← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ). الحسبان هو الظن أو العلم المبني على الظن، والنبي ﷺ منزه عن أن يظن الغفلة أو السهو على الله تعالى، فاللَّه يعلم ما كان وما يكون، وما هو كائن؛ ولأنه تعالى وعده بالنصر، والعقاب الشديد على ما يفعله، وأنه محص عليهم أعمالهم كل امرئٍ بما كسب فكيف ينهى عن الظن بأن اللَّه غافل، وما كان احتمال لأن يرد ذلك على قلب النبي ﷺ حتى ينهى عنه، والجواب في ذلك أن هذا الكلام لتأكيد أن اللَّه تعالى يحصي على المشركين أعمالهم، كما يقول تعالى: (. . . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكينَ)، وكقوله تعالى: (وَلا تَدْعُ مَعَ

стр. 5672

اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، فهو نهي للتثبت، وتأكيد أنه لم يقع من النبي ﷺ ، وفوق ذلك أن النهي إعلام للنبي ﷺ بأنه عالم بحالهم مُحصٍ عليهم سيئاتهم، وهو تهديد شديد لهم، كما يقول المجادل لمجادله: لَا تجهل أني عالم بكل أخطائك، فهو إعلام، وهو تهديد للمشركين. وعبر بقوله تعالى: (الظَّالِمُونَ) فأظهر في موضع الإضمار لتسجيل الظلم عليهم؛ ولأن العقاب سبب الظلم، فهم أشركوا، والشرك ظلم عظيم، وآذوا المؤمنين والمؤمنات، وذلك اعتداء ظالم آثيم، وصدوا عن سبيل اللَّه، فلم يتركوا الناس أحرارا يعتقدون ما يرونه حقا. وإذا كان اللَّه تعالى عالما بظلمهم مجازيهم على ما يفعلون من آثام، فهو لا يهملهم، ولكن يمهلهم، ولقد قال تعالى في ذلك: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِن كيْدِي مَتِينٌ)، وفي هذا النص السامي يقول سبحانه: (إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) (إِنَّمَا) هنا أداة حصر، أي كان التأخير لأجل هذا اليوم الذي يكون شديدا، وفيه النفوس جميعا تكون في هلع وفزع، فليس التأخير لنسيان، أو غفو أو ترك، إنما التأخير هو ليوم كله عذاب الأجساد والأنفس، وإذا كانوا يمشون في الأرض مرحا، ويستهزءون ويرتعون ويلعبون ويسخرون من المؤمنين فسيكون عليهم يوم عسير شديد، وقد وصف اللَّه تعالى حالهم في ذلك اليوم فذكر لهم خمس أحوال كل حال فيها تنبئ عن فزع بذاته. الحال الأولى: ما ذكرها سبحانه بقوله: (لِيَوْم تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)، أي العين تشخص لَا تغمض من هول ما ترى، فإن إغماض العين يكون من الدعة والاطمئنان، أما يوم القيامة يوم الفزع الأكبر، فإنه لَا يكون اطمئنانا ولا يكون

стр. 5673

دعة، وتكون العين مفتوحة متسعة الأحداق من الأهوال التي تراها، حتى كأنها مع فتحها وعدم إغماضها لَا تشعر بشيء إلا الهول وأسباب الفزع. والحال الثانية: هي ما قاله سبحانه وتعالىْ

стр. 5674

(مُهْطِعِينَ ... (٤٣) ومعناها مسرعين فإنهم كانوا في الدنيا يسيرون متئدين مالكي أنفسهم مسيطرين على قواهم، وكما قال في آية أخرى في وصف حالهم يوم القيامة: (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاع يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ)، والإهطاع إسراع في ذل وتكسر وخوف وهلع، فبعد أن كانوا يسيرون في الأرض مرحا كأنهم يخرقون الأرض أو يبلغون السماء طولا يسيرون مسرعين أذلاء خالفين لأول داع، خائفين من أن يكون وراء الدعوة أمر أشد هولا. والحال الثالثة: عبر عنها بقوله: (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) من أقنع رأسه، وتستعمل بمعنى رفعها متطلعا إلى من فوقها من شدة الهلع، وقد قال في معناها الأصفهاني في مفرداته: أقنع رأسه رفعها قال: (مُقْنِعِي رُءوسِهِمْ)، وقال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناع، وهو ما يغطى به الرأس، فقَنِع لبس القناع ساترا لفقره، كقولهم حفى أي لبس الحفاء، وقَنَع إذا رفع قناعه كاشفا رأسه بالسؤال كخفي إذا رفع الخفاء. وخلاصة هذه المعاني أنهم يكشفون ذلهم وحاجتهم رافعين رءوسهم بالذل والهوان، لَا يستتر من أمرهم شيء، فلا يبدون ما يخفون، ويظهرون ما لا يسرون. وذكر الزمخشري أن بعض علماء اللغة يفسر (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) يخفضها ذلا وانكسارا، ورءوسهم ارتفعت، أو انخفاضها، فهو ذل ظاهر واضح، وصار كالسائل الذي كشف قناعه للمسألة. والحال الرابعة من أحوالهم: أن أبصارهم زائغة لَا تتحرك أطرافها من هول ما هم فيه وهذه عبر اللَّه عنها بقوله تعالى: (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ)، والمعنى أن أنظارهم قد استغرقتها الأهوال التي تراها فهي فزعة هلعة قد سمرت أعينهم فيما

стр. 5675

ترى من عذاب هو عذاب الهول الأكبر، فلا ترجع إليهم، أي لَا تعود إلى سيطرتهم فترى ما يجب أن تراه وتمتنع عن رؤية ما لَا يجب أن تراه، فهي قد ملكتها تلك المرئية المفزعة ولم يعد له عليها من سلطان. والحال الخامسة: أن أفئدتهم فرغت من أسباب الاطمئنان، وامتلأت بأسباب الهموم والخوف، وقد عبر عن ذلك بقوله تعالت كلماته: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)، أي لَا تدرك شيئا ولا تعيه من شدة الخوف والهلع، فهو كقوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا. . .)، أي أنه فرغ من الوعي والإدراك ولم يبق إلا موسى والخوف عليه، والهواء في اللغة المجوف الخالي، والمعنى أصبح فؤادهم مجوفا خاليا من العلم والإدراك لشدة ما رأى وما وقع، ومن هذا المعنى قول حسان شاعر الإسلام من أبي سفيان قائد الشرك آن ذاك: ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوَّف نخِبٌ هواء وهذه الأحوال تصوير لحالهم يوم القيامة من فزع وذل وانكسار، وامتلاء قلوبهم بالخوف والرهبة، وإنها من آيات الإعجاز، وكل القرآن إعجاز يبهر المدركين. ولقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن ينذر الناس بهذا اليوم الذي ذكر فزع الناس فيه فقال تعالى:

стр. 5676

(وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ... (٤٤) الكافر مادي لَا يؤمن إلا بما يرى ويحس، فما لم يحسه لَا يؤمن به، وليس عنده نفاذ بصيرة يعي به ما لم يدرك وما لم يره؛ ولذا كان من أوصاف أهل الإيمان أنهم يؤمنون بالغيب وهم بالآخرة هم يوقنون، يرون الناس يموتون ويحيون، فيعلمون أن الحياة لغاية وأن الموت ابتداء نهاية.

стр. 5677

ولذا كان أول إنذار هو الإنذار بالعذاب الأليم في يوم القيامة، وهذا قوله تعالى: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ) الإنذار: التخويف، وهو يتعدى إلى مفعولين الأولَ (النَّاسَ)، وَالثاني (يَوْمَ) والإنذار متجه لما يجري في هذا اليوم من حال تقشعر من هولها الأبدان، إذ تكون أبصارهم فيها شاخصة، خوف العذاب الأليم الذي هو في ذاته هول أكبر، ولكن جعل التخويف لليوم من إطلاق اسم المحل وإرادة الحال، وإنه لشديد تضطرب له نفوس أهل النار (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) الفاء هنا لبيان أن ما قبلها سبب لما بعدها فما فيه من هول شديد، وما فيه من جحيم (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا)، يكون سببا لأن يطلبوا الرجعة إلى الدنيا، وقد قالوا: (أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيب) إلى زمن قليل، وعبر عنه بالقريب لأنه قريب ما بين طرفيه أوله ومنتهاه، وهذا كقولهم فيما يحكي اللَّه تعالى عنهم: (. . . رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ)، وكقولهم فيما حكى سبحانه عنهم: (. . . رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كنَّا نَعْمَلُ. . .). وقوله تعالى: (نُّجِبْ دَعْوَتَكَ) وهي دعوة التوحيد، وألا يشركوا بالله شيئًا وما جاء به القرآن وغيره من كتب السماء، ومن شرائع، (وَنَتَبِع الرُّسُلَ)، أي لا نستكبر عليهم ولا نتعالى ونتسامي عليهم، بل لنكون لهم تبعا. فيقول الملائكة بأمر اللَّه تعالى مبكتا مذكرا لهم كفرهم: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَال)، وقوله تعالى: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم)، (الواو) عاطفة على ما قبلها، والهمزة للاستفهام الإنكاري الذي فيه إنكار الواقع، والاستفهام داخل على النفي ونفي النفي إثبات على معنى التوبيخ، والمعنى لقد أقسمتم من قبل مغترين على الله تعالى جاهلين لأنفسكم، ولمجري الحياة (مَا لَكُم مِن زَوَال)، أي ليس لكم أي زوال، وإنهم في الحقيقة كما يظهر من مجرى

стр. 5678

أمورهم أنهم كانوا لَا ينكرون الموت، ولكن ينكرون الحياة بعد الموت ويقولون: (. . . أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. . .). ولكن لأنهم عتاة غاشمون لَا يرعون إِلًّا ولا ذمة، وقد اغتروا بالحياة الدنيا وغرهم باللَّه الغرور، يعملون كأنهم لَا يموتون ولا يفنون، وأنهم في الدنيا خالدون. وقد فسر بعض العلماء أن المراد من الزوال المنفي أنهم لَا يزولون ثم يبعثون، وهذا تفسير مجاهد تلميذ ابن عباس ترجمان القرآن، كما سماه عبد الله ابن مسعود، ويكون المعنى على هذا التفسير: ما لكم من زوال من هذه الدنيا تنتقلون من بعده إلى الآخرة. وإنهم في قسمهم هذا أو في حال الغرور التي اغتروا بها وحسبوا أنها حياة خالدة، والعبر بين أيديهم قائمة، ولذا قال تعالى:

стр. 5679

(وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) سكن، معناه قرَّ فيها، وغنى فيها، وتتعدى بـ (في)، كما تتعدى بنفسها، فيقال سكنت الدار، والأصل هو التعدية بـ (في) ثم لما شاع الاستعمال تعدت بنفسها. والمعنى أن العبر كانت قائمة، وأقسموا باللَّه جهد أيمانهم أنهم لَا يبعثون بعد موتهم، وقد سكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، والإيذاء للمؤمنين والصد عن سبيل اللَّه، وتبين لكم ما نزل بسبب ظلمهم من إمطارهم حجارة من سجيل منضود، ومن جعل الأرض عاليها سافلها إلى آخر ما هو ثابت عبرة للآخرين؛ ولذلك قال تعالى: (وَتَبيَّنَ لَكُمْ كيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ)، أي تبين ما فعله اللَّه بهم، وحالهم العجيبة الجديرة بالنظر، وبينا لكم الأمثال الأشباه، ومع ذلك لم تعتبروا، فاليأس من إيمانكم كان ثابتا، واليأس من إيمانكم بعد رجعتكم إلى الدنيا أشد ثبوتا.

стр. 5680

ومع هذه العبر والأمثال استمروا في غيهم؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5681

(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) الكلام في أخبار الذين سكنوا في مساكنهم، وقد تبين كيف فعل اللَّه بهم، وقد بين في هذه الآية أنهم كانوا يدبرون التدبيرات الخبيثة للكيد للحق وأهله، والتوحيد ومعتنقيه، أي دبروا كل ما يحاربون به عقيدة التوحيد، فاعتقدوا الباطل وناصروا الشرك، وحاربوا المؤمنين بكل أنواع الحرب من فتنة في الدين. . وإيذاء للمؤمنين وسخرية بهم (وَعندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)، أي وعند اللَّه تعالى علم مكرهم، وأنه محيط بما كانوا يمكرونه (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ). الجبال هنا المراد بها شرائع اللَّه تعالى التي جاء بها النبيون، فشبهت بالجبال لثباتها وشموخها وعلوها ورفعتها، و (إِن) هنا إما أن نقول: إنها مخففة من (إن) الثقيلة، والمعنى أن الحال والشأن أن ذلك المكر كان مهيأ ومعدا لتزول به الشريعة، ولكن تدبير اللَّه كان أحكم فنجت الشرائع التي بلغت في شموخها وعلوها وثباتها مبلغ الجبال. وإما أن نقول: إنها نافية وتكون اللام لام الجحود، ويكون المعنى، وما كان مكرهم مهما يبلغ من القوة والتدبير والإحكام في زعمهم لتزول منه الشرائع المحكمة التي هي كالجبال في ثباتها وعظمتها، وإن اللَّه تعالى حافظ شرعه وأنبياءه والمؤمنين، ولو تضافر الشرك كله. * * * إن الله لَا يخلف الميعاد قال اللَّه تعالى: فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ

стр. 5682

وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢) * * * كان النهي في الآيات السابقة عن أن يُحسب أن اللَّه تعالى تارك الظالمين، وما يفعلونه، غير منزل بهم ما يستحقون من عقاب، جزاء وفاقا لما يفعلون، وهنا في هذه الآيات يبين أن اللَّه تعالى أنه منزل هذا العقاب لأن جزاؤهم، ولأنه قد وعد رسله به، وإن اللَّه تعالى لَا يخلف رسله ما وعدهم به. قوله تعالى:

стр. 5683

(فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ)، و (رُسُلَهُ) مفعول للوعد، أي لَا تحسبن اللَّه مخلف ما وعد الرسل، وقدم الوعد على الرسل للإشارة إلى أن إخلاف الميعاد ليس أمرا جائزا بالنسبة للَّه، سواء أكان من وعده رسولا أم كان غير رسول. وقد وعد اللَّه رسله بالغلب، وأن يكون السلطان للحق، كما قال تعالى: (. . . لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسلِي. . .)، وقد بين تعالى أن الغلب لهم في هذه الآية، فقال تعالت كلماته: (إِنَّ اللَّهَ عَزِير ذُو انتِقَام)، (عَزِيزٌ) معناه غالب قوي مسيطر يعز من يشاء ويذل من يشاء، وقوله تعالى: (ذُو انتِقَام)، أي صاحب انتقام للحق من الباطل، وللضعفاء من الأقوياء، والانتقام معناه مجازاة المسيء بما أساء وأن يقتص بالحق من القوي للضعيف، وأن تكون العقوبة على قدر الجريمة، فأساس العقاب في الشريعة أوفى، أي يكون العقاب على قدر الجريمة، وأن يكون جزاء وفاقا لها.

стр. 5684

وهنا يسأل سائل، لماذا عبر سبحانه في الجزاء بالانتقام؛ لأن الظالمين من المشركين قد أرهقوا الضعفاء المؤمنين من أمرهم عسرا وصعبوا الاستمساك بالحق وجعلوه مرا فكان لابد من الجزاء انتقاما من الظالمين لتقر أعين الضعفاء ويذوقوا حلاوة الحق بعد أن ذاقوا مرارته. وقد يسأل سائل لَا يعرف آداب القرآن ولا حكمة الديان: كيف يسمى العقاب انتقاما وهو لإصلاح النفوس لَا للانتقام منها، ونظرية الانتقام يبطلها علم القانون، ونقول في الإجابة على ذلك: إن شأن الآخرة هو القصاص من جرائم الدنيا، وأما في الدنيا فكلامهم قد يكون واردا على نظر فيه، فإن العقوبات الإسلامية للردع، والإصلاح يكون من طريقه، إذ يكون فيه عبر لمن يكون على استعداد للارتكاب، وقد قال بعض القانونيين: إن العقوبة إذا كانت من جنس الجريمة كانت أردع للجاني؛ لأنه يتصور وهو يرتكبها أن سينزل به مثل الذي ينزله بالمجني عليه فيمتنع رهبة. وإن ذكر العقوبات القاهرة فيه عبرة لمن يكونون على وشك الارتكاب في الدنيا، فمن يعرف أنه سيذل يوم القيامة لَا يذل الناس، ومن يعلم أنه ينال عذاب الجحيم لَا يكفر ولا يؤذي عبدا. وإن ذلك الذي يكون فيه انتقام اللَّه تعالى منِ الأشرار هو يوم القيامة يوم تبدل الأرض غير الأرض؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5685

(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) يوم متعلق بـ (انتقام)، أي أن اللَّه تعالى في هذا اليوم: (يَوْمَ تبَدَّل الأَرْض غَيْرَ الأَرْضِ. . .) والتبديل قد يكون في الذات كقولك بدلت الدراهم دنانير، ومنه (. . . بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودَا غَيْرَهَا. . .)، (. . . وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ. . .)، وقد تكون في الأوصاف كتبديل سبائك الذهب إلى حلي فثقلت من شكل إلى شكل، والجوهر واحد في القولين، وقد يكون تغييرا بين النقيضين أو الضدين، ومنه قوله تعالى: (. . . فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ. . .)، فالعبرة في هذا بالأثر.

стр. 5686

وتبديل الأرض أمر واقع لَا محالة، واختلف في كيفة وحاله، فقيل: تبدل أوصافها، فالجبال تتفكك وتصبر كالعهن المنفوش، وتتحرك وتضطرب وتتفجر الينابيع وتسوي الماء باليابس فلا يرى عوج ولا أمْتٌ، وقيل: إن الأرض كما هي، ولكن يتغير ناسها، ولا يكون فيها ظلم يقع، بل تكون كلها تحت سلطان القهار وروي ذلك عن ابن عباس. فقد أنشد بعد ذلك: وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار الذي كنت تعلم وتبديل السماوات بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها (١)، ومن الحق أن كل الكون يتغير في أحواله وأوصافه ودورانه، فالسماء تتغير، كما قال تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧). وهكذا تبدل الأشياء، وتتبدل الأحوال، فبعد أن كان الظلم في الأرض بغالب الحق فإذا الحق هو الأمر الذي لَا يغالبه شيء. هذا يوم القيامة؛ ولذا قال تعالى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، أي ظهروا وعلموا أنهم قد لقوا اللَّه تعالى وقد كانوا يكذبون لقاء اللَّه، ويعجبون من أن يعودوا بعد أن يصيروا ترابا وعظاما، ولكنه لقاء لَا يسرهم، إنا هو لقاء القهار لعقابهم؛ ولذلك ذكر بوصفه الرهيب عندهم الذي ينقض اعتقادهم الباطل فقال: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، ولفظ (لِلَّهِ) يلقي وحده المهابة في نفوسهم بعد إنكارهم لقاءه، ووصفه بـ (الْوَاحِدِ) ليعرفوا أن شركهم كان باطلا، وأنه وحده الحكم العدل، فلا شفاعة لأحد، ولا لأوثانهم، و (الْقَهَّارِ) صيغة مبالغة من القهر، أي أنه وحده الذي سيوفيهم جزاءهم مقهورين مغلوبين.

стр. 5687

ولقد صور اللَّه تعالى حالهم بعد ذلك اللقاء المفزع الذي تشخص فيه الأبصار، وهذه كقوله تعالى: (. . . لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).

стр. 5688

(وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) ذكر اللَّه تعالى لهم أحوالا ثلاثة: الأولى: أنهم مقرنون في الأصفاد. والثانية: أن سرابيلهم من قطران. والثالثة: أن النار تغشى وجوههم. وقد ذكر أولا وصفهم بالأجرام؛ لأن ما كسبوه من جرائم في اعتقادهم، وفي أعمالهم، وفي إفسادهم في الأرض عبثا وفسادا، هو السبب فيما ينالون من عقاب. وقوله تعالى في الحال الأولى: (مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) من قرن بمعنى جمع، وقَرَّن بمعنى شدد في الجمع ووثق في الأمر الجامع، والمعنى مشدودون بوثاق مجموعين فيه لتشابه جرائمهم، واتحادهم في أوصافهم الإجرامية، ومقرنين في أيديهم وأرجلهم بالأصفاد، جمع صَفَد، وهو القيد يقيدون به، وتغل أيديهم وأرجلهم به. هذه هي الحال الأولى. والحال الثانية: وهي مما ينزل بهم آحادا كما جمعوا جميعا وهي قوله تعالى:

стр. 5689

(سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ ... (٥٠) والسرابيل: جمع سربال، وهو القميص الذي يلاصق أجسامهم، ويسبغها، ولا يترك فراغا بينه وبينها، والقطران هو ما استحلب من بعض الأشجار، وتهنأ به الإبل دواء لها من الجرب، ومن شأنه أنه يشتعل بالنار،

стр. 5690

فإذا بقمصانهم المتصلة بأجسامهم اللاصقة بها نيران مشتعلة، فالنار تحوطهم من كل ناحية في أجسامهم. ولكن القمصان أو السرابيل لَا تغطي الوجوه عادة فتجيء الحال الثالثة، وهي قوله تعالى: (وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ)، أي النار تستر وجوههم كما ستر القطران الملتهب أجسامهم. وكان ذلك جزاء، والإخبار به تبليغا؛ ولذا قال تعالى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢) هذا البيان من قوله تعالى: (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ) إلى بيان ذلك العذاب الذي تعم فيه النيران أجسامهم، إنما هو: أولا: لبيان العدالة الإلهية. وثانيا: ليبلغوا بالفعل وجزائه، والخير والشر، وما يجب عليهم. وثالثا: للإنذار لكي يعلم أهل الشر مآلهم. ورابعا: ليعلموا أن اللَّه هو الواحد القهار، وأن لَا شيء له صفة الألوهية إلا الله تعالى. وخامسا: ليتذكر أهل الألباب المدركين المؤمنين، فهو ذكر لهم، وإنذار لغيرهم. أما أولها: فقد ذكره سبحانه بقوله تعالى:

стр. 5691

(لِيَجْزِيَ اللَّهُ كلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ) وعبر بأن الجزاء هو ما كسبوا من عمل، فليس في ظاهر اللفظ أنه جزاء العمل، بل هو العمل ذاته؛ وذلك للإشارة إلى المساواة التامة بين الجزاء والعمل، فكأنه هو هو، وقد أكد اللَّه وقوعه فقال: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) فإن السرعة هنا تأكيد

стр. 5692

للوقوع، وأن المقاربة الزمنية بالنسبة للَّه تعالى مؤكدة، فهو سبحانه لَا تستطال على أفعاله الأزمان. أما الأمر الثاني: وهو التبليغ، فقد عبر سبحانه عنه بقوله:

стр. 5693

(هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ... (٥٢) تبليغ من اللَّه تعالى لكي يكون حسابهم على بينة من أمورهم، كما قال تعالى: (. . . وَإن مِّنْ أُمَّة إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِير). ومن التبليغ ما جاء في الأمر الرابع وهو أن يعلموا (أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، هذا قصر، والضمير (هُوَ) يعود إلى اللَّه تعالى، أي أنه لَا إله إلا اللَّه، فالمعبود بحق واحد، وما عداه باطل في باطل. والأمر الثالث قبل الرابع، وإن كنا ذكرناه أولا لاتصاله بالبلاغ في كلامنا وكلام اللَّه أعلى وأحكم وأوثق. والأمر الرابع: أن هذا الإنذار للكافرين ليعتبروا والعبرة قد تفيدهم. والأمر الخامس: أن فيه تذكيرا لأولي الألباب، أي أولي العقول المدركين وهم المؤمنين فيزدادوا بهذا البلاغ إيمانا، والله أعلم بشرعه. * * *

стр. 5694

(سُورَةُ الْحِجْرِ) تمهيد: أول الجزء الرابع عشر، وأوله سورة الحجر، وهي سورة مكية إلا ما قيل: إنه يستثنى مكَّيتُهُ وهي الآية السابعة والثمانين، وعدد آياتها [٩٩]. وقد ابتدئت بالحروف المفردة (الر)، وذكر بعدها القرآن الكريم (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ) وقد أخبر سبحانه أنه (رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) ولكن غلب عليهم الهوى، (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، وإن بين أيديهم العبر (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ) ومن لهوهم وعبثهم قوله لنبيهم: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)، وإن الملائكة لَا تنزل، وإذا نزلوا لَا يؤجلهم (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)، وذلك شأن الكافرين يتوارثون ذلك الفكر السقيم جيلا بعد جيل، وإن القرآن باق (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣). وإن الآيات لَا تخزيهم؛ لأن قلوبهم أغلقت عن الحق (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥). بعد ذلك أخذ ينبههم سبحانه إلى خلقِ السماوات والأرضِ وما فيها من عجيب التكوين (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ

стр. 5695

شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠). وبعد هذا الخلق، وذاك التكوين كان كل شيء في السماوات والأرض بامر اللَّه وفي قبضة يده (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢). وإن اللَّه تعالى ترى آثاره في خلقه من إماتة وإحياء (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) وإذا كنتم ترون بالعيان الإحياء والإماتة فقد كان ذلك فيمن تقدم، وفيمن تأخر، (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥). بعد ذلك أخذ سبحانه يذكر في هذه السورة خلق الإنسان من طين فقال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧). بعد ذلك أشار سبحانه إلى خلق آدم وسجود الملائكة له، وامتناع إبليس أن يكون من الساجدين، وغروره بأنه من نار وآدم من طين، وقد طرده اللَّه سبحانه من جنته وقال له: (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)، وأنظره اللَّه إلى يوم يبعثون (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢). بعد ذلك ذكر تعالت كلماته جزاء الذين يغويهم إبليس (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)، وذكر بعد هذا جزاء الذين لم يطيعوا الشيطان ولِم يستطع إغواءهم (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ

стр. 5696

مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠). بعد ذلك جاءت العبر في القرآن الكريم، وابتدأت العبر بمن هو أقرب إلى العرب نسبا، ويعيشون في رحاب بيت اللَّه الذي بناه إبراهيم، فقال في قصة إبراهيم: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا) ولأنهم ملائكة، لم يعهد في الأرض لقاء مثلهم - وجل منهم، وقال: (إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦). هذا تذكير بالخلق والتكوين، وأنه يجري على حكم إرادة اللَّه تعالى الفاعل المختار، لَا بالأسباب والمسببات، كما يقول الجاهلون، وإن الأسباب لَا تسيطر على فعل اللَّه تعالى، فالأسباب تجعل الرجل لَا ينجب وهو كبير فلم ينجب وهو شاب، ولكن بإرادة الله ينجب إبراهيم، وامرأته عجوز عاقر. بعد هذا ذكر القرآن الكريم ما يكون تهديدا للفاسقين الخارجين عن أمر اللَّه تعالى، وهم قوم لوط، قالت رسل اللَّه تعالى لإبراهيم: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١).

стр. 5697

أنزل بهم العذاب الأليم في الدنيا، أخذتهم الصيحة في الصباح فجعل اللَّه تعالى عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧). بعد هذا يرينا اللَّه تعالى من عجائب قدرته ليعتبر العرب في قصة أصحاب الأيكة وأصحاب الحجر، وتكذيبهم الرسل، (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤). ولقد أخذ يشير إلى العبر في تكوين هذا الوجود، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥). وإذا كان خلق اللَّه السماوات والأرض وما فيه من نعم للكافة، فقد أعطاك اللَّه نعمة القرآن: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) ولا تلتفت إلى ما عند غيرك، فما عندك هو الأعظم وهو الجليل: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣). ولقد أمر اللَّه نبيه بأن يصدع بما يؤمر به فقال: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩). * * *

стр. 5698

معاني السورة الكريمة قال اللَّه تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) * * *

стр. 5699

تكلمنا في الحروف المفردة، وقلنا: إننا لَا نعلم على التحقيق المراد منها، وإنها من المتشابه التي اختص اللَّه بعلمه، واتباع المتشابه ابتغاء تعرفه من صنيع أهل الزيغ: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً. . .). وقلنا: إننا نتعرف حكمتها، ولا نتعرف المراد، وأشرنا إلى أنها سيقت لتذكير العرب بأن القرآن مكون من الحروف التي تعرفونها، ومع ذلك عجزتم عن أن تأتوا بمثله، وهذا العجز دليل أنه من عند اللَّه؛ ولأن العرب كانوا قد اتفقوا على ألا يسمعوه أو يلغوا فيه إذا سمعوه، فكانت السور تبتدئ بتلك الحروف الصوتية فتنبههم فينقضون ما اتفقوا، وقيل: إنها أسماء للسور، أو للكتاب.

стр. 5700

وجاء بعد هذه الحروف في السورة ذكر الكتاب الكريم، فقال تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرانٍ مُّبِينٍ) الإشارة إلى السورة، أو إلى المتلو بعد هذه الحروف، والكتاب بمعنى المكتوب، وقد وصفت الآيات بوصفين أولهما: أنها آيات الكتاب؛ لأنها معجزة بذاتها، فكل آيات من القرآن معجزة تعد من الكتاب المعجز؛ ولذلك كان يتحدى بالقرآن قبل تمام نزوله، وقد وصفت الآيات بأنها مكتوبة، ووصفت بأنها مقروءة متلوة، ولذلك جاء معطوفا على الكتاب قوله تعالى: (وَقُرانٍ مُّبِينٍ)، أي مقروء كريم، لأنه نزل مقروءًا من اللَّه، ولأنه محفوظ، ولأنه سجل الشرائع السماوية، ولأنه المحفوظ الخالد إلى اليوم، فالكتاب الكريم يوصف بأنه مكتوب، ويوصف بأنه مقروء، لأن طريقة تلاوته من عند اللَّه تعالى، فقد أُوحي إلى الرسول فكتب وحفظ، وقرئ وحفظ متلوا كما قال تعالى لنبيه: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩). فالقرآن متواتر بكتابته وبقراءته وبتلاوته، فكان حفظه في الصدور مانعا من تحريف السطور، تلقى الناس القرآن فآمن قليل، وكفر كثير، وقد رجا المؤمنون ما عند اللَّه وطغى المشركون، وبغوا واعتدوا وفتنوا الناس عن دينهم، وإن اللَّه تعالى يبين أن الذين كفروا بهذا القرآن الكريم سيأتي الزمن الذي يودون فيه لو كانوا مسلمين، فيقول تعالى:

стр. 5701

(رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) يقول العلماء في (رُبَّ): إنها لَا تتصل إلا بالاسم، فإذا دخلت على الفعل توسطت ما، وربما هي رب المخففة، وقد قرئت بضم الراء وبفتحها، وهما لغتان فيها. وقالوا: إن (رُبَّ) تكون داخلة على الفعل الماضي، ولكنها هنا دخلت على الفعل المضارع لتأكد وقوعه فكان كفعل الماضي في معناه عند اللَّه تعالى، وإن معنى المُضي متحقق لفظا في (كَانُوا)، وربما تكون للتقليل وقد تستعمل للتكثير، والمعنى أنه ربما يود الذين كفروا في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين، وما

стр. 5702

هذه الأوقات؟ قيل: هي الأوقات التي تعلو فيها كلمة الحق، وتصير الأرض العربية للمؤمنين فيها الكلمة العليا، ويكون لهم السلطان والقوة، فيتمنى المشركون الذين كفروا باللَّه وبالقرآن أن لو كانوا مسلمين، فإذا كانوا يغترون الآن بقوتهم، وعزتهم، ويستضعفون المؤمنين، فربما يكون العكس، ويودون لو كانوا مسلمين، وإنهم في المنزلة عند الله ورسوله ليسوا سواء، فلا يستوي من أسلم، وفي المسلمين ضعف، ومن أسلم وفي المسلمين قوة، ولذا قال تعالى: (. . . لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً. . .). هذا إذا قلنا: إن الوقت الذي يكون فيه هذا الوُد، وذاك التمني هو قوة المسلمين، وإن قلنا: إن الوقت هو يوم يرون العذاب، فإن المعنى أنهم يتمنون أن لو كانوا مسلمين لتكون لهم النجاة، حيث لَا منجاة إلا بأن يكونوا مسلمين. وقد أشار اللَّه تعالى بهذه الآية أن المشركين، وإن استطالوا بفضل قوتهم الآن فإنهم سيتمنون أن لو كان مسلمين في المستقبل فلا يأسى النبي عليهم، والعاقبة للمتقين، ولذا قال تعالى:

стр. 5703

(ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) كان النبي ﷺ يتمنى: لو يؤمنون، كما قال تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نفْسَكَ أَلَّا يَكُونوا مُؤْمِنِينَ)، ولكن اللَّه تعالى أشار إلى نبيه أنه ليس عليه ألا يؤمنوا ما دام قد بلغ رسالة ربه، ولذا قال: (ذَرْهُمْ يَأكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ)، أي اتركهم يأكلوا ويتمتعوا. . . وهذه الأفعال مجزومة في جواب الأمر، وليس تركهم سبب هذه الأفعال، إنما الترك إهمال لهم كما أهملوا النذير والاستجابة، فالترك لانغمارهم في الشر، وابتدأ بذكر الأكل للإشارة إلى أن متعتهم من أفواههم، كمتعة الحيوان، فهم كالأنعام بل أضل سبيلا، ويتمتعوا تلك المتع المادية التي كان الأكل عنوانها ورسمها، ولا يفكرون إلا فيما هو من جنسه، كألوان الثياب والنساء، وما إلى ذلك وهم يغفلون كأنهم لَا يموتون، وكأنهم المخلدون، وأملهم في هذه الحياة يلهيهم عن التفكير فيما يسوقون إليه أنفسهم،

стр. 5704

وأن أملهم المادي المتجدد آنًا بعد آنٍ، والذي يزيد وقتا بعد وقت - يلهيهم عن الحقيقة، ولعلهم لَا يفكرون في غاية إلا ما توحي بهم آمالهم العريضة في جاه يريدونه أو سلطان يبتغونه، أو مال يحبونه، أو أي شهوة عاجلة أو مؤجلة يرونها، ويجمع ذلك قوله تعالى: (وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ). ولقد قال ﷺ فيما روى البزار في مسنده: " أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا ". وقوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الفاء) لجان أن ما قبلها سبب لما بعدها، و (سوف يعلمون) تهديد بسوء العاقبة لسوء ما يفعلون، وطيبات المآرب واللذات الدنيوية على نفوسهم، و (سوف) لتأكيد وقوع ما يفعلون ونذيره، والجملة السامية تدل على أن حالتهم توجب اليأس من إيمانهم، وقد قال الزمخشري: " فسوف يعلمون سوء صنيعهم، والغرض الإيذان بأنهم من أهل الخذلان، وأنهم لَا يجيء منهم إلا ما هم فيه، وأنه لَا زاجر ولا واعظ إلا معاينة ما يُنذَرون به حين لا ينفعهم الوعظ، ولا سبيل إلى اتعاظهم قبل ذلك، فأمر رسول اللَّه تعالى بأن يخليهم وشأنهم، ولا ينشغل بما لَا طائل تحته، وأن يبالغ في تخليهم بما لَا يزيدهم إلا ندما في العاقبة، وفيه إلزام للحجة، ومبالغة في الإنذار، وإعذار فيه، وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم، وما يؤدي إليه طول الأمل وهذه هي حال أكثر الناس من ليس على من أخلاق المؤمنين، وعن بعضهم التمرغ في الدنيا على أخلاق الهالكين، هذه حال المشركين، وقد ضرب لهم الأمثال وبين العبر بأحوال الماضين فقال تعالى:

стр. 5705

(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) الكتاب هنا الأجل، أي أن أية قرية أهلكت كان لها أجل معلوم، وهذا فيه تسلية للنبي ﷺ وتهديد لهم بأنه إذا كان قد أهمل أهل الشرك حتى طغوا وتجبروا واستكبروا فليس ذلك إهمالا لجرائمهم، وما من قرية، أي مدينة جامعة أهلكها إلا لأجل معلوم، فانتظروا كتابكم الذي كتب لكم أيها المشركون، فإما أن تخذلوا

стр. 5706

بسبب مقاومتكم للرسالة، وتذلوا للحق، والذلة للحق هي العزة، وذلك إذا كان يرجى الإيمان في ذرياتكم، وإما أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما أخذ عادًا وثمود، وآل مدين، ومن قبلهم قوم نوح، ثم كما أخذ فرعون ذي الأوتاد، وسائر الذين طغوا في البلاد. وإذا كان قد تركهم أمدا، فلأنه سبحانه قد قرر ذلك في علمه المكنون. ولذا قال تعالى:

стр. 5707

(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وقد عبر هناب (أَجَلَهَا) للإشارة إلى أن الكتاب والأجل بمعنى واحد، والتعبير في الأولى بالكتاب للإشارة إلى أنه مكتوب مسجل مكنون معلوم عند اللَّه تعالى، وعبر في الثانية بـ (أجل) للإشارة إلى أن له ابتداء وانتهاء، لَا تسبق الأمة أجلها وإن طغت وبغت، ولا تستأخره، أي لَا تطلب تأخيره، ولو طلبت ما أجيبت؛ ولذا عبر في الأولى بـ (تسبق)، وفي الثانية بـ (تستأخر)، فمهما طغت لا تسبق أجلها، ومهما طلبت لَا يؤخر أجلها، وفي التعبير بقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَأخِرونَ) إشارة إلى أن العاقبة ليست محمودة لهم، فمن شأنها أنهم يطلبون تأخيرها، ولكن مهما يطلبوا لن تؤخر، بل إنها نازلة في وقتها لَا محالة، وقد كانت الهجرة في ميقاتها، وكانت الحرب الدائرة عليهم حتى كان أمر اللَّه تعالى، وكان قدرا مقدورا، ولقد ذكر اللَّه بعض شر ما قالوا فقال:

стр. 5708

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) هذه صورة من طغيانهم، طغت الأوثان على تفكيرهم، حتى حسبوا من يدعو إلى التوحيد مجنونا، وأكدوا جنونه وقالوا مخاطبين النبي ﷺ : (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكرُ) النداء للبعيد، لكبر الدعوى التي يدعونها، وهي جنون النبي ﷺ ، و (الذِّكرُ)، أي المذكر لهم ببطلان عبادة الأوثان، وأنها أحجار لا تضر ولا تنفع، وتسميته بالذكر من اللَّه تعالى لَا منهم؛ لأنهم لو علموه ذكرا ما أنكروه، والجملة كيفما كان أمرهم ساقوها متهكمين لاذعين بالقول، كما حكى اللَّه تعالى عن الملأ من آل فرعون: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكمْ

стр. 5709

لَمَجْنُونٌ)، فالكلام سوق لبيان تهكمهم على رسولهم، وإن كان فيه إشارة إلى التنديد بهم، وهو أنهم بدل أن يعتبروا ويتذكروا يتهكمون مع أنه ذِكْرٌ لهم. وقد أكدوا دعواهم بجنونه فقالوا: (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) خاطبوا النبي ﷺ بذلك الخطاب الذي يبهت كل عاقل مدرك، أكدوه بـ (إنَّ) التي لتوكيد القول، وبالجملة الاسمية، وباللام، وإن هذا يدل على شدة تمسكهم بعبادة الأوثان حتى عدوا كل من يدعو إلى تركها مجنونا، ويدل على شدة طغيانهم وأنهم لَا يذعنون للحق، وإن دلت عليه دلالة واضحة بينة، ويدل ثالثا: على إمعانهم في إيذاء النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين وبعد أن سارعوا بالإنكار، وادعاء أن النبي ﷺ جاءهم بغير المعقول، تعنتوا وزعموا أنهم يطلبون دليلا

стр. 5710

(لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) (ما) نافية، و (لولا) نافية، إذا دخلت (لو) على (لا) - كانت بمعنى الامتناع للوجود مثل قوله تعالى: (. . . لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين)، وِتكون بمعنى الحض مثل قوله تعالى: (. . . لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةَ. . .) مع امتناع الشيء الذي يحض عليه، وهو ما قبل (لا)، فإنها تدل على الحض، وعلى الامتناع لعدم وجود شيء فقوله تعالى: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ) معناها الحض على أن تأتي به الملائكة، وعلى أن الامتناع عن الإيمان لأنه لم تأت به الملائكة، بيد أنه يلاحظ أن (لا) تدل على النفي في الحال والاستقبال، و (ما) تدل على النفي في الماضي، وقد جمع في هذه الآية الكريمة بين (ما)، وفعل المضارع بعدها، فدلت على أن الامتناع عن الإيمان في الماضي لعدم إتيان الملائكة ْبه، وأنهم مستمرون على عدم الإيمان ما دامت الملائكة لم تنزل به. وقد رد اللَّه كلامهم الدال على الإمعان في الكفر، والتعلة للإيغال فيه، فقال في آية أخرى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩). وتعنتوا بهذا وبغيره، واقرأ ما جاء أول سورة الأنعام، فقد قال اللَّه تعالى ردا عليهم: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
следующие страницы →