(فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ... (٩٦)
و (أَنْ) مؤكدة لمجيء البشير، وقد سمي بشيرا، لأنه بشر يعقوب ﵇ بوجود ابنه، وقرب لقائه؛ ولأن معه ما يرد البصر إليه، وبمجرد مجيئه ألقاه على وجهه، و (أَن) كما أكدت الشرط، وهو مجيء البشير، أكدت أيضا ترتيب الجواب على الشرط، ألقاه فور مجيئه، (فَارْتَدَّ بَصِيرًا)، الفاء للعطف مع الفورية، وتلك خارقة للعادة كما أشرنا من قبل، وقد بين يعقوب بعد ذلك أنه لم يكن واهما، ولا ضالا عندما كان يقول لهم: (اذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يوسُف وَأخيهِ) وعندما كان يذكر لهم ما أعلمه اللَّه تعالى، لذا (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الاستفهام لإنكار الوقوع مع التنبيه الشديد، داخل على النفي ونفي النفي إثبات، والمعنى لقد علمتم أني أعلم من اللَّه ما لَا تعلمونه أنتم.
عندئذ أحسوا بجريمتهم الشديدة نحو أبيهم، إذ حرموه من ابنه سنين طوالا، وتركوه فريسة الشوق والحزن والأسى والبكاء مع الصبر الجميل من غير
стр. 5392
أنين لأحد من العباد، فاتجهوا إلى أبيهم يطلبون أن يستغفر لهم ربه
стр. 5393
(يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) لقد أحسوا بعظم الذنب، وهو أول طريق التوبة وندموا على ما فعلوا، وطلبوا المغفرة، وبذلك توافرت عناصر التوبة طلبوا من بعد ذلك أن يطلب أبوهم المغفرة؛ لأنه مع الذنب العظيم هو المجني عليه، وهم يطلبون مرضاته، وفتح قلبه لهم وهو القريب إلى اللَّه، ولذا لجأوا إليه، وعبرواب (إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) آثمين غير مدركين سوء المغبة.
فأجاب الأب الشفيق النبي الكريم:
стр. 5394
(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)
ما فارق يعقوب نبي اللَّه حنانه على أولاده جميعا، وإن كان يخص يوسف وأخاه بفضل من المحبة لصغرهما، وحاجتهما إلى العطف الأبوي ثم زادته غربة يوسف وجدا عليه ومحبة وشفقة، ولذا لم يلمهم، ولم يذكر ماضيهم معه، ومع أخيه، بل وعدهم وعدا مؤكدا بأنه سيستغفر لهم فـ (سوْفَ) لتأكيد الاستغفار المستمر في المستقبل (لَكُمْ)، واللام لام الاختصاص، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وأكد لهم الغفران بوصف اللَّه تعالى بأنه الغفور، أي الكثير المغفرة وصف للذات العلية، وأن ذلك الغفران من رحمته، والرحمة شأنه وصفته الدائمة.
كان يوسف عندما طلب أن يوضع القميص على وجه أبيه ليرتد بصيرا طلب أن يأتوهم بأهله أجمعين ليكونوا معه في عزة الحكم، وإن الكريم عندما يجتمع أهله بعزته ينال متعتين: أولاهما متعة العزة الحلال العادلة لنفسه، ومتعة مشاركة أهله له في العزة والسلطان؛ تلك هي الفطرة.
استجاب إخوته أو من جاءوا إليه منهم لرغبته، وأتوا بأهله، وفيهم الأبوان الكريمان،
стр. 5395
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)
رحب بهم جميعا، وخص أبويه بفضل ترحيب، لما قاسا من الهول في
стр. 5396
غيبته، ولأنهما الأبوان، وهما أحق الناس بالإحسان، و (آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) هنا معناها ضمهما، وأسكنهما في مسكنه ليتمكن من رعايتهما وحسن القيام على شئونهما، وليستمتعا بقربه بحد طول فراق، (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)، ودخول مصر منصبٌّ على الأمن، أي ادخلوا حال كونكم آمنين بمشيئة اللَّه من الخوف والقحط والشدة، أو أن سيدنا يوسف استقبل قبيله شوقا ورغبة في اللقاء خارج الأمصار، ثم قال: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) مطمئنين تجدون سهلا وأهلا وعزة وكرامة، وفي القصص إنها لم تكن أُمَّه بل كانت خالته، وسميت أما كما يسمى العم أبا، ونقول: إن تعبير القرآن هو الصادق حتى يقوم الدليل على خلافه.
стр. 5397
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ... (١٠٠)
إن السجود هنا ليس سجود الصلاة، وإنما هو تقديم الطاعة والخضوع للحكم والسلطان، ويصح أن نقول: إنه تحية وتكرمة لصاحب عرش مصر وهو يوسف، والخر - ومعناه الانحناء خضوعا وتكرمة وتحية.
وقال بعض المفسرين: إن الضمير في (لَهُ) يعود على يوسف، والمعنى وخروا ساجدين للَّه شكرا على النعمة التي أنعمها على يوسف، وأن صاروا في رحابه، وذلك معنى معقول في ذاته.
وقال بعض المفسرين: إن الضمير في (لَهُ) يعود لِلَّهِ تعالى، والمعنى خروا ساجدين للَّه كأنهم يصلون صلاة شكر للَّه تعالى، والمعنيان الأخيران نميل إليهما، ولا مضاربة بينهما، بل السجود فيهما للَّه.
أخذ يوسف يستمتع بالحديث مع أبيه، ويثيران ذكريات طيبة، (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
стр. 5398
قص يوسف على أبيه ما أصابه من شدة، ولكنه ذكر النعم التي أعقبت النقم، ذكر خروجه من السجن، ولم يذكر دخوله، (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) وذكر تأويل الرؤيا وغايتها، ولم يذكر ما كان بعد الرؤيا، وكان مستمتعا بنعمة الأبوة إذ يناديه (يَا أَبَتِ) وفيها ياء المتكلم قلبت تاء، حتى كان اللفظ نداء محبة.
