← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

أما الصبر فقد أمر به في آيات كثيرة، وقد أمر بالثبات، كما سيأتي في الآية الأخرى، وأما إرادة النصر فتكون بالإقدام، وذلك برؤية النبي ﷺ في المنام الأعداء قليلين، ورؤية النبي ﷺ وحي، وقد قال ﷺ : " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من الوحي " (١). ومعنى رؤيتهم عددا قليلا، أنه ﷺ رآهم في حال يستهين بها، فلم يتكاثروا عليهم، ولم يتضافروا على المؤمنين، ورأى المؤمنين ظاهرين بارزين كأنهم كثيرون، وكأن أولئك قليلون من قوة الغلب، ومظاهرتهم عليهم، أو أنه يستتر عنه في منامه أكثرهم، فيستبشر النبي ﷺ بالنصر، ويفهم النبي ﷺ من تأويل رؤياه أنه سينصر أهل الإيمان، فما يفهم أن العدد قليل، ولكن يفهم أن الرؤيا الصادقة النصر المبين لَا محالة، وذلك لَا ينافي أن النبي ﷺ قدَّر عددهم بما بين تسعمائة وألف، وقد كانوا كذلك. وقوله تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) إذ مفعول لفعل محذوف أي اذكر يا محمد لأصحابك (إِذْ يرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) و " قليلا " مفعول مطلق لموصوف محذوف أي عددا قليلا، ويقوم هنا الوصف مقام الموصوف. وإن الله تعالى أرى النبي ﷺ العدد قليلا، ليقدم المؤمنون واثقين، فالثقة بالنصر تزيدهم قوة، وتدفعهم إلى الإقدام، ولا يصيبهم رهق ولا خوف، فيتقدمون واثقين بالنجاة. ويقول تعالى: (وَلَوْ أَرَاكهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتمْ فِي الأَمْرِ)، أي لو أراكهم الله عددًا كثيرا قويا لأصاببهم الفزع ووراء الفزع العجز، وهذا معنى الفشل، فالفشل هو العجز، (وَلَتَنَازَعْتمْ) لاختلفتم في الخروج، ولكان فيكم من يخشى عاقبة الحرب مع قلة العدد، ومع قلة العدة، ومع قلة ما يحملكم، فلقد كنتم في قلة من الأمرين، ومع الاختلاف التنازع في الفكرة ثم التنازع من بعد ذلك فيما بينكم وبين أنفسكم.

стр. 4237

وقوله تعالى (وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ) مؤداه الاختلاف في أمر القتال؛ أتقدمون عليه مع إحساسكم بالقلة وضعف العدة أم تمتنعون عنه لهذا الإحساس. وعبر عنه بالتنازع لقوة أسباب الخلاف، فإنها في باب القتال أمر خطير. وقد درأ الله تلك الأسباب عن أعينكم بما رآه النبي ﷺ من رؤيا صادقة كان تأويلها نصركم، ولقد كان النبي ﷺ ، يطمئن المؤمنين بعد أن تقرر القتال، فبعد أن أخذ رأى الأنصار في القتال وقال قائلهم: " امض لما أمرك الله فإنا صدق في الحرب صبر عند اللقاء، قال النبي ﷺ : " إني لأرى مصارع القوم " (١). ويقول سبحانه: (وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ)، الاستدراك من الكلام السابق، وسلم الله تعالى من الفشل والجزع والتنازع، وكان اللقاء يوم الجمعين مع النصر المؤزر، الذي جعل المؤمنين أعزة، بعد أن كانوا مستضعفين يتخطفهم الناس، ثم ختم الآية بقوله تعالت كلماته: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ذات الصدور هي ما يكون في الصدور مما يدفعها إلى الإقدام، أو يثبط فيها العزائم، أو يلقي فيها بالخور والخوف، فالله تعالى عليم بها، وبما يدفع الهمم، ويقوي القلوب، ويمنع الفشل والنزاع، فيطب لأدوائها بما يقيها الهلع والفزع ويطمئن القلوب، ويبعد عنها مخاوفها، إنه عليم حكيم. هذا ما أودعه قلب القائد الحكيم، وأودعه قلوب المؤمنين بتلك الرؤيا الصادقة التي أراه إياها. وقد كان الجيشان تحت عنايته سبحانه، ليقدم كل منهم على القتال غير خانع ولا خائف؛ ليبدي كل واحد منهما ما عنده من قوة، وليعلم كل منهما كيف كان نصر الله للمؤمن، وخذلانه للكافر مع أنه أبدى كل ما أوتي من قوة. فقال سبحانه: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)

стр. 4238

قد كان من أمر الله تعالى وتوفيقه أن يُرى المؤمنين المشركين عددهم قليلا، وأن يقلل عدد المؤمنين في نظر الكافرين، كما قال الله تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣). وإن الحكمة في أنهم في نظر المؤمنين عدد قليل واضحة، لأن الله تعالى ألقى في قلوب المؤمنين بأسا وقوة جعلتهم يستصغرون عددهم، ويستهينون بقوتهم لكي يقدموا من غير وجل مع الإيمان بالله وبالنصر، وقد رأوهم كذلك قلة، إذ صغر أمرهم في نظرهم، ولم يجدوا كثرتهم، والعين قد تخطئ في العدد بالكثرة أو القلة فقد كان المشركون عددًا كبيرا، قد قدر النبي ﷺ عددهم، ولكن المؤمنين عندما التقوا بهم لما ألقاه الله تعالى في روع المؤمنين من قوة بأس وإقدام رأوهم قليلا، لَا للهمة التي بدت من المؤمنين كحمزة، وعلي، والزبير، وابن رواحة، وسعد بن معاذ، فقد كانوا يفرون من سيوف هؤلاء حتى لم يروا في الميدان إلا عدداً قليلا. وأرى الله تعالى جيش المؤمنين قليلا في نظر المشركين عند اللقاء ليستهينوا بهم، ويغتروا بقوتهم فيسترخوا في القتال، حتى إذا غطتهم قوة المؤمنين، ورأوا فيهم شدة البأس أرادوا المقاومة بعد الاستهانة والاسترخاء فلم يجدوا، وأخذت صفوف المسلمين المتراصة تحصدهم حصدا، وقد كانت رؤية عدد المسلمين قلة من الكافرين حقيقة، ولكنها سيطرت عليهم الاستهانة، فقتلت منهم. وقوله تعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) فيه متعلق بفعل محذوف تقديره اذكروا إذ. . . وفي ذلك تذكير بفضل الله في هذه المعركة، إذ قواكم وسلطهم عليكم، وأذهب عنكم الفزع منهم، وثبت أقدامكم، وهنا إشارتان بيانيتان: إحداهما - أنهم لم يكونوا قليلا، بل كانوا عددا كثيرًا، ولكن الله تعالى جعل أبصارهم ترى ذلك الكثير قليلا، فالله تعالى هو الذي يخلق الأبصار، فهو

