← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

بسبب مقاومتكم للرسالة، وتذلوا للحق، والذلة للحق هي العزة، وذلك إذا كان يرجى الإيمان في ذرياتكم، وإما أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كما أخذ عادًا وثمود، وآل مدين، ومن قبلهم قوم نوح، ثم كما أخذ فرعون ذي الأوتاد، وسائر الذين طغوا في البلاد. وإذا كان قد تركهم أمدا، فلأنه سبحانه قد قرر ذلك في علمه المكنون. ولذا قال تعالى:

стр. 5707

(مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وقد عبر هناب (أَجَلَهَا) للإشارة إلى أن الكتاب والأجل بمعنى واحد، والتعبير في الأولى بالكتاب للإشارة إلى أنه مكتوب مسجل مكنون معلوم عند اللَّه تعالى، وعبر في الثانية بـ (أجل) للإشارة إلى أن له ابتداء وانتهاء، لَا تسبق الأمة أجلها وإن طغت وبغت، ولا تستأخره، أي لَا تطلب تأخيره، ولو طلبت ما أجيبت؛ ولذا عبر في الأولى بـ (تسبق)، وفي الثانية بـ (تستأخر)، فمهما طغت لا تسبق أجلها، ومهما طلبت لَا يؤخر أجلها، وفي التعبير بقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَأخِرونَ) إشارة إلى أن العاقبة ليست محمودة لهم، فمن شأنها أنهم يطلبون تأخيرها، ولكن مهما يطلبوا لن تؤخر، بل إنها نازلة في وقتها لَا محالة، وقد كانت الهجرة في ميقاتها، وكانت الحرب الدائرة عليهم حتى كان أمر اللَّه تعالى، وكان قدرا مقدورا، ولقد ذكر اللَّه بعض شر ما قالوا فقال:

стр. 5708

(وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) هذه صورة من طغيانهم، طغت الأوثان على تفكيرهم، حتى حسبوا من يدعو إلى التوحيد مجنونا، وأكدوا جنونه وقالوا مخاطبين النبي ﷺ : (يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكرُ) النداء للبعيد، لكبر الدعوى التي يدعونها، وهي جنون النبي ﷺ ، و (الذِّكرُ)، أي المذكر لهم ببطلان عبادة الأوثان، وأنها أحجار لا تضر ولا تنفع، وتسميته بالذكر من اللَّه تعالى لَا منهم؛ لأنهم لو علموه ذكرا ما أنكروه، والجملة كيفما كان أمرهم ساقوها متهكمين لاذعين بالقول، كما حكى اللَّه تعالى عن الملأ من آل فرعون: (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكمْ

стр. 5709

لَمَجْنُونٌ)، فالكلام سوق لبيان تهكمهم على رسولهم، وإن كان فيه إشارة إلى التنديد بهم، وهو أنهم بدل أن يعتبروا ويتذكروا يتهكمون مع أنه ذِكْرٌ لهم. وقد أكدوا دعواهم بجنونه فقالوا: (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) خاطبوا النبي ﷺ بذلك الخطاب الذي يبهت كل عاقل مدرك، أكدوه بـ (إنَّ) التي لتوكيد القول، وبالجملة الاسمية، وباللام، وإن هذا يدل على شدة تمسكهم بعبادة الأوثان حتى عدوا كل من يدعو إلى تركها مجنونا، ويدل على شدة طغيانهم وأنهم لَا يذعنون للحق، وإن دلت عليه دلالة واضحة بينة، ويدل ثالثا: على إمعانهم في إيذاء النبي ﷺ ومن معه من المؤمنين وبعد أن سارعوا بالإنكار، وادعاء أن النبي ﷺ جاءهم بغير المعقول، تعنتوا وزعموا أنهم يطلبون دليلا

стр. 5710

(لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) (ما) نافية، و (لولا) نافية، إذا دخلت (لو) على (لا) - كانت بمعنى الامتناع للوجود مثل قوله تعالى: (. . . لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين)، وِتكون بمعنى الحض مثل قوله تعالى: (. . . لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةَ. . .) مع امتناع الشيء الذي يحض عليه، وهو ما قبل (لا)، فإنها تدل على الحض، وعلى الامتناع لعدم وجود شيء فقوله تعالى: (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ) معناها الحض على أن تأتي به الملائكة، وعلى أن الامتناع عن الإيمان لأنه لم تأت به الملائكة، بيد أنه يلاحظ أن (لا) تدل على النفي في الحال والاستقبال، و (ما) تدل على النفي في الماضي، وقد جمع في هذه الآية الكريمة بين (ما)، وفعل المضارع بعدها، فدلت على أن الامتناع عن الإيمان في الماضي لعدم إتيان الملائكة ْبه، وأنهم مستمرون على عدم الإيمان ما دامت الملائكة لم تنزل به. وقد رد اللَّه كلامهم الدال على الإمعان في الكفر، والتعلة للإيغال فيه، فقال في آية أخرى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩). وتعنتوا بهذا وبغيره، واقرأ ما جاء أول سورة الأنعام، فقد قال اللَّه تعالى ردا عليهم: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ

стр. 5711

هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨). وفى الآية الكريمة التي نتكلم في معناها رد الله تعالى قولهم بقوله تعالت كلماته:

стр. 5712

(مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) قوله تعالى: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) في هذا إشارة إلى إمكان إنزال الملائكة، وإنه ليس ثمة أمر يتعذر على الله خلقه، وقد نزل الملائكة إلى أرض قوم لوط فجعلوا عاليها سافلها، وعبر بـ (نُنَزِّلُ) إشارة إلى أن نزولها لَا يكون دفعة واحدة بل تتوالى النزول، وقتا بعد آخر. وقوله تعالى: (إِلَّا بِالْحَقِّ)، أي إلا بسبب باعث من الحق في ذاته بأن تكون حكمة في نزولهم، ومصلحة في خطابهم، فالله تعالى ما خلق شيئا عبثا، وما جعل الأمور سدى تنزل الملائكة حيث يبتغي المشركون ويريد الكافرون، وإن لم يكن جدوى من نزولهم، وإن حالهم حال إنكار، لَا تحتاج إلى دليل، فإن نزلوا قالوا هؤلاء رجال لَا ملائكة كما تلونا قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ). وإنهم إن أنزلوا كما طلبوا لكانت القاضية عليهم، ولذا قال تعالى: (وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ)، أي ما كانوا مؤجلين إلى يوم القيامة إذا نزلوا، والله تعالى بحكمته العالية قدر للمشركين من العرب أن يكون من ذريتهم ومن الجاحدين أنفسهم أمة مؤمنة تحمل عبء التبليغ بعد رسول الله ﷺ ؛ لأن شريعته - وهو خاتم النبيين - يجب أن تكون معجزته باقية ببقاء شريعته الخالدة، ورسالته الدائمة التي لا تنقطع، ولذا كانت معجزة القرآن آي من نوع الذكر الدائم الذي يحمل دلائل إعجازه، ويتحدى الأجيال إلى يوم القيامة، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)

стр. 5713

أضاف القرآن العظيم إلى الذات العلية المقدسة فاستفاد بهذه الإضافة شرفا إضافيا فوق شرفه الذاتي الذي جعله اللَّه تعالى كذلك، واستفاد بهذه الإضافة أيضا أنه نزله بالحق الذي وعد به وقال: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ)، فما نزله إلا بالحق والأمر الثابت، وهو أنه باق ما دامت الشريعة والرسالة باقيتين، وإنهما لباقيتان. وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أن معجزة القرآن من نوع الكلام؛ لأنه ليس حادثة تنتهي بانتهاء زمانها، بل هو كتاب محفوظ قائم تقرأه الأجيال، ويتحداها جميعا، ولقد روينا من قبل قول النبي ﷺ : " ما من نبي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وكان الذي أوتيته وحيا، وإني لأرجو أن اكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". وقد تعهد اللَّه العلي الكبير بحفظه ليخاطب الأجيال إلى يوم القيامة، فقال: (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) أضاف الحفظ إليه سبحانه، فكان ذلك تمكينا وتوكيدًا. وقد حفظه اللَّه تعالى كما وعد من التغيير والتبديل والتحريف والتصحيف فأوجب حفظه مرتلا، كما قال تعالى: (. .، وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)، وقال تعالى: (. . . وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)، وقد علم النبي ﷺ صحابته ترتيله، وعلموه من بعدهم، واقتضى ذلك أن يعتمد في حفظ القرآن على الصدور، ولا يكون الاعتماد على السطور وحدها؛ لأنه يمكن فيها التغيير والتبديل، والصدور تمنع ذلك، ولا تزال تطلع على طائفة من اليهود، تريد أن تجعله كغيره من الكتب، فيبين حفظةُ القرآن الكريم إفساد فعلهم الدنيء. وحفظت شريعته من التغيير والتبديل، فهي قائمة وإن حاول بعض المنافقين الذين يدهنون للحكام تحريفها عن مواضعها بتحليل ما حرم اللَّه، واللَّه من ورائهم محيط. * * *

стр. 5714

الكفر كله ملَّة واحدة قال اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) * * * إن حقيقة الكفر واحدة، وإن تعددت الأجناس والأنواع واختلفت الألوان، فالإنسان هو الإنسان لَا تختلف حقيقته، وإن اختلفت الصور، فالمؤمن حقيقته واحدة، وإن اختلفت الأزمان، والكفر ملة واحدة، وإن اختلف الأقوام، فما تراه في مشركي مكة يرى في غيرهم ممن مضوا. ولقد قال مسليًا نبيه:

стр. 5715

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَع الأَوَّلِينَ) هنا اسم مفعول محذوف دلت عليه كلمة أرسلنا رسلا من قبلك، وقد كان لهم ما يكون لك من الذين يعتقدون اعتقادا باطلا، ويستمسكون به ويكونون فرقًا وشيعًا يتشيعون لها، فقوله في (شِيَعِ الأَوَّلِينَ)، أي في جماعات متشيعة لفكرة واحدة، يتعصبون لها ولا يخرجون عنها، وأصل الشيعة من الشياع، وقد قال البيضاوي في ذلك: " جميع شيعة، وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب، من شاعه إذا اتبعت، وأصله الشياع، وهو الحطب الصغار توقد به الكبار ". وعبر بشيع الأولين؛ للإشارة إلى أنهم لم تكن خالية أذهانهم، بل كانت مملوءة، ولكن بزور من الفكر والقول، يتعصبون له على غير بينة، ويشيع بينهم من غير تفكر، ويتبعوه خلفا عن سلف، ويقولون: (. . . بَلْ

стр. 5716

نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠). فإذا كان محمد ﷺ قد عانى من هؤلاء المشركين الذين يتشيعون لأوثانهم، فقد عانى الرسل قبلك نفس المعاناة من شيع الأولين، فاصبر يا محمد كما صبروا. وقد ذكر حال هؤلاء الرِسلِ مع تلك الشيع المتجمعة على الباطل فقال:

стр. 5717

(وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١١) (الواو) تصل الجملة التي سبقتها بالجملة التي لحقتها، وهي موضع السلوى لمحمد ﷺ من إيذاء الضعفاء أصحابه الذين لَا يملكون حولا ولا طولا، ولا جوارا يدفع عنهم، واستهزاء بالدين الحق، وصاحبه وأتباعه، ومعنى الجملة السامية (لا يأتيهم، أي رسولي (إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ))، فـ (مِّن) هنا صلة لبيان عموم النفي، والاستهزاء به، أي لَا يأتيهم أي رسول فمهما يكن ما عليه من خلق كريم، ومهما يكن ما يأتي به من حق مبين إلا جعلوه والحق الذي معه موضع استهزائهم وسخريتهم، وذلك لفساد عقولهم، وسفه أحلامهم، وكان ذلك اختبارًا لصبر الرسل، وقد صبروا. ويقول الزمخشري: " إن قوله تعالى: (وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ) حكاية لحال ماضيه، لأن (ما) لَا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماضٍ إلا وهو قريب من الحال، ولعل مراده أنهم استمروا على هذه الحال في الماضي، فالواقع بك من سخرية واستهزاء هو استمرار لحال وقع بعضها في الماضي، ويقع الباقي معك، (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. . .). وإن ذلك شأن الإجرام في الحاضر والماضي يدخل بالاستهزاء في قلوب المجرمين، ولذا قال تعالى:

стр. 5718

(كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) والسلك إدخال الشيء في غيره كإدخال الخيط في الإبرة، والرمح في المطعون، والسهم في الهدف، والضمير في (نَسْلُكُهُ) يعود إلى الضلال والتعصب والاستهزاء، وهذا كله مفهوم من سياق الكلام، ويصح أن يعود الضمير

стр. 5719

إليه على أنه معنى تضمنه القول، والمؤدى على ذلك كذلك الذي كان من السابقين من الأمم الذين سبقوا قومك من الاستهزاء برسلهم، والضلال والحماقة، نسلكه وندخله في قلوب المجرمين من قومك، وأظهر في موضع الإضمار، لوصفهم بالإجرام في هذا المسلك الذي سلكوه سيرا على نمط ماضيهم من المجرمين، فالإجرام متصل الحلقات بعضها آخذ بحجز بعض، لَا ينفصل عنه، ولا ينفصم عنه. وإن هذه الأخلاق من كفر وضلال وتعدٍّ على أهل الحق إذا سلكت في قلوب أصحابها، لَا ينفضون عنها ولو تطاول عليهم الأمد؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5720

(لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) الضمير في (بِهِ) يعود إلى الذكر، وهو الحق الذي يوجب الإيمان، وهذه الجملة مقررة لما قبلها، لأنه إذا كان الباطل قد دخل في قلوبهم دخول الخيط في المخيط، فإنه لَا يمكن أن يجتمع والحق في قلب واحد، فلا يمكن أن يؤمنوا بالذكر الحكيم، (وَقَدْ خَلَتْ)، أي مضت سنة الأولين أي طريقتهم. وفى ذكر هذه الجملة السامية (وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) إشسارة إلى أمرين: إلى استمكان الكفر والضلال في نفوسهم، وقراره فيهما، وأنه لَا رجاء لمن كان على هذه الحال، والثاني إشارة إلى مآل أولئك الماضين من هلاك وعصف بهم، وإذا كان ذلك ما ناسب الماضين، فما يناسب الحاضرين هو سلم مخزية بعد حروب مجلية مع الحق. وإذا كان ذلك ما كتبه اللَّه تعالى عليهم كما كتب على من سبقوهم، فلا تظن أيها الرسول الأمين أن كفرهم لنقص في المعجزة التي جئتهم بها، إنما ذلك لأنهم صدوا عن الحق، فلو جئت بالمعجزات التي لَا يماري فيها العقلاء لماروا فيها، وادعوا ضلال أبصارهم. (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)

стр. 5721

طلبوا أن تنزل عليهم الملائكة، وأقسموا باللَّه لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، ولو جاءتهم لَا يؤمنون، فاللَّه تعالى يبين أنهم لو رفعهم إلى الملائكة وفتح لهم بابا يرتفعون إليه، فقال:

стр. 5722

(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ)، أي فتحنا عليهم فرجة من السماء واتجهوا إليها فاستمروا فيها يرتفعون بها صاعدين إليها، حتى يروا الملائكة عيانا بيانا، مما آمنوا و

стр. 5723

(لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ... (١٥) أي سحرت أعيننا، أو سدت علينا مسام الإدراك، (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ) الإضراب للترقي في الحكم من سحر أبصارهم إلى سحر كل أجسامهم، وليسوا آحادا بل إنهم قوم مسحورون. وهكذا تجد الكفر قد استقر في قلوبهم فلا يؤمنون بأية آية ولا يصدقون أي دليل، فذرهم في غيهم يعمهون ولا تلتفت إليهم (ادْعُ إِلَى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. . .). * * * بدائع الخلق والتكوين قال اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ

стр. 5724

بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) * * * بعد أن ذكر سبحانه حال الجحود الذي استمكن في قلوب المشركين حتى صاروا بحال يكذبون لها حسهم، وأنهم إذ كذبوا القرآن عنادا وجحودا، فإنهم يكذبون كل شيء مهما يكن مرئيا رأي العين، حتى إنهم لَا يقتنعون بما يراه حسهم، فلو عرجوا إلى السماء لأنكروا وقالوا: إن أعيننا سكِّرت، وصرنا حيارى كالسكارى، وإن محمدا خَيَّل إلينا ما لم نره. بعد هذا أخذ يبين - سبحانه - عجائب التكوين في خلقه، حتى إن هذه المخلوقات تعلن بالبداهة عن منشئ الكون، وأنهم إذ ضلوا عن هذا، فإن شيئا لا يقنعهم من بعد هذا الضلال. قال تعالى:

стр. 5725

(وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ برُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) (جَعَلْنَا) بمعنى صيرناها بعد أن أنشأناها وأبدعناها على غير مثال سبق، و (البروج) جمع برج، وهو القصر، والمنزل، والبروج هنا منازل النجوم، أي أن كل نجم في منزله الذي أحله اللَّه تعالى فيه، وارتبط بغيره عبر هذا الوجود، بحيث يكون كل نجم في مكانه ومداره لَا يحول عنه ولا يحور، وكأنها مبنية بناء محكما لا فروج فيها (. . . وَمَا لَهَا مِن فرُوجٍ)، فالارتباط بينها ثابت بما يسمونه الجاذبية التي تشد بعضها ببعض، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ)، أي أنها في منظرها وإحكامها زينة في ذاتها، وجعلها اللَّه تعالى بهجة للأعين، كما قال في آية أخرى، (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ. . .)، وكما قال تعالى في سورة " ق ": (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ).

стр. 5726

وإن اللَّه بناها ذلك البناء المحكم الدقيق الذي ارتبط ارتباطا وثيقا، وحفظها؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5727

(وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ)، و (الشيطان) هو المفسد العابث، و (رَجِيمٍ) بمعنى مطرود ملعون مبعد عن رحمته ، وهذا التعبير السامي فيه إشارة واضحة إلى أن اللَّه خلق هذا الكون العظيم، وحفظه من أن يتطرق إليه فساد أو عبث عابث. ومن هم الشياطين الذين حفظ اللَّه السماوات منهم، ووصفهم بأنهم مرجومون مطرودون من رحمته ملعونون؛ لم يبين من هم، ولم يرد في السنة من هم، فلنكتفِ بما بين، غير متزيدين على كتاب ربنا. ثم قال سبحانه:

стр. 5728

(إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) الاستثناء هنا يصح أن يكون منقطعا عند بعض المفسرين، ويكون المعنى لكن من استرق السمع، وعلم بعض الأمور التي لَا يصح إعلانها من أسرار هذا الكون السامي، ولا يكون ذلك إلا بتقدير اللَّه تعالى. وعندي أن الاستثناء متصل، لأن (الفاء) في قوله: (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مبِينٌ) وهي تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها تبعد أن يكون الاستثناء منقطعا، وإذا كان متصلا يكون المعنى حفظه سبحانه من كل شيطان مرجوم أن يتطاول فيعبث، وأقصى ما يصل إليه أن يسترق السمع، أي أن يأخذ معلومات عن طريق الخفية كمن يسترق السمع،) تصديقا لقوله تعالى: (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ). وإن هذا الذي يكون كمن يسترق السمع، ويتخذ ذلك طريقا لمعرفة ما لم يعرف، لَا ينجو، بل ينزل اللَّه تعالى عليه ما يحرقه، قبل أن يكشف علم ما نهى عنه " ولذا قال تعالى: (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مبينٌ) والشهاب) كوكب مضيء، كما قال تعالى: (. . . فَأتْبَعَهُ شهَابٌ ثَاقِبٌ)، فهو نار مشتعلة أو شعلة مضيئة، ويقول ابن عباس: تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع، فينفرد منها، فيرمى بالشهاب.

стр. 5729

وإن هذا لتصوير حكيم لحفظ اللَّه السماوات من أن يكون في السماوات مفسدون، كما في الأرض من يفسد فيها، وهم شياطين خارجون عن الطاعة كشياطين الإنس والجن في الأرض. وقد فهم بعض الناس من هذه الآية أنها تشير إلى علم النجوم، وعلم حركاتها، وتعرف أسرار الحظ من هذه الحركات، ولكنا نقول: إن الآية الكريمة بمنأى عن هذا، واللَّه أعلم بالكون ظاهره وباطنه. وقد أشار إلى بدائع خلقه في السماوات وصيانتها من كل عابث، وحفظها إلى ما شاء اللَّه تعالى أن تبقى، وبعد ذلك أشار إلى نعمائه على أهل الأرض فيما أنعم فقال تعالت كلماته:

стр. 5730

(وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) (مَدَدْنَاهَا) بسطناها ليسهل الانتقال فيها، والإقامة في أجزائها، وتبدو مبسوطة سهلة مع أن تعاقب الليل والنهار يدلان على أنها تدور حول الشمس، وأنها كرة سابحة في الفضاء بقدر معلوم، كما قال : (وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)، (وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ)، فكان خلق الأرض، ومدها، ودحوها نعما مكنت الإنسان من الانتفاع بها، ويقول : (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ). رواسي جمع راسٍ أي ثابت، يثبت الأرض بثقله، كما قال تعالى في آية أخرى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا). وإنه من تلاقي السماء الدنيا بالأرض يكون المطر الذي ينبت به كل شيء، وكما قال تعالى: (. . . وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِكُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ. . .)، فمن هذا المطر يكون الغيث الذي يخبت به النبات؛ ولذا قال تعالى: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) وموزون معناها مناسب مقدر بقدره الذي يكفي أهلها، ويجعل إقامتهم فيها طيبة راضية، وقد وزنها خالق كل شيء ولتكون للأحياء عليها غير

стр. 5731

منقوصة، بل كاملة تجعلهم في بحبوحة وسعادة كاملة لو أحسنوا فيما بينهم، ولعل في ذلك ردا على الذين يدعون إلى نقص سكان الأرض بدعوى أن الأرض ضاقت بمن فيها، وكما قال الذين يريدون أكل الشعوب الضعيفة وإبادتها، أو أن تكون طعما لهم أن الإنسان تكاثر نسله، فليحد ذلك التكاثر، إن بكر الأرض والماء اللذان لم يستغلا أكثر وفرا وأدر خيرا، إن خالق الإنسان هو الذي جعل النبات بقدر موزون، وهو الخلاق العليم. ثم بين سبحانه المخلوق، ووزن حاجته فقال تعالت كلماته:

стр. 5732

(وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وجعل لكم في الأرض معايش، أي مكنكم من أن تتخذوا معايش لكم من طعام موفور، وثياب سابغة، ومأوى تأوون إليه، مكنكم ، لكم ولأولادكم، وكل من يكونون في عيالكم، والضعفاء الذين تعاونونهم، مكنكم من هذه المعايش ومكن حيواناتكم الأليفة من الرزق، وعبر عن هؤلاء الأتباع بقوله: (وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ)، أي أتباعكم الذين لَا ترزقونهم أنتم، بل اللَّه تعالى هو رازقهم، ليعلموا أنهم لَا يرزقون أولادهم حتى يقتلوهم أو يؤذوهم، بل اللَّه تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وقد قال البيضاوي في قوله تعالى: (وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) " يريد به العيال والخدم والمماليك، وسائر ما يظنون أنهم يرزقونهم ظنا كاذبا، فإن اللَّه يرزقهم وإياكم، وفذلكة الحياة الاستدلال بجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين مختلفة الأجزاء في الوضع مُحدثة فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة، وطبيعة، مع جواز ألا تكون كذلك على كمال قدرته، وتناهى حكمته، والتفرد في الألوهية، والامتنان على العباد بما أنعم عليهم من ذلك ليوحدوه. ولقد ذكر أن كل شيء عنده بمقدار، وأن كل شيء عنده خزائنه، فقال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)

стр. 5733

(إن) هنا نافية، و (من) صلة لبيان عموم النفي، والمعنى ما من شيء إلا عندنا علمه، والمكان الذي يكون منه، ونحن الذين نظهره إن أردناه ولا ننزله إلا بقدر معلوم. فالمراد كمال السلطان، وإحكام الخلق والتكوين، وبسط الرزق، وتقتيره، اللَّه يبسط لمن شاء ويقدر، وقد يعطي العاصي إملاء له ليكون عقابه، وقد يمنع التقى اختبارا لصبره ورجاء ثوابه، وكل له ثواب وجزاء، فالعطاء بيد اللَّه، والتعبير بقوله تعالى: (عِندَنَا خَزَائِنُهُ) مجاز عن علمه المحيط بكل شيء، وبأنه الموزع للأرزاق، وأنه المختبر للناس بعطائه ومنعه، فهو يختبر من يعطيه بالعطاء ليكفر النعمة أو يشكرها، ويختبر من يمنعه ليصبر أو يجزع، وكل بقدر معلوم، لَا يكون عفوا من غير تقدير، بل بإحكام وتدبير. وقد ذكر بعض أسباب الرزق فقال تعالت كلماته:

стр. 5734

(وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) أرسلها أطلقها، والرياح بالجمع، ولواقح جمع لاقحة، وفي تفسير لاقحة نظران أحدهما - أنها محملة بالماء أو مثيرة للسحاب المحملة بالماء، كما قال تعالى: (. . . وَيُنشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ)، وكأنها شبهت بالحامل لإثمارها وإنجابها؛ وذلك لأن المطر يتكون من بخار الماء، ويتكاثف حتى يصير سحابا، والرياح تحرك هذه السحب من مكان إلى مكان حيث تصادف جوا باردًا، فتنزل أمطارا، ويزكي ذلك النظر قوله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) فذكر الماء بعد ذلك دليلا على أنها تثير السحاب المملوء بالماء، وذلك ما سوغ وصفها باللواقح. والنظر الثاني - أن تكون الرياح حاملة بذور التلقيح للأشجار فهي تحمل بذور الذكورة أو الأنوثة، وعندي أن النظرين يمكن الجمع بينهما، إذ لَا تعارض، فالرياح لواقح باعتبارها حاملة أسباب اللقاح، كما