ذكر اللقاء السعيد في هناءة وسرور، فقال: (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) أي جاء بكم من بدو الصحراء حيث لأوائها وشدائدها، وقيظها وريحها الرعناء الساخنة إلى ريف مصر وخصبها.
فهو يذكر النعم، والنفس المؤمنة تذكر النعمة وتشكرها فكانت نفس النبي الصديق ذاكرة للنعمة غير مبينة للشدة، لأنَّ الأساس هو النتائج، لَا الوسائل.
ولم تذكر قضيته مع إخوته إلا بالإشارة غير عائدة باللائمة عليهم، بل يكاد لا يخلى نفسه من ملام، فيقول: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) أي أفسد ما بيننا من محبة وود وإخاء جامع، و (نَزَغَ) معناها نخس وأفسد من قولهم نخس الدابة فجمحت فألقت حملها، ولم ينسب الشر إلى إخوته، بل نسب النزغ بأنه بينهم مع أنهم المعتدون وهو البريء المجني عليه، ولكنه الكريم ابن الكريم، يريد أن يمحو العداوة بالمودة، وعبر بالأخوة الرابطة، فقال: (نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي)، ثم بين لطف اللَّه، وترتيبه الخير وسط إرادة الشر، فقال مثنيا على ربه بما هو أهله، (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ)، أي لطيف التدبير محكمه يجعل الخير من إرادة غيره، ويجعل من النقمة نعمة، ومن السيئة حسنة.
إذ لولا سيئة إخوته ما كانت أرداف الحسنات التي أسبغها اللَّه تعالى عليه، إنه هو العليم بكل شيء، العليم بمقدمات الأمور ونهاياتها الحكيم الذي يدبر كل شيء بمقتضى علمه الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ثم اتجه إلى اللَّه شاكرا له فضل نعمائه جملة وتفصيلا فقال:
منشئي والمنعم عليَّ بالوجود والإنسانية والمسرة في الشدة، والنجاة من كل ألم بفضلك وعنايتك.
(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ)، (قَدْ) هنا للتحقيق، وقال: (مِنَ الْمُلْكِ) ولم يقل الملك، لأن الملك كله لمالك الملك ذي الجلال والإكرام، والطول والإنعام، فما يملك الحاكمون ليس إلا ذرة من ملكه سبحانه، وهو ليس من جنسه، بل من جنس آخر، وهو ما يكون للعبيد في هذه ومتاعها، وهو قليل بجوار متاع الآخرة.
(وعَلَّمتَنِي من تَأْوِيلِ الأَحَاديث)، أي من معرفة مآل الأحاديث سواء أكانت رؤيا في المنام أم كانت أحاديث الناس فمعرفة أحاديث الناس، شعوبا ودولا وجماعات، من علم سياسة الدولة، وكيف يُدبَّر أمرها، وقال ﵇:، (مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)، أي علمه بعضها، لَا كلها، وفوق كل ذي علم عليم، فما علم كل سياسة الحكم، ومعاملة الناس، وما علم كل تأويل الرؤى، ولكن علم بعضه، وذلك من تواضع العلماء، أمام العلم العام.
ثم نادى ربه بأنه خالق الكون كله وانتقل من نعمته عليه إلى نعمته على الكون كله، فقال: (فَاطِرَ السًمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، أي مبدعهما على غير مثال مسبق فهو بديع السماوات والأرض.
ثم أعطاه الولاية كلها، أو اعترف بالولاية كلها، فقال: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)، أي أنت ناصري ومتولي أمرى في الدنيا والآخرة، توليتني
بحمايتك ورحمتك في الدنيا، فتولني بها في الآخرة، ثم قال ضارعا لربه، (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)، توفني إليك مخلصا الدين لك أنت وحدك، واجعلني في الصالحين من الصديقين والشهداء ومن ارتضيتهم يا رب العالمين.
* * *
стр. 5401
الاعتبار والاستدلال
قال تعالى:
(ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)
* * *
هذه قصة نبي اللَّه يوسف ﵇ كان القطب الذي دارت عليه القصة تلك الشخصية العالية، التي تغلبت عليها، وقد بينا أنها ليست قصة غرام، كما توهم ذلك بعض الذين خرجوا عن الإسلام بهذا الوهم الذي توهموا وبنوا عليه ما كفروا به، فقد حققنا أن ما يتعلق بغرام امرأة العزيز به ﵇، واستعصامه بأمر اللَّه ونهيه لَا يتجاوز ثماني آيات، كانت فيها المفاضلة بين الفضيلة والرذيلة، وإذا أضيف إليها إقرارها بأنها راودته عن نفسه تكون تسع آيات من إحدى عشرة آية.
وإن القصة - كما رأيت - صورت لك الغلام ينتقل من عز الأبوة الحرة الكريمة إلى الرق، ثم من الرق والسجن ينتقل تحت عين اللَّه تعالى وبصره إلى ملك مصر الذي كان يملكه فرعون وأصلح يوسف في الأرض، ونمى الخير،) ودبر به أمر البلاد، ولم يقل أنا ربكم الأعلى، بل قال أنا عبد اللَّه، ولم يقل مفاخرا
стр. 5402
(أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي)، بل قال شاكرا (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أنت لطيف لما تشاء، وإذا كانت مصر قد اشتهرت بحكم الفراعنة والاستبداد، فقد جاء حكم يوسف حكما صالحا، ليثبت اللَّه أن الإصلاح زرع طيب يربي النفوس، ويقوي العزائم حتى في أرض فرعون الذي طغى وبغى وأكثر فيها الفساد.
والسورة فوق ذلك تصور كثرة أسباب الرق وفوضاه، وتصور أسباب السجن ومظالمه، وتصور الحال الاقتصادية في مصر، والبلاد التي تجاورها، وكيف كانت مصدر الرفد لمن حولها، وغير ذلك مما ذكرناه في تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ)، الذين يبحثون عن حقائق الأمور ومآلاتها.