стр. 4239

يجعله قليلا، ويجعله كثيرا، ولا تغير في الحقائق إنما التغير في الإدراك لحكمة علمها اللَّه وقدرها، وكان النصر بسببها وهو ينصر من يشاء بإذنه. الثانية - قوله تعالى: (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) - فقوله " في أعينهم " فيه إشارة إلى أن هذا التقليل في أعينهم هو من إرادة الله تعالى، لأنه استهأنة منهم أدت إلى استرخاء في القتال، فالله ما جعل المؤمنين قلة، لأنهم فعلا كانوا قلة، ولكن عمل الله جعلهم يجعلون من أمر قتالهم أثهم قلة فقاتلوهم على أنهم عدد قليل فاستهانوا ونهاونوا، وكان النصر المؤزر. وقال تعالى: (لِيَقْضِيَ اللَّهَ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) أي ليحقق الله بقضائه المحتوم أمرا كان مفعولا أي صار واقعا ثابتا، وهو النصر بفضل الله، وتأييده، فقد حقق الله تعالى كل أسباب النصر فهيا الأسباب المادية من النعاس الآمن، وأنزل المطر الذي لبد الأرض، وهيا الأسباب النفسية من بشارة الملائكة، ومن تقليلهم في أعينهم. وختم الله تعالى بقوله: (وَإِلَى اللَّهِ ترْجَعُ الأُمُور)، أي إلى الله وحده ترجع الأمور يوم القيامة، فهذا هو نصر الله عليهم في الدنيا بتوفيقه سبحانه، وتهيئة كل الأسباب المؤدية إلى النصر، وفي الآخرة الأمور كلها إليه سبحانه. وتقديم الجار والمجرور دليل على أن الأمور لَا ترجع إلا إليه سبحانه وهو يجازي المحسن إحسانا، وللمسيء العاقبة السوءى. وقد بين سبحانه من بعد ذلك أن الثبات هو القوة، وقد ذكرنا أنه عبرة النفوس في القتال فقال تعالي:

стр. 4240

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) الفئة الجماعة من الناس، والتعبير بفئة يفيد بأنهم قد فاء بعضهم إلى بعض، وتجمعوا لغرض أن ينالوا منكم، وكأن هذه الآية وما بعدها. تعد المؤمنين للقاء أشد عن لقاء بدر، لأن لقاء بدر كان لأجل حماية المال، واللقاء من بعد لأجل

стр. 4241

الثأر، ولأجل إلقاء السطوة والسلطان، وهو أعنف من المال، وإذا كان الله تعالى قد استقبل القتال في بدر بعدم الفرار فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦). فإنه سبحانه يستقبل القتال الجديد، بطلب الثبات، والذكر لله، والطاعة لله ولرسوله، ومنعِ التنازع، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا). أمران جليلان عند اللقاء، وهما الثبات، وذكر الله. واللقاء لم يبين فيه من الذي ابتدأ باللقاء، وظاهر القول أن المشركين هم الذين جاءوا إلى ديارهم والتقوا بهم، ولقد قال النبي ﷺ " لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف "، ثم قام النبي ﷺ ، وقال: " اللهم منزل الكتاب ومجرى السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم " (١). أمر الله تعالى بالثبات بأن يلاقوهم ثابتين في أماكنهم، فإنهم إن لم يثبتوا ضُربوا في أقفيتهم، فيتمكن منهم العدو، فيقتلون، ولا ينالون من عدوهم منالا، وإن ثبتوا لَا يقتل واحد من المؤمنين إلا إذا قتل عددا من المشركين، وحيث كان الفرار كانت الهزيمة لَا محالة، وقد أمر بذكر الله كثيرا فإن النصر ليس بالسلاح ولا التخطيط فقط، بل مع ذلك بأمرين في القلوب: أولهما - الثبات، فلا تضطرب الصفوف ولا يصيبها الخلل فترجف الأفئدة ولا تضيع الثقة بين الجند. وثانيهما - ذكر الله تعالى، فإن ذكر الله يجعل القلوب تطمئن، وإن ذكر الله يملأها إيمانا ويقينا، ورجاء في النصر. وإن ذكر الله يذهب فزع القلوب، ويساعد على الثبات، وإن ذكر الله يذكر بوعده بالنصر فهو يزيده أملا بالنصر،

стр. 4242

وإن ذكر الله إذا جهر به في الميدان ازداد المؤمنون حماسة، وألقى بالرعب في قلوب المشركين، وإن ذكر الله يجعلهم لَا يشغلهم عن الله شاغل، وتكون أجسامهم وقلوبهم لنصره، و (كَثِيرًا) مفعول مطلق أي اذكروا الله ذكرا كثيرًا بحيث لَا تتوقفوا عن ذكره مهما تشتد الحرب، وتلتحم السيوف وتتلاقى بالحتوف وقال تعالى: (لَعَلَّكمْ تفْلِحُونَ) أي راجين بثباتكم وذكر ربكم أن تفوزوا بالنصر، فالرجاء من الناس لَا من الله؛ لأن الله تعالى يعلم الغيب في السماء والأرض، ويعلم ما كان وما يكون. وإن طاعة القائد والاتحاد أولى دعائم النصر، ولذا قال عز من قائل:

стр. 4243

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) إن الله يأمر بطاعته ورسوله في هذه الحرب التي أمر الله تعالى فيها بالثبات وذكر الله كثيرا، والأمر بطاعة الرسول في الحرب أمر بطاعة القائد؛ لأن الرسول ﷺ في الحروب التي قامت في عهده كان هو القائد، وطاعة القائد واجبة لأنه المُنَظِّم، وإذا كان ذلك وواقعة أحد التي خولف فيها القائد فكانت القتلة في المسلمين، وإن لم يكن الانهزام كما تصور بعض الأقلام، فيكون ذلك من الله تنبيها لما يقع، وهو علام الغيوب، وإن طاعة الرسول ﷺ في الحروب هو بكونه قائدا فيكون أمراً بطاعة القائد، فإن طاعته إذا كان دربة مخلصا من أسباب الانتصار. وطاعة الله هي لب الاستقامة، وطهارة القلوب، وهي التي تكون بها قوة الإيمان، وقوة الإيمان دعامة الانتصار، وهي قوة الجهاد، ودعامة الصبر، وتلك عناصر الجهاد الحق في سبيل الله تعالى. وذكر تعالى بعد الأمر بطاعته ورسوله - النهي عن التنازع، والنهي عن التنازع يكون أولا بالنهي عن الخلاف، فإن الخلاف يؤدي إلى النزاع، والنزاع يؤدي إلى التنابذ والتدابر، وأن يكون كل فريق جمعا منفصلًا عن الآخر، ويكون بأْسُهم

стр. 4244

بينهم شديدًا، وإن الأثر الواضح للتنازع هو الفشل؛ ولذا قال تعالى: (فَتَفْشَلُوا) الفاء للسببية تدل على أن ما بعدها سبب لما قبلها، أي أنه بسبب ذلك التنازع يكون الفشل، والفشل هو العجز، بحيث كان النزاع كان العجز عن عمل جماعي؛ لأن العمل الجماعي يجب أن تتضافر فيه القوى، ويكون كل جزء من الجماعة متعاونا مع الجزء الآخر، فتتحد القوى، وتتلاقى نحو هدف معين يجمعها. وإنه وراء الفشل ذهاب القوة، ويطمع فيهم الطامعون، ولذا قال تعالى: (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) أي قوتكم، ويفسر الزمخشري الريح بالدولة، ويقول رضي الله تعالى عنه: (والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمَشِّيه بالريح وهبوبها)، فيقال: هبت رياح بني فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره، ومنه قوله: يا صاحبي ألا لَا حيَّ بالوادي ... إلا عبيد قعود بين أزراد (١) أتنظران قليلًا ريث عقلهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي ولقد قال قتادة لم يكن نصرًا إلا بريح يبعثها، وكان ذلك مناسبا فيكون الفشل فيه ذهاب للريح التي تكون القوة، ولقد روى أن النبي ﷺ قال: " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدَّبور " (٢). حذرهم الله تعالى من ثلاثة أمور أولها: مخالفة الله ورسوله بالعمل بغير أمر الله ونهيه، والثاني: من مخالفة الرسول ﷺ القائد، ومخالفة كل قائد رشيد، والأمر الثالث: من التنازع، فإن الاختلاف مضيعة الجيوش، ومهلكة الأمم. وقد ختم الله الآية بقوله تعالى: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وفي هذا النص الكريم يدعو الله تعالى إلى الصبر؛ لأنه قوة الجهاد، وقوة الطاعة، ويربي العزيمة، ويمنع الاختلاف، إذ إن الاختلاف ينشأ عن الجزع

стр. 4245

أو عن الطمع، والصبر علاج الجزع والطمع معًا؛ إذ الجزع ضعف في الإرادات وخور في العزيمة، والطمع يتنافى مع ضبط النفس، وضبط النفس لَا يكون إلا مع الصابرين، والله تعالى مع الصابرين. وقد رفع الله تعالى الصابرين إلى أعلى المراتب عند الله، فذكر أنه سبحانه في آية أخرى أنه يحب الصابرين، والحب أعلى من الرضوان؛ لأنه يتضمن رضا الله وأكثر منه، وهو أن يكون محبوبا عند الله؛ لأن الصبر تحمل المشقة في طاعة الله، وقد أكد الله محبته للصابرين بالجملة الاسمية وبـ (إن) المؤكدة، وبفعل المضارع الدال على تجدد المحبة كلما صبروا، وإن محبة الله - تعالى - غاية المؤمنين الصادقين. وإن ذلك الصبر يكون بإخلاص النية لله تعالى، وألا تكون الحرب بطرًا ورئاء الناس، بل تكون لله ؛ ولذلك حظر الله تعالى من الحرب بطرا ورئاء الناس فقال تعالت كلماته:

стр. 4246

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) إن الإيمان قوة الجهاد، وإخلاص النية لله تعالى هي خشيته، والمؤمنون كانوا يجاهدون طالبين مرضاة الله ومحبته، وكانوا يصبرون ويصابرون، وقد حثهم الله على طاعته ورسوله، وأن يمتنعوا عن النزاع، وقد جنبهم أن يكونوا كالمشركين الذين يحاربون مفاخرين، قد بطروا معيشتهم، ولا يهمهم إلا المراءاة بالقتال، والصد عن سبيل الله؛ ولذا قال تعالى: (وَلا تَكونُوا كَالَّذين خرجُوا مِن ديَارِهم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ) البطر كفر النعمة والتقوية بها على معاصي الله، والاستعلاء بها على الناس، والرئاء مصدر راءى يرائي، يقصد به الظهور أمام الناس مفاخرا مباهيا، لا يقصد به رفع حق ولا خفض باطل، ولا إغاثة ملهوف، ولا نصرة مظلوم، بل يقصد الغلب لمجرد الغلب، وقد خرجوا من ديارهم لهذا الغرض وهو البطر ورئاء الناس، ولذا قالوا: إن بطرا ورئاء الناس مفعولان لأجله، أي العلة الباعثة للخروج من ديارهم هي البطر والمفاخرة والاستعلاء على الناس، وإذا كان لهم غرض آخر يظهر من أعمالهم، فهو الصد عن سبيل الله تعالى باستعلائهم، وإرهاب الناس

стр. 4247

وبيان أن لهم القوة في بلاد العرب، فيرهبهم المؤمن ويخافهم من يريد الإيمان، وبذلك يصدون الناس ويدفعوتهم عن سبيل الله تعالى، وهو الصراط المستقيم، وسبيل الحق. ومعنى النهي عن مشابهتهم بهؤلاء في قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) أن يخرجوا من المدينة لأجل الحق ونصرته، لَا للبطر والاستعلاء والمفاخرة. ولقد كان المشركون قد خرجوا لذلك، أو انتهى الأمر في خروجهم في بدر إلى تمحض لذلك، لقد خرجوا ليحموا عيرهم، ولكن أبا سفيان انفلت بالعير عن طريق بدر، وعبر بها سيف البحر، وقد أرسل إليهم بنجاة العير، وكان حقا عليهم أن يعودوا أدراجهم إذ قد نجت عيرهم، وسلمت أموالهم، فذهب الباعث على خروجهم، وعاد بنو زهرة منهم، وتلكأ الباقون من عقلائهم، وترددوا وأرادوا حقن الدماء، وقالوا: نقاتل أبناء عمومتنا من غير حاجة إلى قتال؟! وغلب رأى السفهاء منهم، ووقف " أبو الحكم " الذي سمي في التاريخ الإسلامي " أبا جهل " وقال: " والله لَا نرجع عن قتال محمد، حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور، وتعزف علينا القيان، فإن بدرا موسم من مواسم العرب، وسوق من أسواقهم حتى تسمع العرب بمخرجنا، فتهابنا آخر الأبد "، وقد انساقت قريش وراء هذا الناعب، فكانت المعركة ولم يشربوا الخمر، بل ذاقوا كأس المنون، وكان الحِمَام بدل المُدَام، وناحت عليهم النواحي بدل غناء القيان. ونرى أنهم ما اضطروا إلى الحرب، بل بطر النقمة، والاستعلاء بالقوة والصد عن سبيل الله، وأن يكون الشرك هو الغالب، مع أن الله تعالى هو القاهر. وقد بين الله قدرته وأنه القاهر فوقهم، فقال تعالى في ختام الآية الكريمة: (وَاللَّهُ بمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) وصدَّر الجملة السامية بلفظ الجلالة لبيان قدرة الله العالية وتربية الْمَهابة في نفوسهم، وقدَّم (بِمَا يَعْمَلُونَ) لبيان اختصاصه سبحانه بالعلم بما يعمله وإحاطته، والجملة السامية تهديد لهم، لأن هذا العلم الجزاء الوفاق لعملهم. * * *

стр. 4248

أولياء الشيطان (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) * * * إن الشيطان ولي الكافرين يخرجهم من النور إلى الظلمات، ومن الحق إلى الباطل، ولذا قال تعالى:

стр. 4249

(وِإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ). (الواو) عاطفة هذا الكلام على ما قبله، والضمير في لهم يعود إلى الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، وفي هذا النص بيان أنهم ما دفعوا إلى ما فعلوا يوم بدر حتى كان نصيبهم الردى والهزيمة النكراء - إلا لوسوسة الشيطان، فالذي حرضهم على ذلك الخروج هو ما زين في نفوسهم من أن لهم الغلب،

