الخالق، هم يزعمون أن الأوثان تقربهم إلى اللَّه، ويبين سبحانه قولهم: (. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. . .).
يرد : (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
الاستفهام هنا للتقريع واللوم والتهكم، (أَتُنَبِّئُونَ) " أتخبرون " اللَّه بما لا يعلم له أصلا في السماوات ولا في الأرض، فالشفاعة علاقة بين المشفوع والشفيع، فإذا كانت حقيقية فلا بد أن يعلم المشفوع بها.
(. . . وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣).
(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) أي تقدس وتنزه وتعالى عما يشركون.
* * *
الناس أمة واحدة
(وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي
стр. 4797
آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
* * *
ذكر سبحانه الفطرة الإنسانية واتحاد الناس فيها، كما أن انبثاق الاختلاف كان من أصل الوحدة في التكوين،
стр. 4798
(وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً).
(كَانَ) هنا بمعنى " وُجدَ " أي ما وُجِدَ الناس إلا أمة واحدة، أي واحدة في منازعها وغرائزها وكيانها الإنساني، فحب النفس واحد وحب السلطان والغَلَب وهذه المنازع في النفوس من شأنها أن تتغالب، وإذا تغالبت بين الآحاد اختلفت فكان الاختلاف في أصل الوحدة.
إذ الوحدة في الطبائع أوجدت الاختلاف في المنازع، ولذلك ترتب الاختلاف على أصل الوحدة.
فوحدة الإنسانية ليست كوحدة الملائكة - وحدة الطاعة - لَا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإنما وحدة الإنسانية هي وحدة الطبائع التي يمتد بعضها إلى أصلها الحيواني، ولذا رتب اللَّه الاختلاف على الوحدة (فَاخْتَلَفُوا) (الفاء) عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فالغرائز تتناحر فمن
стр. 4799
يُغلب عقله على هواه يهتدي، ومن غَلَّبَ لذاته يكون عبدًا لشهواته فيضل ويشقى، فمن الناس من يغالب للشر ويقاوم الخير فيفتري، ومنهم من يناصر الحق ويدفع الاعتداء فيهتدي.
إن اللَّه تعالى هو الذي يحكم وهو خير الفاصلين، ولكنه أخَّر قضاءه الذي يقضى به في الدنيا، إلا إذا طمَّ الشر وبغى وخُشِي على الحق من سطوَته فيمنعه كما حدث لقوم نوحٍ وعاد وثمود، وقوم لوط، ولذا قال سبحانه: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).
(لَوْلا) حرف امتناع لوجود، أي امتنع قضاء اللَّه، أي حكمه فيما بينهم (لَوْلا كلِمَةٌ سَبَقَتْ)، وكلمة اللَّه السابقة وهي التأجيل ليوم الحساب وتركهم في الدنيا - دار البلاء والاختبار - ليصل كُل إلى أقصى ما تتأدى به نزوعه، فيكون حكمه بعد الأعمال كلها، ويفتح اللَّه باب الرجوع إليه سبحانه فإنه تواب رحيم وما داموا في الدنيا فباب التوبة مفتوح إنه هو التواب الرحيم.
وأحد منازع الشر عند الضالين أنهم لَا يؤمنون بالحق إذ جاءهم؛ ولذلك لا يؤمنون بإعجاز القرآن وإن بدا الحق فيه، ولما عجزوا إذ تحداهم اللَّه أن يأتوا بسورة من مثله طلبوا آية أخرى غيره
стр. 4800
(وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)
أرادوا إعنات الرسول ﷺ مع قيام الحجة ووضوح الدليل وقد لبث فيهم ﷺ عمرا طويلا، أمينا صادقا عاقلا رزينا، حكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، ومع هذا طلبوا آية أخرى غير القرآن.
وإذا ذكر لهم قصص أمم أهلكها اللَّه إذ كفروا وبغوا على أنبيائهم تحدوا الرسول وطلبوا آية تهلكهم كما هلك عاد وثمود وقوم تُبَّع وقوم نوح.
(وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ من رَّبِّهِ) - آية حسية أو آية مهلكة - التعبير بالمضارع يفيد تكرارهم ذلك القول آنَا بعد آن، وهو الموقف السلبي لمن يريد جعل
стр. 4801
الوقت في صالحه فالمحاورة مستمرة وطلب الدليل بعد الدليل يحسبون أنهم بذلك قد فازوا بالوقت.
(لَوْلا) بمعنى " هلَّا " للتحضيض، كأن الحجة التي ساقها النبي غير كافية وكأنهم يتحدونه ﷺ أن يُنزل بهم مثل ما نزل بغيرهم ممن قص قصصهم، فالمطلوب إذن آية حسية تقنعهم - في زعمهم - أو تهلكهم.
ومعنى إنزالها - إتيانها - تشبيها بالقرآن إذ نزل على قلبه الأمين، ولكن المعجزات الحسية قد جاءت للأنبياء السابقين وكذبوا، فما الجدوى من التغيير؛ يقول تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ. . .).
(إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ. . .).
(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧).
إنهم كانوا ليستعجلون العذاب الذي نزل بالمكذبين قبلهم مبالغة في التحدي والإعنات، بل طلبوا الآية المهلكة.
يقول تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦).
وقد أجابهم ﷺ بأمر ربه: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للَّه فَانتَظرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ).
" الفاء " تدل على أن ما بعدها مترتب على قولهم الذي قالوه: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ) أي إن ما تطلبون معجزة كان أم هلاكا هو أمر يغيب عني ومفوض لربكم؛ ولذلك جاءت العبارة القرآنية مصدرة بـ " إنما " الدالة على القصر، وفي هذا إشعار بأمرين:
стр. 4802
أولهما أن المعجزة الكبرى (القرآن) هي من عند اللَّه اختارها لكم في غيبه المكنون، وأنه أمهلكم لَا ينزل عليكم الآيات المهلكة لحكمة يعلمها؛ لأن شريعة محمد ﷺ تخاطب الأجيال كلها، وعسى أن يخرج من أصلابكم من يعبد اللَّه.
ثانيهما: أن محمدا ﷺ لَا يعلم الغيب، وهو بشر مثلكم بعث فيكم رسولا منكم، ولذا يقول سبحانه: (فَانتَظِروا إِنِّي مَعَكم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ).
" الفاء " للدلالة على أن ما بعدها مترتب على ما قبلها؛ لأنه إذا كان علم الغيب عند اللَّه تعالى وحده فإنه ﷺ عليه انتظار ما غيب عنهم.
كما أن قوله هذا يومئ إلى المساواة بينهم وبين رسوله ﷺ في علم الغيب، وأكد هذه المعية إدماجه ﷺ في المنتظرين وأنه معهم.
ليس في ذلك تصغير لمقام النبوة، ولكنه بيان لمنزلة النبي البشر، وتأكيد بأنه يتكلم عن اللَّه سبحانه.
ثم يبين سبحانه الطبيعة الإنسانية التي تخرج عن الفطرة، تمسها الضراء فتهن، وتذوق النعماء فتبطر، وينسيها الترف ما كان في ضرائها. يقول تعالى:
стр. 4803
(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)
وتلك هي الطبيعة الإنسانية غير الصابرة، تذوق النعمة فتبطر معيشتها، وتمسها الضراء فإذا بها في ضعف وخور ويأس، تلجأ إلى اللَّه فإذا أذاقها الرحمة عادت إلى طغوائها.
الضراء: هي الضرر فقد تكون مرضا يصيب الجسم أو جوعا وقحطا، فالضراء هنا تشمل السقام وتشمل القلة في الطعام والرزق، وقد أصاب قريش القحط سبع سنين دأبا حتى جاءهم الغيث فكان رحمة بهم بعد القحط وقلة الغذاء، وقد عبر سبحانه بالإذاقة في قوله تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ) للإشارة إلى التمكن من الرحمة والدلالة على أنهم تمتعوا بعد الحرمان.
стр. 4804
(رَحْمَةً) هذا تأكيد على أن الرحمة مصدرها اللَّه تعالى، إشارة إلى وجوب اختصاصه بالعبادة وحده، لأن الرحمة كانت ولم تكن من غيره مما سموه واتخذوه أنداد لله تعالى.
(إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا) هذا جواب الشرط (إِذَا أَذَقْنَا) وصدَّر الجواب بـ (إِذَا) التي هي للفجاءة، ودلالتها في هذا المقام أنهم في بأسائهم كان ينخفض وراء خضوعهم الظاهر جحود قد استبطنوه، سترته الشدة وكشفته الرحمة، فظهر مكنون نفوسهم وهو مكرهم في آياتنا، يقولون إنها سحر مبين أو بهتان وإفك، أو يقولون: إنما يعلمه بشر، واللَّه رادٌ كيدهم بتدبيره الحكيم. (مَّكْرٌ) المكر هو الكيد الخفي، وقد قال سبحانه: (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) فإذا بدا المكر السيئ الذي أخفته الضراء، فإن تدبير اللَّه ورده عليهم أقوى وأحدُّ.
ثم يبين سبحانه علمه بما يبدون وما يخفون وما يسرون ويعلنون، فقال سبحانه (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرونَ) وهم الكرام الحفظة الكاتبون من الملائكة.
وفى هذا إشارة إلى دقة ما يعلمه عنهم، وإلى أن ما يدبرون يعلمه في وقته فيكتبه.
وقد ذكر حال الإنسان في ضعفه، وكيف يلجأ إلى ربه مخلصا وأعدا بالشكر وعدا مؤكدا فإذا خرج من شدته كفر أو ظل على كفره، فقال تعالى:
стр. 4805
(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)
صورة للنفس الكافرة تصيبها الشديدة ويحيط بها ما تكره فتذعن وتخلص وتلجأ إلى قوة اللَّه تعالى خالق كل شيء واعدة وعدا مؤكدا بالشكر إذا نجت، فإذا نجاهم عادوا كما بدأوا كافرين.
стр. 4806
ْ (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) الضمير يعود على اللَّه ﷻ الذي أوجد لهم القوي التي يسيرون بها في البر والبحر، وبسط لهم الأرض، وسخر لهم ما يركبون في البر والبحر، وقد نسب التسيير إلى نفسه، لأنه سبحانه خالق الأسباب والمسببات، وممهد المهاد إنه القاهر فوق عباده وعلى كل شيء قدير.
بعد ذلك بين سبحانه هول البحار بالنسبة للصحراء، وقد كان العرب يعدُّون البحر مركب الأهوال، وكانوا يخافونه لأنهم لم يألفوه، والذين عرفوه وألفوه كانوا يتعرضون لمخاطره وشدائده، ولذا خصه بالذكر (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا).
(حَتَّى) جاءت كناية للإشارة إلى خوفهم ركوب الفلك، أي حتى إذا أقدمتم مع خوفكم وركبتم الفلك، والفلك تكون جمعا أو مفردا وهي هنا جمع بدليل (جرَيْنَ) فإن الضمير يعود على جمع ما لَا يعقل مثل بهن فلول من قراع الكتائب.
والخطاب إلى الغيبة، لكي يتمكنوا من رؤية العبرة كأنها في غيرهم وليست فيهم، وقوله تعالى: (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا) طيبة أي رخاء لينة وكأنها متعة للمسافرين في البحار، فرأوا في البحر غير ما توقعوه وخافوه، ثم لم يلبثوا حتى جاءهم ما يرهبون.
(جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ) - الضمير يعود إلى الريح الطيبة - المعنى أن الريح الطيبة أعقبتها ريح عاصف بصريرها واضطراب البحر، وجاءهم الموج من كل مكان يرتفع كالجبال متراكما بالأذى وصاروا في ظلمات، كقوله تعالى:
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. . .).
فالسماء فوقهم معتمة والأمواج حولهم متراكمة، لَا منجاة لهم، وظنوا أنهم قد أحيط بهم، والظن هنا بمعنى العلم بما هو مخوف مرهوب، وهو علم يتوهمون
стр. 4807
معه أملا في منجاة - (أُحِيطَ بِهِمْ) كناية عن الهلاك وفي ظنهم بأنه لَا منجاة، دعوا الله مخلصين له الدين، أي اتجهوا إليه بالطاعة والتأليه والعبادة، وقد أخلصوا وخلَّصوا نفوسهم من الشرك، وقالوا: (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أكدوا وعدهم لِلَّهِ تعالى بالقسم الذي تدل عليه - اللام - الأولى الموطئة للقسم واللام الثانية في الجواب ونون التوكيد الثقيلة (لَنَكُونَنَّ) وأكدوا بدخولهم صفوف المؤمنين الشاكرين، والشكر هنا هو الطاعة لله وإخلاص العبادة والخضوع له وحده.
стр. 4808
(فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)
لكن الإنسان ما أكفره! إنه كان في حال ضعفه وقد أحيط به يتضرع إلى ربه طائعا خاضعا، فإذا خرج من شدته طغى وبغى ونسي ضراعته، وكان شديدا على الناس وهو الضعيف البادى ضعفه.
(فَلَمَّا أَنجَاهُمْ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه بعد الشكر والذي أقسموا عليه إذا نجاهم بطاعته والقيام بالعمل الصالح، إذا هم يبغون.
(إِذَا) المفاجئة تدل على أمرين:
أولهما - سرعة البغي كأنه مستكن في صدورهم لم قد تدحضه الشدة؛ لأن معدنهم خبيث لم يتأثر إلا في ظاهر الأمر حال ضعفهم ثم يستولي عليهم غرورهم كما كانوا.
ثانيهما - أنها تدل على نقيض ما كان ينبغي أن يكون منهم إذ كان قسمهم يوجب عليهم أن يكونوا بعد النجاة طائعين مدركين قدرة الله وسلطانه، وأنه قادر على ردِّهم إليه كما كان قادرا على إغاثتهم في كربهم.
(البغي) هو الخروج عن الجادة وسلوك طريق الفساد، فيشمل كل المعاصي من زنى وخمر وشرك واعتداء على الآحاد والجماعات والسعي في الأرض،
стр. 4809
فيشمل فساد النفوس في الاعتقاد والعمل كقوله تعالى (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) وذكر الأرض يؤكد أن هذا البغي فساد يعم الأرض ويشمل كل ما فيها من اعتداء على الآحاد واقتراف المعاصي والسعي بين الناس وارتكاب كل ما يكون من تخريب وهدم للقائم.
وفى قوله تعالى: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) بيان أنهم لم يكن لهم مبرر فيما يعملون أيا كان هذا الذي يزعمونه مبررا، وإظهار لحقيقة البغي وأنه لَا يمكن أن يكون له مسوغ، وعلينا هنا أن نفرق بين القصاص والبغي، فلا يصح القول بأن ما صنعه النبي ﷺ مع بني النضير وقريظة بغيا، إنما هو قصاص لشرهم ولا يكون القصاص بغيا لكنه رد لاعتدائهم المنكر، ولا يصح أن يقال عن رد الاعتداء المتكرر والخيانة بغيا، إنما هو العدالة الحقيقية في هذه الأرض (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) اتجه إلى مخاطبة الباغين فكان الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للتنبيه الشديد بالمواجهة والتصدي لبيان شرهم، وكان النداء (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) لكمال هذا التنبيه الزاجر وللرح ولبيان سوء العاقبة (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم) أي أن البغي على أنفسكم وحدكم لَا يتجاوزكم إلى غيركم، ذلكم أنكم إن أشعتم البغي فيما بينكم عمَّ الفساد فيكم ولم تكن منكم جماعة فاضلة ذات حقوق وواجبات بل جماعة متحللة متقاطعة متدابرة تعمها الرذيلة ويسودها الشر يتجرد فيها الإنسان عن إنسانيته والمرء عن مروءته وفوق ذلك عقوبة يوم الدين.
(بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم) مبتدأ وخبر، وفي قوله تعالى (مَّتَاعَ الْحَيَاةِ) إن البغي تتمتعون به متاع الحياة الدنيا، هذا بالنَّصْب على قراءة حفص، وفي قراءة الرفع يكون المعنى أن البغي هو متاع الحياة الدنيا (١).
стр. 4810
وفى النص الكريم أن متاع الحياة الدنيا دون الآخرة هو البغي الدائم المستمر، فيه يأكل القويُّ الضعيفَ والمرذولُ الكريمَ، ويتصارع الناس كوحوش الغابة ثم يكون الرجوع إلى اللَّه تعالى فينال كل امرئٍ ما كسب.
(ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، (ثُمَّ) تفيد الترتيب والتراخي، لاستطالتهم الحياة الدنيا وكثرة فسادهم وهنا إشارات بيانية: أولها: تقديم الجار والمجرور على (مَرْجِعُكُمْ) فهذا يفيد التخصيص، أي إلينا وحدنا مالكم ومرجعكم.
ثانيها: إضافة مآلهم إلى الذات العليا ففيه تهديد أيَّ تهديد، ومؤداه إن كنتم قد كذبتم في قسمكم في الدنيا فحسابكم على ذلكم عندنا في الآخرة وهي أبقى وأدوم.
ثالثها: بيان أن العقاب من جنس العمل وأن كل عمل يحمل في ذاته عقابه في الآخرة؛ ولذا قال سبحانه: (فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) والإنباء هو الإخبار بالأمر الخطير الشأن، وكان الإنباء بالعمل مقرونا بالعقاب الشديد من اللَّه ، وقد تكلم الزمخشري في هذا المكان عن الظلم ومرتعه، فقد عاش مثل زماننا، وقد تعاقبت عهود الظلم على المسلمين حتى صار أمرهم بورا، وذكر ﵁ أن النبي ﷺ شدد في النهي عن المكر والبغي والنكوث وأنه ﷺ قال: " أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة، وأنه اثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين " (١).
وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين:
يا صاحبُ البغي إن البغي مصرعة ... فارتع فخيرُ فِعَالِ المرء أَعْدَلُه
فلو بغى جبل يوما على جبلٍ ... لاندكَّ أعلاه وأسفلُهُ
стр. 4811
وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.
إذا كان البغي هو متاع الدنيا للباغين، فقد بين سبحانه أن متاع الدنيا ينتهي إلى حطام وأن متاع الآخرة إلى دوام.
فقال تعالى:
* * *
(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)
* * *
شغلتهم الدنيا عن الآخرة وزُيَّنَتْ لهم فحسبوا أنها الحياة وحدها وأنه لا آخرة بعدها، فأنكروا البعث والحساب، وكان هذا ذريعة لأن ينكروا كل مغيب فكفروا؛ ولذلك يبين اللَّه تعالى لهم أن الدنيا متاع قليل يزينتها وزخرفها وأنها تذهب عندما يظنون أنهم قادرون عليها فتزول وإذا هم لَا يقدرون على شيء كالقابض بيديه على الهواء، فقال سبحانه:
ْهذا تشبيه تمثيلي جار مجرى الأمثال، كما قال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥).
شبه حال الدنيا في سرعة انقضائها وانخداع المغرور بها، كزرع نبت في الأرض من اختلاط ماء السماء بها وسريانه في نباتها حتى إذا أخذت زخرفها ولمعت لمعان الذهب وازينت بالغروس من كل لون، وفرحوا بها وظنوا أنهم تمكنوا فيها - أتاها أمر اللَّه فأزال زرعها بوباء أو بآفة فصارت كأنها قد حصدت بمنجل، وأصبحت قفرا خاليا كأن لم يكن فيها زرع نبت ردحا من الزمان، وهذا مثلهم في الدنيا لَا يبقى لهم منها إلا الحسرة والندامة، مثل ما بقي من الزرع الذي فني حيث يرتقبون منه الانتفاع.
هذه خلاصة التمثيل القرآني وما نحسب أننا وصلنا إلى غاية بيانه فله إشارات بيانية نَعْيَا عن بلوغها، وأطياف نورانية يعيا المصور عن تصويرها. (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاهِ الدُّنْيَا) أي حالها في سرعة انقضائها وقت زينتها والاغترار بها.
(إِنَّمَا) دالة على القصر، وخصصت بهذا الحال لبيان حقيقتها، وهي أنها فانية عند ازدهارها، أي ليست بها صورة بقاء قط إنما حقيقتها الفناء.
(كمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) قصد بالسماء هنا ما علا الأرض وأحاط بها، والماء هو المطر وقد يكون عينا تنبت الزرع والكلأ وغراس الأرض.
(فَاخْتَلَطَ) هناك قراءة بالوقف عليها، والمعنى أنه نزل على الأرض ماء اختلط بترابها فأخصبه للزرع والنبات وإثمار الغراس، وقوله تعالى بعد ذلك: (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاس وَالأَنْعَام) (من) بيانية، لبيان نتيجة الاختلاط.
стр. 4814
والقراءة الأخرى بغير وقف عند " فاختلط " فيكون المعنى هو الاختلاط بنبات الأرض دلالة على أن البذر يلقى في الأرض ويرجى من اللَّه إثمارها، ويكون اسم النبات قد استعمل فيما هو إضافة باعتبار ما يكون، وتلك علاقة من علاقات المجاز المرسل كأن يسمى العنب خمرا باعتبار ما يكون، كقوله تعالى في منام أحد صاحبي يوسف عليه. السلام (. . . إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا. . .). (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ) لبيان نعم اللَّه وتوفيره الغذاء للناس والأنعام، وفى جمعهما معا إشارة إلى أن الدنيا لهم وللأنعام وفضلهم عنها بأنهم يعقلون فلا ينبغي الاغترار بالدنيا وأن يعرفوا ما وراء هذه الحياة وأنهم لم يخلقوا عبثا، كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).
وأشار سبحانه إلى أسباب الاغترار بالدنيا وذكر أن ما يسبب الاغترار سريع الزوال، لَا يوجد إلا ليزول كالبرق لَا يلمع إلا ليختفي.
(حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ).
(زُخْرُفَهَا) الزخرف كمال الحسن، وقيل للذهب زخرف؛ لأنه بلمعانه وزينته يكون كمال الحسن. (وَازَّيَّنَتْ) أي تزينت، وأُعِلَّت فقلبت التاء زايا، وكان الإدغام، ثم كانت همزة للتوصل بها إلى النطق بالساكن، وقرئ (تزينت) من غير إعلال والمعنى واحد، أي إذا كان ذلك (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرونَ عَلَيْهَا) أي متمكنون، وقال العلماء أن الظن هنا بمعنى العلم في زعمهم، ولكن لأنه غرور وضلال عُبر عنه بالظن.
وجملة القول أنهم لما رأوا بريق الزخرف والزينة بالخضرة النضرة وحسن تنسيق الخالق، والحياة المملوءة بها السوق والعيدان وجمالها، ثم فوق ذلك الأمل
стр. 4815
المأمول من ترقب الغلات، فُوجئوا بأمر اللَّه المكتوب وقدره المحتوم، وأضاف الأمر إليه سبحانه لبيان أنه لَا يقبل التخلف قط.
(أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) أتاها ذلك ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائمون، فأصابتها ريح حطمتها أو آفة أكلتها.
(فَجَعَلْنَاهَاحَصِيدًا) الحصيد فعيل بمعنى مفعول، أي جعلناها كأنها محصودة بآلة الحصاد وصارت الأرض كأن لم يكن فيها زرع ولا حشائش مما جمل الناس والأنعام. (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) أي كأن لم يكن فيها شيء في الزمن القريب (الأمس) ولا مانع أن تدل على الأمس القريب. (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) أي كذلك التمثيل نفصل الآيات فنبينها لقوم يتدبرون.
هذه دار الفناء وقد قابلها سبحانه بدار البقاء التي أعدها للمتقين.
стр. 4816
(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)
السلام هو الأمن الذي لَا انزعاج فيه، وفيه الأمن من الفناء وعوامله من الآفات، وقد قال الحسن البصري ﵁ إن السلام لَا ينقطع عن أهل الجنة كما قال عزَّ من قائل: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ. . .).
وقد قال بعض الصوفية: " يا ابن آدم دعاك اللَّه إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه، فإن أجبته في دنياك دخلتها وإن أجبته في قبرك مُنِعْتَها ".
ودعوة اللَّه إلى دار السلام هي ما يدعو إليه من الإيمان به وباليوم الآخر وبما جاء من تكليف على ألسنة الرسل الكرام فإن ذلك هو السبيل إليها، وإن الدعوة إلى دار السلام تعم كل الناس، لأن الباب إلى الجنة مفتوح لهم جميعا، وهنا يتبين من اهتدى وأجاب الداعي ممن ضل وأصم أذنيه عن الحق، وقد ذكر من اهتدى، أي سلك سبيل الهداية فأخذه إليها وهداه الصراط الموصل إلى
стр. 4817
الحق من أقرب الطرق، ولذا قال سبحانه: (يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) والصراط هو الطريق المستقيم الموصل إلى الجزاء الحق وهو طريق اللَّه تعالى؛ ولذا قال سبحانه: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. . .).
فسبيله خط مستقيم هادٍ مرشد إلى الحق الذي لَا ريب فيه، والسبل الأخرى هي مسارات الشيطان ومضطَّرب أهوائه.
وهنا أمران يجب الإشارة إليهما:
أولهما - أن اللَّه تعالى نسب إلى ذاته الدعوة إلى دار السلام، وهي الجنة دار الأمن الباقية التي لَا إزعاج فيها ولا عذاب.
ثانيهما - أن اللَّه تعالى يهدي من يشاء، وأن من سلك طريق الهداية أوصله إليها، ومن سلك طريق الضلالة سار إلى الضلال البعيد.
لم يذكر اللَّه أنه يشاء الضلالة لعباده، بل هم الذين يسيرون فيها، وبعد أن ذكر هداية الذين استجابوا لله ولرسوله ذكر جزاءهم.
стр. 4818
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ... (٢٦)
الذين أحسنوا هم المؤمنون الذين آمنوا بالبعث والنشور والجزاء من الثواب والعقاب وآمنوا أولا بلقاء اللَّه.
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)، (اللام) للملك أو الاختصاص، أي يعطيهم اللَّه الجزاء عطاء موفورا لأجل إحسانهم. (الْحُسْنَى) مؤنث أحسن، أي يعطيهم اللَّه الجزاء الأحسن، أي الذي بلغ أعلى درجات الكمال. (وَزِيَادَةٌ) للإشارة إلى أن عطاءَهم ليس بمقدار إحسانهم؛ لأنه سبحانه المتفضل المكرم الذي لَا يعطي بمقدار ما قُدِّم بل إنه كما قال تعالى: (. . . وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ. . .).
стр. 4819
والزيادة بغفران بعض السيئات (. . . إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. . .)، ثم بالرضوان وهو أكبر ما يعطي اللَّه تعالى، وقد قال أهل السنة في ذلك أنهم يرون ربهم، كما قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)، وهذا جزاء مادي ومعنوي إيجابي وهناك جزاء معنوي سلبي قال فيه تعالى: (وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ)، (يرْهَقُ) معناها يغشى، (قَتَرٌ) معناها سواد، وكلمة يرهق تتضمن في معناها الألم والتأذي.
والمعنى أن وجوههم ناضرة مشرقة بالعزة والسعادة والرضا بأنفسهم وباللَّه سبحانه ثم ذكر الجزاء الكامل، فقال سبحانه: (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أشار إليهم سبحانه بالإحسان ومن قبله بالهداية، والإشارة إلى موصوف يفيد أن الصفة سبب الحكم، (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) وأصحابها أي الذين يقيمون فيها إقامة المُلَّاك في ملكهم يلازمونها ولا يخرجون منها.
(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ذكر الضمير وقدم فيها لبيان قصرهم عليها لَا يدخلون غيرها جزاء من كسب السيئات.
* * *
قال تعالى:
(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)
(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) .
يبين سبحانه جزاء الذين كسبوا السيئات - بعد أن بين جزاء الذين أحسنوا:
(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا) (الواو) تعطف هذه الجملة على ما قبلها وهو جزاء المحسنين؛ وتقدير القول وجزاء الذين كسبوا السيئات سيئة بمثلها
стр. 4822
(الباء) للمقابلة فإذا كان المحسنون يجازون بالحسنى وزيادة، فحسب المشرِكين أن تجازى السيئة بمثلها، كما يقول تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ومَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا. . .).
