← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

(وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧) * * * إن الله رد استعجالهم للعذاب، كما استعجل المشركون إسلافهم العذاب، فأنزله تعالى، أما المشركون الذين بعث فيهم محمد ﷺ ، فما بعث لهم وحدهم، بل بعث للأحمر والأسود، والأبيض والأصفر، فما كان لينهي رسالته بكفر أهل مكة وإصرارهم على الشرك ومعاندة الحق، بل لَا بد من تبليغ رسالة ربه، وأن يعرفها الكافة فقد أرسل إليهم، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلنَاكَ إِلَّا كَافَةً لِّلنَّاسِ. . .)، ولذلك قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) على ما ذكرنا ولكنْ هناك عذاب لهم ينزل بهم في الدنيا، أساسه منازعة الحق للباطل، وإزالة مثارات الشيطان أمام شرع الرحمن، ولابد أن يخلو وجه الناس للحق، فكان لابد من مغالبتهم بالقتال، وهو بعون الله تعالى عذاب لهم، وهذا هو العذاب الذي قرره الله تعالى لهم في قوله تعالى:

стр. 4202

(وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).

стр. 4203

هذا تعجب من عدم تعذيب الله لهم بالمغالبة، ومنازعتهم ما وضعوا أيديهم عليه بالباطل، وأقاموا أصنامهم فيه، وليسوا أهلا لولايته. والاستفهام للتعجب من مناقضة حالهم لما يجب لحرم الله الآمن، والمعنى أي أمر ثبت لهم حتى يقيموا في الحرم ولا يعذبهم يمنعهم منه، وهم يحاربون شعائره، وذلك بصدهم عن سبيل الله، وعن المسجد نفسه فهم يمنعون النبي ﷺ من أن يؤدي المناسك، ويمنعون ضعاف المؤمنين بإيذائهم، ويصدون الناس معنويا بوضع الأصنام على الكعبة بناء إبراهيم، وينتهكون المحارم، بحمل الناس على الطواف عرايا رجالا ونساء، حتى إنهن ليسترن سوءاتهن بأكفهن، هذا كله صد عن البيت. فكيف لَا يعذبهم الله بمغالبتهم على الاستيلاء على البيت، والحال أنهم لا يقومون على حرمات البيت، وهو المسجد الحرام الذي جعله الله حرما آمنا، والناس يتخطفون من حوله. والتعذيب، كما أشرنا هو مغالبتهم لنزع البيت من تحت أيديهم، ووضعه في يد أولياء الله ولكنهم يدعون أنهم سدنته، أو أنه بأيديهم مفاتيحه، من عهد إبراهيم، وقد أجاب الله تعالى عن ذلك بأنهم ليسوا أولياءه، أي ليسوا حُماته، أو القائمين عليه؛ وذلك لأن ولايتهم إنما هي بالخلافة عن إبراهيم بانيه ورافع قواعده، وما كان مشركا. وإنهم إذ أشركوا، وصدوا الناس عن المسجد الحرام، ومنعوا غير العرايا، قد فقدوا صفة الخلافة عن إبراهيم الذي جاء بالحنيفية السمحة، قد فقدوا الحق في هذه الولاية. ولذا قال تعالى: (وَمَا كَانوا أَوْلِيَاءَهُ) أي ما استمرت لهم هذه الولاية، لأن " كان " تدل على الاستمرار وفيها نفي لهذا الاستمرار. والولاية الحق تكون لن كانوا على ملة إبراهيم السمحة، ولذا قال: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ) هذا قصر للولاية على الموحدين المؤمنين الذين بلغوا ذروة

стр. 4204

الإيمان، وهي التقوى، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أنفسهم وضلالهم فلا يستحق الولاية المؤمن فقط، بل المؤمن الذي يتقي الله ويحفظ حرمات بيته، قال عز من قائل: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨). وإن هؤلاء المشركين لَا يعرفون شيئا مما يليق بهذا البيت العتيق الذي هو أقدس بيت في هذه الأرض؛ لذا ذكر سبحانه، كيف يتعبدون في هذا البيت عابثين، غير مؤمنين.

стр. 4205

(وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) كانوا يصفرون ويصفقون، ويضعون خدودهم على الأرض، وهم على هذه الحال، ويسمون هذه الحال صلاة، فهي في حقيقتها ليست صلاة إبراهيم، ولا صلاة مطلقا، ولكنهم سموها صلاة، وعدوا أنفسهم بها مصلين، وتجاوزوا كل معقول، وعدوا أنفسهم أولياء البيت الحرام، وهم يصدون الناس عنه، ويتحكمون فيه، وفيمن يغدون إليه إجابة لدعوة إبراهيم من كل فج عميق. يقول تعالى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) أي ما كان دعاؤهم عند البيت أو ما كان ما يسمونه صلاة، سولتها لهم نفوسهم عند البيت، أي عند ذلك المكان القدس الذي كان أول بيت وضعه الله للناس الذي قال الله تعالى فيه (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا. . .)، إما كانت إلا مكاء وتصدية وذكر كلمة البيت، وأن هذه التي سموها صلاة كانت عنده، ليتبين عبثهم بهذا البيت المقدس، وليتبين عبثهم في هذا المكان الذي ادعوا أنهم أولياؤه، والمكاء كرُغاء وخُوار وغُثاء ويعني الصفير، فوزنه فُعَال، وفعله مكَا يَمْكُو إذا صَفَّر، والتصدية مأخوذة من الصدى، والمراد التصفيق؛ لأن التصفيق ترديد للصدى. وقد

стр. 4206

روي ذلك عن أبي حاتم، وابن عمر، وقال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عراة، وتصفق، والمكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق. ويروى أنهم كانوا يفعلون ذلك، ليخلطوا بذلك على النبي ﷺ صلاته. وإن الزمخشري يقول: إن الله تعالى سمى فعلهم ذلك صلاة تهكما عليه، وقد جاء في الكشاف ما نصه: " فإن قلت ما وجه هذا الكلام قلت هو نحو قوله: وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه ... أدَاهِمَ سودًا أو محدرجةً سُمْرا والمعنى أنه وضع القيود والسياط موضع العطاء، ووضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء وهم يشبكون أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون ذلك إذا قرأ الرسول ﷺ . وخلاصة القول أن نقول: إن تسمية عملهم صلاة على زعمهم، أو نقول مقالة الزمخشري: إنه تهكم على فعلهم، فسمى صلاة تهكما، كما يسمى وضع الأيدي في القيود، وهي الأداهم، والسياط وهي المحدرجة السمر - عطاء، وذلك إهانة للبيت، وتحقيرًا له، لَا يعقل أن يصدر من أوليائه فليسوا له. هذه تصرفاتهم في البيت، وهي صغار شديد لأمره، لَا يليق ببيت إبراهيم، بيت الله العتيق، ولذا قال تعالى: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفرُونَ). وفى هذا الكلام التفات إليهم وتوجيه الخطاب لهم، لأن مخاطبتهم بالعقاب يجعله أوقع في النفوس وأدعى للرهبة، والفاء فاء الإفصاح؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر، إذ يكون الكلام تقديره: إذا كانت هذه صلاتهم وإذا كان هذا فسادهم، فذوقوا العذاب بسبب كفركم.

стр. 4207

وهنا إشارات بيانية يجب التنبيه إليها. الأولى - التعبير بـ (ذوقوا العذاب) فإنه مجاز عن نزوله بهم بحيث يمس إحساسهم، وكأنه يذاق مذاقا مؤلما ولا يخلو ذلك من تهكم بهم، كما يقول الله تعالى: (فَبَشِّرْهم بِعَذَاب أَلِيم). الثانية - قوله تعالى: (بِمَا كنتمْ تَكْفرُونَ)، فإنها تدل على استمرار الكفر، وأن هذا الاستمرار هو السبب في ضلالهم، فإن كنتم وكان فيها دالة على الاستمرار. الثالثة - أن التعبير بالمضارع يفيد تصوير حال كفرهم المتجدد المستمر، فكل ساعة تمر وهم كافرون تجديد للكفر، وحيث يتجدد الكفر يتجدد سبب العذاب، وقانا الله تعالى منه. وإن المشركين بذلوا، وسيبذلون كل مال للصد عن سبيل الله؛ ولذا قال سبحانه:

стр. 4208

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) هذه الآية أقرب إلى الظن أنها مدنية، ولكن نقبل ما يقرره القراء، وهي أنها مكية عند بعضهم، وهي لَا تتغير بوصف المكية أو المدنية، فكله كلام الله تعالى لا يتغير بميقات نزوله، ونحسب أن ما في سورة الأنفال مما نزل بمكة، قد انتهى إلى ما قبل هذه الآية. كتب الصحاح التي تكلمت في أسباب النزول تجمع على أن سبب نزول هذه الآية أن قريشا بعد أن عضتهم الحرب في بدر، وأرادوا أن يثأروا لأنفسهم جمعوا مالا لينفقوه في حرب أخرى يعدون لها، ولكن قال الضحاك: إنه عنى بالآية المطعمون الذين كانوا يطعمون يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلا.

стр. 4209

والمذكور في سيرة محمد بن إسحاق أنه لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان لعيره، مشى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك العيرة تجارة فقالوا: " يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا " ففعلوا، وقد ذكر ذلك عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما. وأيا كانت الأخبار في ذلك وإنها لصادقة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن الله تعالى الرحيم الرءوف بعباده، لَا يجعل المؤمنين فريسة لأموال المنافقين ينفقونها للصد عن سبيله، فينصروا بأموالهم وينخذل أهل الحق، فصد هؤلاء عن سبيل الله. إن الله تعالى يؤكد أن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فلا يتحقق لهم قصدهم فيقول: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً). أكد الله سبحانه الإنفاق لهذه الغاية وهي الصد عن سبيل الله، وذلك يجعل كلمة الشرك عالية، ويخضد شوكة المسلمين دعاة الحق، ويمنع الرسول ومن اتبعه من الدعوة، وفي سبيل حرب أهل الإيمان، وقد أكد الله تعالى أنهم سينفقونها بهذه النية الفاسدة، فالسين هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل، وقد كرر النص الكريم الإخبار بالإنفاق، والأول للغرض من الإنفاق، وهو أنه للصد عن سبيل الله فهو بيان للنية الخبيثة، والقصد الفاسد. والثاني لبيان أنه لَا نتيجة لهذا الإنفاق، بل يكون عليهم حسرة، وسيغلبون. والفاء في قوله تعالى: (فَسَيُنفِقُونَهَا) لبيان وقوع ما يريدون من غير أن يترتب عليه ما يحبون.

стр. 4210

و (ثم) هي للعطف والترتيب، وكان التعبير بـ (ثم) لبيان بعد ما يقع عما يريدون، فهم أرادوه سرورا لأنفسهم بتحقيق الصد عن سبيل الله، وهزم الحق، وكانت النتيجة ليست سرورا بل حسرة؛ لأنهم لم يحققوا ما أرادوا وكانت الهزيمة، وهي حسرة ثانية، وكان نصر المؤمنين، وأن يكونوا هم المغلوبين. ولا شك أن هذه الأمور التي ترتبت بعيدة عن الغاية التي أرادوها، فكان التعبير بـ (ثم) لهذه المفارقة بين النتائج التي حققت، والمبعث للإنفاق. والتعبير بالموصول في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) إيذان بأنهم يغالبون الله - وهم الكافرون - بأموالهم، والله هو القاهر فوق عباده. هذه عقوبتهم في الدنيا، وهي إنفاقهم وإحباط عملهم، وذهاب ذلك حسرات عليهم، وأن يكونوا مغلوبين ما داموا ينازعون أهل الحق ويصدون عن سبيل إلله. أما في الآخرة فجهنم وبئس المصير؛ ولذا ختم الله تعالى الآية بقوله تعالت كلماته: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرونَ) أي والذين كفروا بسبب كفرهم يذهبون إلى جهنم يحشرون فيها، وقدم الجار والمجرور للدلالة على الاختصاص، أي أنهم يحشرون إلى جهنم وحدها، والتعبير بيحشرون يومئ إلى كثرة أهل جهنم، وإلى أنهم يكونون في ضيق محشورون. اللهم قنا عذاب النار. وإن المؤمنين في جنة ونعيم مقيم. وكان الكافرون في جهنم ليتميزوا بعقابهم، ولذا قال تعالى:

стр. 4211

(لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧) الآية متصلة بالآية التي قبلها، فاللام متعلقة بقوله تعالى: (يُحْشَرُونَ) في آخر الآية السابقة، أي أن الله تعالى يحشر أولئك الكافرين في جهنم دون غيرها

стр. 4212

يمسهم فيها النصب واللغون كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها، كان ذلك الحشر (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) والخبيث هو الكافر، والطيب هو المؤمن، وأظهر في موضع الإضمار، فلم يقل ليميزهم عن المؤمنين؛ وذلك لبيان أن الكافر خبيث في عقله وفكره وعمله واعتقاده، ولبيان أن المؤمن طيب في نفسه واعتقاده وعمله وخير كله، ولبيان أن الخبث لَا ينتج إلا الحشر في جهنم، وأن الطيب لا ينتج إلا خيرا، وهذا النص يفيد بإشارة القول ولمح البيان أن جزاء الطيبين نعيم مقيم. وإن الخبيث يجتمع بعضهم إلى بعضه، يضم الخبيث إلى الخبيث ويتراكم عليه، حتى يكادوا يكونون عليه لبدا، وقد عبر الله تعالى عن ذلك بقوله تعالت كلماته: (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا) تعبير يتناسب مع تكاثف شيء كله خبيث، أي يجعل الله تعالى الخبيث الحاضر فوق الخبيث الغابر، فوق ما سبقه، فنظمه جميعا بعضه لبعضه، وفي هذا إشارة إلى أن في جهنم مكانا للجميع، وإن كان مزدحما متراكما، وإشارة إلى تلاحق الحاضرين مع من يقلدونهم، وإشارة إلى تميزهم على الطيبين، أو تميز الطيبين عنهم، وإن هذا كله ينبئ عن الخسارة المطلقة التي لَا كسب فيها؛ ولذلك قال تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). الإشارة إلى الذين أنفقوا ليصدوا عن سبيل الله، ومن كان إنفاقهم حسرة عليهم، والذين حشروا إلى جهنم، وكانوا قد حملوا الخبث، أي أولئك الذين كان منهم هذا وجوزوا ذلك الجزاء - هم الخاسرون، وفي الكلام قصر بتعريف الطرفين، أي أولئك هم الخاسرون وحدهم خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. وإن الله دائما يفتح باب الرحمة، ويذكر العذاب. * * *

стр. 4213

(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) * * * إن الذنوب مهما تكبر، فباب التوبة مفتوح فما أنزل الله الرسل ليحصوا عدد الذين أساءوا، بل للدعوة إلى الحق، وقد يكفرون فالدعوة تستمر لهدايتهم، ومن يستجب منهم تَجُبُّ استجابته ما كان منه من قبل؛ ولذلك كان الباب مفتوحا، ولذا أمر الله نبيه - مع كفرهم - أن يقول لهم:

стр. 4214

(قل للَّذينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ). يأمر الله نبيه بأن يقول لهم في شأن الذين كفروا متحدثا عن مآلهم إن ينتهوا عما هم فيه من كفر ومشاقَّة للمؤمنين ومحاربة للحق - يغفر لهم ما سلف من أعمالهم، ويدخلون في الإسلام طاهرين مبتدئين حياة جديدة هي طهر وتقى ونقاء. وهناك قراءة بالخطاب، ورويت عن ابن مسعود: " إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف " ولكن القراءة المشهورة الأولى، ويكون المعنى قل مخاطبا لهم إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف. والتعبير بالذين كفروا في موضعه؛ لأنهم متلبسون بالكفر، ومع تلبسهم بالكفر، إن ينزعوه من إهابهم ويلبسوا لباس الإيمان وينتهوا من أرجاسه يغفر لهم ما قد سلف؛ لأن الإسلام يجُبَّ ما قبله، وعبر عن الإيمان بعد الكفر بـ " الانتهاء " للإشارة إلى أن الفطرة هي الإيمان، وأن الكفر عارض على النفس وهو حال قابلة للانتهاء، وإذا انتهت عاد الطهر والنقاء.

стр. 4215

وقال تعالى: (يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) من حرب وإيذاء، ولبس الحق بالباطل، وكل ما كان منهم من جرائم في جنب الله، فالله غفور رحيم، وما ارتكبوا من زور وربا موضوع، وكل دماء الجاهلية موضوع، فكل هذا داخل في قوله تعالى (يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ). وقرر الفقهاء أن الحربي إذا أسلم لم تبق عليه تبعة من حقوق الله تعالى، لأنه إذا غفر الشرك فما دونه أولى بالغفران، إلا ما كان من حقوق العباد كديون عليه، أو أكل مال بالباطل أو نحو ذلك، والذمي إذا أسلم فإن الحدود تقام عليه وحقوق العباد تجب على العباد؛ لأن ذلك يلزمه بمقتضى عقدا الذمة، والإيمان يؤكد الالتزامات ولا يسقطها. وقوله تعالى: (وَإن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سنَّتُ الأَوَّلِينَ) ظاهر النص إن يعودوا إلى الكفر بعد الإيمان فإن معاملة الكافرين تعود إليهم، فمعنى (فَقَدْ مَضَتْ)، أي فقد تقررت سنة الأولين، وهي معاداتهم لله تعالى، منزل بهم ما نزل بالأولين من إخضاعهم للحق بالمحاربة وتنكيس رءوسهم، وإقامة الحق، أو تدمير ديارهم بزلزال مدمر أو حاصب من السماء، وإن سنة الأولين إما سلم مخزية، أو حرب مجلية، كما في بدر، أو ريح عاصف أو سيل عالٍ.

стр. 4216

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) الفتنة في الدين: إيذاء المؤمن لمنعه من اعتقاد ما يراه الحق، أو من الاستمرار عليه، وحمله على تركه بعد اعتقاده، كما يفعل المشركون في مكة مع المؤمنين، وكما فعل أصحاب الأخدود الذين قال الله تعالى فيهم: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨). ومن الفتنة في الدين أن يمنع الداعي إلى الحق من الدعوة إليه، وأن يمنع تعريف الناس بهذا الحق. وكان الناس يفتنون في دينهم بعد دعوة محمد ﷺ إلى الحق، فكانوا في مكة يفتنون، وقتل في الشام من أسلم من العرب، وحيل بين

стр. 4217

الدعوة الإسلامية، وأن تصل إلى الناس، والقتال يستمر إلى أن يزول سببه، وأن يكون الدين كله لله تعالى بأن يطلب الرجل الدين خالصا لَا إرهاق ولا ضلال، بل يعتقد ما يعتقدا مخلصا لله طالبا وجه الله والحق لَا يبغى سواه، وهذا معنى قوله تعالى: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، وإنه إذا طلب الدين كله لله ، لَا يفكر فيه كله إلا من هو لله مخلص مستقيم فإنه لَا يمكن أن يكون مشركا، بل لابد أن يكون مؤمنا بالله الواحد الأحد الذي ليس بوالد ولا ولد، فإنه حينئذ يسلم كل أمر في وجهه لله تعالى بعيدا عن تأثير الملوك والرؤساء، وتضليل المضلين، هذا هو ما يشير إليه قوله تعالى: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، أي يكون التدين كله لله تعالى. إن نهاية القتال تكون بانتهاء الفتن في العقيدة، وأن يكون طلب الدين، وقد قال تعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) والمعنى إن انتهوا عن الشر والاعتداء والفتنة في الدين، والإيذاء في الاعتقاد، فإن الله تعالى: (بمَا يَعْمَلُونَ بَصِير) أي أنه مراقب نفوسهم وعليم بما تخفي صدورهم، وما يجيش بنفوسهم، وفى هذا بيان علم الله الكامل، وتهديد لهم إن عادوا، كما فيه تبشير لهم إن استقاموا على الطريقة، وفي آية يقول الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣).

стр. 4218

(وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) في الآية السابقة فتح الله تعالى باب التوبة للكافرين ليخلصهم الله تعالى من الشرك الذي أركسوا فيه، وأشار سبحانه إلى أنه أمر عارض على نفوسهم، يستطيعون أن يرحضوه عنها، كما يرحض الوسخ على الثوب الأملس، وبين أن القتال لإزالة الفتنة في الدين، حتى يكون الدين لله. وبعد هذا ذكر ولاء الله تعالى للمؤمنين، وأنه وليهم وناصرهم إن أعرض المشركون، فقال تعالى: (وَإِن تَوَلَّوْا) أي أعرضوا ونأوا بجانبهم بعد أن فتح لهم باب الغفران، أو أن يقول: إن استمروا على إعراضهم وتنائيهم عن الحق فإنه هو مولاكم، فلا تخافوهم، وإن الله غالبكم عليهم لأنه مولاكم وناصركم، فقال

стр. 4219

تعالى: (أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ) ليس هو الجواب، إنما هو علة الجواب بل الجواب فأنتم الغالبون، وقوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ) أي أنه مولاكم أنتم دون غيركم، والولاية للحق، ومعنى مولاكم أي وليكم وناصركم، وأنتم وحدكم حزب الله. ومن كان الله وليه فلن يهزم، من كان الله ناصره، فلن يغلب (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)، ولذا قال تعالى (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) ونعم من الألفاظ التي تقال في مقام المدح، والمدح بالنسبة لله تعالى الشكر، والثناء على الله بما هو أهله، فنعم هو وليا مواليا، ونعم الله نصيرا غالبا. * * * قسمة الله في الغنائم (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) * * * هذا تعليم الله تعالى بشأن توزيع الغنائم، فالله تعهد الحرب من وقت الإعداد لها إلى الإقدام عليها إلى اللقاء فيها حتى الانتهاء، ثم علمنا

стр. 4220

توزيع غنائمها ليكون التوزيع حكما شرعيا نخضع له، فلا نختلف ولا نتأثر، وقسمة الله تعالى هي العادلة وغيرها قسمة باطلة، وقسمة ضيزى لَا صلاح فيها، ولا خير. قال تعالى:

стр. 4221

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ. . .) " ما " في قوله تعالى هي اسم موصول بمعنى (الذي) والمصدر المنسبك من أن وما بعدها، مفعول لـ (اعلموا)، أي اعلموا كون الذي غنمتموه: خمسه لله ولرسوله إلى آخر النص الكريم. والغنيمة ما يؤخذ بغير مقابل، ولكن بجهد، وخصت في عرف القرآن بما يؤخذ في الحرب من العدو؛ لأنه يؤخذ بغير مقابل، لأنه أبيح دم العدو وماله، إذ الحرب تبيح دماء العدو وأمواله، ولكنها لَا تؤخذ إلا بجهد، وصار ذلك حقيقة عرفية قرآنية. ولكن أنطلق الغنائم على كل ما يستولى عليه في الحرب، سواء أكانت أرضا يستولى عليها، أم كانت أموالا منقولة، كالذهب والفضة والثياب والمطبوعات، أم كانت جواري وأناسي؟. تجري الأقلام على ذلك، ولذلك لاقى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مخالفة بادي ذي بدء عندما منع قسمة الأرضين عن الفاتحين، وخالفه الأكثرون حتى إذا قرأ عليهم قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠).

стр. 4222

وعندما تلا عليهم أمير المؤمنين عمر هذه الآيات خروا صاغرين ووافقوا على ما قال، وقد دل هذا على أمرين: أولهما - أنهم عدُّوا الفيء من الغنائم، إذ أجروا على الغنائم حكمه، وكذلك قال بعض فقهاء الصحابة والتابعين فعدوا الأنفال والفيء والغنائم مؤداها واحد، وإن اختلفت أسماؤها. ثانيهما - أن الغنائم لَا تكون إلا في المنقول الذي ينقل من حيز إلى حيز كالعروض والذهب والفضة والأواني والثياب ونحوها، وقد قال ذلك الرأي بعض الصحابة، جاء في تفسيرِ القرطبي: " لم يختلف العلماء "، في أن قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنمَّا غَنِمْتُم مِّن شيْء) ليس على عمومه، وأنه يدخله الخصوص فمما خصصوه بإجماع أن قالوا: سلَب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام، وكذلك الرقاب أعنى الأسارى الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف. . . . ومما خص به أيضا الأرض، والمعنى ما غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة. وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية. . . . ولو كانت الأرض ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء، والله تعالى يقول: (وَالَّذينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)، بالعطف على قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ. . .)، قال: أو إنما يقسم ما ينقل من موضع إلى موضع. نقلنا هذا الكلام، لبيان أن من علماء الصحابة من قال: إن الغنائم ما يؤخذ وينقل، والأراضي لَا تنقل ويستولى عليها، فلا تعد عليها، ولنضع الحجارة في أفواه الذين يقولون: إن الإمام عمر ﵁ عارض النص بالمصلحة عندما عارض نصا، ولما اعتمد على المصلحة وحدها لم يجد من يوافقه من الصحابة إلا من كان له مثل علمه، وبصره بالنصوص كعلي بن أبي طالب عالم الصحابة ﵃ أجمعين. قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) - من - في قوله تعالى: من شيء، بيانية

стр. 4223

لبيان عموم ما يغنم قليلا كان أو كثيرا، أي قدر من الغنيمة يغتنم يُخَمَّس قليلا كان أو كثيرا، وهذا دليل على أن هذا التقسيم من الله تعالى لَا يجوز لأحد أن يقسم غنائم الحروب العادلة كما يهوى، بل إنها أموال الله تعالى يتولى تقسيمها ولي الأمر بتقسيم الله تعالى، لَا بمجرد الهوى يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، كما كان يفعل ملوك الأمويين والعباسيين، حتى جاء الأتراك فطم سيل الفوضى، وضاع حكم الله تعالى، وصار أمر المؤمنين فرطا. وقوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) أن ومصدرها مفعول لفعل محذوف، تقديره: ثبت والمعنى (وَاعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْء)، فقد ثبت وتقرر وحكم الله أن لله خمسه. . . وللرسول. هذا تقسيم جعل الخمس أولا لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فهو خُمْس مُخَمَّس إلى خمسة أخماس، وأربعة الأخماس الأخرى تقسم على الغانمين، ولم يصرح بتوزيعها؛ لأنها معلومة بحكم الغنم الذي قام به الفاتحون، فهي تقسيم بين محصورين، وهم: الله ورسوله، وفقراء الأمة وضعفاؤها، والفاتحون، فإذا ذكرت حصة أحد الفريقين فقد علمت حصة الفريق الآخر، كما قال الله تعالى: (فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُلُثُ. . .). ويعلم بذلك أن الأب حصته الباقي وهو الثلثان. فإذا علم أن فريق الله ورسوله والضعفاء نصيبه الخمس، فأربعة الأخماس تكون للفاتحين. . ولنتكلم في حصة الله ورسوله والضعفاء. قالوا: إنها مقسمة إلى خمسة أقسام، فالأول للرسول، وهو لله تعالى، والله ورسوله خمسهما واحد، والثاني لذوي القربى، والثالث من خمس الله ورسوله - للضعفاء ولليتامى، والرابع للمساكين، وهم الفقراء الذين سكَّنتهم الحاجة، ولا قوت عندهم، والخامس لابن السبيل، وهو الذي انقطع عن ماله في سفره، فإنه يعطي من ذلك الخمس، ما يكفيه حتى يعود إلى أهله.

стр. 4224

وهنا ملاحظة بيانية - ترتب عليها حكم فقهي، هي أن نصيب الرسول والضعفاء، ذكر فيه أنه لله، فلماذا ذكر الرسول بجواره؟ والجواب عن ذلك الإشارة إلى أن ما كان للرسول، إنما هو للقربات، ولأن الرسول هو لسان الحق، وهو ينطق باسم الله، ولأن ما خص به الرسول ليس لذاته، ولكن جعل تحت يده ينفق منه على الكعبة، وعلى المؤلفة قلوبهم ويرضخ منه لمن لَا سهم له من الفاتحين كالعبيد والنساء فهو ليس له خاصة، بل يسد به ما عساه يكون مكملا للقسمة ومهما يكن فمانه ينفق في الحاجات العامة للمسلمين. هذا تخريج بعض العلماء، فخمس الله ورسوله والضعفاء يقسم إلى خمسة. وبعض العلماء يقول: إن لله في هذا الخمس، كإصلاح الكعبة والقيام على سدانتها، ويظهر أن مثل ذلك المرافق العامة. وأما ما يخص الرسول ﷺ فينفق منه على أزواجه، وعلى من يرضخ لهم ونحوهم مما يتعلق بالجهاد بالنسبة. وقوله تعالى: (وَلِذِي الْقرْبَى)، قال العلماء: إن المراد بهم ذوو القرابة للنبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب، وقال رواة السيرة: إنه لم يعط كل بني عبد مناف، فلم يعط بني نوفل، ولا بني عبد شمس من الأمويين؛ وذلك لأن بني المطلب كانوا يناصرون النبي ﷺ في الجاهلية، وكانوا مع بني هاشم، ولما قاطعت قريش بني هاشم انضم إليهم في شعب أبي طالب بنو عبد المطلب فرضوا مختارين أن ينزل بهم ما نزل ببني هاشم، في الوقت الذي لم يشرك أبو لهب إخوته في بلائهم وروي أن عثمان بن عفان، وجبير بن مطعم لما أعطى بني المطلب ذهبا إلى رسوله ﷺ ، وقالا له: هؤلاء إخوتك من بني هاشم لَا ينكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا، وإنما نحن وهم

стр. 4225

بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : " إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، وإنما هاشم وبنو المطلب شيء واحد " وشبك بين أصابعه (١). وإنهم يأخذون بالنصرة والقرابة فهم واسوه في الشدة، فكان أن يواسوا في الغنيمة؛ لأنهم نصراؤه، ولم يسلموه إلى المشركين وقت أن رامه أولئك المشركون بالسوء. . ولقد كانوا يأخذون ورسول الله حي، ومن بعده يستحقونه لهذا السبب لأنهم نصراء رسول الله، ولأنهم لَا يأخذون الصدقة لأنها أوساخ الناس، ويأخذون سهمهم بالسوية بينهم غنيهم وفقيرهم على سواء، ولا يسقط سهمهم بوفاة النبي ﷺ لأنهم لَا يستحقون شيئا بالفقر، فبقي ذلك السهم لهم بالنصرة، والقرابة. أما سهم النبي ﷺ ، فإنه يسقط ويكون في يد ولي الأمر ينفقه حيث كان ينفقه الرسول ﷺ . والشافعي يبُقي سهم ذوي القربى غنيهم وفقيرهم على سواء غير إنهم لاستحقاقهم بمقتضى القربى كان التوزيع على نحو قريب من الميراث، بأن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن الأسهم الثلاثة الأخيرة تكون لليتامى والمساكين وابن السبيل لكل سهم، ولا يعدو أصحاب سهم على آخر. وقال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: بعد سهم الله ورسوله وذوي القربى يكون الأمر في الأسهم الثلاثة الأخرى مفوضا لرأي الإمام إن شاء أعطى كل ذي سهم سهما، وإن شاء لم يعط واحدا، ولكنه لا يخليها منها. وعلى الأسهم ستة يقدر لله سهم يكون للكعبة، وقد روى أن الرسول ﷺ كان يأخذ الخمس، فيقبض منه قبضة، فيجعلها للكعبة، وهو سهم الله تعالى، ثم

стр. 4226

يقسم ما بقي على خمسة (١)، وقد جاء في الكشاف لجار الله الزمخشري: وقيل إن سهم الله تعالى لبيت المال، وعن ابن عباس ﵄ أنه كان على ستة أسهم، لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض، فأجرى أبو بكر ﵁ الخمس على ثلاثة، أي اليتامى والمساكين وابن السبيل. وروي عن عمر ومن بعده من الخلفاء. وروي أن أبا بكر منع بني هاشم، وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم، ويزوج أيمكم، ويخدم من لَا خادم له منكم، أما الغني منكم بمنزله ابن السبيل لَا يعطى غني من الصدقة، ولا يتيم موسر. وخلاصة هذا القول أن رأي أبي بكر وعمر ﵄ ألا يعطى من بني هاشم، ويظهر أن مثلهم بنو المطلب ألا يعطى إلا ذوو الحاجة، يزوج الأيم، ويخدم من لَا خادم له، ويكون ذلك من سهم ذوي القربى، وأن سهم النبي ﷺ يسقط بقبض الله تعالى له، ويكون تحت يد ولي الأمر. وعند من يقول: إن لله سهما، يكون تحت يد ولي الأمر من المؤمنين. وإنه بالاتفاق لَا يأخذ اليتامى والمساكين وأبناء السبيل من أسهمهم إلا بسبب الفقر لأن الصيغة نفسها تومئ إلى أن شرط الأخذ هو الحاجة. بقيت أربعة الأخماس، فنقول: إنها تصرف للغزاة، وقد روى في طريق توزيعها إنها تقسم أسهما، فيكون للراجل سهم، وللفارس الذي له فرس ثلاثة أسهم؛ سهم للمقاتل، وسهم للفرس، وسهم للقائم على علف الفرس وتدريبه وملاحظته، وهذا روى في الصحيح، وهو مذهب الحنفية. وروى أن للفارس سهمين اثنين فقط؛ سهمًا للفرس، وسهمًا لصاحبه، ولكن الأصح سندا الذي يتفق أكثر الرواة عليه هو الأول، تشجيعا للعناية بعدة القتال وتوفيرها إذ يقول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا استَطَعْتم مِّن قوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُكمْ وَآخَرِين مِن دُونِهِمْ. . .).

стр. 4227

وإن البرذون (١) من الخيل عند الحنفية، وعند الأوزاعي لَا يعد البرذون خيلا، والحق ما قاله الحنفية فإنه لَا فرق في المعنى بين الخيل والبرذون (راجع الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف). وإنه يجب التنبيه إلى أمرين: أولهما - أن ذلك التقسيم للغنائم هو عمل الله تعالى، يروى أن رسول الله ﷺ أخذ وبرة من جنب البعير ثم قال: " لا يحل من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود عليكم "، ولقد قال ﷺ فيما رواه أبوالدرداء وقد تناول وبرة بين أنملتيه: " إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخْيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله ﵎ القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله تبارك به من الغم والهم " (٢). ثانيهما - أن هذه الغنائم ليست سلبا ولا نهبا، كما ادعى بعض الكذابين من كتَّاب الفرنجة، إنما هي مغازم النصر، ومغارم الاعتداء، وإنما حرب المسلمين للمعتدين رد لاعتدائهم، وسلوا جيوش أوربا فإنها لَا تكتفي بما يؤخذ من أموال المغلوب نتيجة للغلب، بل إنها بعد الصلح تأخذ كل ما تغنم، وتفرض عليه ما أنفقته في الحرب، وأنى هذا من عدل الإسلام الذي لَا يفرض أن ثمة مجرمي حرب، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين. ويقول سبحانه: (إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ) الشرط هنا متعلق بقوله: (فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ)، أي الخمس يكون لله وللرسول (. . . إن كان الإيمان شعاركم، وكنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فإن ذلك الإيمان يجعلكم تعطون حق الله وحق الرسول)، وحق ذوي القربى واليتامى والمساكين طيبة بذلك نفوسكم مطمئنين

стр. 4228

بذلك، فلا تأخذوا حق الله ولاحق الضعفاء، كما قال رسول الله ﷺ : " ابغوني في ضعفائكم، إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم " (١). وإن الإيمان بالخمس الذي لله ورسوله وللضعفاء هو من الإيمان بالله، ولقد قال رسول الله ﷺ : " هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لَا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس، من الغنائم " (٢)، فجعل رسول الله ﷺ أداء خمس الله ورسوله والضعفاء من الإيمان. وإن هذا يدل على أكمل التعاون؛ لأن خمس الله ورسوله لسد حاجة بيت المال، ولإعانة الضعفاء. وقوله تعالى: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) في هذا النص تذكير بيوم بدر وأن النصر كان من عند الله وبفضل معونته وتأييده، ففي هذا اليوم كان تأييد الله، إذ بشرتهم الملائكة، وألقت في أرواحهم بالاطمئنان والبشرى وأن وهبهم الأمن ومعه النعاس، وأن ثبت لهم الأرض بالأمطار، وأن طهرهم من الرجس، وأن ثبت أقدامهم، وما كان النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم. ويوم الفرقان هو اليوم الذي فرَّق الله به بين الحق والباطل، فـ " ال " للعهد، وفسره الله تعالى بأنه يوم التقى الجمعان، جمع الحق بقيادة محمد رسول الله ﷺ ، وتأييد الله ، وإمداده بالملائكة، (وجمع الباطل)، فقول تعالى: (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) بدل من يوم الفرقان. ثم ذيل الله تعالى الآية الكريمة بقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وفى هذا إشارة إلى الله تعالى القادر على كل شيء هو الذي نصركم، وهو الذي

стр. 4229

قهر عدوكم مع كثرة العدد والعُدَد، وهو الذي بدَّل من ذُلِّكم عزا، ومن عزهم خذلانا، وهو الذي دمغ الباطل فأزهقه، وهو الذي حق الحق بكلماته وأبطل المجرمون. فإذا كان نصركم بتأييد الله، وتؤمنون به حق إيمانكم فلا تستكثروا حق الله والضعفاء في الغنائم إن كنتم مؤمنين.

стр. 4230

(إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ... (٤٢) ذكرت في الآية السابقة الغنائم التي أخذت في بدر، وكيف توزع، واختص الله تعالى بالذكر الخمس على الضعفاء، والذي ذكر باسم الله ورسوله. ولكي تقى النفوس شحها، أشار سبحانه إلى أن النصر كان من عند الله، وفى هذه الآية: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا. . .) يبين أن الموقعة كلها كانت بتدبير الله تعالى، ولم تكن بتدبيرهم، ولا بتدبير المؤمنين، ولو تواعد الفريقان لاختلفا في الميعاد. وإذ في قوله تعالى: (إِذْ أَنْتُمْ) متعلقة بمحذوف معناه: اذكر يا محمد أنت ومن معك إذ أنتم بالعدوة الدنيا، وقد جئتم لمصادرة العير، لم تريدوا نفيرا، ولكن تريدون عيرًا، وقد أفلتت منكم، وهي أسفل منكم، أي أسفل من المدينة عند سيف البحر، فجاءكم جيش هو بالعدوة الدنيا، وقد قال بعض المفسرين: إن (إذ) بدل من يوم الفرقان، وذلك جائز، ولكن نختار ما ذكرنا؛ لبعد ما بين البدل والمبدل منه، ولأن تعلقها بمحذوف تكون ابتداء لكلام مستقبل فيه عبرة واضحة، وبيان لأن النصر من عند الله العزيز الحكيم استقلالا، ولأن ذكر يوم الفرقان لبيان التذكير به والإيمان بما فيه. و (العُدْوَةِ) أعلى الجانب، و (الدُّنْيَا) مؤنث أدنى، والبعد والقرب بالنسبة للمدينة، و (الْقصْوَى) مؤنث أقصى، وهو القاصي عن المدينة، (وَالركْبُ أَسْفَلَ مِنكمْ)، الركب هو العير الذي كانت فيه متاجر قريش، وخرج المسلمون لأخذها

стр. 4231

بدلا من الأموال التي اغتصبها المشركون منهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم بغير حق، ومن المقرر في قانون العدل والإنصاف أن من ظفر بعين ماله أو بمثله ممن اعتدى عليه واغتصبه كان له أن يأخذه، فلا يذهب حق صاحب الحق هدرا، ولأن المشركين إذ أهدروا حقوق المسلمين وأموالهم واستباحوا دماءهم، فقد أباحوا دماء أنفسهم، وأموالهم وما على المؤمنين من سبيل إن استباحوها، فذلك قانون الحرب بسبب العداوة والبغضاء التي آثارها المشركون. كان المؤمنون بالناحية القريبة من المدينة، وكانت العير أسفل عند سيف البحر، وقد كان ذلك لقاء بغير تدبير كامل مقدر مقصود، بل هو لقاء توفيقي من الله تعالى. وقد جاء في سيرة محمد بن إسحاق " بعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام في نفر من أصحابه يَتَحَسَّسُون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش غلاما لبني سعيد بن العاص، وغلاما لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله ﷺ فوجدوه يصلي، فجعلوا يسألونهما: من أنتما، فيقولون: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكرهوا خبرهما، فضربوهما حتى أزلقوهما، قالا: نحن لأبي سفيان فتركوهما، وقال ﷺ : " إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش: أخبراني عن قريش، قالا: هم وراء الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال رسول الله ﷺ : كم القوم؟ قالا: كثيراً، قال: ما عدتهم لهم؟ قالا: لَا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم؛ قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، فقال رسول الله) ﷺ : عدتهم ما بين التسعمائة إلى الألف. هذا خبر يؤكد نزول جيش المشركين بالعدوة القصوى على كثيب من الأرض، والمؤمنون بالعدوة الدنيا، وهنا نجد سؤال الزبير وسعد وعليّ كان على العير، لأن رسول الله ﷺ كان - وهم - خارجا للعير، ولذلك كذبا الغلامين إذ لم يخبراهما عن العير الذي كان بحراسة أبي سفيان، والنبي ﷺ يسأل عن قريش.

стр. 4232

والعير كما ذكرنا كان من أسفل المدينة عند سيف البحر، كما أشار القرآن الكريم. وإن قصة خروج جيش المؤمنين، وجيش المشركين، والعير، هي كما أشار القرآن الكريم، خرج جيش الإيمان وكان قليلا لمصادرة عير لقريش وقد أفلتت منه، وهي ذاهبة إلى الشام، فترصدها المؤمنون، وهي عائدة، وأحس بذلك أبو سفيان قائدها، فمال بها نحو سيف البحر، وأخبر قريشا بنجاتها ولكنها كونت جيشا لحمايتها، وأصروا على الذهاب إلى بدر، حيث كان الترصد للعير، ليفرضوا هيبتهم في البلاد العربية، وإنهم لم يتخاذلوا، ولم يضعفوا، فكان اللقاء بتوفيق الله تعالى أو توقيفه، وإرادته، ليعز الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. (وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ) أي أن ذلك اللقاء الذي انتهى بذلك اللقاء الذي كان فرقانا بين الحق والباطل لم يكن بميعاد على حرب، ولا اتفاق ابتداء على معركة، (وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ)، أي لتخلف بعضكم، فيختلف الميعاد، فالمؤمنون ابتداءً ما أرادوه: لقلة عددهم، ولقلة ما عندهم من عدة ولسطوة قريش في أرض العرب، فقد يودون غير ذات الشوكة تكون لهم، والمشركون ظهر التردد فيهم، فبنو زهرة تركوا جيش الشرك، وبعض بني هاشم تركه، ومن جاء منهم إلى الحرب كالعباس ما كان مريدا، بل كان متورطا، وما في قلوبهم من هيبة النبي ﷺ وما اعتراهم من العلم بأن الله معه، ولو لم يؤمنوا به، وخصوصا ما أفزعهم من خروجه من بين ظهرانيهم، وهم يترصدونه يوم الهجرة، فهم كانوا يتهيّبون لقاءه، وإن كانوا يعاندونه، ويقاومونه. ولكن الله أوجد هذا اللقاء، وإن ابتدأ غير مقصود من الفريقين المتقاتلين؛ ولذا قال تعالى: (وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) أي ليقضي الله تعالى أمرا وحققه، وهو إعزاز الإسلام، وإحقاق الحق وإبطال الباطل، و " كان "، أي قرره الله تعالى وثبته على أن يكون واقعا ثابتا مفعولا، ويصح أن تفسر (كان) بمعنى صار أي

стр. 4233

صار مفعولا، ولقد قال كعب بن مالك: إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. أغراهم الله تعالى بالعير ليخرجوا، وأراد المشركون أن يحموا عيرهم فالتقوا وتحقق ما أراد الله. ثم قال تعالى: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) (اللام) هنا لام العاقبة، والمعنى لتكون نتيجة ذلك اللقاء أن يهلك الذين هلكوا عن بينة وحجة قائمة، وهو أن الله تعالى ناصر المؤمنين وغالب الكافرين، وأن الله تعالى مؤيد جنده، ويستشرف المستشرفون إلى نصر الله، (وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) أي حجة ونور وهداية أن يكون الحق غالبا، وأن يظهر الله دينه، ولو كره المشركون. ويصح أن يكون الهلاك والحياة مجازييَّن، ويراد من الهلاك الكفر، ومن الحياة الإيمان، ويكون المعنى وليكفر من يكفر عن بينة ظاهرة، وهي بيان أن الله ناصر المؤمنين ويحيا المؤمنون بالإيمان عن بينة برجاء النصر. وللزمخشري في هذا كلام قيم ننقله، قال رضي الله تعالى عنه: (فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين وإن العير كان أسفل منهم؟ قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وشوكته، وتكامل عدته تمهد أسباب الغلبة له وضعف شأن المسلمين، والثبات في أمرهم، وأن غلبتهم في مثل هذه ليست إلا صنعا من الله سبحانه، ودليلا على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته، وذلك أن العدوة القصوى التي كان المشركون فيها كان فيها الماء، وكانت أرضا لَا بأس بها، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خَبَارٌ (أي لينة مسترخية) تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم

стр. 4234

وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم ليبعثهم الذود عن الحريم، والغيرة على الحرب على بذل جهيداهم في القتال وألا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم، ويضبط هممهم، ويوطن نفوسهم على ألا يبرحوا موطنهم، ولا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى نجدتهم، وقصارى شدتهم، وفيه تصوير ما دبّر سبحانه من أمر وقعة بدر ليقضي الله أمرا كان مفعولا من إعزاز دينه، وإعلاء كلمَته، حين وعد المسلمين إحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة، حتى خرجوا ليأخذوا العير راغبين في الخروج، وشخص بقريش مرعوبين مما بلغهم من تعرض رسول الله ﷺ لأموالهم حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، وسبب الأسباب حتى أناخ هؤلاء بالعدوة الدنيا، وهؤلاء بالعدوة القصوى ووراء العير يحامون عليها حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان) وهذا القول من عيون ما اشتمل عليه الكشاف من دقة معنى، وبلاغة لفظ، وتسامٍ لإدراك سر القرآن، وسر الأحداث. ولقد ختم الله تعالى الآية بقوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي أن ذلك كله تدبير من الله، وهو من مقتضى علمه الشامل الذي هو علم من يسمع من غير أذن، ومن يبصر من غير عين جارحة؛ لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقد أكد سبحانه علمه بالجملة الاسمية، وبـ " إنَّ " المؤكدة، وباللام في قوله: " لسميع "، وبصيغة فعيل، فسبحان من وسع كل شيء علما. وإن الله تعالى يبين أنه سبحانه هو الذي جمع بين المؤمنين والمشركين في هذه المعركة فأغرى المؤمنين بالعير، وحرك قريشا لحماية عيرها، وهو الذي سهل اللقاء على الفريقين فأطمع المشركين في المؤمنين، وسهل للمؤمنين اللقاء بهم ليحقق ما أراد سبحانه وهو إعزاز الحق، وإذلال الباطل، فقال تعالى: * * *

стр. 4235

(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) * * * إن اللقاء كما قررنا، وكما أرشدنا الله تعالى كان بجمع الله بين الفريقين، وتلاقيهما، والنصر أيضا والإقدام كان بإرادة الله تعالى وهدايته. وإن أول النصر ألا يهاب المؤمن عدو الله وعدوه بل يقدم وهو مدرع بأمرين أولهما - إرادة النصر، والثاني - الصبر، وقد هيأ الله تعالى الأمرين، فقال تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ)

стр. 4236

أما الصبر فقد أمر به في آيات كثيرة، وقد أمر بالثبات، كما سيأتي في الآية الأخرى، وأما إرادة النصر فتكون بالإقدام، وذلك برؤية النبي ﷺ في المنام الأعداء قليلين، ورؤية النبي ﷺ وحي، وقد قال ﷺ : " الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من الوحي " (١). ومعنى رؤيتهم عددا قليلا، أنه ﷺ رآهم في حال يستهين بها، فلم يتكاثروا عليهم، ولم يتضافروا على المؤمنين، ورأى المؤمنين ظاهرين بارزين كأنهم كثيرون، وكأن أولئك قليلون من قوة الغلب، ومظاهرتهم عليهم، أو أنه يستتر عنه في منامه أكثرهم، فيستبشر النبي ﷺ بالنصر، ويفهم النبي ﷺ من تأويل رؤياه أنه سينصر أهل الإيمان، فما يفهم أن العدد قليل، ولكن يفهم أن الرؤيا الصادقة النصر المبين لَا محالة، وذلك لَا ينافي أن النبي ﷺ قدَّر عددهم بما بين تسعمائة وألف، وقد كانوا كذلك. وقوله تعالى: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) إذ مفعول لفعل محذوف أي اذكر يا محمد لأصحابك (إِذْ يرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا) و " قليلا " مفعول مطلق لموصوف محذوف أي عددا قليلا، ويقوم هنا الوصف مقام الموصوف. وإن الله تعالى أرى النبي ﷺ العدد قليلا، ليقدم المؤمنون واثقين، فالثقة بالنصر تزيدهم قوة، وتدفعهم إلى الإقدام، ولا يصيبهم رهق ولا خوف، فيتقدمون واثقين بالنجاة. ويقول تعالى: (وَلَوْ أَرَاكهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتمْ فِي الأَمْرِ)، أي لو أراكهم الله عددًا كثيرا قويا لأصاببهم الفزع ووراء الفزع العجز، وهذا معنى الفشل، فالفشل هو العجز، (وَلَتَنَازَعْتمْ) لاختلفتم في الخروج، ولكان فيكم من يخشى عاقبة الحرب مع قلة العدد، ومع قلة العدة، ومع قلة ما يحملكم، فلقد كنتم في قلة من الأمرين، ومع الاختلاف التنازع في الفكرة ثم التنازع من بعد ذلك فيما بينكم وبين أنفسكم.

стр. 4237

وقوله تعالى (وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ) مؤداه الاختلاف في أمر القتال؛ أتقدمون عليه مع إحساسكم بالقلة وضعف العدة أم تمتنعون عنه لهذا الإحساس. وعبر عنه بالتنازع لقوة أسباب الخلاف، فإنها في باب القتال أمر خطير. وقد درأ الله تلك الأسباب عن أعينكم بما رآه النبي ﷺ من رؤيا صادقة كان تأويلها نصركم، ولقد كان النبي ﷺ ، يطمئن المؤمنين بعد أن تقرر القتال، فبعد أن أخذ رأى الأنصار في القتال وقال قائلهم: " امض لما أمرك الله فإنا صدق في الحرب صبر عند اللقاء، قال النبي ﷺ : " إني لأرى مصارع القوم " (١). ويقول سبحانه: (وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ)، الاستدراك من الكلام السابق، وسلم الله تعالى من الفشل والجزع والتنازع، وكان اللقاء يوم الجمعين مع النصر المؤزر، الذي جعل المؤمنين أعزة، بعد أن كانوا مستضعفين يتخطفهم الناس، ثم ختم الآية بقوله تعالت كلماته: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) ذات الصدور هي ما يكون في الصدور مما يدفعها إلى الإقدام، أو يثبط فيها العزائم، أو يلقي فيها بالخور والخوف، فالله تعالى عليم بها، وبما يدفع الهمم، ويقوي القلوب، ويمنع الفشل والنزاع، فيطب لأدوائها بما يقيها الهلع والفزع ويطمئن القلوب، ويبعد عنها مخاوفها، إنه عليم حكيم. هذا ما أودعه قلب القائد الحكيم، وأودعه قلوب المؤمنين بتلك الرؤيا الصادقة التي أراه إياها. وقد كان الجيشان تحت عنايته سبحانه، ليقدم كل منهم على القتال غير خانع ولا خائف؛ ليبدي كل واحد منهما ما عنده من قوة، وليعلم كل منهما كيف كان نصر الله للمؤمن، وخذلانه للكافر مع أنه أبدى كل ما أوتي من قوة. فقال سبحانه: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)

стр. 4238

قد كان من أمر الله تعالى وتوفيقه أن يُرى المؤمنين المشركين عددهم قليلا، وأن يقلل عدد المؤمنين في نظر الكافرين، كما قال الله تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣). وإن الحكمة في أنهم في نظر المؤمنين عدد قليل واضحة، لأن الله تعالى ألقى في قلوب المؤمنين بأسا وقوة جعلتهم يستصغرون عددهم، ويستهينون بقوتهم لكي يقدموا من غير وجل مع الإيمان بالله وبالنصر، وقد رأوهم كذلك قلة، إذ صغر أمرهم في نظرهم، ولم يجدوا كثرتهم، والعين قد تخطئ في العدد بالكثرة أو القلة فقد كان المشركون عددًا كبيرا، قد قدر النبي ﷺ عددهم، ولكن المؤمنين عندما التقوا بهم لما ألقاه الله تعالى في روع المؤمنين من قوة بأس وإقدام رأوهم قليلا، لَا للهمة التي بدت من المؤمنين كحمزة، وعلي، والزبير، وابن رواحة، وسعد بن معاذ، فقد كانوا يفرون من سيوف هؤلاء حتى لم يروا في الميدان إلا عدداً قليلا. وأرى الله تعالى جيش المؤمنين قليلا في نظر المشركين عند اللقاء ليستهينوا بهم، ويغتروا بقوتهم فيسترخوا في القتال، حتى إذا غطتهم قوة المؤمنين، ورأوا فيهم شدة البأس أرادوا المقاومة بعد الاستهانة والاسترخاء فلم يجدوا، وأخذت صفوف المسلمين المتراصة تحصدهم حصدا، وقد كانت رؤية عدد المسلمين قلة من الكافرين حقيقة، ولكنها سيطرت عليهم الاستهانة، فقتلت منهم. وقوله تعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) فيه متعلق بفعل محذوف تقديره اذكروا إذ. . . وفي ذلك تذكير بفضل الله في هذه المعركة، إذ قواكم وسلطهم عليكم، وأذهب عنكم الفزع منهم، وثبت أقدامكم، وهنا إشارتان بيانيتان: إحداهما - أنهم لم يكونوا قليلا، بل كانوا عددا كثيرًا، ولكن الله تعالى جعل أبصارهم ترى ذلك الكثير قليلا، فالله تعالى هو الذي يخلق الأبصار، فهو

стр. 4239

يجعله قليلا، ويجعله كثيرا، ولا تغير في الحقائق إنما التغير في الإدراك لحكمة علمها اللَّه وقدرها، وكان النصر بسببها وهو ينصر من يشاء بإذنه. الثانية - قوله تعالى: (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) - فقوله " في أعينهم " فيه إشارة إلى أن هذا التقليل في أعينهم هو من إرادة الله تعالى، لأنه استهأنة منهم أدت إلى استرخاء في القتال، فالله ما جعل المؤمنين قلة، لأنهم فعلا كانوا قلة، ولكن عمل الله جعلهم يجعلون من أمر قتالهم أثهم قلة فقاتلوهم على أنهم عدد قليل فاستهانوا ونهاونوا، وكان النصر المؤزر. وقال تعالى: (لِيَقْضِيَ اللَّهَ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) أي ليحقق الله بقضائه المحتوم أمرا كان مفعولا أي صار واقعا ثابتا، وهو النصر بفضل الله، وتأييده، فقد حقق الله تعالى كل أسباب النصر فهيا الأسباب المادية من النعاس الآمن، وأنزل المطر الذي لبد الأرض، وهيا الأسباب النفسية من بشارة الملائكة، ومن تقليلهم في أعينهم. وختم الله تعالى بقوله: (وَإِلَى اللَّهِ ترْجَعُ الأُمُور)، أي إلى الله وحده ترجع الأمور يوم القيامة، فهذا هو نصر الله عليهم في الدنيا بتوفيقه سبحانه، وتهيئة كل الأسباب المؤدية إلى النصر، وفي الآخرة الأمور كلها إليه سبحانه. وتقديم الجار والمجرور دليل على أن الأمور لَا ترجع إلا إليه سبحانه وهو يجازي المحسن إحسانا، وللمسيء العاقبة السوءى. وقد بين سبحانه من بعد ذلك أن الثبات هو القوة، وقد ذكرنا أنه عبرة النفوس في القتال فقال تعالي:

стр. 4240

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) الفئة الجماعة من الناس، والتعبير بفئة يفيد بأنهم قد فاء بعضهم إلى بعض، وتجمعوا لغرض أن ينالوا منكم، وكأن هذه الآية وما بعدها. تعد المؤمنين للقاء أشد عن لقاء بدر، لأن لقاء بدر كان لأجل حماية المال، واللقاء من بعد لأجل
следующие страницы →