← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

(الر) وذكرنا أنها من المتشابه الذي اختص به علم اللَّه تعالى، وأشرنا إلى بعض ما نحاول أن نتعرف به الحكمة في وجوده، وما كان من اللَّه ما يسوغ أن يوصف بأنه جاء لغير حكمة وإن خفيت على العقول جلها أو كلها. وهذه الحروف إذا جاء بعدها ذكر الكتاب كانت مبتدأ والكتاب خبره، وهي هنا كذلك، فقوله تعالى: (الر) مبتدأ خبره (كِتَابٌ)، ويكون الابتداء فيه إشارة واضحة إلى أن هذا الكتاب مكون من تلك الحروف التي يتكون منها كلامكم، ومع ذلك عجزتم عن أن تأتوا بمثله، فلا يدل هذا على أنه من عند أمثالكم من البشر، بل من عند خالق البشر، ويرشح لذلك كون الكتاب خبرا لهذه الحروف. و (كتَابٌ) التنكير فيه للتعظيم، والمعنى كتاب عظيم الشأن لَا يدرك كنهه، ولا تحيط به أفهام البشر، إلا إذا كان ذلك بتوفيق من اللَّه، وما يعلم تأويله إلا اللَّه، وأضف إلى ذلك ما يقوي مكانته أو يحققها، وهو أمران ذكرهما اللَّه تعالى: الأمر الأول: أنه أضافه إلى اللَّه تعالى على أنه نازل من لدنه في سموه سبحانه، إلى منتهاه في نزوله إلى النبي ﷺ ، وهذا هو قوله تعالى: (أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ)، وبالإضافة إليه سبحانه بضمير الجمع؛ لأنه الضمير العائد إلى اللَّه خالق الوجود كله، عاقله وغير عاقله، إنسه وجنه، وهو الحكيم الخبير. الأمر الثاني الذي يكشف عن عظمة الكتاب: وهو شرف ذاتي فوق شرفه الإضافي بالنسبة إلى الله تعالى، وهو أنه يخرج الناس - إذا أدركوه - من ظلمات الضلال إلى نور الهداية وذلك بتبلجغ محمد ﷺ له، وهذا هو قوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِم) فهذا النص السامي يدل على أن القرآن هادٍ ومرشد يخرج به النبي ﷺ الناس من الضلال إلى الهدى بإذن اللَّه، ففي ذلك ثلاثة معان: أولها: أن الضلال كالظلمة، وثانيها: أن الهداية كالنور، وثالثها: أن الأمور كلها بتوفيق من اللَّه، فمن سلك سبيل الهداية وصل إلى الغاية، ومن لعملك طريق الضلال وصل إلى نهاية الضلال البعيد.

стр. 5567

وعلى ذلك ففي التعبير بالظلمات والنور استعارة، تشبيه الضلال بالظلمة؛ لأن السائر فيها كالسائر في ظلام لَا يعرف طريقه فيكون في حيرة دائمة لَا ينتهي فيها إلى حق واضح ولا إلى طريق لاجب، وشبهت الهداية بالنور، لأن من هداه اللَّه تعالى يكون في نور يعرف به طريقه الهادي المرشد إلى أقوم طريق وأهدى سبيل. وقد عرف اللَّه بالبيان إلى أن النور صراط اللَّه العزيز الحميد. الصراط: الطريق المستقيم، وهو أقرب ظريق للوصول إلى الحق، وهو في هذا الوصف العظيم مضاف إلى اللَّه تعالى فيزداد شرقا وتكريما، وهو صراط العزيز الذي لَا يقهر، وهو فوق كل شيء والغالب على كل أمر وحده، ومن سلك طريق الحميد، فإن العاقبة فيه محمودة، فهو محمود في ذاته ومحمود في غايته ونهايته. ومن سلك غيره ذل، ولا يحمد العاقبة، والعاقبة هي السوءى. وقد ذكر سبحانه القلوب المظلمة، فقال عز من قائل:

стр. 5568

(اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) صدر سبحانه الجملة التي فيها كمال سلطان اللَّه تعالى في الوجود بلفظ الجلالة، لتربية المهابة في نفس القارئ، ولأن ذلك يتلاقى مع سلطان اللَّه الكامل، و (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) للدلالة على ملكيته لكل ما في السماوات، وتكرار (مَا فِي) لدلالة على كمال استغراق الملكية له ، وهو على كل شيء قدير، مالك كل شيء، وذكر سبحانه ملكيته لما في السماء والأرض وذلك يقتضي ملكيته لهما، لأن ملكية ما يشتملان عليه يقتضي - لَا محالة - ملكيتهما، إذ ملكية المظروف تقتضي ملكية الظرف، وإن الملكية الكاملة لهذا الوجود كله بما فيه من أجرام، وأحياء عاقلة وغير عاقلة يتضمن أنه يملك الأنداد، وأنها وعُبادها في قبضته سبحانه العليم بكل شيء، وفي ذلك برهان قاطع أنها غير جديرة بالعبادة؛ ولذا قال بعد ذكر سلطان اللَّه تعالى في الوجود

стр. 5569

كله، وأنه لَا سلطان لغيره ذكر بعض مقتضياته، وهو كفر من يعبد الأوثان، واستحقاقه للعذار،، ولذا قال تعالى: (وَوَيْلٌ للْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) الويل: الهلاك، وقال الزجاج: هي كلمة تقال للعذاب والهلاك (مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) في ذاته، وفي هذا إنذار ووعيد، والمعنى هلاك لهم من عذاب شديد. وكأن المعنى كما يقول الزمخشري: يولولون من عذاب شديد، ويصيحون قائلين يا ويلاه. وننبه هنا إلى أمرين: أولهما: أن ذكر الويل ينزل بالكافرين، هو في مقابل الذين يسلكون صراط العزيز الحميد، من حيث إنهم يكونون في عزة بعزته ، وعاقبتهم محمودة بسلوكهم طريقه المحمود، أما الذين لَا يسلكون الطريق ويخالفون مقتضى الملكية الثابته للَّه تعالى في السماوات والأرض ومن فيهن، فإنهم يكونون في ويل من عذاب شديد. وثانيهما: اللَّه مالك كل شيء، حتى لقد قرر الفقهاء أن ملكية الناس للأشياء ملكية نسبية وليست ملكية حقيقية؛ لأن المالك في الحقيقة هو اللَّه . وقد بين صفات الكافرين الذين لهم الويل من عذاب شديد، لَا يكتنه كنهه، ذكر سبحانه أوصافهم الظاهرة، فقال تعالى:

стр. 5570

(الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) وصفهم ، في هذه الآية بثلاث صفات، وختمها بجزائهم المستحق من هذه الصفات والمترتب عليها: الصفة الأولى: أنهم (يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ)، (استحب) السين والتاء للطلب، فمعنى استحب الحياة، أي طلب حب الحياة الدنيا، وهذا يستفاد منه أولا الرغبة الشديدة؛ في الحياة بمعنى اللجاجة في طلبها، ويستفاد منه

стр. 5571

ثانيا أنه يختارها على الحياة الدنيا، ويترك الآخرة تركا، كما يُترك كل مهجور، ولقد قال في ذلك الزمخشري: " هم الذين يستحبون، والاستحباب: الإيثار والاختيار، وهو استفعال من المحبة، لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب منه نفسه أن يكون أحب إليه وأفضل عنده من الآخرة ". والصفة الثانية: أنهم لَا يكتفون بإيثارهم الدنيا على الآخرة، بل يصدون عن سبيل اللَّه، أي يقفون مترصدين السبيل يصدون عنها بمنع الناس منها، وقرأ الحسن البصري (وَيُصُدِّونَ) بضم الياء وكسر الصاد، والمعنى أنهم أعرضوا عن سبيل اللَّه، وحملوا غيرهم على الإعراض عن سبيل اللَّه تعالى، وذلك بالجمع بين القراءتين، وصدهم عن سبيل اللَّه بالدعوة إلى عدم الدخول، كما كان يذهب أبو لهب إلى حيث النبي ﷺ إلى القبائل يكذّب النبي ﷺ ويدعوهم إلى الإعراض أو عدم الاستماع، وأشد الصد عن سبيل اللَّه إيذاء المتبعين لسبيل اللَّه وتعذيبهم ليحملوهم على الردة عن دينهم، وسبيل اللَّه هو صراط العزيز الحميد، وهو طريق الحق والهداية وتوحيد اللَّه تعالى. والصفة الثالثة: أنهم يبغونها عوجا، أي يطلبونها راغبين ملحفين أن تكون معوجة غير مستقيمة، بل يطلبونها ناكبة عن الطريق غير سالكة سواء السبيل، يبغونها زيفا ويطلبون الاعوجاج كما كانوا يريدون محمدا ﷺ أن يكون عن سب آلهتهم ويدعونه إلى اتباع آبائهم، وكأنه جاء ليردد ما عندهم، لَا ليهديهم ويرشدهم إلى الطريق الأقوم. ولقد بين سبحانه بعد ذلك الوصف الجامع لهم، ولذي سيطر عليهم فقال: (أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) الإشارة إليهم محمَّلين بهذه الأوصاف التي استحبوا بها الحياة الدنيا وصارت خلب أكبادهم وآثروها على الحياة الآخرة، ورضوا بالدنية عن الحياة العزيزة الكريمة في الآخرة، وصدوا عن سبيل اللَّه وبغوا الحق معوجا غير مستقيم (أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ).

стр. 5572

الضلال ضد الهداية، وضلال الطريق أن يسير في متاهة يتيه فيها، وكلما أوغل في المتاهة ازداد ضلالة وبُعد عن الغاية والنجاة من المتاهة، فهؤلاء بحبهم للدنيا دون الآخرة، وصدهم عن سبيل اللَّه وإرادتهم الزيغ دون الحق أمعنوا في متاهة الباطل، فبعدوا بضلالهم، وغابوا عن الحق وسواء السبيل. والبُعد إما أن يكون وصفا للضلال، ويكون معنى ذلك أنهم أوغلوا في الضلال إيغالا حتى بعدوا عن الطريق السوي الموصل إلى الغاية المنشودة والذي هو طريق السلامة. وإما أن نقول إنه وصف للضال نفسه، وذكر السياق وصفا للضلال من قبيل المجاز الرسل الذي يجعل المصدر هو الموصوف، والحقيقة أن الوصف هو للضال، واللَّه أعلم. ولقد بين القرآن الكريم حقيقة ثابتة في الرسالات الإلهية، وهي أن يكون الرسول بلسان قومه، فقال تعالى:

стр. 5573

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) (مِن) هنا لاستغراق النفي ثم الإثبات، أي ما أرسلنا أي رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم، وهذا النص الكريم يفيد أنه سبحانه لَا يرسل رسولا إلا بلسان قومه الذين بعث من بينهم، وأن البيان الأول يكون لهم ثم ينبعث نور الدعوة من ورائهم، وكذلك كان النبيون، فعيسى ﷺ بعث بلسان قومه وكانت دعوته بلسان قومه وهو العبرية، وعمت دعوته ابتداء بلسان قومه، والأناجيل التي حكت مواعظه في الجبل والسفح كانت بلغة قومه ابتداء، فإذا كانت قد ظهرت بغير لغته ولغة قومه، بل بلغة أعدائهم فإن السند يكون حينئذٍ منقطعا بين الرسالة ومن أرسل فيهم، بل بينهم، وبين الرسول ذاته، ولذا كان تحريف القول عن موضعه. وموسى من قبل عيسى ﵉ بعث أيضا بلغة قومه وهم بنو إسرائيل ابتداء، ثم كانت لغة فرعون عندما خاطبه هو هارون.

стр. 5574

وكذلك محمد ﷺ ، قد بعث بلغة قومه الذين كانت دعوته الأولى بينهم وانبعث نورها منهم ولكنها كانت عامة، كما قال تعالى عن نبيه: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. . .)، وكما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنًّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا. . .)، وكما قال ﷺ : " بعثت للأحمر والأسود " (١). وكونه بلسان قومه لَا يفيد أنه كان للعرب خاصة، فذلك لما قصته الآيات القرآنية الصريحة والأحاديث النبوية الشريفة والوقائع التاريخية الصادقة، فإن دعوته دخل فيها صهيب الرومي، وبلال الحبشي، ثم سلمان الفارسي، وذكر ﷺ أن هؤلاء يصورون أجناسهم في الدعوة المحمدية، ولم يلبث النبي ﷺ بعد أن عمَّت دعوته الجزيرة العربية أن بعث إلى هرقل ملك الروم، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى المقوقس عظيم القبط، يدعوهم إلى الإسلام، وهكذا. إذن فالدعوة كانت للناس قاطبة، ولكنها ككل دعوة حق تبتدئ في أضيق دائرة، ثم تتسع شيئا فشيئًا حتى تصير نورا ساطعا يعم الأكوان، فابتدأت الدعوة في أسرة الرسول وأصدقائه ثم دعيت عشيرته، كما قال تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرتَكَ الأَقْرَبِين)، ثم كان الصدع بالدعوة والجهر بها (فَاصْدَعْ بِمَا تؤْمَر وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)، ثم كانت في القبائل العربية، ثم تجاوزت ربوع الصحراء العربية إلى أرض كسرى وقيصر وسارت إلى الحبشة بعد أن عمَّت ربوع اليمن. وقوله تعالى في مقابل إرسال الرسول عن قومه: (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). ذكر سبحانه أن البيان الأول يكون لقومه، ثم يكون بعد ذلك لغيرهم.

стр. 5575

والآن ونحن نرى الاختلاط الفكري بين البشرية، حتى إن الأمر ليقع في أرض فيذيع خبره، بعد أقل من ساعة في كل أنحاء الأرض، لَا نعجب في أن يكون بعث الرسول بلغة ويعم علمه بعد ساعة من نهار أو ليل كل بقاع الأرض، ولكن العجب في أن يكون في الماضي البعث بلغة والدعوة عامة، هذا ما أثاره وبينه الزمخشري، وهذا ما قاله سننقله بطوله: " فإن قلت لم يبعث رسول اللَّه ﷺ إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس الناس كافة (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِليْكُمْ جَمِيعًا. . .) بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة، فإن لم يكن للعرب حجة فلغيرهم حجة، وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم يكن للعرب حجة أيضا، قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة لنزوله بجميع الألسنة؛ لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل، فبقي أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول؛ لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما نرى الحال ونشاهد من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك جلائل الفوائد وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكذا القرائح فيه من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب؛ ولأنه أبعد من التحريف، وأسلم من التنازع والاختلاف. . . . . " (١). وننتهي من كلام الزمخشري إلى أمرين: أولهما: أن نزول القرآن والدعوة المحمدية كانت باللغة العربية؛ لأنها كانت لغة النبي ﷺ فكانت أقرب إليه؛ ولأن القرآن العجز إذا كان باللغة عانى غيرهم من حفظ لفظه وتفهم معانيه، وفي ذلك ثواب أولا، وصون للقرآن عن التغيير والتبديل فيه ثانيا.

стр. 5576

ويشير إلى أنه لو نزل بكل اللغات، وكان معجزا فيها جميعا لكان الإيمان بالإلجاء لَا بالاختيار وله في ذلك نظرة. وإنه يجب أن نلاحظ أمرين: أولهما: ما قاله الشافعي ﵁ أنه يجب أن يعرف كل مسلم قدرا من اللغة العربية يصحح به دينه. وثانيهما: أن جعل القرآن باللغة العربية، ومحاولة الأعاجم أن يحفظوه يقرب بين اللغات، وحيث قربت اللغات قربت العلاقات الإنسانية. وكان ذلك قائمًا يوم كانت الوحدة العربية قائمة، وكانت اللغة العربية جامعة لهم وفيها دونت ثقافاتهم وكانت وعاء للعلم الإسلامي، فلما انبعثت اللغات الإقليمية من مراقدها ذهبت الوحدة وتفرقت الكلمة. ونعود إلى الكلام في معنى الآية الكريمة (لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ)، أي أنه يترتب على البيان أن يسير الناس في طريق الضلالة، إذ يكذبون، ولا يصدقون، ويهدي اللَّه تعالى من يسير في طريق الهداية، فيأخذ بيده إلى غايتها. وهنا يسأل سائل لماذا قُدِّمت الضلالة على الهداية؟ ونقول في الجواب عن ذلك إن الآيات سبقت لبيان إنذار الضالين، فهم موضع الإنذار؛ ولأن الشيطان قريب من نفوس البشر؛ ولأن الأهواء تجعل حكم الضلال هو الأغلب. وقد ختم اللَّه تعالى الآية بقوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لبيان أن الكفار مهما يكن سلطانهم وقوتهم وحسبانهم أنهم لن يغلبوا، ويذهب بهم غرورهم إلى زعم أنهم العالون، فالله تعالى هو واهب العزة، وهو العزيز الذي يذلهم، ويجعل لأهل الإيمان الكلمة العليا، وهو الحكيم الذي يدبر الأمور بحكمته، وبعلمه الذي وسع كل شيء، فهو يمهل الكافرين ويملي لهم، كما قال عز من قائل: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي متِينٌ)، يملي لهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. * * *

стр. 5577

من نبأ موسى ﵇ قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) * * *

стр. 5578

فى الآية السابقة ذكر أنه لَا يرسل رسولا إلا بلغة قومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويبين لهم فيضل من يضل، ويهتدي من يهتدي، وفي هذه الآية وما يليها من آيات يبين اللَّه أخبار نبي من أولي العزم بعث في قومه، وغيرهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويذكرهم بأيام اللَّه تعالى من وقائع من نزلت بمن سبقهم من الأمم، وما نزل بهم هم من نعم، وهو موسى ﵇، وقد أخرج اللَّه على يدي موسى بني إسرائل قومه من فرعون وظهرت آياته فيهم، ومع ذلك ضلوا من بعده، وفي حياته. قال تعالى:

стр. 5579

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أكد اللَّه تعالى إرسال موسى إلى قومه بـ (اللام) وبـ (قد)، وقومه أهم بنو إسرائيل وحدهم أم قوم موسى كل من أرسل إليهم؛ ظاهر القول بادئ الأمر أنهم بنو إسرائيل؛ لأنهم قومه وجنسه أو قبيله، ولكن موسى لم يرسل لبني إسرائيل وحدهم، إنما أرسل إلى سكان مصر وفيهم فرعون، وقد قال تعالى في رسالة موسى وأخيه هارون: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤ ٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦). وهذه تدل على أنه بعث لمصر كلها، لَا لبني إسرائيل وحدهم، وإن كانت فضائل الرسالة عادت على بني إسرائيل بالنعمة والإنقاذ ابتداء، والهداية للجميع كانت المقصد في نهاية الرسالة وغايتها وقال تعالى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ). وردت أخبار من السلف بأن أيام اللَّه، الوقائع التي انتصر اللَّه فيها لكلمة الحق والإيمان، كما نزل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وآل مدين؛ وذلك لأن كلمة (أيام) تطلق في التاريخ العربي على الحروب التي كانت لها دوي في العرب كحرب " ذي قار " الذي انتصر فيها العرب على فارس، وكحرب " الفِجَار "، وكحرب " عبس وذبيان "، وكحرب " البسوس "، إلى غير ذلك من الأيام الشداد.

стр. 5580

وروي عن ابن عباس ﵄ أن أيام اللَّه هي النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل، والأيام التي أنزل بها اعتبارا لأهل مصر ليسلموا، فقد أنزل عليهم تسع آيات هي: الطوفان والجراد والقمل، والضفادع والدم والعصا، ويده إذ تخرج بيضاء من غير سوء، والسنين ونقص من الثمرات. ويمثل عبارات بعض المفسرين إلى أن الأيام التي طلب اللَّه تعالى من موسى أن يذكرهم بها تعم أيام المحنة التي نزلت ببني إسرائيل وأيام النعمة، وقال الطبري في ذلك: وعظهم اللَّه تعالى بما سلف من الأيام الماضية لهم، أي بما كانوا في أيام اللَّه تعالى من النعمة والمحنة، وقد كانوا عبيدا مستذلين. وهكذا نرى أن ابن جرير يخص الأيام بأيام اللَّه تعالى في بني إسرائيل محنة ونعمة. والحق أن أيام اللَّه تعالى تعم أيام الشدائد، وأيام النعم، وتعم بني إسرائيل ومن سبقهم من الأمم كقوم نوح إلى آخره، وقد ذكر اللَّه تلك الأيام ببعض التفصيل بذكر النعم والنقم معًا. وهذا بحث نحوي أشار إليه المفسرون اللغويون، وهو يتعلق بقوله تعالى: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) فيقول: أرسل اللَّه موسى مؤيدًا بالآيات التسع التي أشرنا إليها قائلا له: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، أي من الضلال الذي هو كالظلمات المتكاثفة إلى الحق الذي كالنور الواضح البين، ويصح أن نقول: إن (أَنْ) تفسيرية، أي إن ما بعدها تفسير لمعنى الرسالة، وجوَّز الزمخشري أن (أَنْ) مصدرية ولا مانع من دخولها على الأمر، لأنه فعل، ويكون المعنى: أرسلنا موسى إلى قومه بإخراجهم من الظلمات إلى النور. وقد بينا أن قومه تعم كل من بعث إليهم، وهم بنو إسرائيل، وأهل مصر، وقد كانت دعوته ﵇ فيهم.

стр. 5581

وقد قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)، (ذَلِكَ) الإشارة إلى إخراجهم من الظلمات إلى النور والآيات الدالة على رسالته، والأيام باشتمالها على النعم التي جاءت إليهم وأفاضها عليهم، والشدائد التي نزلت بغيرهم، (لآيَاتٍ) أي لأمارات هادية مرشدة (لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكورٍ)، وجاء ذكر الصبر بصيغة المبالغة، وذكر الشكر بصيغة المبالغة أيضا، للدلالة على أن من يعرف هذه الآيات ويدركها هو الذي صار الصبر بتمرسه له صفة كالجبلة فيه، وصار شكر النعمة والقيام بحقها كذلك، وقالوا: إن المراد الصبر على البلاء، والشكر على النعماء، وإلى أن الصبر كما يكون في النقمة يكون أيضا في النعمة، والصر بالنعمة ألا تدفعه إلى الغرور، والأشر والبطر، كما قال تعالى: (. . . وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. . .)، والنقمة أيضا تحتاج إلى الشكر، إذ تذكر بما أنعم وأكرم في حال البلاء والاختيار، فيكون الشكر على ما أسلف على رجاء الإنقاذ مما أوقع، ثم يكون الشكر على الماضي والحاضر. ولقد أشار إلى بعض ما أنعم، فقال تعالى:

стр. 5582

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) (إِذْ) ظرف زمان للماضي، والخطاب لمحمد ﷺ يذكر بنعم الله تعالى على المظلومين، وأنه سبحانه ينقذهم من أذى طاغية الدنيا في عصره، وهو فرعون، وإن هذا إيذان بأنه ينقذ النبي ومن معه من المشركين، وجاعلا لهم السلطان عليهم، وقوم موسى هنا متعين أن يكون لبني إسرائيل، وإن كان قوله: (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) لَا يخصهم، بل يشملهم وغيرهم. يقول لهم رسول اللَّه الذي أنقذهم على يديه: (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ)، أي أصحاب فرعون ونصرائه ومعاونيه على الشر، ونرى

стр. 5583

أن فرعون في أكثر الآيات المثبتة لظلمه القاسي الغاشم لَا يذكر فرعون وحده، إنما يذكر ملؤه أو آله، أو غير ذلك مما يدل على المؤازرين له، وهذا ينبئ بمعنى أن سنة اللَّه تعالى في خلقه أن الطغاة لَا يطغون بذات أنفسهم، ولكن بمؤازرة من الأشياع والأتباع، ولو كانوا مرشدين ما كان منهم ذلك الظلم الغاشم فهم آثمون معهم. وقد كانت النجاة أو الإنجاء من أقسى المظالم الإنسانية، بشاعة وقسوة، كما حاول من ساروا على دأبه - أسكنهم اللَّه معه في السعير، فهم وهو على سواء، إلا أنهم أشد؛ لأنهم جاءوا بعد أن جاءتهم البينات. و (إِذْ) بدل من الأولى، وقد بين اللَّه تعالى ما أنجى منه فقال: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَستحْيُونَ نِسَاءَكُمْ). (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ)، أي يذيقونكم أشد العذاب سوءا من استرقاق، وإذلال وتكليفكم المشاق الغلاظ الشداد، أو استباحة لكرامتكم، وإبعادكم عن أماكن السلطان وجعلكم أرذالا تابعين، ولم يجعل منكم سادة متبوعين، حتى أنقذكم اللَّه من هذا فجعلكم سادة أنفسكم، وعبر عن ذلك بقوله: (. . . وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا. . .)، أي مسيطرين على أنفسكم ولستم خاضعين لغير اللَّه تعالى، وقال مع هذا الإذلال والاسترقاق (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُم) في سورتي البقرة والأعراف (. . . يسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيسْتحْيُونَ نِسَاءَكُمْ. . .)، من غير (واو)، فكان هذا تفسيرا لسومهم العذاب، وهو بيان بأفصح أحواله، وهنا جمع بين الاسترقاق والذل والتكليف بالمشاق والأهوال، وبين ذبح الأبناء واستحياء النساء. وعبَّر عن قتل الأبناء هنا بالذبح للإشارة إلى أنهم فعلوا ذلك، وهم آمنون سالمون غير ثائرين ولا ناقمين، فهم في غير اندفاعة ثورة، ولكن في أمن ودعة، يأتون إلى الطفل من حجر أمه أو بين لداته ويذبحونه ذبحا، وحسبك أن تعلم أن أم موسى رضيت - بإلهام من اللَّه - أن تلقيه في اليم مع رجاء اللَّه تعالى، عن أن تراه يذبح بين يديها.

стр. 5584

وقوله تعالى: (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ)، أي يطلبون حياة نسائهم وبقاءهن، لا رغبة في ذات الإحياء بل ليكن إماءً في بيوتهم، ويستمتعون بجمالهن، فهو ظلم فاحش لَا يعرفه إلا فرعون وأمثاله، كما رأينا واحدا منهم في هذا الزمان. قال تعالى (وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ من رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)، الإشارة إلى الإنجاء، ويصح أن تكون الإشارة إلى سوم العذاب، وعلى الأول يكون البلاء هو بلاء بنعمة الإنجاء، كما أشرنا إلى قوله تعالى: (. . . وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. . .)، فالنعمة تحتاج إلى صبر واختبار، وإذا كانت الإشارة إلى سوم العذاب وتذبيح الأطفال واستحياء النساء يكون اختبارا من اللَّه عظيما، ونسب البلاء إلى الله تعالى، وهو الرب الخالق، للإشارة إلى أن تمكين فرعون من ذلك كان اختبارا من اللَّه تعالى حتى يمتحنوا بالنقمة، وتصقل نفوسهم بها. وإني أرى أن الأول أوضح، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 5585

(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) (تَأَذَّنَ) بمعنى آذن وأعلم، ولفظ (تَأَذَّنَ) يدل على المبالغة في الإعلام، وتكرره آنًا بعد آنٍ، وشكر النعمة أداؤها فيما خلقت له، فشكر نعمة الأذن ألا يسمع إلى منكر، وشكر نعمة اللسان ألا ينطق إلا بالحق، وشكر نعمة العقل ألا يذعن إلا للحق ولا يفكر إلا في الوصول إلى الحق والإيمان بالتوحيد، والإنسان مغمور في نعم من لسان ينطق وأذن تسمع، وعين تبصر وجوارح تكسب، وكل نعمة لها شكرها، فإن شكر زادها اللَّه تعالى. وكفر النعمة ألا يتخذها في طاعة، فكفر ذي المال بإنفاقه في غير حله، والاستعلاء به وبطر العيش، وأن يطغى إذا استغنى، ولقد قال تعالى: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) هذا شرط مؤكد بالقسم، والجواب (لأَزِيدَنَّكُمْ) جواب القسم ودل على جواب الشرط، واللام موطئة للقسم، وكان الجواب مؤكدا بنون التوكيد الثقيلة، وكذلك في قوله: (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ

стр. 5586

إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) هذا لأن الشكر جواب القسم، وهو دليل على الجواب، وليس نصا فيه لأن الجواب بمدلول اللَّه، ولكن إن كفرتم لأعذبنكم، إن عذابي لشديد، والمعنى إن شكرتم أجرتم لَا محالة، وزادكم اللَّه نعمة، وإن كفرتم منعتم وعوقبتم، وإن اللَّه تعالى شديد شدة بالغة الغاية. وإن هذا يدل على أن الطاعة تعود عائدتها على من قام بها، لأن شكر المنعم، وشكر النعمة يزيدها، وإن كفر النعمة معه عذاب أليم، واللَّه غني عن العباد، ولذا قال تعالى:

стр. 5587

(وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) صرح اللَّه سبحانه بأن ذلك القول من موسى لقومه، ولم يصرح بأن قوله (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ) فاحتمل أن يكون الكلام منسوبا لموسى، أو هو من كلام اللَّه رأسا، والأذان هو (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ. . .) إلى آخر الآية، وسواء أكان الكلام منسوبا لموسى، أم إلى اللَّه، فالإيذان بالزيادة في الشكر والعذاب في الكفر من اللَّه، أما الكلام في هذه الآية فمنسوب لموسى قال لقومه من بني إسرائيل، أو هم وغيرهم. وفى هذا النص (إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) فيه بيان أن الشكر والكفر مغبتهما تعود على الناس والثقلين جميعا، ولا تعود على اللَّه تعالى في شيء، ولهذا قال: (فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) وهذا ينبئ عن جواب الشرط، والمعنى إن يكفر الناس والثقلان فإن اللَّه لَا يضيره شيء، ولا ينقص من ملكه، إن اللَّه لغني حميد، أي لَا يحتاج إلى عباده وهو حميد، أي محمود من الملائكة، ولقد قال البيضاوي في تفسير كلمة (حَمِيدٌ): " مستحق للحمد في ذاته، محمود تحمده الملائكة وتنطق بنعمه كل المخلوقات، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الإنعام وعرضتموها للعذاب الشديد " (١).

стр. 5588

روى مسلم عن أبي ذر الغفارى عن رسول اللَّه ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المحْيط إذا أدخل البحر " (١).

стр. 5589

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) الاستفهام هذا للإنكار بمعنى نفي الوقوع فهو للنفي جاء على صورة الاستفهام تأكيدا للنفي كأنهم سئلوا فأجابوا بالنفي، وهو داخل على النفي، فنفي النفي إثبات، فمعنى (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ. . .) إلخ، قد جاءكم نبأ الذين من قبلكم قوم. . . والنبأ الخبر الخطير الشأن. وقد قال ابن جرير: " إن هذا الكلام على لسان موسى لقومه بني إسرائيل وأهل مصر "، ولكن رد ذلك القول ابن كثير في تفسيره، ونحن معه؛ لأنه لَا دليل على نسبته إلى موسى ﵇، ولأن فائدته في جعله عاما أوفى من حيث المعنى؛ ولأن روح الآية تجعل الخطاب لن يتلو القرآن من مشركي العرب وغيرهم. و " النبأ " الخبر الخطير الشأن، وقد كان خبر قوم نوح خطير الشأن، وكذلك عاد وثمود، لأنها أخبار بهلاك أمم وجماعات بسبب خروجهم عن أمر ربهم.

стр. 5590

والمعنى في الجملة: قد أتاكم الخبر الخطير الشأن قوم نوح إلى آخره، (وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) ومن هم الذين من بعد هؤلاء، ولا يعلم مآلهم إلا اللَّه تعالى. أحسب أن المراد بهم أمة محمد ﷺ الذين كفروا برسالته، ويعاندون فيها، ويؤذون المؤمنين، ويسفهون قول الرسول ﷺ ، ويصرون على عبادة الأوثان. ويكون قوله تعالى: (وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) تهديد لهم، وحمل لهم على المقايسة بينهم وبين غيرهم، فإذا كان نبأ الغابرين هلاكهم، فليقيسوا حالهم على حال أولئك الغابرين. وقد حكى سبحانه ما كان بين الرسل السابقين وأقوامهم، فقال عز من وإ؛ ل: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ)، أي بالأدلة المبينة الهادية المرشدة التي لَا يدخلها امتراء فلم يجيبوا. وعبر اللَّه عن امتناعهم عن الإيمان بقوله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) كانت حالهم تجيب بأن ردوا أيديهم في أفواههم وقالوا. . . . وقد تكلم الزمخشري في قوله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) فذكر عدة احتمالات مجازية لمعنى هذا التعبير القرآني الكريم ولم يعين واحدا، فقال: (فَرَدُّوا أَيْديَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) يعضوها غيظا وضجرا مما جاء به الرسل، كقوله تعالى: (. . . عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ. . .)، أو ضحكا واستهزاء، كمن غلب عليه الضحك فوضع يده على فيه، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم من قولهم: (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ) وهذا قول قوي، أو وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء أطبقوا أفواهكم وأسكتوا، أو ردوها في أفواه الأنبياء يشيرون لهم إلى السكوت يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون، وقيل: الأيدي جمع يد، وهي النعمة بمعنى الأيادي أي ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحي إليهم من الشرائع والآيات في أفواههم؛ لأنهم إذا

стр. 5591

كذبوها، ولم يقبلوها فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل " (١). هذه احتمالات مختلفة لم يعين واحدا منها للدلالة في الآية الكريمة، وإن كان وصف القول الثالث بأنه قوي، وإنا نرى أن وضع اليد في الفم يكون عندما يلقى إلى الشخص خبر مستغرب، فالتعبير الكريم كناية عن استغرابهم الخبر، وإن كان لنا أن نختار من احتمالات الزمخشري، فهو قوله عضوا أناملهم من الغيظ، ولكنا مع ذلك نرى أنه كناية عن استغرابهم. عرض لهم استغراب قول رسلهم أولاً، ثم انتهى الاستغراب بالإنكار، والكفر (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسلْتُم بِهِ) انتهى استغرابهم بالإنكار بكونهم رسلا، فالكفر بالرسالة أما موضوعها وهو ما يدعونهم إليه من توحيد وشرائع، فقد قالوا فيه: (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ ممَّا تَدْعُونَنَا إِليْهِ مُرِيبٍ) ومريب معناه موقع في الريب، من أرابه أو أوجد عنده قلقا، أي أنهم يرتابون في دعوى التوحيد، وأنها تجعلهم في قلق بالنسبة لآلهتهم التي ورثوا عبادتها عن آبائهم، فدعوة التوحيد تخرجهم من الاطمئنان إلى الباطل إلى الشك والريب، فدعهم في ريبهم يترددون. إجابة رسلهم قال تعالى: * * * (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا

стр. 5592

عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) * * * جاء النور على المشركين كالضوء الساطع على من يكون في ظلام دامس، فلا تقوى عينه على النظر وتضطرب وترتاب، فقالوا: (إِنَّا لَفِي شَكٍّ مما تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)، فهذه حيرة من يكون في ظلمة حالكة فيلاقى ضوءًا شديدًا. وقد كانت مجاوبة بين الرسل وأقوامهم، وهذه المجابوبة صورة واضحة متحدة في كل الخلاف بين الشرك والإيمان أو بين الرسالة الإلهية ومن ينكرونها، ولم تكن هذه المجاوبة بين رسول بعينه، وقوم بأعيانهم، ليس هي صورة عامة جامعة متحدة، وإليك المجاوبة:

стр. 5593

(قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... (١٠) الاستفهام إنكاري توبيخي لإنكار الواقع، فقد وقع الشك منهم كما تدل الآية السابقة، وهو حيرة أهل الظلام إذا رأوا النور تحيروا بين باطل ألفوه، وحق جاء إليهم هاديا فارتابوا. وقدم الجار والمجرور (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) لأهمية الشك في اللَّه أو لغرابة أن يكون ثمة شك في اللَّه تعالى، وهو الذي فطر السماوات والأرض، أنشأهما إنشاء، وفطرهما فطرا، أيكون في وجوده شك، وقد قامت الأدلة وتوافرت البراهين من الوجود بكل أطرافه.

стр. 5594

هذا عجب عجاب من الشك في اللَّه ، وهناك عجب من الشك فيما يدعو إليه الرسل، إنهم يدعون إلى أمر نافع في ذاته لَا يسوغ للعاقل أن يشكك فيه أو يرتاب، وقال تعالى: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ) وهنا أسندت الدعوة إلى اللَّه تعالى لتربية المهابة في نفوسهم، ولتكون النسبة إليه بيانا لوجوده، ورقابته لهم ولأعمالهم وإشعارا لهم بالهيمنة عليهم، وقوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنوبِكُمْ)، (مِّن) هنا إما أن تكون بيانية، ويكون المعنى (ليغفر لكم ذنوبكم) وتكون للدلالة على استغراق الغفران لكل الذنوب إذا آمنوا، فإن الإسلام يجب ما قبله كقوله تعالى: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ. . .)، وإما أن تكون للتبعيض، أي (ليغفر لكم بعض ذنوبكم)، وهو ما يتعلق بالشرك ونحوه، أما ما يتعلق بالمظالم فإنه لَا يغفر إلا أن يعفوا أصحابه. وعندي أن تخريج القول الكريم على أنها بيانية أولى بالأخذ أولا، لأن جَبَّ الإسلام لما قبله عام غير خاص بذنب دون ذنب، وإذا كان الشرك قد غفر فما دونه أولى. وثانيا، لأنه كان من المشركين من قتلوا وسفكوا فغفر اللَّه لهم ذلك، وحسبك أن اللَّه غفر لوحشي قاتل حمزة، وثالثا: لأن النبي ﷺ صرح بأن كل دم في الجاهلية موضوع، وبأن ربا الجاهلية موضوع (١). وقد ذكر سبحانه أنه يؤخرهم إلى أجل مسمى، وبعده يكون البعث، وفي هذا إنذار لهم إن استمروا في ضلالهم يعمهون. هذا كلام الرسل، فبماذا أجابوا؟. أجاب المشركون بتصوير القرآن ذاكرا الإجابة التي اتحدوا فيها على اختلاف قرونهم ليبين للنبي ﷺ ألا يضيق صدرا بما يجادل به مشركو مكة، فهو حال

стр. 5595

الشرك في كل العصور في إنكارهم رسالات اللَّه، (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)، (إِنْ) هنا نافية وهي مع الإثبات بعدها بالاستناد تفيد القصر، أي أنتم معشر الرسل مقصورون على البشرية، لَا يصح أن تتعدوها إلى ادعاء أن اللَّه يخاطبكم من عليائه وأنكم رسله إلينا، كما قال مشركو مكة: (. . . مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ. . .)، وجاء على لسان المشركين قولهم: (مِّثْلُنَا)، أي أنكم تماثلوننا في البشرية ونحن لسنا أنبياء، فلستم بأنبياء مثلنا، وإنكم تحاولون أن تصدونا عما شأن يعبد آباؤنا من أوثان، وكأنهم بهذا يستندون إلى حجة واهية من حججهم الداحضة، وهي أنهم يتبعون آباءهم، وذلك كافٍ لاستمرارهم في غيهم. وقرنوا قولهم هذا بأن الرسل لم يقدموا حجة، فأنكروا ما جاء إليهم من معجزات دالة على رسالاتهم تعنتا ولجاجة في الخصومة، وقالوا: (فَأتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ)، أي بدليل واضح بيِّن يلائمنا، والسلطان هنا الحجة، وكثيرا ما عبر القرآن الكريم عنها بالحجة؛ لأنها تجعل للخصم سلطانا على خصمه يلزمه بالقبول والخضوع لَا يقول. تنبيهان: أولهما: أن اللَّه تعالى جمع أقوال الرسل في قول واحد، وهم كانوا في أجيال مختلفة، وجمع أقوال المشركين في قول واحد؛ لأنهم جميعا على قول واحد، وكأنه نابت من منابت الشرك المتحدة، فيكون إنتاجها واحدا، ولبيان أن الرسل أجيبوا جميعا بمثل ما أجيب فليتأسَّ وليصبر، فإن اللَّه لَا يضيع أجر الصابرين. ثانيهما: أننا خرَّجنا قوله: (لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ) رجحنا أن (مِن) بيانية وسقنا ما نحسبه دليلا على الترجيح، ومن الحق علينا أن نذكر رأيا مخالفا لرأينا وهو رأى إمام البلاغة الزمخشري، فهو يرجح أن (مِّن) تبعيضية، ولننقل

стр. 5596

لك عباراته الدالة على ذلك فهو يقول: " فإن قلت ما معنى التبعيض في قوله تعالى: (مِّن ذُنوبِكم) ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله تعالى (. . . وَاتَقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغفِر لَكم مّن ذُنُوبِكمْ. . .)، (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ. . .)، وقال في خطاب المؤمنينِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢). وغير ذلك مما يقف عليه الاستقراء. وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، ولئلا يسوى بين الفريقين في الميعاد، وقيل: أريد يغفر لكم ما بينهم وبين اللَّه بخلاف ما بينهم وبين العباد من الميعاد (١). هذا ما وجب ذكره من كلام الزمخشري ليعلم القارئ الموضوع من وجوه النظر، وما كنا لنهمل رأي إمام البيان الزمخشري، وقد يسأل سائل لما ذكرت (مَن) في جانب المشركين إذا آمنوا، ونقول: لكثرة ذنوبهم فكان التعبير فيه إشارة إلى أن الغفران لكلها مع كثرته. إجابة الرسل على اعتراض المشركين:

стр. 5597

(قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) اعترض المشركون بأنهم بشر مثلهم، وبأنهم لم يأتوا بسلطان يثبت الرسالة، ولقد سلموا لهم الأمر الأول مؤكدين تسليمهم، قالوا: (إِن نَّحنُ إِلَّا بَشَرٌ مثْلُكُم) أكدوه بأن قصروا أنفسهم على البشرية لَا يعدونها، ولكن المشركين بنوا على المثلية بطلان دعواكم فلم يسلموا لهم ذلك، أي أنهم سلموا لهم بالمقدمة ولم يسلموا

стр. 5598

لهم بالنتيجة، لأنه لَا تلازم بين التماثل بينهم وبين غيرهم فى البشرية ومنع الرسالة؛ ولذا قال: (وَلَكنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يشاء مِن عِبَادِهِ)، فالاستدراك استدراك من النتيجة التي رتبوها في زعمهم وقد عدوا هذه النجوه منا من اللَّه تعالى على الذين اختارهم من صفوة عباده (. . . اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. . .)، وقد قالوا: إنه من اللَّه تواضعا، وتبرئة لأنفسهم من أن يعتقدوا أن لهم فضلا على الناس إلا ما اختصهم اللَّه تعالى به من الرسالة منا وفضلا، وما كان ذلك إلا لحكمة قدرها، أو كان فيهم بإرادة اللَّه، فهو أوجد فيهم من المزايا ما يجعلهم أكثر من البشرية المطلقة التي يتصف بها العاصي والطائع، والرسول ومن أرسل إليهم. أما كلامهم الثاني فى أمر المعجزة ففقد طلبوا نعتا ولجاجة معجزة اختاروها، وأعلنوا أن لن يؤمنوا إلا إذا جاءتهم هذه الآية، كما فعلوا مع النبي ﷺ ، وقد ردوا زعمهم هذا بقولهم: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، أي ما ساغ لنا ولا جاز أن نأتيكم بآية غير ما جئنا به إلا بإذن اللَّه تعالى، فهو الذي منَّ علينا من بين عباده بالنبوة، وهو الذي اختار لنا الآية الدالة على رسالتنا كشأن كل رسالة من غائب لحاضر، أن الغائب هو الذي يختار الإشارة الدالة على أنه مبعوث من قبله، وقد اختار ذلك السلطان، فلا مناص لنا منه إلا أن يمن علينا بسلطان غير ما أعطانا، وإذا كنتم مسترين على معارضتكم، ومقاومتكم، وإعناتكم وإيذائكم، فنحن قد بلغنا وفي سبيل البلاغ لَا حامي لنا إلا الله تعالى؛ ولذا قالوا (. . . على اللَّهِْ تَوكَّلنَا. . .)، أي كنتم كنتم تعتمدون في معاندتكم وإعناتكم على قوة لكم تحسبونها، فنحن متوكلون على الله يحمينا من إيذائكم، وقدم الجار والمجرور (. . . علَى اللهِ توكلْنَا. . .)، لبيان أنهم لا يعتمدون إلا عليه، وأنه فوق كل الأقوياء، وأمروا المؤمنين الذين يؤذيهم المشركون ويسخرون منهم بأن يتوكلوا على اللَّه، ويصبروا فإنه لا محالة ينجيهم من إيذائهم وستكون كلمة الله هي العليا، وهو العزيز، ولذا قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، وقدم الجار والمجرور للدلالة على أنه لَا يعتمد إلا عليه سبحانه،

стр. 5599

و (الفاء) لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمعنى إذا كنا معشر الرسل قد توكلنا على اللَّه وحده فليتوكل المؤمنون على اللَّه وحده، ويتضمن ذلك طلبين: أحدهما الصبر على أذى المشركين، والثاني: الاعتماد على اللَّه وحده، وأنه ناصر الرسل ومن اتبعوهم غير خاذلهم ولا ممكن لمشرك منهم. وبعد ذلك بين سبحانه على لسان رسله المسوغ لتوكلهم عليه وحده فجاء على لسانهم قوله تعالى:

стр. 5600

(وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) (وَمَا لَنَا) الاستفهام هنا لتقرير التوكل وتثبيته، أي ما ساغ لنا ألا نتوكل على اللَّه وقد هدانا سبلنا، أي سبيل الحياة الصالحة التي جعلتنا نؤمن بأن الحياة الدنيا طريق الآخرة، وأن الحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية الباقية، أما الأولى: فهي الفانية، وقوله: (وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا) جملة حالية تفيد أولا أنهم آمنوا بهداية اللَّه فعرفوا سبيل الحق وسبيل الباطل. وأما الثانية: أنهم عرفوا بطلان عبادة الأوثان. وأفاد ثالثا: أنه لَا قوة في الوجود إلا قوته، وأضيفت السبل إليهم (سُبُلَنَا) للإشارة إلى أن هذه السبل هي التي ينبغي أن تكون مطلبهم وأن تكون غايتهم التي يبتغونها. وأنهم إذا عرفوا السبيل صراط اللَّه، واتخذوها سبيلا لهم فإنهم المعتمدون على اللَّه الصابرون؛ ولذا قال تعالى عنهم: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذيْتُمُونَا) اللام لام القسم؛ ولذا كانت معها نون التوكيد الثقيلة التي تلازم القسم (عَلَى مَا آذَيْتمُونَا)، على ما تقدمونه من إيذاء متوال مستمر، فإن على أهل الحق أن يصبروا على أذي المبطلين. ولقد أكد الرسل والمؤمنون اعتزامهم على الصبر حتى يبلغوا رسالات ربهم. وإنهم أمام هؤلاء الأقوياء المتعنتين لابد من اعتماد على القوي القادر القهار؛ ولذا قال تعالى عنهم: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)، أي عليه وحده فليتوكل المتوكلون، كان الأمر الأول بالتوكل للمؤمنين فقط، أما هنا فهو يشمل المؤمنين

стр. 5601

والرسل، وهو تحديد للتوكل الذي يجب أن يكون حال المؤمن لَا يفارقه؛ لأنه التوكل على اللَّه مع اتخاذ الأسباب عبادة. * * * محاولة الإخراج بعد أن كلَّت بهم الحجة ضاق صدرهم، فانتقلوا من الجدل الباطل إلى الإخراج من أرضهم. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) * * * لا يلجأ أحد إلى القوة إلا إذا كَلَّ به الدليل، وأحس بأن ما يسوقه من قول يحسبه حجة انهيار أمام قوة الحق؛ ولأن أتباع الرسل دائما يكونون قلة وأكثرهم ضعفاء يستهين بهم المشركون؛ لأنهم أعز نفرا، وأشد بأسا، وأكثر تعنتا؛ ولذا قال اللَّه تعالى:

стр. 5602

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) انحصر كلامهم في أن الرسل والمؤمنين يكونون بين أحد أمرين: الإخراج من أرضهم، أو أن يعودوا في ملتهم في عبادة الأوثان، وهنا أمران مهمان لابد من الإشارة إليهما. أولهما: القسم، فمهما هددوا به الرسل، وقد أقسموا (لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا) والقسم دُلَّ عليه باللام الموطئة للقسم ونون التوكيد الثقيلة، وهي بالنسبة لهم أوضح؛ لأنهم يملكون أعمالهم وأنفسهم فكيف يكون القسم بالنسبة للرسل، كأنهم يقسمون على الرسل والمعنى أنهم أخذوا قاسمين على أمرين لَا بد من تحقق أحدهما، وهو لنخرجنكم أو لتعودون، ونحن نقسم عليكم بذلك.

стр. 5603

الثاني: أن التعبير بـ (لَتَعُودُنَّ) يوحي إلى أنهم كانوا في ملتهم، وخرجوا منها وطلبوا أن يعودوا إليها، والرسل لم يكونوا فى ملتهم أبدا، فما كان الرسل ليشركوا باللَّه ويعبدوا الأوثان، والجواب عن ذلك من وجوه أولها: أن عاد بمعنى صار وهي كثيرة الاستعمال في اللسان العربي كذلك، وثانيها: أن ذلك ينطبق على أتباع الرسل، وثالثها أن حال الرسل قبل الرسالة تكون صمتا عن الشرك لا يعتقدونه ولا يقومون بالدعوة ضده، فيحسبهم الجاهلون من أهل الشرك أنهم معهم، فإذا جاءوا بعد البعث يدعونهم حسبوا ذلك جديدا على الرسل كما هو جديد عليهم، فطالبهوا بأن يعودوا إلى ما كانوا عليه لايعجزونهم بدعوة إلى الوحدانية ولا برسالة، ولا ذكر رسول. وفى هذا الوقت الذي بلغ فيه العِند أشده والكفر أطغاه ثبت اللَّه قلوب رسله (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) أوحى اللَّه إلى رسله قائلا لهم: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)، أو كان مدلول الوحي (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)،: اللام لام القمسم، والنون نون التوكيد الثقيلة، وهي توكيد للقسم فضل توكيد، وأظهر سبحانه في موضع الإضمار، فلم يقل لنهلكنهم، بل (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)،، لبيان سب الهلاك وهو الظلم، وقد ظلم هؤلاء إذ لم يؤمنوا وأشركوا (. . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣). وظلموا فتعنتوا وطلبوا آيات أخرى وقد جاءتهم البينات، وظلموا بإيذاء المؤمنين وظلموا أشد الظلم فهمُّوا بإخراج الرسول ومن معه، وحاولوا فتنة المؤمنين ليكفروا بعد إيمان، ولم يتركوا بابا من أبواب الظلم إلا دخلوه (. . . وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ). وكان من وحي اللَّه تعالى أنه بعد هاك الظالمين يسكن اللَّه الرسل ومن معهم مكانهم

стр. 5604

(وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ... (١٤) والأرض هي أرض الدعوة التي هدد المشركون أن يخرجوهم منها، ولكن أخدهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر قبل أن يتمكنوا، ولذلك قال الله تعالى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ

стр. 5605

الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا. . .)، وكما قال تعالى:، (وَأَوْرَثَكم أَرضَهمْ ردِيَارَهم. . .). وإن ذلك نصر الله تعالى فقد قال عز من قائل: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)، وقال تعالى:، (. . . وَالعَاقِبة لِلمتقين)، وقال تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) (مَقَامِي) مصدر ميمي، المقام بمعنى قيام، ومعنى قيام اللَّه، ومعنى الخوف من مقام اللَّه تعالى، أو قيامه على تدبير شئونه - رقابة كل أمور الإنسان بأنه لَا يعمل عملا إلا واللَّه تعالى يحاسبه عليه صغيرا أو كبيرا فيعبد الله كأنه يراه اللَّه، فإن لم يكن يراه فإن اللَّه تعالى يراه، وإن هذه مرئية الإحسان في الشعور باللَّه تعالى، كما ورد عن الرسول صلوات اللَّه تعالى وسلامه عليه، (وَخَافَ وَعِيدِ)، أي خاف وعيد اللَّه بالعذاب الشديد فهو يغلب الخوف على الرجاء؛ لأنه يستصغر حسناته ويستكثر سيئاته، وإنه ورد في الأثر. " من آذى جاره ورثه اللَّه داره ". * * * المآل هو العذاب والخيبة قال تعالى؛ (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
следующие страницы →