنى الأمر، ونون التوكيد تدخل الأمر فتؤكد جوابه، وذكرت الصلة في الموصول للإشارة إلى السبب وهو الظلم الذي يعم، ولا يخص، وأظهر الظلم ليتبين أنه السبب، وأن السبب في عموم الفتن أو الذنوب، أو الفساد في الأمة بعمل الطاغين، وعدم الخصوصية أن ظلم الخاصة تكون نتيجته على الجميع؛ لأنه لا يوجد من ينهاهم، وقد أمروا بأن ينهوهم بل أن يحاجزوا بينهم وبين الظلم كما أشرنا، وكما روينا عن النبي ﷺ ، وقد قال ﷺ : " لا تؤخذ العامة بظلم الخاصة
стр. 4180
إلا إذا رأوه ولم ينكروه "، فلا يعترض على عموم الفتنة بقوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرَى)، فالعامة لَا يؤخذون بوزر غيرهم إنما يؤخذون بتقصيرهم، وإنه إذا كان الفساد من بعضهم، فأثر الفساد يعم، فإذا شاع العبث، ونتأ برأسه غير مبال بشيء فإن الجماعة كلها مسئولة؛ لأنها لم تأخذ على يد من يدعو إلى الشر، ويعلنه جهارا، ورضيت من المتسلطين ما يفعلون أو لم يستنكروا، ولم يقاطعوا أعمال المنكَرين، ومن يدفعونهم أو يشجعونهم، فكانوا وهم على سواء. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإنه لَا يكفي أن يكون الأخيار غير مرتكبين ما يرتكبه الأشرار، بل إنه يجب أن يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن الفتنة الكبرى التي وقعت بعد مقتل الإمام عثمان ﵁ وظهور البغي السافر في عهد إمام الهدى عليٍّ وقعت آثاره على المؤمنين، ولنترك الكلمة للإمام الزمخشري في تفسيره فقد قال ناقلا: " روي أن الزبير قال: نزلت فينا وقرأناها زمانا، وما نرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها ". وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الحلبة، وروى أن الزبير كان يساير النبي ﷺ يوما إذ أقبل عليٌّ ﵁ فضحك إليه الزبير، فقال رسول الله ﷺ : " كيف حبك لعلي "؟ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حبا. فقال: " فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله " (١).
ولقد كان ما انتهى بأن ذهبت الشورى في الإسلام، وصارت مُلكا عضوضا، صالحا أو طالحا، ولكن فقد الحكم قوة الأمة، وأهمل قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ. . .).
ولم يبق إلا أن نعلم أن الله أنذرنا بعقابه فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وإنا قد علمناه، ولم نرتدع عن غينا، ونسلك طريق ربنا، علمناه وآمنا به، ورأينا بعضه، وهو عقاب الدنيا، فتفرق جمعنا، وتقطع الأمر بيننا، وتحكِّم الأعداء فينا وصرنا نهبا مقسوما، وصار أكثر حكامنا يرتمون في أحضان من
стр. 4181
لا يرجون للإسلام وقارا، ويفسدون تفكير المسلمين، وما يلقانا يوم القيامة أشد هولا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
* * *
الإسلام قوة للمؤمنين إن آمنوا به
(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
* * *
إنه لكي تشعر الجماعات والأفراد بنعمة الحاضر يجب أن تعرف الماضي، وأن تكون صورته حاضرة دائما في حاضرها، وكذلك إذا عرفت ما كان في ماضيها من خير أدركت ما عساه يكون حاضرها، ومن حكمة الله وسنته دائما أن يجعل الماضي نوراً للحاضر، أو يكون فيه عبرة للمعتبر (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١).
стр. 4182
يذكر الله ما كان بالمؤمنين من ضعف ليذكروا ما هم فيه من قوة ونعمة، وليشكروه على ما أعطاهم وعلى ما آتاهم، فيقول:
стр. 4183
(وَاذْكرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ).
" الواو " عاطفة على قوله تعالى: (اسْتَجِيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) الوقت هنا " إذ " مفعول به، وليست مفعولا فيه، فالذكر ليس ظرفه الوقت، وإنما ذات الوقت هو المذكر، والوقت إذا كان في الوقت يكون مظروفا فيه لَا يعدوه، وأما إذا كان هو المقصود فيكون الذكر لذات الوقت، وما كان فيه من أحداث وأحوال.