يقول تعالى:
стр. 5403
(ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ ... (١٠٢)
الإشارة إلى ما ذكر من أنباء كان يوسف قطبها، والخطاب فيه للرسول ليكون ذلك المذكور من نبأ يوسف تسلية لابن عمه محمد صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، يتسلى به إذ يرجو النصر، وإن كان الشرك هو الظاهر، فهذا غلام ملقى في الجب، ثم يباع ويشترى، وتنكشف الأمور بعد سجنه عن ملك عادل يسوس أخصب أرض الشرق نماء وثروة، إن من يحكم الأمور بتدبيرها ليس ببعيد عليه أن يخرجك من وسط بأساء قومك، إلى عز اللَّه تعالى:
(مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نوحِيهِ إِلَيْكَ)، الأنباء جمع نبأ، وهو الخبر الخطير ذو الشأن، و (الْغَيبِ) أي متلبسا الغيب؛ لأنه غائب عنك، وعن قومك، وما كان ليعلمه أحد من قومك، لأن أحداثه ليست في بلاد العرب، وما كانت في أرض مجاورة لبلاد العرب، بل في أرض غير مقاربة، ولا في إقليم كالعرب، بل في إقليم له تقاليد فرعونية طاغية، يقول حاكمها ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، فهو حاكم يُفْني الشعب في شخصه، ولا يفنى في شعبه، يظلم ويسيطر، ولا يعدل ويشاور.
стр. 5404
وإذا كانت غيبا بعيدا عنك وعن العرب فئهو وحي من الله (نوحيهِ إِلَيْكَ)، وقد أكد سبحانه أنه غيب عليه بقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ) وهذا فيه أمران: فيه استدلال على أنه بوحي من الله تعالى، وفيه تصوير لحالهم، وهم يمكرون ليغتصبوا أخاهم من أبيهم، (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ)، أي ما كنت عندهم حتى تعلم حالهم إذ تكون مختلطا بهم متعرفا أمرهم، (إِذ أَجْمَعوا)، أي إذا عزموا أمرهم على رميه في غيابة الجب، ويقال. أجمع أمره، إذا اعتزم الأمر جازما من غير فكاك، وهم يدبرون بمكر سيئ على أخيهم، وعلى أبيهم.
هذا أمر فيه عبرة، وفيه بيان آن هذا القرآن ليس من عند محمد صلى الله تعالى وسلم، بل هو من عند الله علام الغيوب وكان عليهم أن يصدقوا به، ولكن لَا يرجى تصديقهم، ولكن يرجى الغلب عليهم، وجعل كلمة الذينِ كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، ولذا قال تعالى:
стр. 5405
(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
(الواو) واصلة هذه الجملة بسابقتها، وحي تشير إلى أنه مع كثرة الأدلة التي توجب الإيمان وتضافرها فإن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين، وما المراد بالناس، أهم كل من يشملهم اسم الناس من عرب وعجم، وبيض وسود، وصفر وحمر؟ أم المراد أهل مكة، ومن يشبههم من المشركين.
وعلى أن المراد بالناس أهل مكة، وما أكثر الناس ولو حرصت على إيمانهم بمؤمنين لك ومسلمين بهذه الأدلة، إلى حين، حتى تصير كلمة الله هي العليا، فإنه بعد مكة صار أكثر الناس مؤمنين، وكان منهم أبطال الجهاد والإمرة شيء الجيوش، فكان منهم أمثال خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، فيكون النفي، وإن كان ظاهره العموم فإنه مقيد بالزمان، فإن شمل عموم المكان لَا يشمل عموم الأزمان.
стр. 5406
وإن أردنا الناس جميعا عربا وعجما، فإن الحقائق الواقعة أن أكثر الناس لا يؤمنون، فالنصارى المثلثون والبوذيون غير الوحدين، والبراهمة الكافرون، أضعاف المسلمين، فالآية صادقة.
ونحن نرى أن الناس هم مشركو مكة، لقوله تعالى: (وَلَوْ حَرَصْتَ) فإن هذا يدل على أن الناس هم الذين كان النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم يعاصرهم، ويرجو إيمانهم، ويحرص عليه، حتى قال اللَّه تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. . .).
وقوله تعالى: (وَلَوْ حَرَصْتَ) تدل على رغبة النبي ﷺ ، حتى قال اللَّه تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسكَ أَلًا يَكُونُوا مُؤمِين).
وقوله (بِمُؤْمِينَ) الباء لتأكيد النفي، وقد نفَى الله عنهم وصف الإيمان الذي يوجب عليهم الخضوع والتسليم، وذلك لأن النفوس قسمان نفس تؤمن بالحق وتذعن له إذا جاءها دليله، وهي التي خلصت من أدران الفساد، ومطامع الشيطان، وقليل ما هم، ونفس دُرّنَتْ بالفساد، والعناد، وجمحت بها الأهواء والشهوات، فتحكم فيها الشيطان، وهذه لَا تؤمن، ولا يقنعها إلا مقامم من حديد، والحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وهؤلاء تكون حربهم لتمكين غيرهم من حرية الرأي ثم الإيمان، كأمثال أبي لهب وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وغيرهم من لهاميم (١) قريش الذين كانوا يؤذون المؤمنين، ويفتنونهم عن دينهم الذي ارتضوا، ويسخرون منهم، سخر اللَّه منهم.
وإن هذه الدعوة إلى اللَّه التي يقوم بها محمد صلى اللَّه تعالى عليه وسلم هي تبليغ من اللَّه لَا يريد بها ملكا، ولا سلطانا، ولا رياسة، ولا مالا، ولا أي أجر من الأجور التي اعتاد الناس أخذها في دعاياتهم، ولذا قال تعالى:
стр. 5407
(وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)
الضمير في (عَلَيْهِ)، يعود إلى أنباء الغيب والقرآن، والتبليغ بهذا الدين، وما تسألهم على هذا التبليغ بهذه الأنباء وبالوحدانية، لَا تسألهم أي أجر، فـ (مِنْ) لبيان عموم النفي لَا تسألهم أي أجر من أنواع الأجور، لَا تسألهم رياسة، ولا إمرة ولا شيئا من هذه الأمور الدنيوية، ولقد عرضوا على النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم الأمر والسيادة، وقالوا إن أردت سَوَّدْناك، وعرضوا عليه الأموال، ورضوا بأن يعطوه كل جاه ومال، وأن يتركهم وما يعبدون، ولكنه حَقَّر ما يرضون بجوار ما يدعوهم إليه من التوحيد، وعدم الشرك.
بل قال اللَّه تعالى في رد ما يعرضون (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ للْعَالَمِينَ)، (إِنْ) هي النافية والضمير يعود إلى التبليغ وما يتضمنه من القرآن الكريم، وقصصه الحق الموحى به، ليس هذا إلا تذكير للعالمين، لأهل العقل في هذه الدنيا. ثم بين أن آيات اللَّه الدالة على وحدانيته كثيرة، فقال تعالى:
стр. 5408
(وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)
(وَكَأَيِّنْ) بمعنى كم الدالة على كثرة العدد، وعن سيبويه أن (كَأَيِّنْ) هي (أيّ) بالتنوين، ودخلت كاف التشبيه وبنيت معها، فصارت في الكلام في معنى (كم)، ولا يهمنا أصلها النحوي، إنما يهمنا أنها للكثرة في العدد، والآية هي الأمر الدال على قدرة الله تعالى في الكون في السماء والأرض، وعلى قدرته على العصاة، وأماكن هلاكهم بما عثوا وأفسدوا، ورسومهم دالة على هلاكهم، وأن اللَّه بدل بهم غيرهم، ولم يضروه شيئا.
وأنهم ليمرون على هذه الآيات، وهم عنها معرضون غير ملتفتين إلى ما فيها من عبر، فالكون كتاب فيه الدلائل على الوحدانية، والأرض كذلك، وفيها عبر من آثار العصاة.
стр. 5409
وقال ابن كثير في هذا: " عبر تعالى عن غفلة الناس عن التفكر في آيات اللَّه، ودلائل التوحيد بما خلقه في السماوات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات، وكم في الأرض من قطع متجاورات وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوان ونبات، وثمرات متشابهة، ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالبقاء والصمدية للأسماء والصفات " (١).
نقلنا هذه الكلمة مع طولها وسجعها المتكلف، لعموم ما تشير إليه من آيات اللَّه تعالى في السماء والأرض.
وإن العرب كان فيهم إيمان باللَّه، كانوا يؤمنون بأنه الخالق لمن في السماوات والأرض، وأنه هو المغيث، وأنه ليس كمثله شيء في ذاته وصفاته، ولكنهم مع هذا الإيمان بخلق اللَّه تعالى يشركون معه الأوثان في العبادة، ولذا قال تعالى:
стр. 5410
(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)
(أَكْثَرُهُم)، أي أكثر الناس، وما المراد بالناس هنا؟ أراد بهم العرب قبل ظهور الإسلام أم الناس أجمعون؟ لَا مانع من إرادة أحد العرضين أو إرادتهما معا بمعنى شمول الكلمة لكل ما تدل عليه من ناس عرب وعجم.
على الفرض الأول يكون في هذا النص السامي بيان حقيقة تاريخية تومئ إلى حكمة بعث النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم في العرب ابتداء، وعموم دعوته من بين صفوفهم من بعد (. . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .)، ذلك أن العرب من شعوب الأرض كانوا يعلمون اللَّه، ويؤمنون بأنه الخالق لكل شيء وأنه واحد في ذاته وصفاته، ولكنهم مع ذلك يعبدون الأوثان مع اللَّه ، وكانوا في تلبيتهم في الحج، يجمعون بين الإيمان باللَّه الواحد الأحد
стр. 5411
وإشراك غيره معه، ففي الصحيحين: أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك (١)، وفي صحيح مسلم: أن النبي ﷺ كان سمعهم قالوا لبيك اللهم لبيك، قال ﵊: " قَد قَد "، أي حسب حسب لَا يزيدون على هذا (٢).
وإنهم كانوا في الشدة لَا يستغيتون إلا باللَّه لعلمهم بأنه وحده الخالق المغيث، ولكنهم يشركون به غيره في العبادة، ولقد كانوا بهذا أقرب إلى التوحيد من غيرهم، فليس على الداعي إلى الوحدانية إلا بطلان عبادتهم للأوثان وقولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى، فاللَّه قريب من عباده (. . . ادْعُونِي أَسْتَجِب لَكمْ. . .)، وما لهم عنده من شفعاء.
هذا على منطق أن الناس المراد بهم عرب الجاهلية، وعلى الفرض الثاني والثالث يكون المعنى أن أكثر الناس تعتريهم حال إشراك مهما أخلصوا التوحيد للَّه تعالى، فالأوهام تسيطر على الناس وقد تأدت بالوثنيين إلى عبادة الأوثان، ولكنها بالنسبة لمن جاء بعدهم تأدت بهم إلى أوهام حول الأشخاص، لم يعبدوهم ولكن اعتقدوا فيهم قوى خفية، وإن آمنوا بأنهم مخلوقات، وأنهم بشر.
وإن أظهر ما يكون ذلك في الرُّقي، روي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ خبر روته امرأته زينب قالت: كان عبد اللَّه إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح كراهة أن يهجم على أمر يكرهه، وإنه جاء ذات يوم، فتنحنح، وعندي عجوز ترقيني، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جانبي، فرأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا الخيط؟، قلت: خيط رُقِي لي فيه، فقال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: " الرقى والتمائم شرك " (٣).
стр. 5412
ولقد كانت رقية النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم الخالية من الشرك:
" اذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشاف، لَا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لَا يغادر سقما " (١).
وروي أن رقية النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم كانت بالمعوذتين: قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها وقل أعوذ برب الناس إله الناس إلى آخرها (٢).
وفى الحق إن الأوهام التي تسيطر على الناس من ناحية الغيب دفعت النصارى إلى التثليث، وهو شرك، ودفعت المشركين من العرب إلى عبادة الأوثان.
والآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى الحرص على التوحيد، وتفويض الأمر إلى اللَّه تعالى، وأن يبعدوا عن الأوهام المضلة، فلا يعتقدون في مخلوق أن فيه قوة تشفي، أو تنفع، فإن الأوهام أدت إلى الشرك في جاهلية العرب وأدت النصارى إلى التثليث، ولا تزال الأوهام تسيطر عليهم حتى تأدت بهم إلى عبادة الأحجار والصور والتماثيل.
* * *
سبيل الله
قال تعالى:
(أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)
стр. 5413
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
* * *
إن من يخدعه الشيطان يكون في لهو عن مستقبله يستغرقه حاضره اللاعب اللاهي، ولا يتخذ من الماضي لغيره أو له عبرة يتعرف بها المستقبل، بل هو ساه في لهو لَا يفكر في أمر مستقبله، كأنه أمنه واستقر على ما يجيء به، ولذا قال تعالى في المشركين الذين استغرقهم حاضرهم وما هم فيه:
стр. 5414
(أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ منْ عَذَابِ اللَّهِ) (الفاء) مقدمة عن تأخير؛ لأن الاستفهام له الصدارة دائما، أو الهمزة داخلة على فعل مناسب محذوف دل عليه ما بعده، ألَّهوا وأشركوا وعبثوا (أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عذَابِ اللَّهِ)، أي أي غاشية من الغواشي التي تكون من عذاب، فتعمهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وكأنها ثياب تغشاهم وتعمهم، وتكون سابغة عليهم، ولهم في ذلك العبر من الأمم العربية التي كفروا بأنعم اللَّه فجاءتها ريح صرصر عاتية، أو جعل اللَّه تعالى عاليها سافلها أو دمر اللَّه عليهم، كما قال تعالى فيهم: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧).
стр. 5415
(أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، إما أن تأتيهم نقمة تخصهم لكفرهم وغيهم وفسادهم في الأرض، وإما أن تأتيهم القاضية، وهي ساعة القيامة، وسمي يوم القيامة ساعة، لأنه يتم بين غمضة عين وانتباهتها، وفي هذا إشارة إلى أن أعمال الكافرين أعمال من يظن الحياة الدنيا دائمة، ولا يترقب يوم القيامة وما وراءه، وقوله تعالى: (وَهُمْ لَا يشْعُرُونَ) بإقبالها، وقوله: (بَغْتَةً) إشارة إلى أنها تفجؤهم من حيث لَا يحتسبون ولا يتوقعون، بل هم في غيهم مستمرون.
وإن اللَّه تعالى أمر نبيه بأن يدعوهم إلى الحق غير مبال بإنكارهم وعنادهم، وإنه مستمر في دعوته لَا ينى عنها أبدا.
стр. 5416
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)
أمر اللَّه تعالى نبيه بأن يبلغهم أمره فقال: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي) الإشارة هنا إلى ما يدعوهم إليه من التوحيد في العبادة، وألا يشركوا باللَّه شيئا، وأن يؤمنوا بالبعث والنشور، وأنهم يموتون كما ينامون، ويحيون كما يصحون، ومن ذلك تكون الجنة أبدا أو النار أبدا، فهذه الدعوة " هى سبيلي " التي أسلكها، لَا أحيد، وماضٍ فيها، وأدعو إليها، أنا مستمر في الدعوة إلى أن يقبضنى الله تعالى (وَمَنِ اتًبَعَنِي) يحملون عبء التكليف بهذه الدعوة والسير في سبيلها غير وانين ولا مقصرين.
وهذا يدل على أن الدعوة إلى اللَّه فرض على المؤمنين كل يقوم بواجبه فيها، الدولة الإسلامية تهيئ دعاة إلى الحق، ويختلف الوجوب علوا ودرجات باختلاف الجماعات والآحاد من حيث العلم والثقافة والقدرة على القيام بحق الدعوة، وقوله تعالى: (عَلَى بَصِيرَةٍ)، أي على علم بالحق وحجته ودليله، وهذا يدل على وجوب علم الداعي، وأن يكون له بصيرة نافذة يدرك الحق ويعلم نفوس الناس، وما يجب اتباعه لدعوتها.
стр. 5417
ويقول: (وَسُبْحَانَ اللَّهِ) أنزهه عن الشريك، وأسبِّح له خاضعا خاشعا، أرجو رحمته وأخاف عذابه، وكل من في الوجود يسبح له: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ. . .)، وقوله تعالى: (سُبْحَانَ اللَّهِ) تنزيه مطلق، وخضوع للَّه تعالى من الرسول، ومن الوجود كله، ثم أيأسهم من أن يكون مثلهم فأمره بأن يقول:
(وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) إن استمررتم على شرككم فأنا بريء منكم، وإن هذه السبيل هي سبيل النبيين أجمعين بعثوا بها في أقوامهم، ودعوهم إليها، وإن النصر من اللَّه لهم: لأنهم أصحاب دعوة الحق، ولذا قال تعالى:
стр. 5418
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)
هذه الآية بعد قوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي) تدل على أن التوحيد، وتنزيه اللَّه تعالى رسالة النبيين أجمعين، فهي تدل على ذلك، وتدل ثانيا، على أن النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم لم يكن بدعا من الرسل، بل سبقه بهذه الدعوة أنبياء سابقون. وتدل ثالثا على أن رسالة اللَّه إلى خلقه تكون برجال يدعون بها، لا بملائكة، وذلك رد على قولهم: (. . . مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُل الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ. . .)، وعلى طلبهم أن ينزل عليهم ملك يخاطب برسالة اللَّه، وقد قال تعالى في الرد عليهم (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ).
وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ. . .)، وقال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكلُونَ الطَّعَامَ
وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ).
стр. 5419
وهكذا كانت هذه الآيات الكريمات وغيرها تحمل الدلالات القاطعة التي ترد إنكارهم.
وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) ليس من أرسلناهم من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم أي أنهم ليسوا ملائكة، ولكن اتصالهم باللَّه تعالى بطريق الوحي يوحي إليهم بأوامره ونواهيه، وبعبادته وحده لَا شريك له، وقوله تعالى: (مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى) أي أن هؤلاء الرسل من أهل القرى، والقرى هي المدن العظيمة، وفي هذا بيان أمرين أحدهما: أن الرسول يكون من أهل المدن العظيمة، وثانيهما أنه يكون من قومه، عرفوه من أوسطهم، وأكثرهم أمانة وصدقا، كما قال تعالى في شأن النبي محمد صلى اللَّه تعالى عليه وسلم (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ منْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رحِيمٌ).
وكان رسل اللَّه من أهل المدن يبعثون فيها، ليكون الرسول على علم بأحوال الناس، وليكون معروفا بينهم مشهورا غير مغمور، يكون ذا مكانة من غير غطرسة فيهم، قبل النبوة، فتكون شهادة له بالصدق بعدها.
وقد بين اللَّه تعالى هذه الحقيقة، وهي أن الرسل من الناس، وليسوا ملائكة، وأنها معروفة بالعيان لمن سار في الأرض، وتعرف ديار الذين كفروا بالرسل، فقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) هذا النص السامي فيه برهان أن الرسل كانوا رجالا، وفيه إنذار لمشركي العرب بالمآل الذي يئولون إليه إذا استمروا على غيهم، وإنه إنذار يحمل في نفسه دليله، وبرهانه من الآثار والرسوم للذين هلكوا بسبب إنكارهم وكفرهم، وانتحالهم التعلات للعناد والإنكار.
وقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيروا) (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهي مؤخرة عن تقديم للاستفهام؛ لأن الاستفهام له الصدارة في البيان، والاستفهام
стр. 5420
للنفي، ونفي النفي إثبات، والمعنى لم تسيروا، وفيه تحريض على السير في الأرض ليروا عاقبة الذين من قبلهم، وأنكروا ولجّوا في الإنكار، وعاندوا مثلهم، فليعرفوا حالهم مما آل إليه أمر من سبقوهم.
مآلهم بعد ذلك في الآخرة أشد وأنكى وأدوم، وقد أشار إلى ذلك ببيان عاقبة الذين من قبلهم، فقال تعالت كلماته: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْر لّلَّذِينَ اتقَوْا) أي أنه سيصيبكم ما أصاب الذين من قبلكم، والذين اتقوا ينجون من العذاب الساحق الذي ينزل بالكافرين، وليست النجاة وحدها جزاءهم فذلك جزاء سلبي، والجزاء الإيجابي في الآخرة، ولذا قال مؤكدا (وَلَدَار الآخِرةِ خيرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا)، أي اتقوا غضب اللَّه، واتقوا الشرك، واتقوا العذاب، وغلبت عليهم في ذات أنفسهم التقوى والإيمان والإذعان للحق.
ودعاهم إلى التفكير، واستعمال عقولهم، فقال: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الفاء) كما ذكرنا لترتب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما قبلها من أحوال
الأمم، وما يكون يوم القيامة للأبرار يدعوهم إلى التعقل والتفكير، والهمزة للاستفهام الإنكاري الباعث على العقل والفكر، فإنه إنكار للدعوة إلى إعمال العقل، وتدبر مآلهم، واللَّه بكل شيء عليم.
وقد بين سنته في أعمال الرسول، ومآل الأمر حال يأسهم، فقال تعالت حكمته.
стр. 5421
(حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)
هنا كلام مقدر بما جاء بعد، و (حَتَّى) غايته، والمعنى أن الرسل جاءوا ودعوا وكُذبوا وحوربوا، وقل المؤمنون بجوار الكافرين وكانوا يسخرون من الذين آمنوا (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا).
стр. 5422
استيئس الرسل اعتراهم اليأس الشديد، واستولى على نفوسهم كأنهم طلبوه، وما طلبوه، وصارت حالهم يأسا، وصور صورة من يأسهم، فقال، (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) جال في روعهم أنهم كذبوا، ولم يعد مجال للإيمان أو النصر، وهنا قراءتان في (كُذِبوا) القراءة الأولى بالتخفيف والبناء للمجهول، وهي قراءة الأكثرين، والثانية بتشديد (الذال) للبناء للمجهول أيضا، وهي قراءة أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، وطائفة من القراء بعدها (١).
والمعنى على قراءة التخفيف كما جاء في مفردات الراغب الأصفهاني علموا أنهم تُلقوا من جهة الذين أرسلوا إليهم بالكذب، أي ظنوا أن الذين تَلَقَّوا عنهم أخبار الإنذار يظنون الكذب فيهم، وإليك نص عبارة الراغب ﵁: قوله تعالى: (حَتَّى إذَا اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَد كُذِبُوا) أي علموا أنهم تُلُقُّوا من جهة الذين أرسلوا إليهم بالكذب، فكذبوا نحو فسقوا، وزنوا - إذا نُسبوا إلى شيء من ذلك، والمعنى على هذا ظنوا أنه وقع في نفوس من يخاطبون كذب ما أنذروا.
أي أنه قد طال الأمد الذي أجلوه، حتى توهم الرسل أن الذين يخاطبونهم من المشركين قد وقع في نفوسهم كذب الرسل، واتخذوا من المطاولة في الزمن، أنهم كاذبون في إنذارهم، واتخذوا من طول الزمن دليلا على كذبهم. وعلى قراءة التشديد يكون المعنى أن الرسل قد استيئسوا حتى ظنوا أي علموا أنهم كذبوا فيئسوا من إيمانٍ غير من آمنوا، كما قال اللَّه تعالى: (. . . لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ. . .).
والظن هنا بمعنى العلم، أو بمعنى ما يعرض للبشر عند اليأس من خواطر تجعلهم يظنون في أمر المبعوث إليهم، ولننقل لك كلام الزمخشري في هذا، فهو يدل على نفاذ بصيرة في معاني العبارتين ومراميها من غير تهجم، ولا تقحُّم على
стр. 5423
المعاني قال: (وَظَنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم عنهم بأنهم يُنصرون، والمعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله، قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القنوط، وتوهموا أن لَا نصر لهم في الدنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب. وعن ابن عباس ﵄، وظنوا حين ضعفوا أو غلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم اللَّه من النصر. وقال: كانوا بشرا، وتلا قوله تعالى: (. . . وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ. . .)، فإن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشر، وأما الظن وهو ترجيح أحد الجائزين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل اللَّه الذين هم أعرف الناس بربهم، وإنه متعال عن خلف الميعاد، منزه عن كل قبح، وقيل: وظن المرسل إليهم بأنهم كذبوا من جهة الرسل، أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم.
وإنه بعد هذا التحليل نقول: إن أم المؤمنين عائشة ردت قول ابن عباس ﵄ وقالت: إن الرسل لَا يظنون باللَّه خلف الوعد.
وخلاصة القول أن نقول: إن معنى وظنوا أنهم قد كذبوا، على التخفيف والبناء للمجهول أن يظنوا أنه ألقى في نفوس المرسلين إليهم أنهم كذبوا في إيقاع العذاب بهم، وإن ذلك النطق نوع من هواجس الفكر البشري، وهي تتلاقى مع قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤).
وقوله تعالى: (جَاءَهُمْ نَصرنَا)، أي بغتة من حيث لَا يحتسبون، (فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ)، وهم الذين استقاموا على الطريقة واتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، (وَلا يُرَدُّ بَأسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرمِينَ) الذين اجتمعوا على الإجرام واتفقوا عليه، حتى كانوا قوما من شأنهم الإجرام واجتمعوا عليه.
* * *
стр. 5424
خاتمة
قال تعالى: في ختام هذه السورة التي بلغت أقصى غاية القصص بلاغة وبيانا، وعلما نفسيا وخلقيا، وبيانا للإرادة القوية، وكيف تصبر في مواطن الهجوم عليها بالأهواء الجامحة، والشهوات المنحرفة، والوفاء، والمحبة، والرفق في المعاملة، وعلاج الأمور بالحكمة، والتدبير، ولطف المواتاة للخير.
قال تعالى في ختام هذه السورة:
стр. 5425
(لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
القَصَص بالفتح: الإخبار عن الماضين، والقصص بالكسر جمع قصة، كقطع جمع قطعة، وغير ذلك، وقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)، قصر بعض المفسرين القصص على قصة يوسف ﵇، وبعضهم عممه على قصص الأنبياء جميعا، وعلى ذلك يكون الضمير في قصصهم يعود إلى الأنبياء الذين ذكرت أخبارهم في القرآن الكريم كنوح وإدريس وإبراهيم وموسى وعيسى، ولوط، ويوسف، ويعقوب، وعلى الرأي الأول يكون الضمير يعود إلى يوسف وأبيه وإخوته.
وقد رجح الزمخشري الثاني بعود الضمير إلى الأنبياء، وذلك لقراءة كسر القاف، إذ إنها تكون قِصصا، وليست قصة واحدة، وقصة يوسف واحدة، وليست قصصا متعددة.
ومهما يكن فإن قصة يوسف قصة واحدة، اختص بها يوسف ﵇، وهي أخبار متنوعة قُطبها يوسف ﵇، وفيها عبر مختلفة، فيها بيان لحال النفوس، وما يعروها من منازع، وما تعترك به من أهواء، وما في النفس من قوة إرادة وصبر للمهتدين، ونزوغ فاسد للضعفاء الذين ينساقون، وما فيها ما يحمي البيوت من آفات، وما يعروها من انحرافات، وفيها بيان لتدبير الجماعة، وتنظيم
стр. 5426
لاقتصادها، وإحكام، وإخلاص، وعدل، وبيان لما يجب من الادخار من سني الرخاء لسني الشدة، كما قال تعالى: (. . . فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُله إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكلُونَ).
وفى سورة يوسف صورة للحاكم العادل، تراها في أوصاف يوسف ﵇.
وأولى هذه الصفات البارزة قوة الإرادة، ومظهرها الصبر عندما تعتلج النفس بأسباب الشهوات.
وثانيها: الأناة، وأن يضبط نفسه عند الغضب، ولا ينساق وراءه، فالحاكم الذي يسير وراء الغضب يشط، ويظلم، وقد رماه إخوته بالسرقة كاذبين عليه، مغرضين عليه.
وثالثها: العناية بذوي الحاجات، ولو كانوا مؤذين له، أو سبق لهم منه الأذى كما عامل إخوته.
ورابعها: الثقة بالنفس، وطلب الأمر إن كان يصلحه، كما قال يوسف (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ) فلم يفرّ من تحمل التبعة عن بينة وجدارة واستحقاق، مع ذاكرة قوية مدركة، يعلم ما مضى وما حضر.
وخامسها: الإخلاص لِلَّهِ تعالى، وعبادته وحده، فلا يشرك، فتديّن الحاكم يجعله خاضعا للَّه.
وسادسها؛ أن يكون رفيقا في معاملة الناس شفيقا بهم، فهو كالوالي على اليتيم، يعطيهم من رفقه ورفده ما يدنيهم إليه، وهكذا كان يوسف حتى وهو في سجنه، فقد كان يناديهم، وهو في سجنه مع المسجونين بأنهم أحبابه وأصحابه، وإن من الشفقة والرفق العفو عندما توجد أسباب يداوى به الحسد والعداوة، فلا يجتث شيء الحسد والأحقاد كالعفو والمحبة وإدناء البعيد، وتقريب العشير، وكل ذلك كان في يوسف.
стр. 5427
وسابعها: التأني للأمور، وقد رأينا كيف أخذ الثقة في لين، ومن غير إعنات من العزيز، ظهر ذلك فيمن هو أعلى منصبا منه، وظهر في صغائر الأمور، كما رأيت في استبقائه أخاه من غير اقتتال، بل بوضعه السقاية في رحل أخيه من غير اتهام لشخصه، ثم أخذ الحكم من ألسنتهم، ونفذه بقولهم.
ثم من بعد ذلك أخذ الأمور بالتأني، حتى التقى بأبيه على مائدة الرحمة والمودة والإيثار، وقد قتل الحقد بالعفو، والغيرة بالمحبة، والضلال بالهداية.
وفي السورة عبر كثيرة، وقد ذكرنا بعضا منها في أول السورة في معاني قوله تعالى: (لقد كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوتِه آياتٌ للسَّائِلِين).
وقلنا: إن قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ) الضمير يعود إلى الأنبياء، وخصصنا نحن قصة يوسف ببعض ما يلوح منها من عبر، والعبرة والاعتبار الحال التي يعرف فيها، ما يجب عمله في الحاضر بالأخذ مما كان في الماضي بأن يتفكر ويتدبر ما كان في الماضي من وقائع، ويعلم أنه نور يضيء للحاضر، فالإنسان ابن الإنسان يتشابه في آثامه، ويتشابه في عواقبها ونهايتها، فذكر هذه الآرام لجماعة أو قبيل، وبيان العواقب بيان للعواقب في كل جيل لمن يقع فيها من أهل هذا الجيل الذي خلف الأول، ولذا كان في قصص الرسل إنذار للمشركين وتسلية للنبي والمؤمنين بأن نصر اللَّه آت، وكل آت قريب مهما يتأخر الزمان.
ويقيد المعتبرين بأن يكونوا من ذوي الألباب أي العقول التي تذهب في إدراكها إلى لب الأمور وحقائقها، ويتدبرون مباديها، ونهاياتها، ويبين اللَّه سبحانه أنه لم يكن حديثا يفترى ويخترع كأساطير الأولين (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) كمما قال الأفاكون أنها (. . . أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، والتنكير في - حديثا - لعموم النفي أي ما كان (حَدِيثًا) أي حديث يفترى ويخترع اختراعا لمجرد التسلية وتزجيه الفراغ،
стр. 5428
والتسلي المجرد، بالأحاديث، بل كان أخبارًا جاءت بها الكتب السماوية من قبل، ولذا قال تعالى: (وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أنه كلام فيه تصديق لما بينِ يديه من الكتب السماوية التي نزلت من قبله كالتوراة الصادقة، وقوله: (تَصْدِيق الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) فيه إثبات صدقه فيما أخبر، وصدقها فيما أخبرت به؛ لأن الصدر فيها واحد، ويعبر بكلمة (بَيْنَ يَدَيْهِ) في القرآن بما سبقه، وكأنه بعلمه حاضر بين يديه.
لقد ذكرها النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، وقال إنها من القرآن، وهي موافقة للصادق من الكتب عند اليهود والنصارى ومبينة للزائف منها، وكان ذلك على لسان رجل لَا يقرأ ولا يكتب، وفي قوم أميين ليس عندهم علم ولا معاهد للعلم، وما كان كثير النجعة والارتحال، بل لم يعرف له إلا رحلتان إلى الشام، إحداهما في الثانية عشرة، والثانية في الخامسة والعشرين من عمره.
والضمير المستتر في قوله تعالى: (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) عائد إلى القصص، وهو مصدق لما جاء في الكتب السابقة، ودليل على صدق النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، وفيه هداية ورحمة لقوم من شأنهم الإيمان بالحق إذا جاءهم فالقصص فيه هداية لأن فيه دعوة النبيين وعاقبة المكذبين، وفيه رحمة لتجنيب المؤمنين عاقبة الكفر.
ويصح أن يكون الضمير عائد إلى القرآن الكريم المشتمل على القصص فهو في ذاته هدى، لأنه من عند اللَّه، وهو رحمة، لأن الهداية رحمة، وخص ذلك بالذين يؤمنون ويذعنون للحق إذا جاءهم، (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) أما من لَا يذعنون ولا يؤمنون فهم قوم بور.
* * *
стр. 5429
(سُورَةُ الرَّعْدِ)
تمهيد:
سورة مدنية، وعدد آياتها ثلاث وأربعون آية، وسميت " سورة الرعد " لقوله تعالى فيها: (وَيُسَبحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ. . .) ولو سُميت الكون والهداية لكانت التسمية محكمة.
وقد ابتدأت بالحروف المفردة (المر)، وأعقبها بإشارة إلى القرآن الكريم: (وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ).
ثم بعد ذلك بيّن اللَّه ما في الكون مما يدل على قدرة القادر ووحدانيته، فاللَّه هو الذي رفع السماوات بغير عمد مرئية، ولكن عدم رؤيتها لا ينفي وجودها، وسخَّرَ الشمس والقمر كلٌّ يجري لأجلٍ مسمى، فسبحان الذي يدبِّر الأمر يفصِّل الآيات لعلهم بلقاء ربِّهم يؤمنون.
وهو الذي مدَّ الأرض وبسطها، وجعل فيها جبالا رواسي، وأنهارا وجعل من كلِّ الثمرات، ومن كل من الحيوان وكل الأحياء زوجين اثنين، وجعل الليل والنهار آيتين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وجعل في الأرض قطعا متجاورات وجنات من أعناب، وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان، يسقى بماء واحد، ومع أنها متجاورة وتسقى بماء واحد، يفضّل اللَّه بعضها على بعض في الأُكُل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون.
وإن هذا الكون وما فيه يدل على أن الذي قدر على خلق الإنسان قادر على إعادته، كما بدأكم تعودون، (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)
стр. 5430
وقد استرسلوا في إنكارهم النبوات، والعث، وإذا أُنذروا بالعذاب واستعجلوه إمعانا منهم في الإنكار، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦).
وإنهم لينكرون المعجزات التي جاءت داتة على رسالة الرسول الذي أُرسل إليهم، ويتجرءون على اللَّه باقتراح معجزات، وينكرون أن يكون غيرها آية (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧).
ثم يبيّن سبحانه إحاطة علمه، (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ. . .)، ينشئ كل ذلك، ويرونه عيانا ومع ذلك يجادلون في شأن اللَّه تعالى (. . . وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ).
ويبين اللَّه تعالى الحقائق التي يجب أن يذعن لها المؤمن، (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)، وبين بعد ذلك أن كل ما في الوجود ومن في الوجود خاضع له بمقتضى التكوين طوعا وكرها، ونبّه سبحانه إلى أنه خالق السماوات والأرض فسألَهم (. . . مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. . .) ووبخهم على اتخاذهم آلهة من دون اللَّه (. . . قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي