(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)
دفعوا التهمة أولا بأن المصريين الذين يطيفون بالعزيز علموا علما مؤكدا بحسن نيتهم، وأنهم ما جاءوا ليفسدوا في الأرض، والسرقة
стр. 5357
والاغتصاب وأشباهها من الفساد في الأرض، وما كانوا ليفعلوه، وَمَن حول يوسف يعلمون ذلك علم اليقين.
وثانيا بأن السرقة لَا تليق بهم، وليس من شأنهم، ولذا قالوا: (وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ)، أي ما كان شأننا ولا من خصالنا أن نتصف بوصف السرقة.
وقد أكدوا نفي التهمة بالقسم، وباللام، وبأن ذلك لم يكن مقصدهم ولا غايتهم.
لم يقبل من كان يتهمونهم ذلك النفي المجرد، ولا أن يكتفوا بهذا الاتهام المجرد، بل أردفوا الأمر بالتحري
стр. 5358
(قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)
أومأوا إليهم بالتحري، وسألوهم الجزاء لمن وجد الصواع في متاعه، ليكون الجزاء به برضاهم، ولا يكون فيه غمط لهم أو تجاوز للحد، أو الشطط في زعمهم.
стр. 5359
(قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)
أي جزاء هذه السرقة التي يستحقها من سرق، من وجد في رحله، فالسارق هو الجزاء، ويظهر أن ذلك مبدأ كان معروفا، وهو أن السارق يكون جزاء للمسروق بأن يملكه المسروق منه، ويكون عبدا له، ولذا قال عنهم: (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)، أي كهذا الجزاء نجزي الظالمين. وإن استرقاق الأحرار في نظير المال كان مبدأ مقررا في بعض عهود القانون الروماني الذي جاء بعد ذلك بعدة قرون.
عَدُّوا الحكم على السارق إن كان، وهو أن يسترقّ في نظير ما أخذ، فأخذوا يبحثون في الأمتعة،
стр. 5360
(فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ... (٧٦)
أي أنه بمقتضى الحكم الذي قرروه أن يكون أخوه حبيسا رقيقا عند العزيز ومن معه، وذلك مبتغى يوسف، لأنه يريد أن يحتجز أخاه عنده مكرما غير مهين، وتم له بذلك ما أراد. وذلك بتدبير اللَّه تعالى، ولذلك قال تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا ليُوسُفَ) أي كدنا ليوسف هذا التدبير، أي دبرنا ليوسف مثل ذلك التدبير
стр. 5361
(مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ودين الملك سلطانه وقدرته، وقوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ) نفي للشأن: ما كان من شأنه أن يأخذ أخاه عدلا في سلطان الملك إلا أن يشاء اللَّه بأن يجري على ألسنتهم ذلك الحكم، وهو أن يكون جزاء صواع الملك رق أخيه.
ويبين اللَّه تعالى عدالته العامة في الناس (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) أي نرفع درجات ومنازل في العلو من نشاء، وقد رفعنا يوسف فوق إخوته، حتى احتاجوا إليه، ومدوا أيديهم طالبين منه الميرة والعون، وأعطيناه الملك والعزة والحلم وتدبير شئون الدولة، حتى صارت تمد غيرها، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) وما من علم بتدبير الأمور إلا فوقه علم اللَّه تعالى وهو فوق كل علم، وقد أحاط بكل شيء علما.
* * *
الرجاء واليأس والماضي
(قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ
(إِن يَسْرق فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لهُ مِن قَبْلُ) وإذا كانوا قد سلموا بالسرقة، لأنهم قامت لديهم الظاهرة الدالة عليها، فلماذا كان الافتراء علئ أخيه، وهم الذين سرقوه من أبيه، وألقوه في الجب، ولكنه الحقد والحسد لم يقتلهما الزمان، وأسرَّ ذلك يوسف في نفسه، ولم يبدها لهم، كَرَما وهو القوي المسيطر ولكنه ليس جبارا، وليس حانقا، لأن اللَّه جعل النتيجة خيرا ونعمة له، وكانت بحكم اللَّه تعالى التمهيد لذلك السلطان، فكيف ينتقم وإذا كان دم يُبْدِ ما أسر فإنه وصنمهم بوصفهم الحقيقي، وقال ما هو نفي للسرقة عن أخص ونفسه (قال أَنتم شَرٌّ مكانًا)، أي أنتم شر منزلة عند اللَّه لأنكم سرقتم أخاكم، وصنعتم السوء من غير جريرة من أبيكم ولا أخيهم، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) علما ليس مثله علم (بِمَا تَصِفونَ)، ولو كانوا يعلمون أنه أخوهم يوسف لأدركوا المغزى والمرمى من القول، ولكنهم لم يعلموا، ولم يتوهموا أن يكون هو يوسف والضمير في (فَأَسَرَّهَا) يعود إلى الفرية أو الكلمة.
стр. 5364
وبعد أن افتروا ذلك الافتراء إشباعا لنهمة الحقد أخذوا يستعطفون يوسف، ويثيرون عوامل الرحمة في نفسه
стр. 5365
(قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)
ونادوه بالمنصب مهابة وإجلالا، وتقربا، وذكروا حالهم، وهو أن له أبا شيخا كبيرا قد تعلق به، وإن أي واحد منهم قابل لأن يكون في الرق مكانه، ولكن يوسف ﵇ لَا يريد أحدا غيره؛ لأنه حبيبه في باطن الأمر وفي ظاهره هو السارق، ويتخذ من الظاهر ذريعة إلى تحقيق الباطن، فباسم الظاهر يقول لإخوته: لَا نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، فلا نأخذ غيره بجريرته، إنا إذا لظالمون، أي إنا معشر الحاكمين نكون إذن ظالمين، إذا أخذنا مكان الجاني غيره، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وكل امرئٍ بما كسب رهين، وقد أكد الحكم بالظلم على من يأخذ بدل الجاني.
ويلاحظ هنا أمران:
الأمر الأول: أن ينبوع الشفقة على أبيهم أخذ ينبع من قلوبهم، فقبلوا أن يكون أحدهم في الرق بدل أخيهم المحسود، رفقا بأبيهم، وللعهد الذي أخذ عليهم.
الأمر الثاني: أنهم نادوا يوسف بأنه العزيز، ويستفاد من الكلام أنه آل إليه أمر مصر، ويؤيد هذا أن أخبر اللَّه بعد ذلك أنه استولى على العرش.
يئس الإخوة من أن يرجعوا بأخيهم إلى أبيهم، وقد صاروا في حيرة من أمرهم، ودفعتهم الحيرة إلى أن تعود قلوبهم إلى ما كانت عليه، ولذا قال تعالى عنهم:
стр. 5366
(فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ... (٨٠)
أي انفردوا متناجين، ونجيا مصدر، والمصدر يستعمل في معنى الجمع، وفي تناجيهم قاد كبيرهم: (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ) الاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الوقوع، ونفي النفي إثبات، والمعنى أنه عنفهم في قوة قائلا لقد علمتم أن أباكم أخذ عليكم عهدا موثقا بأيمان اللَّه، (وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ)، أي من قبل إذ
стр. 5367
فرطتم في يوسف، وألقيتموه في غيابة الجب، وهذا الكلام يدل على أن أخاهم الأكبر لم يكن راضيا عن فعلتهم مع يوسف، ويؤكد صدق الرواية التي تقول: إنه كان غائبا، إذ فعلوا فعلتهم مع يوسف، وأنه حاول أن يستعيده ويخرجه من الجب، ولكن السيارة كانوا قد أخذوه.
أبدى الكبير العهد، وأبدى استنكاره لتفريطهم في يوسف، وعبر عن فعلهم بأنه تفريط في حق الأخوة، واستهانة بالواجب نحوها، سيرا في طريق الحقد، والغي، (فَلن أَبْرَحَ الأَرض)، أي مصر، (حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يحْكُم اللَّهُ لِي وهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين).
ولكن كما أشرنا انبعث فيهم ما كان قد اختفى من نفوسهم الحاسدة، فقالوا في نجواهم:
стр. 5368
(ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)
يتضمن هذا الكلام الذي حكاه اللَّه تعالى عن سائر الإخوة مُفْرِدًا الكبير بكلام عاطف نابع من النفس اللوامة، وكلامهم هذا يشير إلى معانٍ:
المعنى الأول: أنهم استهانوا بالأمر، وأن الأمر لَا يتجاوز أن ابنه سرق، وما عبروا بأنه أخوهم بل بأنه ابنه، وهي نغمة الافتراق الحاسدة.
المعنى الثاني: أنهم لم يقولوا اتهم بالسرقة، بل يقولون: إنه سرق، مؤمنين بذلك مستوثقين ومؤكدين، وذلك من بقايا حسدهم وحقدهم عليه.
المعنى الثالث: أنهم يؤكدون سرقته بثلاثة أمور:
الأمر الأول: شهادة القرية التي كانوا فيها وهي المدينة العظيمة بمصر.
الأمر الثاني: شهادة العير التي كنا فيها.
стр. 5369
الأمر الثالث: تأكيد صدقهم، وكل هذا من انفعال نفوسهم بالحقد الدفين على يوسف وأخيه.
ذهبوا إلى أبيهم، وقالوا تلك الكلمات التي تنبئ عن حقدهم، ولذا لم يصدقهم الأب الشفيق، ورد كلامهم قائلا:
стр. 5370
(قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)
رد عليهم في أمر أخي يوسف، كما رد عليهم في أمر يوسف، وَ (بَلْ) هنا للإضراب برد كلامهم، وعدم تصديقه، و (سوَّلَتْ): معناها حسَّنت لكم أنفسكم أمر سوء، وإذا كان ذلك حقا في أمر يوسف فهو ظن في هذا الموضوع سوغه له ماضيهم مع أخيه، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)، أي فأمري، أو فصبري لَا أنين فيه ولا شكوى لأحد من الناس.
ولكن الرجاء في رحمة اللَّه سابق إليه دائما، ولذا قال؛ (عسَى اللَّهُ أَن يَأْتيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا)، أي بيوسف وأخيه، ولعله قد انضم إليهم أخوهم الأكبر الذي لم يشترك في تفريطهم في يوسف ولامهم بعد عودته، وكان غائبا وقد أكد رجاءه بأن يأتوا إليه مجتمعين غير متفرقين.
وختم اللَّه الآية الكريمة، بما يقوى رجاءه (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) الضمير يعود إلى الله تعالى الحاضر في الألسن المؤمنة دائما، العليم
الذي يعلم كل شيء، لَا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، الحكيم الذي يدبر الأمور بحكمته وعلى مقتضى علمه الواسع.
* * *
الأب الحزين الذي ابيضت عيناه من الحزن
قال تعالى:
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)
стр. 5371
قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)
* * *
زاد أباهم حزن إلى حزنه، لما عادوا إلى أبيهم من غير ابنه، فنكئوا جرحه القديم على يوسف، ولقد صور اللَّه تعالى حاله عندما أنهوا إليه خبر ولده الثاني فقال تعالت كلماته:
стр. 5372
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) أعرض عنهم، لأن إخبار أخبار السوء، تضر ولا تسر، فانكفأ على نفسه، والأسِف الحزين الذي يملأ نفسه الحزن، ويستغرق حسه، وهو يقول (يَا أَسَفَى عَلَى يوسُفَ)، وهي جملة تصور ألمه وحزنه، وكأنه ينادي الأسف والحزن؛ لأن هذا وقته، وذكر يوسف مع أنه رزئ رزءا جديدا بولديه شقيق يوسف وولده الأكبر الذي كان يشاركه في أحزانه وآلامه، وذلك لأن أمرهما معلوم، فهو يعدم أنهما على قيد الحياة، وأن أحدهما في الرق، والآخر قد رضي مختارا بالبعد، ويشاركه في الأسف، أما يوسف الحبيب فأمره مجهول لَا يدري أهو حي أم ميت، وأهو في تعب أم في راحة فرزؤه في يوسف كان عاقده المصائب، وكان غضبه آخذا بمجامع قلبه، كما عبر البيضاوي (١).
وقد اجتمع طول الأدهر التي مرت على يعقوب غربة ولده التي لَا يعلم له مآل وقلق مسمَمر، وحنان وشوق شديد إلى رؤيته وبكاء مستمر، دائب، وحزن عميق مؤسف، وانقسام بين أحبابه وفلذة كبده، وكل هذه الآلام أثرت في بصره،
стр. 5373
ولذا قال تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) أي طوى نفسه على آلام مستمرة من أولاده الذين كادوا لأخويهم، ومن الحوادث التي باعدت بينه وبين أحبابه، وكظم الغيظ في ذاته ممض، وملق بالبؤس في نفسه، لولا ما امتلأ قلبه بالإيمان، ولولا الرجاء الذي يرجوه، والأمل الذي عاش عليه، والكظم أصله كظم البعير إذا ردها من فرقه.
أجابه أولاده في ذكر آلامه المستمرة
стр. 5374
(قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) كانت الإجابة غير مخففة لآلامه، بل كانت مؤججة لها، كانت إجابة من لَا يهتم بالأمر في ذاته، والحزين يحتاج إلى من يشاركه في الحزن، لَا إلى من يلومه على حزنه، ويل للشجى من الخلى، والحَرَض هو المريض الذي أشرف على الهلاك أو أذابه الهم والمرض.
والمعنى أنهم يؤكدون بالقسم أنه لَا يزال يذكر يوسف حتى يؤدي به الأمر أن يكون في مرض دائم مستمر يذيب نفسه، وينتهي بالهلاك لَا محالة، و (أَوْ) هنا بمعنى الواو.
قال لأولئك الذين يلومونه على حزنه، وهم سببه، ولا يحسون باهتمام لآلامه، بأنه لَا يشكو حزنه إليهم إنما يشكو حزنه إلى الله
стр. 5375
(قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)
البث الهم العارض الذي لَا يمكنني الصبر عليه، وينتشر في كل نفسي، ويسدُّ عليَّ أسباب السرور، و (الحزن) ما يكون في النفس من الآلام الدفينة، وقد كان حزنه على يوسف قديما، وبثوا إليه همًّا آخر هو في ولديه شقيق يوسف وكبيرهم، و (إنما) من أدوات الحصر، أي أنه لَا يشكو همومه العارضة، وأحزانه الدفينة إليكم، بل يشكوها إلى اللَّه وحده.
(وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، هذه الجملة تحوي في نفسه كل الرجاء الذي يرجوه والأمل الذي يأمله، وفيه دلالة على أنه يعلم أن اللَّه كاشف كربه، مزيل
стр. 5376
همه، وهو من علم اللَّه تعالى، لَا من علم أحد، يعلمه بالإلهام أولا، وبرجائه في اللَّه ثانيا، وبرؤيا يوسف الصادقة ثالثا، ففيها أنه رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا له ساجدين، وتأويل الرؤيا أن يكون في ظل يوسف، وهو في عز مكين، وإن ذلك واقع لَا محالة.
وقد بني على هذا الأمل، وذلك الرجاء أن كلفهم بالبحث عن يوسف وأخيه، فقال كما حكى اللَّه تعالى:
стр. 5377
(يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)
ناداهم بنداء الأبوة الكريمة العاطفة، طالبا منهم أن يذهبوا في الأرض متعرفين أخبار أخويهم يوسف وأخيه، والذهاب إما في بقاع الأرض باحثين، وإما إلى أرض مصر، والظاهر الثاني لأن شقيق يوسف كان في مصر بلا نزاع، فالمعنى اذهبوا إلى أرض مصر (فَتَحَسَّسوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ)، والتحسس التعرف بالحواس الظاهرة والباطنة، أي فتعرفوا الأمور عن يوسف وتتبعوا آثارهما وأخبارهما، ولا تقنطوا من رحمة اللَّه وفرجه، (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، أي أنه لَا يقنط من رحمة اللَّه وفرجه إلا القوم الكافرون الذين إذا أصابتهم سراء طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، وإذا أصابتهم ضراء، كما قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠).
فرجاء نبي اللَّه يعقوب في لقاء يوسف لم يذهب أبدا.
* * *
جمع الشمل
قال اللَّه تعالى:
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا
стр. 5378
إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)
* * *
طلب إليهم أبوهم أن يتحسسوا، ويتتبعوا أثر يوسف وأخيه، ولا ييئسوا من روح اللَّه، ولعلهم أطاعوا وأخذوا الأهبة، ليتعرفوا آثار أخويهم، وخصوصا أنهم يذهبون لمصر للميرة، وهي مكان تحسسهم، فذهبوا إليها، ولقوا يوسف كبيرها
стр. 5379
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ).
(الفاء) هنا تفصح عن كلام مقدر تقديره قصدوا إلى يوسف، فلما دخلوا عليه، نادوه بما يليق بمنصبه، وبمكانته التي صار بها عزيز مصر، وخاطبوه بذلك متلطفين طالبين عطفه ورفده (مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ) وهو الضرر الذي يصيب الجسم في داخله، وذلك الضر الذي أصابهم سببه الجوع، (وجِئا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ) أي مردودة مدفوع عنها، لرداءتها وعدم الرغبة فيها، أي جئنا ببضاعة ليس من شأنها
стр. 5380
أن تقبل، بل من شأنها أن تزجى وتدفع، (فَأَوفِ لَنَا الْكَيْلَ)، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وإيفاء الكيل ليس مترتبا على كون البضاعة مزجاة مدفوعة، إنما أيضا الكيل مترتب على إصابتهم الضر، أي بسبب هذا الضر أوف الكيل مع أن الثمن الذي نقدمه بضاعة مزجاة.
(وَتَصَدّق عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يجزي الْمُتَصَدّقِينَ) أي تصدق بهذا الوفاء وبالزيادة عليه مع أن البضاعة التي جعلناها ثمنا رديئة تُردّ ولا تقبل، (إنَّ اللَّهُ يجزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)، فاطلب حب اللَّه، ولا تطلب عوضا منا.
آن ليوسف الصديق الرفيق الشفيق الصالح أن يظهر شخصه مع ما مَنَّ اللَّه تعالى به عليه:
стр. 5381
(قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)
الاستفهام هنا تقريري تذكيري، وفيه إشارة إلى شخصه وقد أنكروه ابتداء لانقطاع الخبر، ومرور الزمن، وتفريق ما بين رجل مكتمل وحدث صغير، وقد صار رجلا سويا، كان ذلك توجيها لأن يرجعوا بالبصر كرتينِ، فرجعوه، فتبين لهم أنه يوسف، فقالوا مؤكدين ومتأكدين:
стр. 5382
(أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ (٩٠)
وأكدوا أنه يوسف بـ (إنَّ) المؤكدة، وبـ (اللام)، وبـ (أنت)، فقال لهم: (أَنَا يُوسُف وَهَذَا أَخِي) ولم يكن ثمة حاجة إلى التأكيد، لأن التوكيد مظنة الإنكار، ثم يبين نعمة اللَّه عليه وعلى أخيه (وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَليْنَا) قد تفضل اللَّه علينا بمنه وأكرمنا: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أظهر في موضع الإضمار، فلم يقل إن اللَّه لَا يضيع أجرنا، وكان ذلك أولا لوصف عملهم بالإحسان أولا، ولأن الإحسان هو السبب في مَنِّ الله تعالى وعطائه، وثانيا للتعريض بما فعل الإخوة معه، وأنه لم يكن من الإحسان في شيء ثالثا.
يشتد الإحساس بالخطأ إذ أظهرت النتائج غير الحسنة، ولذلك أحسَّ أولئك الإخوة بظلم ما فعلوا فقالوا:
(قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)
стр. 5383
قالوا مقسمين على حقيقتين:
الحقيقة الأولى: أن اللَّه آثر بالفضل والإحسان والتوفيق يوسف ﵇، فقد أعطاه النجاة من الموت والرق، والسلطان على مصر، خير بلاد الأرض تجاورهم، فكان هو ملكا عزيزا، وهم دونه، وأكدوا أن اللَّه آثره: بـ (اللام)، و (قد)، وبـ (القسم).
الحقيقة الثانية: أنهم أحسوا بأنهم كانوا آثمين، ولذا قالوا: (وَإِن كُنَّا لَخَاطِئينَ)، (إِن) هي المخففة من الثقيلة وإنه الحال والشأن كنا لخاطئين، والخاطئ هو الواقع في الإثم، أو الخطيئة، وقد أكدوا إثمهم أولا بـ (إنْ) المخففة من الثقيلة، و (كان) الدالة على استمرار خطئهم، و (لام التوكيد) (لَخَاطِئِينَ) وهذا اعتراف خطير بالذنب، وهو أول خطوات التوبة.
ولكن الكريم ابن الكريم، النبي ابن النبي يعقوب، " وما زاد عبد بعفو إلا عزًّا " (١)، ويقول:
стр. 5384
(لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ... (٩٢)
التثريب، اللوم والتوبيخ، والرمي بالعار، وقد روي عن قتادة أن النبي صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، قال: " إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد ولا تثريب عليها " (٢)، أي لَا توبيخ ولا رمي عليها بالخزي حتى لَا تصاب بالهوان، فتسهل الجريمة عليها، ومعنى (لا تَثْرِيب عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، أنه في اليوم الذي بدا نصر اللَّه، وإعزازه لمن كنتم تريدون له الضياع أو الهوان، والرق، فإن ذلك يكفيكم عبرة، وبيانا لسوء مغبة أفعالكم، وأحقادكم، فلا توبيخ أكثر من معرفة النتيجة، ولكن بدل التوبيخ، واللوم محبة الإخوة، ومودة الأهل، ولذا قال بعدها، (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، يطلب من
стр. 5385
اللَّه تعالى المغفرة لهم مما أساءوا إليه، والرحمة بهم عامة، وهكذا يكون الصفح الجميل الخالي من المنِّ به، واللوم على ما فعلوا، فاستجاب حقا لأمر اللَّه تعالى لأنبيائه (. . . فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، ثم تلفت إلى أبيه وقد أعلمه اللَّه تعالى بحاله، وكيف ابيضت عيناه من الحزن، فقال لهم:
стр. 5386
(اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا ... (٩٣)
وهذا دليل أن بصره قد ذهب من شدة الكمد والحسرة والأسف، وكثرة البكاء، وارتداد البصر من خوارق العادات، وهذا يوسف ويعقوب يرد اللَّه على أيديهما البصر بعد ذهابه قبل عيسى الذي كان يبرئ الأكمه والأبرص.
وقد دعا يوسف الصديق إلى جمع الشمل بالمودة الواصلة، بعد أن فرقه إخوته بالحسد الغامر، وقال: (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) من تربطكم بهم قرابة دانية، وقرابة قاصية.
* * *
الغفران والرحمة ولقاء الأب لابنه الحبيب
قال تعالى:
(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)
стр. 5387
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)
* * *
كان صفح يوسف الجميل هو الخطوة الأولى لجمع الشمل، وما أشبه ذلك بصفح محمد ﷺ عن قريش الذين أخرجوه، وقتلوا أحبته من المؤمنين، من وقت مبعثه إلى فتح مكة، فاستمر الأذى عشرين سنة أو تزيد، ومع ذلك ما إن بعثهم، حتى قال مقالة يوسف: (لا تَثْرِيب عَلَيْكُئم الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحمُ الرَّاحِمِينَ) (١) وموقف محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كان جليلا عظيما، يعاظم بعظم ما ارتكبوا في جنبه (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. . .).
صفح عنهم يوسف، والتفت إلى أبيه الشيخ الحزين الأسيف، وكان أن أرسل القميص، وعادت العير إلى البدو حاملة القميص، وقد كان معطرا بعطر
стр. 5388
ملوك مصر، وقد قالوا: إن عبيقه شمه نبي اللَّه يعقوب من نحو ثمانين فرسخا، وقد يقال إنه إلهام النبوة، جعله يشم رائحة يوسف من مكان بعيد، ويقول ﵇:
стр. 5389
(لَوْلا أَن تُفَنِّدُونِ)، أي إلا أن تنسبوني إلى الفَنَد، والفند نقصان عقل بسبب الشيخوخة، وما هي شيخوخة، ولكنها نبوة وشفقة أبوة. و (لَوْلا) حرف شرط وتعليق، وجوابه محذوف، أي لولا أن تفندوني لصدقتم، ولآمنتم بالحق، وتقدير التفنيد لعقليتهم غير المدركة، لَا للأمر في ذاته.
стр. 5390
(قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)
الضمير في (قَالُوا) يعود إلى الحاضرين، ويظهر أن بعضهم ذهب في العير للقاء عزيز مصر، وبعضهم بقي مع أبيه، أقسموا مؤكدين بأنه ليس فند الشيخوخة، ولكنه حال قديمة، وقالوا إنه ضلال قديم لازمك، ولذا أضافوا الضلال إليه ﵇، وهو زعمهم الكاذب فنبي اللَّه تعالى مستحيل أن يكون ضالا، ومهما يكن فقد نفوا عنه فند الشيخوخة.
وكل ذلك قبل أن يجيء البشير،
стр. 5391
(فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ... (٩٦)
و (أَنْ) مؤكدة لمجيء البشير، وقد سمي بشيرا، لأنه بشر يعقوب ﵇ بوجود ابنه، وقرب لقائه؛ ولأن معه ما يرد البصر إليه، وبمجرد مجيئه ألقاه على وجهه، و (أَن) كما أكدت الشرط، وهو مجيء البشير، أكدت أيضا ترتيب الجواب على الشرط، ألقاه فور مجيئه، (فَارْتَدَّ بَصِيرًا)، الفاء للعطف مع الفورية، وتلك خارقة للعادة كما أشرنا من قبل، وقد بين يعقوب بعد ذلك أنه لم يكن واهما، ولا ضالا عندما كان يقول لهم: (اذهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يوسُف وَأخيهِ) وعندما كان يذكر لهم ما أعلمه اللَّه تعالى، لذا (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الاستفهام لإنكار الوقوع مع التنبيه الشديد، داخل على النفي ونفي النفي إثبات، والمعنى لقد علمتم أني أعلم من اللَّه ما لَا تعلمونه أنتم.
عندئذ أحسوا بجريمتهم الشديدة نحو أبيهم، إذ حرموه من ابنه سنين طوالا، وتركوه فريسة الشوق والحزن والأسى والبكاء مع الصبر الجميل من غير
стр. 5392
أنين لأحد من العباد، فاتجهوا إلى أبيهم يطلبون أن يستغفر لهم ربه
стр. 5393
(يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) لقد أحسوا بعظم الذنب، وهو أول طريق التوبة وندموا على ما فعلوا، وطلبوا المغفرة، وبذلك توافرت عناصر التوبة طلبوا من بعد ذلك أن يطلب أبوهم المغفرة؛ لأنه مع الذنب العظيم هو المجني عليه، وهم يطلبون مرضاته، وفتح قلبه لهم وهو القريب إلى اللَّه، ولذا لجأوا إليه، وعبرواب (إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) آثمين غير مدركين سوء المغبة.
فأجاب الأب الشفيق النبي الكريم:
стр. 5394
(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)
ما فارق يعقوب نبي اللَّه حنانه على أولاده جميعا، وإن كان يخص يوسف وأخاه بفضل من المحبة لصغرهما، وحاجتهما إلى العطف الأبوي ثم زادته غربة يوسف وجدا عليه ومحبة وشفقة، ولذا لم يلمهم، ولم يذكر ماضيهم معه، ومع أخيه، بل وعدهم وعدا مؤكدا بأنه سيستغفر لهم فـ (سوْفَ) لتأكيد الاستغفار المستمر في المستقبل (لَكُمْ)، واللام لام الاختصاص، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وأكد لهم الغفران بوصف اللَّه تعالى بأنه الغفور، أي الكثير المغفرة وصف للذات العلية، وأن ذلك الغفران من رحمته، والرحمة شأنه وصفته الدائمة.
كان يوسف عندما طلب أن يوضع القميص على وجه أبيه ليرتد بصيرا طلب أن يأتوهم بأهله أجمعين ليكونوا معه في عزة الحكم، وإن الكريم عندما يجتمع أهله بعزته ينال متعتين: أولاهما متعة العزة الحلال العادلة لنفسه، ومتعة مشاركة أهله له في العزة والسلطان؛ تلك هي الفطرة.
استجاب إخوته أو من جاءوا إليه منهم لرغبته، وأتوا بأهله، وفيهم الأبوان الكريمان،
стр. 5395
(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)
رحب بهم جميعا، وخص أبويه بفضل ترحيب، لما قاسا من الهول في