← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

الآيات أن وحدة الخلق تقتضي وحدة العبادة، وهذا هو ما آمن به أبوهم إبراهيم وغيره من الرسل الكرام، وجاء محمد ﷺ لإحياء ملة إبراهيم وهي الإسلام (قُلْ مَن يرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الاستفهام للتنبيه إلى الحقائق الثابتة وتوجيه النظر، فهو استفهام تقريري لتقرير الحقائق، وعُبر بالاستفهام لأنه مُوجَّه وفيه حمل لهم على الإقرار بما يعرفون ويشاهدون فهم يعلمون علم اليقين بالمشاهدة والحس أن اللَّه تعالى هو الذي ينزل الأمطار من السماء ليختلط بالأرض يشقها شقا، وما أوجده اللَّه تعالى فيها من خصب ومواد مختلفة يتكون منها نبات به حب متراكب وأشجار فيها ثمار دانية القطوف، كما قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩). وقد عبر سبحانه عن كل ذلك بالرزق الذي هو الغاية المرجوة وهو النعمة الظاهرة التي أنعم بها على عباده في حياتهم من غذاء ولباس ومأوى، وكل ذلك كان في اختلاط ماء السماء بالأرض. ثم ذكر سبحانه بعد ذلك أصل خلقهم ودقيق صنعه في أنفسهم وكيف أوجد القوى فيهم، وأن هذا وإن اختفى عليهم خلقه لَا يختفي عليهم أثره، فهم يسمعون ويبصرون ويدركون بأي شيء كان ذلك. (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ) فهو الذي أنشأهما حتى أن الإنسان الذي مدَّ له اللَّه تعالى الكون من سماء وأرضين، واستطاع بإذن اللَّه أن يرتفع إلى القمر وغيره - لَا يملك أن يوجد قوة من قوى اللَّه. (وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) يبين اللَّه تعالى أمرا يشاهده الإنسان كل يوم وهو الموت والحياة فيجيء الموت بدل الحياة، والحياة بدل الموت، بل إنه سبحانه يخلق الحياة في الميت، كما أنه يجعل النواة الجامدة كأنها لا

стр. 4832

حياة فيها شجرة وارفة الظلال، ومن الماء المهين إنسانا سويا، ثم يكون الزرع حطامًا والإنسان ميتا مقبورا، ولقد قال تعالى في تصوير ذلك: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥). هو سبحانه خالق كل شيء ولم يخلقه ويتركه من غير تدبير، بل إنه القائم عليه، ولذا قال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) كما أنه سبحانه يمسك السماء والأرض أن تزولا، ويدبر الأرزاق. ثم نعود لصيغة الاستفهام القرآنية (أَمَّن) فصيغة القرآن استفهام ويُطلب منهم الجواب ليكون جوابهم إقرارا أو تقريرا، وكذلك قال اللَّه: (فَسَيَقُولونَ اللَّهُ) فإذا قالوها وهي الحق أجيبوا: (أَفَلا تَتَّقونَ)، (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فترتب على إقرارهم دعوتهم إلى تقوى اللَّه والإحساس بجلاله وتجنب ما لا يرضيه، بعد أن أخذ منهم إقرارًا بأنه خالق الكون ومدبره والقائم عليه وحده، بين أنه هو الرب وحده وأشار إلى أنه المستحق للعبادة وحده، فقال عز من قائل:

стр. 4833

(فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي إذا كان اللَّه الخالق وحده والمدبر للكون وخالق القوي الإنسانية وغيرها وحده فهو الرب حقا وصدقا، و (الْحَقُّ) تأكيد لمعنى الربوبية، والربوبية والعبادة متلازمتان تلازما لَا يقبل الانفصال، فالرب حقا هو المعبود وحده المنفرد بالخلق، وهو المنفرد بالعبودية فلا إله غيره. الخطاب في اسم الإشارة للجمع؛ لأنه لَا يخاطب به النبي وحده إنما يخاطب به الناس أجمعين وخصوصا المشركين، لأنهم الذين أقروا بالخلق وضلوا في العبادة.

стр. 4834

وقد كانوا يقولون عن معبودهم " الرب " فاللات والعزى كانتا إلهان، وهُبل كان رب قريش، والنصارى المثلِّثون قالوا عن المسيح الرب، فالآية تشير إلى أن هذه الأرباب الكاذبة ادعاؤها انحراف في الفكر وبطلان في الاعتقاد، فالرب حقا وصدقا هو اللَّه تعالى وحده. وقد أشار سبحان! في قوله: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُكمُ) أي أنه الذي يرزق من السماء والأرض ويدبر الأمر ويقدر كل ما في الوجود، وهو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فهو الرب المعبود حقا وصدقا وغيره باطل؛ ولذلك قال سبحانه: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ). ْ (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي أنه يترتب على أن اللَّه تعالى هو الرب لَا رب سواه من حجر أو نبي أو ملك. (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) الاستفهام هنا إنكاري بمعنى نفي الوقوع وأن ذلك فكر لَا يتصوره ويستنكره العقلاء، والمعنى أنه ليس بعد الحق - وهو أن الرب المعبود هو اللَّه وحده - إلا الضلال، فالأمر إما حق أو باطل ولا توسط بينهما مما تدعون من أوهام بأنهم شفعاء لله، فإن ذلك باطل في ذاته، وأنه سبحانه لَا يتخذ عنده شفعاء لَا ينفعون ولا يضرون، وإن لم يكونوا حجارة فإن منزلتهم من اللَّه هي منزلة غيرهم على سواء. (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (الفاء) مثل التي قبلها (فَأَنَّى) بمعنى كيف والاستفهام إنكاري بمعنى إنكار الواقع، وفيه توبيخ، والمعنى كيف تصرفون عن ذلك المعنى المستقيم وهو أن الخالق وحده هو الرب المعبود ولا معبود سواه؟! ولكن هكذا تضل الأفهام وتعمى القلوب التي في الصدور. (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)

