← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

والرسل، وهو تحديد للتوكل الذي يجب أن يكون حال المؤمن لَا يفارقه؛ لأنه التوكل على اللَّه مع اتخاذ الأسباب عبادة. * * * محاولة الإخراج بعد أن كلَّت بهم الحجة ضاق صدرهم، فانتقلوا من الجدل الباطل إلى الإخراج من أرضهم. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) * * * لا يلجأ أحد إلى القوة إلا إذا كَلَّ به الدليل، وأحس بأن ما يسوقه من قول يحسبه حجة انهيار أمام قوة الحق؛ ولأن أتباع الرسل دائما يكونون قلة وأكثرهم ضعفاء يستهين بهم المشركون؛ لأنهم أعز نفرا، وأشد بأسا، وأكثر تعنتا؛ ولذا قال اللَّه تعالى:

стр. 5602

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) انحصر كلامهم في أن الرسل والمؤمنين يكونون بين أحد أمرين: الإخراج من أرضهم، أو أن يعودوا في ملتهم في عبادة الأوثان، وهنا أمران مهمان لابد من الإشارة إليهما. أولهما: القسم، فمهما هددوا به الرسل، وقد أقسموا (لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا) والقسم دُلَّ عليه باللام الموطئة للقسم ونون التوكيد الثقيلة، وهي بالنسبة لهم أوضح؛ لأنهم يملكون أعمالهم وأنفسهم فكيف يكون القسم بالنسبة للرسل، كأنهم يقسمون على الرسل والمعنى أنهم أخذوا قاسمين على أمرين لَا بد من تحقق أحدهما، وهو لنخرجنكم أو لتعودون، ونحن نقسم عليكم بذلك.

стр. 5603

الثاني: أن التعبير بـ (لَتَعُودُنَّ) يوحي إلى أنهم كانوا في ملتهم، وخرجوا منها وطلبوا أن يعودوا إليها، والرسل لم يكونوا فى ملتهم أبدا، فما كان الرسل ليشركوا باللَّه ويعبدوا الأوثان، والجواب عن ذلك من وجوه أولها: أن عاد بمعنى صار وهي كثيرة الاستعمال في اللسان العربي كذلك، وثانيها: أن ذلك ينطبق على أتباع الرسل، وثالثها أن حال الرسل قبل الرسالة تكون صمتا عن الشرك لا يعتقدونه ولا يقومون بالدعوة ضده، فيحسبهم الجاهلون من أهل الشرك أنهم معهم، فإذا جاءوا بعد البعث يدعونهم حسبوا ذلك جديدا على الرسل كما هو جديد عليهم، فطالبهوا بأن يعودوا إلى ما كانوا عليه لايعجزونهم بدعوة إلى الوحدانية ولا برسالة، ولا ذكر رسول. وفى هذا الوقت الذي بلغ فيه العِند أشده والكفر أطغاه ثبت اللَّه قلوب رسله (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) أوحى اللَّه إلى رسله قائلا لهم: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)، أو كان مدلول الوحي (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)،: اللام لام القمسم، والنون نون التوكيد الثقيلة، وهي توكيد للقسم فضل توكيد، وأظهر سبحانه في موضع الإضمار، فلم يقل لنهلكنهم، بل (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)،، لبيان سب الهلاك وهو الظلم، وقد ظلم هؤلاء إذ لم يؤمنوا وأشركوا (. . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣). وظلموا فتعنتوا وطلبوا آيات أخرى وقد جاءتهم البينات، وظلموا بإيذاء المؤمنين وظلموا أشد الظلم فهمُّوا بإخراج الرسول ومن معه، وحاولوا فتنة المؤمنين ليكفروا بعد إيمان، ولم يتركوا بابا من أبواب الظلم إلا دخلوه (. . . وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ). وكان من وحي اللَّه تعالى أنه بعد هاك الظالمين يسكن اللَّه الرسل ومن معهم مكانهم

стр. 5604

(وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ... (١٤) والأرض هي أرض الدعوة التي هدد المشركون أن يخرجوهم منها، ولكن أخدهم اللَّه أخذ عزيز مقتدر قبل أن يتمكنوا، ولذلك قال الله تعالى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ

стр. 5605

الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا. . .)، وكما قال تعالى:، (وَأَوْرَثَكم أَرضَهمْ ردِيَارَهم. . .). وإن ذلك نصر الله تعالى فقد قال عز من قائل: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)، وقال تعالى:، (. . . وَالعَاقِبة لِلمتقين)، وقال تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) (مَقَامِي) مصدر ميمي، المقام بمعنى قيام، ومعنى قيام اللَّه، ومعنى الخوف من مقام اللَّه تعالى، أو قيامه على تدبير شئونه - رقابة كل أمور الإنسان بأنه لَا يعمل عملا إلا واللَّه تعالى يحاسبه عليه صغيرا أو كبيرا فيعبد الله كأنه يراه اللَّه، فإن لم يكن يراه فإن اللَّه تعالى يراه، وإن هذه مرئية الإحسان في الشعور باللَّه تعالى، كما ورد عن الرسول صلوات اللَّه تعالى وسلامه عليه، (وَخَافَ وَعِيدِ)، أي خاف وعيد اللَّه بالعذاب الشديد فهو يغلب الخوف على الرجاء؛ لأنه يستصغر حسناته ويستكثر سيئاته، وإنه ورد في الأثر. " من آذى جاره ورثه اللَّه داره ". * * * المآل هو العذاب والخيبة قال تعالى؛ (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ

стр. 5606

أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) * * *

стр. 5607

(اسْتَفْتَحُوا) طلبوا الفتح والنصر، والضمير يعود إلى الرسل، أي أن الرسل بعد أن اطمأنوا إلى وعد اللَّه تعالى لهم بأنه مهلك الظالمين بسبب ظلمهم تقدموا لمنازلة المشركين، واستفتحوا كما كان يستفتح النبي ﷺ في كل غزوة يغزوها، والفتح هو النصر، أي يطلبون النصر من اللَّه تعالى، ويصح أن يكون طلب الحق بأن يفصل بين الحق والباطل، كما قال اللَّه تعالى: (. . . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ). ويقول الزمخشري: إنه يكون مشتقا من الفتح بمعنى الحكم. وقوله تعالى: (وَخَابَ كلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) بيان لنتيجة المعركة التي استفتح لها الرسل، والواو للعطف على فعل محذوف، تقديره، وفتح اللَّه تعالى للرسل بأن نصرهم أو حكم لهم وخاب كل جبار عنيد، والكلية هنا معناها أن المتكبرين على الحق الجبابرة الذين يعتدون ويلجون في الباطل، ولا يصغون إلى حق من أي مكان، مآلهم الخيبة، والخسران المبين! وذلك لأن الجبار يستعلي فيظلم، ولا نصر لظالم، والعنيد يركب رأسه، فلا ينصت لداع يدعو إلى التأمل وتعرف عواقب الأمور، فلا يرى إلا ما يكون بين يديه من أمور ظاهرة لَا يتعرف ما وراءها، ويقول دائما مقالة فرعون: (. . . مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ). ولقد قال بعض السلف: إن الضمير في قوله تعالى: (وَاسْتَفْتَحُوا) يعود إلى الظالمين، أي الظالمين مع ظلمهم وطغيانهم يطلبون النصر، وذلك منهم إمعان في الضلال الفكري؛ إذ حسبوا ما عندهم خيرا يجيز لهم أن يستفتحوا من أجله.

стр. 5608

وقال بعض السلف: إن الاستفتاح كان من الفريقين فريق الحق وفريق الضلالة، وفتح اللَّه للمؤمنين وخاب الكافرون، وعبر عنهم بكل جبار عنيد للإشارة إلى سبب الخيبة، وهو الاستعلاء بالباطل واللجاجة فيه، ويقول تعالى فيما يستقبل كل جبار عنيد عذاب أليم:

стр. 5609

(مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ. . .). الضمير في (مِنْ وَرَائِهِ) يعود إلى كل جبار عنيد، أي أنه في الدنيا خيبة، وعجز مع استعلاء وتجبر وعناد، وبعد ذلك في الآخرة (جَهَنَّم) يدخلها، (وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ) هو صديد من قروح جلود أهل النار، ووراء تجيء بمعنى بعد، كما تقول عذاب وراء عذاب ولوم وراء لوم، كما قال النابغة الذبياني. حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء اللَّه للمرء مذهب أي بعد اللَّه، وكما قال الشاعر: عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب كما تقول: جاءوا صفوفا صفا وراء صف. وقوله تعالى: (وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ) الواو عاطفة على فعل محذوف، تقديره من ورائه جهنم يبقى فيها، ويسقى من ماء صديد، وهو الماء الناتج من القروح التي تجيء من حرق جلودهم، وكلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا غيرها حتى يذوقوا العذاب، وكأنه يستقبلهم من وراء عنتهم ولجاجتهم عذابان: أحدهما: الإبقاء في جهنم وهو ذاته عذاب، إذ يكون لهيبها، والعذاب الثاني: أنهم لا يرتوون إلا بماء شربه ذاته عذابه أليم، وهو الصديد، وقد وصف شربه فقال: (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)

стр. 5610

يطلبون الماء فيجابون، ولكن سقوا ماءً حميما فقطع أمعاءهم، وإن يستغيئوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، فإذا استسقوا جاءهم ماء، هو صديد يجتمع فيه قبح ذاته وحرارته، وأنه يقطع الأمعاء، ولكنهم مع ذلك يشربونه لأنهم عدموا الري، فلا ري سواه (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) أن يحاول شربه بأن يتجرعه جرعة جرعة ولا يطيق أن يشربه شربا مع رغبته في الماء، (وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) يقال: ساغه، أي شربه مستطيبا له مسيغا له، أي مرَّ في حلقه بسهولة، وكذلك أساغ، أو نقول: أساغه حاول أن يجعله يمر شيء الحلق سائغا ولا يكاد يستطيع ذلك، فقد اجتمع فيه ما ذك نا من قبح الذات والمنظر والحرارة وشأنه ليس بمرىء، وقد وصف الله تعالى حالهم، فقال: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) فالموت يأتيه من فوقه، ومن تحته، ويقول بعض الصالحين ناقلا عن المأثور: إنه لَا يبقى عضو من أعضائه إلا وكِّلَ به نوع من العذإب لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها، أي أن أسباب الموت تتضافر عليه فلا يموت، وإنه كما قال تعالى:، ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) فهي حياة هي الفناء، بل إنه لو كان الفناء لكان خلاصها. (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ) أما بعد تلك الحياة الشديدة الغليظة التي لَا تفنى، ولا تُبقى، من بعدها عذاب شديد (غَلِيظٌ) يجمع بين صفتين: الشدة والغلظة، فيكون أقسى العذاب؛ لأنهم تمتعوا بالشر والأذى والاستكبار فكان ذلك العذاب جزاءً وفاقا لما قدموا. وقد بين اللَّه تعالى مع ذلك أن ما يفعلون من نفع في الدنيا لأنه ينقصه الإيمان، بذهب هباء، فقال عز من قائل:

стр. 5611

(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)

стр. 5612

المثل: الصفة الغريبة، وغرابتها ليست في ذاتها فقط، إنما كانت غرابتها لأنها جاءت على خلاف ما يزعمون، إذ يزعمون أولا: أن أوثانهم ستكون شفيعة لهم، وكانوا يفعلون أمورا يحسبونها من مكارم الأخلاق كإكرام الضيفان وإغاثة اللهوف أحيانا، كما فعل بعض كبرائهم في حلف الفضول، ويحسبون ذلك عملا طيبا، ولو كان مقصده المفاخرة والمباهاة. ثانيا، ويرون أنهم الكبراء الذين لَا تنسى محامدهم ثالثا، لكنهم يرونها يوم القيامة كرماد اشدت به الريح في يوم عاصف. (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) أي حال الذين كفروا بربهم، أي جحدوا بربهم الذي خلقهم وأنشأهم وقام على شئونهم وربَّهم وحفظهم، حالهم الغريبة أعمالهم كرماد اشتدت به الريح، وفي قراءة الرياح، وهذه الجملة على الخبر أو دالة عليه. وقد شبه اللَّه أعمالهم بالرماد الذى تأتي عليه الريح عاصفة شديدة الهبوب فتثيره فتكون رمادا يتبدد، يغبر به الجو، ثم لا يبقى منه شيء، إلا الغبار الذي يصيب أعينهم ويفسد جوهم، والريح هو العاصف، ولكن وصف اليوم بأنه العاصف من باب إطلاق الزمن على اسم ما يحل فيه، كيوم ماطر، ويوم صائف، ويوم صائم. وذلك لاستغراق عصف الرياح لليوم كله، حتى كأنه اليوم الذي اتصف بالعصف ليس غيره. وقوله تعالى: (اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) مشتقة من الشدّ بمعنى العدو، كقولهم شد عليه بمعنى عدا عليه وغلبه، أو مشتقة من الشدة، وهو الأظهر، والباء للتعدي، أي اشدت فيه الريح وفي قراءة الرياح. وقوله تعالى: (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ)، قدم (مِمَّا كَسَبُوا)، على (عَلَى شَيْءٍ)، للاهتمام بما كسبوه فهم كانوا يحسبونه شيئًا من المكارم، والأعمال الصالحة فلا يجدونه شيئًا؛ وذلك لأنه فقد المؤثر النفسي وهو الإيمان، وقصد الخير

стр. 5613

لذات الخير للمفاخرة والمباهاة وإثارة العصبية، والمفاخرة، ومعنى (لَّا يَقْدِرُونَ) لا يملكون، يكون في مقدورهم أن ينتفعوا به؛ لأنه صار منثورا لَا يقبض عليه، كما قال تعالى في آيات أخرى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا)، وقال تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧). وتلك النهاية هي غاية البعد من الحق والضلال البعيد في الضلالة. وقد بين سبحانه أن الجزاء الأوفى يكون يوم القيامة، وأنه قادر على الإعادة، كما قال تعالى: (. . . كَمَا بَدَأَكمْ تَعُودُونَ)؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5614

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) الاستفهام هنا لإنكار الوقوع أي للنفي، وهو داخل على النفي (لم) ونفي النفي إثبات وهو إثبات مؤكد، كأنه استفهم فكان الجواب هو الإثبات، وتأكيد أن اللَّه خلق السماوات والأرض، وقوله تعالى: (بِالْحَقِّ)، أي متلبسا بالحق في ذاته، وبأنها لم تخلق عبثا، كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) وبأنها ثابتة دائمًا ثبات الحق، فوضع لها نظما، وسننا ونواميس تجعلها مربوطة برباط محكم، فأقام السماء بغير عمد ترونها وزينها بزينة الكواكب. وكما قال تعالى: (. . . رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، وكما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كفَرُوا فَوَيْلٌ للَّذِينَ كفَرُوا مِنَ النَّارِ)، ما خلق اللَّه ذلك إلا بالحق.

стр. 5615

وقوله تعالى: (إِن يَشَأ يُذْهِبْكُمْ وَيَأتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) أن هذا الذي أنشأ السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن قادر على أن يذهبهم وأن يفنيهم، فالإفناء أسهل من الإنشاء (وَيَأتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) وإن الإتيان بجديد مثلهن القدرة عليه ثابتة بالمقايسة، فمن قدر على الإنشاء قادر على الإنشاء الثاني

стр. 5616

(وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) أن ليس ذلك الإنشاء الثاني بعزيز، أي متعذر أو متعسر عليه سبحانه، فهو قادر بذاته، لَا يختص بابتداء ولا إنشاء من جديد، فالقدرة ثابتة، ومتى يثبت لَا يعز شيء عليه ولا صعب. وفى هذا الكلام بيان أن اللَّه قادر على الإعادة، لأنه قادر على الإنشاء من جديد، كما قال سبحانه: (إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ ويَأتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ). وكما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣). وكما قال تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ). وإن الآية تفيد بإشارتها ترهيب المشركين بأنهم لَا يعجزون اللَّه، فإنه يستطيع إهلاكهم، وخلق غيرهم. وإنهم في قبضة اللَّه في الدنيا، وجزاؤهم عنده في الآخرة، وهو يتولى الجزاء بالإحسان لمن أحسن وبالعذاب لمن عصى. * * * ما بين التابع والمتبوع والشيطان قال اللَّه تعالى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ

стр. 5617

مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) * * * هاتان الآيتان تصوران المجاوبة التي تكون بين العصاة وأولهم الشيطان الذي أقسم ليغوين الناس إلا عباد اللَّه المخلصين، والطبقة التي استغواها ابتداء المتبوعون من ذوي الاستكبار والاستعلاء على الناس بالجاه الدنيوي والمال والعزة، وهؤلاء يؤثرون في عرهم فتكون الطبقة التابعة والإمَعات (١) الطائعة. صور اللَّه سبحانه أقوال التابعين للمتبوعين وابتداء منِ الدنيا في العصيان إلى من أخذوهم إلى الضلال، فقال تعالى:

стр. 5618

(وبَرَزوا لِلَّهِ جَمِيعَا)، أي ظهروا أمام الله جميعا وقد عصوه، إذ أشركوا به أندادا لَا تنفع ولا تضر، وذلك بعد أن بعثهم اللَّه تعالى، وأنشرهم من قبورهم وجمعهم يوم الحشر فكانوا أمام اللَّه، وقد كذبوا بلقائه، وقالوا: (. . . أَئِذَا كُنًا ترَابًا أَئِئا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .)، والتعبير بـ (بَرَزُوا) فيه تذكير بالعيان لبطلان أقوالهم في الدنيا، وجميعا: إشارة إلى أنه قد جمع التابع والمتبوع والأبيض والأسود، والعربي والأعجمي، وكانوا بين يدي اللَّه وحده، وكانت المجاوبة الآتية: (فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) الضعفاء: جمع ضعيف، والضعيف يشمل ثلاثة أنواع ممن يتصفون بالضعف:

стр. 5619

أولهم: الأرقاء والفقراء والأرذلون في معيشتهم في الدنيا، الذين لا يملكون من أمرهم شيئا وفيهم ذلة لم يزيلوها بالإيمان. وتانيهم: الضعفاء في تفكيرهم الذين يرضون بأدنى فكرة ويتبعون غيرهم اتباعا من غير دليل، بل في استكانة، وإن كانوا أقوياء في مالهم فهم ضعفاء في نفوسهم. وثالثهم: الذين يتبعون القوة دون دليل. يقولون للذين استكبروا من الكبراء ذوي الوجاهة والقيادة في الضلال: (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا)، وتبع جمع تابع، أو مصدر نعت به، ويكون معنى التعبير هو الإيغال في التبعة كأنهم لَا وجود لهم (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) الفاء تدل على أن ما بعدها سبب لما قبلها، أي بسبب هذه التبعية هل أنتم مغنون عنا عذابا من عذاب اللَّه من شيء (مِنْ) الأولى للتبعيض، ومن الثانية للاستغراق، والاستفهام إنكاري لإنكار الوقوع، أي لستم مغفنون عنا بأي قدر من عذاب. أجاب الذين استكبروا عن الحق، فقد أجابوا عن هذا الاستفهام الإنكاري، الذي لَا يخلو من معنى التوبيخ والملامة حيث لَا لوم قائلين: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ)،، والمعنى أننا على سواء، لو هدانا اللَّه إلى الحق لهديناكم إليه ولكننا ضللنا فضللتم، وإنكم إذ كنتم تبعا لنا فارتضوا بما وقع لنا، ولا يخلو هذا الكلام من إلقاء اللوم عليهم في التبعية من غير تفكير وتبرير، وكأنهم يشيرون إليهم إلى أنهم كان عليهم أن يتبعوا عن بينة. ثم يقولون لهم: إننا وقد وقعنا في الضلال علينا أن ذوق مغبتها طائعين؛ لأننا مجبرون، وفي آية أخرى صرح الكبراء فقالوا: (. . . فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩).

стр. 5620

وفى هذه الآية يقولون: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) سَوَاءٌ معناها يستوي علينا جزعنا أم صبرنا، فالجزع لَا يحول الشر عنا، والصبر لَا يمنع الأذى. وقد فسروا هذه التسوية بقولهم: (مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ)، أي منجاة من العذاب، أو مهرب منه أو مُتَحول من هذه الحال إلى غيرها، ومحيص: من حاص حيصا، وهو التحول، أي ما لنا من تحول، ومحيص هنا إما أن يخرج القول على أن محيص اسم مكان، ومكانهم جهنم، أي ما لنا تحول عن هذا المكان، أو مصدر ميمي، أي ما لنا تحول عما نحن فيه، فالأمر للَّه. تلك هي المجاوبة التي بين التابع والمتبوع، والشيطان مصدر ضلالهم وإغوائهم وهو كالمتفرج عليهم ولكنه غير ناج:

стр. 5621

(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ ... (٢٢) أي أحكم وفصل فيه، ولم يكن لحكم اللَّه مرد ولا نقص، (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ)، أي وعد هو الحق، فالإضافة بيانية، أي الأمر الصحيح الثابت الصادر من مالكه، وهو الذي يجازي عليه بالثواب وعلى مخالفته بالعقاب، والفعل في ذاته نفع لَا ضرر فيه، وخير لَا شر فيه، وكان عليكم أن تطيعوه، ولا تخرجوا عليه. (وَوَعَدتُّكُمْ فَأخْلَفْتُكُمْ) ولم يذكر وصف وعده؛ لأنه مفهوم من وصف الأول بأنه الحق ومقابله باطل، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وترك لأنه مفهوم من السياق، ولكي تذهب مذاهب فيما يعد به الشيطان إنه لَا يعد إلا بما يكون من ورائه الفساد والبوار، والعبث والشر، فهو ليس باطلا فقط بل أكثر من باطل إمعانا في الشر، وقوله: (فَأَخْلَفْتُكُمْ)، أي منيتكم الأماني الباطلة، وأودعت نفوسكم الأوهام، وزينت لكم السوء لتحسبوه أنه حق، وإسناد الإخلاف إليه - لعنه اللَّه تعالى - مع أن الإخلاف من اللَّه تعالى، وبيان كذب ما وعد وألقى به في أمنية الناس، لبيان أنه وهو يعد يعلم أنه باطل وأنه إغواء، فكأنه هو الذي أخلف لأنه يعلم أنه كذب لَا حقيقة بل هو وهم ضلال،

стр. 5622

بعد ذلك اتجه الشيطان لتبكيتهم لأنهم أطاعوه، فقال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوتكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي)، أي أجبتم دعوتي الخالية من أي تسلط أو دليل طالبين ذلك مجيبين له، فما كانت تبعة طاعتكم لي عليَّ، إنما كانت عليكم؛ ولذا قال: (فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفسَكُم) لقد كان أمامكم أمر اللَّه، وهو الخالق المنشئ، ودعاكم إلى الحق، ومعه الأدلة الثابتة وأمامكم دعوتي الخالية من البرهان والدليل، وليس لي عليكم قوة مهيمنة إلى وسوسة خفية فأطعتمونى وعصيتم ربكم. وهذا شأن أتباع إبليس دائما يقعون في الشر ثم يلومون من أوقعوهم لأنهم أطاعوهم، وإن الشيطان له عذاب، وهو يصرخ بأنه فيه، وإنه لَا يستغيث، لأن أحدا لَا يغيثه ولا يستطيع أن يغيث أحدا، ولذا جاء على لسانه قوله: (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) المصرخ هو المجيب للمستصرخ المغيث له، والصارخ هو المستغيث والمعنى بمستطيع إغاثتكم وما أنتم بمستطيعين إغاثتي، فالعذاب نازل بنا، وعلى كل أن يتحمل مغبة ما عمل وما اعتقد وما وسوس به من شر. وقد أعلن ضلاله وضلالهم بقوله: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ)، (ما) هنا مصدرية أو موصولة ولا يختلف المعنى في التقديرين، والمعنى: إني كفرت بالذي أشركتموني في عبادتكم من قبل، أي كفرت الآن بشرككم في الدنيا، وآمنت باللَّه تعالى وحده لَا أشرك به شيئًا، وقال: أشركتموني مع أنهم ظاهرا ما كانوا يشركون الشيطان بل كانوا يشركون أوثانا. فلِمَ نسب إليه أنهم كانوا يشركونه؟ والجواب عن ذلك أن عبادتهم الأوثان كانت بوسوسته هو وتسويلهم، والأصنام لَا حقيقة لها، فكأنهم كانوا يشركونه باللَّه ، وقوله تعالى: (كَفَرْتُ) تفيد أنه يكفر الآن، مع أنه وهو الذي يزين عبادة الأوثان يعلم أن اللَّه وحده هو المستحق المعبادة، ولا معبود سواه، وأن عمله إغواء وإضلال، فهو غير مؤمن بها من قبل، والجواب عن ذلك: أنه الآن يعلن كفره بها.

стр. 5623

ويتول الله تعالى واصفا العصاة بالظم: (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) تحتمل هذه الجملة السامية أن تكون تتميما لكلام إبليس، وتحتمل أن تكون من اللَّه لبيان استحقاق العصاة جميعا للعذاب، وأرى أن الاحتمال الثاني هو الحق، فهو بيان لتسجيل العذاب المؤلم في ذاته عليهم بسبب ظلمهم تابعين ومتبوعين ومغويهم معهم، فهم ظلموا الناس، وأفسدوا في الأرض فحقت عليهم كلمة العذاب. * * * أهل الجنة قال اللَّه تعالى: (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧) * * *

стр. 5624

بعد أن صور الله تعالى حال العصاة، وشيخهم إبليس ليعلم المؤمنون مآل العصيان فيجتنبوا أسبابه في الدنيا، بين سبحانه ما ينتظر المؤمنين تشجيعا لهم ليستمروا في طريقهم وهو طريق الحق، فقال سبحانه:،

стр. 5625

(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ). (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا) البناء للمجهول، ومن الذي أدخلهم، أي ما الفاعل الذي لم يذكر وبني للمجهول، قالوا: إن الفاعل هم الملائكة، وإن ذلك سائغ مستقيم، ويصح أن تقول: إن الله سبحانه هو الذي أدخلهم، ولكن لم يذكر لفظ الجلالة للإشارة إلى أن ذلك جزاء عملهم، فالبناء للمجهول يؤدي إلى هذا المعنى وهو ترتيب الإدخال في الجنة على أعمالهم، وقوله تعالى: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)، أي برضاه وأمره، وما رتبه من أن لكل نفس ما كسبت، وقد ذكر سبب دخول الجنة في صلة الموصول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فسبب دخول الجنة أمران: الإيمان وهو بالحق وتصديقه والإذعان به، والعمل الصالح، وقال تعالى: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)،، أي الأفعال الصالحة من أداء الفرائض، والصح وصف عام لكل عمل هو نافع لذاته، وقصد به وجه المنفعة للناس، فالصاحات تشمل كل الفرائض الشرعية والعمل الطيب والقول الطيب. ولا نتعرض لكون العمل جزءا من الإيمان أولا، إنما نقول: إن ما تنفق به الآية ومثيلاتها أن العمل جزء من استحقاق الثواب الذي أعد للمؤمنين. وقد وصف الله الجنة بأنها النعيم المقيم، فالأنهار تجري من تحتها، أي أن الأنهار تجري من تحت الأشجار، فتجري فيها متخللة أشجارها فيكون المنظر بهيجا، وتكون متعة النفس بالظلال، ومنظر الماء يجري، والخضرة التي تسر النفس، وتمتع القلب. ويكون مع ذلك الأنس الروحي بالائتلاف والأمن والسلام؛ ولذا قال تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) يتباددون التحية، وليس تلاوما أو تأثيمًا، كما يجري بين أهل النار بين التابع والمتبوع والشيطان من ورائهم.

стр. 5626

وإن الفرق بين الإيمان والكفر أمران: أولهما الإيمان، وثانيهما كلمة الحق، وإن كلمة الحق تهدي إلى البر والإيمان؛ ولذا مثَّل اللَّه تعالى كلمة الحق، وكلمة الكفر بمثلين، فقال تعالت كلماته:

стр. 5627

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ... ). الاستفهام لإنكار الوقوع بمعنى النفي، وقد دخل على (لم) وهي للنفي، ونفي النفي إثبات، والمعنى، لقد ترى كيف ضرب اللَّه مثلا. . . . والإثبات على هذا النحو يدل على تأكيد الإثبات والتنبيه وتوجيه النظر إليه. والعلم متجه إلى الحال والكيف، قال: (كَيْفَ ضَرَب اللَّهُ مَثَلًا. . .) أي لقد ترى الحال في ضرب اللَّه المثل، ضَرَب بمعنى بيّن، والمعنى: كيف بين مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. (أَصْلُهَا ثَابتٌ) في الأرض بجذورها الممتدة في عروق الأرض، ثابتة بثبات هذه الجذور، (وفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)، أي غصونها ممتدة في السماء، وكلما علت الشجرة في السماء وامتدت فروعها فيها كثرت ثمراتها، وتدلت مع فروعها، والمراد من الفرع الفروع كما في بعض القراءات، أي فروعها في السماء. ثم وصف سبحانه طيب هذه الشجرة فوق ما وصف بأن ثمراتها دائمة لا تنقطع، فقال تعالى:

стр. 5628

(تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ... (٢٥) أي تؤتي ثمراتها في كل حين، وإيناعها بإذن ربها. والشجرة هي المشبه به، وقد وصفها سبحانه بأنها طيبة، وطيبها في أنها ثابتة الأصل، وبأنها مرتفعة، وبأنها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. هذا هو المشبه به، فأما المشبه: هي الكلمة الطيبة، والكلمة الطيبة فيها عناصر الطيبة التي ذكرت في الشجرة، فهي كلمة النفس والقلب والعقل، تنبع من القلب والعقل فقال بإخلاص للَّه تعالى، وهو الحق، وإنها إذ تقال تعلو بصاحبها

стр. 5629

عن سفساف الأمور، وتتجه به إلى معاليها، فهي ترفع صاحبها ولا تهوى، وهي هادية مرشدة ممتدة النفع تؤتي ثمراتها كل حين، والكلمة الطيبة تبقى ببقاء الأنفس المتبصرة المدركة، فالكلمة حياة تحيي النفوس والأفئدة. وما الكلمة التي تتحقق فيها هذه المعاني؟ قيل: إنها كلمة التوحيد، وقيل: إنها الإيمان، والحق، أنها الكلمة التي تكون صادقة في ذاتها ومنبعثة من النفس لإرضاء اللَّه تعالى، والذود عن محارمه وتتحقق فيها النية الطيبة، والقول الطيب، كما قال تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)، وروى من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: " إن مثل الإيمان كمثل شجرة ثابتة، الإيمان فروعها، والصلاة أصلها، والزكاة فروعها، والصيام أغصانها، والتأذي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن محارم اللَّه ثمرتها ". ولقد قال تعالى: (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ)، أي الأمور المتشابهة بين بعضها البعض، فيبين المعنوي بالحسي حتى يصير كأنه محسوس مرئي، ويبين اللَّه ذلك البيان ليرجوهم أن يتذكروا ويعتبروا، فالرجاء ليس من اللَّه تعالى الذي يعلم كل شيء ولا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء. هذا مثل الكلمة الطيبة وهي كلمة الحق الجامعة لكل معاني الخير والطيب، والكمال والجمال، أما الكلمة الخبيثة فقد قال تعالى في مثلها:

стр. 5630

(وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) الكلمة الخبيثة هي الكلمة التي تنبعث من خبث النفس، وضلال الفكر، وتكون في باعثها أئمة، وفي غايتها أئمة فهي على نقيض الكلمة الطيبة، لأنها لَا تنبعث من إخلاص للَّه ولرسوله، ولا تكون طيبة في واقعها، ولا في نتائجها، وما يترتب عليها، وأوضحها الكذب، وقد قال النبي ﷺ : " عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقا،

стр. 5631

وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا " (١). والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة التي لا فائدة منها (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ)، أي أنها ليس لها جذوع ممتدة في باطن الأرض، بب هي على سطحها، ومعنى (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ) أي ظهرت جثتها من فوق الأرض فليس لها جذور تمتد فيها كبعض أنواع النباتات التي ليس لها جذور تغوص في عروق الأرض، (مَا لَهَا مِن قَرَارٍ)، أي استقرار وثبات في باطن الأرض، والمؤدى من هذا التشبيه أن الكلمة الخبيثة لَا تعيش في الوجود، وليس لها بقاء فيه، بل إنها تنتهي بانتهاء زمانها وتنْزل من الأضرار بمقدار وقتها، كالسعاية والنميمة والكذب والخديعة والغيبة، وليس لها وجود إلا بمقدار زمانها وقد تضر، لكن عاقبتها وخيمة، وطعاصها وبيء، ولا تبقى إلا الكلمة الطيبة، وما يكون للَّه وللحق وحده. وعن قتادة ﵁ أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؛ فقال: " ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها ربه يوم القيامة "، اللهم جنبنا خبث القول، واجعلنا من الذين قلت فيهم:، (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤).

стр. 5632

(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧) يثبت اللَّه الذين آمنوا بأن يلقي في روعهم الاطمئنان إلى الحق والجزم به والنطق بمقتضاه، والثبات عليه لَا يحيد عن النطق بالحق والعمل به، والرضا بنتائجه؛ ولذا قال سبحانه: (بِالقَوْلِ الثَّابِت)، ولقد قرر العلماء أن صاحب النفس المطمئنة الراضية بحكم اللَّه المنفذة لتكليفه يلقى اللَّه فيها بالإخلاص، والإخلاص للَّه يجعل النفس تشرق بنور اللَّه، فتدرك فتؤمن فتقول الحق وتعمل

стр. 5633

به، ويكون من بعد ذلك السلوك الاجتماعب المستقيم بأمر اللَّه ونهيه، فمعنى (بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)، القول الذي يقوم على دعائم الحق، ولا يتزلزل لباطل، ويصح أن نقول إن الثبات صفة لصاحب القول، وأضيفت إلى القول؛ لأنه لَا يثبت القول إلا بثبات صاحبه الذي لَا تزلزله عوابث الهوى ولا أوهام الشيطان، وما أحكم ما قاله الزمخشري إذ يقول ﵁: " القول الثابت هو الذي يثبت بالحجة، والبرهان في قلب صاحبه، والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه، فاعتقده واطمأنت إليه نفسه. وتثبيتهم به في الدنيا: أنهم إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وكما ثبت جرجيس وشمسون وغيرهما. وتثبيتهم في الآخرة. أنهم إذا سئلوا عند تواقف الأشهاد عن معتقدهم ودينهم، لم يتلعثموا ولم يبهتوا، ولم تحيرهم أهوال الحشر. هذا كلام صدق، وإن القول الثابت كما يشمل الصبر في العقيدة يدخل في عمومه الثبات على الحق في نصيحة الحاكم، والامتناع عن قول الباطل مداهنة له، ويقول للحاكم الظالم: اتق اللَّه، ويكررها كلما اقتضت الحال قولها في غير مواربة، إلا إذا كانت الحكمة أن يداور لأجل إيصال الحق إلى فلب الحاكم، وتسويغه في نفسه، فللقول سياسة، وللعلم سياسة، ومنها تسويغ الحق ليهضم معناه، وخصوصا في أزمان الفساد كالزمن الذي نعيش فيه، ولعل الإمام الزمخشري عاش في مثله، وما ضيع المسلمين إلا سكوتهم عن القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وقوله تعالى: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) معنى إضلال الظالمين؛ أنهم إذا ساروا في طريق الضلالة أوغلوا فيه ولا يردهم عنه بل يتركهم سبحانه يسيرون فيه إلى نهايته، ووصفهم بالظالمين فيه إشارة إلى أنهم يبدءون بالسير في طريق الظلم الذي يشمل الظلم في الاعتقاد بالإشرك، والظلم للنفس بارتضاء طريق الشر، والظلم للناس في معاملاتهم، وفتنة الناس في دينهم وإيذائهم في اعتقادهم. (وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ)؛ لأنه المختار المريد، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).

стр. 5634

ويلاحظ أن لفظ الجلالة ذكر مرتين في جملتين متعاقبتين، ولم يكتف بالإضمار بل أظهر في موضعه، فقال سبحانه: (وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) وذلك لتربية المهابة أولا، ولبيان كمال سلطانه ثانيا، وتأكيد إرادته المختارة ومشيئته الحكيمة ثالثا، والله ولي الإنعام. * * * جزاءكفر النعمة وجزاء مكرها قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) * * *

стр. 5635

التبديل معناه، التحويل، أو جعل شيء بدل شيء، ومعنى تبديل نعمة اللَّه كفرا في قوله تعالى:

стр. 5636

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كفْرًا) أنهم جعلوا بدل النعمة التي تستوجب الشكر كفرا، فالذين أُعطوا نعمة بدل أن ينتفعوا بها في وضعها موضعها من الشكر عليها كفروا بها، وكثيرون من ذوي النعم الذي أنعم اللَّه عليهم بالثراء استعلوا به فجعلوه كفرا، ومن أنعم اللَّه تعالى عليه بجاه في الدنيا بدلوه كفرا، فاستغلظوا واستعلوا، وجعلوا جاههم غطرسة وكبرا، وبطروا معيشتهم. وكذلك أهل مكة في الجاهلية أكرمهم اللَّه تعالى بمقامهم حول البيت الحرام، وتلك نعمة أنعم اللَّه بها عليهم، فبدل أن يقوموا على سدانته وطهارته وضعوا عليه الأوثان، فاستبدلوا بالنعمة كفرا، وكذلك أنعم اللَّه عليهم وعلى البشرية ببعث محمد ﷺ ، فبدلوا كفرا وعاندوه وآذوه وأصحابه، وأنعم اللَّه تعالى عليهم برحلتي الصيف والشتاء، وأن تكون مكة وسط البلاد العربية تغدو منها المتاجر وتروح إليها بين اليمن والشام فبدلوها كفرا، واتخذوها رِبَا الجاهلية، وأكلوا السحت، وكذلك اليهود بدلوا نعمة اللَّه إلى كفر، أعطاهم اللَّه تعالى علم الكتاب فغيروا وبدلوا واستطالوا على الناس، وقالوا نحن أبناء اللَّه وأحباؤه، وظلموا الناس وأكلوا أموالهم سحتا ورشوة، وقالوا: (. . . لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ. . .)، وهكذا. ولذا نقول: إن الآية عامة تشمل كل من أنعم اللَّه عليه بنعمة، فبدل أن يضعها في موضعها يتخذها أداة للطغيان والضلال، فتكون كفرا، وأنهم بسب ذلك الطغيان الذي يستخدمون النعمة طريقا له ويكفرون (وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ)، أي الهلاك، أي ينزلون قومهم من عزة الإنسانية إلى الذل فيكون ذلك طريقا لانحدارهم إلى الهلاك، وأصحاب النعم التي يكفرونها هم الذين يفسدون أقوامهم، ويأخذونهم إلى حيث الفناء، وفناء الأمم والأقوام بشيوع الكفر والجحود فيها.

стр. 5637

وقد قال الزمخشري: " إن تبديل النعمة كفرا، معناه تبديل شكر النعمة كفرا، وقد ذكر وجوها كثيرة فقال: (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ)، أي شكر اللَّه) كفرا؛ لأن شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر، وبدلوه تبديلا، ونحوه (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)، أي شكر رزقكم؛ حيث وضعتم الكذب موضعه، ووجه آخر، وهو أنهم بدلوا نفس النعمة كفرا على أنهم لما كفروها سُلبوها، فبقوا مسلوبي النعمة، موصوفين بالكفر حاصلا لهم بدل النعمة، وهم أهل مكة أسكنهم اللَّه تعالى حرمه، وجعلهم كرام بنبيه فأكرمهم بمحمد ﷺ ، فكفروا نعمة اللَّه بدل ما لزمهم من لشكر العظيم، أو أصابهم اللَّه بالنعمة في الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين، فكفروا نعمته، فضربهم بالقحط سبع سنين، فحصل لهم الكفر بدل النعمة كذلك حين أُسروا وقُتلوا يوم بدر، وقد ذهبت عنهم النعمة، وبقي الكفر طوقا في أعناقهم، وعن عمر ﵁ هم الأفجران من قريش، بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية، فمتعوا حتى حين ". هذه وجوه ذكرها إمام البيان الزمخشري، ونحن لَا نقيد عموم القرآن ببلد أو جماعة إلا أن يكون لفظ الكريم، يوحي بالتخصيص بدل التعميم، واللفظ هنا فيه بيان لأحوال النفوس الإنسانية عندما تحيد عن أمر ربها، وخلاصة الوجوه بعد إخلائها من التخصيص بقوم أو قبيل أنها تتجه إلى أن التبديل في الشكر، فيكون الكلام على حذف مضاف، بدلوا شكر النعمة كفرا، أو يكون التبديل في ذات النعمة فلم ينتفعوا بها الانتفاع الطيب وبدلوا كفرا. وبذلك سرى الفساد إلى أقوامهم فأحلوهم دار الهلاك في الدنيا بالذل والهوان وفي الآخرة بجهنم، ولذا قال تعالى:

стр. 5638

(جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) جهنم عطف بيان لدار الهلاك، وأن هلاك أشد من النيران يصطلون بها، يحيط بهم حرها الشديد ويكونون وقودا لها، وإنها تكون أسوأ نهاية؛ ولذا ذمَّها اللَّه

стр. 5639

فقال تعالت كلماته: (وَبِئْسَ الْقَرَارُ)، أي بئس المقر الدائم، فالقرار مصدر أريد به المكان، فالذم للمكان، أو الذم لذات القرار في جهنم، وهو الحال التي انتهوا إليها. وقد ذكر اللَّه تعالى أشد الكفر الذي بدلوا به نعمة اللَّه تعالى، وهو اتخاذ الأنداد شركاء له في العبادة فقال تعالى:

стр. 5640

(وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) الواو عاطفة على (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا)، فقد بدلوا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وجعلوا للَّه أندادا، وجعل الله الأصل، وهو تبديل نعمه التي أنعم اللَّه بها نعمة تجزى، فجعلوها كفرا هو الأصل لكل مآثمهم، ونتيجة عقوبته؛ وذلك لأن الانغماس في الأهواء والاستطالة بها سبب الشر ونسيان اللَّه تعالى، ومن نسي الله تعالى كان منه الانحراف الفكري والاعتقادي، والانغماس في الشهوات. (وَجَعَلُوا) معناها اتخذوا (لِلَّهِ أَنْدَادًا)، وأنداد جمع ند، رهو المماثل، وهذه الأوثان بالبذاهة ليست أندادا مماثلة لله ﷻ ، ولكنهم أتخذوها أندادا بأوهامهم وأهوائهم وفساد تفكيرهم؛ إذ كيف تكون الأحجار التي لَا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع أندادا لله، ولكنهم جعلوها كذلك. وقوله تعالى (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) فيها قراءتان: إحداهما بضم الياء والثانية بفتحها، والأولى قراءة كثرة القراء، والثانية قراءة من دونهم عددا وهما متواترتان، ونحن نعدهما كلتيهما قرآنا لَا ريب فيه، ويكون المعنيان صحيحين ما داما غير متعارضين، ولا يمكن أن يكون ذلك في قراءتين متواترتين. قالمعنى ليضلوا عن سبيل الله تالعى بذلك الجهل الذي جعلوا فيه الأحجار أندادا للَّه تعالى، فإنه ذاته هلاك، وعاقبته ضلال، إذ العاقية دائما من جنس مؤثراتها، والنتيجة من دائما من جنس مقدماتها.
следующие страницы →