стр. 4250

و (إذ) ظرف للماضي متعلق بمحذوف، أي: اذكر يا محمد إذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال لهم لَا غالب لكم اليوم من الناس، وقوله تعالى: (زَيَّنَ) أي حَسَّنَ لهم ذلك، بأن وسوس في نفوسهم حُسْنَهُ وأوهمهم الشيطان بوسوسته في النفس أنهم أوتوا القوة كلها، وأنه لَا غالب لهم اليوم من الناس، وأن لهم بحيرا من أوهامهم فليس هناك شيطان ظهر لهم، وقال ما قال، إنما هي وسوسة الشيطان، وهو يجري في الإنسان مجرى الدم، فهو زين لهم بوسوسته، كما زين بها عبادة الأصنام، وكما زين لهم تحريم ما أحل من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام، زين لهم بوسوسته أنهم لَا غالب لهم من الناس، وزين لهم بأوهامه التي بثها فيهم أنه مجير وجار لهم يجيرهم من أي ضيم ينزل بهم، كما تلاقى الخربان تبدد ذلك كله، ورأو! الأمر عيانا، وأنه لَا منجاة لهم، ورأوا أنه أوهمهم ما لم ير، وإن الحقاتق بدت لهم واضحة. الكلام تصويريّ يحكي قصة إغرائه، وتزيينه لهم أنهم الأقوياء وكأنه يحدثهم، فيدليهم بغرورهم، وبث فيهم القوة الزائفة، ويوهمهم أنه جار ولا جوار، وأنه لما اشتدت الشديدة قال: إني بريء منكم، وإني أرى ما لَا ترون، وكل هذا تصور لما جاش في نفوسهم، وإنا نميل إلى هذا. وقد جاء في السير وفي بعض الأخبار في مقابل ما ذكرنا أن إبليس تمثل في صورة رجل من العرب، روى محمد بن إسحاق عن عروة بن الزبير: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، وكان من أشراف بني كنانة فقال: أنا جار لكم أن تأتيكم لنا بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا، قال محمد ابن إسحاق: فذكروا لي أنهم كانوا يرونه في صورة سراقة بن مالك فلا ينكرونه، حتى إذا كان يوم بدر والتقى الجمعان كان الذي رآه حين نكص - الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال: أين سراقة؟! ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة

стр. 4251

قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين فنكص على عقبيه، قال: إني بريء منكم إني أرى ما لَا ترون، وصدق الله، والله شديد العقاب. وقد روى مثل هذا عن السدي والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب، وقدر رأى ذلك النظر الحافظ ابن كثير بما ورد من آيات في شأن تغرير إبليس لأهل الضلال، فتلا قوله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦). (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢). ذانكم الرأيان اللذان أخذ فيهما بظاهر الألفاظ، واعتمدا على روايات في رواتها نظر، والذي أخذ فيه بمعنى الألفاظ وإنا نؤمن بصدق قصص القرآن، ولكنا في هذه الآية نميل إلى النظر إلى أنها خير تصوير لاستمكان الشيطان من قلوب الكفار، وتحكمه فيها، وسد ينابيع الإدراك في نفوسهم، ونميل إلى ذلك؛ لأن خبر إبليس وتمثله بصورة سراقة لم يثبت بسند صحيح يفسر به القرآن، ولأننا نفسر القرآن بما يبعده عن الغرائب، وبما هو مأنوس للناس من غير تكذيب لأخباره، والله أعلم، وقوله تعالى: (فَلَمَّا ترَاءَتِ الْفِئَتانِ) أي الجماعتان المتقاتلتان (نَكَصَ عَلَى عَقبَيْه)، نكص معناها رجع على عقبيه، تصوير لارتداده متقهقرا سائرا على العقبينَ، وهو خائف مضطرب، ويتبرأ من لحق أغراهم، وقد رأى الشدة آخذة بهم، وذلك تصوير لما يكون في نفوسهم، وسيكون يوم القيامة محسوسا، وقوله تعالى: (وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ) أي إني أعلم ما لَا تعلمون وقد أضلهم، وقد غرهم الغرور، (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) يعلن أنه يخاف الله والله شديد العقاب. وبذلك يصور لهم كيف ضلوا بوسوسته، وكيف تعرضوا للعقاب بتزيين ومثله في هذا التصوير كمثل من يدلي لإنسان في هاوية حتى إذا تردى فيها أخذ يعيره في هذا التردي، وما فعله إلا بتزيين وتحسينه فهو المجرم الأصيل.

стр. 4252

هذا حال الكفار، وقد كان من الذين يجاورون النبي ﷺ من كانوا إخوان الشياطين كالكافرين، وكانوا أخبث نفسا وأفسد قلوبا، وهم المنافقون ومن في قلوبهم مرض، وقد قال فيهم:

стр. 4253

(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ... (٤٩) عندما انتصر المسلمون في غزوة بدر وصارت لهم قوة ترهب أعداء الله وجد من ينافق بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، لقد كان سكان المدينة منهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأيدوه، ومنهم اليهود، ومنهم الوثنيون فلما صارت للإسلام شوكة وعزة وقوة - ظهر النفاق، وأولئك كانوا مع المؤمنين في المظهر، ومع أعداء الله - تعالى - في حقيقة نفوسهم، وكانوا يبثون الخبال في المومنين، فقال تعالى في أولئك المنافقين: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِين فِي قُلُوبِهِم مَّرَض) هما وصفان لطائفة واحدة، وهم الذين وصفوا بالنفاق، فلهم وصفان أحدهما النفاق، والثاني أن في قلوبهم مرضا، وقد وصفهم الله تعالى بذلك، فقال: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مرضًا. . .)، والعطف عطف أوصاف، لَا عطف موصوفين لقولهم: إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم أو نقول: إن هناك موصودين، وهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، والطائفة الثانية هم الذين في إيمانهم ضعف، فهم آمنوا على حرف ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. وقد بدا لي نظر لم أطلع عليه، ولكن له شواهد، وذلك أن الذين في قلوبهم مرض اليهود، ذلك أن في قلوبهم مرض الحسد، وهو أشد أدواء القلوب، وهو في اليهود دائما، فالمراد بالمنافقين الذين يقولون؛ إنهم مؤمنون ويبطنون الكفر، والذين في قلوبهم مرض اليهود. والوقائع التاريخية تؤيد ذلك أن المنافقين كانوا يقولون غرَّ هؤلاء دينهم، أي أوقعهم في غرور، فظنوا أنفسهم الأقوياء، وليسوا من القوة في شيء وقال اليهود

стр. 4254

من بني قينقاع: (لقد غر هؤلاء دينهم، وغرهم انتصارهم، لئن لاقونا فسيجدننا الناس) وكان منهم اعتداء على المسلمين حتى أجلاهم النبي ﷺ ، هذا ما سبق إلى خاطرنا، وهو ينطبق على المنافقين واليهود، والشواهد التاريخية تؤيده، والله أعلم. ولقد قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوكل هو التفويض إلى الله تعالى بعد أخذ الأسباب وتهيئة ما يكون سببا للنصر، ثم يتجه إلى الله تعالى معتمداً عليه مفوضا الأمور إليه، فإن الآسباب لَا تعمل وحدها بل تعمل بإرادة الله، وهذا فرق ما بين التوكل والتواكل، إذ أن المتواكل لَا يتخذ الأسباب. وقوِله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ليست جواب الشرط وهو قوله تعالى: (وَمَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ) بل هي سب جواب الشرط قام السبب مقام المسبب، والمعنى ومن يتوكل على الله حق توكله، فإن الله ناصره، وهو الغالب، لأن الله معه، وهو عزيز وحكيم ينصر من ينصره وهو على كل شيء قدير. هذه نتائج النفاق وضعف الإيمان ومرض الحسد في الدنيا، أما في الآخرة فعذاب أليم، يبتدئ من وقت قبض أرواحهم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 4255

(وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) تصور هذه الآية الكريمة هول عذاب الجحيم، وتبين أنه من وقت أن تتوفاهم الملائكة الذين أمرهم الله بذلك، والتوفي مصدر توفاه، معناه أوفاهم الله أجلهم في الدنيا، وانتهوا به، وإذا جاء أجلهم لَا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. و (لو) في قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى. .) حرف امتناع لامتناع، وهي هنا لتصوير حالهم والعذاب يستقبلهم إذ تتوفاهم الملائكة إذ تتوفاهم الملائكة المأمورة

стр. 4256

بذلك آجالهم، وهنا فعل شرط حذف جوابه، لبيان هوله، وأن تذهب فيه النفس كل مذهب من حيث إنه لَا يدرك كنهه، ولا تتصور حقيقته في الدنيا، والمعنى لو عاينت الذين كفروا، وأرواحهم تقبض ثم ما يجيء بعد ذلك رأيت هولا عظيما، لا تدركه عقول أهل الدنيا ولا تحيط به أفهامهم، كقوله تعالى: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ). ويقول الزمخشري: إن (لو) إذا دخلت على المضارع جعلت معناه ماضيا، فمعنى لو ترى: لو عاينت ورأيت الذين ظلموا إلى آخره، وكان التعبير بالمضارع لتصوير الماضي حاضرا مرئيا مهيئا ليتصور ما يكون ويراه كأنه حاضر، والتعبير بالذين كفروا لبيان أن السبب في هذه الشدة التي يكونون عليها هو كفرهم، وهو مقابل لطغيانهم وتمردهم وعنادهم للحق في الدنيا، فإنه بسبب ذلك الطغيان، يكون الإذلال والخسران والهوان. وقد صور حالهم فقال: (الْمَلائِكَة يَضربُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) وهذا تصوير لحال ذلهم الذي يقابل اغترارهم واستكبارهم عن الحق، فتضرب الوجوه التي تكون بها المواجهة، وضرب الوجوه لَا يكون لمن يعاملون بالصغار والهوان، وهذا عقاب معنوي شديد، وأدبارهم، أي يركلون بالأرجل في أدبارهم كما تضرب بالأيدي وجوههم، فهم في مهانة تحيط بهم، أو أن المهانة والذلة تحوط بهم من الأمام والخلف، وذلك تصوير لذلهم بعد الغطرسة، والاستهانة بهم بعد الغرور. وذلك بلا ريب عقاب معنوي، بالتحقير، في مقابل تكريم المؤمنين الذين كانوا يقولون: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ). وقد بين بعد ذلك العذاب المعنوي فقال: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) وهي معطوفة على قوله تعالى: (يَضربُونَ وجُوهَهُمْ) وذلك بتقدير فعل محذوف تقديره، ويقولون لهم ذوقوا عذاب. .، أو تقول: إن هذا فعل أمر في معنى

стр. 4257

الخبر، ويكون ويذوقون عذاب الحريق، وعبر عن إصابة العذاب لهم بقوله: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) للإشارة إلى أن العذاب لَا يكون إلا بالإحساس به، فهم في إحساس دائم به، يذوقونه ويحسون به، وكلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب. والحريق هو النار المحترقة التي لَا يطيقها إحساس محس إلا أن يكون عذابا. وإن التعبير بقوله: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) لَا يخلو من تهكم بهم؛ لأنهم فسقوا وذاقوا من الهوى ما ذاقوا، فكأنه يقال لهم: كما ذقتم المتع والشهوات، فذوقوا الحريق، وكأنَّه يبشرهم. وقد قال بعض المفسرين: إن ذكر ضرب الوجوه، وضم الأدبار إليهم تذكير لهم بشهوتهم التي كانوا منغمسين فيها وأنهم يضربون فيها، كما وقعوا في المفاسد بها والله تعالى أعلم. وقد بين عذابه مربوطا بسببه فقال:

стр. 4258

(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) الإشارة إلى ما سينزله الله بالذين كفروا، من العذاب الشديد والعذاب الأليم، والباء للسببية والمعنى العذاب الشديد بسبب ما قدموا من إيذاء للمؤمنين، ومعانة لرب العالمين، وجحود بالآيات وتكذيب لكتاب الله ورسله، وعبر عن ذنوبهم التي تضافرت وتكاثرت بقوله: (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) مع أن الذنوب تكون بالألسنة وقول الباطل كما تكون بالأيدي؛ لأن الأيدي بها البطش الظاهر، وبها أوذي المؤمنون، وبها نكل بالضعفاء، وحملها للأسلحة في الحروب، وإن التعبير عن الكل باسم الجزء مجاز مرسل مشهور، إذا كان للجزء مكانة خاصة في الحكم، كقولهم عن الجاسوس: العين؛ لأن العين لها مظهر خاص في التجسس.

стр. 4259

والمراد بما قدموا من أعمال وما قالوا به من أقوال، وإن هذا الجزاء عدل لا ظلم فيه، ولذا قال تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)، وقال سبحانه في هذه الآية (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) والواو هنا للعطف، أي أن ذلك العذاب كان بسبب ما قدموه، وبسبب أن الله تعالى ليس بظلام للعبيد، أي أنهم ينالون جزاء ما اقترفوا والعادل يعطي كل إنسان ما يستحق، (وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ. . .)، فذلك يتحقق عدل الله الكامل، وينتفي عنه الظلم سبحانه إنه عَليٌّ قدير. ولو كان الله تعالى سوى بين المجرمين والمحسنين، لكان ثمة شائبة ظلم، والله منزه عن ذلك، ومعاذ الله أن ينسب إليه، وقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ)، فيه تقرير العذاب، وتثبيته، وفيه تبريره. وقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) نفي للظلم الكثير المتكرر، فهل معنى ذلك بمفهوم المخالفة أن الظلم القليل، ليس بمنفي عنه عن ذلك علوا كبيرا؟. والجواب عن ذلك أن النص الكريم ينفي أصل الظلم عن رب العالمين، وإنما النفي بصيغة المبالغة للإشارة إلى أن المساواة بين المحسن والمسيء ظلم كبير ولا يفعله إلا ظلام للعبيد، وقيل: إن الظلم بصيغة المبالغة لكثرة المستحقين للعقاب، فلو لم يعاقبهم لكان ظلاما، والله تعالى ليس بظلام. ومن هذا النص الكريم يفهم أن العدل يوجب أمرين أولهما ألا يعاقب المحسن، فإن عقابه ظلم، وثانيهما أن يعاقب المسيء ولا تأخذ الناس به رأفة، لأنه لم يرحم الناس، ويقول ﷺ " من لَا يرحم لَا يُرحم " (١). وقد أخذ سبحانه يقص بعض القصص عن الظالمين وعقابهم. * * *

стр. 4260

(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) * * * بين الله تعالى في الآيات السابقة أن الله تعالى يعاقب المشركين عقابين؛ عقابا في الدنيا وهو أن ينتصف للمؤمنين، وأن ينصرهم، وأن يجعل الكافرين الأذلين، وكلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى، ويبدل المؤمنين من خوفهم أمنا. العقاب الثاني هو عقاب الآخرة، وإن عقاب الدنيا قد يكون بأسباب يوفق إليها، وقد يكون من الله تعالى يكون بمعجزة أو بأمر خارق للعادة كإغراق فرعون، والنصرة بالريح، وكلاهما من أمر الله تعالى، ومن توفيقه، وقد ذكر الله طواغيت مكة بطاغوت فرعون، وقد أدال الله تعالى منه، فقال تعالى:

стр. 4261

(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ). الكاف للتشبيه والمشبه ما فعله بالمشركين، وما ارتكبوه بالنسبة للمؤمنين، والمعنى أن الله تعالى لتشابه أفعال مع أعمال فرعون والله أنزل بهم ما أنزله بفرعون، لقد طغوا وبغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، فأخذهم بذنوبهم أي أنزل بهم عاقبة ما فعلوا، فأصابهم بالرجس وأرسل عليهم الضفادع والدم آيات مفصلات.

стр. 4262

وقوله (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) الدأب مصدر دأب دُءوبا، أي فعلوا مثل ما فعل آل فرعون دائبين مستمرين عليه من تذبيح أبنائهم، واستحياء نسائهم، وإيذاء موسى وقومه، ومن قطع أيدي السحرة وأرجلهم من خلاف، إذ آمنوا بربهم، ومن طغيانه وملئه في البلاد، وادعائه الألوهية وطغيانه على أهل مصر، وقوله لهم ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. تشابهت أفعال المشركين مع أفعال فرعون وملئه الذين دأبوا عليها، واستمروا قائمين بها، فكان حقا عليهم أن ينتظروا لهم مثل ما آل إليه أمر فرعون، وقد بين أنه أخذهم بذنوبهم فقال: (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) الباء للسببية وأخذهم معناها أخذهم أخذ معذب مكافئ بما فعلوا، فالأخذ يتضمن عقابهم على ما فعلوا، وهو القوي القادر، كما قال تعالى في آية أخرى: (فَأخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ)، وقوله تعالى بذنوبهم، أي أخذهم بالعقاب بسبب ذنوبهم التي ارتكبوها في حق الناس من تاله، ومن تعذيب، وإفساد للعقول بالضلال، والنفوس بالإرهاق والأذى، وبصح أن تكون الباء للإلصاق، ويكون المعنى أخذهم مصاحبين لذنوبهم فيذكرون جرائمهم، إذ ينزل بهم العذاب. وقد ذيل الله تعالى النص الكريم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ شَديدُ الْعِقَابِ). وهذا في مقام التعليل لقدرته تعالى على الأخذ الشديد لفرعون وأشباه فرعون، وإن طغوا وبغوا، وقد وصف الله ﷻ بوصفين يدلان على شدة الأخذ والعذاب؛ الأول وصف ذاتي معنوي، وهو القوة، فهو ذو القوة المتين، والوصف الثاني، وهو أن عقابه شديد متناسب مع الذنوب، ومثل فرعون وملئه ذنوبهم كبيرة شديدة قوية، فلابد أن العقاب من جنسها، وهو جزاء وفاق لها. وأكد الله تعالى هذين الوصفين بعدة مؤكدات فأكده بتصويره الجملة بوصف الجلالة، وهو يلقي بالرهبة والهيبة، وبكون الجملة اسمية، وبـ " إنَّ " التي تؤكد القول. . وقانا الله تعالى شر عذابه ومنحنا رحمته، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 4263

وإن ما ينزل بالطغاة من أخذ لهم إنما هو منِ نفوسهم التي غيروها، وشوهوا فطرتها بمظالمهم، لذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)، وقال الله تعالى في معنى هذه الآية:

стр. 4264

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) الإشارة إلى ما فعله الله بالمشركين من أهل مكة، إذ عجَّل لهم عذاب بتنكيل المسلمين بهم، وغيَّرهم من سطوة في أرض العرب وجاه وسلطان إلى أن يغلبوا على أمرهم، ويذلوا بعد عزة، وإلى ما فعله سبحانه بآل فرعون ومن قبلهم من قوم نوح وعاد وثمود، وآل مدين، فإن هؤلاء غيروا نفوسهم، وطمسوا فطرهم، فغير الله تعالى نعمته، فانتزع منهم ما كانوا في زرع فاكهين فيه. والمعنى كان هذا الذي أنزله بالكافرين بآيات الله تعالى قد وضع نظما حكيمة في هذا الوجود الإنساني، (بأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنفُسِهِمْ)، أي أن نظام اللَه تعالى في الإنسان أنه أنعم عليه نعما لها واجب وكما أنها له حق وعليها واجب، وأن الفطرة الإنسانية تدرك حق كل نعمة، وتفسد هذه الفطرة بالاتجاه إلى الشر، وذلك تغيير وطمس لنور الفطرة، والمعنى أن الله تعالى لَا يغير نعمة أنعمها على قوم، إلا إذا غيروا ما بأنفسهم، و " ما " هنا موصولة بمعنى الذي، والذي بأنفسهم هو نور الفطرة، وإخلاصها، وما أخذه الله تعالى على ظهور بني آدم ذربتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا: بلى، فهذا العهد المودع في الفطرة وهو التوحيد هو الذي يغيرونه بأنفسهم، فكفار قريش كانت لهم القوة لأنهم كانوا يدينون بديانة إبراهيم، ولكنهم غيروا ما بأنفسهم فشوهوا الفطرة، وأشركوا بالله أحجارا لَا تضر ولا تنفع، وزاد تغييرهم لما في أنفسهم بأن جاءهم رسول من ربهم يدعوهم إلى التوحيد فعاندوا، وكفروا بآيات الله تعالى، فأزالهم من سطوتهم، إلى حيث يغلبون على أمرهم.

стр. 4265

وكذلك آل فرعون ومن قبلهم آتاهم نعمة المال والسلطان فغيروا ما بأنفسهم من موجبات الفطرة وكفروا بالله وعبدوا غير الله، فغير الله النعمة، وأزال أموالهم، وأغرقهم في اليم، وكانوا عبرة المعتبرين، وهذه سنة الله في الأكوان وفى الناس. وقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) جملة معطوفة على قوله تعالى: (بِأنَّ اللَّهُ لَمْ يَكُ مغَيِّرًا نِّعْمَةً. . . .) ولذلك كانت " أن " هي المفتوحة وليست المكسورة، والمعنى ذلك التغيير بسبب " أن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم، وأن الله سميع عليم " أي بسبب ما سنه الله، وبسبب بأن الله تعالى سميع يسمع همسات القلوب، وخواطر النفوس وما يختلج في الأفئدة، فهو يعلم النفوس إذا تغيرت، عليم بكل ما يجري في الوجود، وما تتحرك به الجوارح، وما يعلمون من أمور مغيبة على الناس فإنها لَا تغيب عن الله. وإن هذا النص يدل على أمرين جليلين: أولهما - أن النفوس الإنسانية هي التي تتعلق بها الأحكام، ويجري الله تعالى أمره على ما في هذه النفوس من خير أو شر. ثانيهما - أن النصر والتأييد من الله تعالى بالقوة إنما هو باستقامة النفوس، فإن استقام ما فيها استقام الأمر وكان النصر والتأييد، وبعد أن بين أن الله لَا يغير ما بقوم حتى يغيروا الذي بأنفسهم، ذكر الطغاة، وما يقضي به عليهم فقال تعالت كلماته:

стр. 4266

(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) التشبيه منعقد بين المشركين وآل فرعون والذين من قبلهم، كما هو في الآية السابقة، بيد أنه في التشبيه صرح سبحانه بما لم يصرح به في الآية السابقة، ففي هذا التشبيه صرح سبحانه بأن أخذهم كان بالإهلاك الذي لَا بقاء معه، وفي هذا التشبيه صرح بإغراق آل فرعون، ولم يصرح بذلك في التشبيه السابق، وفي هذا

стр. 4267

التشبيه بأنه كان مع الكفر والتكذيب لآيات الله كان الظلم للناس فلم يكتفوا بكفرهم، وتكذيبهم لآيات الله، بل ظلموا أحكامهم، ولم يتخذوا العدل صراطا مستقيما وظلموا مخالفيهم، وظلموا رسلهم مع رعيتهم، والقول الجملي أن التشبيه الأول كان تقريبا ما بين الظالمين من مناهج ومسالك، والثاني فيه معنى تعيين وجه الشبه. قال تعالى في أوصاف المشركين وآل فرعون ومن قبلهم (كذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) أي أنهم جاءتهم المعجزات الباهرة القاطعة، فجاء فرعون تسع آيات مفصلات، فكذبها أي كذب ما تدل عليه من وحدانية الله تعالى في الخلق والتكوين والذات والألوهية، والمشركون كذبوا ما تدل عليه المعجزة الكبرى وهي القرآن فوق ما تدل عليه الخوارق الأخرى من وجوب الإيمان بالرسألة. وهذا التكذيب سبب الكفر، فإذا كان قد ذكر في التشبيه الأول - بأن السبب في العذاب هو الكفر، فقد صرح في هذا بأن سبب الكفر هو إصرارهم على التكذيب كأنه لَا رقيب عليهم ولا حسيب. وعبر سبحانه في التكذيب بأنهم كذبوا بآيات ربهم، ونسبة الآيات المكذبة إلى ربهم تفيد فائدتين: إحداهما - بيان فظاعة التكذيب؛ لأنهم كذبوا بآيات ربهم الذي خلقهم وكونهم وربهم وهو العليم بما يناسبهم من أدلة. والثانية - أن هذه الآيات من المتفضل عليهم بنعمة الوجود والتنمية، وإعطائهم القوة التي طغوا بها. ويقول سبحانه: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) (الفاء) عاطفة لربط ما بعدها على ما قبلها، أي أنه بسبب تكذيبهم أهلكهم الله تعالى بسبب هذه عقابا من الله تعالى، ولأن الذنوب المتضافرة يترتب عليها الهلاك لَا محالة. وفى الكلام التفات من الغيب إلى الحاضر، والإسناد إلى الله تعالى، بإسناد الإهلاك إليه ؛ لبيان تأكد الوقوع لأنه من الله تعالى القاهر فوق عباده العزيز الحكيم، ولتربية المهابة في النفس، وللتذكير بالرهبة من الله تعالى.

стр. 4268

وقد خص آل فرعون بذكر هلاكهم فقال: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) اختص آل فرعون بذكر هلاكهم؛ لأن فرعون كان أشهر ملوك عصرهم، وأشدهم طغيانا عن رعيته، وأرهبهم، وأظلمهم، فذكره للعرب وقد أهلكه الله تعالى بالغرق أرهب لنفوسهم، وأشد على غرورهم، وأردع لطغيانهم، وفوق ذلك أغرقه الله تعالى بأمر خارق للعادة لم يكن في حسبانهم، إذ انفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم ثم انطبق عليهم بما لم يعهدوا، ولم يحسبوا، فهو يذكر المشركين بأن الله تعالى يأتيهم من حيث لم يحتسبوا، وأنه سيهزمهم من حيث لَا يشعرون، بل يحسبون في أنفسهم أنهم الغالبون، ويوسوس لهم الشيطان بأنهم لَا غالب لهم وقد وصف الله تعالى العصاة جميعا بأنهم ظالمون، فقال تعالى: (وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ) أي كل الذين كفروا برسل الله، وآيات ربهم كانوا ظالمين. فـ (كلٌّ) مضاف إلى محذوف يعم حكم الله تعالى عليه بأنه ظالم، وأكد ذلك الحكم بـ (كان) الدالة على استمرار الظلم، وبالجملة الاسمية، وقد ظلموا أنبياءهم بتكذيبهم مع أن الحق واضح أبلج، وظلموا أنفسهم لأنهم ارتضوا الضلالة بدل الهداية، وظلموا المؤمنين لأنهم آذوهم، وسخروا منهم، وظلموهم لأنهم حاربوهم، وهم فاجرون في حربهم، وظلموهم لأنهم أشاعوا عنهم السوء، وهكذا أحاط الظلم بهم، والظلم ظلمات يوم القيامة والله منتقم جبار. * * * لا عهد للمشركين (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) * * *

стр. 4269

في هذه الآيات البينات يبين ما عليه الذين كفروا من إصرارهم على الكفر، ونقضهم للعهد، وما ينبغي لهم من معاملة، وأنه إذا وجدهم في الحرب للمسلمين فيه غلب أن يضربهم ضربة قاسمة ليشرد الذين من ورائهم من قومهم أو يصيبهم الرعب، فلا يجتمعون عليه رهبا وخوفا، وإنه يجب توقع الخيانة منهم ومن كان يخاف خيانته، ينبذ عهده، ويتقى أذاه، وقد ابتدأ سبحانه بوصف الكفر، كيف يتدلى الكافر من مرتبة الإنسانية إلى مرنبة الدواب الحقيرة التي هي أدنى الحيوان إلى أن قال تعالى:

стр. 4270

(إِنَّ شَرَّ الدَوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كفَرُوا) " الدواب " جمع دابة، وهي كل ما يدب على وجه الأرض من حشرات إلى قردة وخنازير، إلى كلاب وحمير وخيل، إلى الإنسان، والتعبير عن الذين كفروا بالدواب حط من إنسانيتهم؛ لأنهم أغفلوا مداركهم وصاروا كأقل الحيوان ذكرا، ومكانا. وليسوا فقط أحط الأحياء، بل هم أحط من أحطها، فهم شر الدواب، وهم في الدرك الأسفل من الحيوانية، وأحط ما في هذا الدرك. يقول تعالى مؤكدا القول: (إِنَّ شَرَّ الذَوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) فحكم الله تعالى بأنهم أشد الحيوانات شرا، من الحشرات التي تدب إلى الإنسان الذي خلقه الله تعالى فسواه في أحسن تقويم، وشرهم الشديد؛ لأنهم أوتوا عقولا فشوهوا إدراكها، وأوتوا فطرة سليمة، فرضوا أن يعبدوا حجارة هي أحط من أحط الحشرات وجودا؛ لأن الحشرة فيها حياة وأوثانهم لَا حياة فيها، وهم شر الأحياء لأن كل شيء حي فيه نفع، وإن كنا لَا نحصيه، وهم شر لأنهم ظالمون ولا نفع فيهم، وهم شر لأنهم يعاندون الخير ويعاندون الحق ويؤيدون الشر، وإذا كان مقياس الخير والشر هو النفع في الخير، والفساد في الشر - فالذين كفروا بمقتضى هذا القياس سلب منهم كل ضر، واتسموا بكل شر، فكانوا شر الأحياء.

стр. 4271

ثم قال تعالى: (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) " الفاء " تفيد السببية والمعنى هم سبب كفرهم لَا يؤمنون والنفي نفي متجدد للإيمان، أي أنه قد تلبس بهم الكفر فلا يؤمنون قط، وعبر بالمضارع لتجدد كفرهم آنًا بعد آنٍ، وتلك حالهم، ونفَى الله عنهم الإيمان بإطلاق، فلم ينف الإيمان بالله والرسول فقط، بل نفى الإيمان بإطلاق فهم لَا يؤمنون بحق إلا في ظل أهوائهم وشهواتهم، ولا يؤمنون بفضيلة، ولا يؤمنون بحق الإنسان على أخيه بل يؤمنون بالجبت والطاغوت، لَا يؤمنون إلا بالشيطان، فعقولهم كلها للشر، ونفوسهم سكنها الشيطان يعاضدون الظلم، ويؤيدون الباطل، فكانوا بهذا شر الدواب عند الله، أي في حكم الله تعالى خالق الحياة والأحياء. وأوضح سبحانه إيذاءهم للناس بأنهم لَا يرتبطون بعهد مع الناس قط، فهم لا يشعرون بحق لغيرهم ولو بعقد التزموه أو عهد أبرموه فهم جائرون بائرون في تفكيرهم وإنسانيتهم، ولذا قال تعالى:

стр. 4272

(الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) (الَّذِينَ) في هذه الآية بدلا من (الَّذِينَ كَفَرُوا) في الآية السابقة، فهذا وصف من أوصافهم، وحال من أحوالهم، وأوضح ما كان ذلك في. اليهود الذين جاءوا النبي ﷺ في المدينة فهم الذين عاهدوا النبي ﷺ ونقضوا عهده؛ ولذلك يقول تعالى: (الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ) وإذا كانت واضحة في اليهود، ولم يكن للمشركين إلا عهد الحديبية، وقد نقضوه، فيصح أن يكونوا عاهدوا النبي ﷺ ونقضوه، ولكن لم يتكرر نقضهم؛ ولذا نقول: إن البدل في الذين عاهدتهم ليس بدل كل من كل، بل بدل بعض من كل. واليهود عاهدوا النبي ﷺ وتكرر النقض فقد عاهدهم النبي ﷺ أول إقامته عهد تعاون على البر والتقوى، ونقضه بنو قينقاع عقب وقعة بدر الكبرى، ثم أبرموه مرة ثانية بنو النضير حتى اضطر النبي ﷺ إلى إجلائهم، حتى يقيم في المدينة (والجنة تجاوره)، ثم كانت الممالأة للمشركين، ومكانتهم للمشركين، والنبي ﷺ -

стр. 4273

فى الشديدة في غزوة الأحزاب، وقد تألبت عليه الجزيرة العربية كلها وتحزبت عليه، وقد جاءوا ليقتلعوا الإسلام من المدينة فرد الله الذين كفروا بغيظهم ولم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال. ثم قال تعالى: (وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ) أي هؤلاء الذين ينقضون العهد، في كل مرة يعاهدون الرسول ﷺ (لا يتقون) وقد أطلق عدم الاتقاء فلم يذكر أنهم يتقون الله، أو يتقون أذى الناس، أو يتقون نقض فهو سبحانه أطلق عدم الاتقاء، أي من صفاتهم التقوى وتقدير الأمور، وتقدير معنى الوفاء بالعهد، فإنه لَا يصح نقض العهد لأي سبب؛ لأنه يفقد الثقة، وفقد الثقة يؤدي إلى ضعفهم، ولقد قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١). ولا شيء يضعف الجماعات أكثر من النكث في العهود؛ لأن الناس لا يثقون، ويكونون جميعا إلبا لبعض، وتعد فاسدة الأخلاق، ولا تكون لها قوة أبدا. وقد رأينا ذلك في الدول في الماضي، ونراه الآن؛ ولذا يقول تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَكَانَ مَسْئولًا). وإذا كان الكافرون لَا يثقون في عهد عهدوه، ولا ينفعون بل يضرون، فلابد لحملهم على الحق من القوة الغالبة، والقهر الذي يرهبهم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 4274

(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) " الفاء " عاطفة، وهي فاء السببية، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها، أي أن هؤلاء الكفار لَا يفعلون خيرا، وليس منهم إلا الأذى المنكر، ولا يُمنع شرهم بعهد يقدمونه، فإنه يجب قمعهم بالشر إذا وجدوا في حرب حتى لَا يجتمعوا على شر؛ لأن اجتماعهم إيذاء فلابد من إرهابهم.

стр. 4275

(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهمْ) (إن) مدغمة في (ما)، و (ما) زائدة لتوكيد القول، ولذا جاء في الفعل نون التوكيد وجوبا. أو قريبا من الوجوب، والتأكيد للفعل، أي إن تأكدت من وجودهم، فلا تجعلهم يفلتون من يدك، واضربهم الضربة القاسمة التي تفزع من خلفهم فيشردون، بدل أن يكونوا مجتمعين للشر، فضرب من يقع في اليد من الأشرار ضربات قاسمة يجعل من خلفهم ممن هم على شاكلتهم مشردين غير مجتمعين، ومعنى (تَثْقَفَنَّهُمْ) تجدهم في ثِقاف، أي حال ضعف تقدر فيها عليهم، وذلك من قوله ثقفته أي وجدته. وقوله تعالى: (فِي الْحَرْبِ)، أي انساقوا إليك محاربين، وقدرت عليهم فاغلظ عليهم واضربهم الضربات القاسمة التي تجعلهم نكالا لغيرهم، فلا يستمرئون الشر بعد ذلك، وقال تعالى: (فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ) أي شرد بضربهم والتنكيل بهم مَن خلفهم، فإذا رأوا الهوان ينزل بمن هم على شاكلتهم جزاء غيهم، فإنهم لَا يجتمعون لحرب أهل الحق بعد ذلك؛ إذ إن ضرب الذين جاءوا للحرب وأخذهم بالسوق والأقدام يجعلهم لَا يجتمعون على قتال لأهل الحق، فلا يهاجمون المؤمنين من بعد ذلك؛ ولذا قال تعالى: (لَعَلَّهمْ يَذكًّرُونَ) أي رجاء أن يعتبروا بغيرهم، ويذكروا مآلهم الذي يستقبلهم بما يرون فيمن تقدَّموهم، إن في ذلك لذكرى لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
следующие страницы →