стр. 4835

بعد أن بين سبحانه في الخلق ما يدل على التوحيد وأن كفر من كفر عجيب وغريب ذكر أنه قد سجل علييم. (كذَلِكَ)، (الكاف) للتشبيه إشارة إلى ضلالهم بعد أن قامت البينات القاطعة في الخلق والتكوين وإقرارهم بأن اللَّه الخالق وحده لَا خالق سواه، ثم بعد ذلك ينحرفون من غير سبب للانحراف إلا ضلالهم. أي أنه كهذه الحال التي رأيتموها (حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)، أي أنهم ينحرفون عن الأمر الذي يقرونه ويقره العقلاء. أي أنهم ينظرون إلى الأشياء نظرا منحرفا كما ينظر من رَمَدَ أو حَوِلَ، ثم ينغمرون في طريق الانحراف حتى يبلغوا في ضلالهم أقصاه. فمثل هذا هو الذي حقت به، أي ثبتت به كلمة اللَّه التي لَا تختلف ولا تتغير، على الذين فسقوا وانحرفوا وتمردوا على الحق، وأظهر في موضع الإضمار للإشارة إلى أن فسقهم وتمردهم أدى بهم إلى ما حق عليهم. (أَنَّهُمْ لَا يؤْمِنُونَ)، (أَنَّهُمْ): بدل بيان من (كَلِمَتُ رَبِّكَ)، أي أنهم لا يؤمنون فهو نفي للإيمان ذلك لأنهم سلكوا طريق الباطل. أي كذلك حقت على الذين فسقوا كلمة ربك التي هي (لا يُؤْمِنُونَ). بعد أن بين سبحانه أنه الخالق للكون والأرزاق، والمدبر للوجود وحده أخذ يبين عجز من اتخذوهم أربابا من دونه، فقال تعالى:

стр. 4836

(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) أُمِرَ النبي ﷺ بأن يتولى جدالهم وإفحامهم وأن يسألهم (هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِّيدُهُ)، وشركاؤهم: الأوثان والأحجار والأناسي التي ادَّعوا أنها شركاء لله في العبادة، أي هل في الأوثان التي تعبدونها أو غيرها مما زعمتم من يبدأ الخلق ثم يعيده.

стр. 4837

والتعبير بالمضارع لإفادة استمرار البدء والإعادة، كالزرع في خلقه وتكوينه ثم يصير حطاما، ثم يعاد مرة أخرى. وفى النص الكريم إشارة إلى القدرة على الإعادة كالقدرة على الابتداء، كما قال في آية أخرى: (. . . كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، فالإشارة واضحة إلى إمكان البعث بل وجوبه وقد أنكروه ولأنهم لَا يؤمنون بالإعادة وينكرونها أمر اللَّه تعالى نبيه بأن يتولى الإجابة على إنكارهم، وللإشارة إلى أن ذلك موضع تسليم لَا امتراء عند أهل العقول المستقيمة، وأيضا لمنع لجاجتهم ولإرشادهم إلى الحق: (قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) وإذا كانوا ينكرون الإعادة من اللَّه فأولى أن ينكروها من أحجار لَا تضر ولا تنفع، بل إنهم يعلمون أنها لَا تستطيع الإنشاء فأولى ألا تستطيع الإعادة. ولذلك تولى النبي ﷺ الإجابة ليقيم الحجة عليهم بأن ما بدأ يستطيع الإعادة (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) أي تصرفون عن الحق إلى الباطل. (الفاء) لترتيب الاستفهام الإنكاري على إنكارهم المستمر والموقف السلبي الذي يقفونه لَا يتحركون بخطوة إيجابية إلا في الإيذاء والاستهزاء والفتنة في الدين، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع، فاللَّه تعالى ينكر انصرافهم عن الحق ولجاجتهم في الانصراف والاستمرار في غيهم (فَأَنَّى) بمعنى " كيف ". ثم يبين سبحانه أنه الذي يهديهم، وأن الأوثان لَا تهدي بل يضلون بها، فقال تعالى:

стр. 4838

(قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) يخاطبهم سبحانه على أنهم عقلاء مدركون لمعنى الهداية والرشاد ويسألهم إذا كان هؤلاء على ما ترون؛ فهل يهدونكم إلى الحق كشأن التابع للمتبوع.

стр. 4839

إن الهداية هي القياس الإنساني لعلو الإنسان وقد كان في المشركين ذوو رشد ينطقون بالقول الطيب كما ينطق الحكماء منهم: أكثم بن صيفي وغيره، فهل الأوثان وغيرها يعلونهم بفضل الإرشاد والتوجيه للعمل الصالح فتعبدوها أو تتبعوها لهذا؛ وحيث لَا شيء من ذلك فلا مسوغ للعبادة إلا الضلال. ولذلك قال تعالى: (هَلْ مِن شُرَكَائِكم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) الاستفهام داخل على فعل محذوف، والمعنى هل وجد من شركائكم أي من المعبودات التي زعمتم أنها شركاء لله في العبادة، من يهدي إلى الحق كما يهدي اللَّه حتى تجعلوه كاللَّه تعالى، يقال هدى إلى الحق وهدى للحق، و (إِلَى) تتضمن معنى الانتهاء في الهداية إلى الحق، أي هدى منتهيا في هدايته إلى الحق. والإجابة عن هذا السؤال ستكون بالسلب لأنها أحجار نَحَتُوها بأيديهم لا تضر ولا تنفع، فكيف تهدي وترشد؛ ولذا فرض أن الإجابة بالسلب كما هو شأن من له أعين تبصر وأذان تسمع، وقد ترتب على هذا الفرض الواقع سؤال آخر فيقول سبحانه: (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى). (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها وحقها التقديم؛ لأن السؤال مترتب على الإجابة المفروضة في السؤال السابق، ولكن لأن الاستفهام له الصدارة أخرت عن تقديم، والاستفهام هنا للإقحام وفيه الفرض الأول ثم بيان أنه لَا مساواة بين الفرضين، أي أن من يهدي إلى الحق أحق أن يتبع فالاستفهام في هذه الناحية هو أنه لَا مساواة بين من يهدي إلى الحق ومن لَا يهدي إلا إذا وجد من يهديه، فالاستفهام لبيان أحقية الاتباع لمن يرشد ويصلح بدلا ممن لَا يستطيع الإرشاد ويحتاج كغيره ليهديه، فمن لَا يحتاج أحق ممن يحتاج لإرشاد غيره وهدايته، وهذا في قوله تعالى:

стр. 4840

(أَمَّن لَا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَى). الكلمة (يَهِدِّي) فيها إعلال أصلها (يهتدي) وقلبت التاء دالا لقربها من حروف الإطباق، وأدغمت التاء في الدال وكسرت الهاء للتخلص من الساكنين، والأصل في التخلص من النطق بالساكنين يكون بالكسر؛ وهناك قراءة أخرى وهي فتح الهاء؛ لأن حركة التاء قبل الإدغام كانت الفتح فكان الفتح رمزا للأصل. وإن هذه الصيغة تفيد أنه لَا يهتدي إلا بصعوبة بل لَا يهتدي أصلا، ولكن كان الفرض أن يكون اهتداء بعد أن توجد الهداية الداعية المرشدة، وكل هذا فيه توبيخ وتبكيت لهم وهم عقلاء، فيهم من نطق بالحكمة وأرادها، ثم يتبعون من لا يرشد ولا يهدي. إن العاقل إذا رأى هاديا مرشدا يدعوه ومعه الأدلة المتضافرة والآيات المبينة ورأى بجواره أصم لَا يهدي ولا يرشد فأيهما يتبع، ولذا قال تعالى: (فَمَا لَكمْ) وهذا استفهام إنكاري عن حالهم المضطربة الحائرة، ثم أردفها سبحانه باستفهام يوضح اضطراب فكرهم وفساد تقديرهم فقال تعالى: (كَيْفَ تَحْكمُونَ). وهذا للاستنكار، فبأي أحوال النفس العاقلة تحكمون على تصرفاتكم هذه! تتركون الهادي المرشد وتتبعون من لَا يضر ولا ينفع، ويصعب أن يهتدي بل لا يمكن أن يهتدي ولو جاءه أهدى الهدى. وقد بين سبحانه أنهم لَا يتبعون الأصنام وغيرها مستيقنين، بل يظنون ظنا بأوهامهم أن لهذه الأصنام وأشباهها قوة وأنها تستحق العبادة، ولذا قال تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)

стр. 4841

أى أن أكثرهم غلبت عليهم خيالات وأوهام شاعت في جمعهم وانتشرت بينهم واتبعوها جميعا، فالأفكار الفاسدة الضالة تنبعث من بعض الجماعة وتكثر فيها وتشيع في آحادها فتصير فكرا عاما مضللا، وعلى العقلاء أن يصدوا هذه الأفكار الباطلة في أول نشوئها حتى لَا تصير هي الغالبة، وبعض المفسرين يقول: إن الأكثر يراد به الجميع، ونحن نقول على هذا المعنى، ويقول البيضاوي: " إن أكثرهم ما يتبع في اعتقادهم إلا ظنا مستندا إلى خيالات فارغة فاسدة ". الناس صنفان أحدهما: له عقل مستقيم يدرك، والثاني: غلبت وسيطرت عليه الخيالات، فأما الذي آتاه اللَّه تعالى عقلًا يدرك فإنه يفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما ويأخذ دليلا على وجود خالقهما من الأثر وقوة المؤثر، ثم يجيء الرسل فيهتدي بهديهم ويتبع ما يدعون إليه، وهو الذي ينطبق عليه الوصف القرآني الكريم: (. . . رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَة ثمَّ هَدَى)، فالهداية ثمرة العلم بالخلق. والصنف الثاني يقع في أخيلة وهمية تسيطر عليه فلا يأخذ الهداية من الخلق والتكوين، بل تسيطر عليه الأوهام؛ فيتوهم في حجر قوة، ويتوهم في شخص ربوبية، ولو نادى ليلا نهارًا بأنه عبد من عباد اللَّه لَا يستنكف عن عبادة اللَّه ولا يستكبر، وهؤلاء يظنون القوة في غير قوى، والقدرة في عاجز، وتكون عقولهم دائما حائرة مضطربة، ولا يكون منهم اعتقاد ولا يقين قط وكلها ظنون يتصورونها اعتقادا، ولسان حالهم يقول: (. . . إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ). هذا بيان لعلمهم الذي يتجاوز الظن ولا يزيد عليه، ويخيل لهم أنهم يعتقدون ثم يتعصبون له ويعاندون أهل الحق به. وقد بين أن الاعتقاد لَا يبنى على ظنٍ بل يجب أن يكون على يقين، ولذا قال تعالى: (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أي لَا يغني بدل

стр. 4842

الحق، (مِنَ) هنا بمعنى " بدل " فالحق وهو الأمر الثابت الذي لَا ريب فيه لا يطلب بأدلة ظنية بل لَا يطلب إلا ببينات قاطعة، فمعنى (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) أن الظن لَا يغني شيئا بدل الأدلة الحق القطعية. هذه الآية الكريمة تؤكد حقيقتين ثابتتين: أولاهما: أن ما ينتحله أهل الكتاب والمشركون - بشكل عام - والوثنيون مبني على أوهام أوجدت ظنونا جعلوا منها عقائد تعقبوا لها وكأنها حقائق لها براهين أذعنوا لها فما ظنوا إلا ظنا. ثانيهما: أن التعصب قد يبنى على أوهام وظنون بل إنه سيطرة أوهام وضعف في النفوس وليس بإيمان صادق. وقد ختم اللَّه الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)، وفي هذا تأكيد لعلم اللَّه بهم في ظنونهم وأعمالهم وحركات نفوسهم، وقد أكد هذا سبحانه أولا: بالجملة الاسمية، وثانيا: بـ " إنَّ " المؤكدة، وثالثا: بالصفة. * * * القرآن هو المعجزة الكبرى يقول تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)

стр. 4843

وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) * * * بعد أن ذكر سبحانه أوهام المشركين وأخيلتهم التي جعلتهم يهيمون في أودية الظن بغير علم، بين سبحانه الحق والدليل القاطع على صدق محمد ﷺ في حديثه عن اللَّه تعالى، وأنه جاء بالمعجزة الكبرى الباقية الخالدة إلى يوم القيامة، وأن غيره من المعجزات ما استمر باقيا إلا، لأنه ذكرها وسجل وقوعها في آياته التي كفر بها من كفر وآمن بها من آمن، وقد قال تعالى في المعجزة الكبرى:

стр. 4844

(وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) والإشارة هنا للقرآن الذي يتلى عليهم، وتخيرهم عباراته وتعجزهم بلاغته وفصاحة كلماته. وقوله (أَن يُفْتَرَى) المصدر من (أن وما بعدها) خبر (كَانَ)، أي وما كان هذا القرآن افتراء من دون اللَّه، أي من عند غير اللَّه سبحانه، وعبر بالفعل دون المصدر لتصوير قبح أن يصنع اصطناعا من عند غير اللَّه، وبيان أن ذلك غير متصور وقوله تعالى: (ووَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ) معناه: ما استقام وما ينبغي أن يكون هذا القرآن افتراء من دون اللَّه تعالى؛ لأنه أعجز العرب عن أن يأتوا بمثله، ولأنه اشتمل على علوم ما كان لهذا الأُميّ الذي لَا يقرأ ولا يكتب أن يعلمها، ولأنه اشتمل على شرائع فيها مصلحة الدنيا والآخرة، ولأنه اشتمل على قصص الأمم، كما قال على - كرم اللَّه وجهه - فيما رواه عنه الحارث الأعور " فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم " (١) معنى هذا: أن هذا القرآن بذاته ينفي أن يكون مفترى، والقرآن صادق من شهادة غيره بعد أن أثبت أن معجزته ذاتية فيقول تعالى: (وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْن يَدَيْهِ)، أي الكتب التي سبقته، وعبر بأنها (بيْنَ يَدَيْهِ) للإشارة إلى أنها حاضرة شاهدة بصدقه.

стр. 4845

وقد ذكر سبحانه دلائل صدقه من أمور أربعة: الأمر الأول - أنه تصديق الذي بين يديه في الكتب السابقة الصادقة، وما كان النبي ﷺ يقرأ أو يكتب ونشأ في قوم أميين لَا يعرفون علم الكتابة ولم يختلط ﷺ بأحد من أهل الكتاب، أو يلتق بأحد من الأحبار والرهبان إلا مرتين، واحدة وهو غلام في الثانية عشرة، والأخرى وهو في الخامسة والعشرين وكلتاهما كان فيهما عابر سبيل، وأن التوافق بين ما جاء بالقرآن وما جاء بالكتب السابقة دليل على أنه ليس افتراء بل هو من عند اللَّه ، والاستدراك معناه الانتقال من نفي الافتراء إلى الإيجاب بذكر الدليلِ الخارجي من نفس ما سبقه من كتب، وفي التعبير بكلمات: (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْن يَدَيْهِ) إشارة إلى أنه شاهد لها بالصدق، وإن كان التوافق دليل على أنه ليس به افتراء وهو مشتمل مع ذلك في ذاته على الإعجاز، فالكتب ليست معجزة بذاتها، ولكن اقترن بها ما يدل على صدق الرسل من بينات شاهدة: كعصا موسى وغيرها، وكإبراء الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى بإذن اللَّه ونزول المائدة بأمر اللَّه تعالى. الأمر الثاني - مما اشتمل عليه القرآن الكريم أنه " تفصيل الكتاب " أي بيان ما كتبه اللَّه تعالى على خلقه من فرائض ونظم وأحكام فيها صلاح العباد في الدنيا والآخرة من صلاح معاشهم وتنظيم حياتهم وتكوين مجتمع فاضل يكون الخير فيه شائعا ظاهرا، وتكون الرذيلة مختفية مغمورة. الأمر الثالث - من دلائل صدقه - أنه لَا ريب فيه لمن تدبر وتأمل، فهو ثابت بذاته وبما اشتمل عليه من تصديق ما بين يديه في الكتب وتفصيل الأحكام والشرائع فلا مجال للريب، كقوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِّلْمُتَّقِينَ). الأمر الرابع - أنه من رب العالمين الذي كون العالمين وربَّاهم ودبر أمورهم وأقام الحق والعدل فيهم، وذلك كله في القرآن الحكيم الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

стр. 4846

وبعد أن بين سبحانه بالأدلة الذاتية صِدْقَه، أخذ سبحانه يدفع افتراء المفترين فقال تعالى:

стр. 4847

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) وصف اللَّه القرآن أوصافا تنفي الافتراء، وبين مقامه في الكتب السابقة وأنه مصدق شاهد بها، وبعد ذلك أخذ يبين مقام المشركين منه وهو ادعاء افترائهم الذي هو منفي عن القرآن لذاته فقال سبحانه: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ). (أَمْ) يقول بعض المفسرين: أنها هنا في معنى الهمزة للاستفهام. والأولى أن تقول أن " أم " تتضمن معنى الاستفهام كما تتضمن الانتقال من الحقائق المقررة الثابتة التي لَا ريب فيها إلى الاتجاه إلى المشركين وأوهامهم بالنسبة للقرآن العظيم (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) أي ننتقل من الحق الجليِّ إلى أوهامهم فنسألهم: أتقولون افتراه؟! والاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الواقع، فهو توبيخ لهم على ادعاء الافتراء، وقد قامت أدلة الصدق، ووقع الحكم بأنهم مبطلون في ادعائهم وافترائهم، وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله ليظهر كذبهم وأنهم المفترون على اللَّه تعالى ونبيه ﷺ والحق، ولذا أمر سبحانه محمدا ﷺ أن يدعوهم لأن يأتوا بسورة من مثله، أي مما ترون أنه مثله، فأتوا بسورة منه، فهم يدعون أنه مفترى افتراه محمد ﷺ فليأتوا بسورة من مثله إن كان له مثل. إن محمدا بشر مثلهم فإذا كان قد افتراه فأنتم بشر مثله فأتوا بسورة من مثله، ويصح أن نقول أن (مِن) بيانية ويكون المعنى ائتوا بسورة منه، أي من جنسه، ولعل ذلك أظهر. وقد تحداهم اللَّه أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فعجزوا، ثم نزل فتحداهم أن يأتوا بسورة فعجزوا.

стр. 4848

ولكمال التحدي أمر اللَّه نبيه أن يدعوا من يناصرونهم ومن يستطيعون نصرهم، فقال في سياق أمره - سبحانه - لنبيه: (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) فدعوة هؤلاء النصراء لأمرين: أولهما - ليشهدوا كذبهم في ادعائهم. ثانيهما - لينتصروا بهم ويكونوا قوة معهم يظاهرونهم فيما يدعون، ولكنهم مع ذلك لَا يمكنهم أن يأتوا بقرآن مثله كقوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨). وقوله تعالى: (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي في ادعائكم الافتراء وإن محمدا كذب على اللَّه تعالى ولكنكم عاجزون فيبطل ادعاؤكم الافتراء. وفى كلمة (قُلْ فَأْتُوا) - الفاء للإفصاح لأنها تفصح عن شرط مقدر تقديره: إذا كنتم تدعون أن محمدا افتراه فمحمد بشر عربي مثلكم، فأتوا بسورة من مثله. هم لَا يؤمنون أنه افتراء ويؤمنون أنه كلام لَا ينطق البشر بمثله، ولكن لأنهم سارعوا بتكذيب الرسالة المحمدية لجُّوا في التكذيب وتورطوا في الإنكار حتى وقعوا فيما لم يقع فيه عربي يعرف معنى البلاغة في القول، لذا قال تعالى:

стр. 4849

(بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) (بَلْ) للإضراب عما حوى ما قبلها، والإضراب عن ادعاء الافتراء، معناه أنهم لم يقفوا في دعوى الافتراء إلا بأمر سبقه، وهو أنهم سارعوا بالتكذيب من غير أن يتأملوا. وهذا هو قوله تعالى: (بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) أي بما لم يعلموه علم إحاطة وفحص لحقائقه ومدى ما فيه من إعجاز بياني وما حوى من شرائع

стр. 4850

توائم العقل وتواكبه ومدى ما فيه من إنذار لمن كفر وثواب لمن آمن، وذلك لمن يخاطب بأمر غريب لم يألفه فإنه يسارع إلى إنكاره بادي الرأي، ثم إذا شرد عقله عن الطريق المستقيم ضل في السبل وأصبح لَا يسمع منادي الصواب إذ يناديه، وداعي الهداية إلى الحق وهو يدعوه. وهذا نراه في أصحاب المذاهب المنحرفة إذا فوجئوا بما يخالفها أنكروه ثم حاولوا أن يجمعوا ما يؤيد ما جنحوا إليه من المنكر، وإن محمدا ﷺ جاء إليهم على فترة من الرسل في الأرض العربية وقد عمتهم جهالة دينية، فجاءهم بأنه رسول من عند اللَّه تعالى وكان ذلك غريبا فيهم، وجاءهم بقرآن هو معجزته فلم يتدبروه ويفهموه فعجلوا برده، ثم ساروا من بعد في سبل الضلال. (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأوِيلُهُ) التأويل هو التفسير والفهم وفقه الكلام ومراميه ويطلق بمعنى معرِفة المآل ومن ذلك قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا. . .). والنص القرآني يقبل تفسيرين، بل لَا مانع من الجمع بينهما: أولهما - أنهم كذبوا ولم يحيطوا بعلمه، والحال أنهم لما يأتهم في مداركهم وأفهامهم فقهه وما فيه من إنذار وتبشير، وسيأتيهم لَا محالة إذا تأملوه. ثانيهما - أنهم لم يأتهم مآله، وأنه آت لَا محالة، وأنهم كذبوا القرآن بما فيه من بعث ونشور وحساب وثواب بالجنة وعقاب بالنار وأنه سيأتيهم، وقد وعد سبحانه، وإنه منجز وعده. وإن هذه الحال من المشركين هي الحال التي كانت في الأمم السابقة الذين بعث فيهم الرسل وسارعوا بتكذيبهم قبل أن يتأملوا ما أتوا به وقبل أن يعرفوا قوة المعجزة، ثم لجوا في تكذيبهم حتى نفذ اللَّه تعالى أمره فيهم كقوله تعالى: (كَذَلِكَ كذَّبَ الَّذِين مِن قَبْلِهِمْ) كهذه الحال التي كان عليها المشركون من العرب

стр. 4851

فى مسارعتهم إلى التكذيب واللجاجة فيه ثم المعاندة والمقاومة بالعنف من غير إدراك سليم، وهذه الحال هي حال الذين من قبلهم فإذا تشابهت الحال فلا بد أن تتشابه النتيجة أو الأثر، ولذا قال سبحانه: (فَانظُرْ كَيْفَ كانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) أي فانظر على أي حال كانت عاقبة الظالمين كانت ريحا صرصرا عاتية، أو ريحا فيها عذاب شديد، أو جعل أرضهم دكا سَافِلها عاليها أو خسف بهم الأرض أو غير ذلك من آيات اللَّه الكبرى في الذين يظلمون أنفسهم ويظلمون الحق معهم، وإذا كان اللَّه قد أمهل المشركين ولم ينزل بهم ما أنزل بالذين من قبلهم، فلكي يستمر اختيارهم وعسى أن يخرج اللَّه من أصلابهم من يعبده. وفى قوله تعالى: (كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) إظهار في موضع الإضمار، لبيان أنهم ظلموا أنفسهم وظلموا الأنبياء الذين أرسلوا إليهم وأنكروا حقائق ثابتة قد خلت فيمن ظلموا. وإن الحقَ حقٌ في ذاته، سواء أكثُرَ من آمنوا به أم قلوا، وسواء خضع له أو لم يخضع، والثواب لمن آمن واهتدى والعذاب لمن كفر. ولذا قال تعالى:

стр. 4852

(وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) الضمير في كلمه (مِنْهُم) يعود على المشركين في قريش، أما ضمير في كلمة (بِهِ) فيعود على القرآن الكريم. وإنه من نعم اللَّه على الخلق أن لم يجعلهم جميعا على كلمة الشرك أو الإنكار، بل منهم من يذعن للحق فيسارع إليه كما يسارع المشرك إلى الإنكار. وهذا الكلام فيه تبشير للنبي ﷺ بأنه مع هذه الحال الحالكة المظلمة سيكون من يؤمن ومن يجدد إيمانكم في كل الأزمان ويصدق بالقرآن ويذعن له، فالقرآن باقٍ خالد محفوظ، ونور يهدي ما بقي الإنسان في هذه الأرض.

стр. 4853

ومنهم من يبتلي اللَّهُ به المؤمنين بإنكارهم ولجهم في الإنكار ومعاندتهم للحق وحربهم لأهله، والتعبير بالمضارع لبيان تجديد الإيمان واستمراره وأن الكفر باق ليكون ذلك ابتلاء للمؤمنين وتثبيتا لإيمانهم، ثم يقول تعالى: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) علما دقيقا محيطا بالذين لَا يؤمنون، وعبر عنهم بالمفسدين، لبيان أن في طلبهم الإفساد في الأرض ومنع الإصلاح فيها، فمنهم المنافقون الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ومنهم المعاندون الذين يحاربون الإيمان ويحاولون أن يسدوا مسالك الهداية، وذكر العلم بالمفسدين إنذار بالعقاب من اللَّه تعالى الذي لا يغيب عن علمه كبيرة ولا صغيرة في السماء ولا في الأرض. * * * إنْ عليك إلا البلاغ قال تعالى: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) * * *

стр. 4854

كان النبي ﷺ حريصا على هدايتهم، كما قال تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، فبين اللَّه سبحانه أنه لَا يهدي وإنما ينذر ويبشر كما قال تعالى: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِر. . .). في هذه الآية يآمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يحمِّلهم إن كذبوا تبعات أعمالهم في الكفر فقال تعالى:

стр. 4855

(وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ) مغبة عملكم عليكم، ومثوبة عملي لي وإني بريء مما تعملون وتكررون عمله آنًا بعد آنٍ وتجددونه تجددا مستمرا، وقد أعذر من أنذر وقد أنذرتكم وشددت النذير ووعظتكم أحسن الوعظ وتلوت عليكم آيات بينات فيها سبيل العمل الصالح وتكوين الجماعة الفاضلة فإن استجبتم فقد أحسنتم لأنفسكم، وإن كذبتم فعليكم تبعات ما تعملون، كما قال اللَّه تعالى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦). (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) كل إنسان وما يعمله، لَا يؤاخَذ ﷺ في كفرهم هو بريء منهم ومن أعمالهم، ومع هذا يبرأ إلى اللَّه من أعمالهم تنزيها لنفسه عن أن يشرك أو يرضي عن شركهم المستمر المتجدد، وقد عبر بالمضارع؛ لأن أعمالهم الفاسدة متجددة مستمرة التجديد. ْفى المسلك الذي أمر اللَّه تعالى نبيه أن يسلكه إرشاد حكيم للعصاة وإيئاس لهم من أن يكون معهم، بل فيه دعوة إلى الاقتداء به في عمله، وفيه إشارة إلى فساد أعمالهم، والمُفسد إذا رأى عمل المُصلح تأثر بعمله، بل إن ذلك أشد ثأثيرا من قوله وأفعل في النفس وأدعى للتأمل، واتجاه النفس إلى ما في ثناياها، وربما اهتدت، وأنها لو فوض أمرها إليها قد يكون الخوف فيها، وأنه إذا داخل الجاحد الخوف من مغيب عنه سار في طريق الهداية. إن هؤلاء المشركين عقولهم غائبة عن الحق سائرة في الضلال غافلة عن دعوة الداعي إلى النور، وقد قال تعالى في بيان غفلتهم:

стр. 4856

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) إن السمع لَا يعتبر وحده ولا يدرك وحده، بل لابد من السمع والإدراك، والبصر لَا يدرك ما يشاهد ومغزاه وعبره، بل لابد من أن يرى الرائي ويدرك العبر، وإن هؤلاء أهل جهنم الذين طمس على بصائرهم، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩). (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ): ومنهم أي من المشركين الذين يعرضون عن الحق، من يستمعون إليك بظاهر حسهم، وتحسبهم مستمعين للقول فيتبعون أحسنه ويفكرون متدبرين مميزين بين الحق والباطل، ولكنهم كالأصم من حيث الهداية؛ وذلك لأنهم يستمعون إلى الألفاظ تتردد ولا يفقهون معناها ولا يذوقون الحق ويدركونه، وهم كالصم في آذانهم وقر، قد ماتت عقولهم وصاروا في عدم إدراكهم معنى الكلام ومرماه وغاياته وجماله وكماله كمن لَا يسمع أصلا، لأنه لا ثمرة لسمعه؛ لأنه يسمع جرس الكلام ولا يفقهه ولا يذوق بيانه. ومن مواضع العجب أن يطلب ممن هذا شأنه - الإدراك والاعتبار بما يسمع من قصص وعظات، ولذا قال تعالى: (أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ). الاستفهام للتعجب والنفي، (الفاء) لترتيب التعجب على حالهم، والمعنى أنه لَا فائدة في استماعهم ودعوتهم، والعجب من رجاء الاستجابة منهم، فهم قد اجتمعمتا فيهم صفتان تمنعان الاستجابة: الأولى - الصمم النفسي، وهو يكون بإعراضهم واستنكافهم كان بهم وقرا. الثانية - أنهم لَا يعقلون، فلا يستجيبون لدعوة الحق. وإن نظرهم كسمعهم؛ ولذا قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)

стр. 4857

إنهم ينظرون إلى السماء وما فيها من أبراج وإلى الأرض وما تخرج من طيبات الرزق ولكنهم عمون عن عجائب الوجود، كما قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١). ينظرون في الكون ولكن لَا يدركون ما يهدي إليه النظر فكأنهم عمىٌ لا يدركون؛ لأن النظر من غير إدراك لما يدل عليه المنظور من آيات بينات، شأنه كعدم النظر سواء؛ إذ ثمرة النظر مفقودة في الحالين. ولذلك قال تعالى: (وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ) ولكنهم غير ناظرين؛ لأنهم غير مدركين ما في الوجود من آيات بينات، وقال سبحانه: (إِلَيْكَ) وفي الآية السابقة (يسْتَمعُونَ إِلَيْكَ) إشارة إلى أنهم يكونون مع النبي بحسهم وليس بعقولهم، ثم قال تعالى: (أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ) وشبههم بالعُمْي لعدم الثمرة في نظرهم، وهم معرضون عن آيات اللَّه تعالى، والاستفهام للتعجب. ولقد قال الزمخشري في هذه الآية والتي قبلها: " ومنهم ناس يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لَا يعون ولا يقبلون، وناس ينظرون ويعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لَا يصدقون، أفتطمع أن تسمع الصم ولو انضم إلى صمهم عدم عقولهم؛ لأن الأصم العاقل ربما تفرس واستدل، ولكن إذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعا فلا فائدة في استماعهم ودعوتهم، أتحسب أنك تقدر على هداية الأعمى ولو انضم إلى العمى، وهو فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى له في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن، وأما العمى مع الحمق فجَهْد البلاء، وذلك يعني أنهم في اليأس من أن يقبلوا ويصدقوا كالصم والعمي الذين لا بصائر لهم ولا عقول ".

стр. 4858

إن اللَّه تعالى قد أنزل آياته وشرائعه يهدي بها من يهتدي، ومن ضل فإنما يضل عليها، ووصفها أمام الأعين البصيرة والآذان المستمعة والقلوب المستقيمة، وأنه يؤاخذ الناس بما كسبوا فإن استقاموا على الطريقة كانت الهدأية وإن لم يستقيموا كان الضلال، ولذا قال تعالى:

стр. 4859

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) إن اللَّه وضع كل أسباب الهداية أمام الناس وأرسل الرسل مبشرين، وما كان ليعذبهم إلا إذا أرسل إليهم من ينذرهم بالعذاب الأليم، إن لم يسلكوا سبيل الحق واختاروا سبيل الضلال وأفسدوا في الأرض بعد أن أضلوا عقولهم؛ ولذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا). أصل " ظلم " بمعنى أنقص، وأطلقت على ما هو ضد العدل والاستقامة، وأطلقت على الشرك، لأنه انحراف بالعقل عن الاستقامة والطريق السوي، وقال تعالى: (. . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْم عَظِيمٌ). والظلم هنا إما أن نفسره بمعنى النقص ويكون المعنى أن اللَّه لَا ينقص الناس شيئا بل يوفر لهم أسباب الهداية والإرشاد من: إرسال الرسل، وإقامة الشرائع وآيات اللَّه والتنبيه إليها، ومنحهم العقول التي تدرك، وحرية الاختيار فيما يفعلون، ويوجد سبحانه فيهم قوى الإدراك. كما قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، وإما أن نقول: إن الظلم المنفي هنا هو عدم العدل، ويكون المعنى على ذلك أن اللَّه تعالى لَا يظلم الناس شيئا في الظلم مهما قل، لأنه أوجد فيهم الاختيار والإدراك وجعل تحت أيديهم أسباب الهداية، فإن ضلوا فعن بينة وإرادة حرة مختارة، واللَّه تعالى يحصي أعمالهم ويجزيهم عليها، كما ورد برواية مسلم عن رسول اللَّه ﷺ في حديث قدسي عن ربه: " يا عبادي إنما هي أعمالكم

стр. 4860

أحصْيها عليكم ثم أوفِّيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " (١). وإذا كان اللَّه تعالى لَا يظلم أي قدر من الظلم قلَّ أو جلَّ فإن نزول العذاب بالناس بظلمهم لأنفسهم، ولذا قال تعالى: (وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وهذا استدراك من النفي السابق، وإذا كان اللَّه لَا يظلمهم فهم يظلمون أنفسهم، وقدم المفعول على الفعل للاختصاص أو القصر، أي هم يظلمون أنفسهم ولا يظلمون سواها، كما سبق قوله تعالى: (. . . إِنَّمَا بَغْيكُمْ عَلَى أَنفُسِكم. . .) وذلك، لأن الظالم يقع ظلمه على نفسه ابتداء؛ لأنه يفسد فطرته وتكون غشاوة على قلبه فتنقص مداركه وتسوء معاملته، ويسيء إلى نفسه ثم يتردى في أسباب الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة. يقول تعالى:

стр. 4861

(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وإن العذاب يجيء إليهم في الآخرة كما ذكر سبحانه: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ) أي جزء من الزمان قليلا من النهار، وذكر النهار، لأن الليل قد يستطيل الإنسان وقته، ولأن الحشر وكأنه يجيء في غير ظلام بل في إشراق ليستبين المهتدي من الضال، كما قال تعالى: (. . . كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. . .)، وقوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا). والمراد أن يوم الحشر لَا يحسون فيه بفاصل زمني بينهم وبين ما كانوا عليه في الدنيا، فيحسون أن الدنيا بطولها ليست إلا زمنا قصيرا قضوه فيها، وفي ذلك إشارة إلى قصر الدنيا مهما طالت فلا يحسون بها إلا زمنا قصيرا، وقد قال تعالى

стр. 4862

في بيان ظنونهم نحوها (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكونَ). كما يقول سبحانه: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)، وكل ذلك يصور إحساسهم بقصَر الدنيا يوم تقوم الساعة. وفى قوله تعالى: (لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً) الدليل على أنه سبحانه يحشرهم بأقل ما يمكن من الزمن وأن حشرهم ليس عسيرا حتى يأخذ زمنا عند الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهم يحسون الدنيا الفانية شيئا قصير الأمد، ساعة من نهار، أو يوم في تقدير أمثلهم طريقة. ثم يقول تعالى: (يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ) التابعون والمتبوعون، الذين ضلوا والذين أضلوا الفقراء، الذين سخروا منهم والساخرون. عندئذ يدرك الذين كذبوا بلقاء ربهم ما خسروه بسبب طغيانهم في الدنيا واستهزائهم وقولهم لكل نبي ما نراك اتبعك إلا أراذلنا، ولذلك بيَّن سبحانه أنهم رأوا وعاينوا مقام التابعين للحق كما عاينوا دركهم في الجحيم. (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ) خسروا لأنهم ضلوا واشتروا الضلالة بالهدى والحياة الدنيا بالآخرة، لم يقدموا لأنفسهم فخسروا خسرانا مبينا، ختم اللَّه تعالى الآية بالخسارة العظمى التي أدت إلى الخسائر كلها بقوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) فنفى عنهم الاهتداء نفيا مؤكدا وبقي الضلال المؤكد. ثم يذكر ما ينزل بهم: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)

стр. 4863

(إِمَّا) هي (إنْ) الشرطية المدغمة في " ما " و " ما " لتقوية الشرط، وجاءت بعد نون التوكيد الثقيلة. وأن نريك بعض الذي نعدهم من الدنيا في خذلان وإعلاء لكلمة الحق وجعل النصر للمؤمنين، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الحق هي العليا وضياع سلطانهم وجعل السلطان في بلاد العرب لله ولرسوله، إن نريك هكذا تكن العزة، فجواب الشرط محذوف تؤخذ دلالته من الشرط نفسه، وقد رأى النبي ﷺ ما وعده ربه وما أوعدهم به. (أَوْ نَتَوَفَيَنَّكَ) هو الغرض الثاني وهو مغطوف على الشرط السابق، أي يتوفاك اللَّه الذي خلقك ونصرك وأعزك (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ)، أي إنْ تحضر النصر على الكافرين جميعا وكان منهم من بقي على كفره أو كان إسلامه على نفاق كالأعراب الذين ارتدوا أو ممن لم تبلغهم الدعوة في حياتك ثم بلغهم الإسلام بعد وفاتك (فَإِلَيْنَا مرْجِعُهُمْ)، وقدَّم الجار والمجرور على (مَرْجِعُهُمْ) للإشارة إلى أن للَّه وحده المرجع والمآب، وهو الرقيب عليهم في الدنيا والمحاسب لهم في الآخرة، ينزل العقاب لمن كفر، والثواب لمن آمن واهتدى وآثر الآخرة الباقية على الدنيا الفانية. وإن اللَّه شهيد على ما يفعلون ويعطي الثواب والعقاب؛ ولذا قال تعالى: (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) كلمة (ثُمَّ) للترتيب والتراخي، والترتيب ترتيب معنوي فالله تعالى شهيد على ما فعلوا في حياة النبي ﷺ وما يفعلون بعده، ولكنه فرق بين رؤية النبي فيما يقع حسا، وبين ما ينزل بهم إلى علم اللَّه عالم الغيب والشهادة الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض. والبعد الذي تدلى عليه كلمة (ثُمَّ) هو البعد المعنوي بين رؤية الإنسان وشهادة اللَّه تعالى (اللَّهُ شَهِيدٌ) أي عالم علم من يشهد ويرى كرؤيتك المؤكدة، فهو عالم علم المشاهدة بما يفعلون آنًا بعد آنٍ، أي بما يتجدد في فعلهم وهو سبحانه يحاسبهم عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإليه المآب. * * *

стр. 4864

لكل أمة رسول قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) * * * إن اللَّه تعالى لَا يظلم الناس فما كان ليعاقب إلا بعد أن يبين الحق ويدعو إلى الرشاد، وينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، ولذلك كان لكل أمة رسول كما قال سبحانه: (. . . وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير). وقد اتجه المفسرون في قوله تعالى لكل أمة رسول اتجاهين: الاتجاه الأول - أن ذلك يوم القيامة حيث يجيء كل رسول يشهد لأمته بما كسبت ويشهد عليها بما اكتسبت فيقضى بينهم بالقسط، أي بالعدل الموزون بميزان الحق وهم لَا يظلمون، أي أن القضاء يكون الإنصاف فلا ظلم قط. والاتجاه الثاني - أن هذا نظام اللَّه تعالى الذي سنه في الدنيا يرسل لكل أمة رسولا، ونكَّر كلمة

стр. 4865

(رَّسُولٌ) فلم يأت به معرفة لتعدد الرسالات وتنوعها،

стр. 4866

فمنهْم من جاء لتربية القوة والعزة كما هي شريعة التوراة التي نزلت على موسى، ومنهم من جاء لتربية الروح والنفس كما هي شريعة عيسى لبني إسرائيل الذين غلظت أكبادهم. وقوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ) أي جاء في وسطهم يدعوهم إلى سواء السبيل، كان من أجاب منهم له ثوابه ومن أعرِض ونأى بجانبه حق عليه عقابه، وهذا معنى قوله تعالى: (قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ). ونرى أنه لَا تعارض بين الاتجاهين، ويمكن الجمع بينهما، فيكون الرسول داعيا في الدنيا، ويكون في إجابته المهتدي والضال، ثم يكون يوم القيامة شاهدا على الفريقين، واللَّه أعلم.

стр. 4867

(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) وإن المشركين في إنكارهم للبعث يستعجلونه إن الأساس في رد دعوات النبيين إلى الرسالة الإلهية وهو إنكارهم البعث والنشور وكفرهِم بما يغيب عنهم، ولذا يكون استغرابهم من دعوة الرسل وإجابتهم واحدة (مَتي هَذَا الْوَعْدُ) والخطاب في هذه الآية للرسل، والقائلون هم المشركون، فالضمير في كلمة (يَقولُونَ) للمشركين لأنهم الذين يجادلون النبي ﷺ . (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) الاستفهام هنا للتعجب والاستهزاء، وللاستفهام عن الزمن البعيد عن الوعد الذي يكون وراء البعث، والوعد هو الإنذار الشديد بالعذاب الأليم فيقولون ساخرين: متى يكون ذلك الوعيد؛ ويكررون ذلك الاستفهام المستهزئ الذي ينم عن الاستهانة وعدم الاهتمام غرورا بأنفسهم وانغمارا في لذاتهم. وأعقبوا الاستهانة والاستهتار بقولهم: (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) أي أنهم يردفون الاستهزاء بتكذيب الرسل، ولابد من الإشارة إلى أن ذلك يتكرر في خطاب كل

стр. 4868

الرسل، وأن الكفر بلسان واحد في الاستنكار والاستهزاء؛ ولذا جاء الخطاب للرسل أجمعين لَا لمحمد ﷺ وحده، لأن دعوتهم واحدة، ورد المشركين واحد، وإن كان المتحدث عنهم مشركو العرب؛ لأنهم صورة منهم بل أوضح صورة عند محمد ﷺ طلبوا منكرين ومستهزئين، وكرروا الطلب متى هذا الوعد؛ وهو العذاب الذي أوعَدْت، فأمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يقول لهم:

стр. 4869

(قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) طلبوا مستهزئين غير مبالين أن يحل بهم ما وعد اللَّه من عذاب فأمر اللَّه نبيه ﷺ بأن يقول لهم إنه لَا يملك ذلك وإنما يملكه اللَّه تعالى وحده، ويقول لهم ﷺ إنه إنسان مثلهم لَا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، وبالأولى لَا يملك لغيره ثم بالأولى لَا يملك ضررا عاما يعم المشركين جميعا كما يطلبون. (قُل لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) وقدم الضر على النفع؛ لأنهم يطلبون أن ينزل بهم ما يضرهم فكان الرد بنفيه أولا، فإذا كان لَا يملك أن يضر نفسه فلا يملك أن يضر غيره. وقوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) استثناء يبين كمال سلطان اللَّه وأنه وحده الذي يشاء ويختار وينفذ في الوجود الكوني ما يشاء هو، لَا ما يشاء غيره، والمعنى هنا إن شاء فالذي يملك سبحانه وإن لم يشأ فلا أملك، والاستثناء بقوله: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) حيث الإرادة والاختيار المطلق للَّه تعالى وحده كقوله سبحانه: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ. . .)، فهي دالة على اختياره المطلق ومدلول هذا الاختيار أنه لو شاء لضَرَّ، فليس أمر هذا الكون أو الإنسان يقع بغير اختياره، وهذه إجابة فيها بيان أنه ﷺ ليس مغترا كاغترارهم وأن قوته محدودة ولا يدعي ما ليس له مثله، ومع هذه الإجابة إجابة أخرى هي قوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) أي زمن محدود تنتهي عنده، والأمم السابقة كان أجلها

стр. 4870

بما ينزل عليها من عذاب ساحق مبيد للكافرين كالغرق لقوم نوح، والهلاك بسبب سماوي كما كان لقوم لوط وعاد وثمود. لم يقدر لكم اللَّه تعالى الهلاك كهذه الأمم، بل إنه لَا يزال يرتجى الخير لبعضكم أو أن يكون من أصلابكم، وفي هذا ما يفيد أن الوعد في الآية السابقة ما كان مقصورا على الكافرين بعذاب الآخرة بل يشمل ما كان في الدنيا من إهلاك الكافرين المفسدين، كما تقص القصص الصادقة في القرآن. (إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) أي إذا حل أجلهم في زمانه المعين الذي قدره اللَّه تعالى لَا يستطيعون طلب تأخيره أو تقديمه (السين، والتاء) للطلب أي أنهم ليس لهم تأخيره أو تقديمه كما يتوهم المشركون ويطلبونه مستهزئين أو جادّين. وقد أشار سبحانه من بعد ذلك إلى أن عذابهم قد يقع في الدنيا كما وقع لغيرهم، فأمر رسوله ﷺ ليقول لهم:
следующие страницы →