стр. 5735

يلقح فحل الحيوان أنثاه، وباعتبارها مثيرة للسحاب الثقال المملوءة ماء، وينزله الله تعالى حيثما أراد وفي أي أرض شاء، فإنه لَا تخرج حركة عن حركة إلا بإذنه. وقوله تعالى: (فَأنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)، (الفاء) هنا لبيان أن ما بعدها سببا لما قبلها، أي أنه بسبب هذه الإثارة التي أثارتها الرياح أنزل الماء من السماء، ليسقى الزرع والغراس، والأعشاب التي يكون منها طعام الإنسان والحيوان، وكل ما يدب على ظهر الأرض. والسببية هنا ليست سببية فاعلة أو باعثة إنما هي سببية اقترأن، و (جعل)، أي جعل الله قعالى هذا سببا (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ)، (الفاء) عاطفة على (أنزلنا)، وجعل الخطاب بالسقي للناس مع أنه لسقي الزرع والعشب والأشجار والإنسان؛ لأن سقي الإنسان أعظم وأقوى؛ ولأن سقي ما عدا الإنسان هو للإنسان في غايته ونهايته، فكان الإسقاء للإنسان في الابتداء والانتهاء، ولكنه يكفر بنعِم اللَّه تعالى: (. . . إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)، ثم قال تعالى: (ومَا أَنتُمْ لَهُ بخَازِنِينَ) (الباء) في قوله تعالى: (بِخَازِنِينَ) لاستغراق النفي، أي أنتم ليس لكم أي عمل في خزن هذا الماء في السحاب، وكأنَّه شبه السحاب بمخزن للماء خزن فيها؛ إذ يخرج من الأرض بخارا ثم يتكاثف فيها ثم يوزعه في الأرض بتصريف الرياح، أي ليس أحد منكم معشر الناس بخازن هذا الماء ومصرف الرياح به وموزعه في كل بلد حسب حاجته، وحسب عطاء اللَّه تعالى له، سبحانه إنه هو الخلاق العليم. وإن اللَّه هو المنشئ، والقائم على كل ما خلق، وهو الذي يبدأ الإبقاء والإفناء؛ ولذا قال:

стр. 5736

(وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) أكد سبحانه أنه هو وحده المحيي والمميت أكده بضميره الأعظم، وأكده بنحن، وهو توكيد لفظي، وأكده باللام، وأكد الإحياء ولم يؤكد الممات؛ لأن الإحياء غير مرئي، وإنما تظهر آثاره في الحياة، ولم يؤكد القرآن الحكيم الممات؛

стр. 5737

لأنه مرئي محسوس، يرى كل يوم، فما لَا يظهر للحس وهو الإحياء أكده، وما يظهر للحس الحس يؤكده، وقد أخبر سبحانه أن الجميع بعد الموت يقول إليه ؛ ولذا قال سبحانه: (وَنَحْنُ الْوَارِثونَ) فالجميع يئول إليه كما يئول الميراث للوارث. وإن اللَّه هو الذي أحيا، فهو الذي أنشا الكون كله، وهو الذي أنشأ الإنسان من سلالة من طين كما قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦). وإن قوله تعالى: (وَنَحْن الْوَارِثونَ) يومئ إلى ما صرح به ، من البعث في الآية التي تلونا، والآيتان تشيران إلى أن من أحيا وأمات قادر على الإعادة، كما قال تعالى: (. . . كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، (. . . وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).

стр. 5738

(وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) (الْمُسْتَقْدِمِينَ)، السين والتاء للطلب، وكذلك في (الْمسْتَأْخِرِينَ)، ومعنى السين والتاء هنا طلب الإيغال في التقدم والإيغال في التأخر، فالذين تقدموا إلى أبعد التقدم، والذين تأخروا إلى أعمق التأخر في علم الله تعالى، وعلمه الماضي والحاضر على سواء، ولقد أكد علمه بالمتقدم، وعلمه بالمتأخر بأبلغ المؤكدات، فأكد باللام وبقد وكلاهما لتأكيد التحقيق. والمتقدم يشمل المتقدم في الخلق والإحياء والموت، والمتأخر كذلك، كما يشمل المتقدم في الطاعة والإجابة والمتأخر فيها، واللَّه سبحانه عليم بكل ذلك في ميقاته، وإذا كان عنده علم ذلك، فهو يعرف أين يكونون وفي أي زمان كانوا ويكونون، وعلى أي حال هم أكانوا رميما، أم كانوا في حجارة أو حديد، كما

стр. 5739

قال: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١). وإذا كان يعلمهم جميعا، فإن البعث لهم جميعا، وسيحشرهم إليه جميعا؛ ولذا قال تعالى:

стр. 5740

(وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) إن ربك خالقك ومربيك والقائم على شئون كل حي، العليم بأدواره من يوم وجد حيا إلى أن يُرمس ميتا، فالتعبير بـ (رَبَّكَ) تذكير بالتكوين واستمرار القيام على ما كون ومن كون، والضمير (هو) للدلالة على أنه هو الذي أنشأ وهو الذي يحشر، فهو حجة على الإمكان، وأن ذلك لَا يستحيل، لأنه أوجده أولا، فهو يعيده ثانيا، و (يَحْشُرُهُمْ)، أي يجمعهم، وعبر بـ (يَحْشُرُهُمْ) للدلالة على كثرتهم ولقائهم في وقت واحد؛ لأن جمعهم كذلك في وقت واحد، ويكونون أمام اللَّه تعالى في يوم واحد هو يوم تقوم الساعة وإن ذلك من دواعي حكمته، وعلمه الذي لَا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء؛ ولذا قال تعالى في مقام الآية الكريمة: (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)، أي أن ذلك اقتضته حكمته. كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) ، وهو عليم أين يكونون، وعلى أي حال، ولو كانوا حجارة أو حديدا فسيعيدهم، إنه عليم بكل شيء. * * * قصة خلق الإنسان والجن قال اللَّه تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ

стр. 5741

صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) * * * ذكرت قصة خلق الإنسان وإبليس قبل ذلك، وليس في ذكرها الآن تكرارا لما ذكر أولا وثانيا، بل إن لكل واحدة عبرة في ناحيتها، وكلها يشترك في أمرين ثابتين، وهو أن اللَّه تعالى كرم الإنسان، فجعله فوق الجن والملائكة، إن استقام على طريقه، والثاني أن اللَّه تعالى كرمه منذ بدء الخليقة وفي كل مرة من ذكر القصة تفصيل لأمور لم يكن في المرة الأخرى، ففي مرة ذكرها في سورة الأعراف، كيف كان الإغواء، وكيف قاسمها أنه لهما من الناصحين، وفي هذه المرة صارح بالإغواء وإصراره عليه، ونتيجة هذا الإغواء، وفي السابقات لم يكن تصريح بهذا، ولنرو القصة الحق، كما نتلوها من القرآن الكريم.

стр. 5742

ذكر خلق الإنسان، فقال عز من قائل:

стр. 5743

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) الصلصال هو الطين اليابس، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال مجاهد: هو الطين المنتن، أي الطين العطن وذلك بيان لصغر أصل الإنسان حتى لَا يستكبر ويغتر، ونحن نميل إلى رأى ابن عباس ﵄ وقوله: (مِنْ حَمَإٍ) الحمأ: الطين، و (من) ابتدائية، أي خلقناه من طين يصلصل، (مَّسْنون)، أي شكل بأي شكل، وليكن شكل إنسان. هذا خلق الإنسان أو أصل مادة تكوينه، أما الجن فقد قال تعالى:

стр. 5744

(وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) والجان الجن الذي منه إبليس اللعين، والسموم الرياح الشديدة الحرارة التي تنفذ في المسام، وذكر أنه كان من قبل خلق آدم بدليل أن إبليس أمر بالسجود لآدم. وهنا في هذا النص لم يذكر آدم على أنه خليفة في الأرض، وذكرت هنالك المفاضلة بينه وبين الملائكة في العلم ولم تذكر هنا، ولا تعارض بل توافق من غير مقابلة مضادة. ويقول في طلب السجود:

стр. 5745

(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ ... (٢٨) أي شكلته على الخلق السوى في أحسن تقويم (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) قال سبحانه بعد قوله:
следующие страницы →