← Тафсир

Тафсир · id 37071

زهرة التفاسير

محمد أبو زهرة

Полный текст (8 373 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

الكذوب تكون في اضطراب مستمر ولا تملك نفسها كما لَا تنضبط في ذاتها، ودأبها على الكذب يؤدي إلى ضلال الفكر فيها حتى يصيبها خرف الكذب وفساده. (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) بعد هذا المتاع الضئيل وهو عذاب دائم ليس له وقت محدود بل هو محدود بحدود اللَّه، وما من قارئ يقرأ هذه الهداية إلا امتنع عن الهجوم بقوله حلال وحرام إلا إذا كان النص على التحريم من قرآن أو أحاديث النبوة، ولقد كان إبراهيم النخعي، وهو من أئمة فقه الرأي كان إذا وصل برأيه إلى حكم يفيد التحريم لَا يقول: حرام، ولكن يقول أكره، وإذا وصل بقياسه إلى حكم يفيد الحل قال ليس من بأس، أو استحسن هذا متحرجا أن يقول حرامًا أو حلالاً لكي لَا يكون ممن دخلوا في حكم هذه الآية. وقال ابن العربي: " كره مالك وقوم أن يقول المفتي: هذا حلال، وهذا حرام في المسائل الاجتهادية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومئ هذا "، وقد رأينا في هذا الزمان من يقول في أمور هي حرام بالنص إنها حلال، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلى العظيم. بين اللَّه ما أحل وما حرم، ثم حرم اللَّه تعالى على اليهود بعض أمور، وكان التحريم خاصا بهم دون غيرهم فطْمًا لنفوسهم الشهوانية الظالمة، وقد أشار سبحانه إلى هذه المحرمات في قوله تعالى:

стр. 6127

(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) وقوله تعالى: (مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبلُ)، أي ما أخبرناك بتحريمه من قبل، وهذا يدل على أن هذه الآية في سورة النحل متأخرة عن التحريم على اليهود في سورة الأنعام، وذلك النص في سورة الأنعام:

стр. 6128

(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦). وفى هذه الآية التي سبقت في سورة الأنعام ذكر سبحانه أن ذلك كان فَطْمًا لأهوائهم وشهواتهم وبغيهم، فكان التحريم تأديبا لهذه النفوس أو تقوية لإراداتهم ومنعا لأهوائهم وشهواتهم، ولذا قال في الآية الكريمة التي نتولى ذكر معانيها الحكيمة (ومَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، أي وما ظلمنا بذلك المنع الجزئي، بل هم الذين بغوا، وأكثروا فيها الفساد، وأدى ذلك إلى ظلمهم؛ ولذا قال تعالى: (ولَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلمُونَ)، الاستدراك هنا لتأكيد نفي الظلم، وإثبات الظلم عليهم هم، وتقديم (أَنفُسَهُمْ) على (يَظْلِمُونَ) للدلالة على الاختصاص، أي لَا يظلمون أحدا غير أنفسهم. * * * التوبة بعد العصيان ومكانة إبراهيم قال اللَّه تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) * * *

стр. 6129

إن اللَّه تعالى يغفر الذنوب جميعا لمن تاب وآمن وعمل صالحا؛ ذلك أن بتوبته في وقتها عبادة، وقد قال تعالى:

стр. 6130

(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا). (إِنَّ رَبَّكَ) الذي خلق الناس أجمعين ورباهم وهذبهم (لِلَّذِينَ عَمِلُوا)، أي هو لهم يمنعهم من الاسترسال في الشرور والفساد، كما تقول: السلطان لفلان هو ينصره، ويحميه من أعدائه ولا يسلمه لهم، وقد ذكر أنه سبحانه لهؤلاء الذين عملوا السوء، بشرطين: الشرط الأول - أن يكون بجهالة. والشرط الثاني - أن يتوبوا ويعملوا الصالح بأن يصلحوا في ذات أنفسهم، بأن يزول من نفوسهم، كل أدران السوء، وترحض عن قلوبهم كل ما عملوا من آثام مبطنة، وأن يذهب ما اربدت به نفوسهم، وتطهُر. والسوء كل ما هو في ذاته ليس بطيب، ويسوء النفس وغيره، والجهالة هي عدم تدبير الأمر، وعدم تعرف عواقبه بأن يندفع تحت تأثير شهوة جامحة، أو هوى متبع، فإذا تدبر تاب من قريب، وهذا قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨). وقال تعالى في الشرط الثاني: (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا)، أي قاموا بحق التوبة النصوح، وهي تقتضي أمورا ثلاثة: الأمر الأول - الندم على ما حصل من سوء، وذلك علم بالحق بعد الجهالة، وثوب إلى اللَّه تعالى بعد الابتعاد. والأمر الثاني - العزم على ألا يعود إلى ذنب أبدا، ذلك لأجل غسل ما اعترى القلب من أدران، وتنظيفه من السيئات وآثارها.

стр. 6131

والأمر الثالث - أن يكون ذلك من قريب؛ لأن القدم يثبت الشر في النفس، ويجعل إزالة درنه ليس يسيرا. ثم بعد هذه التوبة بشروطها لَا بد من العمل الصالح، لأنه لَا يزيل عمل السوء إلا العمل الصالح فيحل الخير محل الشر، وإنه عند تحقق هذه الأمور، وتوَّجها العمل الصالح كان الغفران وكانت الرحمة، ولذا قال: (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفورٌ رحِيمٌ) وهنا عدة أمور بيانية: الأمر الأول - التعبير بـ (ثُمَّ) في أول الآية لما بين الذين يصرون على الذنوب ويعاندون الحق، ويسرفون على أنفسهم، وبين الذين يتوبون من قريب عن فعل فعلوه بجهالة، فكان لـ (ثُمَّ) موضعها في هذا، وكذلك الأمر في (ثُمَّ) الثانية، (ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رحِيمٌ) في التعبير بـ (ثُمَّ) يفيد التراخي بين التوبة والغفران؛ لأنه ليس كل توبة توجب الغفران، بل لابد من زمن تعتاد النفس فيه فعل الخير حتى يكون الخير منها حالا من أحوالها. الأمر الثاني - في قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) (اللام) تفيد اختصاص اللَّه بهم وأنه قريب منهم. وإن في ذلك تشجيعا للتوبة لمن يقعون في معصية، كما قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. . .)، وقال تعالى: (غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ. . .)، الأمر الثالث - في قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رحِيمٌ) ذ كر البعدية في هذه الحال فيه معنى الفورية، وأن اللَّه يحب توبة عبده ليغفر له، فإن اللَّه يحب التوبة ويحب المغفرة. وقد ذكر اللَّه بعد ذلك أبا الأنبياء إبراهيم لأنه أبو العرب وعزهم، ويعيشون ببركة دعائه، ولأنه تواب أواه حليم، فقال سبحانه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)

стр. 6132

(أُمَّةً) إما أن تكون بمعنى إمام، أي أنه ﵇ كان إمام الموحدين المقتدى بهم أو مذهبا متبعا، كقول الله تعالى: (. . . إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ). وفسره الزمخشري بأنه وحده أمة كأنه جماعة جمعت الفضائل كلها، وقد قال في ذلك: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كانَ أُمَّةً) لكماله واستجماعه فضائل لَا تكاد توجد إلا متفرقة في أشخاص كثيرة، كقوله: ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد وهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل في المشركين، وأبطل مذاهبهم الزائفة بالحجج الدامغة، وهذا وجه وقال الزمخشري: والثاني أن يكون أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه الخير، أو بمعنى مؤتم كأمة كالرُحْلة والنخبة وما أشبه ذلك مما جاء من فُعله بمعنى مفعول، فيكون مثل قوله تعالى: (. . . إنِّي جَاعِلُكَ لِلناسِ إِمَامًا. . .)، ويروى الشعبي عن نوفل الأشجعي عن ابن مسعود أنه قال: إن معاذًا كان أمة قانتا لله، فقلت: غلطت إنما هو إبراهيم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله ورسوله وكان معاذ كذلك. وعن عمر ﵁ أنه قال حين قيل له استخلف: لو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته، ولو كان معاذ حيا لاستخلفته، ولو كان سالم حيا لاستخلفته، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أبو عبيدة أمين هذه الأمة، ومعاذ أمة قانتا لله ليس بينه وبين الله يوم القيامة إلا المرسلون وسالم شديد الحب لله لو كان لا يخاف الله لم يعصه "، وهو ذلك المعنى أي كان إماما في الدين؛ لأن الأئمة معلمو الخير. ونقول: إن الوجهين اللذين ذكرهما الزمخشري يصح أن يوادا معا، فهو في ذاته أمة لأنه جامع لكل صفات الكمال البشري، ومستجمع لكل أسباب الرفعة عند الله، وهو مع ذلك إمام يؤتم ويقصد إذ هو إمام الموحدين والله أعلم؛ ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن والنبوة، وتحريم ما أحله الله، ولأنه كان وحده أمة موحِّدا، وكان سائر الناس مشركا.

стр. 6133

هذا هو الوصف الأول لإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، والوصف الثاني: أنه قانت للَّه أي خاضع مطيع مسلم وجهه للَّه تعالى، والوصف الثالث: أنه كان (حَنِيفًا)، أي طاهرا نقيا في نفسه وقلبه مائلا للحق أي متجها بكل نفسه إلى الحق لَا ينحرف إلى الباطل، الوصف الرابع: وهو وصف سلبي ناف عنه الشرك؛ ولذا قال: (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، الوصف الخامس إيجابي، فقال:

стр. 6134

(شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) كان الذين يدَّعون الانتساب إليه في ملته ويقولون إنهم على دين إبراهيم وحنيفيته، يعرفون نعمة اللَّه ثم ينكرونها ويكفرون بها، أما إبراهيم ﵇ فقد ذكر سبحانه أنه كان في حاله التي تحيط به، وتستغرق كل أفعاله (شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ) وأنعمُ جمع نعمة جمع قلة، وإذا كانت حال شكر دائم لأنعمه القليلة فهو بالأولى شاكر لأنعمه السابغة الكثيرة، وفي هذا دعوة إلى أن يكونوا كأبيهم في ملته وهديه وحنيفيته السمحة. وإنه بهذه الصفات العليا من جمعه للفضائل الإنسانية التي كان بها أمة وحده، ومن أنه كان قانتا حنيفا، وشاكرا لأنعمه اصطفاه اللَّه تعالى خليلا، كما قال تعالى: (. . . وَاتَّخَذَ اللَّهَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)؛ ولذا قال تعالى: (اجْتَبَاهُ)، أي اصطفاه نبيا مرسلا، وهداه إلى صراط مستقيم إلى طريق للحق مستقيم، وهو صراط اللَّه تعالى كما قال سبحانه: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِه. . .). وإنه من ثمرة هذه الخصال الكريمة، وأنه هو الذي وفَّى، وأتى بكل الطاعات أتاه الله تعالى خير الدنيا والآخرة. فقال تعالى:

стр. 6135

(وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) الحسنة هي النعمة التي تحسن فيها أمور الدنيا من حياة فاضلة هي الخير كله، وقد أعطى الله تعالى إبراهيم تلك الحياة الحسنة الطيبة فرزقه الولد، بعد حرمان

стр. 6136

طويل، ولم يهبه إلا على الكبر، كما قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ. . .)، وشكر النعمة، واختبر بالفداء بذبح ولده فقبل راضيا، ثم فداه رب العالمين بذبح عظيم ووفقه في بناء الكعبة وأمده بعمر طويل كله كان في الخير وعمل الصالحات، و " خير الناس من طال عمره وحسن عمله " (١)، وجعله أبا الأنبياء وشعر بذلك في حياته فقد كانوا من أولاده، وقد نالوا منزلة النبوة فكان إسماعيل من ذريته النبي الهاشمي الأُميّ، ومن ذرية إسحاق كان أنبياء بني إسرائيل، وجعل اللَّه له كما طلب (. . . لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ)، فكان كل أهل الديانات يتولونه، ويعتزون بالنسب إليه وأنه مع النعم التي أنعمها عليه كان شاكرا لأنعمه. ولذلك حسنت حياته فقال تعالى: (وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ذكر ذلك الكريم الحنان المنان على أنه خبر لَا إيتاء وكأنه نتيجة لما كان منه في الدنيا ولم يذكر أنه عطاء من اللَّه تعالى، وإن اللَّه له المَنُّ والفضل، ولم يذكر ذلك ليبين أن اللَّه تعالى يعطي الناس على قدر شكرهم: (. . . لَئِن شَكَرْتُم لأَزِيدَنَّكُمْ. . .)، وأن خير الآخرة ثمرة عمل الدنيا وكله بفضل اللَّه وعطائه (. . . وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ). وقد أكد أنه في الآخرة من الصالحين بالجملة الاسمية، وإن المؤكدة ولام التوكيد، وأنه في صف الصالحين، والصالحون في الآخرة هم المقربون الذين يفوزون بنعيم الجنة وينظر إليهم ويرضي عنهم ورضوان من اللَّه أكبر. وإن ما دعا إليه إبراهيم ﵇ هو ما يدعو إليه محمد ﷺ ؛ ولذا قال تعالى:

стр. 6137

إن المشركين كانوا يفاخرون الناس بأنهم من ذرية إبراهيم، فالنبي يقرهم على هذا الشرف النسبي، واللَّه تعالى يدعوهم إلى اتباع النبي ﷺ لأن الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ الأُميّ هو ملة إبراهيم ودينه، والقرآن وحي اللَّه تعالى هو الذي يدعو إلى اتباع ملة إبراهيم، فأنتم إذ تشركون، وإذ تعاندون النبي ﷺ تعاندون إبراهيم وتكفرون بشرف انتسابكم إليه ﵇، وتمسككم بإقامة نسكه، واعتزازكم ببيت الله الحرام الذي بناه، وجعله اللَّه مثابة للناس وأمنا، وقوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) فيه ثلاثة أمور بيانية تجب الإشارة إليها: الأمر الأول - في قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) فيه أن ما يدعوكم إليه من عدم الشرك هو وحي من اللَّه باتباع إبراهيم الذي يعتزون به، فذلك الوحي هو مما تفخرون وتعتزون فلا تنافروا الداعي ولا تعادوه، وهو على ملة إبراهيم فسيروا في مفاخركم باتباعها، وهو مائل عن الشرك غير منحرف إليه. الأمر الثاني - التعبير بـ (ثُمَّ) فإن مؤداها أن إيحاء اللَّه لنبيه ﷺ باتباع ملة إبراهيم هو سمو بإبراهيم أعلى من كل ما سبق، لأن المؤدى في كلمة (ثُمَّ) التي تفيد التراخي أنه سما الأمر بإبراهيم أنه علا حتى صار محمد سيد الخلق تابعا له في ملته، فالتراخي هنا معنوي بالعلو بين مرتبة خاتم النبيين ومرتبة سيدنا إبراهيم، وإنه جده، ولكن محمد فخر نبي عدنان وفخر الإنسانية كلها، أشار إلى ذلك الزمخشري وقال في التعليق عليه الناصر أحمد: و (إنما) تفيد ذلك لأن (ثُمَّ) في أصل وصفها التراخي المعطوف عليه في الزمان، ثم استعملت في تراخيه عنه في علو المرتبة بحيث يكون المعطوف أعلى مرتبة وأشمخ محلا مما عطف عليه، فكأنه بعد أن عدد مناقب الخليل ﵇ قال تعالى وها هنا ما هو أعلى من ذلك كله قدرا وأرفع مرتبة، وأبعد رفعة، وهو أن النبي الأُميّ ﷺ الذي هو سيد البشر متبع ملة إبراهيم مأمور باتباعه بالوحي

стр. 6138

متلو أمره بذلك في القرآن الكريم العظيم، ففي ذلك تعظيم لهما لكن نصيب النبي ﷺ من هذا التعظيم أوفر وأكبر. الأمر الثالث - أن قوله تعالى: (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) (أن) هنا بيانية، أي تبين معنى الوحي، فقوله تعالى اتبع ملة إبراهيم تفسير لـ أوحينا، فهي أمر باتباع ملة إبراهيم. وقد ختم اللَّه تعالى النص بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهذا تحريض للمشركين على منع الشرك؛ لأن إبراهيم لم يكن مشركا من وقت نشأته غلاما صبيا إلى أن توفي بعد عمر مبارك طويل مديد ﵇. * * * الإشارة إلى اليهود والدعوة بالحكمة قال اللَّه تعالى: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) * * *

стр. 6139

بين اللَّه تعالى حال المشركين من كفرهم، وعنادهم وكفرهم بالنعمة يعرفون نعمة اللَّه ثم ينكرونها، أشار سبحانه إلى الذين يماثلونهم في الكفر وإنكار النعمة، وهم يكفرون، وهم اليهود فهم والمشركون أشد الناس بغضا للذين آمنوا، وقد أشار سبحانه إليهم بيوم السبت؛ لأنهم الذين اختصوا بتحريمه وإفراده للعبادة وتحريم الصيد فيه، وفي ذكر المشركين إشارة إلى هذه المماثلة وإلى بيان ما يستقبله النبي ﷺ وأن له أياما منهم كأيام المشركين معه فلتصطبر لهم كما صبر من قبلك من الرسل حتى اليوم. يقول تعالى:

стр. 6140

(إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ). أي صير السبت مانعا لهم من مزاولة شئون الحياة للذين اختلفوا فيه، أي لليهود الذين اختلفوا فيه، والاختلاف أمارة أن فيهم من لم يذعنوا للحق ويؤمنوا، فإنه حيث كان الاختلاف كان الذين يلوون ألسنتهم بالقول من غير إذعان للحق والإيمان، فإن الإيمان يجعل النفوس تقر وتطمئن ولا تنازع ولا تلاحى. منعوا من الصيد في يوم السبت، وابتلاهم اللَّه بكثرة السمك فيه، فيوم يسبتون يأتيهم الصيد، ويوم لَا يسبتون لَا يأتيهم، كما قال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)، فمن صبر على البلاء وهم قليلون، كما قال اللَّه تعالى فيهم: (. . . مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ منْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)، وكثيرون تمردوا واختلفوا في تمردهم فمنهم من أعمل الحيلة وفتح قنوات يأوي إليها السمك في يوم سبتهم ليأخذوها يوم لَا يسبتون، ومنهم من تمرد كليا، ولم يطع من غير محاولة التحايل. هذا انخلافهم قى يوم السبت بين صابر لابتلاء اللَّه، ومتمرد عليه، ومتحايل كأنما يخدع اللَّه، وهو معقول في ذاته ومتفق مع طبائع اليهود المادية الذين يأخذون الأحكام بظاهر من القول والعمل، ويكفرون بالحق في لبابه وصميمه.

стр. 6141

وقد قيل إن اختلافهم كان عندما أمرهم موسى بأن يكون يوم الانفراد للعبادة والامتناع عن الصيد يوم الجمعة فأبوا إلا أن يكون يوم السبت، يروى في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ اليَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ " (١)، وإنا نميل إلى الله، ولا نخالف السنة. ثم ختم اللَّه الآية الكريمة بقوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) وإن اللَّه رب الأنبياء ورب محمد، ورب الوجود (لَيَحْكُمُ)، (اللام) في خبر إن، و (لَيَحْكمُ)، أي يفصل وهو خير الفاصلين، وذكر (رَبَّكَ) في هذا المقام للدلالة على عالم محيط، فحكمه هو الفيصل لعلمه وقدرته وإحاطته بكل شيء علما، وموضوع الحكم قال فيه: (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، أي ما كانوا يختلفون فيه بشكل عام، فقد اختلفوا اختلافا كثيرا، فاختلفوا في عبادة العجل، واختلفوا بين (فروشيم)، أي مفسرين وصدوقيين، ومفوضين، واختلفوا على موسى ومن جاء بعده من الأنبياء، ولا يزالون مختلفين، وهم بعيدون عن رحمة اللَّه تعالى. بعد أن ذكر حال اليهود، وأشار إلى عنادهم، وفصل القول في حال المشركين وإيذائهم أمر اللَّه رسوله أن يستمر في دعوته لَا يألوا، فهو مكلَّف بالتبليغ مهما تكن مناوأة المناوئين، فقال تعالت قدرته:

стр. 6142

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) صدع النبي ﷺ بأمر ربه بعد أن أنذر عشيرته وعمت دعوته ربوع البطحاء، وتجاوبت أصداؤها في أرض الجزيرة العربية، وصار الناس يتعرفون أمر هذه

стр. 6143

الدعوة، وتجردت قريش مناوئة بكل مما أوتيت من قوة آذت الضعفاء وفتنتهم عن دينهم وهاجر إلى الحبشة من هاجر فرارا بدينه وحماية ليقينه، فهل يضعف ذلك من ندائه بقوة الحق والإيمان، وهل يخرجه ذلك عن حد الحكمة، بل إنه يستمر هاديا مرشدا؛ ولذا جاء أمر اللَّه بأن يستمر في دعوته بالحكمة والموعظة ولا يخرجه ما يفعلون إلى غير الحكمة، فقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمًوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) ادع مبلغا رسالة ربك ومتبعا سبله وهدايته إلى سبيل ربك، وسبيل اللَّه هو الصراط المستقيم وهو التوحيد وشريعته التي لَا عوج فيها ولا أمتَ بل وهو سبيل الحق الهادي المرشد بالحكمة والموعظة، والحكمة هي القول المحكم الذي يشتمل على الدليل الهادي والبرهان القاطع، والموعظة هي بيان العبر، وضرب الأمثال بما وقع للماضين، وهي المثلات التي وقعت للناس، والموعظة تشمل هذا وتشمل بيان منافعهم في إجابة دعوة اللَّه، والمضار التي تنزل بهم إن أعرضوا وضلوا عن سواء السبيل. وبيان الفرق بين الحكمة والموعظة أن الحكمة ذكر الأدلة على التوحيد التي لا يفهمها إلا الراشدون الذين يدركون الدليل ومقدماته، والموعظة ذكر عواقب الضلال من الحوادث الماضية التي وقعت بالضالين المضلين، والقرآن الكريم قد اشتمل على الحكمة والموعظة، ففيه بيان آيات اللَّه في الكون من خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم المسخرات بأمره وإنزال الماء وإنبات النبات وفلق الحب والنوى، فهذا كله من الحكمة، وفيه قصص الأمم السابقة وما نزل بالعصاة من خسف وزلزال وريح صرصر عاتية، وهذا من الموعظة الحسنة؛ ولذا قال بعض المفسرين (بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) القرآن لأنه يشتمل عليها، ووصفت الموعظة بالحسنة لسهولة قبولها، أو يتخير الرسول أسهلها على النفس، وأحسنها توصيلا للحق الله الهادي إلى سبيل الرشاد. أمره سبحانه أن يدعوهم بالحكمة والموعظة وأن يجادلهم بالتي هي أحسن فقال تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، أي بالطريقة التي هي أحسن في التوصيل إلى الإقناع، فإن لم يكن إقناع فتقريب، فإن لم يكن تقريب لَا يكن

стр. 6144

تنفير، فهو يبين لهم الحق في غير مخاشنة وإن خاشنوه، وفي غير غضب وإن غاضبوه، فالنبي لَا يغضب ولكن يهدي فلا يفجؤهم يما لَا يحبون، بل يأتيهم بالحق مما يحبون ما دام لم يكن باطلا، ولا يكون جافيا في قول أو خلق، ولا يكون غليظا بادي الغلظة، بل يكون ودودا بادي الودة، من غير أن يكون مداهنا في حق، فإن المشركين يودون أن يكون مداهنا في الحق كما قال تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ). (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). أمر اللَّه نبيه بأن يبذل غاية الجهد في الدعوة من غير مغاضبة بل بالمودة والملاينة والرفق في القول والعمل، والمجادلة من غير مشاحنة ولا مخاصمة، بحيث يكونون في جانب، وهو في جانب، ولا يظن أنه بذلك يتأكد إيمانهم فإن منهم من يضل، ومنهم المهتدي، وعليه التبليغ، وليس عليه الهداية؛ ولذا قال: (. . . فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغ. . .)، وقال في هذه الآية: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) هذا النص السامي كأنه جواب عن استفهام مقدر في القول: أبعد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن يكون الإيمان لَا محالة؟، فأجاب سبحانه: فيهم من كتب عليه الضلال وفيهم المهتدي. (إِنَّ رَبَّكَ) الذي يعلم كل شيء لأنه رب الإنسان والوجود (أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ)، أي بمن سلك سبيل الضلالة وأوغل فضل، (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). ونقول: إن أفعل التفضيل ليس على بابه؛ لأنه لَا مفاضلة بين علم اللَّه وعلم أحد، وإنما الذي يقصد من أفعل التفضيل أن علمه بلغ أقصى درجات العلم فلا علم فوق علمه سبحانه. ويلاحظ أنه يعبر عن الضالين بالفعل، (ضَلَّ)، وعن الذين هداهم اللَّه تعالى (بِالْمُهْتَدِينَ)؛ للإشارة إلى أن الضلال مخالف للفطرة حادث عارض لها،

стр. 6145

ولذا عبر عنه بالفعل الماضي، وأما الهداية فهي الفطرة، ولذا عبر عنها بالوصف الذي يدل على الدوام، فقال: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وإذا لم تكن هداية لَا تكون مغاضبة، بل يكون عقاب إن اعتدوا فقال تعالى:

стр. 6146

(وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) هذه السورة سورة النحل مكية كلها، وقيل إن ثلاث الآيات الأخيرة منها، وهي هذه الآية، واللتان تليانها مدنيات، وهي بالمدنيات أشبه؛ لأن المسلمين لم يملكوا القدرة على العقاب إلا بعد الهجرة، وبعد أن أذن لهم بالقتال في قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠). فبعد الهجرة والإذن بالقتال يكون للعقاب موضع؛ إذ كانتا لهم القدرة، ويكون معنى الآية على هذا، وإن عوقبتم أي آذوكم على إيمانكم، وهاجموكم في دياركم وأموالكم، أو أردتم أن تأخذوا منهم حقكم على إيذاء آذوه فعاقبوهم بمثل ما آذوكم، وتسمية فعلكم عقابا هو من قبيل المشاكلة اللفظية، فما كان منهم لم يكن عقابا بل كان إيذاء ابتداء اعتدوا به عليكم كما سمي رد الاعتداء من قبيل المشاكلة اللفظية في قوله تعالى: (. . . فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، فما كان دفع الاعتداء اعتداء إنما كان دفع الاعتداء انتصافا. وما موضع الصبر في هذه الحال، وقد أقسم اللَّه تعالى بأنه (خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ)، ونقول: إن موضعه في أنه لَا يجهز على جريح، ولا يقتل النساء ولا الذرية، ولا تنتهك الفضيلة، وفي ألا يبادروهم بالقتال، ولا ينتهكوا الحرمات

стр. 6147

ولا يمثلوا بالقتلى كما يمثلون، روي أنه في غزوة أحد قتل سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وقد ذكر الرواة في السيرة أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد. . بقروا بطونهم، وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحدًا إلا مثلوا به حتى حمزة عم رسول اللَّه ﷺ فقد مثلوا به، فرآه مبقور البطن، ققال: " أما والذي أحلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك "، ولكن أمر بالنهي عن المثلة. وموضع الصبر أيضا في أنه إذا تمكن منهم المسلمون يعرضون عليهم الإسلام، كما يعرضونه قبل القتال، كما قال النبي ﷺ عندما أرسل معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب إلى اليمن كل بمفرده: " لا تقاتلهم حتى تعرض عليهم الإسلام، فإن أسلموا فخذ من أغنيائهم صدقة وردها على فقرائهم، فإن لم يسلموا فلا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم رجلا فإن قتلوا منكم رجلا، فقولوا لهم: أما كان خيرا من هذا أن تقولوا لَا إله إلا الله ". ونرى أن الصبر كان له موضع ليس في الجهاد، بل في تحمل أذى المشركين عسى أن يهتدوا، هذا إذا كانت الآيات الثلاث مدنية، أما إذا كانت مكية فكيف يكون مبادلة العقاب بعقاب مثله، والمسلمون لم يكن لهم قوة بل كانوا يفرون بدينهم مهاجرين أحيانا ومتحملين أبلغ الأذى أحيانا ومنهم من يُكْرَه وقلبه مطمئن بالإيمان، والجواب عن ذلك أن المسلمين لم يكونوا جميعا مستضعفين، بل كان فيهم أقوياء وإن كانوا نادرين، كعمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب فإنه عندما أسلم عمر ذهب إلى البيت، ونكل بكل من كان فيه حتى إنه كان فيه رجل من المشركين كان قد آذي أبا بكر الصديق فجاء إليه عمر وصرعه، وجلس عليه وأراد أن يفقأ عينيه فاستغاث بالمشركين فما استطاعوا إلى عمر سبيلا وهو باركٌ عليه كما يبرك الفحل، وكان قوي الجسم مديد القامة عملاقا. ويقول علي بن أبي طالب في هجرة عمر: كان المسلمون يهاجرون خفية إلا عمر فإنه عندما هاجر لبس لأْمته وشد عنزته ونادى: شاهت هذه الوجوه، وأرغم

стр. 6148

اللَّه هذه المغاطس، من أراد منكم أن تثكله أمه، وييتم ولده وترمل امرأته فليلقني وراء هذا الوادي. وما أظن أنهم كانوا يستطيعون أن ينالوا من حمزة وأمثاله، وإلا ذاقوا بدل الكأس أكؤسا، ولكن الصبر كان خيرا للصابرين، ولكن ما سبب ذلك؟ السبب أمران: الأمر الأول - أن هؤلاء الأقوياء كانوا قلة نادرة قد ادخرهم اللَّه للشديدة، ولو استرسلوا لتكاثفوا عليهم وأبلغوا في إيذائهم، ولشغلت مكة بهم عن الالممتماع لدعوة النبي ﷺ . الأمر الثاني - أن وقت المغالبة بالقوة لم يحن بل كانت المغالبة بالمصابرة ليثير الصبر على الأذى قلوب ذوي المروءات كما كان يحدث أحيانا، والنبي ﷺ كان أقوى في شخصه وهيبته من كل هؤلاء، ولكنه لم يفرض هيبته ليدخل الناس في الإسلام مختارين غير هيابين. وقد حبب اللَّه تعالى إليه الصبر فقال: (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ للصَّابِرِينَ) فأكده سبحانه أولا بالقسم، واللام الدالة عليه، وبـ (لام) القسم الواقعة في جوابه، وبالضمير (هو)، وبالإظهار في موضع الإضمار للدلالة على أن الصبر خير في ذاته لمن يصبرون. وقد أمر النبي ﷺ في عامة أموره وفي دعوته، وفيما يلقاه من المشركين فقال تعالى:

стр. 6149

(وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) أمره اللَّه تعالى بثلاثة أمور: الأمر الأول - الصبر، والصبر في الناس ضبط النفس وفي النبي ﷺ تحمل الأذى بصدر رحيب، وقلب مطمئن ورضا بالتكليف (وَمَا صَبْركَ إِلَّا بِاللَّهِ)، أي إلا بتوفيقه وعونه وهو نعم العون ونعم النصير.

стр. 6150

الأمر الثاني - ألا يحزن على ما يصيب المؤمنين وكفر الكافرين (. . . فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ. . .). الأمر الثالث - ألا يضيق صدره بمكرهم فالرسالة توجب تحمل كل ما يجيء في سبيل الدعوة، وضيق صدره بما يمكرون بأن يظن أن لمكرهم، أثَّر أي أثر في دعوته، فاللَّه غالب على أمره. وختم اللَّه تعالى السورة بقوله تعالت كلماته بأنه مع المؤمنين دائما.

стр. 6151

(إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) إن اللَّه مع الذين امتلأت قلوبهم تقوى، وجعلوا بينهم وبين غضب اللَّه وقاية (وَالَّذِينَ هْم مُّحْسِنُونَ)، وأكد إحسانهم بالضمير وبالجملة الاسمية، وهو معهم بالصحبة السامية وبالتأييد وبالنصر وبالعزة لهم في الدنيا والآخرة، واللَّه ولي المؤمنين. * * *

стр. 6152

(سُورَةُ الْإِسْرَاءِ) تمهيد: سورة الإسراء سورة مكية، وعدد آياتها ١١١ إحدى عشرة ومائة آية، وقد قيل: إنها مكية نزلت بعض آياتها بالمدينة وهي قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) وقوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) إلى قوله تعالى: (وقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) وكذلك قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨). وقد ابتدئت السورة الكريمة بذكر خبر الإسراء والإشارة إلى المعراج في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وذكر سبحانه أن أهل مكة وبيت المقدس وغيرهم هم ذرية من حملهم اللَّه مع نوح. ثم بين سبحانه أنه قضى لبني إسرائيل أن يفسدوا في الأرض، ففي الأولى يبعث الله لهم قوما أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار، ثم يجعل الله تعالى لأهل الإيمان من أتباع محمد ﷺ من رد الكرة عليهم، وأمد اللَّه المؤمنين بأموال وبنين وجعلهم أكثر نفيرا، فإذا جاء وعد المرة الآخرة من فسادهم يدخلون المسجد كما دخلوه أول مرة، وخاطب سبحانه المؤمنين بقوله تعالى: (. . . لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) ويشير سبحانه إلى أن سبب ذلك فساد أحوال المسلمين، وأنهم إن صلحوا صلحت الأمور، فيقول (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)

стр. 6153

ويشير سبحانه إلى أن خسارة المسلمين ترجع إلى ترك القرآن، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠) وبين أحوال الإنسان فقال: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١). ويذكِّر الله سبحانه المؤمن المدرك بأنه خالق الليل والنهار ليبتغوا فضلا من ربهم، وليعلموا عدد السنين والحساب، ويذكر اللَّه تعالى الناس بيوم الحساب، وأن كل إنسان يكون معه كتابه قد سجلت فيه حسناته وسيئاته (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). ويبين سبحانه أن هلاك الأمم وضعف المسلمين أمام بني إسرائيل في جولتهم الأخيرة سببه الترف والتراخي: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)، وبين اللَّه بعد ذلك سنته في القرون الماضية الذين أهلكهم اللَّه سبحانه، ويقرر سبحانه أن (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ). (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) ونهى سبحانه عن عبادة غير اللَّه مع اللَّه (فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢). ويأمرنا أمرا: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)، ثم يوصى بالقرابة كلها، وبالتوسط في إنفاق المال، ولا ينفقه إلا في خير، ثم ينهى عن قتل النفس وعن الزنا، وأن قتل النفس يجعل للمولى سلطانا في طلب الدم، ثم ينهى سبحانه عن أن يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، ويأمر سبحانه بالوفاء بالعهد وبالوفاء بالكيل والميزان،

стр. 6154

(ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، وأمر سبحانه أن ألا يَقْفُ الإنسان ما لا علم له به، أو ما لَا سبيل إلى العلم، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦). ويعلم الإنسان الأدب واللياقة حتى لَا ينفر الناس منه، (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧) وإن ذلك له في المجتمع عواقب سيئة مكروهة مقطعة لأوصال الجماعة. وينهى سبحانه عن أن يكون مع الله إله آخر، ويندد بعادات أهل الجاهلية في كراهيتهم للبنات (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وقد بين اللَّه تعالى تصريفه سبحانه في القرآن ليتذكر الناس ولكنه يزيدهم نفورا؛ لأنهم يرون فيه قوة الحق، والمبطل المعاند كلما وضحت الحجة نفر وما اهتدى، ثم يبين سبحانه أنه لو كان معه آلهة كما يقولون لنازعوه في عرشه فيفسد الكون. ثم ذكر سبحانه تسبيح كل ما في الوجود له، ثم بين سبحانه هداية القرآن وضلال الناس: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وإن الأمر الذي يشغلهم عن الحق هو كفرهم بالبعث فهم يقولون: (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩). فيرد الله تعالى كلام هؤلاء فيقول: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١). وبين سبحانه أن هذا كله من نزغ الشيطان بينهم، وإن ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم، وما أرسلناك (يا محمد) عليهم وكيلا، وقد بين

стр. 6155

سبحانه أنه فضَّل بعض النبيين على بعض، وآتى الله داود زبورا، ويبين سبحانه عجز الأوثان في كشف الضر، ويصف المؤمنين فيقول تعالت كلماته: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧). ويضرب اللَّه تعالى الأمثال بالقرى التي فسقت عن أمر ربها، فيقول سبحانه: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨). طلب المشركون آيات حسية بدل القرآن، فيقول سبحانه: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠). ثم يشير سبحانه إلى قصة الخلق والتكوين ويذكر تكريم آدم بالأمر بالسجوِد له، وموقف إبليس، ويأمره سبحانه بأن يبذل أقصى ما يملك (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) وبين سبحانه أن عباده المؤمنين ليس للشيطان عليهم سلطان، وكفى بربك وكيلا. ثم بين سبحانه نعمه في البر والبحر وكشف الضر إذ يسمغيثون به، فإذا كشف الضر عنهم أعرضوا وكان الإنسان كفورا. وأشار سبحانه إلى قدرته القاهرة: (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩) أي مطالبا ينتصر لكم، ولقد ذكر بعد ذلك تكريم اللَّه تعالى لبني آدم وذكر أن من تكريمهم أن يبعثوا، (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ

стр. 6156

فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢). ولقد ذكر محادَّة المشركين أن يفتنوا محمدا ﷺ عن دينه، وأنه لولا أن اللَّه ثبته لركن إليهم، (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥). ثم أشار سبحانه إلى أن المشركين يستفزون محمدا وأتباعه ليخرجوه (وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) ويأمره سبحانه بإقامة الصلاة في أوقاتها فيقول: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١). وبعد ذلك ذكر نزول القرآن وأنه يكون تنزيلا وقتا بعد آخر، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢). وبين طبيعة الإنسان غير المؤمن، حيث يعرض عن اللَّه عند النعمة (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) وكل يعمل على شاكلته (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) وبعد ذلك بين القرآن وأن الله يتحدى به الخليقة إلى يوم القيامة. ولقد ذكر سبحانه أنهم طلبوا آيات أخرى حسية، طلبوا أن تفجّر لهم الأرض يناييع، وأن تكون لهم جنات من نخيل وعنب، أو أن يسقط السماء عليهم كسفا، أو يأتي باللَّه والملائكة قبيلا، أو يكود له بيت من زخرف، أو يرقى في السماء ويرسل إليهم كتابا من السماء.

стр. 6157

وكلها آيات مادية حسية، والنبي ﷺ يجيبهم (سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣). ولقد كان المشركون يعجبون ويقولون أبعث اللَّه بشرا رسولا! فيقول سبحانه: (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥). ويأمر النبي ﷺ أن يجعل اللَّه شهيدا بينه وبينهم. وإن من يهديه اللَّه فهو المهتد ومن يضلل اللَّه فلن تجد له أولياء من دونه، (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨). ثم يذكر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض فهو قادر على أن يخلق مثلهم، (. . وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠). وإن المشركين يلحون في أن يأتيهم الرسول بآيات حسية، ولا يقتنعون بالقرآن معجزة مع أنه تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، فذكر اللَّه تعالى أن اللَّه آتى موسى تسع آيات بينات (. . فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢). فهم مع هذه الآيات التسع لم يؤمنوا، فأخرجهم من الأرض فأغرقه اللَّه ومن معه جميعا. وقد بين مقام القرآن والرسالة المحمدية، فقال عز من قائل: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦). وأنه لَا يغض من شأن القرآن إلا من به

стр. 6158

أشرك: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩). وكان المشركون يقولون لَا نعرف الرحمن، فقال لهم رب العالمين: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١). * * * معاني السورة الكريمة قال اللَّه تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) * * * جهدت نفس النبي ﷺ ولم ييأس من رحمة اللَّه عندما ماتت زوجه المواسية الحانية التي كان يسكن إليها بعد لغوب الحياة ومعاندة المشركين وإيذائهم له وللمؤمنين فهي التي واسته عندما نزل الوحي، وذهب إليها يرجف فؤاده، فقالت له: إنك تكوم الضيف وتحمل الكل، وتعين على نوائب الدهر، ولن يضيعك اللَّه أبدا، وذهبت برسول اللَّه ﷺ إلى ابن عمها الذي كان على علم بالكتاب فقال له: إن هذا هو الناموس الذي نزل على موسى من قبل، ليتني أكون فيها جذعا إذ

стр. 6159

يخرجك قومك فقال ﷺ : " أو مخرجي هم " فقال: ما أتى قوم بمثل ما أوتيت إلا أخرجوه. (١) وفى سنة وفاتها توفى الحامي الحاني أبو طالب الذي كان درئة (٢) من قريش، فسمى النبي ﷺ ذلك العام عام الحزن. وذهب إلى الطائف يعلن الدعوة في ثقيف عسى أن يكون منهم النصراء المستجيبون ولكنهم ردوه ردا قبيحا وأحس أنه فقد المعين، فقال داعيا ربه: " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي إلا أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل عليَّ غضبك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك ". استجاب اللَّه تعالى لنبيه الكريم فأعطاه القوة بالبراهين الحسية التي لَا يماري فيها إلا المثبورون، فشق له القمر ورآه السارُون (٣) فماروا وقالوا سحر مستمر مع أنه رؤى رأي العين، وأعطاه اللَّه قوة الحيلة فتحايل للدخول إلى مكة فى جوار بعض القرشيين، فدخلها بين أولاد من نزل في جواره، وقد خرجوا ليناصروه، وإذا كان فقد العم البار الحاني، والزوجة المؤنسة الواسية الحانية فإن اللَّه تعالى أشعره بأن اللَّه معه ومؤنسه، وكان ذلك بالإسراء والمعراج، فآنسه اللَّه تعالى في وحشته.

стр. 6160

قال تعالى:

стр. 6161

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... (١) (سبحان): اسم في معنى المصدر، وهو غير متصرف فلا تجري عليه وجوه الإعراب وليس له فعل، وقد يعده بعض العلماء مصدرا من سبح يسبح تسبيحا وسبحانا، ومعنى هذه اللغة تنزيه اللَّه تعالى وتقديسه وبراءته من كل نقص لَا يليق بالذات العلية المكرمة، وقد روي أن طلحة بن عبيد اللَّه أحد العشرة المبشرين بالجنة سأل رسول اللَّه ﷺ ما معنى سبحان اللَّه فقال: " تنزيه الله من كل سوء "، وصدرت الآية أو السورة بالتسبيح وتتزيه اللَّه تعالى عن كل عيب؛ لأنه سيكون فيها إسراء ومعراج، واتجاه إلى اللَّه واستشراف بالملأ الأعلى فكان لَا بد من الابتداء بما يدل على التنزيه عن التجسيم والأغراض التي لَا تليق بذاته الكريمة، و (سبحان) منصوبة على أنها مفعول مطلق؛ لأنه في معنى المصدر أو مصدر كما ذكر. وأسرى: أي سار ليلا، فالإسراء لَا يكون إلا بالليل، وذكر (ليلا) للتبعيض فكان التنكير للدلالة على البعضية، فالإسراء كان في بعض الليل لَا في الليل كله، فما استغرق الليل كله، بل كان في بعض، وكان ذكر ليلا للإشارة إلى أنه حين يكون السير ليس سهلا، إذ إن الانتقال إلى مكان بعيد لَا يكون ليلا، بل يكون نهارا، ولا يكون بعض الليل بل يكون بعض النهار، فذكر " ليلا " اللدلالة على موضع الغرابة، أنه كان بأقصى السرعة، وكان ليلا. وذكر " عبده " في قوله تعالى (أَسْرَى بِعَبْدِهِ)، للإشارة إلى قرب من نبيه فقد خلص له، ولم يكن بينه وبينه حجاب إلا العبودية، وأضافه إليه سبحانه لمعنى الاختصاص وأنه صار خالصا للَّه ، وفي ذلك إشارة إلى معنى دعائه ﷺ : " إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي " فقال له ربه: أنت عبدي، أي أنت لي خالصا. وقد عين ابتداء السير، وانتاءه فقال سبحانه: (مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا) فالابتداء من المسجد الحرام لَا من مكة كلها، وصحت الرواية

стр. 6162

عن النبي ﷺ بأنه أسرى به من الحِجْر في المسجد (١)، وقيل إنه أسرى به من بيت أم هانئ بنت أبي طالب، ونحن نرى أن الأولى أن يكون ابتداء الإسراء من الحجر، لصحة الرواية ولأنها التي تتفق مع النص، لأن النص ذكر أنه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومكة وإن كانت حرما آمنا لأجل المسجد الحرام، فليست كلها الكعبة ولا المسجد الحرام. والمسجد الأقصى هو بيت القدس، قيل إن الذي بناه يعقوب بن إسحاق ﵉، ومهما يكن تاريخ بنائه فهو مسجد مقدس كما قال ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: البيت الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا " (٢). وهو إحدى القبلتين - أولهما - اتجه إليه النبي ﷺ في مكة، فقد كان في صلاته يصلي متجها إليه غير مستدبر الكعبة، ولما هاجر استمر يتجه إلى بيت المقدس وحده نحو ستة عشر شهرا (٣). وكان الإسراء قبل الهجرة بعام، وبعد موت أم المؤمنين خديجة، وعمه أبي طالب، وقد ذكرت في أول القول ما كان للإسراء من أثر نفسي في التسرية عن النبي ﷺ . وقد ذكر اللَّه تعالى بعد المسجد الأقصى وصفا كريما له فقال: (بَارَكنَا حَوْلَهُ)، ففيه آثار النبيين من أولاد إسحاق ﵇ وفيه كانت الإمامة الكبرى بأرواحهم، وقد قال الزمخشري في قوله تعالى: (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) يريد سبحانه بركات الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى، ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة، وكانت بركته أيضا في أنه إلى هذا الوقت كان قبلة المسلمين.

стр. 6163

وقوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) أي يُرى رسول اللَّه ﷺ من آيات ربه الكبرى ومن إمامته لأرواح الأنبياء أو للأنبياء أنفسهم قد أحضرهم اللَّه تعالى له بأجسادهم، كما يبعثهم يوم البعث بأجسادهم، وتلك آيات من آيات اللَّه تعالى، وعرج به إلى السماوات العلا، كما قال تعالى في سورة النجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨). هذه آيات المعراج لَا نتعجل الكلام في ذكر معانيها، فنؤجل ذلك إلى الكلام في معاني هذه السورة التي تصور الرحلة النبوية إلى السماوات العلا سواء أكانت هذه الرحلة بالروح فقط أم بالروح والجسد، واللَّه على كل شيء قدير، بقي أن نتكلم في الإسراء والمعراج أكان بالروح أم بالجسد والروح؟. اتفق علماء السلف على أن الإسراء كان بالروح والجسد، وأنه كان ليلا، والنبي ﷺ مستيقظ يرى ويسمع، ولذا وصف عير قريش وذكر أنه يتقدمها جمل أورق. ولم يخالف في ذلك إلا ما روي عن عائشة وعن معاوية من الذين لقوا رسول اللَّه ﷺ ، ونقول: إن عائشة ﵂ ما كانت زُفت إلى رسول اللَّه ﷺ وما كانت في سن تسمح لها بالرواية، إلا أن تكون قد روت ذلك عن غيرها، ولم تذكر من روت عنه، ومهما يكن فهي الصِّدِّيقة بنت الصَِّدِّيق، ولكنا لا نأخذ برأيها وقد كان رأيا لنا أن نخالفه، وأما معاوية فماله ولهذا وقد كان هو وأبوه ممن كذبوا النبي ﷺ في أصل الإسراء، فلم يكن وقت الإسراء إلا مشركا ككل المشركين.

стр. 6164

ونحن نرى أن الإسراء كان بالجسد في حال يقظة النبي ﷺ فلم يكن في منام: أولا: لأن اللَّه تعالى قال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) والعبد جسد وروح. وثانيا: أنه وصف لهم ما رأى وعاين. وثالثا: أنهم ما كانوا يختلفون عليه لو كانت الرؤيا منامية. وأما المعراج، فإن بعض العلماء قال: إنه بالروح دون الجسد، وقد قال في ذلك القرطبي: " قالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا) فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء " (١)، وإننا نميل إلى هذا الرأي، واللَّه أعلم. وختم اللَّه آية الإسراء بقوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) الضمير يعود إلى اللَّه تعالى، وذكر (السمِيعُ الْبَصِيرُ) في هذا المقام للإشارة إلى أن اللَّه تعالى عليم علم من يسمع بما قيل لك من مشركي قريش وأهل الطائف، والعليم علم من يبصر بما رد به سفهاء ثقيف وما أوذيت به من أذى رق له قلب بعض المشركين، وهو تعالى مؤنسك في وحشتك وناصرك في وحدتك، فإذا فقدت النصير من أهل الدنيا والمواسي منهم فاللَّه معك، وهو أعز نصير وأَرحم بك. تنبيهان: أولهما: أن المشركين عندما كانوا يطلبون آيات حسية كانوا يريدون الإعنات لا الإقناع، فهذه الآية الحسية قد جاءتهم فزادوا خسرانا، جاءتهم في الإسراء وشق القمر، فزادوا كفرا فقالوا: سحر مستمر.

стр. 6165

ثانيهما: أن بعض الناس يذكرون الإسراء مع ما يقال الآن في الخروج إلى الفضاء والارتفاع إلى السماء وهذا تهجم على المعجزات، إن الارتفاع إلى الفضاء أو القمر أو المريخ بأسباب حسية مادية هي رافعة كروافع لأحمال لَا فرق بين صغيرها وكبيرها، أما معجزة الإسراء فهي انتقال من مكان إلى مكان في وقت كان الانتقال يستغرق أربعين يوما من غير سبب ظاهر، أو دفعة حسية بل بسبب آخر وهو قدرة اللَّه تعالى ولا شيء سوى قدرته ولا يوجد مثل هذا الآن ولا في أي زمان إلا أن يكون معجزة، فلا يستطيع ذلك أحد إلا اللَّه العلي القدير الحكيم العليم (١).
следующие страницы →