والمعنى: اذكروا في زمن العزة زمن الذلة، وصور الله الحال فقال: (إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ) أي: عدد قليل فإن الإسلام إذ نشأ كان عدد المسلمين قليلا، وكان المشركون يستذلونهم، ويستضعفونهم ويؤذونهم، مرة بالسخرية والاستهزاء، ومرة بالضرب والأذى، ومرة بوضع الحجر المحمى على ظهورهم، حتى كانوا يضطروهم إلى أن ينطقوا بكلمة الكفر، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولم يسلم النبي ﷺ من الأذى، حتى إنه ليرمى عليه فرث الجزور وهو يصلي، ومع هذا الاستضعاف في الأرض غير مستقرين في أنفسهم وأموالهم فهم في خوف وفزع واضطراب؛ ولذا وصفهم الله تعالى بقوله: (تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) والتخطف معناه: سلبهم أو سلت أموالهم سريعا من غير تلبث، والتخطف هو موضع الخوف، ولا يكون معه استقرار أبدا، فلا يأمن التاجر، ولا العامل، ولا الزارع، لَا على ماله، ولا على نفسه، ولذلك كانت منهم الهجرة إلى الحبشة، وقد بين الله نعمته بالإيواء والتأييد بالنصر، والرزق من الطيبات.
فقال سبحانه: (فَآوَاكُمْ) بالهجرة إلى المدينة حيث الإخوة بالمدينة الذين آووا ونصروا وعوضوكم عن نصرة القوابة والنسب التي عقَّها الشرك أُخُوَّة الإيمان، وآثروكم على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة وقال: (وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ) فجعل لكم الغلب والقوة، وكان يوم الفرقان، إذ جعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، وأعزكم بعد ذلك، وصاروا هم - أي الكفار - يخافون الاختطاف
стр. 4184
العادل، وسلبهم الله تعالى الأمن والاطمئنان. وقال: (وَرَزَقَكم مِّنَ الطَيِّبَاتِ) أي الطعام الطيب في ذاته، والطيب في طريق الحصول عليه، فوجدتم في المدينة الزرع والثمار بدل الجدب، وأعطاكم من غنائم المشركين حلالا طيبا، ثم قال سبحان: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي رجاء أن تشكروه على ما أنعم.
ونجد أن الخطاب للمؤمنين ليشكروه على ما أنعم من نعم نالوها بإيمانهم، واتجه بعض المفسرين إلى أن الآية تبين نعمة الإسلام على العرب، بعد أن دخل الناس في الإسلام أفواجا، أفواجا، ولا يقتصر الإيواء والنصر على ما كان بعد الهجرة مباشرة، بل يعم ما شمل العرب من خير عميم، وجاء ذلك في أقوال بعض التابعين، فقد روي عن قتادة السدوسى في هذه الآية أنه قال: (كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاها عيشا، وأجوعها بطونا، وأعراها جلودا، وأبينها ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم زوى في النار.
يؤكلون، ولا يأكلون، والله ما نعلم من حاضر أهلٍ يومئذ من كانوا شرا منزلا منهم حتى جاء الإسلام، فمكَّن به في البلاد، ووسَّع به في الرزق، وجعلهم ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله).
وإن هذا ليس رأيا مغايرا للتفسير السابق، ولكنه حكم بعموم النعمة على العرب أجمعين، لَا للذين هاجروا وجاهدوا، وأيدهم الله تعالى بنصر النبي ﷺ ، بل بكل العرب؛ إذ رفعهم من جهل إلى علم بالإيمان، ومن شظف العيش إلى عيش رفيع، حتى لقد قال خليفة رسول الله ﷺ : (والله ليتألمن من النوم على الصوف الأذربى كما يتألم - أحدكم من النوم على حسك السعدان)، ولقد حذر الله تعالى من أسباب الفساد عندما يفيض الخير فقال عز من قائل:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)
стр. 4185
أمر الله تعالى المؤمنين بأن يذكروا في الرخاء الشدة، وفي الكُثر يذكرون القل، وفي العز يذكرون الذل، وفي حال الاعتزاز يذكرون الاستضعاف ليعرفوا النعمة، وحقها، وقد ذكر بعد ذلك ما يصون رفعة الأمم والآحاد، فذكر أنه الأمانة؛ ولذا حث عليها بالنهي عن الخيانة.
والتفسير اللغوي لكلمة " خان " هو أن معناها نقص؛ ولذا يقال لنقيضها، " وفّى " فيقال خان الأمانة، بمعنى نقضها، ويقال وفَّاها أي أداها على وجهها، والنهي عن خيانة الله وخيانة رسوله فهي واحدة، لأن ما يطلبه الله يطلبه رسوله، ولكن ألحق جلاله مع النبي أو النبي مع الله؛ لتأكيد المعنى في أن من أطاع الرسول فقد أطاع الله، ولبيان أن الرسول لَا يطلب إلا ما يطلبه الله تعالى؛ ولأن يبين أن نصرة لرسول نصرة لله، ومحبة الرسول محبة لله (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. . .)، وأن خيانة الرسول خيانة لله تعالى.
وخيانة الله ورسوله، تشمل عدم إطاعة الشرع، ومخالفة نواهيه، وترك الجهاد، وإفشاء أسرار المؤمنين، وإعلان ما أمر الله بكتمانه، والغلول في الغنيمة قبل قسمتها، والكيد لجماعات المسلمين، واتخاذ بطانة من غيرهم، وموالاة أعداء الحق، وفي الجملة مناوأة أهل الحق سرا وباطنا، فهذه كلها خيانة لله ورسوله، وعدم رعاية الأمانات، ومناصرة الظالم، ومعاونته على الظلم وعدم مراعاة الأمانات، وفي الجملة تشمل خيانة الله ورسوله كل خيانة للشريعة، سواء أكانت تتعلق بالآحاد والجماعات، وقوله: (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) عطف على خيانة الله ورسوله، والمراد (أَمَانَاتِكُمْ) الأمانات التي عهد إليكم بالقيام عليها، وأدائها في وقتها ويكون النهي عن خيانتها وارد من ناحيتين:
الناحية الأولى: من جهة أن خيانتها خيانة لله ولرسوله؛ لأن الله تعالى أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَن تؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
стр. 4186
وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، ومن أن شريعة الله التي بلغها محمد ﷺ تأمر بأداء أمانات العباد إلى أصحابها.
والناحية الثانية من أمانات العباد: حق العباد، وديوان ظلم العباد لَا يُغفر إلا برد مظلمة ظلم الطاغين، وقد أكد الله تعالى النهي وغلَّظه بقوله تعالى: (وأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) أي تجحدون الأمانة وأنتم تعلمون وجوبها، أو تنكرونها، وأن تعلمون أمرها، وأن أداءها واجب عليكم.
ونرى من هذا أن خيانة الله ورسوله والناس أجمعين منهي عنها، وأن عمومها لَا يمنع أنها قد تكون اقترنت في نزولها بحوادث وقعت من بعض الصحابة.
فقد روى أن أبا لُبابة كان بينه وبين بني قريظة صلات، فلما حكَم النبي ﷺ سعد بن معاذ فيهم أشار إليهم أبو لبابة بألا يحكِّموه، وأشار إليهم بأن حكمه الذبح، فأحس بأنه خان رسول الله ﷺ فربط نفسه في سارية المسجد، ونذر ألا يأكل حتى يحله رسول الله، فمكث تسعة أيام خر على أثرها مغشيا عليه فتاب الله تعالى عليه، وحل وثاقه فقال: إنه نذر أن ينخلع من كل ماله، إن تاب الله عليه، فاكتفى رسول الله ﷺ بثلث ماله (١).
وروى أنها نزلت عندما أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين يخبرهم بسير النبي ﷺ وقد أمرهم النبي ﷺ بالكتمان، فخان المسلمين بهذا الإخبار (٢).
وفى الحق إن الآية عامة لهذه الأحوال وغيرها.
وإن خيانة الأمانة سببيا الهوى، ومسير الهوى ودافعه فتنة المال والولد؛ ولذا قال تعالى ذاكرا سبب الخيانة ليكون الحذر:
* * *
стр. 4187
(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)
* * *
سبحان منزل القرآن، أنزله نظاما وشرعا محكما، وحكمة منزلة، هو أمرنا ألا نخون، وعلمنا كيف نحارب نوازع الخيانة في نفوسنا، ونعالج منابع الفساد فينا، وهدانا السبيل لأن نربي أنفسنا؛ طلب إلينا ألا نخون، ثم بيَّن موضع الداء وهو فتنة المال والولد.
والأمر في قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكمْ وَأَوْلادُكمْ فِتْنَةٌ) أمر تعليم وعلم، وهذا العلم هو أن المال والولد فتنة، والفتنة هنا المراد بها الاختبار والامتحان من فتن الفلز إذا صهره بالنار لإخراج الفلز مما يعلق من مفاسد.
وإنه بمقدار توقِّينا لفتنة المال يكون بعدنا عن الخيانة، ولقد قالوا: إنه كان لأبي لبابة الذي ذكرنا أنه شعر بأنه خان الله ورسوله إذ أشار لليهود بأن الحكم الذي سيصدره معاذ هو الذبح، كانت له أموال عند اليهود يخاف ضياعها ففتنة المال أغرته بأن يقدم على الخيانة، وأن يطهر نفسه ذلك التطهير الشديد، بأن يحاول الانخلاع من كل ماله، فيخفف النبي ﷺ بأن يجعله في الثلث.
وفتنة المال أشد فتنة، ويقول الله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكمْ وَأَوْلادِكمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ. . .).
وقدم المال على الولد؛ لأن المال في أظهر أحواله متعة خالصة، والولد متعة، وتكليف، وما لَا تكليف فيه يكون أوضح وأظهر استمتاعا؛ ولذلك طلب المال الجميع. والأبوة متعة، ولكن معها تكليف ورعاية، والذين تفتنهم الدنيا تغرهم الأمور الظاهرة، وتعوق متعتهم الأمور القابلة، وإنه حيث فقد الشخص إحدى المتعتين المال، أو الولد، اشتدت الأخرى؛ ولذا كانت متعة الولد تشتد عند الفقراء، ولا تكون عند الأغنياء، كقوتها عند الفقراء، وتلك الفطرة.
стр. 4188
وقوله تعالى: (أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) فيها قصر الأموال والأولاد على الفتنة، ومن ناحيتها تجد الخيانة مسرب الشيطان إلى النفوس، فالآية تحذرنا من هذه الفتنة، والحذر لَا يكون بترك المال والأولاد، إنما الحذر ألا نطلب المال إلا من الحلال، وألا تدفعنا عاطفة الأبوة إلى الشطط ومجاوزة الحد.
وإنه يجب محاربة المتعة حتى لَا تشتط بالإنسان بطلب متعة أبقى وأدوم وأهدى سبيلا، ولذا علمنا الله تعالى الإيمان بأن عند الله أجرًا عظيما، إذا قاومنا فتنة المال والولد، والمقاومة ليست بالحرمان كما أشرنا، ولكن بالحذر، وألا نتعدى حدود الله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا. . .)، ولذا قال تعالى: (وَأَن اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) وذلك أجر مقاومة الفتنة، والوقوف بالمحبة للمال والولد، عند الحد الذي لَا تكون معه خيانة، ولا تجانف لإثم.
وقد أكد الله تعالى أجر الله الذي يتكافأ مع مقاومة الخيانة بسبب متعة المال والولد أولا: بالتعبير بالجملة الاسمية. وثانيًا: بـ (أنَّ)، وثالثًا: بتنكير أجر، فإن معنى هذا التنكير الكبر إلى درجة، ورابعًا: بوصفه بأنه عظيم وذلك لتحصين نفسه بهذا الأجر الذي لَا يقارن قدره.
وإن تقوى الله تعالى هي السبيل لمقاومة الشر، وجعل فارق بيِّن يجعل النفس تبتزم الجادة ولا تحيد عنها؛ ولذا قال تعالى:
стр. 4189
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
يحصن الله تعالى نفس المؤمن ليكون دائما بعيداً عن الخيانة، وقد حصنها بما أعد من أجر عظيم للمؤمنين الأمناء الذين شروا أنفسهم لله تعالى، وأعدها بتربية التفوى في النفس، حتى تكون في حال خوف من عذابه، كما ترجو ثوابه؛ لذلك ناداهم مبينا خواص التقوى، فذكر أنها تنير الطريق، فلا
стр. 4190
تضل العقول، فيقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِن تَتَّقوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكمْ فُرْقَانًا وَيكَفِّرْ عَنكمْ سَيئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ).
ثلاثة أمور تترتب على التقوى مجاوبة لنفس المتقي، وهي الفرقان، وتكفير السيئات، والغفران.
أما الأول وهو الفرقان، فهي كلمة جامعة لمعاني الفصل بين النور والهدى، والحق والباطل، والواضح النيِّر وما فيه إشباه وإبهام، والطاعة والعصيان.
وتطلق كلمة الفرقان على كل ما يؤدي إلى هذه المعاني، فتطلق على النصر؛ لأنه يعلي الحق، ويخفض الباطل، ويفرق بين العزة والذلة، وتطلق على البيان؛ لأنه يفرق بين الحق والشبهات، ويشهر الحق ويعلنه، وينشر الاسم والصيت في الأرض.
وكيف تكون التقوى تعمر النفوس، وتطهر القلوب، وتنير الأبصار، وفي الحكمة الشرقية أن القلب إذا عمره الإخلاص وقذف الله فيه بالحكمة، فاستقام اللسان واستقام العمل، واستقام السلوك ولم ينحرف عن الجادة، وحينئذٍ لَا يشتبه أمر من الأمور، وتكون الشتبهات ضاحيات نيرات إما إلى الهدى، وإما إلى الضلال.
هذا هو الفرقان، وهو أولى ثمرات التقوى، وهو جامع للخير، إذ هو جامع للعلم النافع الهادي.
والثاني: هو إن الله تعالى يكفر عنه السيئات، وتكفير السيئات معناه إزالة آثارها في النفس، فإن النفس إذا أذنبت نكتت فيها نكت سوداء تتوالى حتى يرباد القلب، وتكفير السيئات إزالة هذه النكت السوداء، أو ما علق منها، حتى يصير القلب أملس كالمرآة، وإن التقوى تفعل ذلك؛ لأنها تجلو صدأ القلوب ويمتلئ القلب بذكر الله تعالى، فيعبده كأنه يراه، ويحس بعظمته تملأ نفسه، وتنير سبيله.
стр. 4191
والثالث: فمن بعد تطهير النفس من السيئات بتكفيرها، يكون الغفران وستر الذنوب، وتكون الرحمة الشاملة، ولقد ختم الله تعالى ذلك بقوله تعالى: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) لأن ذلك كله من فضل الله تعالى (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
ذكرنا الله تعالى بما كان عليه المؤمنون في مكة، إذ كانوا عددا قليلًا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، وقد بين أشد ما دبروه، وهو ما أعقبه الهجرة، ليتذكروا شدتهم في رخائهم ولذا قالوا: إن تسع آيات مكية جاءت لهذا التذكير ومنها قوله تعالى.
* * *
المكر لأبلغ الإيذاء
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)
* * *
في هذه الآية يذكر الله ما كانوا يبيتونه للنبي ﷺ قبيل أن يهاجر، وإن النبي ﷺ كان يدبر للهجرة من قبل ذلك، فقد أخذ يعرض نفسه على
стр. 4192
القبائل، حتى وجد قبل الهجرة بما يقارب سنتين الأوس والخزرج، فأخذ يدبر أمر الهجرة إليهم في يثرب، ويعد العدة لذلك ويهيئ المُتَبوَّأ، ويتم الرسالة، بلاغا وتبيينًا، وقد هاجر من هاجر قبل ذلك إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة من يحفظ القرآن ويعلم الإسلام فهل كانت الهجرة فرارًا من الإيذاء وطلبا للأمن؟.
لا شك أن فرار الذين هاجروا إلى الحبشة كان من الأذى والفتنة في الدين، وينطبق عليهم قوله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. . .).
أما هجرة النبي ﷺ فما كانت فرارًا من الأذى بل كانت نظاما لتأسيس دولة، ولأنه نظام يجب أن يتحقق، ولأن الإسلام جاء لإقامة دولة تحكم بأمر الله ونهيه، وتقيم العدل، وترفع الجور، وما كانت تتمكن من ذلك، وهي خاضعة لعبدة الأوثان، بل كان لابد من الهجرة حيث تكون القوة، وحيث يتمكن من إقامة الدولة، وقد اختار الله تعالى من الأرض أرضا ينتشر منها خبر الدعوة المحمدية في كل ربوع البلاد العربية، فكانت أرض البيت الحرام، وقد مكث محمد ابن عبد الله ﷺ ثلاث عشرة سنة يدعو، دخل خلالها في دينه بعض قريش، وبعض القبائل، وعرف العرب دعوته، حتى إذا تكونت الجماعة التي كانت النواة الأولى، مهَّد لإنشاء الدولة، فسافر إلى المدينة مهاجرًا.
وبينما هو يعد العدة، أو أعدها ومهَّد الأرض وعبَّد المقام - كانوا يفكرون في الإيذاء، ولذا لَا نقول هاجر فراراً، بل كان الاتفاق الزمني، وهم يفرغون جعبتهم، وقد أفرغوها، وراشوها (١)، ولم يجدوا موضوعا لفعلهم.
стр. 4193
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الُّذِينَ كَفَرُوا)
(إذ) ظرف وقائعه في الماضي، وهو متعلق بمحذوف تقديره اذكر، أي اذكر يا محمد ومن معك الوقت الذي بلغ الأذى أقصاه، وهم يمكرون، ويدبرون ويحكمون، ويتجادلون في أنجع طريق لسد الطريق على دعوتك، أيحبسونك، أو يقتلونك أو يخرجونك، وقد اجتمعوا، ويقول الله تعالى مشيرا إلى آرائهم (لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) و (يثبتونك) معناها يحبسونك فيمنعونك الحركة أو يقتلوك أو يخرجوك.
ولنضرب بكلمة موجزة، لقد ئبت بإسناد صحيح أن الملأ من قريش اجتمعوا في دار ندوتهم ليتشاوروا في أمر النبي ﷺ وقد صار على أمر عظيم عليهم، خالفهم وسفه أحلامهم وعاب آلهتهم فتقاولوا في أمره ماذا يصنعون أيثبتونه أي يمنعونه من الحركة بالحبس، أم يقتلونه، أم يخرجونه.
قال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من قبله، فلم يرتضوا هذا رأيا، وقال قائلهم: والله ليخرجنه أصحابه فليوشكن أن يثبتوا يأخذونه من أيديكم فيمنعونه منكم. قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم، فتستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، وكان أمره في غيركم.
فقال قائل: ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقة لسانه وأخذه القلوب بما تسمع من حديثه، والله لئن فعلتم ليجتمعن عليه، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم.
وقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، لَا أرى غيره؛ قالوا: وما هو؟ قال تأخذون من كل قبيلة غلاما شابا وسطا نهداً، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما ثم يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إن رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا.
стр. 4194
قبلوا ذلك الرأي واستطابوه وهموا لتنفيذه، واجتمعوا حول داره لينفذوا الخطة، وأتوا بالشباب الأنهاد، ولكن الله تعالى كان يدبر لرسوله ورسالته، ولقد جاء سيف الحق علي كرم الله وجهه ونام مكان النبي ﷺ ، وخرج النبي ﷺ وهم مصطفون حول الدار وقبض قبضة من الرماد وقال: " شاهت الوجوه " (١)، ويروى أنه تلا قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) (٢).
هذا تدبيرهم ومكرهم، وإنه في هذا الوقت الذي كانوا يمكرون فيه، كان الله يدبر فيه لرسوله ولرسالته، فكان يدبر أمر هجرته، وابتدأت بهجرة كبراء الصحابة كعمر ﵁، وأبي عبيدة، وغيرهما من كبار الصحابة، وكان النبي ﷺ يحتجز أبا بكر لصحبته، فكان له فضل الصحبة في الغار.
وسمي تدبير الله تعالى مكرا من قبيل المشاكلة اللفظية، كقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. .. )، فدفع الاعتداء ليس اعتداء.
والله تعالى (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) أي خير من يدبر، وينظم ويحمي نبيه ورسالته لأن تدبيره خير، ولا يمكن إلا أن يكون خيرًا وهو نافذ ومنتج ومؤد إلى غاية هي خير غاية.
وقد ترتب على تدبير الله أن قامت دولة الإسلام وظهر في الوجود أفضل مدنية كانت للفضيلة ونشأت بالفضيلة، وقد ذكر الله استهزاء الكافرين بآيات الله تعالى، وكيف يتلقون آيات الله بأهمال وسخرية فقال:
(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)
стр. 4195
نزلت هذه الآية في مكة، وهي تتلى في سورة أكثرها نزل بالمدينة لتذكرهم بما نزل بهم من المشركين بمكة إذ كانوا يستهينون بأمرهم، ويستضعفونهم، وقد امتد أمر استهانتهم إلى الحجج القارعة، مع عجزهم عن أن يأتوا بمثله القرآن، يقول تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا) هذا تصوير لبعض أحوالهم عند سماع تلاوة القرآن، فأحيانا كانوا يتناهون عن الاستماع وقالوا: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)، وأحيانا يطلبون آيات، وأحيانا لَا يعيرون القرآن التفاتا ويعلنون الاستهانة به.
(وِإذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ) عبَّر بالمضارع لتصوير حالهم وتجددها آنًا بعد آنٍ والتلاوة: الترتيل بالقراءة آية تلو آية في نغم هو ترتيل الله تعالى، ولا يجيبون بالتأمل والتفكير والتدبر فيما يتلى، بل يعاجلون القارئ كأنهم يطلبون أن يسكت ولا يقرأ قائلين: سمعنا، كما تقول لمتكلم لَا تريد منه الاستمرار: سمعنا، سمعنا، أي أقصر، وكأنهم يتأففون، ثم يردون قائلين، (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا).
أي لو شئنا أن نقول مثل هذا الكلام لقلناه، ولكنا لم نُرِدْه، وهذا كلام يحمل في نفسه دلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله، ولقد تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور، فما أتوا، تحداهم أن يأتوا بسورة فعجزوا واعتذروا بأنهم لم يأتهم تأويله، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله مفتريات فعجزوا، أفبعد هذا التحدي الشامخ والسكوت الخانع والعجز الخاضع يقول قائلهم: لو شئنا لقلنا مثل هذا؟!! تلك غطرسة كاذبة، ونفخة جوفاء.
ويردفون كذبهم بكذبة أخرى فيقولون: (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (إنْ) هنا نافية، أي ما هذا الكلام إلا أحاديث الأولين التي يسمر بها ويقصدونها قطعا للفراغ، والأساطير جمع أسطورة وهي الأخبار التي يخترعها القصاصون وغيرهم في سموهم ولهوهم.
стр. 4196
وقد روى أن قائل هذا هو النضر بن الحارث، وكان يتخذ مجلسا بعد النبي ﷺ يقص فيه أخبار ملوك الفرس، وأمرائهم، ونسب القول إلى كلهم؛ لأنهم ارتضوه وقبلوه وصدقوه. وكل ذلك كان بهتانا وكذبا.
ولقد ذكر الله أنهم قالوا ذلك ورد قولهم، فقال تعالى:
(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦).
وإن هؤلاء المشركين لَا يريدون الحق ليتبعوه، بل هم في ضلال، وإنهم يضلون ضلالا بعيداً، وقد حكى الله تعالى حالهم، ودعاءهم الساخر الماجن:
стр. 4197
(وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)
إن هذه الجملة السامية الحالية تنبئ عن أن هؤلاء قد أركست نفوسهم في الشرك إلى درجة أنهم يتمنون أن يعيشعوا فيه، وألا يفكروا في تغيير ما بأنفسهم.
يقول الله تعالى عنهم يقولون: (اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأمْطِرْ. . .) هذا أقصى أحوال الجحود والإنكار، حتى إنه ليتوقع شر ما يتمناه المرء إذا كان ذلك صدقا، فيقول: إن كان هذا هو الحق وحده ولا حق سواه، فخير لنا أن تنزل علينا حجارة من السماء أو تأتنا بعذاب أليم من جنس هذا العذاب، فهو ينكر أولا، ويعده شر الأحوال ثانيا، ويصر عن إنكاره، ولو بدت دلائل الحق ثالثا.
وفى ذلك فوق هذا الجحود الذي لَا حد له سخرية وتهكم، وأنه يستحيل في نظره أن يكون حقا. وهنا إشارتان بيانيتان رائعتان:
الأولى - قولهم: (إن كَانَ هذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ)، فيها قصر الحق على هذا، وهو التوحيد، والإيمان بما جاء به محمد ﷺ ، فالإنكار واقع على قصر الحق، وكأنهم يريدون أن يكون ما هم عليه حقا وهو الباطل الذي لَا ريب فيه.
стр. 4198
الإشارة الثانية - أنهم يقولون في الجواب المترتب على هذا الشرط، (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) فذكر السماء؛ لأنه المناسب للإمطار، وليكون أشد؛ لأنه يكون حجارة تنصب على الرءوس انصبابا كانصباب الماء، ولأنه كما قال الزمخشري، يكون سجِّيلا، كالحجارة التي نزلت بأصحاب الفيل، التي حمى الله تعالى بها بيته الحرام من أبرهة الذي أراد هدم البيت.
وإن ذلك النص السامي، كما هو أقصى الجحود والتهكم هو أقصى ما يدل على الحمق والجهل، يروى في هذا أن معاوية بن أبي سفيان دخل عليه رجل من سبأ، وقال له: إنكم قوم تجهلون وليتم عليكم امرأة، فقال الرجل: أنتم أجهل؛ لأنكم قلتم: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، ولم تقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا.
والجواب لمثل معاوية حق؛ لأنه هو وأبوه كانا ممن يظن أنهم قالوا ذلك، وإن أسلموا من بعد وكانوا من المؤلفة قلوبهم وأخذوا مئات من النوق.
إنهم يستعجلون العذاب قبل أن ينزل، وقد بين الله تعالى استحالة ذلك على مقتضى السنة التي سنها الله تعالى مع الرسل وأقوالهم، وهي أن الله تعالى لا يعذبهم والرسل بينهم يدعون، ولذا قال عز من قائل:
стр. 4199
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)
هذا النص السامي فيه بيان أن الله لَا يعذب الأقوام، والرسول يدعوهم حتى يكون اليأس من إيمانهم كما فعل الله تعالى مع قوم نوح، لقد قال تعالى عند إنزال العزم فيهم (لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ. . .).
و (اللام) في قوله تعالى: (لِيعَذِّبَهُمْ) هي التي يسميها علماء النحو لام الجحود أي تكون لتأكيد النفي، والمعنى: ما كان من شأن الله العلي الأعلى أن
стр. 4200
يعذب المشركين، وأنت فيهم تدعو، ويفشو الإيمان فيهم وقتا بعد آخر، وهؤلاء بهذا الدعاء الذي يجحدون به يستعجلون العذاب، والله فوق أهوائهم وله في خلقه سنة ولن تجد لسنة الله تعالى تبديلا، ولقد كان النبي ﷺ يقول: " أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى " (١).
ثم يقول سبحانه: (وَمَا كَانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرونَ)، قال بعض العلماء إن العذاب الذي يعم يكون الجميع مستحقونه، فإذا كان فيهم من يستغفر لَا يعمهم العذاب، فمعنى (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي بعضهم يستغفر وعبر بما يدل على الجميع للإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون ذلك، وقيل إن المراد قولهم في الطواف: غفرانك.
وقيل المراد توبتهم إن تابوا.
وينقدح في نفسي أن الأقرب للمعنى أن نقول، (وَمَا كَانَ اللَّهُ معَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) بمعنى يدخلون في دين الله تعالى فوجا بعد فوج، إذن لانقطع السبيل على المستغفرين الذين يجيئون تباعا بإنزال العذاب، بطلب المستعجلين خضوعا لأهوائهم وضلالهم.
وقد نفَى الله عن ذاته العلية الشأن، فقال تعالت كلماته: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ) فنفى اسم الفاعل وهو نفي الوصف القائم بالذات العلية، (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
* * *
стр. 4201
(وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)
* * *
إن الله رد استعجالهم للعذاب، كما استعجل المشركون إسلافهم العذاب، فأنزله تعالى، أما المشركون الذين بعث فيهم محمد ﷺ ، فما بعث لهم وحدهم، بل بعث للأحمر والأسود، والأبيض والأصفر، فما كان لينهي رسالته بكفر أهل مكة وإصرارهم على الشرك ومعاندة الحق، بل لَا بد من تبليغ رسالة ربه، وأن يعرفها الكافة فقد أرسل إليهم، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِّلنَّاسِ. . .)، ولذلك قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) على ما ذكرنا ولكنْ هناك عذاب لهم ينزل بهم في الدنيا، أساسه منازعة الحق للباطل، وإزالة مثارات الشيطان أمام شرع الرحمن، ولابد أن يخلو وجه الناس للحق، فكان لابد من مغالبتهم بالقتال، وهو بعون الله تعالى عذاب لهم، وهذا هو العذاب الذي قرره الله تعالى لهم في قوله تعالى:
هذا تعجب من عدم تعذيب الله لهم بالمغالبة، ومنازعتهم ما وضعوا أيديهم عليه بالباطل، وأقاموا أصنامهم فيه، وليسوا أهلا لولايته.
والاستفهام للتعجب من مناقضة حالهم لما يجب لحرم الله الآمن، والمعنى أي أمر ثبت لهم حتى يقيموا في الحرم ولا يعذبهم يمنعهم منه، وهم يحاربون شعائره، وذلك بصدهم عن سبيل الله، وعن المسجد نفسه فهم يمنعون النبي ﷺ من أن يؤدي المناسك، ويمنعون ضعاف المؤمنين بإيذائهم، ويصدون الناس معنويا بوضع الأصنام على الكعبة بناء إبراهيم، وينتهكون المحارم، بحمل الناس على الطواف عرايا رجالا ونساء، حتى إنهن ليسترن سوءاتهن بأكفهن، هذا كله صد عن البيت.
فكيف لَا يعذبهم الله بمغالبتهم على الاستيلاء على البيت، والحال أنهم لا يقومون على حرمات البيت، وهو المسجد الحرام الذي جعله الله حرما آمنا، والناس يتخطفون من حوله.
والتعذيب، كما أشرنا هو مغالبتهم لنزع البيت من تحت أيديهم، ووضعه في يد أولياء الله ولكنهم يدعون أنهم سدنته، أو أنه بأيديهم مفاتيحه، من عهد إبراهيم، وقد أجاب الله تعالى عن ذلك بأنهم ليسوا أولياءه، أي ليسوا حُماته، أو القائمين عليه؛ وذلك لأن ولايتهم إنما هي بالخلافة عن إبراهيم بانيه ورافع قواعده، وما كان مشركا.
وإنهم إذ أشركوا، وصدوا الناس عن المسجد الحرام، ومنعوا غير العرايا، قد فقدوا صفة الخلافة عن إبراهيم الذي جاء بالحنيفية السمحة، قد فقدوا الحق في هذه الولاية. ولذا قال تعالى: (وَمَا كَانوا أَوْلِيَاءَهُ) أي ما استمرت لهم هذه الولاية، لأن " كان " تدل على الاستمرار وفيها نفي لهذا الاستمرار.
والولاية الحق تكون لن كانوا على ملة إبراهيم السمحة، ولذا قال: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) هذا قصر للولاية على الموحدين المؤمنين الذين بلغوا ذروة
стр. 4204
الإيمان، وهي التقوى، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أنفسهم وضلالهم فلا يستحق الولاية المؤمن فقط، بل المؤمن الذي يتقي الله ويحفظ حرمات بيته، قال عز من قائل: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨).
وإن هؤلاء المشركين لَا يعرفون شيئا مما يليق بهذا البيت العتيق الذي هو أقدس بيت في هذه الأرض؛ لذا ذكر سبحانه، كيف يتعبدون في هذا البيت عابثين، غير مؤمنين.
стр. 4205
(وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)
كانوا يصفرون ويصفقون، ويضعون خدودهم على الأرض، وهم على هذه الحال، ويسمون هذه الحال صلاة، فهي في حقيقتها ليست صلاة إبراهيم، ولا صلاة مطلقا، ولكنهم سموها صلاة، وعدوا أنفسهم بها مصلين، وتجاوزوا كل معقول، وعدوا أنفسهم أولياء البيت الحرام، وهم يصدون الناس عنه، ويتحكمون فيه، وفيمن يغدون إليه إجابة لدعوة إبراهيم من كل فج عميق.
يقول تعالى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) أي ما كان دعاؤهم عند البيت أو ما كان ما يسمونه صلاة، سولتها لهم نفوسهم عند البيت، أي عند ذلك المكان القدس الذي كان أول بيت وضعه الله للناس الذي قال الله تعالى فيه (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا. . .)، إما كانت إلا مكاء وتصدية وذكر كلمة البيت، وأن هذه التي سموها صلاة كانت عنده، ليتبين عبثهم بهذا البيت المقدس، وليتبين عبثهم في هذا المكان الذي ادعوا أنهم أولياؤه، والمكاء كرُغاء وخُوار وغُثاء ويعني الصفير، فوزنه فُعَال، وفعله مكَا يَمْكُو إذا صَفَّر، والتصدية مأخوذة من الصدى، والمراد التصفيق؛ لأن التصفيق ترديد للصدى. وقد