والمِثْل كثير إزاء ما ارتكبوا؛ فالشرك مثله من الجزاء كبير فلا حاجة إلى الزيادة، وقد ذكر هنا كلمتين نرى فيهما:
أولا: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) الكلمة لَا تدل على مجرد ارتكاب الذنوب، بل تدل على أن هذه الذنوب أشربتْ بها نفوسهم وكسبتها قلوبهم حتى صارت وكأنها كالجبلَّة لهم إن لم تكن كالفطرة منهم.
وفى اكتساب السيئات قال سبحانه: (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
ثانيا: كلمة (بِمِثْلِهَا) أي بمثل السيئة، وهذا في المقابلة والمشاكلة اللفظية فالجزاء ليس سيئة إنما هو العدالة التي ليست سيئة في ذاتها، كقوله تعالى: (. . . فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ. . .).
ولكثرة سيئاتهم وتضافرها أظلمت بها نفوسهم، ويوم الحساب تظهر ظلمة القلوب ظلاما في وجوههم، ولذا قال تعالى: (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُم مِّنَ اللَّه مِنْ عَاصِمٍ كَأنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا).
هنا تشبيه واستعارة، أما الاستعارة فهي قوله تعالى: (قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) وفيها يبدو الليل كأنه الثوب الأسود الذي قُطع قطعا.
وأما التشبيه في قوله تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ) أي ألبست وأغطيت بقطع مظلمة، وهذا تصوير لسواد وجوههم بما اقترفوا، فقلوبهم المظلمة تكسو وجوههم بالظلام، وفي هذا التصوير الحسي تصوير معنوي لنفوسهم.
стр. 4823
ثم ختم اللَّه تعالى بعذابهم فقال: (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أولئك الذين أشركوا وظلموا وهم أصحاب النار يلازموها ملازمة الصاحب لصاحبه وهم خالدون فيها، وقد تأكد خلودهم بضمير الفعل، كما تأكد اختصاصهم بها بتقديم الجار والمجرور على (خَالِدُونَ)، أي هم وحدهم الخالدون فيها.
стр. 4824
(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)
الكلام في بيان اليوم الذي أنكروه: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، ولتذكيرهم بما يكون في هذا اليوم من حساب وعذاب وما هو جدير بأن يعلموه، وهو تبرؤ معبوديهم الذين اتخذوهم أندادا لله منهم ومعبوديهم هؤلاء هم عقلاء ينطقون كالملائكة والأنبياء الذين عبدوهم مع اللَّه كالنصارى أو الأحجار التي لَا تضر ولا تنفع.
(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكاؤُكمْ)، (ثُمَّ) عاطفة تدل على الترتيب والتراخي الزماني والمعنوي، أما الزماني فهو أن ذلك القول بعد الحشر وبعد أن ارتكبوا في الدنيا ما ارتكبوا وطغوا وبغوا وأفسدوا، وأما المعنوي فهو البعد بين حالهم وما كانوا فيه من إنكار وطغيان، وحالهم وقد تبين لهم ما أنكروه واقعا ونطق الذين عبدوهم بالحق وتبرءوا منهم.
وقوله تعالى: (مَكَانَكُمْ) مفعول لفعل محذوف معناه الزموا مكانكم وقفوا حيث أنتم وكانوا هم وشركاؤهم مجتمعين حسا ومفترقين نفسا، ولذا قال تعالى: (فَزَيَّلْنَا بيْنَهُمْ) وهناك قراءة " فزايلنا بينهم " وهما من زال فَزَيَّل مضاف زال - وزايلنا - مفاعلة من زال، أي فرقنا بينهم وجعلنا ما كان بينهم في الدنيا يزول وافترق العابد عن المعبود كقوله تعالى: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ)، وكقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُون)، وقوله تعالى: (. . . يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعونَ).
стр. 4825
(وَقَالَ شُرَكاؤُهُم) الشركاء هم الأنداد التي عبدوها أو غيرهم، وسموا شركاؤهم؛ لأنهم انتحلوا لهم الشركة فعلا، وإن لم يقولوها قولا.
وقال هؤلاء نافين نفيا باتا: (مَا كنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) أي ما كنتم تسمونه عبادة ليس عبادة، فما عبدتمونا ولكن عبدتم أوهامكم وما حسبتوهم آلهة بإيعاز الشيطان، كما جاء على لسان عيسى ابن مريم ﵇:
(. . . قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧).
وفى قوله تعالى: (مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ) النفي مؤكد قاطع؛ لأنه نفي في الماضي والمستقبل، وأن ما كانوا يسمونه عبادة ليس عبادة مطلقا وأن من خصوهم بالعبادة ينكرونها فليسوا أهلا لأية عبادة.
وقد يسأل سائل: كيف كانت الحجارة التي تمثلوها آلهة تنطق بذلك النفي؛ فنقول: إن ما عبدوهم من الأنبياء كعيسى يقول ذلك، أما الحجارة فينطقها اللَّه فتقوله، أو هو تصوير لحالها في أمرها وأمرهم واللَّه تعالى شاهد.
يقول تعالى:
стр. 4826
(فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)
هنا يوثق المعبودون قولهم بشهادة اللَّه تعالى: (الفاء) في قوله تعالى:
(فَكَفَى) عاطفة لتأكيد قولهم، والباء في قوله تعالى: (بِاللَّهِ) زائدة مقوية لمعنى الشهادة، أي كفانا اللَّه تعالى شاهدا في بطلان ما تَدَّعوه من أنكم كنتم تعبدوننا ثم أكدوا بأنهم كانوا لَا يعلمون (إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ).
(إن) هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، ويدل عليه الخبر، وهو (كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ).
стр. 4827
(اللام) مؤكدة، وتفرق بين خبر (كان) المجرد، وخبر (إن)، فهي تدل على أن الخبر هو خبر (كان)، وبتوكيدها تومئ إلى أن الجملة خبر (إنَّ).
وقد أكدوا بهذا أنهم ما كانوا يعلمون عبادتهم لهم، وأنهم برآء من هذه العبادة، وأنهم ما كانوا يشعرون بهم ولا بما ارتكبوا من إثم مبين وهو الإشراك باللَّه تعالى، وهذا بيان لسوء عملهم وفساد اعتقادهم وضلالهم الواضح المبين، وقد أرسل اللَّه تعالى رسله فبينوه لهم، وكذبوهم حتى حقت عليهم كلمة العذاب واللَّه بكل بشيء عليم.
وقد بين أن الدنيا دار الابتلاء، والآخرة دار الجزاء فقال عز من قائل:
стр. 4828
(هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)
(هُنَالِكَ) إشارة إلى ذلك الموقف الرهيب والمكان الرفيع، وهو الحشر أمام اللَّه تعالى، وكانت الإشارة بالبعيد؛ لرفعه الموقف أمام اللَّه وشرفه، ولأنهم كانوا يستبعدونه ويظنونه مستحيلا.
(تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ) ها ثلاث قراءات، قراءة بالتاء (تَتْلُو) وقراءتان بالنون (نبلو) إحداهما بنصب (كل)، أي النفوس كلها هي المختبرة، والثانية برفع (كل).
وفى الأولى (تَبْلُو) أي تتلو كل نفس ما أسلفته من أعمال في كتابها الذي تحمله بيمينها أو شمالها فتقرأ عملها محضرا، كما قال تعالى في سورة الإسراء:
(. . . وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤).
أما في القراءة بالنون برفع كل " نبلوا كلُّ " أي نعاملهم معاملة التعرف لما
стр. 4829
وقوله: (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ)، فالاختبار هنا يكشفه الله ويستحضر لهم فيه ما أسلفوا.
أما القراءة بالنون مع نصب " كل " أي (نبلوا كلَّ) فهي نصب في المعنى السابق والاختلاف في الإعراب ولا اختلاف في المعنى.
ومن هذا نجد أن الاختلاف الحقيقي يكون بين القراءتين بالتاء والنون وكله من عند اللَّه تعالى.
(وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) المولى بمعنى الناصر وبمعنى الخالق وبمعنى المالك، أي مالكهم الحق، أي الثابت ملكيته، وسلطانه. والحق للاحتراز عما ادعوا من أوثان وأنداد اتخذوها، ففي هذا اليوم يتبدى سلطان اللَّه تعالى حقا وتتبدد أوهامهم عن أولياء الشيطان وما زعموه.
ولذا قال سبحانه: (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي غاب عنهم وبعُد عن عقولهم ما كانوا يفترونه في عبادات باطلة وافتراء كاذب كانوا مستمرين عليه يكررونه ليلا نهارا، وفي قوله تعالى: (مَا كَانُوا) يدل على الاستمرار وذلك بالجمع بين الماضي في (كَانُوا) والمستقبل في (يَفْتَرُونَ) فالجمع بين الماضي والمستقبل يدل على استمرار الفعل.
يقول تعالى:
стр. 4830
(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)
قلنا في أكثر من موضع: إن العرب كانوا على علم بالخلق والتكوين وأنهم يؤمنون بوحدانية الخالق، ولكنهم في العبادة يشركون ويزعمون استحقاق الأوثان للعبادة على أن يكونوا شفعاء لهم، فبين اللَّه بطلان عبادتهم وقد كانوا لضلالهم يربطون بين وحدة الخالق للكون وبين ما يعبدون، فبين لهم سبحانه في كثير من
стр. 4831
الآيات أن وحدة الخلق تقتضي وحدة العبادة، وهذا هو ما آمن به أبوهم إبراهيم وغيره من الرسل الكرام، وجاء محمد ﷺ لإحياء ملة إبراهيم وهي الإسلام (قُلْ مَن يرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الاستفهام للتنبيه إلى الحقائق الثابتة وتوجيه النظر، فهو استفهام تقريري لتقرير الحقائق، وعُبر بالاستفهام لأنه مُوجَّه وفيه حمل لهم على الإقرار بما يعرفون ويشاهدون فهم يعلمون علم اليقين بالمشاهدة والحس أن اللَّه تعالى هو الذي ينزل الأمطار من السماء ليختلط بالأرض يشقها شقا، وما أوجده اللَّه تعالى فيها من خصب ومواد مختلفة يتكون منها نبات به حب متراكب وأشجار فيها ثمار دانية القطوف، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩).
وقد عبر سبحانه عن كل ذلك بالرزق الذي هو الغاية المرجوة وهو النعمة الظاهرة التي أنعم بها على عباده في حياتهم من غذاء ولباس ومأوى، وكل ذلك كان في اختلاط ماء السماء بالأرض.
ثم ذكر سبحانه بعد ذلك أصل خلقهم ودقيق صنعه في أنفسهم وكيف أوجد القوى فيهم، وأن هذا وإن اختفى عليهم خلقه لَا يختفي عليهم أثره، فهم يسمعون ويبصرون ويدركون بأي شيء كان ذلك.
(أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) فهو الذي أنشأهما حتى أن الإنسان الذي مدَّ له اللَّه تعالى الكون من سماء وأرضين، واستطاع بإذن اللَّه أن يرتفع إلى القمر وغيره - لَا يملك أن يوجد قوة من قوى اللَّه.
(وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) يبين اللَّه تعالى أمرا يشاهده الإنسان كل يوم وهو الموت والحياة فيجيء الموت بدل الحياة، والحياة بدل الموت، بل إنه سبحانه يخلق الحياة في الميت، كما أنه يجعل النواة الجامدة كأنها لا
стр. 4832
حياة فيها شجرة وارفة الظلال، ومن الماء المهين إنسانا سويا، ثم يكون الزرع حطامًا والإنسان ميتا مقبورا، ولقد قال تعالى في تصوير ذلك: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥).
هو سبحانه خالق كل شيء ولم يخلقه ويتركه من غير تدبير، بل إنه القائم عليه، ولذا قال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) كما أنه سبحانه يمسك السماء والأرض أن تزولا، ويدبر الأرزاق.
ثم نعود لصيغة الاستفهام القرآنية (أَمَّن) فصيغة القرآن استفهام ويُطلب منهم الجواب ليكون جوابهم إقرارا أو تقريرا، وكذلك قال اللَّه: (فَسَيَقُولونَ اللَّهُ) فإذا قالوها وهي الحق أجيبوا: (أَفَلا تَتَّقونَ)، (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فترتب على إقرارهم دعوتهم إلى تقوى اللَّه والإحساس بجلاله وتجنب ما لا يرضيه، بعد أن أخذ منهم إقرارًا بأنه خالق الكون ومدبره والقائم عليه وحده، بين أنه هو الرب وحده وأشار إلى أنه المستحق للعبادة وحده، فقال عز من قائل:
стр. 4833
(فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)
(الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي إذا كان اللَّه الخالق وحده والمدبر للكون وخالق القوي الإنسانية وغيرها وحده فهو الرب حقا وصدقا، و (الْحَقُّ) تأكيد لمعنى الربوبية، والربوبية والعبادة متلازمتان تلازما لَا يقبل الانفصال، فالرب حقا هو المعبود وحده المنفرد بالخلق، وهو المنفرد بالعبودية فلا إله غيره.
الخطاب في اسم الإشارة للجمع؛ لأنه لَا يخاطب به النبي وحده إنما يخاطب به الناس أجمعين وخصوصا المشركين، لأنهم الذين أقروا بالخلق وضلوا في العبادة.
стр. 4834
وقد كانوا يقولون عن معبودهم " الرب " فاللات والعزى كانتا إلهان، وهُبل كان رب قريش، والنصارى المثلِّثون قالوا عن المسيح الرب، فالآية تشير إلى أن هذه الأرباب الكاذبة ادعاؤها انحراف في الفكر وبطلان في الاعتقاد، فالرب حقا وصدقا هو اللَّه تعالى وحده.
وقد أشار سبحان! في قوله: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُكمُ) أي أنه الذي يرزق من السماء والأرض ويدبر الأمر ويقدر كل ما في الوجود، وهو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فهو الرب المعبود حقا وصدقا وغيره باطل؛ ولذلك قال سبحانه: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ).
ْ (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه يترتب على أن اللَّه تعالى هو الرب لَا رب سواه من حجر أو نبي أو ملك.
(فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) الاستفهام هنا إنكاري بمعنى نفي الوقوع وأن ذلك فكر لَا يتصوره ويستنكره العقلاء، والمعنى أنه ليس بعد الحق - وهو أن الرب المعبود هو اللَّه وحده - إلا الضلال، فالأمر إما حق أو باطل ولا توسط بينهما مما تدعون من أوهام بأنهم شفعاء لله، فإن ذلك باطل في ذاته، وأنه سبحانه لَا يتخذ عنده شفعاء لَا ينفعون ولا يضرون، وإن لم يكونوا حجارة فإن منزلتهم من اللَّه هي منزلة غيرهم على سواء.
(فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (الفاء) مثل التي قبلها (فَأَنَّى) بمعنى كيف والاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع، وفيه توبيخ، والمعنى كيف تصرفون عن ذلك المعنى المستقيم وهو أن الخالق وحده هو الرب المعبود ولا معبود سواه؟! ولكن هكذا تضل الأفهام وتعمى القلوب التي في الصدور.
(كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)
стр. 4835
بعد أن بين سبحانه في الخلق ما يدل على التوحيد وأن كفر من كفر عجيب وغريب ذكر أنه قد سجل علييم. (كذَلِكَ)، (الكاف) للتشبيه إشارة إلى ضلالهم بعد أن قامت البينات القاطعة في الخلق والتكوين وإقرارهم بأن اللَّه الخالق وحده لَا خالق سواه، ثم بعد ذلك ينحرفون من غير سبب للانحراف إلا ضلالهم.
أي أنه كهذه الحال التي رأيتموها (حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)، أي أنهم ينحرفون عن الأمر الذي يقرونه ويقره العقلاء.
أي أنهم ينظرون إلى الأشياء نظرا منحرفا كما ينظر من رَمَدَ أو حَوِلَ، ثم ينغمرون في طريق الانحراف حتى يبلغوا في ضلالهم أقصاه.
فمثل هذا هو الذي حقت به، أي ثبتت به كلمة اللَّه التي لَا تختلف ولا تتغير، على الذين فسقوا وانحرفوا وتمردوا على الحق، وأظهر في موضع الإضمار للإشارة إلى أن فسقهم وتمردهم أدى بهم إلى ما حق عليهم.
(أَنَّهُمْ لَا يؤْمِنُونَ)، (أَنَّهُمْ): بدل بيان من (كَلِمَتُ رَبِّكَ)، أي أنهم لا يؤمنون فهو نفي للإيمان ذلك لأنهم سلكوا طريق الباطل.
أي كذلك حقت على الذين فسقوا كلمة ربك التي هي (لا يُؤْمِنُونَ).
بعد أن بين سبحانه أنه الخالق للكون والأرزاق، والمدبر للوجود وحده أخذ يبين عجز من اتخذوهم أربابا من دونه، فقال تعالى: